كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 363-402
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 363-402
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

تقول: استلمت الحجر، إذا لمسته، والحجارة البيض: تسمى: البصرة، وبه سمي البلد؛ لما في أرضها من عروق الحجارة البيض؛ وهذا قول القتبي.
وقد قيل: إنه مأخوذ من السَّلام -[وهو] بفتح السين- أي: أنه يحيي نفسه عن الحجر إذ الحجر ليس ممن يجيبه؛ كما يقال: اختدم؛ إذا لم يكن [له] خادم، وإنما خدم نفسه.
وعن هذا احترز الشيخ بقوله: بيديه.
وعن ابن الأعرابي أنه قال: الاستلام: مهموز، ثم ترك همزه، وهو مأخوذ من السلامة، والموافقة؛ كما يقال استلم كذا استلاماً؛ إذا رآه موافقاً له وملائماً.
قال: ويقبله؛ لما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قبَّل الحجر، ثم قال: "أما والله، لقد علمت أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك"، رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
وزاد في "الشامل" أنه قرأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
وقال القاضي الحسين: إن أبي بن كعب قال لعمر حين قال ذلك: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يؤتى بالحجر الأسود يوم القيامة، وله لسان ذلق، يشهد لمن قبَّله؟ فقال: نعم، قال: فهذه منفعته.
وقال الماوردي: إن علي بن أبي طالب قال لعمر: أما إنه ينفع ويضر؛ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله تعالى لما أخذ العهد على آدم وذريته، أودعه في رق في هذا

الحجر؛ فهو يشهد لمن وافاه يوم القيامة" فقال عمر: لا أحياني الله لمعضلة لا يكون لها ابن أبي طالب حيًّا.
قال الشافعي - رضي الله عنه - ويقبل [الحجر] بلا تصويت، ولا تطنين؛ هكذا السنة فيه- وقال: المستحب: أن يضع جبهته عليه، لأن فيه تقبيلاً، وزيادة سجود لله تعالى.
وقد روى عن ابن عباس [أنه] لما قدم مكة مسبداً رأسه، قبل الحجر، وسجد عليه ثلاثاً، وذلك يوم التروية.
والسبد: ترك الدهن والغسل.
قال الأصحاب: ويستحب أن يستقبله؛ لما روي عن ابن عمر أن النيي صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد، استقبل الحجر، واستلمه؛ وهذا الاستقبال يظهر أن يكون حين دخوله المسجد [بمعنى; أنه يقصده] لا في حال الطواف، وهو معنى قول الغزالي: "فإذا دخل من باب بني شيبة، فليتوجه إلى الركن الأسود"، لكن في كلام أبي الطيب ما يخالف ذلك؛ كما ستعرفه.
قال: ويحاذيه.
قال الماوردي: لما روي [عن] ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد، استقبل الحجر.
وقد اشتمل كلام الشيخ على ما هو سنة في الطواف في حق الرجال، وهو شيئان: الاستلام، والتقبيل.
وأما النساء، فلا يستحب لهن ذلك إلا أن يخلو المطاف في ليل أو غيره؛ كما

قاله النواوي [في "الروضة"] وغيره.
و [اشتمل] على ما هو ركن فيه، وهو – أيضاً- شيئان: الابتداء من الحجر، ومحاذاته؛ وذلك ما لا خلاف فيه.
و [شبه] القاضي أبو الطيب المحاذاة بتكييرة الإحرام، فلو ترك الحجر وراءه، وطاف، لم يعتد له بتلك الطوفة حتى ينتهي إلى الحجر، ويمر على جميعه؛ فينعقد له الطواف حينئذ.
نعم: هل الركن محاذاته يبعض البدن، وبجميعه يكون مستحبًّا، أو الركن محاذاته بجميع البدن؟ فيه قولان: القديم: الأول؛ لأن ما تعلق بالبدن، كان حكم البعض فيه حكم الكل؛ كالجلد.
والجديد [و] الأصح في "النهاية" وغيرها: الثاني: وهو الذي يقتضيه كلام الشيخ؛ إذا حمل على حقيقته؛ لأن ما وجب فيه محاذاة البيت، وجب فيه المحاذاة بجميع البدن؛ كالاستقبال في الصلاة؛ [وهذا يقتضي: أنه لا خلاف في مثل ذلك في الصلاة].
وقد حكى القاضي الحسين والإمام القولين في المصلي إذا حاذى ببعض بدنه بعض البيت؛ بأن كان قريباً منه.
ثم على الأول إذا حاذاه ببعض البدن كفاه؛ وكذا لو حاذى ببعض بدنه [بعض] الحجر؛ كما صرح به القاضي أبو الطيب، والبندنيجي، وابن الصباغ.
وعلى الثاني تكون الطوفة الأولى غير معتد بها، وأما ما بعدها، ففي الاعتداد به وجهان في تعليق أبي الطيب، وأصحهما الاعتداد، وهو الذي أورده الجمهور؛ لأنه في الثانية يكون محاذياً بجميع بدنه له فصحت، وصح ما بعدها.
ولو حاذى بجميع بدنه بعض الحجر، أجزأه؛ قاله القاضي أبو الطيب.
واستبعد [البندنيجي و] ابن الصباغ تصويره؛ كما سنذكره.

ثم البدن الذي أطلقناه، قال الإمام؛ إنما هو شق الطائف من جهة يساره، لا يعني غيره [وكلام أبي الطيب وغيره] الذي سنذكره يفهم خلافه.
ومعرفة المحاذاة التي أطلقت لمن لم يشاهد البيت تتوقف على معرفة كيفية وضع الحجر في البيت، وهو في الركن الذي يليه الملتزم، ثم الباب داخل في قريبه يسيراً، بعضه مما يلي الملتزم، وبعضه مما يلي الفسحة التي بين الركن الذي هو فيه، والركن الآخر لا من جهة الملتزم والباب؛ وهذان الركنان هما اليمانيان المبنيان على قواعد إبراهيم - عليه السلام.
والركنان الآخران هما الشاميان، والحجر أمامهما، والميزاب بينهما، وارتفاع الحجر من الأرض ثلاثة أذرع إلا سبعة أصابع.
[فإذا عرف] من لم يشاهد البيت ذلك أو كان قد شاهده، قلنا له: المحاذاة المشروطة في الطواف على الجديد - كما أفهمه كلام الإمام-: أن يجعل جميع شقه الأيسر مقابلاً لجميع الحجر، ثم ينحرف إلى الجهة التي فيها الملتزم، والباب والبيت، على يساره.
قال بعض الشارحين لهذا الكتاب: وإنما يتمكن من ذلك إذا بعد عن الحجر قليلاً، أو كان دقيقاً جدًّا؛ فإنه لو قرب منه ولم يكن نحيفاً، كان بعض بدنه خارجاً عن الحجر إلى جهة الملتزم، ويكون في صحة طوفته الخلاف السابق؛ وهذا يفهم منه أنه لو حاذى ببعض شقه الأسر بعض البيت من جهة الركن اليماني الآخر، [وبباقيه الحجر أنه لا يخرج على الخلاف، وحينئذ فإما ألا يجزئه بلا خلاف، [أو يجزئه بلا خلاف]، والذي يفهمه كلام الأئمة الذي سنذكره: الإجزاء] والذي يظهر مما سنذكره من بعد: أنه على الخلاف.
وحكى الإمام عن شيخه: أنه كان يقول فيما إذا حاذى من يبتدئ الطواف بشقه وسط الحجر، وخلَّف شيئًا منه فى جهة الركن اليمانى، وترك بعضاً منه مثلاً أمامه - يحتمل أن يصحح افتتاح طوافه؛ فإنه حاذى بتمام شقه الحجر.

ويحتمل أن يقول: ينبغي أن يحاذي في أول الطواف تمام الحجر بتمام الشق، وذلك بأن يبدئ من أول الحجر مما يلي الركن اليماني، ويمر على المسامتة.
قال: والأمر كما قال [محتمل].
قلت: وقد يظن أن الاحتمال الأول هو الذي حكينا، عن القاضي أبي الطيب وغيره، وليس كذلك؛ لأن القاضي أبا الطيب صور ذلك بما إذا جعل منكبه الأيمن محاذياً لحرف الحجر، ولا يستقبله؛ فإنه يكون محاذياً لذلك الجزء [بجميع بدنه، وحيتئذ فتكون هي الصورة الأولى؛ وهذا ذكره بناء على ما أبداه في كيفية المحاذاة لجميعه] بجميع البدن، وهو أن يجعل منكبه الأيمن [محاذياً لحرف الحجر الأيمن، ثم يمشي تلقاء شقه الأيمن، وهو] مستقبل الحجر حتى يستوعب محاذاته.
ويقرب من هذا قول البندنيجي: "والكمال في المحاذاة أن يستقبله بكل جزء من بدنه، وهو أن يأتي البيت، ويجعل كل الحجر عن يمين نفسه مستقبلاً، فإذا جاوزه صار البييت [عن يساره].
وأما الإجزاء: فأن يحاذي يكل بدنه كل الحجر، أو يكل بدنه بعض الحجر، إن أمكن.
وعلى ذلك جرى ابن الصباغ والنواوي في "المناسك".
فقالا: كيفية محاذاة جميعه [بجميعه]: أن يستقبل البيت، ويقف على جانب الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني؛ بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه، ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر ثم ينوي الطواف لله تعالى، ثم يمشي مستقبل الحجر ماراً إلى [جهة] بمينه، حتى يجاوز الحجر، فإذا جاوزه انفتل وجعل يساره إلى البيت ويمينه خارجه، ولو فعل هذا من الأول وترك استقبال الحجر جاز.
وهذا فيه نظر؛ فإنه يقتضي في الحالة الأولى: أن يمضي جزء من البيت في

الطواف، وليس هو على يساره، وستعرف أن كون البيت على يسار الطائف شرط فيه.
وعن ذلك احترز الإمام بجعله البدن الذي اشترطت محاذاته الحجر الشق الأيسر.
نعم: إن كان الشرط كون البيت على يسار الطائف من حين مجاوزة الحجر لا عند محاذاة الحجر - لم يبق [في] ذلك إشكال، وكلام أبي الطيب والبندنيجي وغيرهما السابق صريح فيه؛ ولأجله قال النواوي في "المناسك": وليس شيء من الطواف يجوز مع استقبال البيت إلا ما ذكرناه أولاً من أنه يمر في ابتداء الطواف على الحجر الأسود [مستقبلاً له، فيقع الاستقبال قبالة الحجر الأسود] لا غير، وذلك مستحب فى الطوفة الأولى لا غير.
قال: ولم يذكر جماعة من أصحابنا هذا الاستقبال، [وهو غير الاستقبال] المستحب عند لقاء الحجر قبل ابتداء الطواف، فإن ذلك مستحب، لا خلاف فيه، وسنة مستقلة.
وقد أفهم ما ذكرناه من تصوير المحاذاة بكل البدن أولاً: أنه يشترط في الإجزاء أن يجعل أول شقه الأيسر مقابلاً لما يلي الحجر من جهة الركن اليماني، ثم يمر عليه كذلك إلى أن يستكمل الطوفة، بل الشرط أن يكون جميع شقه الأيسر مقابلاً لجميع الحجر.
وكلام البندنيجي وغيره يقتضي أن الأول هو المجزئ لا غير، تفريعاً على الصحيح في اشتراط المحاذاة بكل البدن كل الحجر أو بعضه وهو الظاهر عندي؛ لأن كل جزء من أجزاء شقه الأيسر يكون قد حاذى جميع الحجر.
[وكذلك قال في "الوسيط": وينبغي لمن يبدئ الطواف أن يحاذي الحجر] بجميع بدنه؛ بحيث يمر جميع بدنه على جميع الحجر الأسود.
وأما إذا جعل جميع شقه الأيسر مقابلاً لجميع الحجر - أما مع البعد أو النحافة فهو محل الخلاف؛ لأن كل جزء من أجزاء بدنه [لا يكون] قد حاذى جميع

الحجر، وإنما حاذى جميعه منه الجزء الأخير الذي جعله من جهة الركن اليماني؛ [ولأجل ذلك قلت [آنفاً فيما] إذا حاذى ببعض شقه الأسر بعض البيت من جهة الركن اليماني]، وبباقيه الحجر: أنه يخرج على الخلاف، وعنيت بالخلاف: الخلاف الذي حكاه القاضي أبو الطيب وغيره فيما إذا حاذى ببعض بدنه بعض الحجر، والله أعلم.
فائدة: ما ذكرناه في محاذاة الحجر الأسود متعلق بالركن الذي فيه الحجر الأسود، وليس يتعلق بالحجر نفسه؛ فإنه لو نُحِّي والعياذ بالله [عن مكانه] وجبت محاذاة الركن؛ قاله القاضى أبو الطيب.
قلت: ويدل [عليه صحة] طواف الراكب.
ويظهر أن الذي يجب محاذاته من الركن الموضع الذي فيه الحجر، لا زائداً عليه.
قال: فإن لم يمكنه أي: التقبيل استلمه - أي: بيده، أو بمحجن وقبّله.
ووجهه: قوله صلى الله عليه وسلم "وما أمرتكم به، فأتوا منه ما استطعتم"، رواه البخاري ومسلم في ضمن حديث أبي هريرة.
وروى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن [أو بمحجنه].
وروى مسلم عن أبي الطفيل قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت على راحلته، يستلم الركن بمحجنه، ثم يقبِّله.

والمحجن يكسر الميم: عصا معوجة الرأس، تكون مع الراكب كالصولجان - يتناول بها ما يسقط منه، ويحرك بطرفها بعيره، للمشى.
وقد دل ظاهر الخبر على [أن] تقبيل ما يقع به الاستلام [يكون بعد الاستلام، وهو المنصوص الذي لم يذكر العراقيون غيره.
وقيل: إنه يكون قبل الاسلام]، وكأنه ينقل إليه القبلة.
وقيل: يتخير، وهو ما أبداه الإمام احتمالاً.
قال: فإن لم يمكنه - أي: الاستلام أشار إليه يده؛ لأنه قدر الاستطاعة، ولا يثير إلى القبلة بالفم؛ لأنه لم ينقل.
وقد استحب جماعة من العلماء الزحام على تقبيل الحجر: لأن ابن عمر – رضي الله عنه - كان يزاحم عليه.
وهو عندنا مكروه؛ لما روى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنك رجل قوي تؤذي [الضعيف]، فإذا أردت أن تستلم الحجر، فإن كان خالياً فاستلمه، وإلا فاستقبله، وكبّر".
والإشارة باليد هي المستحبة في حق النساء مطلقًا؛ روى عطاء أن امرأة طافت مع عائشة - رضي الله عنها - فلما جاءت الركن، قالت المرأة: يا أم المؤمنين، ألا تستلمين؟ فقالت عائشة: [وما للنساء واستلام الركن]، امض عنك".
نعم: لو أرادت [تقبيل الحجر] فعلت ذلك في الليل عند خلو المطاف.
قال: ثم يجعل البيت على يساره؛ ويطوف - أي: به - مستقبلاً بوجهه جهة الملتزم والباب وهكذا إلى أن يتم الطوفة بانتهائه إلى الموضع الذي بدأ منه

عند الحجر الأسود.
ووجهه [أنه] عليه السلام جعل البيت على يساره حين طاف، ومشى على يمينه فحمل ما أجمله الله تعالى بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] على بيانه صلى الله عليه وسلم؛ عملاً يقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]؛ وهذا من أركان الطواف على المشهور، فلو جعله عن يمينه، وطاف موجها وجهه إلى جهة الركن اليماني، وهكذا إلى أن أتى الموضع الذي بدأ منه - ويسمى: الطواف المنكس لم يعتد به؛ نص عليه الشافعي وأصحابه - رضي الله عنهم - موجهين له بقوله - عليه السلام-: "خذوا عني مناسككم".
ولأنه عبادة تفتقر إلى البيت؛ فوجب أن يكون الترتيب شرطاً فى صحتها كالصلاة.
وقد وافق على ذلك القاضي الحسين والفورانى، لكنهما جزما القول بأنه لو جعل البيت على يمينه، ورجع القهقرى، ومَرَّ على الباب إلى أن انتهى إلى المكان الذي بدأ منه، كره وأجزأه، وإليه يرشد قول الإمام - حكاية عن شيخه: إنه كان يقول: "لو استقبل القبلة بصدره، وكان يستدبر على الجهة المرسومة عرضاً، فللقفال تردد فيه.
وربما كان يقول: "إذا دار على الصوب مقابلة [أو مدابرة] أو على شق؛ حسب طوافه، وكره.
قال الإمام: والأصح الأول، ولا وجه لغيره عندي، وتبعه في التصحيح فيما إذا طاف منكساً الرافعي، وقال: إن عدم الصحة هو الموافق لعبارة الأكثرين، وأن القياس جريان هذا الخلاف فيما لو مَرَّ معترضاً مستدبراً.

قلت: وهو مقتضى كلام الإمام؛ ولأجله قال النواوي في "المناسك": إنه لا يصح.
وفي "الروضة": أن الصواب في هذه الصورة القطع بأنه لا يصح؛ لأنه معاند؛ لما ورد الشرع به.
وحكم جعل البيت على اليمين أو تلقاء وجهه في شيء من الطواف كالحكم في جعله كذلك في كله؛ فلا يعتد به، ولا بما بعده إلى أن يأتي به إلا ما ذكرناه في حالة ابتداء الطرفة الأولى؛ كما قاله النواوي، والله أعلم.
قال: فإذا بلغ الركن اليماني، استلمه؛ لما روى ابن عمر - رضي الله عنهما- قال: "لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين"، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وفي رواية مسلم الركن الأسود، والذي يليه".
وروى مسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "لم أر رسول الله [يستلم غير الركنين اليمانيين".
وروى عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم].
"ما مررت بهذا الركن إلاَّ وجبريل قائم عنده يستغفر لمن استلمه بحق".

قال: وقبل يده كما يفعل في استلام الحجر، وفي كيفية [تقبيل اليد] الخلاف السابق.
قال: ولا يقبله؛ لأنه لم ينقل، وخالف الركن الذي فيه الحجر حيث جمع فيه بين الاستلام والتقبيل؛ لأنه اجتمع فيه فضلان: كونه مبنيًّا على قواعد إبراهيم عليه السلام، وكونه فيه الحجر، وهذا [ليس فيه] "إلا" فضيلة واحدة، وهي كونه على قواعد إبراهيم عليه السلام؛ فلذلك شرع فيه الاستلام دون التقييل، ولما فقد الأمران في الركنين الباقيين؛ لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه استلمها، ولا قبلهما، كما ذكرناه من خبر ابن عمر.
وقد روي عنه أنه لما أخبر يقول عائشة: "إن الحجر بعضه من البيت فقال: "والله أتى لأظن عائشة إن كانت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم [لأظن رسول الله صلى الله عليه وسلم] لم يترك استلامها إلاَّ أنهما ليسا على قواعد [إبراهيم عليه السلام] ولا طاف الناس وراء الحجر إلا لذلك"، أخرجه أبو داود [أيضاً].
وأخرج البخاري ومسلم قول ابن عمر هذا بمعناه عن عائشة - رضي الله عنها- فى أثناء حديث عمارة البيت، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
تنبيه: الركن اليماني: مخفف الياء على المشهور؛ لأنه منسوب إلى اليمن، والألف بدل من إحدى يائي النسب؛ فلا تشدد كيلا يجمع بين البدل والمبدل.
وحكى سيبويه لغة قليلة: يمانى، بالتشديد.

وحكى ذلك عن رواية المبرد وغيره، وتبعهم الجوهري وصاحب المحكم وآخرون؛ وعلى هذا تكون الألف زائدة.
قال الشيخ رحمه الله: ويقول عند ابتداء الطواف أي: وهي حالة استلام الحجر: باسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم"؛ لأن عبد الله بن الساغب روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلذلك اختاره الشافعي، رضي الله عنه.
ومعنى قوله: "إيماناً بك، أي: أفعله للإيمان؛ فهو مفعول للإيمان.
وقوله: "ووفاء بعهدك": المراد به هنا: الميثاق الذي أخذه الله تعالى علينا بامتثال أمره، واجتناب نهيه.
ثم ما ذكرناه من الدعاء لا يتعين في تأدية هذه السنة؛ فإنه روى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال عند استلام الحجر الأسود: "باسم الله، والله أكبر الحمد لله على ما هدانا، لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، آمنت بالله، وكفرت بالطاغوت، وباللات والعزى، وما ادُّعِي دون الله، إن وليي الله الذي نزل الكتاب [بالحق] وهو يتولى الصالحين".
[و] الماوردي [قال هنا]: وما ذكر هنا من ذكر الله وتعظيمه فهو حسن.

وقال: إنه يستحب له إذا استلم الركن اليماني [أن يدعو عنده - أيضاً - لأنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "على الركن اليماني] ملكان [موكلان] يؤمنان على دعاء من يمر به وعلى الأمرد مالا يحصى".
قال: ويطوف سبعاً، أي: حول البيت، في المسجد في أرضه، أو فوق سطحه؛ كما قاله الماوردي؛ لأن سطحه [دونه] سطح البيت الآن.
وهذا يفهم [أنه] لو كان سطح المسجد أعلى من سطح الكعبة، لم يصح الطواف، وهو المحكي عن بعض الأصحاب، وأنكره عليه الرافعي، وقال: لا فرق بين علوه وانخفاضه.
ثم المراد بالمسجد ما كان في زمنه - عليه السلام - وما استجد فيه من بعده [وقد زيد فيه من بعده] صلى الله عليه وسلم زيادات كبيرة.
قال الأصحاب: والأفضل ألا يكون بينه وبين البيت حائل، وهو سقاية العباس وما يليها من البناء على زمزم وغيره، وأن يكون [بالقرب من البيت]؛ لأنه المقصود، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أقرب إليه من أصحابه، وهو الذي يفهمه كلام الشيخ السابق والآتي من بعد.
وكلام الغزالى فى "الوسيط" يفهم أنه من الواجبات؛ فإنه قال: "وواجبات الطواف ثمانية: الأول: شرائط الصلاة: من طهارة الحدث والخبث وستر العورة، والقرب من البيت [بدلٌ عن] الاستقبال".
لكنه قال بعد ذلك: إن القرب من البيت مستحب؛ كما صرح به غيره، لا واجب؛ ولأجله قال بعض الناس: إن في بعض النسخ: "والقرب من البيت بدلاً عن القبلة"، بفتج الباء من "القرب" ونصب بدلاً، وليس بصحيح، بل الصحيح رفع الباء ورفع

البدل، ويكون "القرب" مبتدأ و"بدل" خبره، ولا يجوز أن يكون معطوفاً على ما قبله؛ فإن القرب من البيت مستحب كما ذكرنا.
وهذا فيه نظر لا يخفى على متأمل، وأقرب من ذلك أن يقال: مراده بالقرب هاهنا: أن يكون في المسجد لا خارجاً؛ فإنه لوكان خارجاً عنه، لم يصح طوافه، كما صرح به القاضي [الحسين] والماوردي وغيرهما؛ [لأنَّا] لو جوزناه، لزمنا أن نجوزه خارج الحرم، ولا وجه له.
ولأنه حينئذ يكون طائفاً المسجد لا بالبيت.
وإذا كان كذلك، فالقرب نسبة وإضافة؛ فيحمل ما ذكره هنا على ما ذكرناه، وما ذكره [بعدُ من] استحباب القرب على ما إذا طاف في المسجد.
فإن قلت: قد عُدَّ من بعد من جملة واجبات الطواف الثمانية: أن يكون في المسجد، وذلك ينفى ما ذكرت.
قلت: لا؛ لأن الأول ذكره استطراداً لتتمة مقصوده، وما ذكره من بعد ذكره مقصوداً، وكثير من المصنفين من يفعل ذلك، ومنهم صاحب التنبيه رحمه الله.
[فائدة: قال الشافعي: وأكره أن يقول: طاف أشواطاً وأدواراً؛ لأن مجاهداً كرهه، ويقال: طوافاً، وطوافين؛ كما سماه الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]؛ كذا حكاه ابن الصباغ عن نصه في "الأم".
وقال القاضي الحسين: إنما كرهه؛ لأن الشوط في حقيقة اللغة: الهلاك؛ فكرهه لاسمه؛ كما كره اسم العقيقة؛ لما فيه من لفظ العقوق.
قال النواوي في "المناسك": لكن ثبت في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عباس تسميته بالطوفة: شوطاً؛ فالظاهر أنه لا كراهة فيه].
قال: [و] يرمل - أي بضم الميم - في الثلاثة الأول منها، ويمشي في

الأربعة الأخيرة، أي: وعليه السكينة [والوقار]؛ لما ذكرناه من خبر جابر وابن عمر عند الكلام في الابتداء بطواف القدوم.
قال الأصحاب: والسبع في الطواف كالركعات في الصلاة بالنسبة إلى عدم الاعتداد به دون استكمالها وإن أتى بالأكثر منها، لا في كل شيء لما ستعرفه، والحكم في ذلك في الطواف في العمرة كالحكم في طواف الحج، إذا وجد بشرطه؛ لرواية أبي داود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت ثلاثاً، ومشوا أربعاً.
وأخرجه ابن ماجه بنحوه.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الرمل يكون في جميع الطوفات الثلاث، وهو مقتضى حديث جابر وابن عمر، وبه جزم الماوردي، فقال: من السنة أن يرمل في ثلاثة أطواف، لا يفصل بينهما بوقوف إلاّ أن يقف عند استلام الركن؛ لرواية ابن جريج عن عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من سبعة أطواف: ثلاثة خبباً ليس بينهن شيء، ثم كذا أبو بكر عام حجه؛ إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عمر، ثم عثمان والخلفاء - رضي الله عنهم- كانوا يسعون كذلك.
وقد روى مسلم وغيره أن [ابن] عمر رمل من الحجر إلى الحجر، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وأخرجه مسلم ينحوه من حديث جابر فإن قيل: فقد روى أبو داود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطبع، فاستلم، فكبر، ثم رمل ثلاثة أطواف، كانوا إذا بلغوا الركن اليماني فتغيَّبُوا عن قريش، مشوا، ثم يطلعون عليهم، وهم يرملون، تقول قريش: "كأنهم الغزلان".
قال ابن عباس: "فكانت سنة".

وروى البخاري ومسلم عنه قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقد وهنتهم [حمى يثرب]، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتم الحمى، ولقوا منها شرًّا، فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوه، فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، فلما رأوهم رملوا، قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد منا".
قال ابن عباس: "ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم"، وهذا صريح في أن الرمل لا يكون في جميع الطوفة، فلم عدلتم عن هذا؟ قلنا: قد حكى الإمام عن بعض الأصحاب رواية ذلك قولاً، لكن المشهور الأول وهو الأصح في "النهاية" وغيرها وما رواه ابن عباس لا يعارض ما تقدم؛ لأن الرمل في جمح الأشواط كان في حجة الوداع، والمشي بين الركنين كان في عمرة الحديبية؛ لأنه صلى الله عليه وسلم شرط على المشركين في الصلح الذي وقع يينه وبينهم سنة ست من الهجرة حين صدوه عن البيت - أن يرجع إلى "مكة" في العام القابل لعمرة القضية، ويدعوا له مكة ثلاثة أيام، فرجع إليهم قي العام القابل [العمرة القضية] وفرغوا له مكة ثلاثة أيام، وأقاموا على رءوس الجبال؛ فكان لا يقع بصر المشركين عليهم إذا كانوا بين الركنين، ففعل ذلك؛ رفقاً بهم؛ لما كان بهم من المرض، وأمرهم بالتجلد في الجهات التي تقع [عليهم] فيها أعين المشركين حين جلسوا لهم.
[تنبيه] آخر: الرمل - بفتح الراء-: الخبب، وهو سرعة المشي هع تقارب الخُطا، ومنه سُمِّى خفيف الشعر: رملاً.
وقال الماوردي والقاضي الحسين: إنه دون شدة العدو، وهو متقارب.
قال النواوي في "المناسك": قال أصحابنا: ومن قال: إنه دون الخبب، فقد غلط.
قال الشافعي - رضي الله عنه - "ولا أحب أن يثب من الأرض".
وهو مشروع سنة في طواف القدوم؛ إذا تعقبه السعي، بلا خلاف؛ كما

أفهمه كلام الشيخ.
فلو وجد طواف القدوم مع السعي ولم يرمل فيه، وقصد أن يسعى عقيب طواف غيره، فهل يشرع فيه الرمل أم لا؟ فيه ما ذكرناه في الاضطباع.
وقال في "الذخائر": إن الفوراني حكى قولاً: أنه لا يشرع إلا في طواف القدوم، [وقد حكاه الإمام وقال: إنه يخرج [على] استحباب الرمل في طواف العمرة فإن الطواف فيها يقع ركناً، وكان يمكن أن يقال: فيه معنى القدوم].
والمذهب - كما قال مجلي- وهو الذي أورده العراقيون والماوردي: أنه مشروع في كل طواف يتعقبه سعي، ولا فرق في مشروعيته للطائف حيث يشرع - بين أن يكون ماشياً - كما قال الشيخ - أو راكبًا محمولاً، والراكب يحرك دابته موضع الرمل، والمحمول يرمل به حامله؛ نص عليه في موضع.
قال القاضي الحسين: وقد نص في موضع آخر [على] أنه لا يرمل به، وقد رواه ابن الصباغ عن رواية الشيخ أبي حامد عن القديم، وحكاه في "التهذيب" - أيضاً - فيما إذا طاف راكباً.
ووجهه الفوراني بأن فيه أذى للناس.
فرع: لو ترك الرمل في الثلاثة الأوَل حيث يشرع، فلا يستحب له أن يأتي به في الأربعة الأخيرة؛ نص عليه لأن المشي فيها سنة، وذلك يؤدي إلى تركها، ولا يشرع ترك سنة في عبادة؛ لأجل الإتيان بمثلها.
فإن قيل: قد تقدم أن القرب من البيت سنة في الطواف، ولو كان ثم زحام لا يمكن معه الرمل، ولم يرج زواله، فإنه يتأخر إلى حاشية الناس إذا أمكنه الرمل فيه؛ ليرمل، وذلك ترك سنة لأجل سنة.
قيل: الفرق بين ما نحن فيه وما تقدم: أن ثم السنتين في نفس العبادة، فلم يكن [لإحداهما مزية] ولا كذلك هنا؛ فإن القرب من البيت فضيلة في محل العبادة،

والرمل فضيلة في نفس العبادة، [وما كان في نفس العبادة] كان آكد من الذي في محلها؛ كما أن الصلاة بالجماعة في البيت أفضل منها منفرداً في المسجد؛ لأن فضيلة الجماعة فى نفس الصلاة.
نعم: قال الماوردي: لو كان إذا تأخر عن البيت، خالط النساء؛ لفعلهن ما هو الأفضل في حقهن، وهو الطواف آخر الناس قرب من البيت، وترك الرمل، لتعذره؛ فإن مخالطة النساء مكروهة.
ويستحب أن يشير بالرمل.
قال: وكلما حاذى الحجر الأسود، استلمه، وقبله، وكلما حاذى الركن اليماني، استلمه؛ لما روى أبو داود عن ابن عمر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة".
قال: وكان عبد الله بن عمر يفعله، وأخرجه النسائي وقد جاء في مسلم عنه أنه قال: "ما تركت استلام هذين الركنين - منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمها – في شدة ولا رخاء".
وإذا ثبت ذلك في الاستلام، قسنا عليه باقي ما ذكرناه من الأحكام في الابتداء.
قال: وفي كل وتر أحب، أي: إذا لم يتمكن من استلام الركن في كل طوفة؛ كما قاله: الماوردي، أو إذا لم يفعل ذلك في كل مرة؛ كما قاله ابن الصباغ، وأبو الطيب؛ لقوله - عليه السلام -: "إن الله وتر يحب الوتر".

ولأنه يصير مستلماً فى افتتاحه وخاتمته، ويكون أكثر عدداً.
وقد قيل: إن معنى قول الشيخ "وفي كل وتر أحب"، أنه في الأوتار آكد وأكثر استحباباً مع أنه مستحب في الجميع.
قال ابن الخل: لأنه عليه السلام كان لا يكاد يدع أن يستلم الركن اليماني في كل وتر من طوافه.
وإذا ثبت ذلك في الركن اليمانى، فركن الحجر أولى.
قال: ويقول في رمله كلما حاذى الحجر الأسود: "الله أكبر، الله أكبر، اللهم اجعله حجًّا مبرورًا"، أي: لا يخالطه معصية، مأخوذ من البر، وهو الطاعة.
وقيل: المبرور: المتقبل من البر، وهو اسم جامع للخير.
يقال: بررت فلاناً، أي: وصلته.
ويقال بَرَّ اللهُ حجه، وأبرَّه.
قال: "وذنباً مغفوراً، أي: اجعل ذنبي ذنباً مغفوراً) وسعياً مشكوراً، أي: اجعله عملاً متقبلاً يزكو لي ثوابه".
قال الأزهري: لأن مساعي الرجل أعماله، واحدتها: مسعاة.
وقال غيره: عملاً أشكر عليه، والله أعلم.
قال: ويقول في الأربعة: "رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم؛ إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم ربنا آتنا قي الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار".

قال ابن الخل: لأنه روى ذلك عنه صلى الله عليه وسلم.
وقد روي أنه قال: "واعف" بدل قوله: "وتجاوز عما تعلم"، وروي: "وأنت العلي الأعظم" بدل [قوله] "الأعز الأكرم".
قال: ليدعو بين ذلك بما أحب - أي: من أمر الدين والدنيا - رجاء الإجابة.
وقد روى أبو داود عن عبد الله بن السائب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين الركنين: " [اللهم] ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار".
قال الشافعى: - رضي الله عنه -: "وأستحب له أن يقرأ فى طوافه؛ فإنه بلغنا أن مجاهداً كان يُقرأ عليه القرآن في الطواف".
قال الأصحاب: وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "الطواف بالبيت صلاة"، وإذا كان صلاة، فأفضل الذكر في الصلاة وأعلاه القرآن.
لكن في "الحاوي" أن ذلك مخصوص بمن أراد أن يأتي بدعاء غير الدعاء المسنون فيه؛ فإن قراءة القرآن تكون أفضل منه، أما كونها أفضل من الدعاء المسنون فلا، بل هو أفضل منها؛ كما أن الدعاء [المسنون] في الركوع والسجود

أفضل من القراءة فيهما، وهو الذي قال النواوي [في المناسك]: إنه الأصح.
وحكي عن الحليمي من أصحابنا; أنه [لا يستحب القراءة في الطواف.
وعن الشيخ أبي محمد الجويني: [أنه] يحرص على أن يختم في أيام الموسم في طوافه ختمة].
قال: ولا ترمل المرأة، ولا تضطبع؛ لأن معناهما - وهو إظهار الجلد والقوة - لا يوجد في حقها مع كون ذلك يقدح في تسترها.
قال: وا لأفضل [أن يطوف] راجلاً - أي: إن كان يطيقه - حماية للناس عن الأذى بمركوبه، وتنزيهاً للمسجد عن دخول البهيمة إليه؛ فإنه لايأمن أن تلوثه.
ولأنه صلى الله عليه وسلم طاف في عمره كلها ماشياً، وهو يواظب على الأفضل.
قال: فإن طاف راكباً جاز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكباً، وكان يشير إلى الحجر بمحجن في يده؛ كما تقدم، وكان ذلك في حجة الوداع في طواف الإفاضة - كما قال الماوردي- لا غير، وهو يدل على الجواز؛ فإن هذه الحجة هي الني استكمل فيها تعليم أفعال الحج من فرض وواجب وسنة.
ثم فعله صلى الله عليه وسلم يدل - أيضاً - على أنه لا دم [على ذلك]؛ لأن الدم إنما [يجب] في حال النقص، وهو - عليه السلام - لا يؤثر لنفعه النقص، سيَّما عام حجة الوداع، وهذا ما أورده الجمهور.
ولا فرق في جواز الطواف راكباً بين أن يكون لعذر من مرض [أو لا: لأنه]، -عليه السلام - لم يطف راكباً لمرض؛ فإن جابراً قال: ربما ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليراه الناس، وليشرف عليهم؛ ليسألوه؛ فإن الناس غشوه" كذا رواه مسلم عنه في تتمة الحديث السابق.

قال الشافعي- رضي الله عنه - "ولا أعلمه في تلك الحجة اشتكى".
قال الماوردي: والإجماع على جوازه بغير عذر وإن كان أبو حنيفة ومالك يوجبان الدم إذا فعله بغير عذر.
ودليلنا ما ذكرناه.
ثم إذا جاز الطواف راكباً، فهل هو مكروه؟ قال الماوردي: إن كان بغير عذر، فنعم، وهو الذي أورده أبو الطيب وغيره؛ لأنه - عليه السلام - إنما فعل ذلك مرة واحدة؛ لأنه [أحب أن] يشرف على الناس؛ ليسألوه، وليس أحد في هذا الموضع مثله.
وإن كان لعذر من مرض أو زمانة، فالأولى أن يطوف محمولاً، ولا يطوف راكباً غير المعذور، وركوب الإبل أيسر حالاً من ركوب البغال والحمير.
وقال الإمام: إن في القلب من إدخال البهيمة المسجد شيئاً في حال عدم الأمن من التلويث.
نعم: لو أمكن التوثق من هذه الجهة فذاك، وإن لم يمكن فإدخال البهائم المسجد مكروه.
وقال في "الوسيط": لا بأس بالركوب لمن إذا ركب استُفتي.

وحيث يكره الطواف راكباً، يكره [الطواف] محمولاً، ومحل جوازه إذا لم ينو الحامل الطواف عن نفسه ولم يكن [عليه] طواف هو فرض أو واجب.
قال: وإن حمله محرم، ونوبا جميعاً - أي: نوى كل واحد منهما [الطواف عن نفسه - ووجد شرطه في كل واحد منهما] ففيه قولان: أحدهما: أن الطواف للحامل؛ لأنه الفاعل [له] فوقع عنه.
ولأن الحامل أصل، والمحمول تبع؛ [وهذا] هو الأظهر في "الشامل"، والأصح في تعليق أبي الطيب، وغيره.
والثاني: أنه للمحمول؛ لأن الحامل آلة له، فهو كالراكب؛ وهذا ما اختاره في "المرشد"، وصححه النواوي في "المناسك".
قال ابن يونس: وقيل: إنما يقع عن المحمول؛ إذا كان معذوراً.
والذي أورده أبو الطيب وغيره إجراء القولين، سواء كان المحمول بالغاً أو صغيراً، صحيحاً أو مريضاً.
ومن هنا يظهر لك: أنه [لا] يقع عن الحامل والمحمود جميعاً، وقد صرح به في "المهذب"؛ و"الشامل"، و"الحاوي"، و"النهاية"؛ لأن الفعل الواحد لا يقع عن

اثنين، وهذا بخلاف ما لو طافا على بهيمة؛ فإنه يصح طوافهما.
وبخلاف ما لو حمله في الوقوف؛ فإنه يجزئ عنهما؛ لأن الفعل ثم لا يشترط، بل المشروط الحصول فى الموقف، وقد وجد.
لكن [قد] قال الماوردي فيما إذا كان المحمول صغيراً غير مميز، ونوى الولي بالطواف نفسه والصبي، فهل يقع عنهما أو عن الحامل فقط؟ فيه وجهان، سنذكرهما، ويظهر جريانها هنا.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أموراً: أحدها: أنهما إذا لم ينويا جميعاً، بل نوى أحدهما؛ أن الطواف يكون له، بلا خلاف.
قلت: ويظهر أن يقال فيما إذا كانت النية ممكنة من كل واحد منهما: أن ذلك ينبني على [أن] نية الطواف هل تشترط أو لا؟ كما سيأتي، وقد صرح به في "الإبانة": فإن قلنا باشتراطها، فالأمر كما أفهمه كلام الشيخ، وإلا جاء القولان.
وكذا إذا كان المحمول صغيراً غير مميز، ولم ينو حامله.
الثاني: أن الحامل لو نوى الطواف عن المحمول، لم يجر القولان؛ ولأجل ذلك قال: النواوي في الصحيح؛ إن الحامل إذا نواه للمحمول، وقع عنه، وهذا صحيح إن كان هذا في طواف القدوم، أو في طواف متطوع به، أما إذا كان في طواف الفرض فلا؛ كما ستعرفه.

الثالث: أن محل الخلاف في طواف القدوم؛ لأنه الذي تكلم فيه، وليس هو مختصاً به، بل هو جار في الطواف الركن أيضاً؛ لأن الماوردي قال: لو طاف محمولاً وكل منهما [محرم] عليه طواف قد نواه عن نفسه ففيه قولان: أحدهما: أنه للحامل.
والثاني: أنه للمحمول.
وتوجيههما ما تقدم.
ويدل على ذلك - أيضاً - أن ابن الصباغ، والقاضي الحسين، وغيرهما قالوا: لو حمل الصبي الذي لا يتأتي عنه الطواف محلٌّ أو محرم [قد طاف] عن نفسه طواف الفرض - أجزأه يعنى: الصبي.
قال النواوي في "المناسك" و [هذا] سواء كان الحامل له وليَّه الذي أحرم عنه أو غيره، وإن حمله حامل [محرم] لم يطف عن نفسه، ففيه قولان: أحدهما: يقع عن الصبي؛ لأن الحامل بمنزلة البهيمة إذا طافت براكبها.
والثاني: أنه يقع [عن الحامل]؛ لأنه هو الطائف؛ فلا يقع عن غيره وعليه فرضه؛ وهذا [ما] صححه القاضي الحسين.

وقد نسب الماوردي الأول إلى النص في "المختصر الكبير".
وقال: إن القاضي أبا حامد حكاه في جامعه، والثاني إلى نصه في "الإملاء"، ووجهه بما ذكرناه، وزاد فيه: "كما لا يصح منه التطوع بالطواف أو الحج، وعليه فرضه"، لكنه خص محل القولين بما إذا كان الحامل الولي [ولم ينو] الطواف عن نفسه دون الصبى.
[وقال فيما إذا نواه عن نفسه دون الصبي]، أو لم ينو شيئاً: أنه يكون عن نفسه، وعليه أن يطوف بالصبي.
ولو نوى الطواف عن نفسه وعن الصبى، فيجزئه عن نفسه، وهل يجزئه عن الصبي؟ فيه وجهان، تخريجاً من القولين.
وكلام الإمام منطبق على ما قاله إلاَّ في كونه إذا نوى [عن] نفسه والصبي: أنه يقع عنهما على وجه؛ فإنه لم يذكره، وقد تبعه في "الوسيط".
وجعل الإمام [مأخذ الخلاف] في الأصل: أن تجديد نية الطواف لا تشترط؛ كما سنذكره، لكن صرفه بالنية هل يضر بنيته السابقة أم لا؟ قال: ووجه كونه يضر - ولعله الأصح، وربما كان يقطع يه شيخي: أنَّا إذا لم نشترط تجديد النية؛ اكتفاء بالنية الشاملة، فالنية اللاحقة مراغمة لها.
وقد ذكرنا في نظير ذلك في باب النية في الطهارة عند [ذكرنا:] عزوف النية، وقصد التبرد، والتنظف [كلاماً].
قال: فإن قلنا: صرف الطواف بالنية يقطع السابقة، لم يقع عن نفسه، ويقع عن المحمول المنوي له، وإلاَّ وقع عن الحامل، وإن شيخه كان يقول: إذا نوى [عن] الصبي، فلا يقع عن الصبي، وهل يقع عنه؟ فعلى قولين.
[قال:] وهذا خبط.

والذي ذكره العراقيون وغيرهم ما تقدم.
ولك آن تقول [في] الجواب عن الشيخ: [و] إن كلامه وإن كان في طواف القدوم، لكنه قد أحال الكلام في طواف الفرض عليه؛ لأنه لم يذكر حين ذكره صفته؛ فدلَّ على أن حكمهما واحد، إلا فيما وقع التنبيه عليه من الاضطباع والرمل.
الرابع- وهو الذي يفهمه كلام ابن الصباغ أيضاً؛ لأن عبارته في حكاية القولين كعبارة الشيخ-: أن محل الخلاف إذا حمله [محرمٌ، أما إذا حمله محلٌ] ونويا، فلا.
والذي يظهر أن يقال: إنه لا فرق؛ لأن الطواف يصح من غير المحرم - كما قاله القاضي الحسين وغيره عند الكلام في طواف الوداع - لأنه عبادة في نفسه، وإذا كان يصح منه، فلا فرق بينه وبين المحرم.
نعم: لو كان الخلاف مقصورًا على طواف الفرض، كان التقييد بالإحرام مقيداً؛ لأنه لا يتصور طواف الفرض إلاَّ من محرم.
ولقائل: أن يقول: لعل الشيخ إنما أشار بذلك للتنبيه على أن محل الخلاف في طواف الفرض؛ كما ذكرته، عن الماوردي من قبل، ويكون تعليل القولين ما ذكرته ابن الصباغ وغيره.
قيل: لو كان كذلك، لم يحتج إلى قوله: "ونويا جميعاً"؛ لأن طواف [الفرض] لا يفتقر إلى النية.
ولكان له أن يقول: إن الخلاف الآتي فيه بلا شك؛ فيكون المراد الخروج عن الخلاف.
قلت: ويجوز أن يكون قول الشيخ: "ونويا جميعاً" أراد به التشبه على مذهب الخصم [في هذه المسألة] وهو أبو حنيفة فإنه قال: إذا نويا جميعاً، "وقع الطواف" عنهما"، وهو عندنا لا يقع عنهما؛ كما لو فقدت النية منهما، وقد تقدم ذكره، وقد يقع عن واحد منهما، ومن هو؟ فيه القولان.
ويجوز أن يكون قوله: "ونويا جميعاً"، أي: نويا الطواف عن المحمول؛ فإن فيه قولين حكاهما الفورانى وغيره.

أحدهما: أنه يقع عن الحامل.
والثاني: [أنه] يقع عن المحمول، وهو الأصح.
وفيه قول ثالث: أنه يقع عنهما، حكاه النواوي في "المناسك"، وقال: إن الحامل إذا كان محرماً، لم يطف عن نفسه، وقصد بالطواف نفسه فقط، أو قصدهما، أو لم يقصد شيئاً - وقع عن الحامل، ولم يحك غيره.
قال: وإن طاف محدثاً أو نجساً أى: عليه نجاسة غير معفو عنها - أو مكشوف العورة، أو طاف على جدار الحجر- أى: حائطه – أو [على] شاذروان الكعبة-: لم يجزئ.
هذا الفصل ينظم مسائل: ومنها اشتراط الطهارة عن الحدث والخبث وستر العورة في الطواف، سواء فيه طواف القدوم، أو طواف الزيارة، أو طواف الوداع.
وقد حكى الإمام عن أبي يعقوب الأبيوردي من أصحابنا وجهاً: أنه يصح طواف القدوم من غير طهارة، ثم قال يجبر بدم وهو غلط.
والصحيح ما ذكره الشيخ، ووجه ذلك: ما روى طاووس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه النطق، فمن نطق فلا يطق إلا

بخير".
ووجه الدلالة منه من وجهين: أحدهما: أنه سماه: صلاة، وهو لا يضع الأسماء اللغوية، وإنما يكسبها أحكاماً شرعية، وإذا ثبت أنه في الشرع صلاة، لم يجز بدون طهارة الحدث والخبث [ولا] مع كشف العورة.
والثاني: أنه جعله صلاة، واستثنى من أحكامها الكلام، فلو كان الطواف صلاة في معنى دون معنى، لم يكن لاستثناء حكم واحد من جملة أحكامها معنى.
وقد ورد دليل آخر على اشتراط ستر العورة قيه، وهو ما رُوي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: كنت مع عليّ حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة إلى أهل مكة قال: فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننادي ألا يدخل الجنة إلا مؤمن، وألاَّ يحج بعد هذا العام مشرك، وألاَّ يطوف بالبيت عُريان.
والسبب في ذلك: أن الناس في الجاهلية كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويرون ذلك أفضل؛ ليكونوا كما خُلِقوا، وكانت المرأة تشد على فرجها سيوراً.
وقيل: كانوا يفعلون ذلك، ويقولون: لا نعبد ربنا فى ثياب عصيناه فيها، وقد سمى الله تعالى ذلك: فاحشة، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا﴾ [الأعراف: 28]، وإذا ثبت أن ذلك شرط كما فى الصلاة، ظهر منه أنه لا بد من طهارة البدن والثوب، وكذا المطاف؛ لأنه كموضع الصلاة.
لكن قد عمت البلوى بغلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير وغيره؛ فلأجل ذلك اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين - كما قال النواوي - في "المناسك" أنه يعفى عنها، وأنه ينبغي أن يقال: يعفى عمَّا يشق، الاحتراز عنه

من ذلك، كما عفي عن دم القمل والبراغيث والبق وونيم الذباب وهو روثه، وكما عفي عن الأثر الباقي بعد الاستجمار، والقليل من طين الشوارع الذي تيقَّنَّا نجاسته، وعن النجاسة التي لا يدركها الطرف في الماء والثوب على المذهب المختار.
[و] قال: وقد سئل الشيخ أبو زيد المروزي إمام أصحابنا الخراسانيين عن مسألة من هذا النحو، فقال بالعفو، وقال: الأمر إذا ضاق اتسع.
ولأن محل الطواف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - رضي الله عنهم- ومن بعدهم من سلف الأمة وخلفها، لم يزل على هذا الحال، ولم يمتنع أحد من الطواف لذلك، ولا ألزم النبي صلى الله عليه وسلم ولا من يقتدي به [من بعده] أحدًا بتطهير المطاف عن ذلك، ولا أمروه بإعادة الطواف لذلك.
وقد اندرج فيما ذكره الشيخ عدم صحة طواف النائم؛ لأنه محدث على الصحيح.
وقد قال الإمام: إن هذا يقرب [من] صرف الطواف إلى طلب غريم، ويجوز أن يقطع بوقوعه موقعه.

قال في "الروضة": قلت: الأصح صحة طوافه، والله أعلم.
فإن قلت: إذا كان الطواف بالبيت صلاة؛ فينبغي إذا أحدث في أثنائه أن يبطل، وكذا إذا سبقه الحدث على الجديد؛ كما في الصلاة.
قلت: الكلام في هذا يتوقف على معرفة أصل آخر مستقل بنفسه، وهو أن الموالاة في الطواف هل هي شرط فيه أم لا؟ [وفيه قولان] محكيان في طريق العراقيين من غير بناء على شىء.
أحدهما - وهو الجدبد، والصحيح لا؛ لأنه عادة لا يبطلها التفريق اليسير؛ فلم يبطلها التفريق الكثير، كالزكاة.
وإنما قلنا: لا ييطلها التفريق اليسير؛ لإجماعهم على إباحة جلوسه للاستراحة؛ وهذا القول هو الذي يفهم من كلام الشيخ حيث لم يتعرض لبطلانه عند فقد الموالاة كما تعرض لإبطاله عند فقد الطهارة وغيرها.
والثاني -وهو القديم-: أنها شرط؛ لأنها عبادة تتعلق بالبيت، فأبطلها التفريق كالصلاة.
وقد بنى المراوزة القولين هنا على القولين في الموالاة في الوضوء.
قال الإمام: وربما كان شيخي يجعل الطواف أولى بالموالاة، وليس يبين [لي] فرق به مبالاة.
ثم قال الإمام: والمرجع في التفريق الكثير واليسير إلى ما يغلب على الظن [الإضراب [به] عن الطواف وترك] الإضراب [عنه].

وقال غيره من أهل طريقه: إن محل القولين في أن التفريق الكثير مضر [أو لا]؟ إذا كان بغير عذر.
أما إذا حصل بعذر فطريقان؛ كما في الوضوء: أحدهما: القطع بأنه لا يضر.
والثاني: إجراء القولين [أيضاً].
فإذا عرفت ذلك، رجعنا إلى مسألتنا، فنقول: إن قلنا بالجديد - وهو أنه لا يضر فيه التفريق- كان الحكم فيما إذا أحدث [أو سبقه الحدث واحداً، وهو أنه يوضأ، ويبنى على طوافه من حيث أحدث] إن كان حدثه بعد انتهاء طوفته؛ بأن بلغ الحجر وإن كان قبل تمام طرفته، فوجهان في "الحاوي".
أحدهما: يبني من موضع خروجه - أيضاً - وهو الأصح.
والثاني: يستأنف الطوفة من ابتدائها ولا يبني على ما مضى منها؛ لأن التفريق بين أعداد الطوفات جائز؛ لأن لكل طوفة حكم نفسها، وليس كذلك الطوفة الواحدة.
وإن قلنا بالقديم: فإن أحدث استأنف الطواف كله بعد تجديد الطهارة.
وإن سبقه الحدث، فإن قلنا إن التفريق بالعذر لا يضر، كان الحكم كالحكم فيما إذا قلنا بالجديد.
وإن قلنا: إنه يضر، فإن قلنا: إن الصلاة لا تبطل بسبق الحدث، فالطواف أولى، وإلاَّ فقولان.
والفرق: أن الصلاة في حكم الخصلة الواحدة لا يتخللها الكلام والأفعال الكثيرة، بخلاف الطواف؛ كذا قاله المراوزة، وأبداه الشيخ أبو حامد احتمالاً.
ثم ما ذكرناه إذا طال الزمان قبل التطهر، أما إذا قصر؛ بحيث لا يعد تفريقاً في الطهارة، فإن كان في حال سبق الحدث، قال القاضي الحسين: توضأ وأتم طوافه.
وإن تعمد الحدث، فوجهان، وقيل: قولان، وهو الذي ذكره العراقيون: أحدهما: يبني - أيضاً - لأن هذا تفريق يسير، والتفريق اليسير - كما ذكرنا -

لا يقطع الموالاة.
والثاني: أن الزمان القصير صيَّره الحدث كالزمان الطويل من غير حدث، وهذا يعضده ما حكاه القاضي أبو حامد في جامعه: أن الشافعي - رضي الله عنه – قال: فإن قطعه بغير عذر، وزايل موضعه، وهو فى المسجد - استأنف؛ قياساً على الصلاة.
وقال الإمام: هذا الفعل يضاهي تخلل الردة في أثناء الطهارة مع قصر الزمان؛ فإن من أصحابنا من ألحق ذلك بالتفريق الطويل، ومنهم من قطع رباط الطهارة بها، ومنهم هن ألحقها بالتفريق اليسير.
وحكم الخارج [من طوافه لحاجة حكم الخارج منه بالحدث؛ قاله الماوردي.
وأما الخارج] منه [بالإغماء، فقد نص الشافعي - رضي الله عنه - في "الأم" على أنه إذا عاد، استأنف الوضوء والطواف، قريباً كان أو بعيداً.
والفرق بين ذلك وبين ما إذا خرج منه] بالحدث - وإن كان كل منهما مانعاً من الطواف - زوال تكليفه بالإغماء؛ فزال به حكم البناء، وبقي تكليفه هع الحدث فبقي حكم البناء.
ومنها: إذا طاف على جدار الحجر أو على شاذروان الكعبة، [لم يجزئه] والكلام على هذا مع من لم يره يتوقف على معرفة كيفية الحجر والشاذروان، فنقول - وإن طال [القول].
الحِجْر بكسر الحاء، وإسكان الجيم - محوط على صورة نصف دائرة فيما بين الركن الشامي والغربي، له بابان متقابلان في آخره، وأرضه مفروشة برخام، وهو مستوٍ بالشاذروان الذي تحت إزار الكعبة.
قال الأزرقي: وعرضه من جدار الكعبة الذي تحت الميزاب إلى جدار الحجر سبعة عشرة ذراعاً وثمانية أصابع، وذرع ما بين بابي الحجر عشرون ذراعاً، وعرضه اثنان وعشرون ذراعاً، وذرع جداره من داخله في الماء ذراع وأربعة عشر أصبعاً،

[وذرعه] مما يلي الباب الذي يلي المقام ذراع وعشرة أصابع، وذرع جداره الغربي في الماء ذراع وعشرون أصبعاً، وذرع جدار الحجر من خارج مما يلي الركن الشامي ذراع وستة عشر أصبعاً، وطوله من وسطه في السماء ذراعان، وثلاثة أصابع، وعرض الجدار ذراعان إلا أصبعين ومع [تدوير الحجر من داخله ثمانية وثلاثون ذراعاً، وذرع تدويره من خارج أربعون ذراعاً وستة أصابع وذرع] طوفة واحدة حول الكعبة والحجر مائة ذراع وثلاثة وعشرون ذراعاً واثنا عشر أصبعاً.
وقد اتفق أكثر الناس على أن بعض الحجر من البيت وبعضهم يقول: كله من البيت، ومنهم ابن عباس، وعمر، وابن عمر، رضي الله عنهم.
ويدل عليه ما رُوي عن عائشة – رضي الله عنها – [أنها] قالت: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه، فأخذ رسول لاله صلى الله عليه وسلم بيدي، وأدخلني الحجر، وقال: "صلى في الحجر إذا أردتِ دخول البيت؛ فإنما هو قطعة من البيت، لكن قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت"، وقوله- عليه السلام- " [فضرت بهم] النفقة" ليس [معناه]: أن مال قريش لم يتسع لبناء البيت، أو بخلوا به، ولكن كان للكعبة أموال طيبة من النذور والهدايا، فقالوا: لا ننفق على البيت من أموالنا التي جرى فيها الربا، ولكن ننفق [من] مال البيت فيه، فقصر ذلك المال.
وكان بناؤهم لذلك قبل البعثة بعشر سنين.
والقائلون بأن بعضه من البيت اختلفوا: فمنهم من قال: ذلك البعض ستة أذرع، وما زاد ليس من البيت، وهو الذي رأيته

في "النهاية"، وحكاه النواوي في "المناسك" عن كثيرين من أصحابنا.
وإن منهم من قال: إنه سبعة أذرع وبهذا المذهب قال الشيخ أبو محمد الجويني، وولده إمام الحرمين، والبغوي قال: وزعم الرافعي أنه الصحيح.
ومنهم من قال: إنه قرب من سبعة أذرع، وبه قال في "الحاوي".
وقد جاء في الحديث، أنه خمسة أذرع، ولم أر أحداً قال به غير أن كلام الإمام يمكن أخذه منه، فإنه قال: "إنهم أخرجوا من جانب البيت ستة أذرع من عرض البيت".
وإذا كان كذلك فالشاذروان يسقط من ذلك، ويبقى الباقي يداني خمسة أذبع.
نعم: حكى القاضي أبو الطيب أن الشافعي - رضي الله عنه - قال: أخبرني بعض أهل العلم من قريش أن الذي أخرج من الكعبة [إلى] الحجر خمسة أذرع.
وليس البيت الآن هو المبني في ذلك الوقت الذي أدركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو مثله إلا في طوله؛ فإنه كان ثمانية عشر ذراعاً، فزيد فيه تسعة أذرع؛ فصار سبعة وعشرين ذراعاً.
وسبب ذلك أن ابن الزبير لما خرج إلى مكة بعد أن أحرق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاه أهل الشام، قال: وأيها الناس أشيروا عليَّ في الكعبة أنقضها ثم أنشئ بناءها أو أصلح [ما] وَهَي منها؟ ". فقال ابن عباس: بأبي [أنت وأمي] [قد] فرق لي رأي فيها: أرى أن تصلح منها [ما وَهَى،] وتدع بيتاً [أسلم إلناس عليه، وأحجاراً]، أعلم الناس عليها، وبعث عليها النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال [ابن] الزبير: "لو كان أحدكم أحرق بيته ما رضي حتى يُجِدَّه؛ فكيف

بيت ريكم؟ إني مستخير ربي ثلاثاً، ثم عازم على أمري".
فلما مضى الثلاث أجمع أمره على أن ينقضها، فتحاماه الناس، ثم نقضوه حتى بلغوا به الأرض، وزاد فيه خمسة أذرع من الحجر حتى أبدى أساساً، فنظر الناس إليه فبنى عليه البناء، وألصق أرضه بالأرض، وجعل له بابًا شرقيًّ وباباً غربيًّا، وكان مستنده في ذلك ما رُوي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "لولا حدثان قومك بالشرك، لهدمت البيت، ولبنيته على قواعد إبراهيم، وألصقته بالأرض، وجعلت له بابين باباً شرقيًّا يدخل الناس منه، وبابا غربيًّا يخرج الناس منه".
فلما ظهر الحجاج على ابن الزبير وقتله، هدم البيت بالمنجنيق بأمر عبد الملك بن مروان وبناه هذه البنية التي هو عليها الآن.
وفي "الحاوي": أنه هدم زيادة ابن الزبير التي استطوف يها القواعد، وهو قول الأزرقي في تاريخ مكة، وأن الحجاج بناها على أساس قريش الذي كانت استقصرت عليه، وكبسها بما هدم منها، وسدّ الباب الذي في ظهرها، وترك سائرها لم يحرك منه شيئاً، وكل شيء فيها بناء ابن الزبير إلا الجدار الذي في الحجر؛ فإنه بناء الحجاج، وسد الباب الذي في ظهرها، وما تحت عتبة الباب الشرقي الذي يدخل منه، ثم همَّ عبد الملك لما صح عنده الخبر بهدمه وإعادته على الهيئة التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقل له: لا تفعل كي لا يصير ذلك [ملعبة للملوك].
وقد حكى القاضي أبو الطيب: أن الشافعي - رضي الله عنه - قال: "وأحب أن تترك الكعبة على حالها؛ لأن هدمها يذهب بحرمتها، ويصير كالتلاعب بها، فلا يريد إنسان ولي تغييرها إلا هدمها؛ فلذلك استحسنا تركها على ما هي عليه".
والشاذروان هو القدر الذي ترك من عرض الأساس خارجاً عن عرض الجدار مرتفعاً عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراع، والتارك له -كما قال النواوي؛ حكاية عن أصحابنا وغيرهم- قريش حين بنوا البيت، وضاقت بهم النفقة، وهو ظاهر في جوانب

البيت، لكن لا يظهر عند الحجر الأسود.
وكلام الإمام يقتضي أنه من الركن اليماني إلى الحجر؛ فإنه قال لما ضاقت بهم النفقة، أخرجوا من جانب الحجر ستة أذرع من [غير] عَرْصة البيت، وضيقوا عرض الجدار من الركن اليماني والحجر الأسود، وأخرجوا من أساس الجدار بعضه، وهو الذي يسمى: الشاذروان.
ولعل عدم ظهوره عند الحجر لأنه انمحق، أو [رأوا رفَعْه] لتهوين الإستلام وتيسيره، وقد سمى المزنى الشاذروان تأزير البيت، ومعناه: التأسيس.
وقيل تشبيهاً له بالإزار.
وعن ابن عباس: أنه سمَّاه: الحطيم؛ لأن البيت - شرفه الله تعالى - رفع، وترك [هو] محطوماً.
وقيل: لأن العرب كانت تطرح فيه ما طافت به [من] الثياب، فيبقى حتى يحطم بطول الزمان.
فإذا عرف ذلك [قلنا: إنما لم يصح طوافه على جدار الحجر: أما على قول من قال: إن كل الحجر من البيت فلأنه حينئذ] يكون طائفاً [في البيت] لأن الجدار في محاذاة الكعبة، والله –تعالى- يقول ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] وهذا طائف بالبيت الجديد.
وأما على قول من صار إلى أن بعضه من البيت؛ فلأنه في القدر الذي منه يكون

طائفاً بالكعبة، لا بها؛ فلم يصح؛ لما ذكرناه.
نعم: قال الإمام - تبعاً للقاضي الحسين إنه [لو] خلف من الحجر مقدار الأذرع الستة على رأيه، واستظهر، ثم اقتحم في طوافه الجدار وراء ذلك، وتخطى الحجر على هذا السمت اعتد بطوافه وإن كان ما جاء به مكروهاً.
وقال الرافعي: إنه الصحيح.
قال النواوي في "الروضة"، و"المناسك": والمذهب الصحيح الذي نص عليه الشافعي - رضي الله عنه - وبه قطع جماهير أصحابنا، وهو الصواب -: أنه لا يصح طوافه؛ لأن النبي طاف خارج الحجر، وهكذا الخلفاء الراقدون، وغيرهم من الصحابة، فمن بعدهم.
وقد روي في الصحيحين: أن الحجر من البيت.
وروي: ستة أذرع من الحجر من البيت.
وروي: ستة أذرع، أو نحوها من البيت.
وروي: خمسة أذرع.
وروي: قريباً من سبع.
وإذا اضطربت الروايات تعين الأخذ بأكثرها ليسقط الفرض بيقين؛ قاله ابن الصلاح.

قال النواوي: قلت: ولو سلم أن بعض الحجر ليس من البيت، لا يلزم منه ألا يجب الطواف خارج جميعه؛ لأن المعتمد في باب الحج الاقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيجب الطواف بجميعه، سواء كان من البيت، أو لا.
وإنما لم يصح طوافه على شاذروان الكعبة، لأنه طاف في البيت لا به؛ فلم يصح؛ لما ذكرناه.
نعم: لو كان جسده خارج البيت، وأدخل يده في هواء الشاذروان فالذي ذهب إليه الأكثرون: أنه لا يعتد بهذا الطواف أيضاً، فإن الشرط أن يكون جميع بدنه منفصلاً عن البيت.
قال الإمام: وذكر بعض أصحابنا وجها آخر بعيداً: أنه يعتد به.
وقد قال في "الوسيط" إنه الأظهر؛ لأنه يسمى: طائفاً بالبيت.
والأصح عند النواوي وغيره الأول.
قال [النواوي] في "المناسك": وينبغي أن نبينه هنا؛ لدقيقة وهي أن من قبل الحجر، فرأسه في حال التقبيل في جزء من البيت؛ فيلزمه أن يقر قدميه في موضعهما حتى يفرغ من التقييل، ويعتدل قائماً؛ لأنه لو زالت قدماه عن موضعهما إلى جهة الباب قليلاً - ولو قدر بعض شبر - في حال تقبيله، ثم لما فرغ من التقبيل اعتدل عليهما في الموضح الذي زالتا إليه، ومضبى من هناك في طوافه - لكان قد قطع جزءاً من مطافه ويده في هواء الشاذروان؛ فتبطل طوفته تلك.
تنبيه: كلام الإمام يقتضي أمرين: أحدهما: أن الطواف داخل البيت أو على ظهره لا يجزئ؛ لأنه إذا لم يجزئ على الشاذروان؛ لما ذكرناه، فداخل البيت، وعلى ظهره من طريق الأولى، وقد صرح به الأصحاب.
الثاني: أنه لو طاف خارج المسجد لا يجزئ أيضاً.
لأنه حينئذ [يكون] طائفاً بالمسجد لا بالبيت، وقد صرح به الأصحاب؛ كما حكينا، من قبل.

نعم: لو وسع المسجد، فحيث طاف فيه أجزأه والأكمل ما ذكرناه من قبل.
وقد كان المسجد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصغر مما هو عليه الآن فاشترى عمر دوراً، وزادها فيه، واتخذ للمسجد جداراً قصيراً دون القامة، وهو أول من اتخذ جداراً للمسجد الحرام، ثم وسَّعه عثمان كذلك، واتخذ الأروقة، وكان أول من اتخذها للمسجد الحرام.
وقيل: أول من اتخذها عبد الله بن الزبير في خلافته، ثم وسعه الوليد بن عبد الملك ثم المنصور، ثم المهدي، وعليه استقر بناؤه إلى وقتنا هذا؛ قاله في "الروضة".
قال: وإن طاف من غير نية، أي: تخصه - فقد قيل: يصح؛ لأن نية الحج تأتي عليه؛ كما تأتي على الوقوف؛ وهذا ما صححه النواوي، وجزم به الإمام عند الكلام [في الطواف بالصبي، وكذا ابن الصباغ عند الكلام] فيما إذا [طاف للوداع، ولم يكن قد] طاف طواف الزيارة.
وقيل: لا يصح؛ لأنه عبادة تفتقر إلى السير، فافتقرت إلى النية؛ كركعتي المقام؛ وهذا ما اختاره في "المرشد".
وحكى في "الوسيط" وجهاً ثالثاً: أنه يجزئ إلا إذا صرفه إلى طلب غريم، أو

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل