كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 192-231
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 192-231
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الثمرة من غير عمل، وهذا محال فإن الجزء الذي شرط له قوبل استحقاقه بالعمل فيستحيل ثبوت استحقاقه دونه.
وينقدح لي إذا علم البعض! نسبة أجرة المثل إلى الأعمال التي لا تسقط من أعمال المساقاة إلا على ندور دون ما يغلب سقوطه في تارة ويغلب الإتيان به في تارة حتى يتبين أنه لو استتمها كم كانت [أجرة مثله؟ وإذا سقط بعض الأعمال؛ كم أجرة مثله؟ فينسب ما سقط من] أجرة المثل إلى جميعها وتسقط.
مثال ذلك من الجزء [المشروط من الثمار] فإن كان الساقط نصف أجرة المثل [مثلاً] سقط نصف ما شرط للعامل ليفوز به رب الثمار، ولست أرى [إسقاط] استحقاقه من الثمار وإيجاب أجرة المثل؛ كما ذكرناه في انفساخ العقد، وليس يبعد المصير إليه، فإن تبعيض الثمار عسير في وجه الرأي.
فرع: إذا لم تثمر الشجرة أصلاً أو تلفت الثمار بجملتها، أو غصبت، فعلى العامل إتمام العمل.
وإن تضرر كما أن عامل القراض يكلف التنضيض وإن ظهر الخسران في المال كما حكاه المتولي.
قلت: ويجوز أن يفرق بينهما بما ذكره الأصحاب في توجيه وجوب التنضيض، وهو أنه قبض المال ملكاً تاماً، والدين يناقض ذلك فلزمه رده، كما أخذه وهذا مفقود هنا، وقد قال الرافعي: إن ماصار إليه المتولي أشبه مما ذكره في "التهذيب" أن الثمار إذا هلكت كلها بالجائحة أن العقد ينفسخ إلا أن يريد بعد تمام العمل وتكامل الثمار، وإنه إن هلك بعض الثمرة؛ فللعامل الخيار بين أن يفسخ ولا شيء له، وبين أن يجبر ويتم العمل ويأخذ نصيبه من الباقي.
قال: وإن ساقاه في المرض وبذل له أكثر من أجرة المثل اعتبرت الزيادة من الثثلث؛ لأنها محاباة؛ فأشبه ما لو أجره داره بأقل من أجره المثل.
وقيل: يعتبر من رأس المال كما في القراض والجامع بينهما أنه [لو] لم يكن ملكا لما شرطه للعامل حين العقد والصحيح هو الأول.

والفرق بينهما مذكور في "باب القراض".
وقد حكى المتولي في باب الوصية: أنه ينظر إلى القدر الذي يحصل من الثمار دون عمل العامل، وإلى ما يحصل من الزيادة بسبب عمله، فإن كان المشروط للمالك [قدر ما] يحصل له من فائدة النخل لو لم يكن عمل العامل، أو أكثر لم يعتبر من الثلث؛ لأنه لو ترك المساقاة لم يعتبر ما فاته من النخيل من الثلث وإن كان دون ذلك القدر فقدر النقصان مما كان يحصل له دون عمله، معتبر من الثلث.
قال: وإن اختلفا في القدر المشروط للعامل أي مثل إن قال العامل شرطت لي النصف، وقال رب الشجر: بل الثلث، ولا بينة؛ تحالفا؛ لأنهما اختلفا في عوض العقد فتحالفا؛ كالمتبايعين والمتواجرين، فإذا تحالفا وانفسخ العقد أو فسخ، فإن لم يكن للعامل عمل فلا شيء له، وإن كان له عمل فله أجرة مثله، سواء أثمرت الشجرة أو لا، أما إذا كانت لأحدهما بينة عمل بها، وإن كان لهما بينة على عقد واحد في زمن واحد تعارضتا وفيهما قولان: فإن قلنا: يسقطان فكأن لا بينة.
وإن قلنا: تعملان فيتعين هاهنا القرعة كما جزم به الماوردي وحكاه الفوراني عن القفال، وأنه قال: لا يجيء في هذه الصورة قول القسمة والوقف؛ لأن العقد لا يمكن قسمته ولا يجوز وقفه، وحكي عن غيره أنه يجيء قول القسمة أيضاً فيسلم للعامل ما اتفقا عليه وما اختلفا فيه وهو في مثالنا السدس، يقسم بينهما نصفين، وإذا استعملنا القرعة فخرجت لأحدهما، فهل يحلف معها؟ فيه وجهان: أصحهما [:لا].
ولنختم الباب [بفروع] تتعلق به.
إذا كانت الأشجار بين شخصين نصفين، فساقى أحدهما صاحبه على نصيبه و [شرط له أكثر من نصف الثمرة، مثل أن جعل له ثلثي الثمرة صح، وإن] شرط له نصف الثمرة لم يصح؛ لأنه لم يثبت عوضا للمساقاة.
ومن طريق الأولى: إذا شرط له الثلث؛ لأنه شرط [عليه] أن يترك بعض ثمرته.

وهل للعامل أجرة المثل؟ فيه خلاف المزني وابن سريج؟ و [قد] حكى الماوردي: أن أبا إسحاق وجمهور أصحابنا وافقوا المزني في عدم الرجوع.
ولو شرط جميع الثمرة للعامل فسد [العقد] على الأصح كما ذكرناه، وفي استحقاقه أجرة المثل الخلاف السابق.
إذا خرجت الأشجار المساقي عليها مستحقة أخذها المالك مع الثمرة إن كانت باقية، فإن جففها ونقصت [الثمرة بالتجفيف] استحق الأرش، والحكم فيه؛ كما لو كانت الثمار تالفة وسنذكره.
قاله القاضي الحسين، ويرجع العامل على المساقي بأجرة المثل إن كان قد عمل جاهلاً بالحال؛ كما لو غصب نقرة واستأجر شخصاً على ضربها دراهم ولم يعلم الأجير.
وفيه وجه: أنه لا أجرة له؛ تخريجاً على قول الغرور؛ لأنه الذي أتلف منفعة نفسه.
وإن اقتسم الثمرة وتلفت في يدهما، فإن تلفت بسرا أو رطباً أو تمراً مكنوزاً- رجع بقيمتها.

وإن تلفت تمراً بثا رجع بمثله، قاله الماوردي، والمالك بالخيار في نصيب العامل بين أن يطالب بضمانه الغاصب أو العامل وقرار الضمان على العامل.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجه في رجوعه به على الغاصب المساقي؛ لكونه غره.
وحكي عن أبي العباس أنه قال: وهذا كما لو اشترى أرضاً وبنى فيها وغرس فاستحقت وقلع عليه البناء والغراس، فإنه يرجع بأرش النقص إن كان جاهلاً بالحال على البائع الغار، وهو ما بين قيمته قائماً ومقلوعاً.
وذكر في "التتمة": أن بعض الأصحاب بنى المسألة على ما إذا أطعم الغاصب المالك الطعام المغصوب، فيجيء من هاهنا وجه أن القرار على الغاصب قاله الرافعي وهو ما حكيناه عن القاضي.
وأما نصيب الغاصب فللمستحق مطالبته به، وهل يطالب به العامل؟ قال القاضي الحسين: لا يخلو ما أن يكون قد دخل الجميع في يد العامل قبل الاقتسام بأن اجتنى الجميع وأحرزه في موضع إلى أن يتفق الاقتسام، أو لم يدخل الجميع في يده فإن [كان] لم يدخل في يده فلا يطالب به، وإن كان قد دخل في يده ففيه وجهان: أظهرهما عند المعظم كما قاله الرافعي: نعم؛ لثبوت يده عليه كما يطالب عامل القراض إذا خرج ماله مستحقاً.
والثاني: المنع؛ لأن يده لم تثبت عليه حكما بدليل أنه لا يلزمه حفظها بخلاف عامل القراض: فإن اليد للعامل بدليل أنه يلزمه حفظه [وهذا] ما حكاه الماوردي، وحكاه في [بحر المذهب] عن القاضي الطبري، وعلى الوجهين يخرج ما إذا تلفت جميع الثمار قبل المخاصمة بجائحة أو غصب فعلى الأول: يطالب العامل، وعلى الثاني: لا، ولو تلف شيء من الأشجار ففيه الوجهان وإذا قلنا: إن العامل يطالب بنصيب الغاصب، فإذا غرمه ففي رجوعه على الغاصب الخلاف المذكور في رجوع المودع على المودع، والظاهر أنه يرجع إذا

بدا صلاح الثمرة فإن وثق المالك بالعامل؛ فتركها في يده إلى وقت الإدراك، فيقتسمان حينئذ إن جوزنا القسمة، أو يبيع أحدهما نصيبه من الآخر، أو يبيعان من ثالث، وإن لم يثب به وأراد تضمينه التمر أو الزبيب، فينبني على أن الخرص عبرة أو تضمين؟ إن جعلناه عبرة لم يجز، وإن جعلناه في الزكاة تضميناً انبنى على جواز دخوله المساقاة، وفيه قولان تقدما والصحيح دخوله، ويجري الخلاف فيما لو أراد العامل تضمين المالك بالخرص.
إذا انقطع ماء البستان وأمكن رده ففي تكليف المالك السقي وجهان: أحدهما: لا يكلف؛ كما لا يجبر أحد الشريكين على العمارة.
والثاني: يكلف؛ لأنه لا يتمكن من العمل إلا به، فأشبه ما إذا استأجر لقصارة ثوب بعينه يكلف تسليمه إليه، فعلى هذا لو لم يسع في رده لزمه للعامل أجرة عمله.
ولو لم يمكن رد الماء، فهو كما لو [تلفت الثمرة] بجائحة.

باب المزارعة

قال: المزارعة أن يسلم الأرض إلى رجل ليزرعها ببعض ما يخرج منها.
هذا التفسير من الشيخ يقتضي صدق هذه التسمية سواء كان البذر من صاحب الأرض، أو [من] العامل، أو منهما على حسب ما شرطا كما صرح به الماوردي وهو منطبق على قول من ادعى أن المخابرة والمزارعة بمعنى واحد، وهو البندنيجي وقال: لا يعرف في اللغة بينهما فرقا.
وحكى صاحب "البيان" "ورفع التمويه": أنه الذي صار إليه أكثر الأصحاب، وكلام القاضي أبي الطيب يدل عليه حيث قال: المخابرة المزارعة؛ لأن الأكار الذي هو الزارع يسمى: الخبير.
وقول الشافعي: المخابرة استكراء الأرض ببعض ما يخرج منها ودلت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في نهيه عن المخابرة [على] أنه لا تجوز المزارعة على الثلث، ولا على الربع ولا على جزء من الأجزاء؛ لأنه مجهول، ولا يجوز الكراء إلا معلوماً- دليل على ذلك أيضاً، وكذا قول الجوهري في "الصحاح": الخبير الأكار؛ ومنه المخابرة وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، وقد ادعى النواوي وغيره أن الذي ذكره الجوهري هو ظاهر نص الشافعي، والصحيح أن المزارعة المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج من زرعها والبذر من مالك الأرض والمخابرة مثلها إلا أن البذر من العامل، فتكون المزارعة على هذا

إكراء العامل ليزرع الأرض ببعض ما يخرج منها، والمخابرة إكراء الأرض للزراع ببعض ما يخرج منها واشتقاقها من الخبار وهي الأرض الرخوة.
وقيل: من الخبر، وهو شرب الماء يقال: كم خبر أرضك؟ أي كم شرب أرضك، حكاه أبو الطيب وقيل: من الخبر، وهو الزرع.
وقيل: من معاملة خيبر حيث أقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها فقال: "خابروهم" أي عاملوهم على خيبر.
وقيل: من الخبرة، وهي النصيب حكاه الماوردي.
وقال رحمه الله تعالى: ولا يجوز ذلك لما روى مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المُحَاقَلَة، والمُزَابَنَة، وَالمُعَاوَمَة والمُخَابَرَةِ وعن الثُنيَا في البيع فثبت المنع في المخابرة بالنص، والمزارعة إن لم تكن هي نفسها قسناها عليها، على أنه قد روي عن ثابت بن الضحاك وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة، لكن قال الأصحاب: إن النهي عن المخابرة أثبت منه، وقد أشار الشافعي بقوله: ولم ترد إحدى سنتيه الأخرى إلى أن القياس التسوية بين الجواز في المساقاة والمزارعة، أو المنع فيهما؛ لأن كل واحد منهما عقد على عمل في الشيء ببعض ما يخرج منه غير أنا اتبعنا فيهما السنة، والسنة فرقت

بينهما والمعنى فيه: أن تحصيل منفعة الأرض ممكنة بإجارتها، فلم يجز العمل عليها ببعض ما يخرج منها.
أصله: المواشي [وغيرها] من الأعيان.
قال: إلا على الأرض التي بين النخيل أي وما في معناه، بحيث لا يمكن سقي ذلك إلا بسقي الأرض فيساقيه على [النخل ويزارعه] على الأرض، ويكون البذر من صاحب الأرض؛ فيجوز ذلك تبعاً للمساقاة.
وقد استدل الأصحاب لذلك بما روى مسلم عن ابن عمر قال: "أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع"، وهو خاص فقدم على الخبر العام، وهو نهيه عن المخابرة.
وبأن الحاجة ماسة إلى تجويز ذلك [إذ] لو منع أدى [إلى] أن يسلم لرب النخل عمل العامل في الأرض بالعقد على النخل مجاناً؛ [لأنه] لا يتوصل إلى العمل على النخل إلا بالعمل على الأرض التي تكون بين ظهراني النخل فاغتفر هذا العقد تبعاً لذلك، والشيء يجوز أن يدخل في العقد تبعاً، فإن امتنع إفراده، فكالعقد على الحمل في البطن، والثمرة قبل بدو الصلاح، واعتبار كون البذر من صاحب الأرض وإن لم يشهد له الحديث؛ ليكون العقدان واردين على مجرد المنفعة فيتحقق التبعية.
أما إذا أمكن سقي النخيل وما في معناه بدون سقي الأرض التي بينه فلا يجوز المزارعة عليها تبعاً للنخل.
قال: وقيل: إن كان النخل قليلاً والبياض كثيراً لم يجز أي وإن وجد ما ذكرناه من الشروط؛ لأن الكثير لا يجوز أن يتبع القليل، وعلى هذا فالكثير: ما تكون مساحته مثل مساحة مغارس النخل، أو أكثر.
وقيل: العبرة بكثرة الريع.
قال الغزالي: ولعله الأظهر.
وحكى في "البحر" وجهاً غريباً: أنه يجب أن يكون البذر من العامل، ووجهاً أن البذر يجوز أن يكون على من شرط من رب الأرض أو العامل، وهذا ما

حكاه الشيخ أبو علي وغيره، وقد أجري هذا الوجه أيضاً فيما لو شرط على العامل الثور دون البذر، وصححه العبادي؛ لأنه يصير كأنه اكترى العامل وثوره بجزء من الزرع، وعلى هذا الوجه إذا أخرج العامل البذر على شرط [أن يكون] التبن [لأحدهما] و [الحب] بينهما نصفين صح، وكذا لو شرطا أن يكون التبن والحب بينهما، ولو شرطا الحب للعامل والتبن لصاحب الأرض والثور- لم يجز، ولو انعكس الحال فوجهان.
والفرق أن صاحب الأرض أصل، فلا يجوز أن يعطى ما ليس بأصل، وهو التبن.
تنبيه: في قول الشيخ [فيجوز ذلك] تبعاً للمساقاة ما يعرفك بأن محل الصحة إذا لم يفرد المزارعة بعقد؛ كما هو شأن البائع في البيع من الحمل وغيره.
وصورته: أن يقول: ساقيتك على النخل، وزارعتك على البياض الذي بينهما بكذا، فيقول العامل: قبلت: ويقوم مقام ذلك قوله عاملتك على هذه النخيل والبياض الذي بينه بكذا، صح في المساقاة دون المزارعة، صرح به القاضي أبو الطيب.
وقال في "البحر": يجب أن يبنى هذا على تفريق الصفقة، ولو أفرد كلاً من المساقاة والمزارعة بعقد، فإن قدم عقد المزارعة بطل، وإن قدم عقد المساقاة ففي الصحة وجهان شبههما القاضي أبو الطيب، والمحاملي وغيرهما بما إذا باعا الثمرة قبل بدو الصلاح من صاحب الأصل بغير شرط القطع.
وحكى الإمام في صحة عقد المزارعة إذا أفرد ثلاثة أوجه: أقيسها: عدم الصحة، وأعدلها ثالثها وهو إن تقدمت المساقاة صحت المزارعة، وإلا فلا.
[قال:] ومن قال بصحة المزارعة عند التقدم، فلا يراه إلا موقوفاً على وجود عقد المساقاة بعده، وإن صح هذا الوجه فهو بعينه يجيء فيما إذا باع الثمرة قبل بدو الصلاح مطلقاً، ثم باع الأصل من مشتريها.
فرع: لو قال ساقيتك على النخل بكذا وزارعتك على البياض الذي بينهما بكذا، فقال العامل: قبلت قال القاضي الحسين: إن صححنا المزارعة عند إفرادها بالعقد فهاهنا أولى، وإلا فوجهان نظراً إلى اتحاد القبول.

ولو قال: زارعتك على البياض وساقيتك على النخيل بكذا، فقال العامل: قبلت- فقد حكى الإمام عن القاضي: أنه يصح وجهاً واحداً.
وقال: إن الذي ذكره صحيح.
قال: ولا يجوز ذلك إلا على جزء معلوم من الزرع كالمساقاة للخبر.
وقول الشيخ: كالمساقاة يجوز أن يكون نظمه قياساً وهو الأقرب، ويجوز أن يكون جعله شرطاً آخر وهو أن يكون الجزء المشروط من الزرع للعامل، كالجزم المشروط في المساقاة؛ كما حكاه الماوردي عن البصريين.
لكن الراجح- وهو الذي جزم به المحاملي والقاضي أبو الطيب، وحكاه الماوردي عن البغداديين: عدم اشتراط ذلك؛ بل يجوز أن يشترط له من الزرع الربع، ومن الثمرة النصف، وبالعكس.
ولنختم الباب بذكر فائدة وفرع يتعلق به.
فائدة: ما الحيلة في تحصيل مقصود المزارعة إذا لم يكن ثم نخل؟ قلت: قد ذكر الأصحاب لذلك صوراً فلنقتصر منها على ما نص عليه الشافعي، وهو أن يكري مالك الأرض نصفها بنصف عمل العامل، ونصف منفعة الآلات التي يستعملها العامل إن كانت الآلات له، ويكون البذر مشتركاً بينهما، فيشتركان في الزرع على حسب الاشتراك في البذر.
والفرع: لو كان بين نخل المساقاة زرع لرب النخل- كالموز والبطيخ وقصب السكر- فساقاه على النخل والزرع معاً على أن يعمل فيهما بالنصف منهما، ففيه وجهان: أحدهما: تجوز المساقاة في الزرع تبعاً للمساقاة [في النخل؛ كما تجوز المخابرة تبعاً للمساقاة].
والثاني: لا، والفرق: أن المساقاة على الزرع هي استحقاق بعض الأصل، والمخابرة على الأرض لا يستحق فيها شيء من الأصل، كذا قال الماوردي، والله أعلم.

باب الإجارة

الإجارة بكسر الهمزة.
وقيل: بضمها: مصدر أجر يؤجر إجارة، وهي مشتقة من الأجر، والأجر: ثواب العمل وعوضه.
يقال في الدعاء: آجرك الله؛ أي: أثابك، وكأن الأجر عوض عمله، [كما أن الثواب عوض عمله].
وهي في الشريعة: عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبدل والإباحة بعوض معلوم.
ويقال: استأجرت دار فلان وآجرني داره ومملوكه يؤجرهما إيجاراً فهو مؤجر وذاك مؤجر، وأجرت داري أو مملوكي غير ممدود وآجرت ممدود والأول أكثر.
قال الأخفش: ومن العرب من يقول: أجرت غلامي أجراً فهو مأجور وأجرته إيجاراً فهو مؤجر، وآجرته على فاعلته فهو مؤاجر.
والأصل في مشروعيتها قبل إجماع الصحابة، والتابعين من الكتاب قوله

تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، وقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ الآية [الكهف: 77]، وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: 26، 27]. وهذا وإن ورد في شرع من قبلنا؛ فقد ورد في شرعنا ما يقرره فكان حجة.
روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: "رَجُلُ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلُ بَاعَ حُراً فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلُ اسْتَاجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ".
وروي عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ".
وروى أنه- عليه السلام- لما ولد إبراهيم استأجر له ظئراً يقال لها: أم سيف؛ امرأة رجل بالمدينة، يقال له: أبو يوسف، وغير ذلك من الأخبار والآثار.
ومن جهة المعنى: أن الحاجة إلى الإجارة داعية، والضرورة إليها ماسة؛ فإنه ليس لكل أحد ظهر يركبه ولا دار يسكنها، ولا يقدر كل أحد على أن يعمل جميع ما يحتاج إليه من الأعمال بنفسه، وإن قدر فلا يحسن به؛ فجوزت لذلك، كما جوز بيع الأعيان.

قال: الإجارة بيع؛ لأنها تمليك من كل المتواجرين لصاحبه، لصاحبه، فإن المستأجر يملك المنفعة في مقابلة الأجرة والآجر يملك الأجرة في مقابلة المنفعة فكان كبيع العين بالعين.
ونظم ذلك قياساً: أنه تمليك معلوم بمال معلوم فكان كبيع العين بالعين.
واختصاصه باسم الإجارة لم يخرجه عن أن يكون بيعاً؛ ألا ترى أن الصرف والسلم والصلح بيع، وإن اختص باسم.
إذا تقرر ذلك فما المعقود عليه؟ الذي ذهب إليه الأكثرون: المنفع وتوجه العقد إلى العين لتعيين المنفعة لا لأنه ورد العقد عليها.
وقال أبو إسحاق: إنما يتناول العقد [العين] دن المنفعة ليستوفي من العين- مقصوده من المنفعة؛ لأن المنافع غير موجودة حين العقد فلم يجز أن يتوجه العقد إليها.
وخطأه الماوردي، وكلام القاضي الحسين يقتضي ترجيحه، فإنه قال: الأصح أنها عقد على العين لاستيفاء المنفعة منها وهذا حقيقة ما ذهب إليه أبو إسحاق.
وقال الإمام: إن القاضي أشار بذلك إلى أن العاقد يقول: أجرتك هذه الدار، فيضيف لفظه إلى عينها؛ والمقصود استيفاء المنفعة منها، ومن هنا أخذ الرافعي أن هذا الاختلاف ليس خلافاً محققا؛ لأن من قال: المعقود عليه العين [لا] يعني به أن العين تملك بالإجارة كما تملك بالبيع؛ ألا ترى أنه قال: المعقود عليه العين لاستيفاء المنفعة، ومن قال المعقود عليه المنفعة لا يقطع الحق عن العين بالكلية؛ بل له أن يسلم العين وإمساكها مدة العقد لينتفع بها.
وقد حكى في البحر وجهاً في أن حلى الذهب لا يجوز إجارته بالذهب، وحلي الفضة لا يجوز إجارته بالفضة، ولا يظهر له وجه إلا التخريج على مذهب أبي إسحاق، وإذا كان كذلك فقد صار خلافاً محققاً، ونشأ منه الاختلاف في هذا الفرع، ثم على الصحيح هل تحدث المنفعة على ملك المستأجر أو ملك الآجر ثم تنتقل إلى المستأجر؟ المشهور الأول.

وفي الحاوي حكاية خلاف في ذلك حكاه عند الكلام في أن الآجر هل يجوز له أن يستأجر العين المستأجرة من المستأجر؟ وقال: إن الشافعي أشار إلى ذلك في كتاب الرهن، قال: تصح ممن يصح منه البيع؛ أي ولا تصح من غيره؛ لأنه قد ثبت أنها بيع وهذا حكم البيع.
قال: وتصح بلفظ الإجارة؛ لأنه الموضوع لها، ولا فرق في ذلك بين أن يضيف الإجارة إلى العين بأن يقول: أجرتك هذه الدار شهراً من الآن بكذا، كما اتفق الأصحاب عليه أو يضيفها إلى المنفعة بأن يقول: أجرتك منفعة هذه الدار كما صرح به ابن الصباغ، وصاحب المرشد، والقاضي الحسين في ضمن فرع أوله: إذا كان جمل بين رجلين مشتركا.
وعلى هذا: يكون ذكر المنفعة ضرباً من التأكيد كما لو قال: بعتك عين هذه الدار أو رقبتها فإنه يصح وقد صدر في التهذيب [كلامه بهذا الوجه ثم قال: وقيل: لا يصح، وهو ما حكاه القاضي الحسين في أول هذا الكتاب وكذا الإمام ومن تابعه].
ووجههه القاضي: بأن لفظ الإجارة إذا أضيف إلى شيء يقتضي منفعة ذلك الشيء فإذا أضيف إلى المنفعة اقتضى منفعة المنفعة وليس للمنفعة منفعة، وحكم إضافة لفظ الكراء بالمد إلى الدار أو إلى المنفعة حكم إضافة لفظ الإجارة إلى ذلك، وقد صرح بالصحة فيما إذا أضيف إلى المنفعة القاضي أبو الطيب حيث تكلم في الصور المصححة لمقصود المزارعة في كتاب المزارعة.
قال: وبلفظ البيع؛ لأنه قد ثبت أنها بيع والبيع ينعقد بلفظه، وهذا ما حكي عن ابن سريج، والمعتبر عنده: أن نضيف العقد إلى المنفعة فيقول: بعتك منافع هذه الدار شهراً من الآن بكذا فلو أضافه إلى العين فقال: بعتك الدار شهراً بكذا كان بيعاً فاسداً لتأقيته.
وحكى الشيخ في المهذب وغيره وجهاً آخر: أنه لا يصح عقد الإجارة بلفظ البيع، وادعى القاضي الحسين، وصاحب التهذيب: أنه الأصح، والإمام، والغزالي، والرافعي أنه الأظهر؛ لأن البيع مخصوص بالأعيان عرفاً.
ويحكى عن أبي العباس الروياني حكاية طريقة أخرى قاطعة به.
وحكى الإمام اتفاق الأصحاب على أنها تنعقد بلفظ التمليك لعدم اختصاصه بعقد.

وحكى في التهذيب طرد الخلاف في لفظ البيع فيه، وقد تقدم في باب المساقاة حكاية وجه في انعقاد الإجارة بلفظ المساقاة.
قال: وتصح على كل منفعة مباحة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] فثبت جوازها على الإرضاع بهذه الآية مع كثرة الغرر فيه؛ لأن اللبن قد يقل ويكثر، وكذلك شرب الرضيع، فجوازها في غيره من طريق الأولى على أنه قد وردت أخبار وآثار في جوازها على غيره، وقد قال الشافعي: لو لم يكن في الإجارة إلا هذه الآية لكانت كافية في الدلالة عليها؛ ولأن المنافع كالأعيان، فإذا جاز عقد البيع على الأعيان جاز عقد الإجارة على المنافع.
واعلم أن الشروط المعتبرة في المنفعة سبعة: أحدها: أن تكون مباحة، وليس المراد بها ما يعتبره الأصوليون فإن الاستئجار للحج وتفرقة الزكاة وغسل الميت وحمله ودفنه [وتعليم القرآن المفروض منه عيناً: وهو الفاتحة، وكفاية: وهو ما عدا الفاتحة كما صرح به الإمام فيكتاب الصداق] جائز [بالاتفاق إذا لم يتعين ذلك على المستأجر]، وكذا إذا تعين عليه بأن لم يكن ثمة غيره على أصح الوجهين، بل المراد [ألا] تكون محرمة.
الثاني: أن تكون مقدوراً على تسليمها.
الثالث: أن تكون معلومة القدر والصفة إما برؤية العين المؤجرة أو بالوصف إن حصل به الغرض.
الرابع: أن يكون الشروع في استيفائها بالعقد، وهذا ما ذكره الشيخ مصرحاً به.
الخامس: أن تكون متقومة، واحترز به عن المنفعة التافهة؛ كما إذا استأجر تفاحة للشم، فإنه لا يجوز كما لا يجوز بيع حبة من الحنطة وإن كان تفاحاً جاز كما قاله الرافعي فإنه لا يتقاعد عن استئجار الرياحين والمسك للشم، وقد نصوا على جوازه.
السادس: ألا يتضمن العقد عليها استهلاك عين قصداً واحترز به عن استئجار الأشجار لثمارها والشاة للبنها والبركة لحيتانها، ونحو ذلك، وقد استثنى استئجار المرضعة للرضاع كما سنذكره على وجه، وكذا الدار التي فيها بئر فإنه يستوفي ماءها تبعاً لا قصداً، وجعل الرافعي المجوز للاستئجار على الرضاع الضرورة

وألحق به في الحكم استئجار البئر ليستقي ماءها وغيره منع فيها كما سنذكره.
ولو استأجر بركة ليحبس فيها الماء حتى يجتمع فيها السمك جاز.
وفيه وجه: أنه لا يجوز.
السابع: أن تكون واقعة لمن خرج عوضها عن ملكه واحترز به عن مسائل.
منها: استئجار المسلم للجهاد لا يجوز؛ لأن الخطاب به متعلق بالمسلمين على العموم فيكون الأجير فيه قائماً بما خوطب به، ويستحيل أن يقع فعله عن غيره ويجوز للإمام استئجار الذمي عليه على الأصح؛ لأن المنفعة تعود للمسلمين دونه.
ومنها: الاستئجار للأذان، وفي صحته ثلاثة أوجه: أحدها: وبه قال الشيخ أبو حامد، ويقال: إن ابن المنذر نقله عن الشافعي أنه لا يجوز لا للإمام ولا لغيره.
والثاني: أنه يجوز لهما وهو الأظهر في الرافعي.
وفي النهاية في كتاب الصداق.
والثالث: يجوز للإمام ولا يجوز لغيره.
وإذا قلنا بالجواز تبعت الإقامة.
وما الذي يقابل الأجرة؟ فيه أربعة أوجه: أحدها: رعاية الوقت.
والثاني: رفع الصوت.
والثالث: [في] الإتيان بالحيلتين.
والرابع: وهو الأصح جميع الأذان بجميع صفاته، وكل هذا مذكور في باب الأذان، وقد ألحق القاضي الحسين في فتاويه الاستئجار لقراءة القرآن الكريم على رأس القبر مدة بالأذان وتعليم القرآن وجزم [فيه] بالصحة.
ومنها: الاستئجار لإمامة الصلوات المفروضة لا يجوز، وكذا في صلاة النفل والتراويح على أصح الوجهين، لأن الإمام يصلي لنفسه ومهما صلى اقتدى به من يريد، وإن لم ينو الإمامة على الأصح خلافاً لوجه حكاه العبادي في الزيادات أن من شرط صحة الاقتداء نية الإمامة، ومن جوز الاستئجار على ذلك ألحقه بالأذان لتأدي الشعار.

ومنها: الاستئجار للتدريس والإقراء من غير أن يعين أشخاصاً للقراءة والاشتغال بالعلم لا يصح دون ما إذا عين أشخاصاً، أو مسائل محصورة، أو سوراً، أو آيات بعينها فإنه يصح.
وعن الشيخ أبي بكر الطوسي تردد جواب في الاستئجار لإعادة الدرس وأبدى الإمام احتمالاً في جواز الاستئجار على التصدر للقراءة.
قال: وفي استئجار الكلب للصيد، والفحل للضراب والدراهم والدنانير- أي للزينة- وجهان: أظهرهما أنه لا يجوز أما في الكلب؛ فلأنه يحرم اقتناؤه إلا للصيد والحراسة وما أبيح للحاجة لا يصح أخذ العوض عنه؛ كالميتة؛ لأنه لا قيمة لعينة فكذلك المنفعة.
وأما في الفحل؛ فلما روى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ".
[وروى الشافعي في المختصر أنه صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ].
وروى مسلم عن جابر قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ [بَيْعِ] ضِرَابِ الْفَحْلِ".
وعسب الفحل: الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل كما قاله الجوهري وأبو عبيد.
ويؤيده رواية الشافعي.
[وقيل: عسب الفحل: ماؤه، فعلى هذا يكون حديث أبي سعيد اقتضى النهي عن بيع ماء الفحل].
وقيل: عسب الفحل: ضرابه، قاله الجوهري أيضاً، فيكون المضمر البيع وتؤيده رواية جابر؛ ولأن فعل الضراب غير مقدور للمالك؛ لأنه يتعلق باختيار الحيوان.

وأما في الدراهم والدنانير؛ فلأن منفعة التزين من النقدين لا تقصد إلا نادراً، والأغالب سواها، وهو التصرف فيها فصار حكم الأغلب هو المغلب، وإذا كان كذلك فكأن لا منفعة مع أن ما قصده فيه غررو فلا يعان عليه؛ ولأن هذه المنفعة لا تضمن بالغصب فلم يصح عقد الإجارة عليها كوطء الأمة.
والوجه الثاني: الجواز؛ لأن هذه منافع تستباح بالإعارة فاستحقت بالإجارة كغيرها من المنافع، وهذا ما اختاره في مسألة الكلب صاحب المرشد والبحر، وكذلك الإمام في باب بيبع الكلاب، وقال: لا يتجه عندنا تخريج الخلاف فيه على أن المعقود عليه العين أو المنفعة، فإن هذا يبطل بإجارة الجرو.
وقال الجيلي: إنه مبني عليه، وخرجه الماوردي على الخلاف في أن منافع الكلب مملوكة أو مستباحة، واختار ابن أبي هريرة صحة استئجار الفحل للضراب.
قال الرافعي في البيوع: ويجوز أن يعطي صاحب الأنثى صاحب الفحل شيئاً على سبيل الهدية أي على الوجهين: واختار القاضي الطبري صحة إجارة الدراهم والدنانير كما حكاه عنه في البحر، وحكم إجارة الكلب للحراسة وجلد الميتة [كما حكاه القاضيالحسين حكم إجرة الكلب للصيد وحكم إجارة الأغنام لوجه من وجوه الانتفاع].
كما حكاه مجلي عن الشامل أو الطعام ليعاير به مكيالاً.
كما قاله الماوردي، أو لتزيين الحوانيت- كما أبداه الإمام تخريجاً- حكم إجارة النقدين، والذي جزم به القاضي الحسين عدم الصحة في إجارة الطام للزينة، وعلى ذلك جرى في الوسيط وألحق الماوردي وغيره بصور الخلاف إجارة الأشجار للاستظلال بها أو لتجفيف الثياب عليها، أو لربط المواشي أو السفن إذا كانت هذه المنافع غير مقصودة منها في العرف وجزم بالجواز فيما إذا صار ذلك مقصوداً من منافعها، وأطلق البندنيجي القول بجواز إجارتها لنشر الثياب عليها وربط الدواب فيها، وهذا ما حكى الرافعي أن بعضهم صححه وإن جرى الخلاف؛ لأنها منافع مهمة، وأجرى في التهذيب الخلاف في استئجار الببغاء للاستئناس بصوتها، وبالجواز أجاب المتولي فطرده في كل ما يستأنس [بصوته] [أو بلونه]

كالطاووس، وكذا أجاب به البندنيجي فيما إذا كان على الحائط صور مباحة فاستأجره للنظر إليها وألحقه باستئجار المصحف، أو الدفاتر، أو الحائط الذي عليه [شيء] مكتوب ليقرأه.
فائدة: كثيراً ما يسأل عن محل الخلاف في استئجار الأشجار للاستظلال، ويقال: إن كان الموضع الذي يستظل فيه مباحاً [أو منفعته مملوكة للمستأجر فالاستظلال حاصل له بغير أجرة فلا يصح الاستئجار له؛ لأن بذل المال يكون سفهاً، ويشهد له أن العمراني في الزوائد حكى عن القاضي أبي الطيب أنه قال: لو استأجر بستاناً لينظر إليه لم يصح لما ذكرناه وإن كان مملوكاً] لصاحب الأشجار فالإجارة واقعة على الجميع فينبغي أن يصح جزماً.
وجوابه من وجهين: أحدهما: أن المراد الصورة الأولى، وتكون فائدة الاستئجار الأمن من إزالة ذلك.
الثاني: أن يصور المسألة بما إذا كان ظل الأشجار لا يصل إلى الموضع الذي يراد الاستظلال فيه إلا بإمالتها فيستأجرها ليميلها لأجل الاستظلال.
قال: ولا يصح على منفعة محرمة؛ كالغناء والزمر وحمل الخمر .. أي: لا لأجل الإراقة؛ لأن ذلك محرم فلم يجز أخذ العوض عليه؛ كالميتة، والدم.
ودليل تحريم حمل الخمر: الخبر المشهور، وفي معنى ذلك استئجار المرأة عبداً أجنبياً، والرجل حرة للخدمة وفي استئجار الأمة وجهان في العدة وكذا في استئجار الكافر للمسلم للخدمة إذا وقع العقد على عينه، والابن والده للخدمة [فيه] وجهان، ومن المتفق على منع الاستئجار له؛ لكونه محرماً- بناية البيع، والكنائس للتعبد، وتعليم السحر، والفحش، والتوراة، والإنجيل، وتعليم القرآن

لكافر لا يرجى إسلامه دون ما إذا كان مرجو الإسلام، وكذا كتابة كافر القرآن كما صرح به الماوردي؛ لأنه ممنوع من مس المصحف، وكذا الحائض لكنس المسجد، وقطع عضو سليم من آدمي أو غيره أو سن صحيح أو الختان في وقت الحر الشديد والبرد الشديد، أو في صغير لا يحتمل ألمه كما صرح به القاضي الحسين، وأبدى في الوسيط احتمالاً في جواز استئجار الحائض لكنس المسجد وإن كانت تعصى به كما تصح الصلاة في الأرض المغصوبة.
وحكى في الإبانة قبيل باب الصيد والذبائح: أن مسلماً لو أجر نفسه لذمي ليبني له كنيسة قال الشافعي: كرهته فمنهم من قال هي كراهة تحريم فإذا عمل لا يستحق أجرة.
ومنهم من قال: بل كراهة تنزيه، ويصح العقد ويستحق الأجرة؛ لأن الكنيسة ما هي إلا بناء قلعة يسكنها كما يسكن الدار، أما الاستئجار على حمل الخمر للإراقة فجائز، كالاستئجار على كنس الخلاء وحمل الجيفة إلى المزبلة، وكذا الاستئجار لقطع يد متآكلة إذا قلنا بجواز القطع إذا صعب الألم وقال أهل الخبرة: إنه نافع.
وعن الشيخ أبي محمد: أنه لا يجوز القطع في هذه الحالة أيضاً؛ لأن القطع إنما ينفع إذا وقعت الحديدة على محل صحيح، فعلى هذا يمنع الاستئجار.
وقد قيل بمنع الاستئجار عليه مطلقاً، وهو مطرد في الاستئجار على قلع السن الذي كثر ألمه، وقد صار إلى [تصحيحه] فيهما القاضي الحسين وقال: إنما ينعقد جعالة؛ لأن الوجع يهيج ثم يسكن فلا يتحقق إمكان الوفاء بهذا العمل.
ورأى الإمام تخصيصه بالقلع؛ لأن احتمال فتور الوجع في الزمان الذي يفرض فيه القلع غير بعيد، أما زوال الآكلة في زمان القطع فإنه غير محتمل، وأجرى الخلاف في الاستئجار للفصد والحجامة وبزغ الدابة؛ لأن هذه إيلامات إنما تباح للحاجة وقد تزول الحاجة.
تنبيه: كلام الشيخ مصرح بأن الغناء حرام وكذلك ابن الصباغ حيث قال في باب بيع البراءة: أن استئجار الجارية للغناء لا يصح فإن حرام، وكلام القاضي أبي الطيب في باب بيع المصراة يقتضي خلافه فإنه قال: وأما قول مالك: إن الغناء حرام فلا نسلم [ذلك] وإنما قال الشافعي: إنه لهو ولعب وسخف وليس من أخلاق الدين.

قلت: وليس ذلك بخلاف في المسألة، بل كلام الشيخ محمول على ما إذا تبعه شيء من آلة الملاهي المحرمة؛ كالمزمار ونحوه وما قاله القاضي محمول على ما إذا لم يصحبه شيء من آلة الملاهي المحرمة وقد صرح بهذا الحكم في الحالتين الماوردي والشاشي في الحلية كل منهما في كتاب السلم.
آخر: الغناء: بكسر الغين والمد ولا تكتب إلا بالألف وفي رفع التمويه أنه يستعمل مقصوراً وأنه مشتق من الغنة: وهي: خروج الصوت من الأنف، وأما الغنى بالمال فمقصور يكتب بالياء.
قال: ويصح الإجارة على منفعة عين معينة كاستئجار الدار للسكنى، والمرأة للرضاع والرجل للحج والبيع والشراء، والدابة للركوب، ويصح على منفعة في الذمة كالاستئجار لتحصيل الحج وتحصيل حمولة إلى مكان كما يصح البيع على معين وموصوف في الذمة.
وقد استدل الأصحاب لصحة الاستئجار على الحج بأنه عمل تدخله النيابة فجاز العقد عليه كتفرقة الزكاة؛ ولأنه عمل معلوم يصح أخذ الرزق عليه فجاز أخذ الأجرة عليه؛ كبناء المساجد.
واعلم أن الإجارة للرضاع مطلقاً تتضمن استقاء اللبن، ووضع الصبي في

الحجر، وتلقيمه الثدي، وعصر الثدي عند الحاجة إليه، لكن هل الأصل فعلها واللبن تابع، أو اللبن هو المقصود والفعل يتبعه؟ فيه وجهان في الرافعي، وأصحهما الأول.
والذي حكاه القاضي أبو الطيب [والمحاملي: أن الأصحاب اختلفوا: فمنهم من قال: العقد واقع على اللبن، والحضانة والخدمة تابعة.
ومنهم من قال: العقد واقع على الحضانة والخدمة، واللبن تابع له.
وقال المحاملي: وهو الصحيح.
وقال في البحر: إنه المذهب.
ووجه القاضي أبو الطيب] بأن العين لا تملك بالإجارة؛ ولهذا لا يجوز إجارة البئر لاستقاء الماء منها، ويجوز على طريق التبع كما إذا استأجر داراً؛ ليستعمل ماء البئر.
وهذه العبارة تفهم خلاف ما يفهمه لفظ الرافعي، فإن لفظ الخدمة والحضانة لا يصدق عرفاً وشرعاً على وضع الصبي في الحجر وتلقيمه الثدي فقط، بل يصدق ذلك كما صرح به القاضي الحسين وصاحب البحر على حفظ الصبي، وتعهده، وغسل ثيابه ورأسه وخروقه، وتطهيره من النجاسات، وتدهينه، وتكحيله، وإضجاعه في المهد، وربطه، وتحريكه في المهد لينام.
وإذا كان كذلك؛ لزم مما ذكره المحاملي وأبو الطيب أن عقد الإجارة على الرضاع يتناول ذلك كله، لكن أصلاً وتبعاً، كما يتناول في تفسير الرافعي اللبن ووضع الرضيع في الحجر.
وقد حكى الماوردي: أنه إذا استأجر للرضاع وأطلق، هل عليها مع الرضاع حضانته وخدمته أم لا؟ فيه وجهان ينبنيان على أن المقصود اللبن أو الخدمة والرضاع، فإن قلنا: إن المقصود اللب،، لم يلزمها الحضانة والخدمة وإن قلنا: اللبن تابع لزمها الحضانة والخدمة، ومقتضى هذا البناء: أن يكون الصحيح اللزوم؛ إذ الصحيح كما ذكرنا أن العقد واقع على الحضانة والخدمة.
وقد حكى الرافعي أن الأصح خلافه، وحكى الخلاف فيما إذا استأجر للحضانة، هل يستتبعها الرضاع؟ والذي جزم به القاضي الحسين عدم استتباع الحضانة للرضاع.

وهذا كله إذا لم يصرح بهما، ولا ينفى أحدهما، فلو صرح بهما؛ بأن استأجر على الحضانة والرضاع، تعين الإتيان بهما؛ لكن المقصود [بالعقد]: اللبن، أو الحضانة والخدمة، أو هما [الجميع مقصود بالعقد].
فيه ثلاثة أوجه حكاها القاضي الحسين، وإن فائدتهما تظهر فيما إذا فقد أحدهما، هل [ينفسخ العقد أو يثبت الخيار؟ ثم قال: والوجهان في أن مطلق الإجارة على الإرضاع هل] يستتبع الحضانة؟ يمكن بناؤهما على هذا الأصل: إن جعلنا اللبن تابعاً لم يستتبعها، وإلا استتبعها.
ولو صرح بالاستئجار على الرضاع، ونفى الحضانة، فقد حكى الرافعي عن الأكثرين: أن أصح الوجهين الصحة؛ كما لو استأجر للحضانة، ونفى الرضاع، وأن الإمام قال: محل الخلاف فيما إذا ورد العقد على صرف اللبن إلى الصبي، وقطع عنه وضعه في الحجر، أما الحضانة بالتفسر الذي ذكرناه، فلا خلاف في جواز قطعها عن الرضاع.
قلت: وكلام القاضي الحسين مصرح بالخلاف فيها، ثم إن صح ما قاله الإمام، لزم أن يكون الأصح في هذه الحالة البطلان، إن قلنا بأن الأصح عند إطلاق العقد: أن اللبن تابع، كما حكاه من قبل، وقد حكي عن الأكثرين: أن الأصح [الصحة].
ولتعلم أيضاً أن محل جواز الاستئجار على البيع والشراء إذا لم يكن الاستئجار على بيع من معين ولا على شراء شيء معين، وكان مما يلحق المستأجر فيه كلفة؛ كما إذا استأجره على بيع ثوب أو عبد أو نحوهما، أو شراء ذلك، أما لو استأجره على بيع من معين أو شراء شيء معين لم يصح؛ لأنه استئجار على شيء غير مقدور على تحصيله.
أو شراء شيء معين لم يصح؛ لأنه استئجار على شيء غير مقدور على تحصيله.
حكاه الرافعي في أواخر هذا الباب.
وحكى في البحر: أنه لو استأجره ليشتري له ثوباً بعينه جاز، ولو استأجره على كلمة البيع، أو كلمة تروج بها السلعة ولا تعب منها كالاستئجار على بيع [ما استقرت قيمته في البلد، كالخبز، واللحم ونحوهما لم تصح؛ لأنها منفعة] غير مقصودة غالباً.
قال الرافعي: ولم يجعلوا ذلك من صور الوجهين.
تنبيه: الحمولة، بضم الحاء، هي الأحمال، وبفتحها هي الإبل التي تحمل

[عليها] الأحمال، والفرش صغارها قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ [الأنعام: 142]، ولا يحتاج في العقد على الحمولة إلى معرفة الحمولة إلا أن يكون المحمول زجاجاً ونحوه، أو يكون في الطريق مطر أو طين فيحتاج إلى وصف الحمولة في كل حال.
قال: فإن كان على منفعة عين لم يجز إلا على عين [يمكن استيفاء المنفعة منها .. ؛ لأن المنفعة هنا كالعين في البيع، وصحة البيع تتعين له عيناً مقدوراً عليها فكذا الإجارة، ومن هذه القاعدة يؤخذ منه الاستئجار] في مسائل بعضها مذكور في الكتاب، وبعضها مصرح به في غيره فمنها استئجار منكوحة الغير للرضاع وغيره لا يجوز بغير إذنه؛ لأن أوقاتها مستغرقة لحق الزوج؛ فلا تقدر على توفية ما التزمته ويصح بإذنه، ومنهم من صححه بغير إذنه أيضاً، وهو المختار في المرشد؛ لأن محل الاستئجار غير محل النكاح ولا حق له في كسبها وخدمتها وعلى هذا، فللزوج فسخه كي لا يحيل حقه، نعم لو أجرت نفسها ولاحق لها ثم نكحت في المدة لم يكن له فسخها كما لو وقع ذلك بإذنه، فلو كان جاهلاً بالحال ففي الحاوي في كتاب النفقات: أن له الخيار لفات الاستمتاع عليه بالنهار ولا يسقط خياره برضا المستأجر بالاستمتاع.
وحيث لا يثبت الخيار فللزوج أن يستمتع بها في أوقات فراغها ولو كانت الإجارة للرضاع فهل لولي الطفل منع الزوج من وطئها؟ فيه وجهان: وجه المنع خشية حبلها فينقطع اللبن، أو يقل فيضر بالطفل.
ووجه الجواز: وهو الذي أجاب به العراقيون- أن الحمل موهوم فلا يمنع به المستحق.
وفي التهذيب: أن الإصابة إن كانت تضر باللبن منع.
وإذا منع الزوج فلا نفقة لها عليه.
ولو أجر السيد الأمة المزوجة جاز، ولم يكن للزوج منعها من المستأجر؛ لأن يده يد السيد وحكم استئجار الزوج زوجته للرضاع وخدمة البيت مثل: الكنس، والطبخ، والغسل ونحوها مذكور في كتاب النفقات من هذا الكتاب، وربما بعض ما ذكرناه هنا مذكور فيه أيضاً.

قال: وإن استأجر أرضاً للزراعة لم يجز حتى يكون لها ماء يؤمن انقطاعه، كماء النهر والمد بالبصرة والثلج والمطر في الجبل؛ ليثق بحصول المعقود عليه.
قال: وإن كان بمصر لم يجز حتى يروي الأرض بالزيادة .. أي: إذا لم يكن لها شرب إلا من ماء النيل؛ لأن نيل مصر خوان لا يوثق بحصوله، بخلاف ما يروى من الأراضي بمد البصرة، فإنها يجوز إجارتها للزرع قبل ريها بالمد باتفاق الأصحاب كما حكاه الإمام؛ لأنه أثبت من كل ما عد، وكذا إجارة الجبل للزراعة قبل أوان المطر ووقوع الثلج الذي يكفي الأرض نداوته؛ لأن ذلك معلوم الوقوع والقليل منه يكفي كالكثير.
ثم الظاهر أن ما أطلقه الشيخ في أرض مصر محمول على ما إذا كانت لا تروى بما يزيد من الماء في الغالب، كخمسة عشر ذراعاً فما دونها، أو كانت تروى من ذلك لكنه لا يتهيأ الاشتغال بعمارة الأرض بالزرع قبل حصول الماء عليها، كما صرح به ابن الصباغ والمتولي وأبو الطيب، أما إذا كانت الزراعة ممكنة قبل حدوث الزيادة وكانت الأرض تروى من الزيادة المعتادة التي لا تنقطع إلا نادراً فالعقد صحيح كما صرحوا به أيضاً.
وعن القفال: ما يقتضي المنع في هذه الحالة أيضاً، فإنه صار إلى أن الأرض التي يكفيها المطر المعتاد والنداوة التي تصيبها من الثلج المعتاد في الجبل لا يجوز إجارتها للزراعة قبل حدوث ذلك متمسكاً بظاهر قول الشافعي في المختصر: وإن تكار الأرض التي لا ماء لها وإنما تسقى بنطف من السماء أو بسيل إن [جاء- فلا] يصحز ووجهه بأن السقي معجوز عنه في الحال والماء المتوقع لا يعرف حصوله، وبتقدير حصوله لا يعرف أنه هل يحصل في الوقت الذي يمكن الزراعة فيه أم لا؟ وهذا غرر ومقتضى هذا التعليل: أن يقول بطرد مذهبه في مسألتنا.
[وقد] وافقه الماوردي فيما صار إليه فإنه شرط أن يكون الماء موجوداً حالة الاستئجار إلا في مد البصرة، والجمهور على الأول، وبه قال القاضي الحسين موجهاً ذلك: بأن توهم الانقطاع عند الحاجة لو منع صحة العقد لامتنع

فيما إذا كان لها شرب من نهر أو عين أو بئر؛ لأنه ما من ماء إلا ويتوهم انقطاعه وأما النص فمحمول على ما إذا لم يكن في ذلك عرف جار وإنما يتفق ذلك نادراً، وقد اتفقوا على المنع في هذه الحالة.
ويؤيد ذلك أن النطف- بإسكان الطاء- القليل الذي يقطر، ومنه سمى المنى نطفة، لأنها تقطر.
وقد أغرب في البحر حيث قال: حكى في أرض البصرة وجهاً: أنه لا تجوز إجارتها إلا على شرط أنه لا ماء لها.
فإن قيل: ظاهر كلام الشيخ يقتضي جواز الإجارة عند ري الأرض بمصر، وإن لم ينحصر الماء عنها، كما هو ظاهر نص الشافعي، وذلك يمنع من الزرع، فينبغي ألا يصح قبل انحساره؛ لعدم إمكان اتصال الشروع في الاستيفاء بالعقد.
قلت: لأجل هذا منع بعض أصحابنا العراقيين فيما إذا كان الاستئجار لزراعة ما لا يمكن زرعه [مع] قيام الماء، كما حكاه الإمام، وحمل النص كما حكاه الشيخ أبو حامد على ما إذا كان المستأجر له زراعة الأرز؛ فإنها تمكن مع الماء.
والصحيح عند القاضي الحسين وبه جزم القاضي أبو الطيب: أنه لا فرق بين الأرز وغيره، والنص جار على عمومه؛ لأن الماء إذا كان على الأرض فهو من مصلحتها؛ لأنه يخرق العروق التي فيها فكان بمنزلة العمارة.
وأيضاً فإن الأرض التي لها شرب يصح إكراؤها للزراعة في غير يوم شربها على انتظاره؛ فينعقد العقد على استحقاق المنفعة، ثم يستوفيها على حسب العادة، فكذلك هاهنا [كذا قاله القاضي الحسين].
فإن قيل: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق بعد حصول الري في جواز الإجارة بين الأرض التي يعلم انحسار الماء عنها وقت الحاجة بأن يكون لها مقطع ينصب إليه الماء أو لا.
والجواز ظاهر في الحالة الأولى دون الثانية؛ فإنه [لا تتحقق] القدرة على الانتفاع عند الحاجة؛ فينبغي أن يمنع في هذه الحالة.
قلت: قد صار إلى هذا بعض المتقدمين، كما حكاه ابن أبي هريرة وجهاً،

إلحاقاً لذلك بحالة العلم بعدم انحساره، وهو موافق مذهب القفال فيما إذا كان الماء معدوماً في الحال وغلب وجوده عند الحاجة، وظاهر النص هاهنا وبه قال أبو إسحاق، وجزم الإمام: الجواز؛ اعتماداً على ما استقر من العرف فيها، ولا يخفى أن محل الجواز عند رؤية الأرض إما قبل الري أو بعده؛ لكون الماء [صافياً، أما إذا لم يرها لكون الماء] كدراً خرج على القولين في بيع الغائب، وكلام القاضي الحسين يقتضي الجواز على الجديد، فإنه قال: الماء وإن كان كدراً فهو من مصلحة الأرض، وامتناع الرؤية بما هو من مصلحة الشيء لا يكون مانعاً من الصحة، كحشو الجبة لما كان مستقراً بما فيه مصلحة لم يمتنع العقد عليه، وهو ما جعله الرافعي الأصح، وإن ثبت الخلاف وضعفه الإمام، وجزم القاضي ابو الطيب والماوردي بخلافه.
واعلم أن الأرض التي لها شرب معلوم إذا أوجرت للزراعة، وصرح بإدخال الشرب فيها، صح ويتبعها الشرب، وإن نفى الشرب عنها صح أيضاص؛ لتيسر سقيها من ماء آخر، وإن أطلق دخل الشرب في الإجارة إذا اطردت العادة بإجارة الأرض بشربها، بخلاف ما إذا باعها لا يدخل [حق] الشرب فيه؛ لأن المنفعة في الإجارة لا تحصل دونه، ولو اضطربت العادة في تبعية الشرب فثلاثة أوجه: أظهرها: أنه لا يجعل الشرب تابعاً.
والثاني: يتبع؛ لأن الإجارة مفتقرة إليه.
والثالث: أن العقد يبطل من أصله؛ لأن تعارض المعنيين موجب جهالة المعقود عليه.
فرع: لو استأجر أرضاً مطلقاً نظر، إن قال: أكريتك هذه الأرض البيضاء ولا ماء لها لتنتفع بها كيف شئت خلا البناء والغراس- جاز، كما نص عليه الشافعي – وله أن يزرع فيها بماء يسوقه إلى الأرض، أو بماء يحصل من المطر نادراً أو ثلج و [إن] لم يقل عند الإجارة إنها لا ماء لها، فإن كانت الأرض رخوة؛ بحيث يمكن حفر بئر فيها، أو شق نهر إليها- لم يصح العقد؛ لأن الغالب في مثلها الزراعة؛ فكان كذكرها.
وإن كانت صلبة بحيث لا يمكن ذلك ففي صحة الإجارة وجهان:

أحدهما: وبه قال أبو إسحاق، وهو ظاهر النص الصحة؛ لأن استحالة ذلك ينزل منزلة شرطه.
تنبيه: "المد" بفتح الميم وتشديد الدال، وأصله: السيل.
"والبصرة" بفتح الباء وكسرها وضمها ثلاث لغات حكاهن الأزهري، والمشهور بالفتح.
ويقال لها: البصيرة بضم الباء وفتح الصاد على التصغير.
ويقال لها: تدمر، والمؤتفكة، وقبة الإسلام، وخزانة العز بناها عتبة بن غزوان فيزمن عمر سنة سبع عشرة، وسكنها الناس [سنة] ثمان عشرة، ولم يعرف صنم قط في أرضها، وهي داخلة في حد سواد العراق، وليس لها حكمه؛ لأنها حدثت بعد فتحه ووقفه.
قال: ولا يجوز إلا على [منفعة] عين معروفة لاختلاف المنفعة باختلافها، فلو قال: أجرتك عبدي أو داري أو دابة لتركبها إلى موضع كذا لم يصح؛ لما ذكرناه ثم العرف تارة يكون بالرؤية مثل أن يقول: أجرتك هذا شهراً أو لتحمل عليه كذا من هنا إلى موضع كذا ونحو ذلك، ولا يحتاج مع ذلك إلى ذكر شيء آخر وتارة يكون بالوصف فيحتاج أن يذكر ما يختلف الغرض به كما ذكرنا في السلم، وفي هذه الحالة يكون المعقود عليه منفعة في الذمة متصفة بالصفات المذكورة إذا وقع معها العقد على العين لكان إجارة غائب وسنذكره.
قال: فإن لم يعرف إلا بالرؤية كالعقار لم يجز حتى يرى لتعيينه طريقاً لنفي الغرور، وعلى هذا يحتاج إلى تحديده بالجهات كما يفعل في البيع صرح به أبو الطيب ويحتاج أن ينظر من العين كل ما يختلف الغرض به، والحمام ينظر إلى بيوتها، والبئر التي يستقى [منها] ماؤها وموضع الوقود ومبسط القماش يسخن فيه الماء.
قال في الشامل: ويكفي فيها مشاهدة داخلها من الحمام أو ظاهرها من الأتون.

قال الرافعي: والقياس أن يعتبر مشاهدة الوجهين عند الإمكان كما يعتبر مشاهدة وجهي الثوب، وهذا كله تفري على منع بيع الغائب.
أما إذا قلنا بجوازه جاز هنا أيضاً، ووجه كون العقار لا يمكن معرفته إلا بالرؤية: أن المعرفة بالوصف كما ذكرنا منتفية؛ إذ لا يتصور ثبوت عقار في الذمة؛ لأن موضعه مقصود يختلف الغرض به، فلو ذكر لانحصر المعقود عليه فيه، وذلك مخالف وضع ما في الذمة، وإذا لم يمكن التعريف بالوصف تعين له الرؤية إذ لا ثالث لهما، وقد ألحق البندنيجي بالعقار ما لم يكن حيواناً كالثياب، والخشب، والأواني، والفرش.
قال: ولا يجوز إلا على منفعة معلومة القدر .. كما لا يصح البيع إلا على معلوم القدر، لكن العلم في البيع يكتفي فيه بالحدس، ولا يحتاج إلى ذكر شيء يتقدر به المبيع، وهنا الحدس والتخمين لا سبيل إليه فتعين ما سنذكره.
قال: فإن كان مما لا يتقدر إلا بالعمل أي: وإن ورد العقد فيه على الذمة كالحج والركوب [من مكان] إلى مكان قدر به لتعينه طريقاً للمعرفة، فلو قال: استأجرت منك هذا البعير لأركبه مسافة شهر إلى مكة لم يجز؛ لأن ما يقدر العمل فيه لم يجز اشتراط المدة فيه.
وقال بعض أصحابنا: يجوز لما فيه من زيادة التأكيد.
وقال أبو الفياض: إن كان [العمل] ممكناً في مدة الإجارة جاز وإلا فلا يجوز.
قال في البحر: والأول أصح.
قال البندنيجي: ومما لا يتقدر إلا بالعمل دون المدة- المنفعة الموصوفة في الذمة.
وفي الحاوي: أن المضمون في الذمة يجوز تقدير الركوب [فيه] بالمدة والمسافة كالمعين ولو استأجر للركوب شهراً صح لكن بشرطين: أحدهما: أن يذكر الناحية التي يركب إليهاز والثاني: المكان الذي يسلمها فيه؛ لأنه قد يركبها شهراً مسافراً إلى بلد مسافته شهراً ويكون تسلمه [في ذلك البلد وقد يركبها ذاهباً وعائداً مدة شهر فيكون تسليمها] في بلده، وإذا كان ذلك مختلفاً مع إطلاق الشهر لم يكن بد من

موضع التسليم فإذا أغفل شيئاً من ذلك بطل العقد قاله الماوردي.
قال: وإن كان مما لا يتقدر إلا بالزمان كالسكنى والرضاع والتطيين قدر به [لتعينه] طريقاً للمعرفة فإن الرضاع يعسر ضبطه بالفعل وكذا تطيين السطوح وتجصيص الحيطان؛ لأنه يكون في موضع دقيق، وفي موضع كثيف ويلتحق بهذا القسم رعي الدواب، وكذا إدارة الدولاب كما ذكره الماوردي؛ لأنه لو قدر بالعمل كسقي عشرة أجربة مثلاً فقد يروى بقليل الماء وقد لا يروى بكثيره [وقد لا يروى بعشرة] فلا يصير بتقدير العمل معلوماً.
قال: وإن كان مما يتقدر بأحدهما كالخياطة والبناء قدر بأحدهما أي: مثل أن يقول: استأجرتك [لتخيط لي هذا الثوب أو] لتخيط لي يوماً أو: استأجرتك لتبني [لي] في هذا الحائط أو لتبني لي يوماً ويعين ابتداءه في الصورتين وتوجيه ذلك: أن به يحصل الضبط.
فلو قدر بهما بأن قال: استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب في يوم أوله الآن لم يصح؛ لأنه إن فرع منه في بعض اليوم فطالبه بالعمل في بقيته أخل بشرط العمل فإن ترك أخل بشرط المدة، وقيل: يصح، ولكن ما الذي يستحق به الأجرة؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: العمل فإن تم في بعض المدة لم يعمل في باقيها وإن انقضت قبل تمامه وجب إكماله.
والثاني: وهو ما حكاه في التهذيب وصححه الرافعي: أسرعهما انقضاء.
والثالث: عن القفال إن انقضى اليوم أولاً لم يلزمه خياطة الباقي، وإن تم العمل أولاً فللمستأجر أن يأتي بمثل هذا القميص ليخيط فيه بقية اليوم.
ولو قال في هذه الإجارة: على إنك إن فرغت قبل تمام اليوم لم تخط غيره بطل؛ لأن زمان العمل يصير مجهولاً، وفي البحر حكاية عن البويطي: أن الأجل المضروب مع العمل إن كان مما يمكن العمل فيه كان ذكره أفضل.
وقال: إنه صحيح عندي، وهذا وجه رابع، ويلتحق بهذا القسم صور:

منها الاستئجار على حراثة الأرض: لجواز التقدير فيه بالزمان بأن يقول: استأجرتك لتحرث لي هذه الأرض كذا يوماً من الآن.
ويجوز بالعمل بأن يقول: لحراثة هذه [الأرض] ويجب بيان ما يحرث به وبيان ناحية الأرض التي يحرثها إن لم تكن مشاهدة.
ومنها: الاستئجار لدراس الزرع من البر والشعير وغيرهما تقدر المنفعة فيه بالفعل بأن يقول: استأجرتك على دراس هذا بعد رؤيته، وبالزمان بأن يقول: استأجرتك على دراس هذا الزرع شهراً من الآن ويحتاج في هذه الحالة إلى بيان ما يداس به من البهائم مع ذكر العدد ولا يجوز التقدير بالباقات والحزم؛ لاختلاف ذلك بالصغر والكبر.
ومنها: الاستئجار على تعليم القرآن يجوز أن تقدر المنفعة فيه بالعمل بأن يقول: استأجرتك على تعليم سورة كذا أو آيات معينة.
وأن [يقدر بالمدة بأن] يقول: استأجرتك على تعليم القرآن شهراً أو يوماً كما حكاه الإمام والغزالي.
قال الرافعي: وفي إيراد غيرهما ما يفهم عدم الاكتفاء بذكر المدة.
فرع: قال القاضي أبو الطيب إذا استأجره ليحصل له خياطة خمسة أيام لم تصح؛ لأن العمل يختلف بخفة صنعة العامل وثقلها، ومثل هذا إذا استأجر منه بهيمة في الذمة ليركبها خمسة أيام لم يجز للعلة التي ذكرناها.
وفي ابن يونس: أنه يصح استئجار دابة موصوفة في الذمة.
فرع: لو قال: استأجرتك هذا اليوم بعينه لتبيع لي كذا وكذا شيئاً بعينه.
قال ابن القطان في "التهذيب": يحتمل أن يجوز؛ لأن الأغلب إمكانه فإن تعذر البيع فيه كان له الأجرة المسماة؛ لأنه شغله عن منافع نفسه، ويحتمل أن يقال: لا أجرة له؛ لأن العمل لم يحصل.
وقال القاضي الطبري: هذا يصح- على ما نص عليه في البويطي- أن العمل إن كان معلوماً جاز تقديره بمدة، وكان أفضل من السكوت قاله في البحر.
قال: ويجوز أن يعقد إلى مدة تبقى فيها العين في أصح القولي ولا يجوز

أكثر من سنة في الآخر وقيل: فيه قول ثالث: إلى ثلاثين سنة، قد بينا توجيه ذلك في باب المساقاة.
وحكى الرافعي عن بعضهم: أنه جوز الإجارة إلى مدة لا تبقى فيها العين في الغالب اعتماداً على أن الأصل الدوام والاستمرار، وهو ما جعله في البسيط الأظهر، وجعل المتفق على المنع فيه إجارة مدة يعلم أن العين لا تبقى إليها.
ثم إذا وقع العقد على مثل ذلك، قال في البحر: بطل فيما لا يسوغ العقد عليه، وفي الباقي قول تفريق الصفقة، واعلم أنه يتفرع على القول الصحيح فرعان: أحدهما: أن المرجع في المدة التي تبقى فيها العين إلى أهل الخبرة.
وفي التهذيب: أن العبد يؤجر ثلاثين سنة والدابة عشر سنين، والثوب [سنة وسنتين] والأرض مائة سنة وأكثر.
وحكى الرافعي أن في كتاب ابن كج: أن العبد يؤجر إلى مائة وعشرين سنة من عمره.
وفي رفع التمويه: أن الشيخ أبا حامد قال: [إن] العبد يؤجر ستين سنة والدابة من خمش عشرة سنة إلى عشرين [سنة]، والدار من مائة [سنة] إلى مائة وخمسين [سنة]، والأرض خمسمائة سنة، وأكثر ما يصح أن يبعي بثمن مؤجل إلى هذا القدر.
وفي الحاوي أن أكثر مدة يصح استئجار الأرض فيها للزراعة ما لا يزيد على بقاء الشيء المؤجر فيها.
وأقل مدة يصح استئجار الأرض [فيها] للزراعة: مدة الزراعة.
وأقل مدة يصح استئجار الدار للسلكنى فيها يوم واحد وأقل من ذلك تافه لم يجر به عرف فلم يصح به عقد.
الثاني: إذا أجر سنتين مثلاً هل يجب بيان كل قسط كل سنة من الأجرة؟ فيه قولان:

أحدهما: لا كما لا يحاج إلى ذلك في الشهور إذا أجر سنة واحدة، وكما لو كانت الأجرة في مقابلة عمل في أعيان فإنه لا يجب فيها التقسيط وفاقاً في المذهب كما قاله مجلي وهذا ما صححه الروياني وقال: إن الفتوى عليه.
وحكى الرافعي عن ابن كج طريقة قاطعة به.
والثاني: نعم، وهو ما نص عليه في كتاب المزارعة كما حكاه المحاملي واختاره تبعاً للشيخ أبي حامد، ووجهه: تردد ذلك بين السلامة والعطب، وأجور السنين تختلف غالباً فيتعذر معرفة القسط بخلاف الشهور، فإنها [تتماثل غالباً]، وقد بنى الماوردي القولين على القولين فيما إذا أسلم في جنس إلى أجلين ففي قول يجوز أخذاً بظاهر السلامة.
وفي قول لا لما عساه يقع [من الجهالة] في الأجرة.
وقال في البسيط: إنه مبني على أن الأجرة جزافاً هل تجوز أم لا؟ قال: وإن قال: أجرتك كل شهر بدرهم بطل؛ لأنه عقد على الشهور وهي غير معلومة.
وقيل: يصح في الشهر الأول؛ لأنه معلوم وأجرته معلومة فوجب أن يصح كما لو أفرده، وهذا ما نص عليه في الإملاء وبه قال الإصطخري وكذا ابن سريج [على ما حكاه القاضي الحسين والإمام الغزالي، وأنكر الرافعي أن يكون ابن سريج] قال به في هذه الحالة، وإنما قال به فيما إذا قال: أجرتك كل شهر من هذه السنة بدرهم.
والمذهب الأول في الصورتين؛ لأن المعلوم إذا أضيف للمجهول صار الجميع مجهولاً، ويخالف ما إذا قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم فإنه يصح؛ لأن جملة الصبرة معلومة بالمشاهدة، والأشهر هنا غير معلومة الجملة، فنظير المسألة أن يقول: أجرتك هذه السنة كل شهر بدرهم، وهذا فيما إذا كان الاستئجار على غير الأذان، أما لو كان على الأذان فإن وقع من مال بيت المال جاز أن يقول: أستأجرتك لتؤذن في هذا المسجد في أوقات الصلاة كل شهر بكذا أو إن وقع لا بمال بيت المال ففي اشتراط [بيان] المدة وجهان:

قال: ولا يجوز إلا على منفعة معلومة الصفة كما لا يجوز البيع إلا في معوض معلوم الصفة لاختلاف الأغراض بها,.
قال: فإن كان معلوماً بالعرف كالسكنى واللبس حمل العقد عليه، أي: على العرف؛ للاستغناء به عن الذكر كما استغني به في البيع بالثمن المطلق في موضع فيه نقد متعارف [عن ذكره] ثم كلام الشيخ يحتمل أمرين: أحدهما: أن يستأجر الدار للسكنى والثوب للبس ولا يبين السكنى ولا اللبس، [والثاني: أن يستأجر داراً وثوباً، ويطلق فيحمل الإطلاق على السكنى واللبس] لاقتضاء العرف أن الدور لا تستأجر إلا للسكنى والثياب إلا للبس، وكلاهما مصرح به في المهذب.
وفي الرافعي- حكاية عن بعض شارحي المفتاح: أنه لا يكفي الإطلاق في تعيين السكنى بل لا بد [من] أني ذكر السكن.
وحكى في موضع آخر عن شارحي المفتاح: أنه لا بد من ذكر عدد السكان من الرجال والنساء والصبيان.
ثم لا يمتنع من دخول زائر وضيف وإن بات فيها ليالي.
فرع: الاستئجار للخدمة، [شهراً] مثلاً، هل يكفي فيه الإطلاق أم لابد من تفصيل أنواعها؟ الذي حكاه في البحر والرافعي [عن الشافعي: الثاني.
وقيل: إن الإطلاق يكفي وهو الظاهر في الرافعي]، والمذكور في الشامل في كتاب الكتابة ويلزم الأخير ما جرت به العادة من غسل الثوب والخياطة، والخبز، وتعليف الدواب، وحمل الماء للشرب، والطهارة، وخدمة الزوجة، وحلب المواشي، وأضاف بعضهم إلى ذلك العجن وإيقاد النار في التنور وفرش الدار.
وقيل: علف الدواب، وحلبها وخدمة الزوجة لا يدخل إلا بالشرط.
قال في البحر: وهو اختيار شيوخ نيسابور، ونسب الرافعي ذلك إلى سهل الصعلوكي.

وقال: ينبغي أن يكون الحكم كذلك في خياطة الثوب، وحمل الماء إلى الدار [ويجوز] أن يختلف الحكم فيه بالعادة، وعلى كل حال فليس للمستأجر إخراج الأجير عن تلك البلدة إلا أن يشترط له مسافة معلومة من كل جانب من فرسخ إلى خمسة عشر كذا قال القاضي الحسين.
وقال: إن عليه المكث عنده من أول النهار إلى العشاء وقد نسب الرافعي ذلك إلى بعض من شرح المفتاح.
قال: وإن لم يكن معلوماً بالعرف؛ أي كالاستئجار على حمل مائة رطل مثلاً من موضع كذا إلى موضع كذا، والاستئجار على بناء حائط طوله كذا وسمكه كذا وارتفاعه كذا.
قال: وصفة كحمل الحديد، والقطن، والبناء بالجص والآجر، والطين، واللبن؛ ليعرف فإن الأغراض تختلف بذلك.
وفي تعليق القاضي الحسين: الجزم بأنه إذا قال: أكريت منك هذه الدابة لأحمل عليها مائة منا جاز، وكأن المكرى رضي بأعظم الأمتعة ضرراً بالدابة، وهو ما حكاه الإمام وادعى إجماع الأصحاب عليه وعزاه في "الرقم" إلى حذاق المراوزة.
وحكى في التهذيب فيما إذا قال: أكريتك هذه الدابة لتحمل عليها مائة من مما تشاء وجهين، وكذلك هما في البحر وصحح الروياني وفي الرافعي وجه الجواز، ثم قال: وهذا في التقدير بالوزن، أما إذا قدر بالكيل، فالمفهوم ما أورده السرخسي: أنه لا يغني عن ذكر الجنس، ولو وقع العقد على حمل شيء قد شوهد صح.
وإن لم يعلم كيله ووزنه كما لو شاهد الصبرة المبيعة.
وفي الحاوي حكاية قول آخر: إن الإجارة لا تصح حتى تكون الحمولة معلومة القدر، وأنه مخرج من أن دفع الدراهم جزافاً في السلم هل يجوز أم لا؟ لأن عقد الإجارة والسلم جميعاً غير منبرم بخلاف البيع.
واعلم أن من هذا النوع صوراً لا غنى عن ذكرها: منها: الاستئجار للحج والعمرة لا يكفي إطلاقه بل لابد من بيان أنه إفراد، أو تمتع أو قران، ولا يحتاج في الاستئجار للحج وحده إلى بيان أفعاله إن كانا

[يعلمانها وإن] لم يعلمها أحدهما وجب البيان، وهل يحتاج إلى تعيين الميقات الذي يحرم منه؟ فيه طريقان: أظهرهما وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق: إن المسألة على قولين: أحدهما: وهو ظاهر نصه في المختصر: أنه يشترط لاختلاف المواقيت قرباً وبعداً.
والثاني [لا]: وهو ظاهر نصه في الإملاء وغيره، ويتعين ميقات تلك البلدة على العادة الغالبة، وبه أجاب المحاملي في المقنع، وذكر ابن عبدان أنه الصحيح.
والطريق الثاني: تنزيل النصين على حالين، والقائلون به اختلفوا فمنهم من حمل النص الأول على ما إذا كان للبلد طريقان مختلفا الميقات أو كانت تفضي طريق إلى ميقاتين؛ كالعقيق، وذات عرق، وحمل الثاني على ما إذا كان لها طريق واحد إلى ميقات واحد ومنهم من حمل الأول على مع إذا كان المستأجر حياً والثاني على ما إذا كان الاستئجار لميت، والفرق: أن الحي له غرض واختيار والميت لا اختيار له، والقصد براءة ذمته، وتحكى هذه الطريقة عن ابن خيران ثم إذا اشترطنا تعيين الميقات فأهمل فسدت الإجارة ووقع الحج عن المستأجر لوجود الإذن وللأجير أجرة المثل.
ومنها: الاستئجار لتعليم القرآن إذا لم يقيد بمدة فيحتاج فيه إلى بيان السور والآيات؛ لتفاوتها في الحفظ والتعليم سهولة وصعوبة.
وفيه وجه: أنه لا يجب تعيين السور، وإ ذا عين عشر آيات كفى.
وفي المهذب: وجه أنه لا بد من تعيين السورة لكن يكفي إطلاق العشر منها.
فحصل في اشتراط تعيين الآيات ثلاثة أوجه.
الثالث: الفرق بين أن يعين السورة فيتسامح بإطلاق الآيات بها أو لا يعين فيمتنع، وفي اشتراط تعيين الرواية التي يقرأ بها وجهان: أصحهما: أنه لا يشترط؛ لأن الأمر فيها قريب.
وفي الحلية: الأظهر مقابله.

قال الإمام: وكنت أود ألا يصح الاستئجار لتعليم [القرآن] حتى يختبر حفظ الصبي؛ كما لا يصح إجارة الدابة حتى يعرف حال الراكب، لكن ظاهر كلام الأصحاب: أنه لا يشترط.
ومنها: استئجار الأرض إذا كانت تصلح لمنافع كإيواء الدواب فيها، وخزن الأمتعة، والزراعة، والبناء، والغرس فلا بد فيها من بيان أحد الأنواع أو كلها؛ ذلك مختلفة اختلافاً تختلف الأغراض به.
قال الرافعي: وقد نقلنا في مسألة الأرض التي لا ماء لها تصريح الأصحاب بجواز الإجارة مطلقاً فيشبه أن تكون إجارتها مطلقاً على وجهين كإعارتها، والظاهر المنع فيهما.
ويقوم مقام تعيين الأنواع كلها قوله: أجرتك لتنتفع كيف شئت، كما صرح به الإمام، ويكون له أن يصنع ما شاء لرضاه.
وفي التهذيب وجه: أنه لا يصح كما لو قال: بعتك من هؤلاء العبيد من شئت، وإذا عين الزراعة، ولم يذكر ما يزرع أو البناء، ولم يذكر ما يبني وأطلق؛ [ففيه وجهان] كالوجهين المذكورين فيما إذا أعار الأرض للزراعة ولم يبين المزروع، وأظهرهما عند الأكثرين كما حكاه الماوردي، وأبو الطيب هنا، وبه أجاب العراقيون في مسألة العارية-: الصحة وله أن يزرع ما يشاء.
قال الرافعي، ويجوز أن ينزل على أقل الدرجات، ونقل ابن كج وجه المنع عن النص في الجامع الكبير، وبه قال ابن سريج، وحكى الأول عن تخريج ابن القطان حكاية الشيء الغريب.
ولو قال: أجرتك لتزرع ما شئت صحت الإجارة وزرع ما شاء، نص عليه.
وعن رواية ابن القطان وجه أنها فاسدة.
ولو قال: أجرتك لتزرع أو تغرس لم يصح.
ولو قال: إن شئت فازرع، وإن شئت فاغرس، فأصح الوجهين عند الغزالي، وبه جزم الماوردي الصحة ويتخير المستأجر ولو قال: أكريتكها فازرعها

واغرسها أو لتزرعها وتغرسها ولم يبين القدر فوجهان: أحدهما: وبه قال أبو الطيب بن سلمة، وابن أبي هريرة وهو ظاهر كلام الشافعي كما قاله في المهذب وغيره- أنه يصح وينزل على النصف، وله أن يزرع الكل لجواز العدول من الغرس إلى الزرع، ولا يجوز العكس، وأقربهما: أنه لا يصح، وهو ظاهر نصه في الأم كما قاله في البحر، وبه قال: المزني، وابن سريج، وأبو إسحاق لأنه لم يبين كم يزرع وكم يغرس، بل لو قال: ازرع النصف واغرس النصف، فعن القفال كما حكاه في التهذيب وغيره: أنه لا يصح لأنه لم يبين المغروس والمزروع فصار؛ كما لو قال: بعتك أحد هذين بألف والآخر بخمسمائة.
وإذا عين في الإجارة البناء وجب بيان موضعه، وطوله، وعرضه، وفي بيان قدر ارتفاعه وقدره وجهان: أظهرهما: أنه لا حاجة إليه بخلاف ما لو استاجر سقفاً للبناء [عليه] فإنه يجب بيان الارتفاع والقدر جزماً لاختلاف الغرض.
قال: [وإن كان مما لا] يعرف بالوصف لكثرة التفاوت، كالمحمل ولاراكب والصبي في الرضاع لم يجز حتى يرى .. لتعين الرؤية طريقاً للعلم في ذلك؛ لأن العرف يختلف بسعة المحمل وضيقه، وبثقل الراكب وخفته بالضخامة والنحافة وكثرة الحركات والسكنات، وبزهادة الولد ورغبته، وصحته وسقمه والوصف لا يفي بذلك، ولا يحتاج مع الرؤية إلى شيء آخر، وقياس ما ذكرته عن الماوردي في القول المخرج في مسالة الحمولة أن العلم بالقدر معتبر أن يجيء مثله في مسألة المحمل، ووراء ما ذكره [الشيخ] في المسألة الأولى وجهان: أحدهما: عن أبي إسحاق كما حكاه الجمهور: أن المحمل إن كان بغدادياً خفيفاً كفى فيه الوصف؛ لتفاوت محاملها، وإن كان خراسانياً ثقيلاً فلا بد من مشاهدته، وقد اختار هذا القفال كما حكاه في البحر.
وحكى القاضي الحسين عن أبي إسحاق أنه إن كان في البلد محامل خفاف، وهي معروفة الصنعة؛ كالبغدادية، صح الإطلاق فيه ولا تجب الرؤية والوصف؛ لأنها لا تتفاوت.

والثاني: وبه قال ابن أبي هريرة، وهو الأشبه عند الرافعي والمذكور في الوسيط: إنه يكفي فيه الوصف وذكر الوزن؛ لإفادتهما التخمين، كالمشاهدة، فعلى هذا لو ذكر الوزن [دون الصفة أو الصفة دون الوزن] فوجهان: أظهرهما: عدم الاكتفاء؛ لبقاء الجهل مع سهولة إزالته، والذي رجحه الماوردي من الخلاف في الأصل ما حكاه الشيخ وبه جزم أبو الطيب، وفي المسألة الثانية وجه: أن الوصف يكفي عند الببة، والوصف يكون بذكر الوزن كما حكاه في التهذيب، ونسبه في البحر إلى القفال وحكاه الإمام مع وجه آخر: أنه لا يشترط وزنه ويكفي ذكر صفته من الضخامة والنحافة، وهو ما ذكره الغزالي وفي المسألة الثالثة: وجه اقتصر الماوردي على ذكره: أنه لا بد مع الرؤية من معرفة سن الرضيع مشاهدة أو خبراً؛ لاختلاف شربه باختلاف سنه، ويحتاج مع ذلك كله إلى بيان موضع الرضاع من بيت المرضعة، أو بيت الرضيع، لاختلاف الأجرة بذلك صرح به الشيخ في المهذب وغيره، وكلام الماوردي دال على عدم اعتباره حيث قال: وليس على المرضعة أن تأتي إلى الطفل [فترضعه بل على ولي الطفل] إذا أراد إرضاعه أن يحمله إليها ليرتضع، فلو كان التعيين شرطاً لاستغنى عن هذا الكلام والروياني لما رأى ذلك في الحاوي نقله بعد حكايته أن التعيين شرط فكان كلامه ملبساً.
تنبيه: المحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثانية كالمجلس كذا ضبطه الجوهري.
وقال غيره: بكسر الأولى وفتح الثانية وهو مركب يركب عليه على البعير.
واعلم أن ما ذكرناه في المحمل مفروض فيما إذا كانت المحامل تتفاوت تفاوتاً متفاحشاً، أما إذا كانت على قدر وتقطيع لا يتفاحش فيه التفاوت كفى الإطلاق، وحمل على معهودهم كذا قاله [الرافعي] وكلام القاضي الحسين يدل على خلافه فإنه قال بعد حكاية ما نقله عن أبي إسحاق كما حكيته من قبل: والنص أنه لا بد من الرؤية والوصف مع الوزن وهو المذهب؛ لأنها وإن خفت ولم يتفاحش التفاوت؛ فلا بد من نوع يتفاوت لا محالة وحكم العمارية فيما ذكرناه حكم المحمل.

ومحل الخلاف في الاكتفاء بالوصف فيما ذكرناه إذا لم يحصل به علم، أما إذا حصل كما إذا استقصى الأوصاف ففي البحر: أنه يقوم مقام المعاينة؛ لأن القصد من [الرؤية أن يصير معلوماً] وقد حصل العلم.
وأما السروج والإكاف والزاملة فلا شك في أن الرؤية فيها كافية.
وفي التهذيب: أن الزاملة تمتحن باليد ليعرف خفتها وثقلها بخلاف الراكب لا يمتحن مع المشاهدة.
قال الرافعي: وينبغي أن يكون المحمل والعمارية في ذلك كالزاملة كما قال القاضي الحسين: الثياب التي تجمع ويشد بعضها إلى بعض على الدابة ليركب فوقها من غير محمل، وأضاف في البحر إلى [ذلك في تفسيرها: أن يكون مع المتاع الزاد والماء، وعند الغيبة يكفي فيي] ذلك الوصف، ويحتاج معه إلى الوزن على المشهور.
وفي النهاية: أن أحداً من الأصحاب لم يتعرض لاشتراط الوزن في السرج والإكاف [لأنه لا يكثر فيها التفاوت، وفي الوسيط: أنه لا يحتاج إلى وصف السرج والإكاف لتساويهما]، وكل ذلك إذا وقع التعرض لذلك في الإجارة، وكان ذلك من مال الراكب.
أما لو استأجر للركوب من غير أن يشترط ما يركب عليه كان على المؤجر أن يركبه على ما جرت به العادة مما يليق بالدابة من سرج، أو إكاف، أو زاملة، ولا يشترط وصفه، وكذا إذا عين الراكب نوعاً يركب عليه ويكون من مال الآجر لا يحتاج إلى وصفه كما صرح [به] الماوردي.
فرعان: أحدهما: ما يفرش في المحمل ليجلس عليه، لا بد من معرفته ويكفي فيها الوصف، ومن أصحابنا من قال: يحتاج إلى مشاهدته حكاه في البحر، والغطاء الذي يستظل به ويتوقى به المطر قد يكون وقد لا يكون فيحتاج إلى شرطه، وإذا شرط فجواب الشيخ أبي حامد، وابن الصباغ: أنه يكفي الإطلاق؛ لأن التفاوت فيه قريب ويغطيه بجلد أو كساء أو لبد.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل