كتاب الطلاق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وإن تزوجها قبل ذلك، انبنى على عود الحنث، وسيأتي [إن شاء الله تعالى].
وأما إذا كانت صغيرة، أو آيسة لم تحض قط، فينبني حكم الطلاق على أن القرء طهر يحتوشه دمان، أو هو الانتقال من الطهر إلى الحيض؛ وفيه خلاف سيأتي.
فإن قلنا بالأول، فلا تطلق حتى تحيض، [ثم تطهر].
وإن قلنا بالثاني، فالذي أطلقه العراقيون، وصاحب التهذيب، وغيرهم: أنه يقع في الحال طلقة.
وفي "التتمة": أنه يؤمر الزوج باجتنابها؛ لأن الظاهر أنها ترى الدم، فإن رأته بان وقوع الطلاق، وإن ماتت ولم تره؛ ماتت على النكاح، هذا ما حكاه الرافعي.
وفي النهاية: أن الذي عليه الأصحاب: أنه لا يقع في الحال، ولكن إذا حاضت هل يتبين وقوع الطلاق عليها باللفظ السابق؟ فعلى وجهين، فينبني على أن القرء ماذا؟ فإن قلنا: إنه الانتقال من الطهر إلى الحيض، بان وقوع الطلاق، وغلا فلا.
وحكى القاضي الحسين في التعليق بعد أن قال: يقع الطلاق في الحال: أنه قال في متن الكتاب: لا يختلف المذهب في أنه لا يقع عليها شيء قبل أن تحيض، وساق ما ذكره الإمام.
وإذا قلنا بوقوع الطلاق في الحال، فلو لم تحض، ولم يراجعها حتى مضت ثلاثة أشهر، بانت بطلقة.
وعن صاحب التقريب حكاية وجه غريب: أن الأقراء في [حق] الصغيرة محمولة على الأشهر؛ لأنها بدل الأقراء في حقها؛ فعلى هذا تطلق في كل شهر طلقة.
وحكم الآيسة حكم الصغيرة في وقوع الطلاق.
وإن قلنا: [إن] القرء: عبارة عن الانتقال تقع في الحال طلقة.
وإن قلنا: عبارة عن طهر يحتوشه دمان فلا يقع؛ هكذا حكاه الرافعي عن أبي الفرج.
قلت: وفيه نظر؛ لأن من قال: إن القرء: عبارة عن الانتقال، أراد الانتقال من الطهر إلى الحيض [وها هنا لم يوجد ذلك، بل وجد عكسه.
نعم: هذا يعضده ما أبداه الرافعي احتمالاً من عند نفسه: أنه يقتضي الاشتقاق وقوع الاسم على الانتقال من الحيض إلى الطهر؛ كوقوعه على الانتقال من الطهر إلى الحيض]؛ على ما حكاه في العدد.
ثم الوجه الذي حكاه صاحب التقريب في الصغيرة جار في الآيسة- أيضاً- صرح به في الذخائر.
وإذا قلنا بعدم وقوع الطلاق عليها في الحال، وهو ما حكاه في "التتمة"، فلو حاضت من بعد ذلك على ندور، تبين وقوع الطلاق- قال الإمام-: بلا خلاف.
قال في "التتمة": [و] على الزوج أن يجتنبها بعد اليمين وقبل رؤية الدم؛ لأن من الجائز أن يعود الدم؛ فيتبين أنها كانت مطلقة من وقت اللفظ.
قلت: وما قاله فيه نظر؛ من حيث إن الظاهر عدم العود، والأحكام تناط بالظاهر، وليس كما حكيناه عنه في [حق] الصغيرة؛ لأن الظاهر [ثم]: أنها ترى الدم؛ فرتب الحكم على الظاهر، ولا يقال: الأصل في الأبضاع التحريم، فإذا طرأ ما يتوقع به التحريم، رجع إلى الأصل؛ لما سيأتي- إن شاء الله تعالى- فيما إذا قال: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر؛ فإن الزوج لا يمنع من وطئها وإن مضى شهر من وقت اليمين وإن كان ما من زمن بعد مضي شهر إلا ويحتمل أن يقدم زيد فيه، ويتبين أنها كانت مطلقة في وقت الوطء.
ثم لتعلم: أن الظاهر عند الأئمة- على ما حكاه الرافعي- وقوع الطلاق على الصغيرة والآيسة في الحال، لكن يلزم على مقتضى البناء المتقدم أن يكون الظاهر: أن القرء: عبارة عن الانتقال، والأصح خلافه، وقد نبه على ذلك الرافعي في العدد.
قال: وإن كانت حاملاً، لم تطلق في حال الحمل أكثر من طلقة حاضت [على الحمل] أو لم تحض.
أما إذا رأته، وقلنا: إنه ليس بحيض [أو لم] تره؛ فلأنه لم يوجد سوى
مسمى قرء واحد.
وأما إذا رأت الدم، وقلنا: إنه حيض، ووضعت قبل وجود الطهر؛ فلما قدمناه أيضاً.
وأما إذا وجد الطهر بعد الحيض؛ فلأن الظاهر من قوله: في كل قروء: أنه يريد الأقراء التي تنقض بها العدة، وليس هذه كذلك.
وحكى المراوزة وجهاً: أن الطلاق يتكرر بتكرر الأطهار إذا قلنا: إن الدم الذي تراه [الحامل] حيض، كما لو قال لمن تحيض: أنت طالق في كل شهر طلقة.
وفي النهاية: أنه الأقيس، والمذهب الأول، لكن متى تطلق؟ ينظر:
إن كانت طاهراً، ولم تحض قط، ففي الحال.
وفي "التتمة" حكاية قول في التي لم تحض قط، وكان بلوغها بالحمل: أنها [لا تطلق في حال الحمل، وإنما تطلق عند الطهر من النفاس، وهو مبني على أن القرء: عبارة عن طهر محتوش بدمين.
وإن كانت حائضاً فعند الشيخ أبي حامد: أنه يقع الطلاق في الحال- أيضاً- لأن زمان الحمل كالقرء الواحد.
وقال القاضي أبو الطيب: لا يقع حتى تطهر من الحيض، وهذا هو الأشبه عند الحناطي والصحيح في "التتمة"، وبه جزم في النهاية.
وفي الذخائر: أن أصحابنا قالوا: إنه ليس [بشيء].
وقال ابن الصباغ: إن الأول أقيس، واستدل على فساد كلام القاضي.
وحكى الحناطي وجهاً: أنا وإن لم نجعله حيضاً فلا تطلق إذا رأته حتى تطهر منه.
فرع: لو قال: أنت طالق في كل طهر طلقة، فإن قلنا: إن الدم الذي تراه الحامل حيضاً، فإن كانت في الحال طاهرة، طلقت طلقة، ثم تتكرر في كل [طهر] طلقة.
وإن قلنا: [إنها] لا تحيض، وقع في الحال طلقة، ولا يقع ما سواها.
قال: وإن قال: إن حضت فأنت طالق، طلقت برؤية الدم- أي: في زمن إمكان الحيض- لأن الظاهر أنه دم حيض؛ ولذلك أمرت بترك الصلاة، والصوم، ومنع الزوج من الوطء، لكن إن انقطع قبل أن تبلغ أقل الحيض، ولم يتعد إلى خمسة عشر يوماً، فيتبين أن الطلاق لم يقع.
وقيل: لا يحكم بوقوعه بأول رؤية الدم؛ لأنه قد يكون دم فساد، فإذا بلغ أقل الحيض تبين وقوع الطلاق من أول الطروء؛ وهذا ما رجحه الإمام، ولم يحك القاضي الحسين في التعليق سواه، وفرع الإمام عليه فقال: إذا رأت الدم، فهل يجب التحرز عن الاستمتاع بها ناجزاً؟ هو كما لو قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق، وسيأتي حكم ذلك- إن شاء الله تعالى.
والأول هو الأظهر، ولم يورد الجمهور سواه.
فإن قيل: من جملة شرائط الحيض ألا يزيد الدم على خمسة عشر يوماً كما أن من شرطه ألا ينقص عن يوم وليلة، وقد اعتبرتم على قول تحقق الشرط الثاني، بخلاف الأول؟
قلنا: إنما اعتبرنا تحقق [الشرط الثاني] لجواز أن ينقطع لدون اليوم أو اليوم والليلة؛ فلا يكون شيء منه حيضاً، وأما الزيادة على [الخمسة عشر يوماً فهي لا] تخرج الدم بجملته عن أن يكون حيضاً، بل قد تحقق أن لها من جملته حيض، فلا جرم أنا لم نعتبره.
نعم، قد يتجه السؤال فيما إذا بدأ بها دم ضعيف، فإنه يحتمل أن يطرأ عليه دم قوي، ويجاوز الخمسة عشر؛ فلا يكون الدم الضعيف حيضاً، وحينئذ فيصير كانقطاعه لدون يوم وليلة، والله أعلم.
فرع: لو قال لها في أثناء حيضها: إن حضت فأنت طالق، منقول المذهب أنها لا تطلق حتى تطهر، ثم تحيض كما لو قال لها والثمار مدركة: إذا أدركت الثمار فأنت
طالق، فإن هذا يقتضي تعليق الطلاق بإدراك لاحق.
وقال ابن الصباغ: الذي يقتضيه قياس [المذهب] أن الدم إذا استمر بها بعد التعليق ساعة يقع الطلاق، ويكون دوام الحيض حيضاً.
وفي الرافعي: أن صاحب "التتمة" حكاه وجهاً، ويؤيده ما سنذكره- إن شاء الله تعالى- في الأيمان: أن استدامة الركوب واللبس ركوب ولبس؛ لأجل [أنه يقال ركبته ولبسته] عشراً، بخلاف الطيب؛ وهذا المعنى موجود ها هنا؛ لأنه يقال: حاضت عشراً والله أعلم.
قال: وإن قال: إن حضت حيضة فأنتِ طالق لم تطلق حتى تحيض، وتطهر؛ لأنه علقة بتمام الحيض؛ وهكذا علله الرافعي، وزاد عليه فقال: وحينئذ يقع سنيّاً، فإن صح ما وقفت عليه من النسخ هكذا، ففيه نظر؛ من حيث إن الطلاق إنما يقع بعد وجود الشرط أو معه، والشرط هنا وجود الحيضة بكمالها.
فلو وقع بطريق التبين، لوقع قبل وجود شرطه، فلعل هذا من الناسخ، ومما يؤيد ذلك أنه قال من بعد: لو قال: كلما حضت حيضة فأنتِ طالق، طلقت ثلاثاً في انتهاء ثلاث حيض مستقبلة، وتكون الطلقات سنية، فلو كان الطلاق يقع بطريق التبين لم تكن الطلقات سنية.
قال: فإن قالت: حضت، وكذبها- فالقول قولها مع يمينها؛ لأنها أعرف بحيضها، ويتعذر [عليها] إقامة البينة عليه، فإن الدم وإن شوهد لا يعرف أنه حيض، بل يجوز أن يكون استحاضة؛ هكذا قاله الرافعي، وفيه نظر؛ من حيث إن [دم] الحيض له صفات يتميز بها عن غيره كما [هي مذكورة] في كتاب الحيض، وإذا كان كذلك فلا تتعذر إقامة البينة عليه، وقد صرح بذلك ابن الصباغ كما [سيأتي] حكايته في الباب- إن شاء الله-[و] في كلام الإمام في كتاب اللعان عند الكلام في النزاع في بلوغ المقذوفة وصغرها إشارة إلى شيء من ذلك؛ فإنه قال: ليس يبعد إقامة البينة على الحيض؛ فإن نسوة لو رأت نفوذ الدم في أول وقت إمكان البلوغ، [ثم تمادى] الدم إلى انقضاء أقل الحيض- فيمكن اللعان لكن على عسر.
والمذكور في "التتمة" من التعليل: أن الزوج لما علق طلاقها بحيضها مع علمه بأنه لا يعرف إلا من جهتها كان راضياً بأمانتها، وقول الأمين إذا عري عن التهمة يقبل وها هنا لا تهمة، لأنها تسقط [بما] تدعيه حقوقها عن الزوج.
قال الرافعي: وكذلك الحكم فيما لا يعرف إلا من جهتها كما إذا قال: إن أضمرت بغضي فأنت طالق، فقالت أضمرته، تصدق بيمينها، ويحكم بوقوع الطلاق.
قلت: ووراءه أمران:
أحدهما: قد تقدم فيما إذا اختلف الزوجان في النية عند تفويض الطلاق إليها بالكناية، فقالت: نويت، وقال الزوج: ما نويت- حكاية قول أن القول قول الزوج، وإن كانت النية لا يطلع عليها؛ استبقاء للنكاح مع أن الأصل عدم النية؛ فكان يتجه أن
يجري مثله هنا.
الثاني: سيأتي- إن شاء الله تعالى- في باب الاستبراء أن السيد إذا ادعى استبراء الأمة بالحيض، وأنكرت الأمة وجود الحيض: أن القول قول السيد مع أنه لا يطلع على ذلك إلا من جهتها؛ فكان يتجه أن يكون القول قولها؛ لما ذكرناه أولاً، ولأنه يعتضد بالأصل.
أو يكون القول قول الزوج هنا كما هو ثم، والله أعلم.
فرع: لو قال لها: إن ولدت فأنت طالق، ثم قالت: [ولدت، فقال:] ما ولدت، وهذا الولد مستعار، ففيه وجهان:
أحدهما: يحكي عن أبي حامد أنها تصدق بيمينها كما في الحيض، وبه قال ابن الحداد.
وأصحهما: المنع، وتطالب بالبينة؛ كما في سائر الصفات؛ هكذا حكاه الرافعي والإمام في كتاب اللعان [عند الكلام] في إنكار الزوج الولادة.
وفي الشامل نسبة الوجه الأول إلى رواية القاضي أبي الطيب عن الأصحاب، ونسبة الثاني إلى الشيخ أبي حامد.
وأجرى [الغزالي] الخلاف فيما لو قال لها: إن زنيت فأنت طالق، فقالت: زنيت، لكن الأصح أنه لابد من إقامة البينة على الزنا؛ وإن كان في "الوسيط" أن الظاهر خلافه.
قال: وإن قال: إن حضت فضرتك طالق، فقالت: حضت، فكذبها، فالقول قوله، ولا تطلق الضرة؛ لأنه لا سبيل إلى قبول قولها من غير يمين، وإن حلفناها كان التحليف لغيرها؛ فإنه لا تعلق للخصومة بها، والحكم للإنسان بحلف غيره محال.
وإن صدقها طلقت الضرة.
ولو قال: أنا أجوز أن تكون صادقة، وأجوز أن تكون كاذبة، ويغلب على ظني صدقها- لم يحكم بوقوع الطلاق [ولا مستند لتصديقه إلا إخبارها وغلبه الظن
بصدقها، فهلا] حكمتم بوقوع الطلاق هنا ولم تحكموا بوقوعه عند التصديق.
قلنا: قد حكى الإمام في الفروع: أنه سمع أكابر [علماء] العراق يحكون عن القاضي أبي الطيب: أنه حكى عن الشيخ أبي حامد تردداً في الحكم بوقوعه عند التصديق.
فإن قلنا بعدم الوقوع، فقد استوت المسألتان.
وإن قلنا بالوقوع وهو ما أطبق الأصحاب عليه، وادعى الإمام: أنه تتبع طرقاً منقولة عن الشيخ أبي حامد فلم يجد سواه، فالفرق أن من الأشياء ما يعلم أن المستند في الإخبار به أمين، وإذا أخبر [به] قبل، ولو أخبر بمستنده لم يقبل، ومثاله الشهادة بالملك تسمع من غير بيان السبب، ولو شهد بالمستند دون الملك، لم يسمع [وكذلك] الرضاع: لو شهد بما شاهده من غير تعرض لكون أن [ما] بينهما رضاع محرم لم يثبت، بخلاف ما لو شهد بالرضاع؛ وهذا من هذا القبيل؛ فاندفع السؤال.
ولأن الإقرار حجة شرعية كاليمين، واليمين قد تستند إلى قرائن تفيد الظن القوي كما تحلف المرأة على نية الرجل في كنايات الطلاق؛ فكذلك لا يبعد أن يستند الإقرار إليها فيحكم به، والله أعلم.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن تصدقها الضرة أو تكذبها.
وكذلك الحكم فيما لو علق طلاق زوجته بحيض أجنبية، فقالت: حضت، وكذبها الزوج في عدم وقوع الطلاق، وقد صرح به مجلي والإمام وغيرهما، وبه يندفع وهم من يعتقد أنا إنما لم نحكم [بوقوع الطلاق] في مسألة الفصل؛ لأن الضرة متهمة.
ولو قال: إذا حضت فأنت وضرتك طالقتان، فقالت: حضت، وكذبها [الزوج]
فتصدق بيمينها، ونوقع الطلاق عليها، ولا نوقعه على الضرة؛ كما لو ادعى أحد الوارثين بدين انتقل إليه بالإرث، وحلف مع شاهد أقامه، فإنه يثبت حقه بيمينه، ولا يثبت نصيب الوارث الآخر.
وعن صاحب التقريب [رواية وجه]: أنه يقع على الضرة أيضاً.
قال: وإن قال لامرأتين: إن حضتما فأنتما طالقتان، لم تطلق واحدة منهما حتى تحيضا؛ لأن طلاق [كل] واحدة منهما معلق بحيضهما جميعاً، ولا فرق في ذلك بين أن تقع الحيضتان معاً، أو إحداهما بعد الأخرى.
فإن قالتا: حضنا، فصدقهما، طلقتا؛ لاعترافه بتحقق الشرط، وهذا هو المشهور، وفيه التردد المنقول عن الشيخ أبي حامد.
قال: وإن كذبهما، لم تطلق واحدة منهما؛ لأن طلاق كل واحدة [منهما] معلق على وجود شرطين، ولم يوجد أحدهما.
قال في الشامل ها هنا: إلا أن تقيم البينة بحيضها فيقع عليهما الطلاق.
وقال- أيضاً- في الخلع: إذا كذبهما، فأقامت كل واحدة منهما على حيضها أربع نسوة، ثبت، وطلقتا، وهذا مخالف لما حكيناه عن الرافعي من قبل.
وعلى تقدير [تسليم] جواز إثبات الحيض بالنسوة ينبغي ألا يقع الطلاق المعلق [عليه]؛ لأن الطلاق لا يثبت بشهادتهن، [وليس] كما إذا [شهدت النسوة بالولادة؛ فإن النسب والميراث يثبتان وإن لم يثبتا بشهادة النسوة ابتداءً]؛ لأنهما من توابع الولادة وضروراتها بخلاف الطلاق مع الحيض، وقد صرح بمثل ذلك الرافعي والغزالي في كتاب الشهادات فيما إذا قال: إن ولدت فأنت طالق، وثبتت ولادتها بأربع نسوة، فإنه لا يقع الطلاق، وإن ثبت النسب، والفرق ما ذكرناه.
نعم: ما ذكره ابن الصباغ يوافق وجهاً حكاه الإمام عند الكلام في الجنايا من كتاب الجنايات فيما إذا قال: إن كنت غصبت فأنت طالق، فأقامت [بينة] على الغصب شاهداً وامرأتين- أنه يقع الطلاق، والأظهر فيها عدم الوقوع.
قال: وإن صدق إحداهما، وكذب الأخرى، طلقت المكذبة [ولم تطلق المصدقة] لثبوت الشرطين في حقها، أما ثبوت حيض ضرتها فبتصديقه، وأما حيضها فبيمينها.
قال: ولم تطلق المصدقة إذا لم يثبت حيض صاحبتها في حقها؛ لتكذيبه، ويجيء [على] ما نقل عن صاحب التقريب أنها تطلق أيضاً.
قال: وإن قال: إن حضتما حيضة، فأنتما طالقتان، لم يتعلق بهما طلاق- أي: وإن حاضتا- لأنهما إذا حاضتا حصلت حيضتان، ويستحيل أن يحيضا حيضة واحدة.
قال: وقيل: إذا حاضتا طلقتا؛ لأن الاستحالة نشأت من قوله: حيضة فيلغى، ويبقى التعليق بمجرد حيضهما؛ فيقع عند وجوده؛ وهذا هو الأظهر في الرافعي، والمذهب في تعليق البندنيجي.
ويجيء عليه الخلاف المتقدم في أنهما تطلقان برؤية الدم، أو لابد من [مضي] يوم وليلة.
وقال الإمام في تعليل هذا القول: يحتمل أن يراد به إذا حاضت كل واحدة منهما حيضة، وهو السابق إلى الفهم من مثل هذا القول؛ فينزل عليه؛ تصحيحاً للكلام.
قال الرافعي: وقضية هذا الكلام وقوع الطلاق عند تمام الحيضتين.
وفي ابن يونس أن الشيخ أبا حامد قال في التعليق: يقع الطلاق عليهما في الحال، كما لو قال لمن لا سنة لها ولا بدعة: أنت طالق للسنة، أو للبدعة.
ويتلخص من مجموع ما ذكرناه خمسة أوجه:
أحدها: عدم وقوع الطلاق حالاً ومآلاً.
والثاني: الوقوع في الحال، وهو يشابه وجهاً سيأتي فيما إذا قال [لزوجته]: إن طرت، أو صعدت السماء فأنت طالق.
والثالث: يقع الطلاق عليهما برؤية الدم.
والرابع: بعد مضي يوم وليلة [تَبَيُّناً].
والخامس باستكمال الحيضتين، ولو قال لهما: إن ولدتما [ولداً] [فأنتما طالقتان] فعند صاحب التلخيص: أنه يلغو، ولا يقع الطلاق بحال.
وعن غيره: أنه كما لو قال: إن ولدتما، [ويحمل قوله: ولداً على ذكر الجنس.
قال أبو عبد الله الحناطي: فأما إذا قال: إن ولدتما] ولداً واحداً فأنتما طالقتان، فإنه محال، ولا يقع الطلاق.
وعلى الوجه الذي يقول: إذا علق الطلاق بمحال يقع في الحال، يقع ها هنا: وَلَدتا أَوَ لمْ تَلِدَا؛ هكذا حكاه الرافعي.
قلت: [ويتجه] أن يجري هذا الوجه فيما إذا قال: إن ولدتما ولداً؛ كما حكيناه عن الشيخ أبي حامد في قوله إن حضتما [حيضة].
قال: وإن قال لأربع نسوة: أيتكن حاضت فصواحباتها طوالق، فقلن: حضن؛ وكذا لو قال: كلما حاضت واحدة منكن فصواحباتها طوالق، فقلن: حِضنا؛ فإن صدقهن، طلقت [كل] واحدة منهن ثلاثاً؛ لأنه جعل حيض كل واحدة منهن صفة لطلاق البواقي، ولكل واحدة ثلاث صواحب، وقد حضن؛ فتطلق ثلاث طلقات.
وإن كذبهن لم تطلق واحدة منهن؛ لأن كل واحدة منهن لا يقبل قولها في حق غيرها؛ لما قدمناه.
وإن صدق واحدة طلقت المكذبات طلقة [طلقة]؛ لأن لكل واحدة منهن صاحبة ثبت حيضها، ولم تطلق المصدقة؛ لأنه ليس لها صاحبة ثبت حيضها.
وإن صدَّق اثنتين طلقت كل واحدة من المكذبتين طلقتين؛ لأن لكل واحدة منهما صاحبتين، ثبت حيضهما، [وطلقت كل واحدة من المصدقتين طلقة؛ لأن
لكل واحدة منهما صاحبة واحدة ثبتت حيضتها] وإن كذب واحدة، طلقت المكذبة ثلاثاً؛ لأن لها ثلاث صواحب ثبت حيضهن، وطلقت كل واحدة من المصدقات طلقتين؛ لأن لكل واحدة منهن صاحبتين ثبت حيضهما.
ويجيء على ما نقل عن صاحب التقريب: أن يطلقن ثلاثاً ثلاثاً.
ولو قال لأربع نسوة إن حضتن فأنتن طوالق، فقلن: حضنا، فإن صدقهن، طلقن واحدة [واحدة].
وإن كذبهن لم يطلقن.
وإن كذب واحدة، طلقت طلقة دون الباقيات.
وإن كذب أكثر من واحدة، لم تطلق واحدة منهن.
تنبيه: النسخ كلها: [فصواحباتها] بالألف وتاء، وهي لغة، [والجيد صواحبها بحذفهما]: كضاربة، وضوارب.
قال: وإن قال: إن كنت حاملاً فأنت طالق، أي: وهي ممن يمكن أن تحمل، ولم يكن استبرأها قبل ذلك، حرم وطؤها حتى يستبرئها؛ لأن الأصل عدم الحمل.
ويروي عن القفال: أنه لا يحرم؛ لأن الأصل بقاء النكاح، والطلاق [المحرم] مشكوك فيه.
قال: بثلاثة أقراء- أي: إذا كانت حرة- لأنه تربص في حق حرة منكوحة؛ فأشبه العدة.
وقيل: يطهر؛ لأن القصد معرفة براءة الرحم؛ فلا يزاد على قرء واحد، واستبراء الحرة لا يجوز إلا بالطهر؛ فوجب أن يكون بطهر.
وقيل: بحيضة؛ لأن القصد من هذا الاستبراء معرفة براءة الرحم، والذي يعرف به براءة الرحم هو الحيض، ويخالف العدة؛ لأنه لابد وأن يتخللها الحيض.
وفي المهذب [حكاية] طريقة أخرى: أنها لا تستبرأ إلا بثلاثة أقراء، وإن جرى الخلاف في المسألة التي تليها؛ لأنه استبراء حرة؛ لأجل الطلاق؛ فلا يجوز بما
دون ثلاثة أقراء، كالاستبراء في سائر المطلقات، وفي المسألة التي تأتي الاستبراء لاستباحة الوطء؛ فأشبه الأمة.
وبعض الأصحاب جعل الخلاف المتقدم ذكره في أنها تستبرأ بطهر أو بحيضة؟ مأخذه الاختلاف في استبراء الأمة.
والصحيح فيه عند الإمام أن استبراء الأمة يكون بالحيض، وسيأتي الكلام فيه، وكذلك في أن بقية الطهر أو الحيض هل يكتفي به؟
أما لو كانت الزوجة ممن لا يمكن [أن] تحمل كالصغيرة التي لم تراهق، فلا استبراء في حقها، ولكن يحكم بوقوع الطلاق في الحال؛ لتحقق الحيال.
ولو كانت مراهقة؛ فيمكن أن تحمل، ولابد من الاستبراء، ولكن بماذا؟ قال الرافعي: يشبه أن يقال: إن قلنا: إن الاستبراء بثلاثة أقراء، [فالاستبراء بثلاثة] أشهر في حقها.
وإن قلنا: بقرء، فاستبراؤها بشهر واحد أو أشهر؟ فيه خلاف؛ كما في استبراء الأمة.
والأظهر من الخلاف هناك: أنها تستبرأ بشهر واحد.
والموجود في التهذيب ها هنا حكاية عن القفال: أنه ينتظر مضي ثلاثة أشهر: حرة كانت أو أمة؛ لأن الحمل لا يظهر في أقل منها.
قال: فإن بان أنها حامل- أي: بالاستبراء بما ذكرناه-[طلقت]؛ لوجود لاشرط.
وفي النهاية: أن الذي ذهب إليه المحققون: أنا نحكم بوقوع الطلاق عند مضي ثلاثة أقراء تبيُّناً.
وإذا مضى قرء واحد، فهل يحكم بوقوع الطلاق؟ فعلى وجهين.
ثم قال: وكان من الممكن أن نأمرها بالتربص إلى انقضاء مدة أكثر الحمل، ولا يقع الطلاق بمضي ثلاثة أقراء؛ لأنه لا يفيد إلا الظن.
وقد وجدت لشيخنا ما يدل على ذلك، وعلله بأن الصفات المعلق عليها يعتبر فيها اليقين، ألا ترى أنه [لا فرق] بين أن يقول: إن [قدم زيد فأنت طالق، وبين أن
يقول: إن] استيقنت قدوم [زيد]؟
ولو علق على تحقق براءة الرحم، لم يقع بمض الأقراء؛ فكذلك إذا أطلق.
وفي الذخائر: أن الطلاق يقع، وحكاية وجهين عن الحلية في أنها هل تحل للأزواج بمضي الأقراء أو لا تحل حتى تمضي أكثر مدة الحمل؟
وأجاب عما أورده الإمام بأن مطلق الألفاظ يحمل على ما تقرر في الشرع، والمتقرر في الشرع ها هنا: أن السبيل إلى معرفة ذلك وعدم معرفته هو وجود الحيض وعدمه، والمتحصل عن ذلك غلبة الظن لا غير؛ فحمل مطلق اللفظ عليه، يؤكده أنه لا سبيل إلى التحقق في مثل هذا المقام في غالب الأمر؛ فتعين الصرف إلى الوجه الممكن، وصار معنى قوله: إن كنت حائلاً فأنت طالق، كقوله: إن برئت رحمك فأنت طالق، وقد حصل؛ بخلاف قدوم زيد ونحوه؛ فإن اليقين ممكن الوصول إليه، ولا عرف لمثله في الشرع؛ فحمل الحكم على مقتضى اللفظ.
قال: واحتسب ما مضى من الأقراء من العدة؛ لأن الطلاق يقع عند التعليق بطريق التبين؛ فكان ما بعده محسوباً من العدة.
تنبيه: إطلاق الشيخ- رضي الله عنه- هذا الكلام يعرفك: أنه لا فرق بين مضي ثلاثة أقراء أو دونها في وقوع الطلاق؛ إذ لو كان عنده لا يقع إلا بمضي ثلاثة أقراء، لقال: انقضت العدة، وقد تقدم ما قيل فيه.
قال: وإن بان أنها [كانت حاملاً]- أي: بوضع الحمل على النعت الذي سنذكره- حل وطؤها؛ لأنه تحقق أن الطلاق لم يقع؛ لتحقق عدم الشرط، وصورته أن تأتي بولد لدون ستة أشهر من وقت الحلف، ولو أتت به لأكثر من أربع سنين من وقت اليمين، فالطلاق واقع.
وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر، وأقل من أربع سنين، فإن لم يكن وطئها فالطلاق غير واقع؛ [لأنا حكمنا بوجود الولد حالة اليمين، وإن كان قد وطئها بعد اليمين: إما بأن استبرأها، وحكمنا بوقوع الطلاق،] ثم راجعها، ووطئها، أو من
غير استبراء، وجوزنا له ذلك، فإن كان بين الوضع والوطء دون ستة أشهر، فهو كما لم يطأها، وإن كان بينهما ستة أشهر فأكثر، ففي وقوع الطلاق وجهان:
أظهرهما: الوقوع.
ومقابله يروي عن أبي علي الطبري، وفي المهذب روايته [عن ابن] أبي هريرة.
أما لو ظهر أنها كانت حاملاً بأن مر بها ثلاثة أشهر، ولم ترد الدم، وهي من ذوات الأقراء، وظهرت أمارات الحمل، وصارت مرتابة- لم يحكم بوقوع الطلاق، وهل يحل له الوطء؟
فيه وجهان.
قال: فإن كان قد استبرأها، حل وطؤها في الحال.
وقيل: لا يحل حتى يستأنف الاستبراء.
اعلم أن النسخ في هذا الموضع مضطربة: فالذي رأيته في نسخة عتيقة ذكر هذه المسألة الثانية التالية لهذه المسألة، [و] توجيه الخلاف فيها يأتي في موضعه، ولا اعتراض على ذلك، ومما يؤيد ذلك أن النووي لم يتعرض للتنبيه على ذلك وإن كان من شأنه أنه لا يهمل مثله.
والموجود في أكثر النسخ ذكرها هنا؛ وعلى هذا تكلم ابن يونس، وأورد عليه أنه قد جزم- رضي الله عنه- بعدم حل الوطء قبل الاستبراء، وهذا الحكم بثبوته بعد الاستبراء يكون بطريق الأولى؛ فكيف يجري فيه الخلاف؟ وتقرير كلام الشيخ على هذا التقرير يحتاج إلى مقدمتين:
إحداهما: أن أمارات الحمل إذا ظهرت، هل يجوز الوطء؟ فيه الخلاف المتقدم.
الثانية: أن الاستبراء [المتقدم] على التعليق هل يكتفي به؟ فيه وجهان:
أحدهما- ويحكى عن أبي إسحاق-: أنه لا يكتفي به؛ لأن الاستبراء تقدم سببه؛ فلا يغني؛ كما إذا مضت مدة العدة قبل الطلاق أو الاستبراء قبل حصول الملك في الأمة.
وأصحهما عند صاحب التهذيب وغيره، وبه قال ابن أبي هريرة: أنه يكتفي به؛ بخلاف العدة، فإن الطلاق سببها، وكذلك الملك سبب وجوب الاستبراء؛ فلا يعتد بما تقدم على وقت الوجوب، وها هنا الاستبراء ليس بواجب في نفسه، وإنما علق الطلاق بصفة، والمقصود معرفة أن الصفة حاصلة أو غير حاصلة، ولا يختلف طريق المعرفة بين أن تتقدم أو تتأخر.
وفي المجرد للقاضي أبي الطيب نسبة الثاني إلى أبي إسحاق.
إذا تقرر ذلك، فنقول: إن لم نجوز الوطء عند ظهور أمارات الحمل بعد الحلف، فلا نجوزه هنا من طريق الأولى؛ وإن جوزناه عند الظهور بعد الحلف فهل يجوز إذا وجد هذا الظهور قبل الحلف؟ فيه وجهان ينبنيان على أن الاستبراء السابق، هل هو معتبر أم لا.
وعلى هذا يحمل كلام الشيخ، رضي الله عنه.
وأظهر القاضي الحسين في التعليق للخلاف في أن الاستبراء السابق هل يعتبر ثمرة أخرى، وهي أن مدة الأربع سنين [في] أي وقت تعتبر؟ إن قلنا: [إنه] لا يعتد به، اعتبرت من وقت التعليق؛ وإلا فمن وقت الاستبراء.
فرع: إذا قال للآيسة: إن كنت حائلاً فأنت طالق، فهل تطلق في الحال؟
قال في الخذائر: الذي ذكره الشيخ أبو نصر: أنه يقع الطلاق عليها من غير استبراء.
وقال بعضهم: يحتمل أن يقال: لابد من الاستبراء.
ويحتمل أن يقال: يكتفي بما بان من اليأس في حقها؛ بناءً على الخلاف في الاكتفاء بالاستبراء السابق.
قال: والذي ذكره الشيخ أبو نصر أصح؛ لأنا تحققنا عدم الحمل في حقها؛ فوجب أن يقع الطلاق، كما لو قال ذلك لصغيرة؛ بخلاف الاستبراء قبل التعليق؛ فإنا لسنا على يقين من عدم الحمل، والله أعلم.
قال: وإن قال: إن كنت حاملاً فأنت طالق، حرم وطؤها حتى يستبرئها.
قال الرافعي: وهذا ما يوجد للشيخ أبي حامد، والقاضي أبي الطيب، وحكاه الإمام عن المراوزة.
ووجهه: أنه يجوز أن تكون [حاملاً؛ فيحرم وطؤها، ويجوز أن تكون] حائلاً فلا يحرم؛ فغلب التحريم؛ احتياطاً للأبضاع.
وقيل: يكره.
قال الرافعي: وهو المحكي عن نصه في الإملاء، وبه أجاب الحناطي، وهو الأظهر.
وفي الشامل: أن الشيخ أبا حامد حكى عن الشافعي أنه ذكر في مسألة مثلها في الإملاء: أن الوطء يكره، ولا يحرم.
ووجهه: أن الحمل عارض، والأصل عدمه، مع أن الأصل [بقاء] النكاح، والمحرم مشكوك فيه؛ فأشبه ما لو قال: إن كان هذا الطائر غراباً فامرأتي طالق، فطار، ولم يعلم.
وعلى هذا فلو أتت بولد لدون ستة أشهر من وقت التعليق، تبين وقوع الطلاق، وكان وطؤه- إن جرى- وطء شبهة، يجب به المهر، ولا يجب به الحد.
وإن أتت به لستة أشهر فأكثر، أو لأربع سنين فما دونها، نظر:
إن كان الزوج يطؤها وكان بين الوطء والوضع ستة أشهر فأكثر، لم يقع الطلاق- قال في المهذب-: وجهاً واحداً.
وإن لم يطأها بعد التعليق، أو كان بين الوطء والوضع دون ستة أشهر، فوجهان:
أحدهما- حكاه في الشامل عن رواية الشيخ أبي حامد-: أنه لا يقع [الطلاق].
وأظهرهما: الوقوع، وهو ما حكاه في المهذب.
والقول فيما به الاستبراء، وفي أن الاستبراء السابق على التعليق هل يكتفي به؟ على ما مر في المسألة الأولى.
وإذا اكتفينا بالاستبراء السابق حل الوطء، وإلا فلا [يحل].
واعلم أن في كلام الغزالي ما يشعر بأن صورة الاستبراء السابق أن يكون قد تقدمه تعليق، واستبرئت لأجله، ثم أعقبه بتعليق آخر؛ حيث قال: إذا استبرأها، ثم قال مرة أخرى قبل [أن يطأها]: إن كنت حاملاً فأنت طالق، وما قاله وإن كان حسناً،
لكني لم أقف عليه لغيره.
فرع: لو قالت: أنا حامل، وصدقها الزوج، حكم بوقوع الطلاق في الحال، وإن كذبها، لم تطلق حتى تلد؛ كما ذكرناه.
ولو شهد أربع نسوة بأنها حامل، لم تطلق؛ لأن الطلاق لا يقع بقول النسوة، وكان يتجه أن يجيء فيه ما قاله ابن الصباغ: أن يثبت الحمل.
قال: وإن قال: إن كان في جوفك ذكر فأنت طالق طلقة، وإن كان أنثى فأنت طالق طلقتين، فولدت ذكراً وأنثى-[أي: وليس بينهما ستة أشهر- طلقت ثلاثاً؛ لاجتماع الصفتين، وذلك بطريق التبين، وتنقضي العدة بولادة الثاني منهما.
قال: وإن قال: إن كان ما في جوفك ذكر، فأنت طالق طلقة، وإن كان أنثى فأنت طالق طلقتين، فولدت ذكراً وأنثى] لم تطلق، وكذا إن قال: [حملك، وكذا لو قال:] إن كان حملك؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون جميع ما في جوفها، أو جميع حملها- ذكراً، أو أنثى، فإذا كان البعض ذكراً والبعض أنثى، لم توجد الصفة في الوصفين جميعاً؛ فلم يقع.
ولو كانت المسألة بحالها، فأتت بذكرين ولا أنثى معهما، أو أنثيين ولا ذكر معهما، فقد قال القاضي: يقع الطلاق.
وقوله: إن كان حملك ذكراً محمول على [جنس الذكور]، وكذا إن كان حملك أنثى محمول على جنس الإناث.
قال الإمام: وهذا ليس على وجهه عندنا، وكان شيخنا يقول: لا يقع شيء.
فإن [كان] حملها زائداً على ذكر، فهو كما لو أتت بذكر وأنثى.
قال: وإن قال لها: إذا طلقتك فأنت طالق، ثم قال لها: أنت طالق، وهي مدخول بها- أي: ولم يكن الطلاق بعوض- طلقت طلقتين: إحداهما بالإنشاء، والثانية بوجود الصفة.
ولو طلقها وكيله، لم يقع المعلق.
ولو قال: لم أرد التعليق، وإنما أردت أني إذا طلقتها تكون مطلقة، لم يقبل في
الظاهر، ولكن يدين.
وأبدى القاضي الحسين في القبول احتمال وجهين حكاهما في التعليق.
قال: وإن كانت غير مدخول بها، طلقت طلقة- أي: بالإنشاء- ولا تطلق بوقوع الصفة؛ لبينونتها.
وحكم المختلعة حكم غير المدخول بها.
وفيهما وجه حكاه في المجرد للحناطي: أنه يقع عليها طلقتان، وهو غريب، ويمكن أن تكون مادته [مركبة] من قاعدتين:
إحداهما: أن البينونة تحصل عند إجراء اللفظ أو لا؟
والثانية: أن المشروط يقع مع [شرطه أم] لا؟ وعلى الأول إذا جدد النكاح، ودخل بها، ثم طلقها، لم تقع الطلقة المعلقة على التطليق، ولا تتخرج على عود الحنث إلا إذا قلنا: [إن] الخلع ليس بطلاق؛ فحينئذ يكون في وقوعه على المختلعة الخلاف في عود الحنث.
قال: وإن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال: إذا طلقتك فأنت طالق، فدخلت الدار، وقعت طلقة- أي: المعلقة بالدخول- لوجود شرطها ولا تطلق لأجل التعليق الثاني؛ لأن صفته الإيقاع، ولم يوجد بعد التعليق سوى الوقوع.
ولو طلقها وكيله، لم يقع- أيضاً- سوى المنجز؛ لأن الشرط قوله: إن طلقتك ولم يطلق.
ولو قال: إذا طلقتك فأنت طالق ثم قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت [الدار] وقعت طلقتان: طلقة بالدخول، وأخرى بالتطليق؛ لأن التعليق مع وجود الصفة تطليق، وقد وجدا بعد التعليق الأول.
وفي "الوسيط" حكاية وجه عن العراقيين: أن التعليق مع الصفة ليس بتطليق، قال: وهو بعيد.
قال: وإن قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق، ثم قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت الدار، وقعت طلقتان: إحداهما بالدخول، والأخرى بوقوع
الطلاق؛ إذ هو صفة التعليق، وهكذا الحكم فيما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق، فدخلت الدار؛ فإنه يقع عليها طلقتان؛ لما ذكرناه.
ولو كانت المسألة بحالها، ووكل بعد هذا [العقد] وكيلاً في طلاقها، فطلقها الوكيل، ففيما يقعوجهان:
أحدهما: الطلقة المنجزة.
والثاني: طلقتان: المنجزة من الوكيل، والمعلقة من الموكل؛ حكاه في المهذب.
ولو قال: إن أوقعت عليك طلاقي فأنت طالق، ثم قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، ودخلت- ففي المهذب: أن بعض أصحابنا قال: لا يقع عليها سوى الطلاق المعلق بالدخول.
وعندي: أنه يقع طلقتان: إحداهما بالدخول، والأخرى بالصفة.
[وفي الرافعي] أنه الصحيح، وأن الأول هو المذكور في تعليق الشيخ أبي حامد.
قال: وإن قال: كلما طلقتك فأنت طالق، ثم قال: أنت طالق وقع طلقتان: إحداهما بالإنشاء، والأخرى لوجود الصفة، ولا تقع طلقة ثالثة؛ لوقوع الثانية؛ لأن الصفة هي الإيقاع، ولم يتكرر.
وحكى القاضي ابن كج عن القاضي أبي حامد وغيره: أنه يقع طلقة ثالثة؛ لأن الثانية الواقعة بوجود التطليق هو الموقع لها بالتعليق السابق؛ فكأنه طلق مرة أخرى.
وجعل الحناطي هذا قولاً؛ ونسبه إلى البويطي، والأول أصح.
قال: إن قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، ثم قال [لها] أنت طالق)، طلقت ثلاثاً- أي: واحدة بالإنشاء، واثنتان بالتعليق- أو بالطلقة الأولى توجد صفة الثانية، وبالثانية توجد صفة الثالثة.
قال: وإن قال لأربع نسوة: أيتكن وقع عليها طلاقي فصواحباتها طوالق، ثم قال لإحداهن: أنت طالق، [طلقن ثلاثاً ثلاثاً] أي: إذا كن مدخولاً بهن؛ لأن [طلاق الواحدة يوقع على] كل واحدة منهن [طلقة، ووقوع هذه الطلقة على كل واحدة منهن] يوقع الطلاق على صواحباتها، وهن ثلاث؛ فتطلق كل واحدة منهن ثلاثاً.
قال: وإن قال: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال [لها]: إن خرجت من الدار، أو إن لم تخرجي، أو إن لم يكن هذا كما قلت، فأنت طالق، طلقت- أي: الطلقة المعلقة على الحلف- لأنه حلف بطلاقها، ثم إذا وجدت الصفة الثانية، وقعت طلقة أخرى إن بقيت العدة، أو راجعها.
قال: إن قال: إذا طلعت الشمس، أو جاء الحاج فأنت طالق- أي: قال ذلك بعد قوله: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق- لم تطلق حتى تطلق الشمس، أو يجيء الحاج- أي: فتقع الطلقة المعلقة على وجود الصفة، لوجود الصفة، ولا تقع الطلقة المعلقة على الحلف؛ لعدم الصفة؛ لأن الحلف بالطلاق فرع [عن] الحلف بالله، والحلف بالله إنما يكون على منع من فعل كقوله: إن خرجت أو حث على فعل كقوله: إن لم تخرجي، أو تصديق كقوله: إن [أو] لم يكن هذا كما قلت، وما عدا ذلك لا يكون حلفاً.
قال في الشامل: ألا ترى أنه لا يصح أن يقول: والله لا دخل الشهر، ولا قدم الحاج، وإذا لم يكن حلفاً في الأصل، [لم يكن] حلفاً في الفرع.
وحكى الفوراني وجهاً: أنه يكون يميناً.
وحكي وجه [آخر] أن كل تعليق [كان] بحرف إن فهو حلف، وكل تعليق كان بحرف إذا فليس بحلف؛ لأنه لا يستعمل في اليمين غالباً؛ فعلى هذا إذا قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق، لم يكن حلفاً، ولو قال: إن [دخلت الدار] فأنت طالق [كان حلفاً].
فروع:
[أحدها]: لو قال: إن قدم زيد فأنت طالق وهو يمتنع بمنعه، وقصد منعه [من القدوم]، فهو كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق.
وإن كان ممن لا يمتنع بمنعه، أو قصد التأقيت، فهو كما لو قال: إن طلعت الشمس فأنت طالق.
[الثاني:] لو قال الزوج: طلعت الشمس، فقالت المرأة: لم تطلع، فقال: إن لم تطلع فأنت طالق، طلقت في الحال؛ لأن غرضه ها هنا التحقيق، وحملها على التصديق، فهو حلف.
[الثالث:] لو قال للمدخول بها: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم أعاد هذا القول ثانياً، وثالثاً، ورابعاً- وقع بالمرة الثانية طلقة؛ لأنه حلف بطلاقها، وتنحل اليمين الأولى، ويقع بالمرة الثالثة طلقة بحكم اليمين الثانية، وتنحل الثانية، وتقع بالرابعة طلقة بحكم [اليمين] الثالثة وتنحل الثالثة، وتكون الرابعة منعقدة؛ [حتى يقع بها الطلاق إذا حلف بطلاقها في نكاح آخر، إن قلنا بعود الحنث] في الطلقات الثلاث؛ هذا هو المشهور ها هنا.
وفي الجيلي: أنه إذا كرر ذلك [في مجلس واحد، وأطلق فقولان:
أصحهما: أنه يقع- كما ذكرناه- وإن قال: أردت به التكرار، قبل، وعزاه إلى البحر.
وإن قال ذلك] في مجالس مختلفة، فالحكم كما ذكرناه، ولا يقبل قوله: إنه أراد به التكرار؛ على الأصح.
انتهى.
وقضية ما حكيناه عن الإمام في الباب قبله: أنه حكاه في آخر كتاب الإيلاء: ألا يفصل بين [أن يطول] الفصل أو لا يطول مع تصريحه بإرادة التأكيد على المذهب، بل يقبل قوله مطلقاً.
ولو كانت غير مدخول بها فيقع بالمرة الثانية طلقة، وتبين، وتنحل الأولى، والثانية
يمين منعقدة، وفي ظهور أثرها في النكاح المجدد الخلاف في عود الحنث، والثالثة والرابعة واقعتان في [حال البينونة]، [ولا ينعقدان، ولا تنحل منهما شيء].
قال: وإن كان له عبيد ونساء، فقال: كلما طلقت امرأة فعبد حر، وإن طلقت امرأتين فعبدان حران، وإن طلقت ثلاثاً فثلاثة أعبد أحرار، وإن طلقت أربعاً فأربعة أعبد أحرار، فطلق أربع نسوة، عتق خمسة عشر عبداً على ظاهر المذهب.
وقيل: عشرة.
وقيل: سبعة عشر؛ هذا آخر كلامه.
[وما قاله]- رضي الله عنه- إنما يجيء إذا كان المأتي به [صيغة] "كلما" في كل مرة؛ فإنها تقتضي التكرار، وليس لغيرها هذا الوصف إلَّا "متى"، و"مهما"؛ على وجه غريب حكاه الحناطي على ما حكاه الرافعي في التعليق بالتطليق.
ووجه من قال: يعتق خمسة عشر عبداً إذا كان المأتي به لفظ "كلما"- وهو ظاهر المذهب-: أنه إذا طلق واحدة، حصلت صفة- وهي تطليق واحدة- فيعتق عبد.
وإذا طلق ثانية، حصلت صفتان: طلاق واحدة مرة أخرى، وهي الثانية، وطلاق اثنتين؛ فيعتق بالثانية ثلاثة أعبد.
وإذا طلق ثالثة، حصلت صفتان: طلاق واحدة مرة- وهي الثالثة- وطلاق ثلاث؛
فيعتق أربعة أعبد.
وإذا طلق الرابعة، حصلت ثلاث صفات: طلاق واحدة، وهي الرابعة، وطلاق اثنتين، هما: الثالثة، والرابعة، وطلاق أربع؛ فيعتق سبعة.
والمجموع خمسة عشر.
ووجه من قال: عشرة، وهو ما قاله ابن القطان: أن الواحدة والاثنتين والثلاث والأربع- عشرة.
ووجه من قال: سبعة عشر: أنه جعل في الثالثة وراء الصفتين المذكورتين صفة أخرى، وهي طلاق اثنتين: الثانية، والثالثة؛ فيعتق بها عبدان- أيضاً- فيكمل عتق سبعة عشر.
وضعف هذا بإلزام أن يجعل في الرابعة صفة رابعة، وهي طلاق ثلاث: الثانية، والثالثة، والرابعة؛ فيعتق بها ثلاثة أعبد، تكملة عشرين، ولم يلتزمه هذا القائل.
وفي المهذب: أن بعض أصحابنا قال به، والمذهب الأول، وما عداه ضعيف باتفاق الأصحاب.
أما الثاني؛ فلأنه إسقاط لمقتضى كلما.
وأما الأخيران؛ فلأن الثانية معدودة مع التي قبلها في يمين الاثنتين، والثالثة معدودة مع اللتين قبلها في يمين الاثنتين، والثالثة معدودة مع اللتين قبلها في يمين الثلاث؛ فلا يعدان مع ما بعدهما في اليمين؛ لأن ما عُدَّ في عدد مرة لا يعد فيه مرة أخرى.
واستشهد له ابن الصباغ بأنه لو قال: كلما أكلت نصف رمانة فعبد من عبيدي حر، ثم أكل رمانة؛ فإنه يعتق عبدان؛ لأنه أكل نصفي رمانة، ولا يقال: يعتق ثلاثة أعبد؛ لأن الربع الثاني والثالث نصف رمانة؛ لأنه عد مرة مع الأول؛ فلا يعد مرة أخرى.
وفي المجرد للقاضي أبي الطيب: أنه يعتق ثلاثة عشر عبداً: واحد بتطليق واحدة، وثلاثة بتطليق الثانية، وأربعة بتطليق الثالثة، وخمسة بتطليق الرابعة، ولم يكرر هذا القائل بالرابعة يمين الاثنتين.
هذا كله إذا كان المأتي به صيغة [كلما في كل مرة، فأما إذا كان المأتي به صيغة] إن في كل مرة، فلا يعتق إلا عشرة أعبد قولاً واحداً.
وإذا كان المأتي به صيغة كلما في أول مرة، وصيغة إن فيما بعدها- كما يوجد في نسخ التنبيه- فلا يوجد في المسألة إلا وجهان:
المذهب منهما: أنه يعتق ثلاثة عشر عبداً؛ لأنه تكرر طلاق واحدة أربع مرات؛ فيعتق أربعة أعبد، ويعتق بطلاق الثانية عبدان، وبطلاق الثالثة ثلاثة، وبطلاق الرابعة أربعة؛ فيصير المجموع ما ذكرناه.
والوجه الآخر: أنه يعتق عشرة أعبد؛ لأن من صار إلى ذلك مع وجود صيغة كلما المقتضية للتكرار، ففي كلمة إن أولى.
ولا فرق في جميع ما ذكرناه بين أن يوقع الطلاق على الترتيب، وبين أن يوقعه على الأربع دفعة واحدة؛ وهذا يناظر ما لو قال لزوجته: كلما كلمت رجلاً فأنت طالق، فكلمت رجلين بكلمة واحدة؛ فإنها تطلق طلقتين على المذهب.
وفيه وجه حكاه الرافعي في فروع الطلاق: أنها لا تطلق إلا واحدة، وكان يتجه أن يجيء مثله هنا، ويبقى بعد ذلك النظر في أنه هل يعتق عبد واحد أو أربعة أعبد، والله أعلم.
فرع: قال القاضي الحسين في التعليق: لو قال: كلما طلقت واحدة منكن فعبد من عبيدي حر، فطلق واحدة مراراً، لم يعتق سوى عبد واحد.
[فرع] آخر: دخيل هنا: إذا قال لأربع نسوة حوامل: كلما ولدت واحدة منكن فصواحباتها طوالق، فولد الأربع: واحدة بعد واحدة- وقع على الأولى ثلاث طلقات، وعلى الثانية طلقة، وعلى الثالثة طلقتان، وعلى الرابعة ثلاث طلقات؛ ذكره ابن الحداد، واختاره.
وقال ابن القاص: يقع على كل واحدة طلقة إلا الأولة؛ فإنه لا يقع عليها شيء، واختاره [القاضي] أبو الطيب.
ولو ولدن دفعة [واحدة]، طلقت كل واحدة منهن ثلاثاً، لا خلاف فيه.
وقال الماوردي: الأصح عندي أنه يرجع إلى إرادته؛ فإن أراد الشرط فالصحيح ما قاله ابن القاص، وإن أراد التعريف فالصحيح ما قاله ابن الحداد، وإن لم تكن له
إرادة، أو لم تعرف إرادته؛ حمل على التعريف دون الشرط.
ولا يخفى مما ذكرناه إذا ولد بعضهن على الترتيب، وبعضهن معاً.
قال: وإن قال: متى وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً، ثم قال لها: أنت طالق، لم تطلق، أي: المنجز، ولا المعلق.
أما المنجز؛ فلأنه لو وقع، لوقع ثلاث قبله؛ لوجود الشرط، ولو وقع الثلاث قبله، لما وقع هذا؛ إذ لا يزيد الطلاق على الثلاث؛ فيلزم من وقوعه عدم وقوعه، وما أدى ثبوته إلى نفيه لا يثبت، وهذا كما لو باع العبد من زوجته الحرة قبل الدخول بصداقها الذي ضمنه السيد، فإن الشافعي- رضي الله عنه- نص على أنه لا يصح البيع؛ لأنه لو صح لملكته، ولو ملكته لانفسخ النكاح، وإذا انفسخ النكاح، سقط الصداق، وإذا سقط، بطل البيع؛ لأنه العوض.
وأما المعلق؛ فلأنه إذا لم يقع المنجز، لم يحصل الشرط؛ فلا يقع المشروط؛ وهذا ما ذهب إليه ابن الحداد المصري، والقفال، والشيخ أبو حامد [والقاضي أبو الطيب، وابن سريج- على ما حكاه في التهذيب وغيره- والشيخ أبو علي]، والمزني، وبه أجاب في المنثور، وادعى الإمام أن معظم الأصحاب ذهب إليه.
وفي "الوسيط": أنه الصحيح، كما حكاه في آخر الفصل.
وقال الرافعي: رأيت في بعض التعاليق أن صاحب الإفصاح حكاه عن نص الشافعي.
قال: وقيل: تطلق- أي: المنجزة- ولا يقع شيء من المعلق؛ لأنه لو وقع المعلق، لمنع وقوع المنجز، وإذا لم يقع المنجز، بطل شرط المعلق؛ فاستحال وقوع المعلق.
أما المنجز فلا استحالة في إيقاعه؛ فيقع، وقد يتخلف الجزاء عن الشرط بأسباب، وشبه هذا بما إذا أقر الأخ بابن للميت، ثبت النسب دون الميراث، وبما إذا قال في مرض موته: إن أعتقت سالماً فغانم حر، ثم أعتق سالماً، ولا يخرج من الثلث إلا أحدهما، [فإنه لا] يقرع بينهما، ويعتق سالم.
وفي "التتمة": إنما لم يقع المعلق؛ لأن التعليق مستحيل لفظاً ومعنى:
أما استحالة اللفظ، فهو أن قوله: متى وقع عليك طلاقي شرط، وقوله: فأنت طالق قبله جزاء، والجزاء يجب أن يكون مرتباً على الشرط حتى يصح النظم، فأما إذا كان سابقاً عليه، فلا [يكون الكلام منتظماً].
بيانه: [أنه] لو قال: إن جئتني أكرمتك، [كان صحيحاً]، ولو قال: أكرمتك قبل أن تجيء، لم يكن كلاماً صحيحاً.
وأما من حيث المعنى؛ فهو أن المشروط لا يثبت قبل شرطه، فإذا أوقعنا الذي قبله، فقد قدمنا المشروط على الشرط.
وأيضاً: فإن ما قبل الزمان الذي يتلفظ فيه بالطلاق زمان ماض، والزوج ليس يملك إيقاع الطلاق في الزمان الماضي حتى لو قال: أنت طالق أمس، يقع في الحال على ظاهر المذهب؛ وهذا ما ذهب إليه أبو العباس بن القاص صاحب التلخيص، وأبو زيد المروزي، ونقل عن ابن سريج مثله في نظير المسألة، وصححه الغزالي في آخر عمره.
قال الرافعي: ويشبه أن تكون الفتوى به.
[انتهى].
وكان شيخنا الشريف عماد الدين يختار هذا القول، ويوجهه بأن الشرط والجزاء ها هنا لا يجتمعان؛ فيكونان كالمتضادين؛ فلا يوجدان؛ فلا يرتبط أحدهما بالآخر، وإذا انتفى الربط فهو المغني من بطلان التعليق ضرورة أن شرطه ها هنا لا يجامع جزاءه؛ فيصير وجوده كعدمه، وكأنه لم يقع فيقع المنجز.
ووجهه أبو الفتح العجلي بأنه لو صح هذا التعليق، لزم منه محال، وهو تمليك أربع طلقات؛ [لأنه علق ثلاث طلقات] على وجود طلقة، والثلاث غير تلك الواحدة؛ فإن الشرط غير الجزاء، ولابد وأن يكون ذلك مملوكاً له؛ ليصح التعليق؛ ألا ترى أنه لا يصح تعليق طلاق امرأة سينكحها؛ لأنه لا يملك طلاقها؛ فظهر أنه يلزم من [تصحيح] هذا التعليل تمليك أربع طلقات، وهو محال؛ فيلغو.
ووجهه ابن الصباغ بأن وقوع المنجز شرط في وقوع الثلاث، ولا يجوز تقديم المشروط على الشرط، ولو كان كذلك لبطل كونه شرطاً [فيه].
وقد ذكر أصحابنا ما يدل على ما قلته، وهو إذا قال لها: أنت طالق اليوم إذا جاء غد؛ فإنه لا يقع عليها الطلاق؛ لأنه أوقعه في اليوم، ولا يصح وقوعه قبل حصول الشرط، وإذا حصل الشرط فقد فات اليوم؛ فلا يصح أن يقع، وفي مسألتنا مثل هذا؛ لأنه إذا وقع عليها طلاقه، وجب أن يقع قبله، وقبله قد فات لوجود زمان وقوع الطلاق.
فإن قيل: صورة التعليق في باب الطلاق ليس تعليقاً محققاً، وإنما هو إضافة طلاق إلى زمان، لكن لا يعرف ذلك الزمان إلا بوجود الشرط، فكأنه قال: أنت طالق في زمان، ذلك الزمان هو زمن دخولك الدار، ثم يعرف ذلك الزمان بدخولها الدار.
والدليل على أن الأمر كذلك هو قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق قبله بيوم مثلاً، فإذا مضى يوم، ودخلت الدار، وقع الطلاق قبل دخول الدار بيوم، ومن المحال تقدم المشروط على الشرط، لكنه محمول على هذا المعنى، وكأنه قال: أنت طالق في زمان، ذلك الزمان هو الزمان الواقع قبل دخولك الدار بيوم، ونحن لا نعرف ذلك الزمان إلا بدخول الدار.
وإذا كان كذلك، لم نوقع الطلاق قبل [وجود شرطه].
قلنا: قال الشريف عماد الدين في جوابه: سلمنا ما [قلتموه من] أن ذلك ليس تعليقاً محققاً، لكن المحال لازم
-[أيضاً]-
وبيان أنه في مسألتنا يكون مضيفاً للطلاق إلى زمان لا يوجد أصلاً.
بيانه: هو أن يكون مضيفاً وقوع الطلاق إلى زمان، ذلك الزمان هو زمان وقوع ثلاث طلقات سابقاً على طلقة، ووقوع ثلاث طلقات سابقة على طلقة لا يوجد، فالزمان الذي يقدر إضافته لتلك الطلقات الثلاثة السابقة على طلاق لا يوجد؛ فكيفما قدر من المأخذين يلزم المحال المستحيل معه هذا التعليق، وهذه
الإضافة إلى مثل ذلك الزمان المخصوص.
قال: وقيل: تطلق ثلاثاً- أي: المنجزة، وطلقتين من المعلق- إذا كانت الزوجة مدخولاً بها:
أما وقوع المنجز؛ فلما ذكرناه.
وأما وقوع الطلقتين من المعلق؛ فلأن المنجزة إذا وقعت، حصل شرط وقوع الثلاث، إلا أن الطلاق لا يزيد على الثلاث؛ فيقع من المعلق تمام الثلاث، ويصير كما لو قال: متى وقع عليك طلاقي فأنت طالق ثلاثاً، ويطرح قوله: قبله، فإن الاستحالة تجيء منه، وإلى هذا ذهب أبو عبد الله خَتَنُ الإسماعيلي [وغيره من أصحابنا.
وفي التهذيب نسبته إلى أبي بكر الإسماعيلي].
وذهب ابن الصباغ إلى أن المنجز يقع، والطلاق المعلق يصير كأنه أوقعه عند وجود الشرط مضافاً إلى حاله [قبل] الإيقاع.
وقد قال الشافعي فيما إذا قال: أنت طالق الشهر الماضي: إنه يقع الطلاق في الحال.
وذكر الربيع فيه قولاً: أنه لا يقع؛ فيجب أن يبنى على هذا، [ويكون على] القول المنصوص عليه المشهود [أنه] يقع تمام الثلاث، ومن قال: لا يقع ها هنا، لا يقع المعلق بالشرط.
وذهب بعض أصحابنا- على ما حكاه الإمام عن رواية الشيخ أبي علي- أن الثلاث الواقعة هي المعلقة، ولا تقع الطلقة التي أنشأها، وكأنه قال: متى تلفظت بإنشاء طلقة، فأنت طالق قبلها ثلاثاً؛ فوقوع الثلاث موقوف على لفظه، وإن كان لا يقع بلفظه طلاق منجز.
قال الإمام: وهذا رديء لا خروج له إلا على مذهب من يحمل اللفظ المطلق [على] الفاسد والصحيح جميعاً؛ وهذا بعيد [و] لا تفريع على مثله.
أما إذا كانت الزوجة غير مدخول بها فهذا القول لا يجيء إلا على رأي من قال:
إن الواقع الثلاث المعلقة.
واعلم أن الشيخ مجلي ممن اختار عدم وقوع الطلاق أصلاً؛ كما اختاره الشيخ في المهذب بعد أن حكى عن ابن الصباغ أن من قال به فقد أخطأ [خطأ] بيناً، وأن ذلك ليس بمذهب [للشافعي، وأجاب] عما أورده ابن الصباغ- أن المشروط لا يقع قبل وجود الشرط-: بأنا نسلم ذلك، ونقول: إن الطلاق لا يقع إلا بعد وقوع الطلقة الواحدة، فإذا وقعت وقع الثلاث بعد وقوعها، وإنما يستند الوقوع إلى الوقت المتقدم على مقتضى شرطه؛ كقوله: إذا قدم زيد فأنت طالق قبل القدوم بشهر، ثم قدم بعد شهر؛ فإن الطلاق يقع حين قدومه؛ لوجود الشرط، ووقت الوقوع بشهر قبل القدوم؛ ومن هذا الوجه فيقع التنافي.
وأجاب عن قوله: أنت طالق اليوم إذا جاء غد بأنه حجة لنا؛ فإنه إنما لم يقع؛ لأن الوقت المشروط استناد إيقاعه إليه قد عدم، وفي مسألتنا بخلافه.
وأجاب عن قوله: يصير طلاقاً موقعاً في زمان قبل حالة الإيقاع، والبناء على قوله: أنت طالق في الشهر الماضي- بأن وقوع الطلاق هنا إنما كان بعد الإيقاع؛ لأنه عقد الصفة، وعقد الصفة إيقاع للطلاق، فإذا وجدت الصفة، وقع الطلاق بذلك الإيقاع المتقدم؛ بدليل قوله: أنت طالق قبل موتي بشهر؛ بخلاف قوله: أنت طالق [في] الشهر الماضي؛ فإن ذلك إيقاع في زمان متقدم.
وأجاب- أيضاً- عن قول من قال: يقع المنجز واثنتان من المعلق بأن الجزاء وقوع الثلاث؛ فلا يتبعض، وقولهم: إن التبعيض هنا لأجل أنه لم يبق من الطلاق ما يوقع [ثلاثاً.
قلنا: بل زمن وقوع الطلاق الثلاث جميعاً باق؛ إذ هي تقع قبل وقوع] الطلقة المنجزة على مقتضى الشرط، فكيف لا تقع؟
وما قاله- رضي الله عنه- لا يخلو بعضه عن احتمال.
فروع:
أحدها: إذا علق الطلاق على صفة، ثم قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق
قبله ثلاثاً، ثم وجدت الصفة، فهل يقع الطلاق عند من يرى بصحة الدور؟ فيه وجهان:
الصحيح منهما: أنه لا يقع، وبه قال القاضيان: أبو الطيب، والروياني، وهو ما حكاه البندنيجي- في مذهبه؛ لما ذكرناه من معنى الدور.
وعلى هذا الوجه يكون هذا طريقاً لدفع الطلاق الثلاث، وهو أسهل من الخلع، وإيقاع الصفة في حال البينونة، ويجيء في موضع لا يفيد فيه الخلع؛ كما إذا حلف بالطلاق الثلاث منها: أنه لا يطأها.
الثاني: إذا قال لامرأته: إذا انفسخ نكاحك، فأنت طالق قبله ثلاثاً، ثم ارتدت، أو كانت أمة فملكها، قال ابن الصباغ: التزم من ذهب إلى خلاف ما نصرته أن الفسخ يحصل، وأن إثباته يؤدي إلى نفيه؛ كما لو قال لأمته: إن صليت مكشوفة الرأس فأنت حرة قبل الصلاة، [فإن الصلاة تصح؛ لأنه لا يملك إبطال الفسخ، ولا إبطال الصلاة؛] لعدم ملكه لهما، بخلاف الطلاق؛ فإنه مالك لإيقاعه وترك إيقاعه.
الثالث: لو قال: إذا فسخت نكاحك فأنت طالق قبله ثلاثاً، فوجد منه الفسخ بعيبها، ففي نفوذ الطلاق الخلاف السابق، وهذا بخلاف ما لو قال: إن فسخت النكاح بعيب، أو بغرورك فأنت طالق قبله ثلاثاً، أو قال: إن استحققت الفسخ بذلك، أو بالإعسار، أو إن استقر مهرك بالوطء، أو استحققت النفقة، أو القسم، أو طلب الطلاق في الإيلاء، فأنت طالق قبله ثلاثاً، ثم فسخت، أو وجدت الأسباب المثبتة لهذه الاستحقاقات-[فإنه ينفذ الفسخ، ويثبت الاستحقاق].
قال الرافعي: ولا نقول بإلغائها، وإبطالها؛ للتعليق الدائر، وإن [قلنا بإلغاء الطلاق المنجز للدور].
والفرق أن هذه فسوخ وحقوق تثبت عليه قهراً، ولا تتعلق بمباشرته، واختياره؛ [فلا يصلح تصرفه دافعاً لها، ومبطلاً لحق الغير، والطلاق يتعلق بمباشرته
واختياره]، فجاز أن يندفع بالتعليق الذي يتعلق باختياره.
وأيضاً: فليس من ضرورة النكاح أن ينفذ فيه الطلاق، ومن ضرورة ثبوت الأحكام المذكورة ثبوت هذه الأحكام.
الرابع: إذا قال: [إن] آليت عنك أو ظاهرت، فأنت طالق قبله ثلاثاً، فإذا آلى أو ظاهر؛ لم يقع الثلاث قبله، وإلَّا فتكون مبتوتة ويلغو الإيلاء والظهار، وهل يصح الإيلاء والظهار؟
فيه الوجهان:
إن صحَّحنا الدَّور، لم يصحّا.
وإن أوقعنا الطلاق المنجز، صحَّا، وكذا الحكم فيما لو قال: إن لاعنت عنك، أو قال للرجعية: إن راجعتك، فأنت طالق قبله طلقتين.
وقال الغزالي [في غاية] الدور: الذي أراه أنه إذا قال: إن آليت عنك فأنت طالق قبله ثلاثاً، ثمَّ آلى، يصح الإيلاء، وكذا في اللعان.
وإذا قلنا: بأن التعليق الدائر يمنع وقوع الطلاق.
والفرق: أن الإيلاء يمين على الامتناع من الوطء، وذلك ينعقد في حق الأجنبية، واللعان يمين على نفي النسب، وقد يؤتى به في الموطوءة بشبهة، وبعد الطلقات الثلاث؛ لنفي النسب؛ فهما مستقلان منعقدان، وإن لم يكن نكاح.
[لكن إذا أضيف الإيلاء إلى النكاح، ثبتت المطالبة بالفيئة، أو الطلاق، وإذا صادف اللعان النكاح، أوجب الفرقة، فهما كالشراء المستقل بالانعقاد.
وإن لم يكن نكاح]، فكما إذا اشترى زوجته، يحكم بصحته وإفادة الملك، ولا يحكم بوقوع الطلاق، كذلك الإيلاء واللعان ينبغي أن ينعقدا انعقادَهما في حق الأجنبية.
ثم إذا تعرض لوجوب الكفارة لو وطئ، سلطها ذلك على المطالبة بالفيئة أو الطلاق كما [تسلطها عنته] على الفسخ، وإذا انعقد اللعان، ترتبت الفرقة عليه
ترتبها [على] الشراء.
الخامس: لو قال: إن وطئتك وطئاً مباحاً، فأنت طالق قبله، ثم وطئها، لم تطلق قبله.
قال الإمام وغيره: [ولا يجيء] في هذه الصورة خلاف؛ لأن موضع الخلاف ما إذا انحسم بتصحيح اليمين الدائرة، باب الطلاق أو غيره من التصرفات الشرعية، ولم يوجد.
السادس: إذا قال: إذا طلقتك طلقة أملك فيها الرجعة، فأنت طالق قبلها طلقتين [ثم طلقها وهي مدخول بها، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يقع للدور.
ومنهم من قال: لا دور؛ فيقع الثاني.
ولو قال: إذا طلقتك فأنت طالق قبله طلقتين]، ثم قال لها: أنت طالق، فالذي يقتضيه إيراد ابن الصَّباغ-[على ما حكيته] عنه في مسألة الدور عند الكلام في القول الثالث-: أن الطلقة المنجزة تقع، وفي وقوع [الطلقتين الأخيرتين] القولان في قوله: أنت طالق أمس، وعليه من الكلام ما أبداه مجلي.
والذي يقتضيه إيراد غيره: أن الطلقتين المعلقتين تقعان من غير خلاف قبل الطلقة المنجزة بطريق التبين، كما إذا قال: إذا قدم زيد، فأنت طالق قبل قدومه بشهر، فقدم بعد شهر.
قلت: والذي يظهر لي في المسألة: أنه إذا قيل بوقوع الطلقتين المعلقتين قبل المنجزة بطريق التبين، ينبغي أن ينظر:
إن كان بين التعليق، وبين الطلاق المنجز زمان لا يسع العدة، فالحكم كذلك.
وإن كان بينهما زمان يسع انقضاء العدة، وقد وجدت فيه صورة الأقراء، أو وضع حمل تنقضي بمثله العدة، أو ثلاثة شهور، والزوجة صغيرة، أو آيسة [وتكون] هذه الصورة من صور الدور أيضاً.
وبيانه: أن [نوقع المنجزتين] وقوع المعلق عند التعليق، كما إذا قال: إن قدم زيد، فأنت طالق قبل قدومه، فإنا نتبين بقدومه وقوع الطلاق عند اللفظ؛ كما صرح به الرافعي، وهو مستمد مما إذا قال: "أنت طالق قبل موتي"، فإنها تطلق في الحال؛ كما حكاه القاضي الحسين في التعليق، وغيره مع ما في ذلك من بحث، سأذكره إن شاء الله تعالى في الباب.
وإذا كان كذلك، فيلزم من وقوع الطلقتين من حين الطلاق ألا تقع الطلقة المنجزة؛ لكونها بعد انقضاء العدة، وإذا لم تقع، لم تقع الطلقتان، وقد دارت المسألة.
ومثل هذا البحث يحسن في القول الثالث من مسألة الكتاب على رأي من أوقع طلقتين قبل المنجز، وجعل الاستحالة في إيقاع الثلاث، فألغى ما يحصل به الاستحالة، وهو الطلقة الزائدة، والله أعلم.
قال: وإن قال: أي وقت لم أطلقك فيه فأنت طالق، فمضى زمان يمكنه أن يطلق [فيه] فلم يطلق، طلقت؛ لأن ذلك متناول لكل زمان، فإذا لم يطلق في الزمان الأول، فقد وجدت الصفة فرتب عليها الطلاق.
وهكذا الحكم في الحروف السبعة التي يتعلق بها الطلاق إلَّا إن، وإذا على ما سيأتي فيما إذا قال: متى، أو متى ما، أو مهما، أو أي زمان، أو أي حين لم أطلقك فيه فأنت طالق، فمضى زمان يمكنه أن يطلق فيه فلم يطلق؛ طلقت.
قال في الشامل: بلا خلاف، وتوجيهه ما ذكرناه.
وفي الرافعي أن الحناطي أشار إلى طرد الخلاف الآتي في إن وإذا فيها، وفي كلما أيضاً.
ولو قال: كلما لم أطلقك، فأنت طالق، فمضى زمان يمكن أن يطلق فيه ثلاث تطليقات- واحدة بعد واحدة- ولم يطلق، وهي مدخول بها، طلقت ثلاثاً: واحدة بعد واحدة.
وهكذا الحكم فيما لو قال: كلما سكت عن طلاقك، فأنت طالق؛ لأن "ما" في
لفظة "كلما" ظرف زمان؛ أجمع على ذلك أهل العربية؛ على ما حكاه الإمام في الفروع آخر الطلاق، فكانت بمنزلة: أي زمان.
وإن لم تكن مدخولاً بها، وقعت طلقة.
[وإن جدد نكاحها، خرج وقوع الطلاق ثانياً وثالثاً على عود الحنث، وكذا فيما إذا كانت مدخولاً بها] وطلقها عقيب التعليق طلقة بعوض، ثم جدد نكاحها.
فرع: لو قال: أيما امرأة لم أحلف بطلاقها فصاحبتها طالق وله امرأتان، وسكت ساعة يمكنه أن يحلف فيها، فلم يحلف.
قال صاحب التلخيص: طلقتا.
وقال الشيخ أبو علي: القياس عندي: أنه لا يحكم بوقوع الطلاق على واحدة منهما إلى أن يتحقق اليأس عن الحلف؛ لأن الذي يقتضي الفور هو الذي ينطوي على ذكر وقت مع التعليق بالنفي؛ وهذا ليس فيه تعرض لذكر الأوقات أصلاً.
قال الإمام في الفروع آخر الطلاق: ولست أدري لما قاله الأول وجهاً.
قال: وإن قال: [إن] لم أطلقك فأنت طالق، فالمنصوص [أنها لا تطلق إلا في آخر العمر.
وإن قال: إذا لم أطلقك فأنت طالق]: أنه إذا مضى زمان يمكنه أن يطلق فيه، فلم يطلق طلقت.
وقيل: فيهما قولان، أي: بالنقل والتخريج.
أحدهما: أنهما يقتضيان الفور؛ اعتباراً بما لو استعملها في تعليق الطلاق بذكر المال.
والثاني: أنهما على التراخي؛ لأنه [حرف إذا] يستعمل في الشرط.
فيقال: إذا رأيت كذا فافعل [كذا]، وإن- أيضاً- كذلك؛ فاستويا، وإن تقتضي التراخي فكذلك إذا، والصحيح تقرير النصين.
والفرق: أن حرف إن يدل على مجرد الاشتراط ولا إشعار له بالزمان، وإذا
ظرف زمان نازل منزلة متى في الدلالة على الأوقات.
ألا ترى أن القائل إذا قال: متى ألقاك؟ حسن [منك] أن تقول في الجواب: [إذا شئت]، كما يحسن أن تقول: متى شئت، ولا يحسن أن تقول: إن شئت؟ وإذا كان كذلك، فقوله: إن لم أطلقك معناه: إن فاتني طلاقك، [والفوات لا يتحقق إلا بالموت.
وقوله: إذا لم أطلقك، معناه: أي وقت فاتني طلاقك] ومدة ذلك إذا مضى زمان يسع التطليق، ولم يطلق، فإذا مضى زمان هذا حاله، وجب أن يقع طلاقه.
والحكم فيما إذا قال: ما لم أطلقك فأنت طالق حكم ما إذا قال: إذا لم أطلقك فأنت طالق، قاله الإمام في فروع الحلف [بالطلاق].
وحكم التعليق بنفي الضرب، والدخول، وسائر الأفعال حكم الطلاق.
تنبيه:
قول الشيخ: (لا تطلق [إلا] في آخر العمر) يريد به: عمر الزوج أو الزوجة؛ إذ به يتحقق فوات الطلاق، فإن ماتت الزوجة أولاً، حكمنا بوقوع الطلاق قبيل موتها.
وإن مات الزوج، أولاً، حكمنا بوقوعه قبل موته.
قال الإمام: ولم يصر أحد من الأصحاب إلى استناد الطلاق إلى وقت اللفظ إذا تحقق اليأس، وهو محتمل من جهة أن المذهب الأصح: أن المستطيع للحج إذا لم يحج، وقد تمادت عليه سنون في الاستطاعة، يحكم بأنه يموت عاصياً.
ومن الأصحاب من يبسط المعصية على أول وقت الاستطاعة، فليتنبه الناظر لما نُبه له.
ولم أذكر هذا ليكون وجهاً؛ فإن الأصحاب مجمعون على أن الطلاق لا يستند إلى وقت اللفظ، والزوج متسلط على الوطء إجماعاً.
قلت: ويؤيد ما أبداه الإمام خلاف سيأتي فيما إذا حلف: ليشربن ماء [هذه] الإداوة غداً فمات في يومه، وقلنا بأنه يحنث، هل يحكم بالحنث في آخر الغد، أو بمجيء الغد فمن يقول: إنه يحنث بمجيء الغد، يلزمه أن يقول ها هنا بأنا
نتبين الحنث من حين اليمين؛ لأن العمر جعل ظرفاً للطلاق كما جعل اليوم ظرفاً للشرب.
ومن يقول: إنه لا يحنث إلا بمضي اليوم موافق للمذهب هنا.
وقال الغزالي: إنه لم يصر إليه؛ لأن قوله: إن لم أفعل كذا فأنت طالق يحتمل أن يريد به [إيقاع الطلاق في الحال، إن لم يتحقق المعلق في العمر.
ويحتمل أن يريد به] عند خلو العمر عنه؛ فأخذنا باليقين.
واعلم أن قول الإمام: "ولم أذكر هذا ليكون وجهاً" يعرفك أن اختياره أن الاحتمالات التي يذكرها تكون وجوهاً في المذهب، وإلا [لم يكن] لهذا الكلام معنى؛ وحينئذٍ فينبسط عذر الغزالي في عدة احتمالات الإمام وجوهاً.
ثم هذا كله فيما إذا لم يطرأ على الزوج ما يمنع نفوذ طلاقه، فإن طرأ عليه جنون، لم يحكم بوقوع الطلاق عليه في الحال؛ لاحتمال أن يفيق ويطلق، فإن مات قبل [حصول] الإفاقة، تبينا أن اليأس حصل من وقت الجنون، وإن كان المعلق الطلاق، فيحكم بوقوعه قبل الجنون.
قال الغزالي في البسيط: وفي الاستناد إلى ما قبل الجنون إشكال، وكان يجوز أن يقال: يقع قبل الموت أيضاً ولا يستند إذا لم [تحصل الإفاقة المتوقعة إلى ما قبل زمان التوقف؛ كما لم يستند إذا لم] يقع التطليق المتوقع إلى أول زمان التوقف.
وأبدى الرافعي وجهاً حكاه في كتاب الظهار موافقاً لهذا الاحتمال مأخوذاً من وجه حكاه عن رواية الشيخ أبي علي [فيما إذا] قال: إن لم أتزوج عليك فأنت علي كظهر أمي ثم جُنَّ، واتصل جنونه بالموت، فإنا لا نحكم بصيرورته مظاهراً إلَّا قبيل الموت.
وإن كان المعلق نفي الضرب، وسائر الأفعال، فالجنون لا يوجب اليأس وإن اتصل بالموت.
قال في "الوسيط": لأن ضرب المجنون في تحقيق الصفة ونفيها كضرب
العاقل على الصحيح.
فروع:
لو قال: إذا لم أطلقك اليوم فأنت طالق، فإذا مضى اليوم، ولم يطلق، قال الرافعي: يحكم تفريعاً على الصحيح- بوقوع الطلاق قبيل غروب الشمس؛ لحصول اليأس حينئذ.
قلت: وكأنه يشير إلى أنه لما قيد باليوم، صار اليوم كالعمر، فإذا تحقق اليأس من التطليق؛ [تبين وقوع] الطلاق قبيل الغروب؛ كما في الموت.
فإن قيل: في مسألة الموت لا يمكن أن يحكم بوقوع الطلاق بعد وجود الشرط، وهو خلو العمر عن التطليق؛ فلأجل ذلك قدرنا الوقوع قبيل الموت، وها هنا يمكن أن يقع الطلاق بعد وجود الشرط، وهو انقضاء اليوم خالياً عن التطليق؛ لبقاء الزوجية؛ فلا ضرورة في الإيقاع قبيل الغروب.
فالجواب: أن [الشرط ليس] مضي اليوم وانقضاء العمر، وإنما الشرط عدم التطليق في اليوم والعمر، [فإذا لم يبق في اليوم والعمر ما يسع التطليق، تحقق الشرط؛ فوقع الطلاق في ذلك الزمن الذي مضى من اليوم والعمر]؛ لأن الزمن المخصوص إنما يعتبر في الإنشاءات، أما في الوقوع فلا؛ لأنه حكم شرعي.
ويجري مثل هذا [الحكم] فيما إذا قال: إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق اليوم على ما حكاه الشيخ أبو حامد، وخالفه فيه ابن سريج، وقال: لا يقع [الطلاق]؛ لأنه لا يتحقق ما جعله شرطاً للطلاق إلا بمضي اليوم، وإذا مضى اليوم لم يبق وقت للوقوع؛ فلا يقع.
قال في "الوسيط": وهذا يرد على قوله: إن لم أطلقك فأنت طالق، فإنا نتبين عند موته وقوع الطلاق في آخر العمر، [والعمر] في هذا المعنى كاليوم؛ إذ فيه يتحقق الطلاق والصفة جميعاً؛ فلا فرق بين المسألتين.
قلت: [ويرجع أصل] مادة الخلاف إلى أن الطلاق إذا علق على فعل شيء في زمن، فهل الشرط في الحنث تحقق اليأس من فعل المحلوف عليه، أو لابد مع ذلك من مضي الزمن الذي قيد الفعل به؟ وهو جارٍ في مسائل:
منها: إذا حلف ليشربن ماء هذه الإداوة غداً، فتلف في يومه، فهل يحنث بمجيء الغد، أو لا يحنث حتى يمضي الغد؟
ومنها: ما إذا قال لعبده: إن لم أبعك اليوم فزوجتي طالق، ثم أعتقه، وقع عليها الطلاق، لكن متى يقع؟ فيه وجهان:
أحدهما: عقيب الإعتاق.
والثاني: [أنها] لا تطلق حتى تغيب الشمس؛ كذا صرح به المتولي، والقاضي الحسين، ولفظه: أنها تطلق على الوجه الثاني بعد مضي المدة.
ولو قال: إن تركت طلاقك، فأنت طالق، فإذا مضى زمان يمكنه أن يطلق فيه، فلم يطلق- طلقت، وإن طلقها في الحال، ثم سكت، لا تقع طلقة أخرى.
ولو قال: إن سكت عن طلاقك، فأنت طالق، فلم يطلقها في الحال- طلقت، وإن طلقها في الحال، ثم سكت طلقت أخرى بالسكوت، ولا تطلق بعد ذلك؛ لانحلال اليمين.
فرع: على قولنا: إنَّ إذا تقتضي الفورية إذا قال: إذا لم أطلقك؛ فأنت طالق، وقال: أردت بذلك: إن فاتني طلاقك، فأنت طالق، فهل يقبل [منه] أم لا؟
ذكر صاحب التقريب فيه وجهين، أصحهما في الرافعي: القبول.
قال الإمام: وهذا الذي قاله صاحب التقريب حسن ملتحق بالمذهب.
قال: وإن قال: أنت طالق إلى شهر، لم تطلق إلا بعد شهر؛ هذا نصه في البويطي.
ووجهه: ما روي عن عبد الله بن عباس أنه قال في الرجل يقول لامرأته: أنت طالق إلى سنة: هي امرأته إلى سنة، ولا مخالف له من الصحابة.
فإن قيل: الزوج أوقع الطلاق بقوله: أنت طالق، وقوله: إلى سنة تأقيت له، والطلاق لا يتأقت؛ فيبطل التأقيت، ويبقى الإيقاع.
قلنا: اللفظ يحتمل ذلك، ويحتمل أن يكون تأقيتاً للإيقاع لا للرفع، ومثله ورد في اللسان في قولهم: فلان خرج إلى شهر، أي: بعد شهر، فلا نوقع الطلاق في الحال بالشك.
نعم، لو قال: أردت به التأقيت في الوقوع بالشهر؛ وقع في الحال وبانت.
ولو قال: أنت طالق إلى رمضان، أو إلى حين أو دهر أو زمان أو حقب- طلقت عند دخول رمضان بأول جزء منه، وبعد مضي لحظة فيما عداه؛ لأن التسمية صدقت.
وفي الرافعي: أن البوشنجي أبدى في المسألة الأولى وجهاً احتمالاً أه يقع في الحال.
قال: وإن قال: أنت طالق في شهر رمضان، طلقت في أول جزء منه، وهو عقيب غروب شمس اليوم الأخير من شعبان؛ لأن الشهر اسم يتناول من حين طلوع الهلال وإلى آخر جزء من اليوم الأخير من أيامه، وقد جعله ظرفاً للطلاق [فإذا وجد وقع الطلاق بأول جزء منه، كما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار]، فدخلت جزءاً منها.
وحكى الحناطي قولاً: أنها إنما تطلق في [آخر] الشهر.
والمشهور نسبة هذا القول إلى أبي ثور.
وهكذا الحكم فيما لو قال: أنت طالق في يوم كذا؛ فإنها تطلق عند طلوع فجر ذلك اليوم على الأصح.
وفي "التتمة" ما يدل على أنها تطلق في الحال، إلا أن يقول: أردت به تعليق الطلاق بمجيء ذلك الشهر، كما إذا قال: أنت طالق في الدار، وفي بلد كذا، فإنه يقع الطلاق في الحال، وإذا قال: أردت به حصولها في ذلك الموضع، قبل.
قال: وإن قال: أردتُ به الجزء الأخير؛ لم يُقبل في الحكم، وكذا لو قال: في وسط الشهر، أو [في] النهار دون الليل؛ لأنه يؤخر الطلاق عن الوقت الذي يقتضيه.