كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 356-395
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأقضية

صفحات 356-395
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وقال ابن الصباغ في كتاب الصلح: إنه ظاهر كلام الشافعي، وأشار بذلك إلى قول الشافعي في "المختصر": "وقسمته بينهما إن شاءا: إن كان عرصته ذراعاً، أعطيته شبراً في طول الجدار، ثم قلت له: إن شئت أن تزيد من عرصة دارك أو بيتك شبراً آخر، ليكون لك جدار خالص- ذلك لك".
ويخالف ما فيه رد؛ لأن دخول العوض يجعلها بيعاً، ولا يجبر على البيع.
وقول الشافعي: "ثم قلت له: إن شئت أن تزيد على عرصة دارك أو بيتك شبراً .. " إلى آخره- لم يقله مشورة- كما عابه من جهل معنى كلامه- وإنما قاله ليبين أن كل واحد منهما قد ينتفع بما [قد] صار إليه، ثم ذكر وجه المنفعة بأن يضم إلى العرصة شبراً؛ ليصير جداراً كاملاً.
وعلى هذا القول [فرعان:].
أحدهما: أنه لا يحتاج إلى القرعة، بل يجعل لكل واحد منهما ما يلي [ملكه] جداراً مما قاله القائل الثاني، وهذا ما أورده البندنيجي، وابن الصباغ، ووجهه الماوردي: بأن القرعة إنما تدخل في القسمة؛ لتميز ما أشبه الانتفاع به، والأنفع لكل واحد منهما، والأنفع هنا: أن يأخذ كل واحد ما يلي ملكه، فلم يكن لدخول القرعة وجه، وإنما نسب بعضهم هذا إلى صاحب "التقريب".
والثاني: لو طلب أحدهما أن يقسم طولاً في [كمال] العرض، وطلب الآخر أن يقسم عرضاً في كمال الطول- لم يجبر واحد منهما، بل يتركان إلى أن يصطلحا، كذا قاله ابن يونس، وابن شداد.
وفيما وقفت عليه من "الشامل": أنها تقسم عرضاً في كمال الطول، ويجعل لكل واحد مما يلي ملكه، بخلاف ما إذا قلنا: لا يجبر على قسمتها عرضاً في كمال الطول [فإنها تقسم- والحالة هذه- طولاً في كمال العرض.
قال: وإن كان بينهما حائط، أي: وعرصة لهم، فطلب أحدهما أن يقسم عرضاً في كمال الطول]، وامتنع الآخر- لم يجبر، واختلف في تعليله:

فقيل: لأنا لو أجبرنا لأقرعنا، والقرعة ربما تعين الشقص الذي يلي دار زيد لعمرو، وبالعكس؛ فلا يتمكن واحد منهما من الانتفاع بما صار له، وهذه علة من منع الإجبار على القسمة عند عدم الإقراع.
وقيل: لأنه لا يتأتى فيه فصل محقق؛ لأن ذلك إتلاف، وغايته رسم خط بين الشقصين ومع ذلك فإذا بنى أحدهما على ما صار له تعدي الثقل والتحامل إلى الشق الآخر؛ فيكون منتفعاً بنصيب شريكه.
وضعف الإمام هذه العلة بأن هذه القسمة جائزة بالتراضي؛ كما سنذكره؛ وذلك يدل على أن رسم الخط كاف في القسمة والمفاصلة.
وعن صاحب "التقريب" وجه: أنه يجاب الطالب، ويجبر الممتنع، لكن [لا] يقرع، بل يخص كل واحد بما يليه، ولا خلاف في جواز هذه القسمة بالتراضي، لكن كيف يقسم؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي: أحدهما: يعلم بعلامة، وبخط يرسم.
والثاني: يشق، وينشر بالمنشار.
قال القاضي الحسين وغيره، ولو طلبا من الحاكم القسمة بهذا النوع، لم يجبهما إلى [ذلك؛ كما] ذكره العراقيون؛ لأن شق الجدار في الطول إتلاف له وتضييع، ولكنهما يباشران القسمة بأنفسهما إن شاءا؛ كما لو هدماه، واقتسما النقض.
[فإن قلت]: لم [لا] خرج جواز القسمة في هذه الحالة على أن القسمة بيع أو إفراز، فإن قلنا: إنها بيع، فينبغي ألا تصح؛ لن بيع ما تنقص قيمته بقطعه لا يجوز؟ قلت: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الأصحاب قالوا ثم: إن المانع من صحة البيع عدم القدرة على التسليم، إلا بتنقيص غير المبيع، ولا شيء غير المبيع تنقصه هذه القسمة هنا.
الثاني: أن القسمة إنما تقع بعد التمييز بالسبق ونحوه، فلم تكن القسمة إذا وقعت مقتضية للتنقيص.

ووزان ذلك: أن يقطع ذراعاً من ثوب تنقص قيمته بالقطع، ثم يبيعه؛ فإنه يصح وجهاً واحداً.
على أن صاحب "الحلية" جزم القول بمنع قسمته عرضاً في كمال الطول بالتراضي- أيضاً- من غير بناء على أن القسمة بيع أو إفراز، ووجهه بأن ما يصير إلى كل واحد منهما من نصف العرض مضر به وبصاحبه؛ لأنه إن أراد هدمه لم يقدر عليه إلا بهدم ما لشريكه [أو شيء منه، وإن أراد وضع شيء عليه وقع الثقل على ما لشريكه] فأضر به.
ثم قال: لو تراضيا بهدمه في الحال واقتسام آلته، جاز، والمنع من قسمته بناء قائماً وتحديد ما لكل واحد منهما متصلاً.
وقد سلك الفوراني في حالة التراضي طريقاً آخر، فقال: إن اقتسماه بالقرعة، لم يجز، وإن لم يكن بالقرعة فعلى وجهين.
قلت: وهذا منه يدل على أنهما إذا تقاسما بأنفسهما تلزم القسمة بنفس إخراج القرعة؛ كما ذكره الشيخ من قبل.
قال: وإن طلب أحدهما [أن يقسم] طولا في كمال العرض، وامتنع الآخر- فقد [قيل]: لا يجبر؛ لما ذكرناه من علة القول الثاني في مسألة العرصة؛ كذا قاله ابن الصباغ.
ووجهه الماوردي بأنه قد لا يقدر على هدم النصف الذي صار إليه إلا بهدم شيء من نصيب صاحبه؛ فصارت ضرراً عليهما؛ وهذا [هو] ظاهر قول أبي إسحاق وبه جزم في "الوجيز".
وقال الرافعي: إنه أشبه الوجهين، والنواوي والمستظهري قالا: إنه أصحهما.
وقيل: يجبر، [وهو الأصح]، وكذا قال في "المهذب" تبعاً للبندنيجي،

وتبعهما مجلي؛ لإمكان قسمته على وجه ينتفعان به، والضرر فيه يسير؛ فأشبه العرصة، وهذا قول ابن أبي هريرة.
وعلى هذا: إن كان القطع يضر بالحائط، لم يقطع، بل يجعل بينهما علامة.
وإن كان القطع لا يضر به، قطع بمنشار إن كان بالطين واللبن؛ كالثوب إذا كان قطعه لا يضر.
ولا خلاف في جواز هذه القسمة بالتراضي؛ صرح به الماوردي وغيره.
أما إذا لم يكن لهما إلا حائط دون العرصة؛ كما إذا كانت أرضه محتكرة، ففي "الحاوي": أنه لا يجوز قسمته جبراً؛ لأن البناء لا يعلم ما فيه- ليتساويا في الاقتسام به- إلا بعد هدمه، وفي هدمه ضرر؛ فلم يدخله إجبار، فإن اصطلحا عليه جاز.
قال: وإن كان بين رجلين منافع، أي: كعين لا تقبل القسمة: كالعبد، والدابة، والدار اللطيفة؛ أو تقبلها كما في الدار الفيحاء ذات البيوت والأرض، ولكنها مستأجرة لهما، أو موصى لهما بمنافعها.
قال: وأرادا قسمتها بينهما بالمهايأة- أي: بأن تجعل العين في يد أحدهما يوماً، أو أسبوعاً، أو شهراً، أو سنة، ثم في يد الآخر مثل [تلك المدة]- جاز؛ لأن المنافع كالأعيان، وقد رضي المتأخر منهما بتأخير حقه؛ فلا يعترض عليه، وهذا بخلاف ما لو كان بينهما بقرة حلوب، فأرادا المهايأة في لبنها، لم يجز؛ لأن اللبن ربوي، وهو مجهول؛ قاله القاضي الحسين والبغوي، وهذه القسمة يجوزأن يعين فيها من يستوفي المنافع أولاً، ويجوز ألا يعين ويقرع بينهما؛ كما ذكر في "التهذيب".
وإذا تهايآ فالنفقة المعتادة على العين إذا احتيج إليها كالنفقة على البهيمة، والعبد على مستوفي المنفعة في مدته؛ قاله في "المهذب"، و"التهذيب"، وغيرهما.
والمؤن النادرة: كزكاة الفطر، والفصد، والحجامة- على من تكون؟ حكمها حكم الأكساب النادرة: كالوصية، والهبة، ووجدان الركاز في زمن المهايأة، ولمن تكون؟ فيها قولان:

أحدهما: لمن وقعت في نوبته، وهو الأصح في "الكافي"، والأظهر في "الرافعي"؛ فعلى هذا تكون المؤن النادرة عليه.
والثاني- وهو المختار في "المرشد"-: تكون بينهما؛ وعلى هذا لا تحسب المدة التي اكتسب فيها ذلك من مدة من هو في يده؛ كما نقله ابن شداد عن "البيان"، وتكون المؤن النادرة عليهما.
قلت: وكذلك المعتادة في زمن تحصيل ذلك، والله أعلم.
وقد تقدم ذكر القولين في باب اللقطة.
قال الرافعي هاهنا: وينبغي أن ينظر في الكسوة إلى قدر النوبة حتى تبقى على الاشتراك إن جرت المهايأة مياومة.
فرع: إذا استوفى أحدهما نوبته، ورجع عن المهايأة، فقد أطلق القاضي احلسين هاهنا القول بأنه لا ينفعه الرجوع حتى لو اتفقا على المهايأة، لزمت؛ لأنها نوع قسمة، والقسمة تلزم بالتراضي.
وجزم في "الذخائر" بجواز الرجوع بعد التراضي بها، وحكى وجهين في جواز رجوعه بعد استيفاء نوبته.
والرافعي جزم بجواز الرجوع في أثناء نوبته، وحكى الوجهين في الجواز بعد استيفائها، وهما في "النهاية" مفرعان على القول بعدم الإجبار على المهايأة ابتداء؛ كما هو المذهب، وقال: إن أقيسهما جواز الرجوع.
وقد بناهما البغوي هاهنا، وكذا القاضي الحسين في كتاب الصلح- كما أظنه- على أن أحدهما لو امتنع منها ابتداء، هل يجبر عليها أم لا؟ وفيه خلاف سنذكره.
فإن قلنا: لا يجبر، كان له أن يرجع، ويغرم نصف أجرة مثل ما استوفاه، وإلا فلا يرجع، ويستوفي الآخر مدته.
وقضية هذا البناء: ألا يفرق بين ما قبل الاستيفاء وما بعده.
وقد بنى البغوي على الخلاف- أيضاً- ما إذا جاءت النوبة لأحدهما، فامتنع من استيفائها، فإن قلنا بالإجبار فلا شيء على الآخر؛ لأنه المضيع لحقه، وإلا كان له الامتناع، وطلب نصف أجرة المثل.
قلت: وينبغي أن يجب عليه نصف المؤنة.
قال: وإن أراد أحدهما ذلك، وامتنع الآخر، لم يجبر الممتنع؛ لأن حق كل

واحد منهما معجل؛ فلا يجبر على تأخيره بالمهايأة؛ وهذه العلة شاملة لكون الأصل في ملكهما وكونه في غير ملكهما.
وعلل ابن الصباغ المنع في حالة كون الأصل [في] ملكهما وكونه في غير ملكهما: بأنه إذا كان الأصل مشاعاً فالمنفعة تابعة، ولا يصح أن ينفرد ببعض المنفعة مع الاشتراك في الأصل إلا على سبيل المعاوضة، وهي غير واجبة.
وعلله القاضي الحسين في "فتاويه" في كتاب الإجارة، في حالة عدم ملكهما الأصل بعلة أخرى مع العلة الأولى، وهي أن الرقبة ليست مملوكة لهما.
قال في "المهذب": ومن أصحابنا من قال: إنه يجبر على المهايأة كما يجبر على قسمة الأعيان.
وقد حكى القاضي الحسين والإمام ذلك عن ابن سريج؛ وعلى هذا فالمبدوء به من خرجت له القرعة.
قال الرافعي: ويجوز أن يكون الحكم في قدر النوبة كذلك.
والصحيح المنصوص عليه: الأول، وبه جزم ابن الصباغ، ثم قال: ويخالف قسمة الأصل؛ لأنه إفراز للنصيبين، وتمييز للحقين.
والشيخ فرق بأنه ليس في قسمة الأصل تأخير واحد منهما عن حقه، بخلاف ما نحن فيه.
وقد يظهر من الفرقين تخريج خلاف فيما لو كانت الدار المستأجرة لهما- أو الموصى لهما بمنفعتها، وقد تنازعا في المهايأة- ذات بيتين متساويين في الصورة والمنفعة، فأراد أحدهما أن يكون له منفعة [هذا] البيت الآخر [والآخر منفعة البيت الآخر]، وامتنع شريكه: فإنا إذا نظرنا إلى ما علل به ابن الصباغ [المنع] في المسألة السابقة، وجدناه موجوداً في هذه الصورة مع قيام الفرق الذي ذكره أيضاً، وقضيته: عدم الإجبار هنا، وهو ما اختاره في "المرشد".
وإن نظرنا إلى ما علل به الشيخ، وجدناه مفقوداً فيها مع انعدام الفرق الذي أبداه، وقضية ذلك: الإجبار، كالأعيان.

وقد صرح القاضي الحسين في "فتاويه" بحكاية وجهين في هذه الصورة، وهي ما إذا استأجر أرضاً للزراعة، وأراد المهايأة فيها بأن يكون لكل واحد قطعة منها، وهي مستوية؛ بناء على أن مأخذ [المنع السابق] تأخير حق الأحق، وكون الرقبة ليست مملوكة لهما، فإن قلنا بالأول أجبرنا هنا، وإلا فلا.
فإن قيل: قضية كلامه الجزم بالإجبار في مثل هذه الصورة إذا كانت الدار أو الأرض لهما.
قلت: قد قدمت أن محل الكلام في الإجبار على المهايأة إذا كانت الدار لا تقبل القسمة؛ كما صوره البغوي، والغزالي، وصاحب "الكافي"، ومجلي، وأشار إليه القاضي أيضاً، والإمام، أما إذا [كانت] تقبلها، فلا إجبار على المهايأة بحال؛ كما قاله الرافعي، وابن شداد.
وإذا كانت الصورة كما فرضنا فهي قابلة للقسمة؛ فلا إجبار جزماً، وهو قضية كلام ابن الصباغ في الصورة الأولى، والله أعلم.
ثم على المذهب الصحيح: إذا دام تنازعهما، وأهملوا الملك، فماذا يصنع به؟ قال مجلي من أصحابنا: يتركوا إلى أن يصطلحوا.
وقيل: إنه يباع الثمن.
قال الإمام: وهذا لا أصل له، ولا أعده من المذهب، وإنما هو قول بعض السلف.
وقال في "التهذيب": المذهب أنه لا يباع عليهما؛ لأنهما مكلفان مطلقان، بل يؤجر عليهما، وتصرف الأجرة إليهما.
وهذا ما صححه ابن كج، وصاحب "الكافي"، وبه يحصل في المسألة ثلاثة أوجه.
ولو تركوا التنازع، قال الإمام: تركناهم.
فرع: لو كان بينهما دين وأرادا قسمته، قال في "الحاوي": إن كان على غريم

واحد، فقسمته فسخ الشركة فيه، فإذا فسخت انقسم الدين في ذمة الغريم، وصار لكل واحد منهما قدر حقه منه، ويجوز أن ينفرد باقتضائه وقبضه.
ولو لم تفسخ الشركة لم يجز لأحدهما أن ينفرد باقتضائه وقبضه منه، و [كان ما] يقبضه مشتركاً بينهما إن قبضه من غير إذن شريكه، وإن أذن له في قبض حصته منه جاز، وكان إذنه فسخاً للشركة.
ولا وجه لمن خرجه على القولين في المكاتب إذا أدى إلى أحد الشريكين مال كتابته بإذن شريكه، أنه على قولين، [و] الفرق بينهما: ثبوت الحجر على المكاتب، وعدمه في الغريم.
والفوراني حكى وجهين في جواز انفراد أحدهما بما أخذ مع الإذن.
فإن كان الدين على جماعة، قال الماوردي: فلا يجبر واحد منهما على انحصار حقه على شخص من الغرماء؛ لأن الغرماء يتفاضلون في الذمة واليسار، وفي جواز قسمته اختياراً قولان، أصحهما عند أبي الفرج السرخسي: المنع، وبناهما الماوردي على أن القسمة بيع أو إفراز: فإن قلنا: إفراز، جازت، وإلا فلا؛ إذ بيع الدين بالدين لا يجوز.
وقد حكى الرافعي طريقة قاطعة بالمنع، وهي التي أوردها الفوراني، وصاحب "العدة"، وصححها الرافعي، وقال: إنا إذا قلنا: القسمة بيع، فظاهر، وأما إذا قلنا: إنها إفراز، فإفراز ما في الذمة ممتنع إلا بقبضه.
قال [في] "الحاوي" و"البحر": وطريق صحتها على قول المنع: أن يحيل كل واحد منهما لأصحابه بحقه على الغريم الذي لم يختره، ويحيله الآخر [بحقه] على الغريم الذي اختاره؛ فيتعين ذلك بالحوالة دون القسمة.
قال: ومتى أراد القاسم أن يقسم عدل السهام: إما بالقيمة إن كانت مختلفة، أي: مثل أن تكون الأرض بين ثلاثة أثلاثاً، وذرعها ستة أجربة، قيمة جريب منها عشرون؛ لإمكان سقيه بالسيح، وقيمة جريبين عشرون؛ لبعدهما عن السقي

بالسيح، وقيمة باقيها عشرون؛ لزيادة البعد- فيجعل الجريب الأول سهماً، والجريب الثاني والثالث سهماً، والثلاثة الباقية سهماً؛ لأن ذلك هو العدل، وهذا إذا لم [تمكن] التسوية بين الشركاء في الجيد والمتوسط والرديء، كما تقدم.
قال: أو بالأجزاء إن كانت غير مختلفة، أي: مثل أن كانت الأرض متساوية القيمة في مسألتنا؛ فتجعل ثلاثة أجزاء، كل جزء جريبان، وكذا لو كانت منقسمة إلى الرديء، والجيد، والمتوسط، والجيد في أولها، والمتوسط في وسطها، والرديء في آخرها، وإذا قسمت أثلاثاً صار لكل واحد منهم من الجيد والمتوسط الرديء مثل ما صار للآخرين، فهذه أيضاً تقسم بالأجزاء.
قال: أو بالرد؛ إن كانت القسمة تقتضي الرد، أي: كثلاثة أعبد بين ثلاثة، قيمة واحد منهم أربعمائة، وآخر خمسمائة، وآخر ستمائة- فيجعل الذي قيمته خمسمائة سهماً، والذي قيمته أربعمائة [مع مائة] تؤخذ ممن يقع الذي قيمته ستمائة له سهماً، والآخر سهماً.
قال الأصحاب: ويعين القاسم: أن هذا الأول، وهذا الثاني، وهذا الثالث، والخيرة إليه؛ [كما] صرح به الإمام، وله أن يجعل الابتداء في الأراضي والدور ونحوها من أي جهة شاء.
قال: فإن كانت الأنصباء متساوية: كالأرض بين ثلاثة [أنفس] أثلاثاً، أقرع بينهم.
[و] الأصل في الإقراع: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44]، وقوله تعالى في يونس صلى الله عليه وسلم: ﴿فَسَاهَمَ﴾ [الصافات: 141]. قال: فإن [شاء] كتب أسماء الملاك في رقاع متساوية- أي: يكتب في كل رقعة اسم رجل منهم- وجعلها في بنادق من طين- أي: أو شمع- متساوية؛

لأنها لو اختلفت في القدر لكانت البندقة الكبيرة تخرج، وتسبق إلى اليد، وفي ذلك ترجيح لصاحبها.
لكن هذه التسوية من طريق الوجوب، أو الاحتياط؟ فيه تردد للشيخ أبي محمد، ورأى الإمام الأولى منه الثاني.
قال: ويجعلها في حجر رجل لم يحضر ذلك، أي: الكتابة والبندقة؛ ليخرج على السهام؛ لأنه إذا فعل ذلك رجع الخروج إلى الوفاق المحض من غير تحيل قصد في الإخراج.
قال الماوردي والإمام وغيرهما: وتوضع البنادق في الحجر مغطاة بعد تجفيفها.
وهذا في "تعليق" القاضي أبي الطيب في كتاب العتق معزي إلى النص.
قال الأصحاب: ويقول القاسم للمخرج: أخرج بندقة [على السهم الأول]، فإذا أخرجها كسرت، ومن كان اسمه فيها تعين حقه فيه، [ثم يقول له: أخرج بندقة على السهم الثاني، فإذا أخرجها كسرت ومن كان اسمه فيها تعين حقه فيه]، وتعين السهم الثالث للشريك الثالث، ولا يحتاج إلى إخراج البندقة الثالثة.
قال: وإن شاء كتب السهام- أي: في الرقاع- فيكتب في رقعة: السهم الأول، وفي رقعة: السهم الثاني، وفي رقعة: السهم الثالث.
قال: ليخرجها على الأسماء، أي: يقال له: أعط كل شخص بندقة، وإذا أعطاه كان له من السهام المكتوب فيها.
وعلى هذا المثال يفعل فيما قل من العدد أو كثر؛ وهذا ما أورده العراقيون، وهو على وجه الاحتياط.
فإن لم يحتط في القرعة بما ذكرناه، واقتصر على أن أقرع بينهم بحصاة أو أقلام- جاز؛ حكى الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "قَسَّمَ غَنَائِمَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى خَمْسَةِ أَجْزَاء، وَأَقْرَعَ بِالنَّوَى".

وقال الماوردي في كتاب العتق: إنه متى أخل بشيء مما نص عليه الشافعي [من] الأشياء الخمسة، وهي المذكورة في الكتاب- فقد أساء.
قال: وإن كانت الأنصباء مختلفة، مثل: أن يكون لواحد السدس، وللثاني الثلث، وللثالث النصف- قسمها على أقل الأجزاء، وهي ستة أسهم؛ لاشتمال الأكثر [على الأقل؛ فيمكن إعطاؤه، بخلاف ما لو قسم على الأكثر] من الأجزاء؛ فإنه لا يمكن أن يعطي الأقل.
قال أبو إسحاق المروزي: ولو كان فيهم من له سدس وربع، قسمها على اثني عشر، ولو كان فيهم من له سدس وثمن، قسمها على أربعة وعشرين، فيقسم أبداً من أقل ما تخرج منه السهام كلها.
قال الفوراني: ونذكر في مسألتنا: الأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسادس.
قال: وكتب أسماء الشركات في ست رقاع: لصاحب السدس رقعة، ولصاحب الثلث رقعتان، ولصاحب النصف ثلاث رقاع، ويخرج على السهام، وإنما فعل ذلك، ولم يقتصر على ثلاث رقاع؛ لأن لصاحب النصف وصاحب الثلث مزية بكثرة المال؛ فكان لهما مزية في كثرة الرقاع؛ فإن في كثرتها فائدة، وهي أن يكون لهما غرض في الأخذ من أول الأرض، فإذا كانت سهامهما أكثر، كان أقرب إلى خروج اسمهما.
قال: فإن خرج اسم صاحب السدس، أعطي السهم الأول، ثم يقرع بين الآخرين، فإن خرج اسم صاحب الثلث أعطي السهم الثاني، والثالث- أي: وهو الذي يلي الثاني- بلا قرعة؛ لأنا لو أقرعنا، فلربما خرج اسم صاحب النصف؛ فيستحق الثالث، وذلك يؤدي إلى التفريق بين ما حصل لصاحب الثلث أولاً، وما يحصل له ثانياً، وذلك ضرر عليه، وكذا على صاحب النصف إن فعل معه مثل ذلك، والقصد بالقسمة إزالة الضرر.
وهذا كما قلنا فيما إذا أراد قسمة العرصة بين الدارين عرضاً في كمال الطول: لا تدخل القرعة، بل يعطي كل واحد ما يلي ملكه.

قال: والباقي لصاحب النصف- أي: بلا قرعة- لأنه لم يبق سواه؛ فتعين.
قال: وإن خرج اسم صاحب النصف أولاً، أعطي ثلاثة أسهم- أي: متوالية- لما ذكرناه، ثم يقرع بين الآخرين على نحو ما تقدم، أي: فإن خرج اسم صاحب السدس، أعطي السهم الرابع، [وكان الباقي لصاحب الثلث.
وإن خرج اسم صاحب الثلث، أعطي السهم الرابع] والخامس، وتعين السادس لصاحب السدس.
ولو خرج اسم صاحب الثلث أولاً، أعطي الأول والثاني، ثم يقرع بين الآخرين: فإن خرج اسم صاحب النصف، أعطي الثالث والرابع والخامس، وتعين السادس لصاحب السدس.
وإن خرج اسم صاحب السدس أعطي الثالث، والباقي لصاحب النصف.
ثم على هذا المثال فيما قل من السهام أو كثر يفعل.
قال: ولا تخرج السهام على الأسماء في هذا القسم؛ لأنه ربما خرج السهم الثاني أو الخامس لصاحب السدس؛ فيقطع نصيب صاحب الثلث، أو النصف؛ فيستضر به.
قال في "المهذب": ولأنه ربما خرج الرابع لصاحب النصف؛ فيقول: آخذه وسهمين قبله، ويقول الآخران: بل تأخذه وسهمين بعده؛ فيؤدي إلى الاختلاف والخصومة.
وقد ذكر البندنيجي المعنيين.
وهذا ما حكاه الأكثرون، ومنهم القاضي الحسين، والبغوي.
وحكى المراوزة أن الشافعي نص على أنه يكتب أسماء الملاك في الرقاع، ثم يخرج الرقاع على الأجزاء المعينة؛ كما ذكرنا، ونص في كتاب العتق على أن المريض إذا أعتق عبيداً لا يملك غيرهم، واحتجنا إلى رد العتق إلى الثلث: أنه يكتب في رقعة: الرق، وفي رقعة: الحرية، ولم يذكر كتبه أسامي العبيد، وأسامي الورثة، وقياس ذلك فيما نحن فيه: أن يكتب في الرقاع أعيان الأجزاء المعدلة، ثم يخرج

على الأسماء، وأن الأصحاب اختلفوا في ذلك: فمنهم من قال: في المسألتين قولان؛ بالنقل والتخريج.
ومنهم من قال: ليست على قولين، لكنا نقرر النصين، والفرق: أن الحرية [حق لله] تعالى، وليست من حقوق العبيد؛ فإنهم لو أسقطوها لم تسقط؛ فكانت كتابة الحرية أولى، والعين المقسومة ملك الشركاء حقيقة فكتب أسمائهم أولى.
وفرق الرافعي بما ذكرناه من علة المنع، ثم قال: وهذا الخلاف في الجواز أو الأولوية؟ عبارة كتب شيوخنا تشعر بوضعه في الجواز.
وقال الإمام- وتبعه الغزالي-: إنه في الأولى باتفاق الأصحاب.
وهو الأولى، والمحذور الذي أبداه القائلون بعدم جواز إخراج الأجزاء على الأسماء مندفع: أما ما ذكره في "المهذب"؛ فلأنه يجوز أن يقال: لا يبالي برأي الشركاء، بل يتبع نظر القاسم، كما في الجزء المبدوء به، واسم الشريك المبدوء به.
وما ذكره غيره؛ فلأنه إنما يلزم إذا أخرج أولاً اسم صاحب السدس، وهو في غنية عنه- بأن يبدأ باسم صاحب النصف: فإن خرج الأول باسمه، فله الأول والثاني والثالث، وإن خرج الثاني فكذلك؛ فيعطي مع الثاني ما قبله وما بعده، وإن خرج الثالث، ففي "شرح مختصر الجويني": أنه يتوقف فيه، ويخرج لصاحب الثلث، فإن خرج الأول، فله الأول والثاني، ولصاحب النصف الثالث واللذان بعده؛ وكذا لو خرج الثاني.
وإن خرج الخامس، فله الخامس والسادس؛ ثم العمل هكذا.
ولم يستوعب باقي الاحتمالات.
قال: وكان يجوز أن يقال: إذا خرج لصاحب النصف الثالث، فله الثالث واللذان قبله، وإن خرج الرابع فله الرابع واللذان قبله، ويتعين الأول لصاحب السدس، وإن خرج الخامس فله الخامس واللذان قبله، ويتعين السدس لصاحب السدس، وإن [خرج] السادس فله السادس واللذان قبله.
وإذا أخذ زيد حقه، ولم يتعين حق الآخرين يخرج رقعة أخرى باسم [أحد]

الآخرين؛ فلا يقع تفريق.
على أنه يمكن أن يقال: يبدأ باسم صاحب السدس، فإن خرج باسمه الأول والثاني دفع الأول إليه، وإن خرج الخامس والسادس، دفع السادس إليه، ثم يخرج باسم أحد الآخرين؛ فلا يقع تفريق.
وإن خرج له الثالث، دفع إليه، وتعين [الأول والثاني] لصاحب الثلث، والثلاثة الأخيرة لصاحب النصف.
[وإن خرج له الرابع، دفع إليه، وتعين الخامس والسادس لصاحب الثلث، والثلاثة الأولى لصاحب النصف].
ويمكن أن [يقال: يبدأ] باسم صاحب الثلث، فإن خرج له الأول أو الثاني، دفع إليه ذلك، وإن خرج الخامس والسادس دفعاً إليه، ثم يخرج باسم أحد الآخرين: فإن خرج الثالث، فله الثالث والثاني، ويتعين الأول لصاحب السدس، والثلاثة الأخيرة لصاحب النصف.
وإن خرج الرابع فله الرابع والخامس، ويتعين السادس لصاحب السدس، والثلاثة الأولى لصاحب النصف.
والذي حكاه صاحب "البحر": أن من أصحابنا من خرج من المسألة هاهنا إلى مسألة العتق قولاً، وجعل فيها قولين بالنقل والتخريج.
ومنهم من فرق بأنه لو كتب أسماء الأجزاء ربما يؤدي إلى تفريق ملك واحد؛ فلا يجوز إلا أن يكتب أسماء المستحقين، وفي العتق يجوز كلاهما؛ لأنه لا يوجد هذا المعنى.
وكأنه [أراد- والله أعلم-] الفوراني؛ لأنه هكذا قال.
[قال]: وقيل: يقتصر على ثلاث رقاع لكل واحد رقعة- أي: يكتب فيها اسمه، وتكون السهام ستة؛ لأن صاحب النصف، وصاحب الثلث إنما يأخذ بالرقعة جزءاً واحداً، ثم يأخذ ما يليه إلى تمام حقه؛ فلا فائدة في كتب ما زاد

عليه؛ وهذا ما اقتضى إيراد ابن الصباغ وكذا القاضي [أبي] الطيب ترجيحه.
وحكي أن ابن أبي هريرة قال: إنه لا فائدة في كتب ست رقاع إلا سرعة خروج اسم صاحب الأكثر، ولا غرض في سرعة خروج اسمه.
وقال في "البحر": إنه ظاهر كلام الشافعي.
وقال في "الوسيط": إنه الصحيح.
[وهو في ذلك متبع لصاحب "التقريب"؛ فإن الإمام حكى عنه [أنه قال]: إنه الصحيح]، ولا معنى لرعاية غرضه في طرف الدار؛ إذ ليس هو بالطرف أولى من صاحب السدس، ولو كان أولى بالطرف؛ لكثرة نصيبه، لكان أولى بما يعينه من غير قرعة؛ وعلى هذا: إن خرج اسم صاحب النصف أولاً تعين حقه في السهم الأول والثاني والثالث، ثم يقرع بين الآخرين، فإن خرج اسم صاحب الثلث تعين حقه في الرابع والخامس، وتعين السادس لصاحب السدس، وباقي الأقسام يعرف حكمها مما تقدم.
ولا يجوز أن يخرج السهام على الأجزاء في هذه القسمة- أيضاً- على هذا القول.
قال القاضي [أبو] الطيب، وابن الصباغ: لأنا إذا قلنا له: أخرج على صاحب السدس، فربما خرجت رقعة النصف أو رقعة الثلث؛ فلا يكون لذلك فائدة.
والصحيح عند العراقيين- كما حكاه الإمام عنهم-: الأول، [و] هو الذي أورده الماوردي، وقال البندنيجي وغيره: إنه المنصوص، وعليه أكثر أصحابنا.
وفي "البحر" نسبه إلى أبي إسحاق، ثم قال: وقد قيل: إنه المذهب، لما ذكرناه من الفائدة.
وكأنه- والله أعلم- يشير إلى القاضي الحسين؛ فإن هذه عبارته في "تعليقه".
ثم هذا الخلاف في الأولى، حتى إذا وقعت القسمة على أي وجه [كان صحت]، أو في الوجوب حتى إذا وقعت [القسمة] موافقة لقول أحد القائلين، كانت جائزة عنده صحيحة، وغير جائزة عند مخالفه غير صحيحة؟

قال الإمام: الذي استبنت من كلام الأئمة [بعد التأمل]: الأول، [وقد] رأيت في كلام الشيخ أبي علي ما يدل على الثاني، وحكى [في كتاب] العتق ما يؤيده؛ فإنه قال فيما إذا أعتق المريض ثلاثة أعبد، لا مال له غيرهم، وهم متساوون في القيمة، وقلنا: يكتب في الرقاع الحرية والرق-: إن الأصحاب قالوا: الرق ضعف الحرية؛ فيجب أن تكون الرقاع على [هذه النسبة؛ فيكتب للحرية رقعة، وللرق رقعتين؛ لتكون الرقاع على] نسبة المطلوب في القلة والكثرة؛ فإن ما يكثر فهو حري أن يسبق إلى اليد.
وفي كلام الأصحاب ما يدل على استحقاق ذلك.
ومنهم من يقول: هذا استصواب، وإلا فيكفي رقعة للحرية، وأخرى للرق.
فرع: إذا اقتسما ملكاً، ولم يكن لواحد منهما طريق يختص به- أخرجا طريقين من ملكهما، والعبرة في سعته عندنا بما تدعو إليه الحاجة في الدخول والخروج على ما جرت به العادة.
قال: وإذا تقاسموا، ثم ادعى بعضهم على بعض غلطاً- أي: وعين قدره- فإن كان فيما تقاسموا بأنفسهم، لم تقبل دعواه، أي: سواء كانت هذه القسمة مما يدخلها الإجبار، أو لا يدخلها: كقسمة الرد؛ كما صرح به البندنيجي؛ لأنه رضي بأخذ حقه ناقصاً، فهو كما لو اشترى شيئاً يحسبه بثمن المثل، فتبين أنه بأكثر منه وقد غبن؛ كذا علله العراقيون، وحكاه الإمام عنهم.
ووجهه في "البحر" بأن في دعواه تكذيباً لنفسه؛ فلم تسمع، ومقتضى التعليل الأول: أن الغرماء لو اعترفوا بالغلط، لم يفده اعترافهم شيئاً، [وبه صرح] في "الوسيط" عن العراقيين.
وفي "الحاوي" الجزم بأنهم إذا اعترفوا بالغلط، نقضت القسمة، واستؤنفت على الصحة، وهو مقتضى التعليل الثاني كما قلنا مثله في مسألة المرابحة؛ ولهذا قال في "البحر": إن بعض أصحابنا بخراسان قال: لو قال المدعي في هذه الصورة: إن

شركاءه يعلمون بالغلط، [يلزمهم اليمين على نفي العلم.
ومقتضى التعليلين: أنه لو أقام بينة بالغلط] لم تقبل، وقد صرح به في "المهذب"، ووجهه: بأنه يجوز أن يكون قد رضي بدون حقه.
والغزالي في "الوجيز" بنى ذلك على أن القسمة بيع، أو إفراز؟ فإن قلنا: إنها بيع، وجرى لفظ تملك، فلا ينفعه الغلط، وهو كالغبن لا يوجب النقض، وفيه: وجه أنه ينقض.
وإن قلنا: إنها إفراز؛ فتتوجه اليمين، وتنقض عند قيام البينة.
وهذا أخذه من كلام الإمام في صحة القسمة في حال علم الشركاء في الابتداء بالتفاوت في المقسوم؛ فإنه قال فيها: الذي يقتضيه كلام الأصحاب صحة هذا، وفيه غائلة.
والوجه أن نقول: إن قلنا [إن] القسمة إفراز، فلا تصح القسمة إلا مع التعديل، وإن قلنا: إنها بيع، فإذ ذاك يجوز أن تلزم بالرضا مع العلم.
ثم يتضح عندي اشتراط لفظ البيع [هاهنا، [فإنا:] إنما نقيم لفظ "القسمة" مقام لفظ "البيع"] إذا جرت حقيقة القسمة، وحقيقتها التعادل، وهذا لطيف حسن.
قال: وإن قسمه قاسم من جهة الحاكم، فالقول قول المدعي عليه مع يمينه [أي:] إنه لا فضل معه، أو: لا يستحق عليه ما ادعاه، ولا شيئاً منه؛ لأن الظاهر صحة القسمة، وأداء الأمانة؛ كما أن الظاهر في حكم الحاكم جريانه على الصحة.
قال: وعلى المدعي البينة، أي: إن أراد إثبات الغلط، كما إذا ادعى أن الحاكم غلط عليه في الحكم، وأراد إثباته- فإن عليه البينة بذلك، فإن أتى بعدلين من أهل المعرفة بالقسمة، شهدا بالغلط بعد المساحة، نقضت القسمة.
قال في "البحر": لأن ذلك ليس بأكثر من الحكم، ولو قامت البينة أن الحاكم غلط في الحكم، نقض؛ كذلك هاهنا.
وقد ألحق أبو الفرج السرخسي بقيام البينة بالغلط ما إذا عرف أنه يستحق ألف

ذراع، ومسح ما أخذه فإذا هو تسعمائة.
وعن كتاب ابن كج: أن أبا الحسين ذكر [أن] ابن أبي هريرة حكى قولاً أن على الشريك البينة على القسمة الجارية عادلة، وأن مدعي الغلط لا يحتاج إلى البينة، وأن أبا إسحاق فصل فقال: إن كان يدعي الغلط؛ لأن القاسم الذي قسم لا يحسن القسمة، ولا يعرف المساحة والحساب- فالأصل ما يقوله؛ فعلى صاحبه البينة.
فرع: إذا لم يكن للمدعي بينة، وطلب يمين الشركاء، فامتنعوا من اليمين- حلف المدعي، ونقضت القسمة.
وإن حلف البعض، ونكل البعض، فحلف المدعي- قال في "الحاوي": بطلت القسمة في حق الناكل، وأمضيت في حق من حلف.
وحكى الإمام أن صاحب "التقريب" قال في هذه الحالة: إنا إذا قلنا: يمين الرد كالبينة، فقد قال بعض أصاحبنا بنقض القسمة في حق الكل: من حلف، ومن نكل؛ كما لو أقام بينة.
وهذا سخيف، لا أصل له؛ فإن يمين الرد [تكون كالبينة في حق الناكل فحسب، فأما من حلف، قد رد يمين الرد] عن نفسه.
ولو ادعى على القاسم بأنه غلط في القسمة؛ ليرجع عليه بالأجرة، فدعواه غير مسموعة، إلا أن تكون له بينة، فإنه ليس له تحليفه؛ فإنه حاكم أو شاهد، وكل منهما لا يحلف.
نعم، [قد] يظهر أن يجيء [فيه] ما ذكرناه عن القاضي فيما إذا ادعى الخصم على القاضي: أنه حكم له بكذا في زمن ولايته؛ بناء على أن اليمين مع النكول كالإقرار؛ فإنه لو أقر بالغلط في القسمة، كان في الغرم كما لو قامت البينة بغلطه؛ كما صرح به القاضي الحسين [هنا]، وتبعه صاحب "التهذيب"، و"الكافي" فيه، [و] قالا: إنه لا يقبل قوله بالنسبة إلى نقض القسمة؛ كما لا يقبل قول القاضي: إني

غلطت، أو تعمدت الظلم في نقض الحكم، إذا كذبه المحكوم له.
قال: وإن نصبا من يقسم بينهما، أي: حكماً، فإن قلنا: يعتبر التراضي بعد خروج القرعة، أي: ورضوا بها- لم يقبل قوله، أي: دعواه؛ لأنه رضي بأخذ حقه ناقصاً؛ فكان كما لو تقاسما بأنفسهما.
قال الإمام: وهذا لا يجب أن يكون مقطوعاً به؛ فإن الرضا كان على تقدير التعديل والاستوءا، فإذا ظهر خلاف ذلك، ظهر الحكم بإفساد القسمة فكأن الرضا مقيد بشرط الاعتدال، وهذا كتقديرنا البيع بشرط السلامة.
قال: وهذا متجه.
أما إذا لم يرضيا بعد خروج القرعة قالقسمة لم تتم؛ فله الرجوع وإن لم يدع الغلط.
قال: وإن قلنا: لا يعتبر [التراضي]، فهو كالحاكم؛ لوقوع ذلك جبراً.
قال الإمام: وهذا فيه نظر؛ فإن قاسم القاضي مولى أو شاهد، والذي ينصبه الشركاء ليس في هذا المعنى، والمسألة محتملة.
قلت: المسألة مصورة- كما ذكرنا- فيما إذا نصباه حكماً، وقلنا: إن التحكيم صحيح، وإن حكمه يلزم بنفسه، وإذا كان كذلك، فهو كقاسم الحاكم.
نعم، ما ذكره كان يتجه أن لو كان الخلاف فيما إذا نصباه وكيلاً، وليس في هذه الحالة عندهم خلاف في اعتبار التراضي بعد خروج القرعة؛ ولهذا قال القاضي أبو الطيب: إنه لا تسمع الدعوى جزماً؛ كما لو تقاسما بأنفسهما.
وأشار إلى ذلك ابن الصباغ أيضاً.
قال: وإن كان فيها رد، أي: وقد [قسمها] قاسم الحاكم، وقلنا: يعتبر التراضي بعد خروج القرعة- لم يقبل قوله، أي: [في] دعواه.

وإن قلنا: لا يعتبر فهو كقسمة الحاكم، أي: التي لا رد فيها، وقد سبق بيانه.
فرع: لو تنازعا في بيت من دار اقتسماها، فادعى كل واحد منهما: أنه وقع [له] في سهمه، ولا بينة- تحالفا، ونقضت القسمة كما في المتبايعين؛ كذا قاله في "المهذب"، و"الحاوي".
والتنازع المذكور يفرض فيما إذا ادعى كل واحد منهما: أن البيت ما دخل في حد الآخر؛ بأن حده ينتهي بدونه؛ كما صوره في "البحر"، وقال: إن ما ذكرناه من الحكم منصوص عليه.
ثم حكى أن أحدهما لو قال لصاحبه: حدي ينتهي إلى الموضع الفلاني، وأنت غصبته، وأضفته إلى حصتك- فالقول قول من هو في يده؛ لأنه اعترف له باليد، وادعى الغصب.
[فرع] آخر: إذا تناكر الشركاء، فادعى أحدهم القسمة، وأنكرها الباقون- فإن لم تكن متعلقة بقاسم من جهة الحاكم، قال الإمام: فالقول قول الباقي، وإن تعلقت بقاسم القاضي فالرجوع إليه؛ فإنه حاكم، أو شاهد.
قال: وإن تقاسما، ثم استحق من حصة أحدهما شيء معين لم يستحق مثله من حصة الآخر- بطلت القسمة؛ لأن لمن أخذ ذلك من نصيبه أن يرجع في شيء من سهم شريكه؛ فتعود الإشاعة، ويفوت مقصود القسمة.
ويندرج فيما قاله الشيخ ما إذا تقاسم الورثة التركة، ثم بان أن مورثهم أوصى بعين منها، وهي تخرج من الثلث، وقد صرح به القاضي الحسين وغيره.
قال: وإن استحق مثله من حصة الآخر- أي: بأن استحق قطعة أرض في نصيب كل واحد منهما بقدر حصته- لم تبطل [القسمة]؛ لأن ما بقي لكل واحد منهما بعد الاستحقاق قدر حقه، فلم يؤد إلى الإشاعة؛ وهذا ما حكاه البغوي، وصاحب "الكافي" أيضاً.
وقال الإمام: إنه حسن متجه، لكن في بعض الطرق ما يدل على بطلان القسمة في البقية؛ فإن القسمة لم تنشأ على البقية أولاً، وقد تغير وصفها بالاستحقاق؛ فلا

يمتنع الحكم ببطلانها، وهذا نازع إلى تفريق الصفقة.
ولو استحق من حصة أحدهما شيء، ومن حصة الآخر دونه، أو فوقه- بطلت أيضاً؛ صرح به العراقيون والمراوزة.
قال: وإن استحق من الجميع جزء مشاع، أي: مثل أن اقتسما الأرض نصفين، فخرج الثلث من الأرض مستحقاً.
قال: بطلت القسمة؛ لأن صاحب الجزء المستحق كان نصيبه مشاعاً في ملك كل واحد منهما، يقدر على إجارته مجتمعا بالقسمة؛ فلم يجز أن يجعل في ملكين لا يقدر على جمعه بالقسمة، وصار هذا كأرض بين ثلاثة غاب أحدهم، فاقتسمها الحاضران على أن حصة الغائب مشاعة في سهم كل واحد منهما- كانت القسمة باطلة في الجميع، كذا حكاه الماوردي [وابن الصباغ، وقال القاضي أبو الطيب: [لا تبطل قولاً واحداً].
ولا فرق في ذلك بين أن نقول: إن القسمة بيع أو إفراز؛ كما قال الماوردي]، وهذه طريقة أبي إسحاق، وهي الصحيحة في "البحر"، والمختارة في "المرشد"، وبها أجاب الروياني في "الحلية"، وقال البندنيجي: إنها المذهب.
وقيل: تبطل في المستحق، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة، وهذه [طريقة] ابن أبي هريرة، وهي الصحيحة عند النواوي.
وقال الرافعي: إنها التي أخذ بها أكثرهم، ولم يحك في "الوسيط"، والإمام عن العراقيين سواها.
وصحح في "الوسيط" قول الصحة؛ بناء على قاعدته في تفريق الصفقة.
قال: وإن تقاسم الورثة التركة، ثم ظهر دين محيط بالتركة- أي: إما ببينة، أو بإقرارهم؛ كما قاله الماوردي- فإن قلنا: القسمة تمييز للحقين، لم تبطل القسمة؛ لأن كل واحد منهما قد ميز ملكه عن ملك صاحبه من غير ضرر لاحق برب [الدين]؛ فلم يمنع منه.

قال: فإن لم يقض الدين- أي: وصاحبه مطالب به- نقضت القسمة، أي: بالبيع؛ لوفاء الدين؛ لأن في عدم نقضها في هذه الحالة إضراراً برب الدين، وحقه أولى بالرعاية.
قال: وإن قلنا: إنها بيع، ففي بيع التركة قبل قضاء الدين قولان: وجه المنع: أنه تعلق بها حق الغرماء [بالموت]؛ فشابهت العين المرهونة.
ووجه الجواز: أنهم لم يحدثوا ولا مورثهم عقداً يمنعهم من التصرف، بخلاف المرهون.
وقاسه في "التهذيب" على تصرف المريض مع تعلق حق الورثة بها؛ وعلى هذا يقال للبائع: أنت بالخيار بين أن تقضي الدين من عين التركة أو من غيرها، فإن قضيته من غيرها استقر بيعك، وإلا نقض وقضينا الدين من التركة.
وحقيقة هذا القول: أنا نصحح البيع موقوفاً.
وفي "النهاية" في كتاب العتق حكاية وجه ثالث: أن البيع يصح إذا كان البائع موسراً، ويلزم، ولا سبيل إلى نقضه، وقال: [إن] الشيخ أبا علي قال: لو كان البائع معسراً، لم ينفذ بيعه ألبتة، وإنما محل الخلاف إذا كان موسراً.
قال الإمام: ويتخرج لنفوذ بيع المعسر وجه حسن إذا قلنا: لا يلزم- من بيع المفلس ماله؛ فإنا قد أجرينا في بيعه قولاً على الوقف؛ فلا مانع من خروجه هاهنا.
وأيضاً: فإن في كلام الشيخ أبي علي أن الثمن مستحق للغرماء، فإن صح هذا، فما وجه الفرق بين أن يكون الوارث [معسراً أو موسراً]؟ واتجه في تنفيذ بيع المعسر احتمال بين لا يتجه مثله في إعتاقه؛ فإنه لا عوض في الإعتاق.
وقد وافق الشيخ ومن تبعه على حكاية الخلاف في هذه الصورة قولين هاهنا، وإن كان قد حكاه في "المهذب" وجهين، كما فعل الإمام في كتاب العتق، [و] القاضي أبو الطيب، والماوردي، والبندنيجي، وقالوا في تأسيس ذلك: كل حق إذا تعلق بعين ماله، نظرت: فإن [كان] قد تعلق باختياره: كالرهن، فالبيع باطل قولاً

واحداً، وإن كان بغير اختياره: كأرش الجناية، ووجوب الزكاة فيه، ومثل مسألة الميت إذا كان عليه دين- فالكل على قولين.
وقضية هذا أمران: أحدهما: أن القولين في بيع التركة كالقولين في بيع العبد الجاني خطأ؛ وقد صرح بذلك الإمام عن شيخه في "فروع" ابن الحداد في كتاب العتق، وحكاه الغزالي في كتاب الرهن طريقة [قاطعة] مع طريقة أخرى: أن تعلق الدين بالتركة كتعلق الرهن؛ نظراً للميت، [ومبادرة إلى تبرئة ذمته].
وحكيت أنا الطريقين [و] الصحيح منهما في أول كتاب الفرائض.
الثاني: أن القولين مفرعان على القول الصحيح، وهو أن الدين لا يمنع الإرث، أما إذا قلنا: يمنعه؛ فلا يصح قولاً واحداً، وكذلك صرح به الإمام هاهنا، وقال في كتاب العتق: إن تنزيل التركة منزلة العبد الجاني [خطأ]- بعيد؛ لما بين المرهون والتركة من الفرق؛ فإن حق المجني عليه طرأ على ملك تام للسيد، ثم دام الملك له، والوارث يتلقى الملك بالخلافة، وهي مشروطة بتقديم حق الميت.
ثم قال في هذا الباب: وللقولين التفات عندي على أصل، وهو أن المفلس لو تصرف في الأموال التي اطرد الحجر عليها، فيقطع ببطلان تصرفه، أو نوقفه قائلين: إن سقطت الديون فقد نفذ التصرف، وإن بقيت ومست الحاجة إلى تأديتها من الأعيان، أديت منها، فالوارث كالمحجور عليه المفلس، والمال كمال المحجور، وقد أشار إلى هذا المأخذ الفوراني- أيضاً- وقضيته: أن يكون الصحيح البطلان، كما صرح به النواوي، وغيره في كتاب الرهن؛ لأن الصحيح بطلان تصرفات المفلس.
ثم قال الإمام: وما ذكره العراقيون من تصحيح القسمة على قول الإفراز قولاً واحداً، ليسوا مساعدين عليه؛ فإن الإفراز تصرف في متعلق الدين؛ فيظهر إفساده كالبيع.
وقد أشار كاتب "تعليق" القاضي أبي الطيب إلى أن الجزم بصحة القسمة على

القول بأنها إفراز من فقه القاضي؛ فإنه قال: قيل للقاضي: إذا قلنا: إن القسمة إفراز حق، فهل يكون على القولين أم لا؟ فقال: يحتمل أن يكون على قول واحد: أنه يصح.
وهذا ما أورده البندنيجي والماوردي وابن الصباغ.
قال: وفي قسمتها قولان، أي: مع العلم بالدين، ينبنيان على القولين السابقين، فإن قلنا ببطلان البيع لم تصح القسمة، وإلا صحت، وهو ما اختاره في "المرشد".
وقد أفهم كلام الشيخ: أن على [هذين] القولين ينبني نقض القسمة في مسألة الكتاب، وهي ظهور الدين بعد القسمة، فإن قلنا: إن القسمة لا تصح مع العلم بالدين، فإذا بان الدين بعدها، تبين بطلانها.
وإن [قلنا:] تصح مع العلم بالدين، فإذا بان بعدها لم تنقض.
وقد صرح القاضي الحسين والفوراني بحكاية القولين في نقض القسمة بعد ظهور الدين، وكذلك مجلي، وقال: إنه لا فرق فيما ذكرناه بين وقوع القسمة والبيع مع العلم بالدين، أو مع جهله.
وقال الفوراني: إنهما يقربان من القولين في إقرار المحجور عليه بمال قد لزمه قبل الحجر.
[قال]: ووجه القرب والشبه: أن نقض هذه القسمة إنما هو بسبب متقدم.
وقال القاضي الحسين: إنهما يبنيان على [أن] الدين هل يمنع الإرث أم لا؟ فإن قلنا: يمنع، نقضت، وإلا لم تنقض.
وقضية ما حكيناه عن الإمام، وأشار إليه [أيضاً]- هاهنا: أنا إذا قلنا: [إن] الدين يمنع الإرث [تنقض] قولاً واحداً، وأن محل القولين إذا قلنا: إن الدين لا يمنع الإرث، وهو قضية كلام القاضي في آخر الفصل؛ حيث قال: إن أصل

القولين تصصرفات المفلس بالعتق والبيع والهبة، هل هي باطلة، أو موقوفة حتى إذا فك الحجر [عنه] تبينا أنها كانت نافذة؟ وفيها قولان؛ لأن القسمة تصرف مع تعلق حق الغير بالمتصرف فيه: كتصرفات المفلس انتهاء؛ فإنه لا [يحسن أن] يلحق تصرف الورثة بتصرف المفلس إلا إذا قلنا: إنهم ملكوا.
ثم قضية البناء الذي ذكره القاضي: أن يكون الصحيح عدم النقض؛ لأن الصحيح أن الدين لا يمنع الإرث.
وحكم ظهور الوصية بمائة درهم من التركة غير معينة، حكم ظهور الدين الثابت على الميت فيما ذكرناه؛ صرح به القاضي أبو الطيب، والبندنيجي، والماوردي، وغيرهم.
قال في "البحر": وكذا حكم حدوث دين على الشخص بعد موته وبعد القسمة.
وأراد بذلك: ما إذا كان قد باع شيئاً، وأكل ثمنه، فرد بالعيب بعد الموت، ولزم رد بدل الثمن، أو تردى مترد في بئر كان قد احتفرها عدواناً.
لكن قد حكى الغزالي في هذه الصورة في كتاب الرهن وجهين- بناء على قولنا في الدين المقارن: [إنا نتبين] بطلان التصرف: [أحدهما: أنا نتبين بطلان التصرف] في هذه الصورة- أيضاً- لتقدم السبب.
والثاني- وهو أظهر في "الرافعي"-: أنا لا نتبين؛ لأنه كان مسوغاً [لهم] ظاهراً.
أما إذا كان الدين لا يحيط بالتركة، فهل يكون الحكم كما لو كان محيطاً بها؟ فيه وجهان حكاهما الغزالي في كتاب الرهن: أظهرهما- كما قال الرافعي-: نعم؛ كما هو قياس الديون والرهون، ولم يحك في "الحاوي" في كتاب الشركة سواه؛ حيث جزم القول بأنهم لا يتصرفون في شيء منها وإن كان في باقيها وفاء بالديون.
والثاني: لا، وينفذ تصرف الوارث إلى ألا يبقى إلا قدر الدين؛ فيكون الحكم فيه

كما في حال الإحاطة، ووجهه: أن الحجر في المال الكثير بشيء حقير بعيد، مع أنه لا تخلو تركة عن دين.
فروع- تتعلق بما نحن فيه-: أحدها: إذا أعتق الورثة بالقرعة واحداً من العبيد الثلاثة، وظهر دين- قال القاضي الحسين هاهنا: ففيه قولان: أحدهما: تنقص الحرية، ويعين واحد من الثلاثة للبيع في الدين؛ ثم يقرع بين الباقيين، فمن خرجت قرعته [عتق] منه ثلثاه، ورق ثلثه.
قال: وفيه إشكال.
والقول الثاني: لا تنقص، بل يباع واحد من الرقيقين في الدين، [ثم يقرع بين الباقي وبين من حكمنا بحريته، فمن خرجت قرعته عتق منه ثلثاه.
الفرع الثاني: إذا أعتق الوارث العبد قبل قضاء الدين]، قال الإمام في كتاب العتق: إن قلنا: لا ملك له، لم ينفذ.
وعلى هذا لا يتجه لنا أن نقول: التركة ملك لا مالك له، بل هي مقررة على ملك الميت، ولا مطمع في إضافة الملك فيها إلى مستحق الدين.
وإن قلنا: إن الملك له، قال الشيخ- يعني أبا علي-: فإن كان معسراً لا يمكنه أن يؤدي الدين من ماله، فلا ينفذ عتقه قولاً واحداً، وكان شيخي يخرج عتقه على عتق المرهون.
والأوجه: ما ذكره الشيخ؛ فإن حق الوثيقة طرأ على ملك تام للراهن، ثم دام الملك له، والوارث يتلقى الملك بالخلافة وهي مشروطة بتقديم حق الميت.
وإن كان موسراً، ففي نفوذ عتقه قولان: أحدهما: ينفذ، ويلزم.
والثاني: أنه موقوف، فإن وصل الدين إلى مستحقه بان أن العتق نفذ مع لفظ الإعتاق، وإلا فالرق باق.
ثم من كلام الشيخ: أنا إذا أنفذنا العتق، نقلنا الدين بالغاً ما بلغ إلى ذمة الوارث، ولست أرى الأمر كذلك، فالدين لا يتحول إلى ذمة الوارث قط، بل هو بالإعتاق

متلف للعبد؛ فلا يلزمه إلا أقل الأمرين من الدين وقيمة العبد.
الفرع الثالث: إذا أنفذنا بيع الوارث، وقلنا: يلزم، فقد قال الشيخ: إذا سلم المشتري الثمن إلى الوارث، وتلف في يده- فللغرماء أن يطالبوا المشتري بالثمن؛ فإنه كان من حقه أن يسلمه إليهم؛ فإذا لم يفعل توجهت المطالبة عليه.
قال الإمام في كتاب العتق: وفي كلامه ما يدل على أنهم يطالبون الوارث بالثمن، فإن تعذر رجعوا إلى المشتري، والوجه القطع بأنهم [لا] يطالبون المشتري؛ فإنا إذا ألزمنا بيع الوارث، فبيعه بمثابة إعتاقه، وإذا أعتق فلا عوض، ولا مستدرك له إذا نفذ.
نعم، هذا يضعف الوجه الذي عليه التفريع.
قال: وإن كان بينهم نهر، أو قناة، أو عين ينبع فيها الماء، فالماء- أي: الكائن في ذلك- بينهم على قدر ما شرطوا من التساوي أو التفاضل.
صورة ذلك: أن يشترك جماعة في حفر نهر أو قناة إلى جانب النهر الكبير المباح: كالفرات، والدجلة، ونحوهما؛ ليجروا منه الماء إلى ذلك، أو يحفروا عين ماء؛ لينتفعوا بذلك الماء، فإذا فعلوا ذلك، فقد ملكوا ما حفروه إذا هيئوه لما أرادوا؛ كما تقدم في بابه، ويكون ملكهم على قدر ما [شرطوه] في ابتداء الحفر، وأخرجوه من النفقة؛ [لأنه إنما ملك بالعمارة، والعمارة بالنفقة]، فكان الملك موزعاً عليها، فإن أنفقوا على السواء ملكوه على السواء، وإن أنفق واحد نصف النفقة، واثنان نصفها بالسوية، كان للأول النصف، ولكل [واحد] من الآخرين الربع، وهكذا.
فإذا تقرر ذلك، وحصل الماء في المحفور، كان بينهم على قدر أملاكهم، لأنه المقصود بالحفر؛ فملكوه بعد الوصول إليه؛ كما لو حفروا معدناً باطناً، فوصلوا إلى نيله؛ فإنه يكون بينهم على حسب ما أنفقوه.
وقيل: إن الماء لا يملك؛ لأنه لو ملك لم يبح لمستأجر الدار التي فيها بئر

شرب مائها؛ لأن الأعيان لا تستباح بالإجارة، ولما جاز بيع دار فيها بئر بدار فيها بئر؛ لأن الربا يجري في الماء لكونه مطعوماً، ولما جاز ذلك [دل] على أنه غير مملوك؛ فعلى هذا يكونون أحق بالماء الجاري في النهر والقناة، والنابع في العين من غيرهم.
لكن لو تعدى شخص، وأخذه، فقد ملكه، وليس عليه رده.
قال القاضي أبو الطيب، كما لو توحل في أرض الغير صيد، فليس لغيره أخذه، فإن تخطى وأخذه، ملكه.
ومن أراد تحصيل شيء [من ذلك]، فالحيلة فيه: أن يشتري سهماً من نفس النهر، والقناة، [والعين] والبئر.
قال: والمذهب الأول؛ لما ذكرناه ولجريان العادة بالتصرف فيه التصرف المشروع في الأملاك من غير إنكار.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا القول نص عليه في القديم.
والجواب عن قولهم: إنه لو كان مملوكاً، لم يبح بالإجارة؛ لكونه عيناً- أن الأعيان قد تستباح بالإجارة؛ للحاجة: كاللبن في الاستئجار على الرضاع، مع أنه لا ضرر على الآجر في استيفاء الماء؛ لأنه يستخلف في الحال، وما لا ضرر على المالك في استيفائه ليس له منعه؛ كالاستظلال بالحائط.
وعن دليلهم الثاني: أنا نمنع كون الماء ربوياً، وإن سلمناه فنمنع صحة البيع في الصورة التي ذكروها كما حكيناه في بابه.
فرع: لو تنازعوا في قدر الملك في النهر والقناة، ففي "التتمة": حكاية وجهين فيه: أحدهما: أنه يقسم على قدر الأراضي؛ لأن المقصود من النهر سقي الأراضي، والظاهر أن حقوقهم على قدر أملاكهم، وهذه طريقة الإصطخري.
والثاني: يقسم بالسوية؛ لأن انحفاره باليد لا بالملك، والنهر في أيديهم.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الخلاف في ملك الماء وعدم ملكه، جار في

الصور الثلاث، وقد قال القاضي أبو الطيب: إن الماء المختلف في كونه مملوكاً هو كل ما ينبع في ملكه من بئر أو عين، وأما الماء الجاري في النهر المملوك، فلا يملك؛ كما إذا جرى الفيض إلى ملك رجل، واجتمع فيه، ولم يملكه، ولكن يكون أهل النهر أولى به؛ لأن يدهم عليه، وليس لأحد أن يزاحمهم فيه؛ لأن النهر ملك لهم.
وعلى هذا جرى ابن الصباغ، والمتولي، والبغوي، وكلام الإمام موافق لكلام الشيخ؛ فإنه قال: إن الماء الذي يجري في النهر المملوك كماء القنوات مملوك على الرأي الظاهر لمالك القناة، وكل من تصرف فيه بما ينقصه ويظهر نقصه، فهو ممنوع منه، وما لا يظهر له أثر: كالشرب، أو كسقي دواب معدودة، وكأخذ قرب- فقد ذهب ذاهبون: أنه لا يسوغ المنع من هذا القدر.
قال الإمام: وهذا بعينه هو الذي نقلته عن شيخي، وأنكرته، وكأنه انتفاع بما هو مملوك.
وذهب القاضي وطبقته [من] المحققين إلى إجراء القياس والمصير إلى أن للملاك أن يمنعوا من هذا، وما درج عليه الأولون من التسامح فيه محمول على أن الناس لا يضنون بهذا القدر؛ فصارت قرائن الأحوال بمثابة التصريح بالإباحة.
قال: فإن أرادوا سقي أراضيهم من ذلك الماء بالمهايأة، جاز، أي: فيجعل لكل منهم شرب يوم معلوم؛ كالمهايأة في المنافع، ويخالف المهايأة، في لبن الشاة والبقرة- كما ذكرنا- لأن ذلك مجهول، وهذا ما جزم به [في] "التهذيب".
وعن القاضي الحسين: أن المهايأة لا تصح في الماء- أيضاً- لأن النوب تختلف من وجهين: أحدهما: أن الماء يزيد وينقص.
والآخر: أنها تتفاوت في حاجات الدهقنة، فليس ما يقع من النوبة الأولى كما يقع في النوبة الأخيرة.
ثم على الأول: إذا صحت، فهل تلزم؟ حكى الإمام فيها وجهين، وعند الاختصار

يجتمع في المسألة ثلاثة أوجه.
قال: وإن أرادوا القسمة جاز؛ لأن بكل من ذلك يصلون إلى حقوقهم.
قال: فينصب- قبل أن يبلغ إلى أراضيهم- خشبة مستوية، ويفتح فيها كوى على قدر حقوقهم، ويجري فيها الماء إلى أراضيهم؛ لأن ذلك هو العدل.
وإذا [كان] فيهم شخص له العشر، ولآخر الخمس، ولآخر الباقي- جعل فيها عشر طاقات على السواء، وجعل لصاحب العشر واحدة، ولصاحب الخمس طاقتين، والباقي للآخر، وهكذا.
وهذا إذا كان في الماء ضيق، أما إذا كان فيه اتساع بحيث يحصل لكل منهم فوق حاجته، فلا حاجة إلى ذلك.
[تنبيه] وقول الشيخ: "ويفتح كوى"، هو بكسر الكاف، وضمها مع التنوين فيهما، وأجود منهما: كواء، بكسر الكاف والمد، وقد سبق إيضاح الكلمة في باب الصلح.
قال: وإن أراد أحدهم أن يأخذ قدر حقه قبل أن يبلغ إلى المقسم ويجريه في ساقية له، أي: بمجراه، إلى أرضه، أو يدير به رحى- أي: بالساقية المذكورة- لم يكن له ذلك؛ لأن حريم النهر مشترك بينهم؛ فلا يجوز لواحد منهم أن ينفرد بالتصرف فيه بالسقي وإجراء الماء.
نعم، لو أراد أن يدير بما فضل له من الماء المختص به رحى في ملكه، لم يمنع [منه]؛ صرح به في "التهذيب".
تنبيه: المَقْسِم: مفتوح الميم مكسور السين؛ كـ"المجلس"، وكذا سائر ظروف الزمان والمكان التي ثالث مضارعها مكسور، أو أولها واو أو ياء- بالكسر: المَجْلِس، والمَصْرِف، والمَوْعِد، والمَوْقِف.
قال: وإن أراد أن يأخذ الماء، ويسقي أرضاً ليس لها رسم شرب من هذا النهر- لم يكن له؛ لأنه يجعل لنفسه شرباً لم يكن له؛ فمنع منه؛ كما لو كانت له دار في درب غير نافذ، فاشترى داراً في درب آخر طريقها منه، فأراد أن ينفذها إلى الدار الأخرى- لم يكن له؛ لأنه يجعل لنفسه استطراقاً لم يكن إلى إحدى الدارين

من الأخرى؛ كذا قاله الشيخ أبو حامد.
قال ابن الصباغ: وهذا وجه جيد، غير أن الذي شبه به قد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من جوزه، لكن يمكن على هذا أن يفرق بينها وبين الأرض؛ لأن الدار لا يستطرق منها إلى [الدرب، وإنما يستطرق منها إلى] الأخرى، ومن الأخرى إلى الدرب، وهاهنا يحمل الماء في الساقية إليها؛ فيصير لها رسم في الشرب.
وفي "التتمة" حكاية وجه: أنه يجوز له أن يسقي بهذا الماء بعد القسمة أرضاً أخرى، وقال: إنه شبيه بالوجه المجوز لفتح باب بين الدارين.
وقد تقدم الفرق بينهما.
نعم، قال ابن الصباغ: لو أراد أن يفعل مثل هذا في النهر الذي ليس بمملوك، فينبغي أن يجوز.
تنبيه: الشرب- بكسر الشين-: النصيب من الماء، وهو المراد هنا، وأما مصدر شرب يشرب، [فهو بضم] الشين، وفتحها، وكسرها، ثلاث لغات.
قال: وإن كان ماء مباح في نهر غير مملوك- أي: وهو صغير، قال الماوردي: [وقد] يسمى: ساقية- سقى الأول أرضه حتى [يبلغ إلى الكعب]، ثم يرسله على الثاني، وهكذا يسقي الثاني أرضه حتى يبلغ إلى الكعب، ثم يرسله إلى الثالث، ويقدم الأقرب إلى أول النهر، فالأقرب.
والأصل في اعتبار ذلك حديثان: أحدهما: ما روي أن رجلاً خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه الزبير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك"؛ فغضب الأنصاري، وقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك!! فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يبلغ إلى الجدر".
والثاني: ما روى أبو داود: أن رجلاً من قريش كان لهم سهم في بني قريظة،

فخاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهر، والسبيل الذي يسقون ماءه، فقضى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَنَّ الْمَاءَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يَحْبِسُهُ الأَعْلَى عَنِ الأَسْفَلِ؛ كَيْ يُرْسِلَهُ إِلَيْهِ".
فالحديث الأول دل على اعتبار الأقرب فالأقرب، إذا استكفى يرسله إلى جاره، والثاني دل على ذلك، وعلى اعتبار الكعبين.
وقد يستدل للمجموع بما روى عبادة بن الصامت: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في شرب النخل من السبيل إلى الأعلى أن يشرب قبل الأسفل، ويجعل الماء فيه إلى الكعبين، ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه، وكذلك حتى تنقضي الأرضون.
وقد تقدم شرح ألفاظ الحديث [الأول]، وذكر رواية في كتاب الأقضية، وتكلم الأصحاب هاهنا في تأويل قصة الزبير: فقال بعضهم- كما حكاه ابن الصباغ-: إنما أمر الزبير بأن يستوفي أكثر من حقه؛ عقوبة للأنصاري؛ حيث لم يرض بقضائه.
وقال أبو جعفر الترمذي: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد استنزل الزبير عن بعض حقه حين أذن له أن يسقي ولا يحبس الماء، فلما لم يقبل الأنصاري ذلك، أمره أن يستوفي حقه؛ وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب، وهو الأشبه.
فإن قيل: ففي الحديث الآخر: أنه علق الحق بأن يبلغ الماء إلى الكعبين، وهذا مخالف لذلك.
قال القاضي أبو الطيب: قلنا: ليس فيهما خلاف؛ لأن الماء إذا بلغ إلى الكعبين، وكانت الأرض مستوية، رجع الماء إلى الجدر.
وما ذكره الشيخ هو المشهور.
وفي "التتمة": أن المرجع في قدر السقي إلى العرف والعادة، فإن كان الذي ملكه في أول النهر بستاناً والأشجار مغروسة على جداول؛ [فيحبس الماء حتى تمتلئ الجداول، ويصل إلى أصول الأشجار، وإن كانت الأرض قطعاً] فيحبس الماء حتى يصل إلى الكعبين.

قال: وإن احتاج الأول إلى سقي أرضه دفعة أخرى قبل أن [يرسل إلى] الثالث، سقى، ثم يرسل إلى الثالث، لأنه لا حق للثالث إلا فيما فضل عن حاجة الأول والثاني؛ ولهذا قال الأصحاب- كما حكاه أبو الطيب-: إن كان زرع الأسفل يهلك إلى أن ينتهي الماء إليه، لم يجب على من فوقه إرساله إليه.
ولو كان ماء هذا النهر يفضل عن حاجة أهله فلبعضهم أن يسوقه إلى أرض أخرى [له]، وأن يجعل مفيض أرض له أخرى إلى هذا النهر.
قال في "الحاوي": لأنه ليس بمملوك لواحد منهم؛ فصار كالطريق النافذ الذي يجوز استطراقه لكل واحد، وأن يفتح فيه باباً.
ويجوز أن يجعل على عرض النهر عبارة للماء؛ إذا لم تضر بأحد من أهله: كالساباط على الطريق النافذ، بخلاف النهر المملوك؛ فإنه لا يجوز ذلك؛ لأن فيه وضع شيء على ملك الشريك بغير إذنه، وهو جانبا النهر.
قال: وإن كان لرجل أرض عالية، وبجنبها أرض مستفلة، ولا يبلغ الماء في العالية إلى الكعب، حتى يبلغ في المستفلة إلى الوسط- سقى المستفلة حتى يبلغ [الماء إلى] الكعب، ثم يسدها، ويسقي العالية؛ لأن هذا يحصل مقصوده من غير إضرار بغيره؛ فاتبع.
قال: وإن أراد بعضهم أن يحيي أرضاً، ويسقيها من هذا النهر- أي: الصغير- الذي ليس بمملوك لأحد، ولجماعة شرب معلوم منه.
قال: فإن كان لا يضر بأهل الأراضي – أي: التي لها شرب معلوم منه- بأن يكون في أسفل النهر- لم يمنع؛ لأنه ينتفع به من غير إضرار بغيره؛ فأشبه النهر الكبير: كالفرات، والدجلة، والنيل، وسيحون، وجيحون؛ فإن لكل أحد أن ينتفع بمائه كيف شاء، وليس لأحد منعه؛ فإنه لا ضرر على أحد فيه؛ لاتساعه.
قال: وإن كان يضر بهم، أي: بأن كانت الأرض في أعلاه، وإذا سقيت قل الماء

على أهل الأراضي؛ فيستضرون به- منع؛ لأن [من] ملك أرضاً ملكها بمرافقها، والشرب من النهر من مرافقها؛ فلا يجوز مضايقة ملاكها فيه؛ وهكذا الحكم في مياه الأعين المباحة.
فرع: لو كان النهر الصغير غير معروف الأصل، هل هو مباح أو مملوك- قال في "الحاوي": فقد اختلف أصحابنا، هل يجري عليه حكم الإباحة أو حكم الملك؟ على وجهين: أحدهما: أنه في حكم المباح، وهو قول من جعل أصل الأشياء على [الإباحة.
والثاني: أنه مملوك، وهو قول من جعل أصل الأشياء] على الحظر، ولم يحك المتولي سوى هذا؛ لأن كل من له أرض على الحافة، فله عليه يد، وفرع على هذا فرعين: أحدهما: أنه إذا كان بالقرب من النهر أرض يمكن سقيها من النهر: إما على الحافة، أو متصلة بأرض على الحافة- فإن رأينا ساقية مادة من النهر إليها، يحكم بأن لها شرباً من النهر؛ لأن الظاهر يدل عليه.
وإن لم يكن هناك ساقية: فإن كان لها شرب من نهر آخر، لم نجعل لها شرباً من النهر عند التنازع.
وإن لم يكن لها شرب آخر، كان صاحبها شريكاً لأهل النهر؛ لأن الأرض المعدة للزراعة لا تستغني عن شرب، وليس للأرض شرب آخر؛ فدل ظاهر الحال [على] أن شربها من النهر.
الثاني: إذا كان للنهر نصيب في أجمة مملوكة، وحوالي النهر أراض مملوكة، فوقع التنازع بين أرباب الأراضي وصاحب الأجمة في الماء- فهو مقسوم بين الجميع؛ لأنا جعلنا البئر مملوكاً لأهله، فلم يختص البعض بالماء.
وقد نجز شرح ما في الباب، ولنختمه بفروع تتعلق به: أحدها: إذا ملك أرضاً، وأراد زراعتها، ولا يمكن ذلك إلا بأن يسوق الماء في أرض جاره، فإن أراد أن يحفر نهراً على وجه الأرض- لم يجب على الجار تمكينه من ذلك، فإن أراد أن يحفر تحت الأرض طريقاً للماء إلى أرضه من غير أن يتعطل\

على مالك الأرض الانتفاع بظاهر الأرض، فهل يلزمه تمكينه؟ فيه وجهان في "التتمة" في كتاب إحياء الموات، والصحيح: أنه لا يلزمه.
الفرع الثاني: إذا كان لصاحب الأرض نهر ممدود في الأرض إلى طرف ملك جاره، وليس لجاره نهر يجري الماء فيه إلى أرضه، فأراد إجراء الماء في نهر جاره إلى أرضه- فإن كان صاحب النهر يحتاج إلى إجراء الماء [فيه]، لم تلزمه إجابته، وإن لم يكن محتاجاً إلى سوق الماء فيه- فهل تلزمه إجابته؟ فيه الوجهان، ووجه الوجوب: القياس على مسألة الجذوع، والمذهب: أنه لا يلزمه؛ كما لو كان له دار لا يحتاج إلى سكناها.
الفرع الثالث: إذا زاد النيل أو الفرات، ونحوهما، فدخل أملاك الناس، واجتمع فيها- قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبغوي: لم يملكوه؛ لأنه لو نزل مطر [واجتمع] في ملكه، أو ثلج فمكث، أو فرخ طائر في بستانه أو توحل طير في أرضه- لم يملكه، وكان لمن حازه؛ فكذلك الماء.
وعلى هذا: إذا دخل واحد، وأخذ منه شيئاً في إنائه، ملكه على أصح الوجهين في "التهذيب".
وفيه وجه آخر: أن لصاحب الملك أن يسترده؛ كما قالوا في فرخ الطائر، والله أعلم.

باب الدعاوى والبينات

"الدعوى" في اللغة: الاسم من "الادعاء"، و"الادعاء" على ميزان "الافتعال" من "الدعوة" وتاء الافتعال للاختصاص؛ فكأن المدعي دعا المدعي عليه إلى نفسه دعوة اختصاص.
والمدعي- لغة-: كل من ادعى لنفسه شيئاً، سواء كان في يده أو لم يكن، وسواء كانت دعواه توافق الظاهر أو تخالفه.
وأما شرعاً: فسيأتي الكلام فيه.
قال البندنيجي: والمدعى عليه- لغة وشرعاً-: من ادُّعِيَ عليه شيء في يده، أو حق في ذمته.
وقيل: إن الدعوى في اللغة: هي التمني، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: 57]، أي: ما يتمنون، وهذا ما أورده في "التهذيب".
وقال في "الإشراف": تفسير الادعاء بالتمني هو قول المفسرين، وليس حداً على شرط اللغة.
ويقال: ادعيت على فلان كذا ادعاءً.
والبينات: جمع البينة، وهي الموضحة، وسميت الشهود: بينة؛ لأنه يتبين بهم الحق ويظهر ويتضح؛ قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَاتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 1]، أي: الموضحة.
والأصل في هذا الباب: ما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم "قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ".
قال أبو داود والترمذي: وفيه إثبات الدعوى؛ إذ لا يكون مدعى عليه إلا بعد وجود الدعوى.
وما روى البخاري عن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّكُمْ لَتَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضِ، وَإِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيءٍ مِنْ حَقِ أَخِيْهِ فَلَا يَاخُذْهُ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ"؛ والذي يسمعه

منهما إنما هو دعوى وجواب.
وقد روى مسلم عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعَاوِيهِمْ، لادَّعَى نَاسُ دِمَاءَ نَاسٍ وَأَمْوَالَهُمُ، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيهِ".
قال في "الإشراف": وإنما جعلت البينة في جانب المدعي، واليمين في جانب المدعى عليه؛ لأن البينة حجة قوية بالبراءة عن التهمة، واليمين حجة ضعيفة؛ إذ الحالف متهم في يمينه بالكذب؛ [إذ] هو يستجلب باليمين منفعة إلى نفسه، والشاهد جلي عن التهمة؛ لأنه لا يجلب إلى نفسه خيراً، ولا يدفع عنها ضرراً.
وجانب المدعي ضعيف؛ لأنه ادعى على مخالفة الظاهر ديناً في ذمة غيره، أو عيناً في يده، والمدعى عليه أثبت على موافقة الظاهر فراغ ذمته عن الدين، والملك فيما احتوت يده عليه؛ فوضعت الحجة القوية في جانب الضعيف؛ لينجبر ضعف الجانب بقوة الحجة، ووضعت الحجة الضعيفة في جانب القوة؛ لينجبر ضعف الحجة بقوة الجانب.
قلت: وهذا الذي ذكره مستقيم على قولنا: إن المدعي من يذكر أمراً يخالف الظاهر، والمدعى عليه من يوافق قوله الظاهر.
وقد اختلف الأصحاب في حد المدعي والمدعى عليه فيما اصطلح عليه الفقهاء: فمنهم من قال: المدعي والمدعى عليه من المتخاصمين من ذكرناه، وهو ما ادعى الرافعي: أنه أظهر عند الروياني، والذي يشعر به لفظ "المختصر"، ويقتضيه كلام أكثر الأصحاب.
ومنهم من قال: المدعي منهما: من لو سكت بعد ما أبداه، لترك [و] سكوته، والمدعى عليه: من إذا سكت لم يترك وسكوته، بل يطالب بالجواب عند المنازعة.
قال في "البحر": ومن أصحابنا من قال: حقيقة مذهبنا: أن من أضاف ملكاً أو حقاً

إلى نفسه، أو زعم سقوط حق عن نفسه- فهو مدع، ومن اقتصر على مجرد النفي فهو المدعي عليه؛ ولهذا قبلنا بينة ذي اليد؛ لأنه يضيف ملك الدار التي في يده إلى نفسه؛ كما يضيف الخارج؛ وهذا راجع إلى القول الأول.
[ثم] قال الروياني: وإن شئت قلت: من زعم إذا شهد الشاهد: أن شهادته استندت إلى علم فهو مدع، ومن زعم ما لا يتصور عليه الشهادة، ولا يستند قول الشاهد فيه إلى علم، فهو مدعى عليه، وقد يتفق أن يكون الشخص الواحد مدعياً ومدعى عليه، و [هو] في المتبايعين إذا اختلفا فيما يوجب التحالف.
وكذا قاله البندنيجي، وغيرهما.
وهذا الاختلاف المذكور لا يختلف موجبه في الأغلب؛ فإنه لو ادعى زيد على عمرو ديناً في ذمته، أو عينا في يده، وأنكر- فزيد هو الذي يدعي خلاف الظاهر؛ لأن الظاهر براءة ذمة عمرو، وفراغ يده عن حق غيره، وهو الذي سكت لترك وسكوته، وعمرو إنكاره لما ادعي عليه موافق للظاهر، ولو سكت لم يترك وسكوته.
نعم، أثر الاختلاف يظهر فيما لو أسلم زوجان قبل المسيس، واختلفا: فقال الزوج: أسلمنا معاً، والنكاح باقٍ [بيننا]؛ وقالت المرأة: [بل] على التعاقب، ولا نكاح بيننا.
فإن قلنا: إن المدعي من يذكر أمراً على خلاف الظاهر، والمدعى عليه من يذكر أمراً على وفق الظاهر- فالمدعي هاهنا الزوج؛ لأن التساوق الذي يزعمه يندر وقوعه، والمرأة هاهنا مدعى عليها؛ لموافقة قولها الظاهر؛ فيكون القول قولها؛ فتحلف، وينفسخ النكاح.
وإذا قلنا: المدعي من لو سكت ترك وسكوته، والمدعى عليه من إذا سكت لا يقنع منه بالسكوت- فالمدعي هاهنا: المرأة؛ لأنها لو سكتت تركت، واستمر النكاح، والزوج مدعى عليه، لأنه لا يترك لو سكت؛ لأنه يحاول بسكوته استبقاء النكاح، والتنازع وقع في الانفساخ؛ فالزوج الساكت منكر، وهي مسلطة على

تكذيبه بالبينة؛ وعلى هذا فيحلف، ويحكم باستمرار النكاح؛ كما هو الأصح في "التهذيب".
وكذا يظهر أثر الخلاف [في] تشطير المهر إذا ادعى الزوج أن المرأة أسلمت قبله، وادعت أن إسلامهما وقع معاً.
وأما بالنسبة إلى بقاء النكاح وفسخه فلا؛ لأن الاعتماد فيه على قول الزوج، وهو مقر بالانفساخ.
وقد قال القاضي الحسين بعد تقرير ما ذكرناه: إنه يشكل على من قال بالأول دعوى المودع التلف أو الرد إلى المالك؛ فإن دعواه مخالفة للظاهر، ومع هذا جعلنا القول قوله.
ثم قال: إلا أن هاهنا أصلاً آخر، وهو بقاء الأمانة، والمودع يدعي الخيانة؛ ففي الحقيقة يصير المودع مدعياً والمودع مدعى عليه الخيانة.
وفي "الرافعي": أن أبا الحسن العبادي، قال: دعوى المودع توافق الظاهر؛ لأن المالك قد ساعد.
على الأمانة؛ حيث ائتمنه فهو يستبقي الأمانة، وهو يزعم ارتفاعها؛ فكان الظاهر معه.
قال الإمام: وقد أخذ الإصطخري هذا المسلك في الظهور والخفاء، ورد دعاوى قبلها كافة الأصحاب، وقال: إذا ادعى رجل من السفلة معاملة رجل عظيم القدر في أمر يبعد وقوعه، فدعواه مردودة، وهو كما إذا ادعى الرجل الخسيس: أنه أقرض ملكاً مالاً، أو نكح ابنته، أو استأجره لسياسة دوابه، أو ما جرى هذا المجرى، وهذا مردود.
والذي ذكره لا تعويل عليه، ولا يسوغ في الدين تشويش القواعد بأمثال هذا [الوسواس]، ثم ما ذكره رد دعوى بظن، وأما الذي كنا فيه تعيين المدعي والمدعى [عليه، فرد] ذلك إنما يتعلق بأمارات تغلب على الظنون.
واعلم أنه قد يوهم إيراد الغزالي أن الخلاف الذي ذكرناه في حد المدعي والمدعى عليه- قولان منصوصان، ويقويه أن الفوراني قال: اختلف قول الشافعي في

صورة المدعي والمدعى عليه، وحده، فقال في موضع: [المدعي] من يدعي أمراً باطناً، والمدعى [عليه] من يدعي أمراً ظاهراً.
وقال في موضع: المدعي من إذا سكت ترك وسكوته، والمدعى عليه من لا يترك وسكوته.
لكن الذي حكاه القاضي الحسين: أن القولين استنبطهما القفال من اختلاف قول الشافعي في مسألة إسلام الزوجين، وقد ينبه الخلاف في الفروع على الخلاف في الأصل المبني عليه إذا لم يمكن تخريج ذلك إلا على أصل واحد.
وتبعه الإمام والبغوي في ذلك؛ ولأجله ادعى الرافعي أنه المشهور، ثم اعترض على ذلك بأمور.
فقال في الأول منها: إنه يمكن أن يعكس ما ذكروه من البناء، ويقال: [إن قلنا: إن المدعي من يترك وسكوته، فالمدعي في مسألة اختلاف الزوجين إنما هو الزوج؛ لأن النكاح حقه، فلو تركها ولم يطلبها ترك، وهي لا تترك لو سكتت وأعرضت.
وإن قلنا: إن المدعي من يذكر خلاف الظاره، فهي المدعية؛ لأنها تزعم ارتفاع النكاح، والظاهر دوامه.
والثاني: ما المعنى بالظاهر في قولنا: إن المدعي من يخالف الظاهر، أيعني به مطلق ما يدل عليه، أم يعني به الظن الأرجح والأغلب، أم استصحاب ما كان من وجود أو عدم؟ إن عنينا الأول، لزم أن يكون لكل واحد من المتداعيين أبداً؛ لأن دليلاً ما يدل على [صدق] هذا، وآخر يدل على براءة هذا.
وإن عنينا الظن الأغلب والأرجح، فهذا يختلف بالأشخاص والأحوال والقرائن الواقعة في الحادثة: فتارة يكون الأغلب على الظن صدق الطالب، وأخرى صدق المنكر.
وإن عنينا استصحاب ما كان، فلم تجعل المرأة مدعى عليها إذا قلنا: إن المدعى عليه من يوافق الظاهر، وهي لا تستصحب شيئاً، بل تترك استصحاب [الأصل] الذي كان؟

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل