كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 133-165
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنايات

صفحات 133-165
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وحكى الإمام عن طوائف من المحققين أنه يجب الحكم في الحالة الأولى، وعن بعض الأصحاب: أنا إنا قلنا في الذميين المختلفي الملة قولا واحدا: [إنه يجب الحكم] ففي المعاهدين المختلفي الملة قولان.
قال: وهذا عندي ذهول عن حقيقة العهد؛ فإنا [لم نلتزم] لهم الذب [عنهم].
نعم، ما حكيناه عن المحققين محمول على أصل، وهو أن طائفة من أهل العهد إذا دخلوا دارنا، ثم بارزوا، وأخذوا [يصطدمون ويتجالدون] بالسيوف – فهل يجوز تركهم على هذه الحالة؟ الذي ذهب إليه أهل الايالة: أنه لا يجوز، لما فيه من جهر الفساد، فعلى هذا ينبني قول المحققين؛ حتى لا يؤدي إلى المحذور الذي أشرنا إليه، والمذهب عندي: القطع بأنه لا يجب الحكم وإن اختلفوا ملتهم.
ولا خلاف في أنهم إذا تحاكموا مع المسلمين وجب الحكم، ولو تحاكموا مع أهل الذمة ففيه طرق تقدمة في الباب قبله.
قال: وإن خيف منهم نقض العهد جاز أن ينبذ إليهم [عهدهم]؛ لقوله تعالى: [﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾] الآية [الأنفال: 58]، والخوف المؤثر هو الحاصل عن سبب ودلالة على الخيانة في الباطن بما لو أظهره لانتقض به العهد، كما نقله الماوردي، ومثله [البندنيجي]؛ بأن يعين على المسلمين، أو يتجسس للمشركين.
وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما: لا تعويل على حديث النفس والخاطر، وقد عزي إلى النص في "الأم"، والفرق بين أهل العهد والذمة: أن عقد الهدنة للمسلمين؛ بدليل عدم وجوبه، [ومن جملة النظر لهم نقضه عند خوف النقض.
وعقد الذمة لأهل الذمة بدليل وجوبه] فلا ينقض بالوهم، ولأن

عقد الهدنة عقد أمان؛ فجاز نقضها بالخوف، والذمة عقد معاوضة؛ فلا يجوز نقضها بالخوف، ولأن عقد الذمة أقوى بدليل تأبيدها.
وعن أبي الحسين بن القطان رواية قول أنه لا ينبذ بدلالة الخيانة كما في أهل الذمة.
والصحيح الأول.
ولا بد في نقض العهد في هذه الحالة من حكم الحاكم بالنقض؛ لأنه يحتاج إلى اجتهاد ونظر.
وعن الشيخ أبي حامد: أنه ينتقض بنفس خوف الخيانة.
والمنصوص الصحيح: الأول.
وإذا حكم به ردهم [إلى مأمنهم] بعد استيفاء ما وجب عليهم من حقوق الله – تعالى – وعباده إن كانت، وهذا بخلاف ما لو صدر منهم ما يقتضي نقض العهد كقتل مسلم، أو أخذ ماله، أو تظاهر بالقتال، أو بعذر الإسلام، أو بسب النبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن، كما قاله الماوردي، وكذا كل ما يضر بالمسلمين مما ذكرناه في باب عقد الذمة، وإن لم تنتقض به الذمة – كما صرح به الإمام – فإنه لا يحتاج إلى الحكم فيه؛ لظهوره، ولا يبلغهم المأمن، بل هم أهل حرب بفعل ذلك، كما قاله الماوردي [وغيره]؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: 12].
وفي "النهاية" حكاية وجه: أنهم إذا لم يعلموا أن ذلك ينقض العهد، فلا يغتالهم قبل تعريفهم أنه انتقض.
وقال الرافعي: إن محل اغتيالهم إذا نقضوا العهد إذا كانوا في بلادهم، [فأما من دخل] دارنا بأمان أو عهد، فلا يغتال وإن انتقض عهده، بل [يبلغ إلى مأمنه]، كذلك نقله القاضيان ابن كج والروياني وغيرهما.

ولا يشترط في هذا أن يصدر الفعل من الكل، بل لو [فعله البعض] ولم ينكره الباقون، انتقض عهد الجميع، بخلاف أهل الذمة، كما تقدم.
ويدل عليه: أنه صلى الله عليه وسلم لما هادن يهود بني قريظة، أعان بعضهم أبا سفيان بن حرب [على حرب] النبي صلى الله عليه وسلم في الخندق، وقيل: [إن] الذين أعانوه: حيي بن أخطب وأخوه وآخر؛ فنقض به عهدهم، وغزاهم حتى قتل رجالهم إلا ابني سعية: أسيد وثعلبة، وسبى ذراريهم.
وكذلك لما عقدت الهدنة بينه وبين أهل مكة عام الحديبية كانت خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم داخلين معه في الهدنة، [وبنو بكر حلفاء قريش داخلون معهم في الهدنة]، فقتل بعض بكر رجلا من خزاعة، وآوى بعض أهل مكة القاتل، ولم ينكر الباقون على من فعل ذلك؛ فغزاهم النبي صلى الله عليه وسلم وكان الفتح.
ولأن عقد الهدنة يتم بعقد بعض المشركين ورضا الباقين، ويكون السكوت رضا بذلك؛ فوجب أن يكون النقض مثله.
أما إذا أنكر من لم يفعل على الفاعلين بقول أو فعل، أو اعتزلوهم، أو كاتبوا الإمام بصنيعهم، وأنهم باقون معه على العهد – لم ينتقض إلا عهد الناقضين؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الآية [الأنعام: 44].
ثم إن كانوا متميزين عنهم، وإلا أمرهم أن يتميزوا، والقول قول من ادعى عدم الرضا، كما قاله أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما، فإن لم يتميزوا مع القدرة، قال الماوردي: صار الكل ناقضين للعهد.
قال الرافعي: ووراء ذلك شيئان مستغربان: أحدهما: قال الإمام: لو بدت خيانة من بعضهم، وسكت الآخرون، ولم ينكروا – كان للإمام أن ينبذ إليهم، وهكذا كان قضية أهل مكة.
والثاني: [أنه] في كتاب ابن كج: أنه لو نقض السوقة العهد، ولم يعلم

الرئيس والأشراف بذلك – ففي انتقاض العهد في حق السوقة وجهان عن رواية أبي الحسين: وجه المنع: أنه لا اعتبار بعقدهم؛ فكذا [في النقض]، فلو نقض الرئيس وامتنع الأتباع وأنكروا، ففي الانتقاض في حقهم قولان.
وجه الانتقاض: أنه لم يبق العهد في حق المتبوع، فلا يبقى في حق التابع.
تنبيه: في قول الشيخ: وإن خيف منهم ... إلى آخره، ما يعرفك أن العقد لازم قبل ذلك، وقد صرح به الأصحاب، واستدلوا له بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 44]، [وقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1]]، وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: 7]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون عند شروطهم"، والمعنى فيه ظاهر.
قال الأصحاب: ولا فرق بين أن يعقد في حالة الضعف المدة الطويلة، ثم يقوى، أم لا، وأنه لا يختلف ذلك [ببقاء] الإمام أو عزله وولاية غيره.
نعم، إذا ولي غيره فرأى [أن] العقد فاسد، قال في "البحر": نظر: فإن كان [فاسدا] بنص أو إجماع انتقض، وإن كان باجتهاد فلا.
فرع: إذا نقضوا العهد، ثم أتلفوا شيئا في حالة قتالهم، ثم ظهر الإمام عليهم – ففي المسألة قولان نقلهما القاضي الحسين: [أحدهما]: أنهم يؤخذون بضمانة قبل التوبة وبعدها.
والثاني: لا يؤخذون بشيء إلا أن [يوجد مال [رجل بعينه فيرد؛ لأنهم فعلوا في حال الامتناع ونقض العهد.
قال: وإن دخل حربي إلى دار الإسلام من غير أمان، جاز قتله واسترقاقه؛ لأنه كافر قدر الله المسلمين عليه، فجاز قتله واسترقاقه، وكذا المن

عليه والفداء كما في الأسير.
نعم، حكمه مخالف للأسير في أمور: أحدها: أنه لو أسلم قبل أن يختار الإمام واحدة من الخصال، سقط عنه الكل، كما أشار إليه الأصحاب في السير، وهو قضية ما نورده عن الرافعي من بعد، والأسير لم أسلم [لم يسقطن] كما تقدم.
الثاني: أنه لو ادعى أنه دخل دار الإسلام بأمان واحد من المسلمين وصدقه ذلك الواحد، رجع إلى قوله، وإن كذبه.
كان الداخل مغنوما، وإن كان من ادعى أمانة غائبا، فهل يقبل قوله؟ فيه وجهان في "الحاوي"، والمنصوص منهما – كما حكاه البندنيجي، وبه جزم الماوردي في السير -: القبول، ورجحه العمراني والروياني.
والأسير لو ادعى ذلك بعد الأسر، لم يقبل منه جزما إلا ببينة تشهد به، وهي رجلان عدلان؛ لأنه يسقط بها [عن نفسه القتل، ويقبل فيها رجل وامرأتان إذا كان ذلك بعد الإسلام؛ لأنه يسقط] بها الرق، ولا يكفيه تصديق من ادعى أنه أمنه، كما ذكره البندنيجي وأبو الطيب [وغيرهما] في [كتاب] السير.
الثالث: لو أنه بذل الجزية، وكان ممن يجوز عقدها له، فهل يكون ذلك مانعا من استرقاقه وقتله؟ فيه وجهان مرتبان على القولين اللذين ذكرناهما في الأسير، وهاهنا أولى بالعصمة.
قال الشيخ أبو محمد: والفرق: أنا لم نقصد أسره، وإنما وقع في القبضة اتفاقا.
وعن القاضي ابن كج: أنه ذكر في موضع من كتابه أنه تقبل منه الجزية، ولا يجوز استرقاقه، وفي موضع [آخر]: أن الإمام [فيه بالخيار] بين أن يسترقه وبين أن يقرره بالجزية.
قال: وكان ماله فيئا؛ لأنه حصل بغير قتال.
وهذا إذا قبله الإمام أو استرقه، أما لو رأى الإمام أن يمن عليه ويرد إليه

أمواله ويخلي ذريته؛ فله ذلك، بخلاف سبايا أهل الحرب؛ لأن الغانمين قد ملكوهم وملكوا الأموال؛ فيحتاج إلى رضاهم، كذا حكاه الرافعي، وهو الذي وعدت بذكره من قبل.
تنبيه: الأمان قد تقدم أنه يصح من الإمام ومن نائبه، ومن آحاد المسلمين المكلفين للآحاد، وفي معناه أمور: منها اثنان سنذكرهما.
والثالث: إذا دخل لسماع كلام الله – تعالى – أو ليسلم، أو ليبذل الجزية، قال الأصحاب: ويصدق في دعواه تلك، ولا يتعرض له؛ لظاهر الآية، ويجوز تعليمه القرآن إذا رجي إسلامه، ولا يجوز إذا خيف منه الاستخفاف به.
وكذا القول في تعليمه الفقه والكلام وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يمنع من تعلم الشعر والنحو.
قال الروياني: ومنع بعض الفقهاء منه؛ كي لا يتطاولوا به على من لا يحسنه من المسلمين.
فرع: إذا دخل [رجل] حربي دارنا، وبقي مدة، ثم اطلعنا عليه – فالذي حكاه الإمام: أنا لا نأخذ منه شيئا [لما مضي؛ لأن عماد الجزية القبول وهذا حربي لم يلتزم شيئا]، وصححه ابن كج، وحكى عن تخريج أبي الحسين وجها آخر: أنه تؤخذ منه الجزية لما مضى.
قال: وإن استأذن في الدخول، ورأى الإمام المصلحة في الإذن بأن يدخل بتجارة ينتفع بها المسلمون، أو في أداء رسالة، أو يأخذ من تجارتهم شيئا – جاز أن يأذن له في الدخول؛ تحصيلا للمصلحة المتعلقة به.

واحترز بلفظ "الإمام" في هذا المقام عن آحاد المكلفين المسلمين؛ فإنه لا يجوز إذنه في الدخول بالتجارة والزيارة، كما صرح به الأصحاب، وحكاه ابن الصباغ عن أبي إسحاق في اشتراط العشر بعد الكلام في المسألة بفصول، فلو سمع الكفار واحدا من المسلمين يقول: من دخل تاجرا فهو في أمان، فاعتمدوه – قال الإمام: فلا شك في فساد الأمان، لكن، هل يثبت لهم حكم الأمان إذا ظنوه صحيحا؟ فيه وجهان.
واحترز بلفظ "إذا رأى المصلحة" عما إذا لم يكن في الدخول مصلحة؛ فإنه لا يجوز بحال؛ لما فيه من اطلاع للكفار على عورات المسلمين، ونقل الأسلحة للكفار، وعبر عنه الرافعي بأنه لا يجوز من غير حاجة، وكلام الغزالي في السير مصرح بأن المانع من الإذن والأمان حصول المضرة؛ كالجاسوس ونحوه، وأنه لا يشترط في انعقاد الأمان ظهور المصلحة، بل يكفي عدم المضرة.
وقال الإمام: إنه إذا أمن [من] في دخوله مضرة ينبغي ألا يستحق التبليغ إلى المأمن؛ لأن دخول مثله خيانة ملجئة إلى أن يغتال.
ثم كلام الشيخ يفهم أمورا: أحدها: جواز الإذن في الدخول بتجارة يحتاج إليها المسلمون بغير عوض، وبعوض إذا لم يكن بالمسلمين إليها حاجة، وهذا ما اتفق عليه الأصحاب.
لكن في حال عدم الحاجة إليها، هل يجب الشرط كيف كان الأمر، أو يجوز الشرط إذا رأى الإمام فيه المصلحة، ويجوز الترك تغليبا للمصلحة؟ فيه وجهان، حكاهما المراوزة: وأصحهما عند الإمام – وبه جزم القاضي الحسين والبندنيجي – الأول.
وأظهرهما في "الرافعي" – وبه جزم أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي -: الثاني.
وقد تقدم مثلهما في الإذن في دخول الحجاز، قال الرافعي: ويقرب من الوجهين الوجهان في أنه إذا أطلق الإذن [في الدخول] من غير شرط، هل يجب شيء أم لا؟ أو أحد الخلافين [مبني] على الآخر؟ قلت: والأظهر عدم البناء، وقد نبهت عليه في [باب] عقد الذمة.
الثاني: أن [المشروط لا يتقدر] بشيء، وقد [صرح به] الأصحاب، وقالوا: يستحب أن يكون العشر؛ اقتداء بعمر – رضي الله عنه – فإنه شرط عليهم العشر، ويجوز أن يزيد عليه إذا كانت بضاعتهم كاسدة في بلادهم نافقة عندنا،

ويجوز أن يقنع منهم به وبما دونه إذا انعكس الحال، ويجوز – كما قال الماوردي-: أن يجعل في صنف العشر، وفي آخر أكثر منه أو أقل، على حسب ما يراه.
وحكى الإمام وجها اقتضى إيراده ترجيحه: أنه لا يجوز الزيادة على العشر؛ لأن عمر – رضي الله عنه – شرطه مع ظهور الإسلام والتمكن من الزيادة؛ فدل على أنه الأكثر.
والأصح الأول.
ثم إذا شرط في الصلح قدرا، قال الماوردي: صار ذلك واجبا في متاجرهم ما أقاموا على صلحهم كالجزية، لا يجوز لغيره من الأئمة نقضه إلى زيادة أو نقصان.
الثالث: أن الدخول لأداء رسالة يتوقف على الإذن، وهو ما أفهمه كلام القاضي أبي الطيب والبندنيجي وغيرهما، وكلام غيرهما – ومنهم ابن الصباغ والإمام – يقتضي خلافه؛ حيث قالوا: إذا ادعى الداخل في بلاد الإسلام بغير إذن الرسالة قبل قوله، [ولا يقتل]، وتكون له الرسالة – كما قال الماوردي – أمانا على نفسه وماله، ولا يحتاج معها إلى استئناف أمان.
ولا يجوز أن يوظف على الرسول والمستجير [لسماع كلام] الله تعالى [مال]، قال الإمام: لأن لهما الدخول من غير إذن.
وزاد الماوردي في موضع آخر، فقال: لو دخل الرسول بمال لا يعشر وإن كان العشر مشروطا؛ لأنه لما تميز عنهم في أمان الرسالة تميز عنهم في تعشير المال؛ تغليبا لنفع الإسلام برسالته.
وقد استدل لعدم قتل الرسل بما روى أبو داود عن نعيم -[وهو] ابن مسعود – الأشجعي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لرسولين جاءا من قبل مسيلمة حين قرأ كتاب مسيلمة: "ما تقولان أنتما؟ " قالا: [نقول كما] قال.

قال: أما والله، لولا أن الرسول لا يقتل لضربت أعناقكما.
ولا فرق في قبول قوله بين أن يكون [بين يديه] كتاب أو لا، قال الماوردي: إلا أن يعلم كذبه.
وللإمام احتمال فيما إذا لم يكن معه كتاب؛ لأن مخايل الرسالة لا تخفى، ويغلب على الظن – والحالة هذه – كذبه، وقد أقامه في "الوسيط" وجها.
والصحيح الأول.
نعم، إذا اتهمه الإمام حلفه كما حكاه ابن كج عن النص، وفي "الحاوي": أنه لا يلزمه أحلافه على الرسالة؛ لأنه مبلغ، ومت على الرسول إلا البلاغ، وتبعه في ذلك صاحب "البحر" وقال: إن محل ذلك إذا كان في الرسالة مصلحة للمسلمين من صلح يجدد أو هدنة تعقد أو فداء أسراء، وأما إذا [كان] جاء رسولا بوعيد أو تهديد فلا يكون له أمان، ويتخير للإمام فيه بين الخصال الأربع، [وهذا] أحد الأمرين اللذين وعدت بهما من قبل.
وثانيهما" قال القاضي الحسين: إذا قال: دخلت لتأخذ مني المال المضروب، ورضيت به – فإنه يؤخذ منه ولا يغنم.
وفي كلام الإمام ما ينازع فيه؛ فإنه قال: ولو زعم الكافر أنه ظن التجارة أمانا لم يبال به، واغتيل [وأخذ] ماله، ولا تعويل على ظنه إذا لم يكن [له] مستند.
فروع: هل يتكرر المأخوذ بتكرار الدخول؟ الحكم فيه كما إذا تكرر دخول الحربي وغيره الحجاز، وقد تقدم، وكلام الإمام يفهم أن الخلاف في تكرار

الأخذ في بلاد الحجاز لعظم شأنها، أما غيرها فلا يتكرر، والذي صرح به البندنيجي والمصنف وغيرهما: [الأول].
إذا دخل أهل الحرب بالتجارة وقد شرط عليهم العشر، فلم يتفق منهم بيع، فهل يؤخذ منهم المشروط؟ قال القاضي أبو الطيب والمصنف وغيرهما: ينظر: فإن [قال]: أعطيكم عشر الثمن، فلا يؤخذ منه شيء، وإن أطلق قوله وقال: لكم العشر، أو: [لكم] العشر من مالي – كان إطلاقه القول ينصرف إلى المقيد، فإن باع أخذ عشر الثمن، [وإن لم يبع [أخذ عشر الثمن المباع إن أراد الرجوع.
وفي "الحاوي": أن العشر إن كان مشروطا في عين المال وجب على كل من حمله إلى بلاد الإسلام من حربي أو ذمي أو مسلم، ولا يمنع الإسلام [من أخذه]، بل يكون [ثمنا ينضاف] إلى الثمن الذي ابتاعه من أهل الحرب، ويكون ما أداه إليهم تسعة أعشار ثمنه أو أربعة أخماسه، وما أداه [إلى] الإمام عشر الثمن أو خمسة.
وإن كان العشر مشروطا في ذممهم لأجل المال وعينه، أخذ عشره من الحربي إذا حمله، ولا يؤخذ من المسلم، وفي أخذه من الذمي وجهان.
ولا خلاف أنه لا يؤخذ من أهل الذمة [عن تجارتهم] شيء وإن ترددوا في بلاد الإسلام كلها، سوى الحجاز كما تقدم ذكره، وحكم المرأة فيهم حكم الرجل.
فرع: يصح الأمان العام من صاحب الأمر بأن يقول: أمنت من دخل دار الإسلام تاجرا.
قال: وإذا دخل، أي: للغرض المطلوب جاز أن يقيم اليوم والعشرة؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، وهي مدة قريبة بالإضافة إلى ما دخل إليه، فإن

انقضت حاجته في دون ذلك لم يمكن من المقام بمطلق الإذن للغرض السابق.
صرح به الفريقان.
ولو لم ينقض رسالته إلا في سنة جاز أن يقيم بغير جزية [سنة]، قال الماوردي: لأن حكم الرسالة مخصوص، من [أحكام] جماعتهم.
وقال الإمام: إن الداخل لسماع كلام الله تعالى هل يمهل أربعة أشهر؟ أو يقال: إذا لم ينفصل الأمر بمجالس يعرض فيها البيان التام، فيقال له: الحق بمأمنك؟ فيه تردد أخذته من فحوى كلام الأصحاب، [والظاهر: المنع].
قال: فإن طلب أن يقيم مدة، أي من غير حاجة، جاز أن يأذن له، أي: الإمام أو نائبه في المقام أربعة أشهر، ولا يجوز سنة، وفيما بينهما قولان؛ لأنهم في معنى المهادنين.
فرع: لو قال الإمام له: إن لم ترجع إلى دار الحرب حكمت عليك بحكم أهل الذمة، قال أبو العباس: إن أقام سنة من حين دخوله إلينا أخذت منه الجزية، وأقل ما يؤخذ منه [دينار].
وإن قاله [له]: اخرج إلى دار الحرب، وإن أقمت عندنا صيرتك ذميا، فأقام سنة، ثم قال: أقمت لحاجة أقضيها، وانصرف – قبل منه، ولم تؤخذ منه الجزية، ورد إلى مأمنه، حكاه البندنيجي.
قال: فإن أقام، أي: في دار الإسلام، لزمه التزام أحكام المسلمين، أي: الأحكام المتعلقة بالمسلمين؛ فيضمن المال والنفس، ويجب عليه حد القذف؛ لأن العقد كما اقتضى [أمانهم من المسلمين في ذلك، اقتضى [أمان المسلمين منهم، فإذا دخل على التزامه ترتب عليه مقتضاه.
وهكذا الحكم في أتباع المسلمين من أهل الذمة، صرح به أبو الطيب وابن

الصباغ في باب "الحكم بين المهادنين"، وقالا فيما إذا نقض أهل الهدنة العهد، وامتنعوا على الإمام، وأتلفوا أموال أهل الذمة: في وجوب الضمان عليهم قولان، كما إذا ارتد المسلمون، وامتنعوا، وأتلفوا على المسلمين شيئا، وقد ذكرناهما من قبل.
قال: ولا يجب [عليه] حد الزنى والشرب؛ لأنهما من حقوق الله – تعالى – وهو لم يلتزمها.
ولا فرق في ذلك بين أن يزني بمن هي مثله، [أو بذمية]، أو بمسلمة؛ كما قاله الماوردي قبيل باب حد القذف.
وحكى الإمام في كتاب السرقة طريقة أخرى فيما إذا زني بمسلمة: أن حكمه حكم سرقته مال مسلم؛ فيكون على الخلاف الآتي.
قال الماوردي: ولو شرط عليه في الابتداء التزام أحكامنا لزمه ذلك.
قال: وفي حد السرقة والمحاربة؛ أي: المتعلقة بالمسلمين [وأهل الذمة] قولان: أحدهما: يجب؛ لأن في إقامته صيانة لحق المسلمين وأتباعهم؛ فأشبه حد القذف، وهذا ما نص عليه في "سير" الواقدي، واختاره في "المرشد".
والثاني: لا يجب؛ لأنه محض حق الله – تعالى فأشبه حد الزنى، وهذا أصح في "الجيلي"، وعند النواوي.
وقال القاضي أبو الطيب في باب حد السرقة: إنه الذي نص عليه في عامة كتبه.
وجميع ما ذكرناه جار في أهل الذمة – أيضا – وحكى الإمام قولا ثالثا: أنه إن شرط عليه القطع إذا سرق، وإن لم يشترط، لم يقطع.

ولو كان المسروق مال معاهد آخر أو مستأمن [فلا قطع] قولا وحدا، قاله الماوردي في كتاب السرقة.
واعلم أن [في] قول الشيخ هنا: "وإذا أقام لزمه التزام أحكام المسلمين"، وقوله في باب عقد الذمة: " [ولا يصح عقد الذمة] إلا بشرطين: التزام أحكام الملة، [وبذل الجزية] [ما] يعرفك أن بينهما فرقا، وقد أوضحه الشيخ بالمثال فتأمله.
قال: ويجب دفع الأذية عنه، كما [يجب عن] الذمي؛ لأنه التزم له بالعقد كف المسلمين عنه، وكف أتباعهم وهم أهل الذمة؛ لكونهم في قبضة الإمام؛ فوجب القيام به، وكونه في دار الإسلام يقتضي وجوب دفع أهل الحرب عنه؛ لأجل الدار؛ فإن تسليط الكفار على طروق دار الإسلام ممتنع؛ لهذا قال الأصحاب: إن أهل الذمة المقيمين بدار الإسلام لو شرطوا في العقد ألا يدفع عنهم أهل الحرب كان الشرط باطلا؛ لما ذكرناه.
فانتظم من مجموع ذلك وجوب الدفع عنه [كما يجب] عن الذمي، وقد غفل بعض الشارحين لهذا الكتاب عما نبهت عليه، فحمل كلام الشيخ على دفع أذية المسلمين عنه و [من معهم] من أهل الذمة – خاصة – وهو ما ذكره في "الحاوي" في كتاب السرقة.
[و] في "فتاوى" القاضي: أن بعض أصحابنا قال: لو قصد المستأمنين الذين دخلوا دار الإسلام للتجارة بأمان أهل الذمة أو أهل الحرب، لا يجب على الإمام الدفع عنهم، بخلاف ما لو قصدهم المسلمون، والمشهور: الأول.
نعم، ما ذكره مختص بأهل الهدنة إذا انفردوا ببلد في طرف بلاد الإسلام لا

يمر أهل الحرب إذا قصدوها على بلد للمسلمين في طريقهم أو مال لهم، أما إذا كانوا في بلد لا يمكن قصدها إلا بالمرور على ذلك فيظهر أن يكون الحكم كما إذا كانوا في بلد المسلمين، ويجب الدفع؛ لما أشرنا إليه من التعليل عملا بما ذكره الأصحاب في عقد الذمة، والله أعلم.
قال: فإن رجع إلى دار الحرب بإذن الإمام في تجارة أو رسالة؛ فهو باق على الأمان في نفسه وماله، كالذمي إذا دخل دار الحرب بالتجارة.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي اشتراط إذن الإمام في [الدخول لدار] الحرب.
وفي "المهذب" و"الحاوي" في كتاب السير وغيرهما: السكوت عن إذن الإمام، واعتبار أن يكون الخروج كذلك، وألحق بهما البندنيجي الخروج للزيارة.
وأطلق الماوردي في كتاب الجزية القول بأن الحربي إذا دخل بأمان، ثم عاد إلى دار الحرب؛ انقضى حكم أمانه، فإن عاد ثانيا بغير أمان، غنم.
نعم، لو عقد له الإمام الأمان على تكرير الدخول اعتبارا بصريح العقد كان في تردده آمنا في كل دفعة ما شرطه من المدة، فلعل الشيخ لاحظ هذا وأراده.
قال: وإن رجع للاستيطان، انتقض الأمان في نفسه وما معه من المال؛ لأنه بهذه النية [قد] صار حربا لنا.
قال: وإن أودع مالا في دار الإسلام – أي: [و] قد ثبت له الأمان؛ لم ينتقض الأمان فيه، ويجب رده إليه؛ لأنه زال أمانه بانتقاله، وبقي في ماله ببقائه في الدار، ولا يضر كونه غير آمن، وماله في أمان؛ ألا تراه يأخذ الأمان لماله؛ فيكون آمنا فيه دون نفسه، وكذا إذا دخل إليهم مسلم بأمان، فأرسل معه واحد منه ماله؛ فإنه يكون في أمان؛ لقدرة المسلم على أمانه، ولا يكون هو آمنا، كذا صرح أبو الطيب.

وحكم الذمي إذا أخذ منهم مالا حكم المسلم الداخل لهم على الأصح، لا لصحة أمان الذمي، بل لكونه أمانا فاسدا كأمان الصبي.
وفي "تعليق" القاضي أبو الطيب وغيره رواية قول: أن المال لا يكون في أمان؛ لأن الذمي لا يصح.
ثم إن الأمان يحصل للمال وكذا للذرية بالتصريح به، وهل [يحصل] لهما عند إطلاق الأمان له؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين في باب حكم المرتد.
وحكم الذرية المستخلفين في دار الإسلام، حكم الأموال المودعة، قاله الماوردي.
ووراء ما ذكره الشيخ في المال خاصة وجهان أوردهما القاضي الحسين هنا وغيره: أحدهما: أنه ينتقض الأمان في ماله كما انتقض في نفسه، وقال: إنه أقيس؛ فعلى هذا يكون فيئا.
والثاني: أنه إن لم يتعرض في الأمان للمال، بل حصل الأمان فيه تبعا – فكذلك يجعل تبعا [في الانتقاض]، وإن ذكره في الأمان لم يرتفع عنه بارتفاعه عن النفس، وسيأتي ما يقوي ذلك من كلام الماوردي.
ومحل الخلاف إذا اتصل بدار الحرب، أما قبل اتصاله [بها]، قال الإمام: فالوجه بقاء الأمان في الأموال، ويحتمل أن يطرد الخلاف.
تنبيه: ظاهر قول الشيخ: "ويجب رده إليه"، أنه لا يمكن من الدخول لأخذه بالأمان الأول، حتى لو دخل كان كالداخل بغير أمان، وهو ما حكاه ابن الصباغ، وأبداه الإمام هنا احتمالا، واختاره الشيخ أبو زيد؛ كما حكاه الإمام في آخر "النهاية"، وتبعه صاحب "المرشد".
وقال الإمام ثم: إن الأصحاب وابن الحداد قالوا: إن له أن يدخل من غرير تجديد أمان [لتحصيل تلك الأموال، و] الدخول له يومئذ كالدخول للسفارة

وسماع كلام الله تعالى، ولكن ينبغي أن يعجل في تحصيل عين حقه، ولا يعرج على أمر آخر، وكذا لا ينبغي أن يكرر العود، ويستصحب في كل مرة بعضه إذا تمكن من أخذه دفعة واحدة، فإن خالف، قال الإمام: تعرض للقتل والأسر.
قال: فإن قتل أو مات في دار الحرب ففي ماله قولان، أي: مع الحكم بانتقاله إلى وارثه [كما نقله المصنف وغيره].
[أحدهما]: أنه يرد إلى ورثته؛ لأن الأمان من حقوق المال، ومن ورث مالا ورثه بحقوقه، أصله: خيار الرد بالعيب، والأخذ بالشفعة، وهذا ما نص عليه في المكاتب، واختاره المزني وصاحب "المرشد" والنواوي، وصححه البغوي، وإيراد القاضي أبي الطيب يقتضي ترجيحه، فعلى هذا: لا يكون لأقاربه من أهل الذمة فيه شيء على الأصح، ويصرف لأقاربه الحربيين.
قال الماوردي: سواء كانوا في دار الحرب أو في دار الإسلام، [وقال القاضي أبو الطيب: إنه يرد لمن ولد في دار الحرب دون من رزقهم في دار الإسلام].
قال في "المرشد": ويخالف الذمي إذا مات وله قريب في دار الحرب لا يرثه؛ لأن المستأمن ليس من أهل دار الإسلام، فإن لم يكن له وارث كان فيئا بلا خلاف.
والثاني: أنه [يغنم و] يصير فيئا؛ لأنه انتقل للوارث ولا أيمان له ولا أمان.
وهذا ما نص عليه في "سير" الواقدي، وحكاه المزني هنا، [واختاره أبو [إسحاق، وقد أفهم هذا التعليل أن محل الخلاف إذا لم يكن للوارث أمان على ماله، أما إذا كان فلا يتجه إلا القول الأول، وكذلك جزم به الماوردي صريحا، والقاضي الحسين.
وعن ابن خيران نفي الخلاف في المسألة، وتنزيل [النصين] على حالين كما نقله عنه المصنف والبندنيجي وغيرهما، وقال: الأول محمول على ما إذا شرط الأمان لنفسه ولورثته إن مات، والثاني محمول على ما إذا أطلق العقد.

وحكى الماوردي عنه حمل الأول على ما إذا شرط أمانه مدة حياته [وبعد مماته، والثاني على ما إذا شرط أمانه مدة حياته].
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنا على القول الثاني نقول: الأمر في ماله على التوقف كما في [مال المرتد]، فإذا مات قبل أن ردت أمواله عليه بان لنا أنا غنمناها بنقض العهد.
قال: وإن أسر واسترق صار ماله فيئا، أي: تفريعا على [أنه إذا مات في دار الحرب] كان ماله فيئا؛ لأن ملكه قد زال بالاسترقاق كما زال بالموت.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية قول آخر على هذا القول أنه يوقف على ما يظهر، فإن عتق رد إليه، وإن مات كان فيئا.
وفي "الرافعي": أنه المذكور في "الشامل"، ولم أره.
وقد رجع حاصل القولين إلى أنه [يكون فيئا على هذا القول، لكن في الحال أو بعد موته، أما إذا قلنا عند موته: إنه] يرد لورثته، فهاهنا يوقف؛ لأنه لا يمكن نقله للوارث؛ لأنه حي، ولا إلى بيت المال؛ لأنه مال له أمان، وهذا ما اختاره في "المرشد".
فعلى هذا إن عتق صرف إليه، وإن مات ففيه قولان حكاهما المصنف عن رواية [ابن] أبي هريرة والقاضي الحسين وغيرهما: أحدهما: أنه يكون للوارث كما لو مات حرا.
وأصحهما في "الرافعي" و"المرشد" – وبه جزم القاضي أبو الطيب والبندنيجي -: أنه يكون فيئا؛ لأن العبد لا يورث.
وقد ادعى الإمام أن الشافعي – رضي الله عنه – نص على أن أموال من نقض العهد واسترق ومات [رقيقا]، [فيء]، [وأن] مقابله مخرج من نصه في مسألة ذكرتها [أنا] في آخر باب الديات، وعلى هذا فكيف

السبيل لأخذهم له؟ تردد فيه الإمام وقال: يجوز أن [يقال]: يصرف إليهم إرثا، وامتناع التوريث من الرقيق [حكم شرعي] والكفار لا يتعبدون بتفاصيل الشرع.
ويجوز أن يقال: لا يصرف إليهم إرثا، ولكن لأنهم أخص به كما نقول فيمن بعضه حر وبعضه رقيق: يصرف ما اكتسبه ببعضه [الحر] إلى مالك الرقيق منه؛ لأنه أخص به، وإذا قلنا بالتوريث فيورثه إذا مات، أو يسند استحقاق الوراثة إلى ما قبل جريان الرق؟ فيه احتمال.
وحكم المال الثابت للحربي في ذمة المسلم ببيع أو قرض قبل استرقاقه حكم ماله المودع عندنا، صرح به الإمام في أثناء كلامه.
ولو من الإمام عليه، قال القاضي أبو الطيب: سلم إليه ماله.
وكلام البندنيجي قريب منه؛ فإنه قال: بقي ماله على أمانه.
قال: وإن قتل أو مات في الأسر، أي: قبل الاسترقاق – ففي ماله قولان؛ كما لو مات في دار الحرب، وقد سبق توجيههما.
قال: وإن مات في دار الإسلام قبل أن يرجع إلى دار الحرب [رد إلى مأمنه] على المنصوص، أي: في "سير" الواقدي؛ لأنه مات على أمانه، فبقي ماله على الأمان، بخلاف ما لو مات في دار الحرب، وهذا أصح في "الرافعي"، واختاره في "المرشد".
وقيل: هو – أيضا – على قولين؛ نظرا للعلة السابقة.
ويجري الطريقان فيما إذا مات في دار الحرب وقد دخلها بإذن الإمام في تجارة أو رسالة.
ثم إذا قلنا بالمنصوص جاز لوارثه دخول دار الإسلام لطلب ذلك المال، وإن لم يعقد له أمان، ويظهر الفرق بينه وبين صاحب المال على الوجه الآخر: أن المورث هاهنا لم يصدر منه خيانة، والوارث كذلك؛ فتبعه في الأمان، بخلاف رب المال ثم.
فرع: قال الماوردي في "الأحكام" في باب الفيء: يجوز شراء أولاد أهل العهد، منهم ولا يجوز سبيهم.

آخر: إذا اقترض حربي من حربي مالا، ثم دخلا إلينا بأمان – فهل على المقترض رد ما اقترضه؟ قال البندنيجي: خرجه ابن سريج على وجهين: أحدهما: عليه رده كالمهر.
والثاني: لا؛ فإن الشافعي قال: لو تزوج حربي حربية ودخل بها، ثم ماتت، وأسلم زوجها، ودخل إلينا، فدخل وارثها يطالبه بالصداق والميراث – لا شيء له.
قال أبو العباس: والأول أصح، ويكون تأويل هذه المسألة: أن الحربي تزوج بها على أن لا مهر، وعلى ذلك جرى في "المهذب".
وحكى الرافعي أن الحربي إذا اقترض من حربي شيئا، أو التزم بالشراء ثمنا، ثم أسلما، أو قبلا الجزية أو الأمان معا أو على الترتيب – استمر الاستحقاق إذا كان الثمن المذكور مما يصح طلبه؛ كما إذا أسلم الزوجان ولم تقبض المهر المسمى، ولو أسلم المستحق عليه، أو قبل الجزية دون المستحق – فالنص: أن الجواب كذلك، ويستمر الاستحقاق.
وعن نصه: أنه إذا ماتت زوجة الحربي، فجاءنا مسلما أو مستأمنا، فجاء ورثتها يطلبون مهرها – لم يكن لهم شيء، وفيه طريقان عن الأصحاب.
أحدهما: أن فيهما قولين بالنقل والتخريج، وهذا كله حكاه الإمام عن العراقيين: وأصحهما: بقاء الاستحقاق، ويستدام [حكم] العقد.
والثاني: المنع؛ لأنه يبعد أن يمكن الحربي من مطالبة المسلم أو الذمي في دارنا.
والطريق الثاني: القطع بالقول الأول، وبه قال ابن سريج، وحمل النص الثاني على ما إذا سمى خمرا أو خنزيرا وأقبضه في الكفر.
انتهى.
وما قال الثاني منتقض بما إذا دخل مسلم إلى دار الحرب بأمان، فسرق [لهم] مالا، أو ابتاعه [منهم]، أو استقرضه، [ثم جاء] إلى دار

الإسلام، [ثم دخل صاحبه إلى دار الإسلام]، بأمان – فإن على المسلم رد ما سرق أو استقرض، كما صرح به المصنف والرافعي وغيرهما.
[وإذا] فرعنا على القول الثاني، قال الإمام: فلا خلاف أن العهد يبقى بينهما، حتى لو أسلم المستحق طالبه، وإنما على هذا القول يتوقف في الطلب، فليفهم الناظر ذلك.
والخلاف يجري فيما لو أتلف حربي على حربي مالا أو غصبه ثم أسلما، أو أسلم صاحب المال، والأصح: عدم المطالبة، وهو الذي جزم به الإمام.
والله – عز وجل – أعلم.


باب خراج السواد

الخراج: شيء يوظف على الأراضي أو غيرها، وأصله: الغلة، ومنه الحديث: "الخراج بالضمان".
والسواد

-[كما]-

قال النواوي -: سواد العراق، وهو سواد كسرى ملك الفرس - كما قال الماوردي - الذي فتحه المسلمون أيام عمر - رضي الله عنه

-[بعد أن فتحت أطرافه في أيام أبي بكر - رضي الله عنه]-

وهو أزيد من العراق؛ لأن مساحة العراق مائة وخمسة وعشرون فرسخا في عرض ثمانين فرسخا، ومساحة السواد - كما قال الماوردي وغيره - مائة وستون فرسخا [في عرض ثمانين فرسخا؛ فيكون أزيد منه بخمسة وثلاثين فرسخا].
وسمي العراق عراقا؛ لاستواء أرضه حيث خلت من جبال تعلو أو أودية تنخفض، والعراق في كلام العرب: الاستواء؛ قال الشاعر: سقتم إلى الحق معا وساقوا ... سياق من ليس له عراق

[أي: من ليس له استواء].
قال الماوردي: وفي تسمية السواد سوادا ثلاثة أوجه: أحدها: لكثرته؛ مأخوذ منه سواد القوم: إذا كثروا، قاله الأصمعي.
والثاني: لسواده بالزرع والأشجار؛ لأن الخضرة ترى من البعد سوادا، ثم تظهر الخضرة بالقرب منها، فلما أقبل المسلمون من بياض الفلاة، قالوا: ما هذا السواد؛ فسمي سوادا.
والثالث: أن العرب تجمع بين الخضرة والسواد في الاسم؛ قال أبو عبيد: ومنه قول الشاعر:

فراحت رواحا من زرود فنازعت ... زبالة جلباب من الليل أخضرا

يعني: أسود.
وحكى أبو الطيب: أنها سميت بذلك؛ لأن الشمس ما كانت تطلع على الأرض؛ لالتفاف الأشجار وازدحامها وتسترها؛ فسميت لأجل ذلك سوادا.
قال: أرض السواد: ما بين حديثة الموصل إلى عبادان طولا، وما بين القادسية إلى حلوان عرضا.
ما ذكره الشيخ هنا هو ما أورده البندنيجي – وكذا أبو الطيب – قبل باب: ما أحرزه المشركون بأوراق، وقال أبو الطيب في هذا الباب بعد ذكر ذلك: إن غربي البصرة – وهو شط عثمان – ليس من جملة السواد؛ لأنه كان في ذلك الوقت أرضا سبخة، فأحياها عثمان بن أبي العاص الثقفي وعتبة بن غزوان.
وكلام الماوردي قريب منه، [قال] بعد أن ذكر ما ذكره الشيخ من الحد: وليست البصرة – وإن دخلت في هذا الحد – من أرض السواد؛ لأنها مما أحياها المسلمون من المغارب إلى موضع من شرقي دجلتها يسميه أهل البصرة الفرات، ومن غربي دجلتها النهر المعروف بنهر المراة.
وحضرت الشيخ أبا حامد الإسفراييني وهو يدرس في تحديد السواد في كتاب الرهن، وأدخل فيه البصرة، فأقبل علي وقال: هكذا تقول؟ قلت: لا.
فقال: ولم؟ قلت: لأنها كانت مواتا فأحياها المسلمون، فأقبل على أصحابه وقال: علقوا ما يقول؛ فإن أهل البصرة أعرف بالبصرة.
وعلى ذلك جرى في "المهذب"، فقال بعد ذكر ما حكاه هنا: ولا يدخل من البصرة [فيه] إلا الفرات في شرقي دجلتها ونهر المرأة في غربي دجلتها.
وقد أطلق في "التهذيب" خروج البصرة من الحد المذكور، وهو محمول على

ما ذكرناه، وقد تقدم ذكر ذرعها طولا وعرضا بالفراسخ، فلنذكره بالأجربة؛ لأنه أمس بالمقصود.
قال في "الشامل": مسح عثمان بن حنيف أرض الخراج، فكانت ستة وثلاثين ألف [ألف] جريب، ذكره أبو عبيدة والساجي هكذا.
وقال في "المهذب": [قال الساجي]: هو – يعني السواد – اثنان وثلاثون ألف ألف جريب، وقال أبو عبيدة: هو ستة وثلاثون ألف ألف جريب.
[وفي "الذخائر": أن في كتاب "مختصر الخراج": أن أرض السواد جميعها مائتا ألف [ألف] جريب]، وخمسة وعشرون ألف ألف جريب، ينحط من ذلك ما لا ينتفع به من مواضع الجبال والآكام، وما لا يعلوه الماء، ونحو ذلك: خمسة وسبعون ألف ألف جريب، يبقى مائة ألف ألف وخمسون ألف ألف جريب، يستعمل من ذلك النصف، [ويراح النصف] إلا ما عمل من النخل والشجر، وقال فيه هذا الذي مسح عثمان بن حنيف من السواد.
قال الشيخ مجلي: حكي ذلك [كله] عن أبي عبيدة بعد أن ذكر الطول والعرض على ما بيناه؛ وهذا اختلاف كثير [وتباين بين].
قلت: والوجه غير هذا كله؛ لأن الجريب – كما قال النواوي والقلعي وصاحب "الوافي"-: أرض مربعة، كل قائمة منها ستون ذراعا، وأنت إذا ضربت ذلك في مثله بلغ ثلاثة آلاف ذراع وستمائة ذراع.
وقال الماوردي [في "الأحكام"]: إنه عشر قبصات في عشر قصبات، وذرع كل قصبة ستة أذرع، وإذا ضربت ذلك بالتكسير بلغ ثلاثة آلاف ذراع وستمائة [ذراع].
وقد قال ابن يونس: إنه سنة آلاف وأربعمائة، وهو غلط.
وقد ذكرنا أن [طول] السواد مائة وستون فرسخا وعرضه ثمانون فرسخا،

وطول الفرسخ – كما قال الماوردي -: اثنا عشر ألف ذراع بالمراسلة، وعرضه كذلك؛ فيكون بذراع المساحة – وهي الهاشمي الكبير، كما قال في "الأحكام" -: تسعة آلاف ذراع [طولا] في عرض مثله، فإذا ضرب فرسخ في فرسخ، بلغ أحدا وثمانين ألف ألف ذراع، وذلك اثنان وعشرون ألف جريب وخمسمائة جريب، كما قال الماوردي – أيضا – وهو صحيح؛ لأنك إذا ضربت [الجريب] وهو ثلاثة آلاف وستمائة في عشرة، بلغ ستة وثلاثين ألفا، وإن ضربته [في مائة] بلغ ثلاثمائة ألف وستة آلاف، وإن ضربته في ألف بلغ ثلاثة آلاف [ألف] وستمائة ألف، وإن ضربته في عشرة آلاف بلغ ستة وثلاثين [ألف ألف]، وإن ضربته في عشرين ألفا بلغ اثنين وسبعين ألف [ألف] [وإن ضربته في اثنين وعشرين ألفا وخمسمائة بلغ أحدا وثمانين ألف ألف] كما ذكرنا.
وإذا عرفت أن الفرسخ في الطول والعرض اثنان وعشرون ألف جريب وخمسمائة جريب، فاضربه في اثني عشر ألف فرسخ وثمانمائة فرسخ – وهي جملة أرض السواد – يبلغ مائتي ألف ألف، وثمانية وثمانين ألف ألف جريب؛ لأنك إذا ضربت عشرين ألفا في اثني عشر ألفا، [بلغت مائتي ألف ألف وأربعين ألف ألف، وإذا ضربت ألفين في اثني عشر [ألفا]] بلغ ذلك أربعة وعشرين ألف ألف، وإذا ضربت خمسمائة [في اثني عشر ألفا بلغت ستة آلاف [ألف]، وإذا ضربت ثمانمائة] في اثنين وعشرين ألفا وخمسمائة بلغت ثمانية عشر ألف [ألف] جريب.
وجملة [ذلك] إذا جمعته: العدد [الذي ذكرناه]، يسقط منه مجاري

الماء والقرى والمدن وما لا ينتفع به من مواضع الجبال والآكام، وما لا يعلوه الماء، ونحو ذلك ما زاد على ثمانين ألف جريب، وهو قريب الثلث [أو نحوه]، كما قال الماوردي، وإن الباقي [وهو] مائتا ألف ألف جريب يراح [منه] نصفها، ويزرع نصفها إذا تكاملت مصالحها ومجاريها.
قال الماوردي: وقد كانت مساحة [المزدرع] في أيام عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – اثنين وثلاثين ألف ألف جريب [إلى ستة وثلاثين ألف ألف جريب]؛ لأن البطائح تعطلت بالماء، ونواح تعطلت بالسوق، ونواح تعطلت بالعمارات، والعوارض والحوادث لا يخلو الزمان منها خصوصا وعموما.
وعلى هذا يحمل ما نقله الشيخ في "المهذب" وغيره من الساجي وأبي عبيدة، والله أعلم.
وقد اختلف العلماء في كيفية فتح أرض السواد: فعن أبي إسحاق [وجه نقله ابن كج: أنه وقع صلحا.
وعن الماسرجسي: أن أبا إسحاق [كان يتصره] في الدرس، وقال] في "الشرح" الذي له: إنه فتح عنوة.
كذا حكاه أبو الطيب.
[وفي "الحاوي": أن الشافعي – رضي الله عنه – أشار إليه في كتاب قسم الفيء].
وعن أبي الطيب بن سلمة أنه قال: اشتبه الأمر علي؛ [فلا أدري] أفتحت صلحا أو عنوة؟ والذي نص عليه الشافعي – رضي الله عنه – في أكثر كتبه – كما قال الماوردي، وهو المشهور، والصحيح -: أنها فتحت عنوة، وأن عمر – رضي الله عنه – قسم أراضي السواد في جملة الغنائم، وعلى هذا، فكيف قسم؟

المحكي عن أبي إسحاق: أنه قال: كان في الغنيمة غير الأراضي من المواشي وصنوف الأمتعة، وأن عمر – رضي الله عنه – رأى أنه إن صرف خمسها [إلى أهل] الخمس أنفقوه، فأراد أن يجعل لهم عدة باقية يستظهرون بها؛ [فعوضهم] عن خمسها الأخماس الأربعة [من الأراضي]، وجعل الأرض لأهل الخمس، والمنقولات للغانمين.
والصحيح المشهور: أنه قسمها بين الغانمين، ولم يخصصها بأهل الخمس، ثم استطاب قلوبهم عنها، واستردها بعد أن استغلوها [مدة].
وقد اختلف في المعنى الذي لأجله استنزلهم عنها: فقيل: لأنه خشي أن يقل الناس؛ فتحصل جميع الأرض لواحد؛ فتضيق بالناس المنازل؛ فلا يكون لأحد موضع يسكنه، حكاه أبو الطيب.
وقيل: فعل ذلك؛ لنظره في المنصب؛ لأنه جعل حصن العراق: البصرة، والكوفة [رباطا للمجاهدين] ليحفظوا [من] بإزائهم [من] المسلمين، ويستمدوا سواد عراقهم في أرزاقهم بسبب جهادهم، وعلم أنه [إن] أقرهم على ملكهم مع سعته وكثرة [ارتفاعه بقي] من بعدهم لا يجدون ما يستمدون به، وقد قاموا مقامهم وسدوا مسدهم، فكان الأصلح ما فعله؛ ليعم [نفعه] في كل عصر.
وقيل: لأنه رأى أنهم إن أقاموا فيه [على] عمارته واستغلاله تعطل الجهاد، وإن أنهضهم عنه مع بقائه على ملكهم خرب، مع جلالة قدره وكثرة مستغلة؛ فكان جعله مع الدهاقنة وضرب الخراج عليهم أولى.

وقد روي أن بعضهم طابت نفسه؛ فرد نصيبه، ومنهم من أبي إلا بعوض عن نصيبه حتى استخلص الكل للمسلمين.
قال القاضي الحسين: وهذا بين في رواية [جرير بن عبد الله] البجلي، وهي أصح الروايات عندنا في سواد العراق، روي عن جرير أنه قال: كانت بجيلة ربع الناس، فأصابهم ربع السواد، فاستغلوه [ثلاث سنين] أو أربع شك الشافعي – رضي الله عنه – فقال عمر – رضي الله عنه -: لولا أني قاسم مسئول لتركتكم وما قسم لكم، لكني أرى أن تردوه للمسلمين، إني أسأل عن إعراضكم عن القتال واشتغالكم بزراعة هذه الأراضي فعاضني عن نصيبي نيفا وثمانين دينارا، وكانت معي امرأة سماها – لم يحضر الشافعي ذكرها، وهي أم كرز – فقالت [إن] أبي شهد القادسية وقد ثبت سهمه، وإني لا أرضى حتى تملأ فمي لآلئ، وكفي دنانير، وتركبني ناقة ذلولا عليها قطيفة حمراء، فأعطاها عمر – رضي الله عنه – ما سألته.
وهو في استطابته قلوب الغانمين متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في استطابته قلوبهم عن سبي هوازن، والقصة مشهورة.
قال: وهي وقف على المسلمين، [أي]: وقفها عمر – رضي الله عنه.
[قال]: على المنصوص، أي: في "سير" الواقدي والرهن معا، كما قاله البندنيجي، ووجهة: ما روي أن عتبة بن فرقد اشترى أرضا من أرض السواد، فأتى عمر – رضي الله عنه – فأخبره، فقال: ممن اشتريتها.
فقال: من أهلها.
فلما حضر المهاجرون والأنصار قال له عمر – رضي الله عنه -: هؤلاء أربابها، أبعتموه

شيئا؟ قالوا: لا.
قال [له]: ارجع، فرد الأرض على من باعك وخذ الثمن منه.
فدل هذا الخبر على أنه كان وقفها، وإلا فما كان يرد شراء من اشترى منها شيئا.
وقد روي عن سفيان الثوري: أنه قال: أرض السواد لا يجوز بيعها؛ فدل على أنها كانت وقفا.
وروي عنه أنه قال: جعل عمر السواد [وقفا] على المسلمين ما تناسلوا.
كذا نقله ابن الصباغ.
[وعن] ابن شبرمة [أنه قال]: [إن] أرض السواد لا يصح بيعها ووقفها.
وهذا [ما] اختاره فيها الإصطخري والبصريون، وصححه أبو الطيب وغيره.
وعلى هذا قال: لا يجوز بيعها ولا رهنها ولا هبتها كغيرها من الأعيان الموقوفة.
قال: وما يؤخذ منها باسم الخراج أجرة؛ لأنه قد ثبت أنه كان يؤخذ منها شيء باسم الخراج، ولا سبيل مع ما ذكرناه أن يكون ثمنا؛ فتعين أن يكون أجرة، وجوز ذلك من غير بيان مدة؛ لأنه عقد مع الكفار وهم الفرس، والعقد إذا تعلق بالكفار عفي عن الجهالة في قدر العوض والمدة، أصله: [مسألة] العلج.
وقد تقدمت.
ومصرف المأخوذ مصرف [خمس] الخمس من الفيء والغنيمة.

فرع: هل [يجوز] على هذا لمن في يده شيء منها إجارته مدة مؤبدة بمال يتراضون عليه كما فعل عمر، رضي الله عنه؟ فيه تردد حكاه الإمام عن الأصحاب، والأصح: المنع، مع القطع بجواز الإجارة فيه مدة مؤقتة.
ولا يجوز لمن تلقى شيئا منها عن آبائه وأجداده أن ينتزع منه؛ لأنها [إجارة لازمة صدرت من عمر، رضي الله عنه.
قال: وقيل: إنها مملوكة] من زمن عمر – رضي الله عنه – إلى وقتنا هذا، [تباع وتوهب وتورث]، وما أنكر ذلك منكر ولا رده راد، فكان إجماعا، ولأنها لو كانت وقفا لما جاز إحداث المساجد [فيها] والمقابر والسقايات كما في غيرها من الأوقاف.
قال: وما يؤخذ منها باسم الخراج ثمن؛ لأن المضروب لو كان خراجا لما استباحوا ثمار تلك الأشجار؛ لأن مستأجر الأرض لا يستبيح بالعقد الأعيان [التي في الأرض]، وإنما [يستبيح] المنافع منها؛ فدل على أن المضروب باسم الخراج ثمن.
قال البندنيجي: وعلى هذا إذا باع من في يده شيء منها اقتضى العقد ثمنين: أحدهما: المسمى في [هذا] العقد.
والثاني: المقدر الشرعي الذي سنذكره.
فيكون كأنه باعه بثمن حال ومنجم، وهذا قول ابن سريج وأبي إسحاق المرزوي وبعض البغداديين من أصحابنا، كما حكاه الماوردي في كتاب الرهن.
والقائلون بالأول أجابوا عن الأول بما ذكرناه من إنكار عمر – رضي الله عنه – وبأن هذه [المسألة] مسألة خلاف، وهي مجتهد فيها؛ فلا يتوجه فيها الإنكار.

وعن الثاني: بأن عمر – رضي الله عنه – يحتمل أن يكون وقف المزارع دون المساكن والمنازل؛ فتكون المساجد والسقايات فيما لم يدخل في الوقف، ويحتمل أن يكون [قد] وقف الكل، لكنه على مصالح المسلمين، وهذا من مصالحهم.
قال البندنيجي: وصار هذا كما نقول فيمن وقف قرية [على قوم] كان لهم إحداث هذا فيها كذلك هاهنا.
وقد حكى الماوردي وجهين في أن المنازل التي كانت موجودة قبل الفتح هل دخلت في الوقف أم لا؟ وعلى ذلك جرى في "المهذب"، واختار في "المرشد" الثاني، وكذلك الرافعي، وهو المحكي عن إيراد الروياني في جمع الجوامع.
وعن الثالث: أن الأصحاب اختلفوا في جواز استباحة الثمار الحاصلة من الأشجار، فعلى قول: المنع – وهو الأصح عند الروياني وغيره، [كما حكاه الرافعي] اندفع السؤال، ويجب على الإمام أن يأخذها ويصرف ثمنها في مصالح المسلمين.
ومن جوز ذلك – وهو ما اختاره في "المرشد" – تمسك بأمرين: أحدهما: الضرورة الداعية لذلك؛ ألا ترى [أن] في المساقاة نجعل للعامل جزءا من الثمرة وإن كان مجهولا، كذلك هنا [مثله].
والثاني: ما ذكرناه من أن العقد إذا تعلق بالمشركين تسومح فيه.
ووراء ما ذكرناه أمران [آخران]: أحدهما: حكى الرافعي عن القاضي أبي حامد أن لابن سريج عبارة أخرى تخرج الخراج [عن] أن يكون ثمنا مع تجويز البيع، فقال: عمر – رضي الله عنه – وقفها [لا وقفا] محرما مؤبدا، ولكن جعلها موقوفة على

مصالح المسلمين؛ ليؤدي ملاكها على تداول الأيدي وتبدلها بالبيع والشراء خراجا ينتفع به المسلمين.
وضعف الأمر الثاني.
قال الماوردي: إطلاق المذهبين الأولين عندي معلول؛ لأن ما فعله عمر – رضي الله عنه – فيها لا يثبت بالاجتهاد حتى يكون فعلا مرويا وقولا محكيا عن قول صريح يستوثق فيه بالكتب والشهادات في الأغلب، وهذا معدوم فيه؛ [فلم صح القطع] بوقفها؛ لما عليه الناس من تبايعها، ولا القطع [ببيعها] بالخراج؛ للجهالة بقدرة، وبكونه مقدرا بالزراعة؛ ولأن مشتريها يدفع خراجها جون بائعها؛ فيصير دافعا للثمن، وليس للمبيع إلا ثمن واحد، ويكون ما قيل من وقفها محمولا على أنه وقفها عن قسمة الغانمين، ويكون وقف خراجها على كافة المسلمين، ويكون ملكها طلقا لمن أقرت عليه؛ استصحابا لقديم ملكه؛ لما عرف من عموم المصلحة ودوام الانتفاع.
وقال: إن رد عمر – رضي الله عنه – البيع يحتمل أن يكون [لكون] البائع غير مالك؛ فإنه قال: "هؤلاء أصحابها"، أو كان ذلك قبل استنزالهم عنها.
قال: والواجب أن يؤخذ ما ضربه أمير المؤمنين [عمر]- رضي الله عنه – وهو من كل جريب كرم عشرة دراهم، ومن كل جريب نخل ثمانية دراهم، ومن كل جريب [رطبة أو شجرة] ستة دراهم، ومن كل جريب حنطة أربعة دراهم، ومن كل جريب شعير درهمان.
أشار الشيخ بهذا إلى ما رواه أبو بكر بن المنذر بإسناده عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن لاحق بن حميد قال: بعث عمر – رضي الله عنه – عثمان بن حنيف، ففرض على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية [دراهم]، وعلى جريب القصب والشجر ستة دراهم، وعلى

جريب البر أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا الذي وردت به السنة.
[و] زاد في "المهذب" تتمة الرواية المذكورة: وكتب عثمان بن حنيف بذلك إلى عمر – رضي الله عنه – فارتضاه.
قال: وقيل على الجريب من الكرم والشجر: عشرة دراهم، ومن النخل ثمانية، ومن قصب السكر ستة، ومن الرطبة خمسة، ومن البر أربعة، ومن الشعير درهمان.
وهذا ما صدر به الماوردي كلامه، واستدل له بما روى قتادة عن أبي محارب أن عثمان بن حنيف فعل ذلك، ولم يورد في "الأحكام السلطانية" سواه.
وحكى القاضي أبو الطيب في "تعليقه" مع الأول: أن الواجب من كل جريب نخل عشرة دراهم، ومن كل جريب [كرم] ثمانية [دراهم [، ومن كل [جريب] قصب وهي الرطبة والشجر ستة، ومن كل جريب حنطة أربعة، ومن [كل جريب شعير] درهمان.
وهذا ما أورده البندنيجي وابن الصباغ، واختاره في "المرشد"، واستدل له بأن مجالدا روى عن الشعبي أن عثمان ابن حنيف فعل ذلك، وأنه مسح السواد، فكان قدره سوى المنازل ستة وثلاثين ألف ألف جريب.
زاد ابن الصباغ: وأنه كتب إلى عمر – رضي الله عنه – كتابا بما فعله فأمضاه.
قال الماوردي: وكان ذراع عثمان في مساحته ذراع اليد وقبضته وإبهامه ممدودة، وكان مبلغ ارتفاع السواد في أيام عمر – رضي الله عنه – مائة

وستين ألف ألف درهم [، كما قال البندنيجي، وقيل: مائة ألف ألف وسبعة وثلاثون ألف ألف درهم،] [وجباه زياد مائة ألف ألف]، وجباه الحجاج ثمانية عشر ألف ألف.
قال الماوردي: وجباه عمر بن عبد العزيز ثمانين ألف ألف [درهم]، ثم بلغ في آخر أيامه [مائة] ألف ألف وعشرين ألفا؛ لعدله وعمارته.
وفي "تعليق" البندنيجي: أن أول ما جباه عمر بن عبد العزيز ثلاثون ألف ألف، ثم بلغ في السنة الثانية سبعين ألف ألف، وقال: إن عشت إلى قابل لأردنه إلى ما كان [عليه] في أيام عمر، ورضي الله عنه.
فتوفي في تلك السنة، وعلى ذلك جرى صاحب "المرشد" والرافعي.
واعلم أن [هذا] المأخوذ عن الخراج أو الثمن لا يدخل فيه الزكاة [إن وجبت].
فرع: إذا رأى الإمام أن يطيب قلوب الغانمين عن أراضي الغنيمة، ويفعل فيها ما فعله عمر، جاز، والله أعلم وأحكم.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل