كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[من] الإنسان] ".
قال القاضي: وغير مأكول اللحم يترتب عليه.
وقد اختلف في تفسير قوله- عليه السلام-: "أُرْنُ" [معناه]: قيل: وهو بضم الهمزة، وسكون الراء، على وزن "اُعْط"، بمعنى أدم الحز ولا تفتر؛ من رنوت؛ إذا أدمت النظر، وردَّ بعضهم هذا بأن الأمر من رنا يرنو: ارن.
وقيل: هو بكسر الراء على وزن "أَطِعْ"، أي: أهلكها ذبحاً؛ من قولهم: أران القوم: إذا هلكت مواشيهم، ورده بعضهم [- أيضاً-] لأن "أران القوم" لا يتعدى والذي في الحديث يتعدى.
وقال بعضهم: معناه: كن ذا شاة هالكة وأهرق نفسها، وكل ما أنهر الدم.
وقد اختلف في معنى قوله- عليه السلام-: "أما السن فإنه عظم" فقهاً وفتيا:
فنقل عن الشيخ عز الدين: أنه قال: "للشرع علل تعبدية، كما له أحكام تعبدية"، ولعله يشير إلى أن هذا من ذاك.
وقال غيره: قد ورد الشرع بمنع الاستنجاء بالعظم؛ لكونه زاد الإخوان من الجن، وما ذاك إلا للنجاسة المانعة من أكله، والدم بهذه المثابة.
قلت: ويظهر أن يقال: [إن] ذلك ورد منه؛ لأن الذبح بالعظم لا يجوز عندهم، وأن حكمته: ألا يكون موت الحيوان ببعض منه مبيحاً له، على أن سياق حديث رافع يدل على أن المعهود المألوف عندهم: أنه لا ذكاة إلا بالمدية.
وقوله: "ما أنهر الدم" أي: أساله، وأجراه، ومنه سمي نهر الماء: نهراً.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي حل الذكاة بالعظم؛ لأنه غير السن والظفر، وكذلك كلام البندنيجي، لأن لفظه كلفظ الشيخ، وهو ما صرح به في "الحاوي"، حيث قال: إن الشافعي – رضي الله عنه- قال في الذكاة بالعظم: "كرهته، ولا يبين لي أنه يحرم، لأنه لا يقع عليه اسم سن ولا ظفر".
فاعتبر الشافعي- رضي الله عنه- في التحريم الاسم، وأجازه بالعظم؛ لخروجه
عن الاسم، وكرهه؛ لأنه في معناه، ولم يقسه عليه؛ لاستثناء أصله.
قال: وفيه عندي نظر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل المنع من السن، فقال: "لأنه عظم"، فصار تعليل الاسم بالعظم دليلاً على اشتراكهما في الحكم من جهة النص، وليس بقياس على النص.
وبالتحريم أجاب الإمام والبغوي وابن الصباغ، وبه صدر الروياني كلامه، وقال: لو قيل: يجوز الذبح بكل ما له حد يقطع إلا العظم كفى؛ لأن السن والظفر من جملته.
وألحق هؤلاء النصل من العظم [به]، فقالوا: لو جعل نصل السهم عظماً، وقتل به الصيد، لم يحل.
وقال في "البحر": إن بعض أصحابنا قال: إذا كان العظم من مأكول اللحم يحل به الذكاة؛ حكاه أبو سليمان الخطابي، وهو غريب.
قال: ولا يذبح بسكين كال؛ لما روى مسلم [وغيره] عن شداد بن أوس قال: خصلتان سمعتهما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".
والقتلة- بكسر القاف-: الحالة من القتل، وبفتحها: المرة منه.
"وليحد" بضم الياء آخر الحروف، وكسر الحاء المهملة، قال الجوهري: وتحديد الشفرة وإحدادها واستحدادها بمعنى.
وقال غيره: الشفرة: السكين، وقيل: السكين العريضة، وقيل: العظيمة.
وإحداد الشفرة تفسير لإحسان الذبح، وقيل: من إحسان الذبح: ألا يذبح وأخرى تنظر، والسكين معروف: سمي بذلك؛ لأنه يسكن حركة المذبوح، وفيه لغتان: التذكير، والتأنيث.
وحكى الكسائي: سكينة، ويقال للسكين: مُدْية ومَدْية [ومِدْية]؛ ثلاث لغات مشتقة من المدى، وهي الغاية؛ لأنها مدى الأجل، والكال: الضعيف الحد؛ من كَلَّ الرجل إذا أعيا، يقال: كَلَّ السكين والسيف، يكل كلالاً [وكلالة] وكلولاً.
قال: فإن ذبح به حَلَّ؛ لقوله عليه السلام: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكلوا" وهذا منوط بأمرين: أحدهما: ألا يكون كلالها غير قاطع بحده إلا بشدة الاعتماد وقوة الذابح، فإن كان كذلك لم يحل؛ صرح به الماوردي وغيره؛ لأنه يصير المنهر للدم هو الذابح دون الآلة.
الثاني: ألا ينتهي الحيوان قبل استكمال قطع الحلقوم والمريء إلى حركة المذبوح، أما إذا انتهى إلى ذلك فسيظهر لك ما نخرجه عليه [كما سيأتي] من بعد.
قال: وما قدر على ذبحه، أي: وحشياً كان أو إنسياً- لم يحل إلا بقطع الحلقوم والمريء.
اشتراط أصل الذكاة في حل المقدور عليه ثابت بالإجماع، وأما كيفيتها، فأقل ما يجزئ فيها عند [الإمام] الشافعي- رضي الله عنه – قطع الحلقوم والمريء؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله تعالى عليه فكلوا".
فاعتبرها بما أنهر الدم.
وقطع الحلقوم والمريء منهر للدم؛ فتعلق به الإجزاء؛ ولأن بهما توجد الحياة، وبفقدهما تفقد الحياة؛ فإن الحلقوم- بضم الحاء والقاف-: مجرى النفس إلى الرئة، وهو في مقدم الرقبة.
والمريء- بالهمز-: مجرى الطعام والشراب، يلي الحلقوم.
والمقصود بالذكاة: فوات النفس بأخف الألم؛ شداد بن أوس، وهذا ما نص عليه الشافعي- رضي الله عنه-.
وعن الإصطخري: أنه يكفي قطع أحدهما؛ لفقد الحياة بقطعه.
قال الماوردي: وهذا زلل منه؛ لأن المقصود بالذكاة ما عجل التوحية من غير تعذيب وفي قطع أحدهما إبطاء للتوحية وتعذيب للنفس؛ فلم تصح به الذكاة، نعم: لو قطع بعض الحلقوم والمريء: فإن قطع أقلهما، لم يجزئ، وإن قطع أكثرهما، ففي الحل وجهان:
أحدهما- وهو مختار القاضي الروياني في الحلية-: [الحل] والظاهر من المذهب- كما قال في "البحر" وغيره أنها لا تحل أيضاً، وهو الذي أورده البندنيجي، وكذا الإمام.
والمقدور على ذبحه ما كانت الحياة فيه مستقرة حال القدرة على قطع حلقومه ومريئه، سواء فيه من كانت معه آلة [الذبح أو لم يكن معه آلة] القطع؛ إما لعدم استصحابه لذلك ذاكراً كان [أو ناسياً أو لاستصحاب وسقوطه أو سرقته منه، نعم: لو غصب منه، فهل يكون عذراً] في حل الصيد ونحوه إذا مات قبل الذكاة؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ كما لو حال بينه وبينه سبع حتى مات؛ فإنه يحل.
والأظهر: المنع- أيضاً- وبه جزم الماوردي والغزالي، وفرق الماوردي بأن غصب السكين عائد إليه، ومنع السبع عائد إلى الصيد.
وأما غير الصيد من الحيوانات الأهلية، [فقد] قال الإمام: يبعد كل البعد طرد هذا الخلاف فيها إذا أشرفت على الفوات، والفرق لائح؛ فإن الصيد لو هلك قبل الإدراك حل، ومن هنا يؤخذ أن [محل الوجهين في الصيد إذا كان] بحيث لو لم يتمكن من ذكاته ومات حَلَّ، وإذا كان هذا حكم من فقد الآلة، فمن وجدها فهو أولى، سواء كانت كالة أو حادة.
وحكى الماوردي عن ابن أبي هريرة: أن السكين لو كانت في قرابها، فأمسك عليها، وتعسر عليه خروجها حتى مات الصيد: أنه يحل، لأن السكين [في الأغلب تصان] في قرابها إلى وقت الحاجة إليها؛ فلم يكن مفرطاً.
قال: وهذا عندي يعتبر بحال القراب، فإن كان على المعهود في الإمساك لما اشتمل عليه، كان مأكولاً، وإن خرج عن المعهود في الضيق والشدة كان غير مأكول.
ولو كان قد تشاغل بإحداد السكين؛ لكلالها حتى مات الصيد وما في معناه؛ ففي "الحاوي" و"تعليق القاضي الحسين": أنه حرام.
وقد اعتبر الإمام مع قطع الحلقوم والمريء أمرين [آخرين].
أحدهما: رعاية الإسراع في قطع المذبح، وحده: إلا يجد ولا يدرك انتهاء الشاة قبل انتهاء قطع الحلقوم والمريء إلى حركة المذبوح، فلو قطع الذي يذبح الشاة بعض الحلقوم وبعض المريء [على أناة] مجاوزة للعادة حتى يتبين مصير الشاة
إلى حركة المذبوح قبل استكمال القطع فيما يجب قطعه [ثم] قطع البقية، فالشاة حرام؛ و [من] هنا يؤخذ أن من شرط الحل: أن يقع تمام الذكاة والحياة مستقرة في المذكى؛ كما صرح به الغزالي، لكن سيأتي في كلام الإمام وغيره عند الكلام في ذبح الشاة من قفاها ما ينازع فيه.
الثاني: ألا يقترن بقطع المذبح ما يعين على التذفيف إما محققاً أو مظنوناً، وإن كان لو تقدم مثله لم يضر، مثاله: أن يشرع واحد في قطع الحلقوم والمريء، وآخر شارع معه في إخراج الحشوة أو الحش في الخاصرة، بحيث يخرج قطع الحلقوم والمريء عن أن يكون هو المذفف، ولا شك في التحريم في هذه الصورة، وكذلك فيما لو شرع واحد في الذبح من القفا، وآخر في قطع الحلقوم والمريء، وسيأتي الكلام في بقية هذا الفرع إن شاء الله تعالى.
فإن قلت: ينبغي أن يعتبر مع ذلك أمر ثالث وهو أن يكون قطع الحلقوم والمريء بما له حدُّ يقطع؛ ليخرج به ما إذا قطعهما ببندقة رمى بها فإنه لا يحل؛ كما صرح به ابن الصباغ في هذا الباب؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: 3]، وهي التي أصليت بالحجارة، وإن كان قوله- عليه السلام-: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا" يقتضي الحل.
قلت: هذا الشرط قد يؤخذ من قوله أولاً: "ويجوز الذبح بكل ماله حد يقطع [به]، فإنه يفهم: أن ما ليس له حد لا يجوز الذبح به، نعم: ينبغي أن يضاف إلى ذلك [أن يقع] القطع فيما يقصد قطعه، ويحترز به عن أمرين.
أحدهما: إذا ضرب جداراً بسيف، فأصاب عنق شاة، فإنها لا تحل ألبتة؛ كما قال القاضي الحسين وغيره؛ لأنه وجد في فعله الخطأ، وعدم القصد؛ لأن النية شرط.
الثاني: إذا رمى إلى شاته الربيطة سهماً جارحاً، فاصاب الحلقوم والمريء وفاقاً، وقطعهما، فإن الإمام قال: إن في الحل نظراً مع القدرة على الذبح.
ويجوز أن يفرق بين أن يقصد الذبح بسهمه، وبين أن يقصد الشاة فيصيب المذبح.
قال النواوي في "الروضة": والأصح الحل.
قلت: ويؤيده أن القاضي في "الفتاوي" قال: لو رمى إلى صيد فقبل أن يصل إليهالسهم انكسر عضو منه، وصار مقدوراً على ذبحه- لا يحل إلا أن تصيب الرمية مذبح الصيد فيحل، وسنذكر أيضاً ما يعضده عن [غير] القاضي.
و [عكس هذه الصورة] لو [رمى إليه] وهو مقدور عليه، [فأصابه السهم] وهو غير مقدور عليه- حَلَّ؛ قاله الرافعي.
وقد احترز الشيخ بقوله: "وما قدر على ذبحه" عما لا يقدر على ذبحه، وهو نوعان:
أحدهما: بعض الصيود، وسيأتي الكلام فيه.
والثاني: إذا وقعت البهيمة في بئر ونحوها، وتعذر إخراجها حية، ولم يتمكن من قطع حلقومها ومريئها، أو توحشت فإنها تلحق بالصيود المتعذر ذكاتها حتى تحل بعقرها في غير المذبح؛ روى أبو داود عن أبي العشراء عن أبيه أنه قال: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو طعنت في فخذها، أجزأ عنك".
قال أبو داود: وهذا لا يصلح إلا في المتردية والمتوحش، وقد أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل أنسيّةٍ توحشت، فذكاتها ذكاة الوحشية".
وهذا نص في الباب، وقد قال بهذا جمع من الصحابة، ومحله بالاتفاق إذا كانت الجراحة مزففة؛ لأنها حينئذ تلحق بقطع الحلقوم والمريء.
أما إذا لم تكن كذلك مع القدرة على التذفيف، فالذي قاله القفال والمحققون: عدم الحل؛ لأنه- عليه السلام- قال: "لو طعنت في خاصرته لحلَّ لك"، والجرح في الخاصرة مذفف.
وقد قال بعض الأصحاب: يكفي الجرح المدمي الذي يجوز وقوع القتل به، قال الرافعي: وهو ما أورده المعظم.
ولو ندَّ البعير، وشردت الشاة، وتعذر الوصول إليها؛ لإفضائها إلى مهلكة أو مسبعة- فحكمه كما ذكرناه.
[و] روى البخاري ومسلم وغيرهما عن رافع بن خديج في بقية الحديث السابق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصاب نهبي فند منها بعير، ولم يكن معهم حبل، فرماه رجل بسهم فحبسه- أي: أماته- فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا، فافعلوا به مثل هذا".
وروى: "فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا".
والأوابد: هي التي قد تأبدت، أي: توحشت [ونفرت من الإنس، يقال: أبد الرجل أبوداً؛ إذا توحش] وتخلى.
نعم: يختلف حكم البعير إذا ندَّ وإذا وقع في بئر؛ فإنه لو أرسل على الناد كلباً فقتله حل، ولو أرسل عليه وهو في البئر كلباً، ففي حله وجهان: أصحهما في "البحر": المنع.
ومقابله: منسوب إلى البصريين، وصححه النواوي في "الروضة"، وكذا الشاشي.
أما لو كان لا يفضي شرود الشاة والبعير إلى مهلكة، وربما كان يسكن فيدرك، قال الإمام: فالظاهر عندي أن الذبح فيه لا يحصل بالجرح في غير المذبح؛ فإن هذا التعذر إلى زوال؛ فلا حكم له، وفي كلام أصحابنا ما يدل على خلافه.
وقد جعل الغزالي ما أبداه الإمام الظاهر من المذهب.
قال الإمام: وعلى هذا لو كان الحيوان لا يفضي بشروده إلى مهلكة، لكنه يفضي به إلى الوقوع بين لصوص أو غصاب، فوجهان.
وعلى كل حال: فإذا ألحقنا نداد البعير بوقوعه في البئر، فهل يشترط في حله التذفيف في رميه إذا أمكن، وقلنا باشتراطه في جرحه إذا وقع في البئر؟ الحكم فيه الصيد، وقد حكى الإمام فيه اختلافاً، فقال: من أصحابنا من قال: لا يجب اتباع
الرمي، ومنهم من أوجبه.
فرعان: أحدهما: لو تردى بعير فوق بعير، فغرز رمحاً في الأول، فنفذ منه إلى الثاني، قال القاضي الحسين: إن كان عالماً بالثاني، حلَّ، وكذا إن كان جاهلاً به على المذهب؛ كما لو رمى صيداً فأصابه، ونفذ منه فأصاب آخر يحل.
الثاني: إذا صال عليه صيد أو بعير، فدفعه عن نفسه، وجرحه فقتله، قال القاضي الحسين [في التعليق:] فالظاهر أنه يحل إذا أصاب المذبح، وإن لم يصب المذبح فوجهان.
واعلم أن بعضهم جعل من جملة ما احترز عنه الشيخ بقوله: "وما قدر على ذبحه" الجنين؛ للخبر، وفيه نظر؛ لأن الشرع جعل [من جملة] ذكاته ذكاة أمه، وذكاة أمه لا تخرج عن القسمين؛ فلا معنى لذكره؛ لأن المقصود هاهنا بيان كيفية الذكاة، لا نفس الحل من غير ذكاة؛ فإنه محله ما تقدم.
نعم: لو خرج الجنين وفيه حياة يتسع معها الزمان لذبحه، فلم يذبحه-[ولو] لفقد الآلة- ومات، لم يحل، وإن خرج حياً، ولم يتسع الزمان لذكاته، حلَّ، فلعله أراد هذه الحالة.
ولو خرج بعضه والحياة مستقرة فيه قال في "التهذيب": فلا يحل بذبح الأم.
وقال القفال: يحل.
وفي "النهاية" ما يقتضي أن يكون الصحيح الحل، وأن المعزى إلى القفال خلافه؛ فإنه قال في باب العدد: إذا انفصل بعض الجنين وصرخ واستهل، ينزل في جميع أحكامه منزلة الجنين الذي لم ينفصل منه شيء، وعزى إلى القفال أنه ينزل منزلة المنفصل بجملته في جميع القضايا والأحكام، وهذا إن كان منقاساً فهو ضعيف في الحكاية ما أراه ملحقا بالمذهب [والله أعلم].
واحترز الشيخ بقوله: "لم يحل إلا بقطع الحلقوم [والمريء"] عما لو اختطف رأس العصفور قلعاً، فإنه لا يحل؛ لأنه لا يسمى ذكاة، بل هو في معنى الخنق لا في معنى القطع.
قال: ويستحب أن توجه الذبيحة إلى القبلة، أي: في الأضحية والهدي وغيرهما؛
لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة، ولأنه لابد [لها] من جهة، فكانت جهة القبلة أولى، وذلك في الأضحية ونحوها أشد استحباباً؛ لأنه- عليه السلام- وجه كبشه إلى القبلة.
وروي عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ضحوا وطيبوا أنفسكم؛ فإنه ليس من مسلم يوجه أضحيته إلى القبلة إلا كان دها وقرنها وصوفها حسنات [في ميزانه].
فإن قيل: هذه حالة إخراج نجاسة؛ فيكره استقبال القبلة بها؛ كحالة التغوط والبول.
قيل: الفرق أن هذه حالة يستحب فيها ذكر الله تعالى؛ فاستحب فيها استقبال القبلة؛ بخلاف تلك مع أن كشف العورة يلازمها.
وقد اختلف الأصحاب في كيفية توجيهها إلى القبلة على أوجه:
أظهرها في "الإبانة" وغيرها: أنه يوجه المذبح ولا يوجه وجهها؛ لأن استقبال القبلة في حقه مستحب، فلو وجهها لاحتاج أن يستدبر القبلة، ويجعلها على يساره، وهذا ما دَلَّ عليه النص؛ فإن البيهقي نقل عن الشافعي- رضي الله عنه- أنه قال: "أحبُّ في الذبيحة أن توجّه إلى القبلة، وإن استقبل الذابح القبلة فهو أحب إليَّ".
والثاني: أنه يوجه [جميع] بدنها.
والثالث: أنه يوجه قوائمها.
قال: ويسمى الله تعالى [عليها]، الأصل في مشروعية التسمية قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 118]، وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 4.
وقد سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين ذبح أضحيته فقال: "بسم الله"، كما أخرجه البخاري ومسلم عن رواية عائشة، رضي الله عنها.
والأصل في كونها سنة حتى إذا تركت لم تؤثر في الحل: أن الله تعالى أحَلَّ ذبائح
أهل الكتاب، وهم لا يذكرون اسم الله تعالى عليها غالباً، وأباح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ثعلبة الخشني ما أمسك عليه كلبه، وردَّ عليه قوسه ذكياً وغير ذكي، ولم يأمره بالتسمية.
وروى مسلم والبخاري عن عائشة- رضي الله عنها- أن ناساً قالوا: يا رسول الله، إن قوماً من الأعراب يأتوننا باللحم، ما ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سموا الله وكلوا" فدل على أنها غير واجبة.
وروى البراء بن عازب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "المسلم يذبح على اسم الله، سمى أو لم يسم".
وروى أبو هريرة أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله تعالى؟ [فقال: "اسم الله على قلب كل مسلم".
ولهذا قال الشافعي- رضي الله عنه-: "وإذا أرسل أحببت أن يسمي الله تعالى] فإن نسي فلا بأس؛ لأن المسلم يذبح على اسم الله"، وأراد بهذا الجواب لمن احتج بقوله تعالى: ﴿وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121].
وبقوله عليه السلام: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل"، فجعل ذلك شرطاً.
وقد أجبت عن الآية بجواب آخر وهو ما روي [أن] ابن عباس قال: المقصود بها تحريم أكل الميتة، وذاك أن مجوس الفرس قالوا لقريش: تأكلون مما قتلتم، ولا تأكلون مما قتله الله؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] ويدل عليه سياق الآية؛ فإنه قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121]، وأجمعنا على أن من أكل من ذبيحة مسلم لم يسم الله عليها، فليس بفاسق، وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: 121]، وأراد به: وحي المجوس إلى قريش.
وإذا ثبت استحباب التسمية عند الذبح، كان [استحبابها] في [ذبح] الأضحية ونحوها آكد.
وكذا يستحب عند إرسال الكلب والسهم إلى الصيد ونحوه.
وهل يستحب عند عض الكلب وإصابة السهم؟ فيه وجهان ينسبان إلى الشيخ أبي محمد.
قال الرافعي: وهذا في تأدية الاستحباب بكماله، أما أصل الاستحباب عند الإصابة إذا تركت التسمية عند الإرسال، فما [ينبغي أن] يكون فيه خلاف؛ كما أن من ترك التسمية في ابتداء الوضوء والأكل، يستحب له أن يسمي في أثنائهما.
والتسمية: باسم الله، فإن زاد شيئاً من ذكر الله تعالى، فالزيادة خير؛ حكاه في "البحر" عن البيهقي عن الشافعي، رضي الله عنه.
قال في "الحاوي": ويختار في الأضحية خاصة أن يكبر الله تعالى قبل التسمية وبعدها ثلاثاً؛ لأنها في أيام التكبير، فيقول: "الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد"، خاتماً بالحمد بعد التكبير.
قال: ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، قياساً على سائر المواضع، وهذا ما نص عليه في "الأم" حيث قال: "ولا أكره الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن أستحبها"، وإن كانت رواية المزني تفهم أنها لا تستحب ولا تكره؛ لأنه حكي عنه أنه قال: "ولا أكره الصلاة
على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنها إيمان بالله تعالى؛ قال- عليه السلام-: "أخبرني جبريل عن الله سبحانه أنه قال: من صلى عليك صليت عليه".
وهذه اللفظة إنما تستعمل فيما لا يستحب؛ ولأجل ذلك، قال ابن أبي هريرة: لا تستحب.
وليس بصحيح.
ولا نزاع في أنه لو قال: "أذبح للنبي - صلى الله عليه وسلم - "، أو: "تقرباً له" لا يحل أكلها؛ كما نص [عليه] الشافعي- رضي الله عنه- في "الأم" حيث قال: "لو قال: أهللت بها لعيسى، حرم أكلها".
وفي "المختصر": "على أن أهل الكتاب إذا كانت لهم ذبائح يذبحونها باسم غير الله [عز وجل] كالمسيح لم يحل".
وعن أبي الحسين تخريج وجه حكاه الرافعي فيما إذا ذبح المسلم للرسول أو للكعبة: أنه يحل، بخلاف ما لو ذبح اليهودي لموسى والنصراني لعيسى؛ لأن المسلم يذبح لله سبحانه، ولا يعتقد في الرسول ما يعتقده اليهودي والنصراني في موسى وعيسى.
نعم: لو ذبح النصراني لله، وذكر اسم المسيح، فهو حلال، وإن كان مكروهاً.
قال: وهكذا الحكم فيما لو ذبح للجن؛ روي أنه- عليه السلام- نهى عن ذبائح الجن.
قال أبو عبيد: وهو أن يشتري الرجل داراً أو يستخرج عيناً فيذبح؛ خوفاً من أن يصيبه الجن فيها، فإن فعل ذلك؛ تقرباً لله تعالى؛ ليرفع إصابة الجن- حَلَّ، وإن ذبح للجن؛ استدفاعاً بهم، حرم أكلها.
قال: وأن يقطع الأوداج كلها؛ لأن ذلك أرجى وأسهل لخروج الروح، فهو من
الإحسان في الذبح، وفيه خروج من خلاف من يذكره.
والمراد بالأوداج: الحلقوم والمريء والوريدان، وهما عرقان في جانبي العنق من مقدمه يحيطان بالحلقوم، ويقال: إنهما يحيطان بالمريء؛ لأن اسم الأوداج يقع عليهما؛ صرح به الرافعي وغيره، ويظهر أن يكون ذلك من باب التغليب؛ فإنه ليس للحيوان إلا ودجان.
وقد جاء في الحديث: "ما أفرى الأوداج فكل".
وروي أنه قال "أفر الأوداج ولا تزد"، والمراد ما ذكرناه؛ ولأجله اشترط مالك – رحمه الله- في الحل قطعهما مع الحلقوم والمريء، [و] دليلنا عليه ما تقدم، والحديث محمول على الندب.
أو نقول: خرج مخرج الغالب؛ فإنه لا يتأتى قطع الحلقوم والمريء إلا بقطعهما غالباً، وهما قد يسلان من الآدمي وغيره ويعيش؛ فلا يشترط قطعهما كسائر العروق.
فإن قلت: الحلقوم والمريء قطعهما شرط، فكيف نجعله مستحباً؟ قلت: المستحب قطع الوريدين مع قطعهما، فالمجموع هو المستحب، وهذا كقوله في باب سنن الوضوء والطهارة: "ثلاثاً ثلاثاً" مع أن الغسلة الأولى فرض.
وإن سلكت ما سلكه النواوي في أن المراد بقوله: "الأوداج": الودجين لا غير؛ إما لأن إطلاق صيغة الجمع على الاثنين حقيقة كما هو عند طائفة، أو مجاز كما هو عند الأكثرين- اندفع السؤال من أصله.
قال: وأن ينحر الإبل؛ لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] على التفسير الأشهر، والمعنى فيه: أنه أسرع لخروج الروح منها بسبب طول أعناقها، وقضية ذلك: أن تشاركها الزرافة فيه إذا رأينا إباحة أكلها والنعام والبط.
قال: معقولة من قيام؛ لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: 36].
قال ابن عباس: معقولة إحدى يديها.
وروى أبو داود عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر سبع بدنات بيده قياماً.
وعن ابن عمر: أن رجلاً أضجع بدنة، فقال: قياماً سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -.
ويستحب أن تكون اليد المعقولة هي اليسرى؛ لما روى جابر أنه- عليه السلام- وأصحابه كانوا ينحرون الإبل معقولة اليسرى.
والنحر: الطعن بحديدة أو سكينة أو حربة وما له حد، في المنحر، وهو ثغرة النحر، وهي الوهدة التي في أعلى الصدر وأصل العنق.
قال البندنيجي: ولا حد له غير أنه إذا نحر المكان أجزأه، وكلامه يفهم أن إيجاب قطع الحلقوم والمريء واستحباب قطع الودجين مخصوص بالذبح؛ لأنه قال بعد ذلك: "وأما الذبح فالكلام فيه [في] فصلين في الكمال، وأقل الإجزاء .. "، وساق ما ذكرناه.
وفي "الحاوي" و"النهاية" وغيرهما: أن المقطوع من البعير الحلقوم والمريء أيضاً، وهذا هو الذي يقتضيه كلام الشيخ، والله أعلم.
قال: ويذبح البقر والغنم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67]، ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107] [وما روى مسلم عن عائشة قالت: "ذبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نسائه البقر يوم النحر"].
وما روي "أنه- عليه السلام- ضحى بكبشين أقرنين أملحين، يذبح ويكبر ويسمي، ويضع رجله على صفحتهما" [كما] أخرجه البخاري ومسلم.
والذبح: الشق والفتح في المذبح، وهو في أسفل مجتمع اللحيين في أعلى العنق.
[قال:] مضجعة أما في الغنم فللخبر، وقد جاء في البخاري ومسلم عن عائشة أنه- عليه السلام- أخذ الكبش فأضجعه وذبحه.
وأما في البقر؛ فبالقياس على الغنم؛ لمشاركتها لها في سنة الذبح، ولأنه أمكن.
ويستحب أن تكون مضجعة على الجنب الأيسر، ويترك رجلها اليسرى، ويشد قوائمها الثلاث، ويكون إضجاعها برفق.
ولو عكس المذكي، فذبح الإبل، ونحر البقر والغنم في اللبة [كما ذكرنا] أجزأه:
أما في الإبل؛ فلأن ما كان ذكاة في البقر، كان ذكاة في الإبل؛ كالنحر.
وأما في البقر والغنم؛ فقد ادعى الشيخ أبو حامد فيه الإجماع، وفيه شيء؛ لأن المالكية يذكرون خلافاً فيه.
وقد روى مسلم وغيره عن جابر قال: "نحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة"، وذلك حجة [على] من خالف فيها، ويظهر أن يكون هذا الخبر أيضاً حجة من قال من أصحابنا: إنه يتخير في البقر بين النحر والذبح، وهو ما أورده في "الإبانة".
وقد صرح الشافعي- رضي الله عنه- بكراهة ذبح الإبل؛ لأن الإمام مالك- رحمه الله- خالف في حلها كما هو المشهور عنه؛ تمسكاً بأن عنق البعير طويل، فإذا ذبح ترددت الروح فيه، وأدى ذلك إلى بقاء حياة فيه وتعذيب.
قال أصحابنا: وهذا يبطل بالنعام والبط؛ فإن عنقه طويل وتردد الروح [فيه
لذلك]، ومع ذلك يجزئ ذبحه، وسكت الأصحاب عن كراهة نحر البقر والغنم.
وقال الرافعي: إن ذلك غير مكروه، وكذلك ذبح الإبل وإن ترك المستحب، ثم قال: وقيل: إنه يكره.
وفي "تعليق البندنيجي": أنه يكره قطع ما بين الثغرة والمذبح.
قال: ولا يكسر عنقها ولا يسلخ جلدها حتى تبرد؛ لأن فعل ذلك قبل أن تبرد تعذيب للحيوان.
وقد روي عن عمر أنه قال: لا تعجلوا الأنفس أن تزهق، ولا تنخعوا، ولا تفترسوا.
والزهق: الإسراع، والمراد به: إسراع خروج الروح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ﴾ [التوبة: 55].
قال الماوردي: وفي المراد بنهي عمر ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقطع أعضاء الذبيحة قبل خروج نفسها؛ كالذي كانت الجاهلية تفعله.
والثاني: تعجيل سلخها قبل خروج نفسها؛ لتعجيل أكلها.
والثالث: أن يمسكها بعد الذبح حتى لا تضطرب؛ ليتعجل خروج روحها؛ كاليهود.
قال البندنيجي: والنخع: قال الشافعي: هو كسر العنق بعد الذبح، والمشهور أن النخع: المبالغة في الذبح إلى أن يصل القطع إلى النخاع؛ كما قاله أبو عبيدة وأبو عبيد.
والنخاع: عرق أبيض، يمتد من الدماغ، ويستبطن القفا و [يمتد] إلى عجب الذنب.
وقد حكي عن أبي عبيد: أنه عظم في الصلب يمتد إلى القفا، وعلى كل حال فهو مكروه.
والفرس: قال أبو عبيدة: هو والنخع واحد.
وقال أبو عبيد: الفرس: كسر العنق، ومنه سميت الفريسة؛ فإن السبع إذا أخذها كسر عنقها، وهكذا ذكر الشافعي- رضي الله عنه- في تفسير الفرس.
وقال ابن أبي هريرة: هو كسر عظم الرأس.
وقيل: هو قطع الرأس.
وقد أفهم كلام الشيخ: أن عدم كسر العنق، وسلخ الجلد قبل أن يبرد مستحب، وما كان تركه مستحباً، فقد يطلق على فاعله أنه ترك الأولى، وقد يطلق عليه أنه فعل مكروهاً، وهو الذي صرح به الأصحاب هاهنا، وقال الماوردي: إن كراهة قطعها قبل أن تبرد أغلظ من كراهة سلخها.
تنبيه: إذا عرفت أن كسر العنق وقطع ما وراء الحلقوم والمريء مكروه، عرفت أن فعل ذلك قبل قطع المريء والحلقوم أشد كراهة، وربما قيل: إنه محرم وإن حل الأكل؛ لوجود شرط الذكاة- كما سنذكره- صرح به الرافعي، وكذا فيما إذا ابتدأ في القطع من صفحة العنق؛ لأنه يعرض الحيوان لأن يكون ميتة، فإن الحل في هذه الحالة منوط- كما قال الفوراني وأبو الطيب وابن الصباغ والمصنف- بأن تكون الحياة فيه مستقرة قبل قطع المريء والحلقوم، وقد تفقد؛ فلا يحل.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يعتبر بقاء الحياة المستقرة- أيضاً- بعد قطع الحلقوم؛ لأنه لم يحل بقطع الحلقوم خاصة، وهذا منه يفهم أمرين:
أحدهما: أن الذي يقع الابتداء بقطعه في هذه الصورة الحلقوم؛ لأنه لو اتقد أن المبتدأ بقطعه فيها المريء، لم ينتظم ما ذكره من التعليل، ولكان ما أبداه احتمالاً هو ظاهر النص، وليس الأمر كذلك، بل الذي يقع الابتداء بقطعه [في هذه الصورة] المريء.
والثاني على تقدير أن الذي يقع الابتداء بقطعه في هذه الصورة الحلقوم: أن المذهب الاكتفاء بكون الحياة مستقرة عند الشروع في قطع الحلقوم، وقياسه: أن
يكتفي بكون الحياة مستقرة فيما إذا ابتدأ القطع من مقدم العنق عند قطع الحلقوم خاصة أيضاً، وعليه ينطبق قول الإمام في [مسألتنا]: إن الحياة لو كانت مستقرة [عند الشروع] في قطع المريء والحلقوم، يحل وإن لم توجد عند تمام قطعهما؛ إذا وجد الإسراع على النسق المعتاد، فإنا لو قلنا بالتحريم، لم يأمن أن يتوجه مثل هذا التقدير من غير قطع يتقدم الأخذ في فري المذبح، لكن الذي حكاه المزني عن الشافعي- رضي الله عنه- في "المختصر": أنها إن تحركت بعد قطع رأسها أكلت وإلا لم تؤكل.
وفسر البندنيجي وجمهور الأصحاب ذلك بأن الشافعي قال: إنما تعلم الحياة المستقرة بشدة الحركة، فإن كانت الحركة شديدة بعد قطع الرقبة؛ فالحياة مستقرة، وإن لم يكن هناك حركة؛ فليس هناك حياة وهذا يقتضي اعتبار استقرار الحياة بعد قطع جميع الرأس، وهذا ما أورده الماوردي.
وقد أنكر القاضي الحسين صحة ما نقله المزني، وقال: إنما قال الشافعي- رضي الله عنه-: "لو ذبحها من قفاها أو إحدى صفحتي عنقها، ثم لم يعلم متى ماتت؟ لم يأكلها حتى يعلم، فإن علم أنها حييت بعد قطع القفا أو إحدى صفحتي العنق، حتى وصل بالمدية إلى الحلقوم والمريء وقطعهما وهي حية- أكلت، وإن كان مسيئاً بالجرح الأول؛ كما لو جرحها، ثم ذكاها، وكما لو جرحه السبع أو غيره، ثم ذكى، وكان فيه حياة- حلَّ؛ وهذا يقتضي أيضاً اعتبار الحياة بعد قطع الرأس.
وكلام الغزالي يقتضي اعتبار استقرار الحياة إلى انتهاء ما يجب قطعه في الذكاة، وهو موافق لما دل عليه ظاهر النص، بل يتعين حمل النص عليه، وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة احتمالات.
وقد حكى الإمام: أن صاحب "التقريب" اعترض على المزني وجمهور الأصحاب فيما ذكروه محقاً، فقال: لا تعويل على التحريك بعد قطع المذبح؛ بدليل أن الشاة التي لا آفة بها إذا قطعنا منها الحلقوم والمريء، وأخذت في الاضطراب الشديد لو
أبنا حشوتها، فقد تتحرك بعد ذلك، فإن كان إبانة الحشوة مذففاً كقطع الحلقوم والمريء، فلا وجه للاعتماد على الحركة وفقدها، بل المعتبر في الحل ألا ينتهي الحيوان قبل القطع إلى حركة المذبوح، ويكفي ظهور ذلك على طريق العلم أو الظن بعلامات دلت عليه، سواء كانت تدخل تحت الوصف أو لا، بل تدرك بقرائن الأحوال التي لا يضبطها الوصف: كعلامات الخجل والغضب والوجل، فإن وقع في ذلك شك، ففيه ما سنذكره من بعد، إن شاء الله تعالى.
والقائلون بصحة نقل المزني- وهم العراقيون- اختلفوا: لم اعتبر الشافعي- رضي الله عنه- الحركة هاهنا؟ فمنهم من قال: لأنه وجد منه فعلان:
أحدهما: تتعلق به الإباحة.
والآخر: يتعلق به الحظر؛ فاعتبرت الحركة؛ للفصل بين أثر الفعلين.
وقال أبو إسحاق: الظاهر: أن الحيوان إذا قطع رأسه من قفاه، لا يبقى فيه حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم، فإذا لم يتبين ذلك بوجود الحركة، وجب التحريم بحكم الظاهر، وسيأتي الكلام في بقية ما قيل في تفسير الحياة المستقرة وأمور أخر تتعلق بما نحن فيه، فليطلب من بعد، إن شاء الله تعالى.
وقد عد من المستحبات في الذبح أن يساق ما يذبح إلى المذبح سوقاً رفيقاً، ويعرض عليها الماء قبل الذبح خوفاً من عطشها المعين على تلفها، وليكون ذلك أسهل عند سلخها وتقطيعها، ولا يعرض عليها العلف؛ لأنها لا تستمرئه إلى حين الذبح فيكثر به الفرث، وإلا يحد [الشفرة] في وجهها، وإلا يذبح بعضها في وجه [بعض؛] لورود الأثر فيه.
قال: وإن علم جارحة أي: من كلب أو فهد أو بازي ونحوها؛ بحيث إذا أغراه على الصيد- أي: أرسله إليه- طلبه، وإذا أشلاه استشلى، أي: إذا استدعاه أتى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه، أي: فلا يأكل منه، وخلَّى بينه وبينه، أي: من غير أن يهر في وجهه، ثم أرسله من هو من أهل الذكاة، فقتل الصيد بظفره أو نابه، أي: وما في
معناه: كالمخلب، والمنقار، أو تركه، ولم تبق فيه حياة مستقرة، أي: بسبب ما ناله من ظفره أو نابه ونحوهما، أو بقيت فيه حياة مستقرة، أي: بعد جرحه بظفره أو نابه إلا أنه لم يبق من الزمان ما يمكن ذبحه فيه، أي: مع مبادرته إليه حتى مات- حل للكتاب والسنة: فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4].
قال ابن عباس: الجوارح: الكلاب المعلمة، والبازي، وكل طائر يعلم للصيد، وهي مشتقة من الجرح، وهو الكسب؛ لكسب أهلها بها، يقال: فلان جارحة أهله، أي: كاسبهم؛ ولأجل ذلك سميت أعضاء الآدمي جوارح؛ لأن بها يكتسب الأعمال.
وقال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 60] أي: كسبتم، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: 21] أي: اكتسبوها.
وقيل: من الجراحة؛ لأنها تجرح في الغالب.
وقوله – تعالى-: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4] قيل: إنه من التكليب، وهو الإغراء- وهذا قول ابن عباس.
وقيل: من التضرية بالاصطياد- كما يقال: تكلب واستكلب؛ إذا ضرى، وتعود ذلك، وعليه يدل قول أبي ثعلبة: "يا رسول الله، إن لي كلاباً متكلبة، فأفتني في صيدها، فقال: "إذا [كان لك كلاب] مكلبة، فكل مما أمسكن عليك".
وقيل: من التحامل والشدة؛ لأن الكلب: الشدة؛ قال الشاعر [من الطويل]:
فما غليان القدر في كلب الشتا كمن لم يكن في الصيف يغلو دماغه
وقال ابن عمر ومجاهد وغيرهما: تقدير الآية: كلبتم من الكلاب؛ فلا يجوز الاصطياد إلا بالكلب، وحديث عدي بن حاتم حجة عليهم؛ فإن الترمذي روى عنه
قال: "سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيد البازي، فقال: "ما أمسك عليك فكل".
و- أيضاً-: فاسم الكلب يقع على غيره من السباع؛ روي "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا على عتبة بن أبي لهب، فقال: "اللهم سلط عليه كلباً من كلابك"، فخرج في سفرة إلى الشام، فلما نزلوا بالوادي، سمعوا زئير الأسد؛ ففزع عتبة، وقال لهم: احفظوني، فأناخوا الأجمال، وحملوا الأمتعة، ووضعوها حواليه، وناموا حواليه، وهو نائم وسطهم، فجاء الأسد، وكان يشم واحداً واحداً منهم، ثم جاء إليه، واشتم منه عداوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخذه، وافترسه، ولم يأكل منه شيئاً، وسمع منه يقول: استجيبت [في] دعوة محمد؛ فهذا دليل على أن اسم الكلب يقع على غير الكلب.
وأما السنة: فما روى مسلم عن عدي بن حاتم قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه، وإن أدركه [و] قد قتل، ولم يأكل منه، فكل، وسيأتي ذكر بقية الحديث عند الحاجة إليه.
ولا فرق في الكلب بين الأسود البهيم وبين غيره.
وفي "البحر": أن أبا بكر الفارسي من أصحابنا قال: لا يحل صيد الكلب الأسود البهيم- كمذهب أحمد وغيره- لأمره عليه السلام بقتله، والأول هو المشهور، والخبر محمول على غير المعلم العقور.
ثم الحيثية التي ذكرها الشيخ لا يتقيد حصولها بعدد، بل إذا صار شأن الكلب كذلك حلت فريسته بالشرائط المذكورة، والمرجع في ذلك إلى العرف؛ لأنه لا حد له لغة وشرعاً؛ فكان كالحرز والقبض والإحياء، ووراء ذلك وجهان:
أحدهما: أنه يكفي تكرار ذلك منه مرتين؛ لأن العادة تثبت بهما.
والثاني- عن شرح الموفق بن طاهر-: أنه يعتبر ثلاث مرات، وهو ما ذكره الماوردي في كتاب الحجر عند الكلام في الرشد.
ويقرب منه قول البغوي: إذا أفلته ثلاث مرات حل ما قتل في الرابعة.
والحياة مستقرة، قال ابن الصباغ: في تمثيلها: أن يكون الحيوان بحيث لو ترك لبقي يوماً أو بعض يوم، وغير المستقرة لو ترك لمات في الحال.
وقال غيره: الحياة المستقرة [ألا] ينتهي إلى حركة المذبوح.
وقال في "المرشد": تعرف الحياة المستقرة بسببين:
أحدهما: أن يكون حال وصول السكين إلى الحلقوم [تضطرب عيناه] أو يحرك ذنبه؛ لأن الحياة إذا زالت من أسفله، لم يتحرك ذنبه وشخص بصره.
وعن بعض الأصحاب: أن خروج الدم دليل استقرار الحياة، وجزم النواوي بأن انفجار الدم [بعد الذبح] وتدفقه مع وجود الحركة الشديد من أمارات بقاء الحياة المستقرة، وأن الحركة الشديدة وحدها كذلك على الأصح.
وإذا عرفت ما قيل في طريق معرفة ذلك، عرفت أن الأحوط للصائد مبادرة ذبح الصيد ما توهم فيه بقاء حياة، فإن ظهرت بعده أمارات [استقرارها كان محصلاً لحله، وإن ظهرت أمارات] فقدها كان محصلاً للسنة، فإن الأصحاب قالوا: يستحب للصائد إذا أدرك الصيد وفيه حياة، وقد أخرج الجارح ونحوه حشوته، ذبحه؛ ليسهل خروج روحه، فلو لم يفعل ذلك ومات، فإن ظهر له أمارات [استقرار الحياة فيه حين أدرك ذكاته لم يحل، وإن ظهرت أمارات] فقدها حل.
وعكس هذه الصورة في الحكم ما لو أكل السبع بعض فريسة، أو انهدم سقف على شاة، وبقيت فيها حياة، ثم قطع حلقومها ومريئها، فإن ظهرت أمارات استقرار الحياة، حلت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] وعن القاضي ابن كج حكاية قول عن رواية الفارسي: إنها لا تحل.
وإن ظهرت أمارات فقده، لم تحل.
وعن أبي حفص بن الوكيل: أنه أثبت قولاً [واحداً] في هذه الحالة: أنها تحل، والمذهب التحريم.
قال في "التهذيب": وهذا بخلاف [الشاة] إذا مرضت، فصارت إلى أدنى الرمق، [فذبحت، تحل؛ لأنه لم يوجد سبب يحال عليه القتل.
قال: ولو أكلت الشاة الشب؛ فصارت به إلى أدنى الرمق].
بحيث لا تكون
الحياة فيها مستقرة، فذبحت، ذكر شيخي يعني: القاضي الحسين- فيها وجهين، ثم قطع في كرة أنها لا تحل؛ لأنا وجدنا سبباً نحيل الموت عليه؛ كما لو صارت إلى هذه الحالة بجرح السبع.
ولو لم يظهر للصائدح وقد ترك الذكاة حتى مات الصيد- إحدى الحالتين السابقتين، بل وقع الشك في استقرار حياته وفقدها، وكذا فيما إذا كان قد ذبح الشاة من قفاها وأبان الرأس، وفيما إذا قطع منحر ما افترسه السبع ونحوه، فهل تحل؟ فيه وجهان مأخوذان في مسألة الصيد- كما قال الماوردي- من القولين الآتيين فيما إذا جرح الصيد، وغاب عنه، ثم وجده ميتاً، لكن الأصح هنا الحل.
وفي مسألة المذبوحة من القفا ونحوها من تقابل الأصلين.
والظاهر من قول أبي إسحاق التحريم؛ لأن الأصل الحظر، وهو ما اختاره الإمام.
والظاهر من قول ابن أبي هريرة: الحل؛ لأن الأصل بقاء الحياة حتى يعلم فواتها، والله أعلم.
والمبادرة التي تقدم ذكرها قد اختلف الأصحاب في ضبطها:
فقال ابن أبي هريرة: إنه يعتبر فيها صفة مشي مثله على مألوف سكينته، ولا يعتبر فيه السعي؛ كما لا يعتبر في إدراك الجمعة، وهو ما أورده في "التهذيب"، [والأظهر في الرافعي].
وقال غيره: إنه السعي المعتاد في طلب الصيد؛ لأنه مخالف لسكينة المشي في عرف أهله، وهذا ما أورده في "الوجيز".
وقال الإمام: من اكتفي بالمشي، فالوجه أن يتشوف إلى الإسراع في المشي قليلاً، فإن الماشي على هينته خارج عن عادة الطلب، ومن كلفه العدو لم يكلفه المبالغة حتى يقهر أو يناله ضرر.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: التسوية بين جميع الجوارح من الكلاب والنمور وغيرها، والبازي ونحوه- في جميع ما ذكره من شرائط التعليم، وهو ما ذكره صاحب "البحر" وغيره، ونسبه في الطيور إلى النص في "المبسوط" كما سنذكره.
وفي "تعليق القاضي الحسين" و"النهاية": أن شرط الانكفاف عن الأكل معتبر في الجوارح من الكلاب، وفي اعتباره في جوارح الطيور قولان، وهما منسوبان إلى رواية الصيدلاني وغيره:
أحدهما: الاشتراط، وهو الأظهر.
والثاني: لا؛ فإن الكلب إنما ينكف عن الأكل عن فريسته بالضرب والدق العنيف، وجوارح الطير لا تحتمل ذلك، ولا يتوصل إلى صرفها عن الأكل من غير زجر، بل قيل سبيل تعليمها بالإطماع في الطعام.
وفي الرافعي: أن أبا يعقوب الأبيوردي حكى قولاً مثله في جوارح السباع، وأن في كتاب ابن كج نحواً منه.
وقد استبعد الإمام وقوع تعليم الفهد والنمر؛ من حيث إنه لا يؤثر فيه الانطباع، ولا ينزجر إذا زجر، ولا يتوقف استشلاؤه على الإشلاء، ولا يترك الأكل، ولا يتأتى صرفه على ذلك؛ فإنه لو صرف لعاد إلى نفوره، نعم: لو [تصور] ذلك منه [على] ندور كان حكمه حكم الكلب فيما ذكرناه، وحيث لا يتصور، فمقصود صاحبه بإرساله على الصيد أن يمسكه، لعله يدرك ذكاته؛ فيحل له إذ ذاك، كما نقول في الكلب الذي ليس بمعلم.
وقد جزم في "الوجيز" بأن فريسة الفهد والنمر حرام؛ لأنه لا يتأدب ويترك الأكل.
قال الرافعي: ومضمون هذا أن ما يفعله الفهد والنمر حرام؛ لأنه لا يصير معلماً؛ لأن أحد أركان التعليم ترك الأكل، ولكنه لا يتركه، لكن هذا المفهوم خلاف ما نص عليه الشافعي- رضي الله عنه- والأصحاب، وأراد بالنص: ما حكاه في"المختصر"؛ فإنه قال: "يجوز بكل معلم من كلب [و] فهد ونمر وغيرها من الوحوش، وكان [بحيث] إذا أشلى استشلى، وإذا أخذ حبس ولم يأكل، فإذا فعل هذا مرة بعد مرة فهو معلم".
الأمر الثاني: أنه لا فرق في اشتراط إتيان الجارح عند إشلائه بين أن يكون في
ابتداء إطلاقه، أو في دوامه بعد اجتذابه في جريه وطيرانه؛ لأن به يظهر أثر التعليم كما هو ظاهر النص.
وقد فصل الإمام، فقال: أما اشتراط ذلك في الكلب ونحوه في ابتداء الأمر، فلا شك فيه؛ وأما اعتباره بعد الإطلاق وهو في حموة العدو، فصعب، والمتحصل فيه من كلام الأصحاب وجهان، وأما اشتراطه في الطيور بعد الطيران، فلا مطمع فيه، ويبعد – أيضاً- أن يشترط انكفافها في أول الأمر وقد سنح لها الصيد وهي جائعة.
الأمر الثالث: اعتبار الإرسال ممن يريد الصيد، حتى لو استرسل الجارح بنفسه، لم يحل ما قتله، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأصحاب؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4]؛ فلم يحلل ما أمسكه على نفسه.
وقوله- عليه السلام- لعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك المعلم، فكل ما أمسك عليك"، فشرط في ذلك الإرسال؛ لأن "إذا" من حروف الشرط؛ فدلَّ على أن الإرسال شرط، وهو مأخوذ من قول الشافعي- رضي الله عنه- في "المبسوط": "وتعليم الطائر كله واحد، البازي والصقر والشاهين والعقاب وغيرها، وهي أجمع أن تدعى فتجيب، وتشلى فتطير، وتأخذ فتحبس، فإذا فعلت ذلك مرة بعد مرة فهي معلمة"، فاستعمل لفظ "الإشلاء" في الإغراء، وهو الإرسال، وقد اعترض عليه بأن الإشلاء في اللغة: الدعاء؛ قال الشاعر: [من الرجز].
أشليت ععنزي ومسحت قعبي
وأجيب عنه بأجوبة:
أحدها: أن العامة تستعمل الإشلاء موضع الإغراء؛ فأجراه على عادتهم.
والثاني: أخذ من قول الأزهري: إن أشلى: إذا دعى؛ فإذا دعاه صاحبه إلى صيده، فقد أشلاه.
والثالث: أن قول الشافعي في اللغة حجة؛ لأنه عربي الدار من أهل اللسان، فإذا عبر عن الإغراء بالإشلاء، وجب قبوله، وهذا أحد جوابي الشيخ أبي حامد.
وقد نقل الماوردي وأبو الطيب: أنه من الأضداد؛ يشمل الأمرين.
ونقل ابن فارس: أن استعماله في الإغراء لغة أخرى، وإن كانت الأولى أفصح، وأنشد فيه [من الطويل]:
أتينا أبا عمرو فأشلى كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل
والرابع- وهو الجواب الثاني لأبي حامد-: أنه عبر عنه بما يئول إليه؛ لأنه إذا دعاه إلى الصيد، وأجاب، حصل الإغراء بعد الإجابة؛ فلذلك عبر عن الإغراء بالإشلاء، والله أعلم.
نعم: لو استرسل الجارح بنفسه، فزجره صاحبه، فوقف، ثم أغراه على الصيد، فطلبه وقتله- حل.
وإن زجره، فلم ينزجر، فأغراه بالصيد، فزاد في العدو، وقتل الصيد، فهل يحل؟ فيه وجهان لهما التفات- كما قال الإمام- على أن الانزجار في ابتداء العدو هل يعتبر في أصل التعليم؟ والأظهر التحريم.
ولو لم يزجره، لكنه أغراه؛ فازداد عدواً وحمواً، فوجهان مرتبان على التي قبلها، وأولى بالحل، والذي أورده العراقيون منهما التحريم، وهو في الأولى من طريق الأولى، ووجهه: أن استرساله بنفسه يقتضي التحريم، وإغراء صاحبه يقتضي الإباحة؛ فغلب جانب التحريم.
وإذا جمعت بين هذه المسألة والتي قبلها، جاء فيها ثلاثة أوجه.
وعلى الأولين منهما فروع:
أحدها: لو أرسل شخص جارحته، فأغراها غيره فازدادت عدواً، وأخذت الصيد، فلمن يكون ذلك؟ ينبني على أنه إذا غصب جارحة، واصطاد بها، فلمن يكون الصيد؟ فيه خلاف، والأصح في "التهذيب": أنه للمالك؛ كما لو اصطاد عبده المغصوب شيئاً؛ فإنه له.
والأصح في غيره- ولم يورد العراقيون سواه-: أنه للغاصب؛ كما إذا اصطاد بالشبكة المغصوبة؛ وعلى هذا يقع التفريع مع ملاحظة الخلاف السابق في الأصل:
فإن قلنا ثم بالتحريم، كان الصيد في حالة إغراء الغاصب وزيادة عدو الجارحة للمالك.
وإن قلنا بالحل ثم، كان هاهنا للغاصب.
قال الإمام: ولا يمتنع على هذا خروج وجه في أنهما يشتركان في الملك، ولا فائدة لمثله فيما إذا أرسل مسلم كلبه فأغراه مجوسي، فازداد عدواً- كما سنذكره- فإنا إذا نظرنا إلى الاشتراك حرمنا وهو أحد الوجهين.
قلت: وقد قال بهذا البغوي وشيخه؛ كما ستعرفه، وسيظهر له فائدة في التحريم.
الثاني: لو أرسل مسلم كلبه، فأغراه مجوسي، فازداد عدوه، فإن قلنا [هناك] بالحل، قلنا بالتحريم هنا، وإن قلنا بالتحريم ثم، قال الإمام والجمهور: حل هاهنا.
وفي "تعليق القاضي الحسين" و"التهذيب" الجزم بالتحريم [على الوجهين؛ لأن إغراءه دائر بين أن نقطع الأول أو نوجب الشركة، وعلى التقديرين يلزم التحريم،] وقد أبدى القاضي أبو الطيب التحريم احتمالاً لنفسه مع جزمه بالتحريم ثم؛ لما في ذلك من الإعانة، فإن قلنا بالتحريم؛ بناء على أنه يحل ثم، فلا يجب على المجوسي قيمته، اللهم إلا أن نقول: إن ما يصطاده بالكلب المغصوب يكون لمالكه؛ فيظهر أن يقال بوجوب الغرم.
وإن قلنا: إنما حصل التحريم؛ لأجل المشاركة- كما أشار إليه البغوي وغيره، وهو [ما أشار إليه] الإمام وجهاً- ينبغي أن يجب على المجوسي نصف قيمته؛ نظراً للمشاركة؛ وتفريعاً على الأصح في أن صيد الكلب المغصوب للغاصب.
ولو كان الكلب قد استرسل بنفسه، فأغراه مجوسي؛ فازداد عدواً، فقتل الصيد، فلا شك في التحريم [لكن] هل يجب على المجوسي قيمته؟ يشبه أن يقال: إن قلنا: إن الصيد بالكلب المغصوب للمالك، فعليه القيمة جزماً؛ إن قلنا: إن [للإغراء أثراً]، وإلا فلا.
ويؤيد ذلك أن الماوردي حكى فيما لو استرسل الجارح بنفسه، فأغراه محرم، وازداد عدوه، وقتل الصيد- الجزم بالتحريم، وفي وجوب الغرم وجهان.
الثالث: لو كان المرسل مجوسياً، فأغراه مسلم، وازداد عدوه، فقضية ما تقدم
من طريقة الإمام: أن ينعكس [الحكم في] البناء، فيقال: [إن قلنا ثم بالحل، فهاهنا كذلك، وإن قلنا بالتحريم ثم، حرم هنا أيضاً.
وعلى طريقة البغوي وشيخه قد يقال:] إنه ينبغي أن نقطع بالتحريم، وهو ما أورده الروياني، لكنهما خرجا الحل على الوجهين؛ نظراً إلى أن الاعتبار بآخر الأمرين أو بالمشاركة، ونحن إذا نظرنا إلى ذلك في الفرع قبله، لم نتحصل على غير التحريم.
الأمر الرابع: أنه لا فرق في الحل بين إرسال البصير والأعمى، والبالغ والصبي، والعاقل والمجنون، والصاحي والسكران؛ لأن الأعمى من أهل الذكاة بلا خلاف، وكذلك الصبي والمجنون والسكران [عند العراقيين].
[وقد حكى] في "العدة" في حل صيده بالكلب وجهين:
أحدهما: الحل؛ كما اقتضاه كلام الشيخ.
والثاني: التحريم، وينسب إلى أبي إسحاق؛ لأن القصد للصيد لابد منه، ولا يتأتى ارتباط قصده الصيد قبل الإدراك، وبهذا فارق الذكاة؛ وهذا ما أورده ابن الصباغ.
وحكى في "البحر" في موضع منه عن صاحب الإفصاح القطع به؛ فتحصلنا به على طريقين.
إحداهما: حاكية لوجهين فيه.
والثانية: القطع بالمنع.
وأما حل صيده بالسهم، ففيه- أيضاً- طريقان حكاهما في "البحر".
إحداهما: القطع بالحل، وهي ما نقلها في موضع عن صاحب "الإفصاح".
والثانية: حكاية الوجهين فيه عن رواية القاضي الطبري وغيره في موضع آخر.
والمذكور في "النهاية" عن بعض التصانيف حكاية وجهين في إرسال الكلب والسهم.
لكن ما محل الخلاف المذكور في الكتب التي نقلنا عنها؟
ما ذكرناه إطلاقه.
وقال الرافعي: الأشبه تخصيصه بما إذا دله بصير على أن يجد أنه صيد، فرمى أو أرسل الكلب إليه بدلالته، وبه صور صاحب "التهذيب" وشيخه في موضع من تعليقه في مسألة الرمي، ووجها الحل: بأنه فعل ما فعل بدلالة البصير؛ فأشبه ما لو دله على القبلة؛ وهذا ما أجاب به الموفق بن طاهر في شرح مختصر الجويني، والصورة كما ذكرنا.
قال البغوي: والمذهب المنع، وهو ما صححه شيخه وكان قد قطع به في الكرة الأولى، وفرق بأن التوجيه إلى القبلة يسقط بالأعذار، وعند الاشتباه، يجوز له الاجتهاد، وتصح صلاته وإن لم يتيقن القبلة بخلاف الرمي.
أما إذا فعل ذلك بدون دلالة بصير.
قلت: فالذي يظهر الجزم بالمنع، ويؤيده اتفاق الأصحاب فيما إذا رمى صيداً أو أرسل عليه كلباً، فغاب عنه قبل أن يجرحه السهم أو الكلب، ثم وجده ميتاً- على عدم الحل؛ كما ستعرفه.
لكن في "البحر": أن البصير لو كان يحس بالصيد في ظلمة أو من وراء شجرة أو غيره، فرماه: أنه يحل بالإجماع؛ لأنه وقع له نوع علم به؛ فصحت نيته، وعزى ذلك إلى القفال؛ وهذا قد يقدح فيما ذكرناه؛ لأن إحساس الأعمى كإحساس البصير في الليل؛ فينبغي أن يكون محل الخلاف إذا أحس بالصيد: إما بدلالة بصير، أو بدونها وأخبر بإصابة سهمه أو كلبه للصيد وجرحه؛ كما سنذكره.
[وقد أفهم كلام القاضي الحسين في موضع آخر: أن من الأصحاب من أجرى الخلاف وإن كان بدون دلالة بصير؛ فإنه قال: ومن الأصحاب من لم يفصل بين أن يرمي الأعمى أو يرسل كلباً في أنه يحل، ومنهم من يفرق بين رميه وإرساله بأن رميه حصل بفعله فيحل، ولا معنى لإرساله الكلب؛ لأنه لا يدري آرسله على صيد أو غيره؟
ومنهم من قال: إن أرسل بحضرة من يدله على الصيد، حل.
وقال الإمام في كتاب الأضحية: إن محل الخلاف عندنا فيما إذا استشعر وكراً من الصيد، وأدركه بحس نفسه، وبنى الإرسال عليه].
وأما الصبي والمجنون، فقد أجرى الخلاف في اصطياده بالرمي والجارح.
ومنهم من خصهما بالجارح، وقطع بالحل في رمي السهم؛ تنزيلاً له منزلة الذبح بالسكين.
وقد اقتصر ابن الصباغ على حكايتهما في صيد المجنون، ونسب عدم الحل إلى أبي إسحاق.
وإذا عرفت حكم المجنون، عرفت حكم السكران؛ لأن الشيخ سوى بينهما في الذكاة، والله أعلم.
قال: وإن أرسله مجوسي، أو شارك المسلم في الإرسال، أو شارك الجارح جارحة أرسلها مجوسي في قتل الصيد- لم يحل؛ لأن المرسل كالذابح، والجارح كالسكين، وذكاة المجوسي التي انفرد بها أو شارك فيها- لا تحل؛ نظراً لتغليب التحريم على التحليل؛ كما في المتولد بين مأكول وغيره، وعن هذا احترز الشيخ بقوله: "من هو من أهل الذكاة".
ويجيء فيه الوجه المذكور في حل ذبيحته.
والحكم فيما لو شاركه من تحل ذكاته بجارحة غير معلمة أو بجارحة لا يعلم حالها [كذلك]؛ لقوله- عليه السلام- لعدي بن حاتم: "فكل ما أمسكن عليك"، قال: وإن قتلن؟ قال: "وإن قتلن؛ ما لم يشركها كلب ليس منها".
وفي مسلم عنه قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن وجدت مع كلبك كلباً غيره وقد قتل، فلا تأكل؛ لأنك لا تدري أيهما قتله".
ولا فرق في ذلك بين أن تكون الجارحة المشاركة لجارحة المرسل من نوعها أو من غيره، كما إذا أرسل أحدهما كلباً والآخر فهداً أو بازاً؛ وكذا لو أرسل أحدهما جارحته والآخر سهماً، أما لو لم يقتل الصيد عند إرسال كل من المسلم والمجوسي جارحته إلا إحدى الجارحتين، نظر: فإن كان القاتل جارحة المجوسي، حرم، وإن كان جارحة المسلم نظر: فإن كانت الجارحتان قد أمسكتا الصيد أولاً، لم يحل أيضاً؛ لحدوث القتل عن الإمساك المشترك، وإن لم تمسكه جارحة المجوسي حل؛ قاله الماوردي وهذا بخلاف ما لو رده كلب المجوسي على كلب المسلم، فقتله
كلب المسلم، [حَلَّ] كما لو رده المجوسي بسهم أصابه سهم المسلم.
ولو كان كلب المسلم قد صير الصيد إلى حركة المذبوح، لم يؤثر فيه جرح كلب المجوسي بعد ذلك؛ نعم: لو كان كلب المسلم قد فارقه، ثم أدركه كلب المجوسي وفيه حياة مستقرة، فعقره ومات من الجراحتين حرم، ووجب على المجوسي قيمته؛ كما لو ذبح شاة غيره.
قلت: وينبغي أن يفصل فيقال: إن كان المسلم لم يتهاون في ذكته حتى أدركه كلب المجوسي، فالأمر كذلك، وإن كان قد تهاون فيه، فينبغي أن يكون فيه ما سنذكره فيما إذا رمى سهماً، ثم رمى آخر بعده إليه، ومات منهما.
ولو كان كلب المجوسي قد جرحه أولاً في غير المقتل، ثم أصاب كلب المسلم المقتل- حلَّ إن لم يزل امتناعه بجرح كلب المجوسي، فإن زال امتناعه حرم؛ لأنه لا يحل إلا بقطع الحلقوم والمريء؛ قاله في "البحر".
وحكم الكلب غير المعلم [و] المجهول حاله [و] المعلم إذا استرسل بنفسه فيما ذكرناه- حكم كلب المجوسي ولو اصطاد المسلم بكلب المجوسي، حل، ولا يحل ما اصطاده المجوسي بكلب مسلم؛ لأن الاعتبار بالصائد.
فرع: لو أرسل المجوسي سهمه على الصيد، ثم أسلم، ووقع السهم في الصيد، فقتله- لم يحل، وكذا لو أرسل المسلم سهمه، ثم ارتد، ثم وقع [سهمه،] فقتل- لم يحل؛ نظراً إلى أغلظ الحالين- ولو كان مسلماً في حال الرمي والإصابة، وتخللت الردة بينهما- لم يحل أيضاً؛ قاله القاضي الحسين.
قال: وإن قتل الجارح الصيد بثقله، ففيه قولان:
وجه التحريم قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4]، فجعل الجارح نعتاً؛ فصار في الإباحة شرطاً.
وقوله- عليه السلام-: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل" فدل على
أن ما لم ينهر الدم لا يحل؛ وهذا ما اختاره المزني وصاحب "المرشد".
ووجه الإباحة: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4]، ولم يفرق بين قتله بظفره أو نابه أو ثقله، ولأنه يعسر تعليم [الجارح] ألا يقتل إلا جرحاً؛ وهذا ما رجحه الإمام، والموفق بن طاهر، والروياني، والنواوي، ولم يحك البندنيجي سواه، وطرد ذلك فيما إذا عضه فلم يجرحه، أو ضمه فمات.
وقد حكى مجلي عن بعضهم أنه خرج على القولين لو مات فزعاً من الجارح من غير جراحة، وقال: إنه يحتمل أن يكون بمثابة ما لو مات تعباً؛ فإنه لا يحل قولاً واحداً، وكأن الفرق: أن الفزع حصل من الجارح؛ فنسب القتل إليه، وليس كذلك التعب؛ فإنه حصل من جري الصيد؛ فأشبه التردية.
قال: وإن رمى سهماً أو غيره، فقتل الصيد بثقله، لم يحل، أي: سواء أدماه أو لم يدمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: 3].
وروى البخاري ومسلم وغيرهما عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المعراض فقال: إذا أصاب بحده فكل، وإن أصاب بعرضه فلا تأكل؛ فإنه وقيذ".
وقوله: وقيذ: [هو] فعيل بمعنى: مفعول، والموقوذة: المقتولة بعصا أو حجر أو بما لا حد له.
وقال الجوهري: شاة موقوذة؛ [إذا] قتلت بالخشب.
والمعراض: بكسر الميم وسكون العين المهملة وبعد الألف ضاد معجمة، قال الخطابي: نصل عريض، وفيه رزانة ونصل.
وقال الجوهري: سهم بلا ريش ولا نصل، [ويصيب] بعرض عوده دون حده.
وقيل: خشبة محددة الطرف.
وقيل: في طرفها حديدة ترمي بها.
وقيل: هو عود رقيق الطرفين، غليظ الوسط، إذا [رمى] به ذهب مستومياً.
ومن هذا القبيل القتل بالبندق لا يحل [المقتول]؛ قال الماوردي: لأنه يقتل الصيد بقوة راميه، وليس يقتله بحده، ولا فرق في ذلك بين أن يخرج جوفه أو لا.
وقد روى عنه- عليه السلام- أنه نهي عن الجلاهق، ولا يحل الرمي به [لأنه يعرض] الحيوان للهلاك؛ صرح به في الذخائر، نعم: لو رمى به، فأدرك الحيوان وفيه حياة مستقرة، فذبحه- حل؛ لقوله تعالى بعد ذكر المحرمات: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3].
وقد أفهم كلام الشيخ: أنه إذا رمى سهماً [أو غيره] فقتل الصيد بحده، حل؛ كما تقدم التصريح به في الخبر، وما سنذكره من بعد، ولم يخالف في ذلك أحد من الأصحاب، وفرع الشافعي على ذلك فقال: "لو ضرب الصيد فقطعه قطعتين، أكلتا وإن كانت إحداهما أقل من الأخرى، وإن قطع منه يداً أو رجلاً أو أذناً أو شيئاً، يمكن لو لم يزد على ذلك أن يبقى بعد ساعة أو مدة أكثر منها؛ ثم قتله بعد رميته- أكل ما كان [باقياً فيه] من أعضائه، وله أن يأكل العضو الذي فات منه وفيه الحياة، وقال: [إن] هذا فيما إذا لم يتمكن من ذبح الحيوان، ومات بسبب الرمي الأول؛ فيحل المبان منه والمتصل به.
وحكى ابن أبي هريرة وجهاً آخر عن بعض أصحابنا: أن البائن منه لا يؤكل وإن كان الأصل مأكولاً؛ لأنه بان منه مع بقاء الحياة، وتأول كلام الإمام الشافعي: أنه يؤكل- على أن القطع كان موحياً، لا تثبت به حياة.
قال الماوردي: ولا وجه لهذا الوجه.
أما إذا مات الصيد بغير هذا الرمي: إما بالذبح إن قدر عليه، وإما برميه ثانية إن كان غير مقدور عليه- فلا يؤكل ما بان منه بالقطع الأول جزماً؛ لأنه لما لم يكن ذكاة له لم يكن ذكاة لما بان منه.
قال: وإن أكل الجارحة، أي: المعلمة من كلب أو بازي من الصيد، أي: عقيب قتله، ففيه، أي: في ذلك الصيد قولان:
وجه الحل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] والباقي بعد أكله قد أمسكه علينا؛ فحل لظاهر الآية.
وروى أبو داود عن أبي ثعلبة [الخشني] قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صيد الكلب: "إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله، فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يداك".
قال الشافعي- رضي الله عنه- في "المبسوط": والقياس يدل عليه؛ لأن الكلب إذا عقر الصيد، [وقتله] فقد حصلت الذكاة، فأكله منه بعد حصول ذكاته لا يمنع من أكله؛ كما إذا ذكى المسلم صيداً، ثم أكل منه الكلب.
وهذا ما نص عليه في القديم، وأومأ إليه في [الجديد] بالقياس المذكور.
ووجه التحريم ما روي عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إنا نصيد بهذه الكلاب؟ فقال: "إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت اسم الله عليها، فكل مما أمسكن عليك وإن قتل إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل؛ فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" أخرجه البخاري ومسلم.
ولأن من جملة شرائط التعليم عدم الأكل، فإذا أكل فإما أن يتبين أنه لم يكن معلماً، أو يبين أنه كان معلماً، ولكنه نسي التعليم، وأيهما كان فإنه يحرم أكله، وهذا ما نص عليه في "المختصر" وبه قال أكثر أهل العلم، وهو الأصح في "التهذيب" و"البحر" و"الرافعي" وغيره.
والجواب عن الآية السالفة: أن الحديث دل على أنه إذا أكل، فقد أمسك لنفسه.
وعن الحديث: أن في رجاله داود بن عمرو الأودي عامل "واسط"، وقد تكلم فيه.
ثم على تقدير كون روايته لا بأس بها-[كما] قال أبو زرعة وابن عدي-
فيحمل قوله: "وإن أكل منه" [على ما إذا أكل منه] بعدما قتله، وانصرف عنه؛ كما قال ابن الصباغ، أو على ما إذا أطعمه مرسله منه؛ كما قاله أبو الطيب.
وعلى تقدير إجرائه على ظاهره، فالأخذ بحديث عدي أولى؛ لأنه أحوط، وناقل عن الأصل؛ فإن الأصل في الأشياء الإباحة.
وقد قيل: إن كان الجارحة بازاً ونحوه، حل قولاً واحداً؛ قاله المزني كأبي حنيفة، وفرق بأن البازي يعلم الصيد بالأكل منه، فأكله لا يخرجه عن أن يكون معلماً، بخلاف الكلب، لأنه يعلم الصيد بالضرب على ترك الأكل، فإذا أكل منه، علم أنه غير معلم؛ فحرم صيده.
قال القاضي أبو الطيب وغيره: وهذا فاسد؛ للخبر، وأما ما ذكره من الفرق، فقد قال الأصحاب: لو كان كذلك لوجب إذا اصطاد ولم يأكل منه ألا يحل أكله؛ كما أن الكلب لما كان معلماً بترك الأكل إذا اصطاد وأكل حرم أكله، وقد أجمعنا على أن البازي يحل صيده إذا لم يأكل منه؛ فدلَّ على أنه لا يعلم بالأكل.
قال الشافعي- رضي الله عنه-: ولأنهما في الابتداء استويا، فلا يؤكل صيد البازي حتى يأخذ فيحفظ فكذلك في الدوام.
وقيل: إن قلنا: إن الكلب إذا أكل لا تحرم فريسته، [فالبازي أولى] وإلا فوجهان، وهذه طريقة أبي علي في "الإفصاح"، وهي مخالفة للنص في التسوية ورد الفرق.
وقيل: إن قلنا: إن البازي لا يضر الأكل في تعليمه، فالأكل بعد التعليم لا يحرم بحال، وإن قلنا: يضر الأكل في البازي في الابتداء، ففيه قولان كما في الكلب؛ وهذه طريقة القفال.
ولا خلاف عند الماوردي والقاضي الحسين والعراقيين في أنه إذا شرب من دم الصيد، لا يحرم، ولا يكره، وأشار الإمام إلى وجه في التحريم بقوله: لا يحرم على الأصح.
ولو شق جوفه، وأخرج حشوته، وأكلها، [ففيه طريقان]:
منهم من جزم بالحل؛ كالدم.
ومنهم من خرجه على القولين.
أما إذا انصرف الجارح بعد القتل، ثم عاد وأكل منه، فقد أفهم كلام الإمام: أن الخلاف فيه حيث قال: وكنت أود لو فصل فاصل بين أن ينكف الكلب زماناً ثم يأكل، وبين أن يأكل لما أخذ؛ فإن الزمان إذا تمادى فيندر أن ينكف الكلب عن الأكل، ولكن لم يتعرض لهذا أحد من الأصحاب.
وما أورده هو ما أورده الماوردي والجرجاني [والعمراني] في زوائده، وإليه يرشد ما حكيناه عن ابن الصباغ في حمل حديث أبي ثعلبة.
ولو أكل من لحم الصيد قبل قتله، قال الرافعي: فهو كما لو أكل عقيب قتله، ففيه القولان.
التفريع: إن قلنا بالجديد، فلا تحرم فرائسه الماضية.
قال العراقيون والماوردي والقاضي الحسين: لا يختلف قوله في ذلك.
قال مجلي حكاية عن الأصحاب: ولا يخرج بأكله مرة عن أن يكون معلماً؛ لجواز أن يكون إنما أكل؛ لفرط الجوع؛ فتحل فريسته من بعد، وعليه يدل ما سنذكره من كلام الإمام، نعم: لو تكرر ذلك منه، خرج عن أن يكون معلماً؛ إذا كان أكله بعد الإرسال؛ بخلاف ما إذا استرسل بنفسه، [واصطاد وأكل وتكرر ذلك منه؛ فإنه لا يخرجه عن التعليم.
قال الإمام عند الكلام فيما إذا استرسل الكلب بنفسه:] لأنه إنما يراعى انكفافه إذا كان استرساله على حكم الاصطياد لصاحبه.
وفيما وقفت عليه من نسخ الرافعي: أنا إذا حرمنا الفريسة التي أكل منها، فلابد من استئناف التعليم، وسيأتي في كلامه ما يفهمه- أيضاً- وهو الذي يقتضيه كلام أبي الطيب وغيره.
وإن قلنا بالقديم: فلو اصطاد [به] ثانياً، فأكل [منه] مرة أخرى، فقد سكت العراقيون عنه، وفيما وقفت عليه من "الحاوي" ما يدل على أنه لا فرق بينهما.
وقال القاضي الحسين: إنه يحرم قولاً واحداً، وهل يستبين بهذا أن ما قتله أولاً
وأكل منه قبل هذا يكون حراماً أم لا؟ يحتمل وجهين.
وعلى ذلك جرى في "التهذيب"؛ وهذا صريح في أن أكله مرتين يخرجه عن التعليم، وكلام الإمام يقتضي خلاف ذلك؛ فإنه قال: لو أكل من الثانية أيضاً، ثم من الثالثة، واعتاد الأكل- خرج عن كونه معلماً، ثم تحرم الفريسة الأخيرة التي وقع القضاء عند الأكل منها بالخروج عن التعليم، وهل ينعطف التحريم إلى أول فريسة أكل منها [إلى الأخيرة؟] اختلف أصحابنا فيه، وهذا الاختلاف فقه حسن، بخلاف ما إذا انكف الجارح عن الأكل في ابتداء الأمر إلى حيث حكم بكونه معلماً؛ فإنه لا ينعطف الحل إلى أول فريسة حصل الانكفاف عن أكلها بلا خلاف، والفرق تغليب التحريم، وهو فرق في الصورة، جمع في الحقيقة.
فرع: لو لم يسترسل عند الإرسال، أو لم ينزجر عند الزجر، قال الرافعي: فينبغي أن يكون في تحريم الصيد وخروجه عن كونه معلماً الخلاف المذكور في الأكل؛ لأن كل واحد من الخصال المذكورة ركن في التعليم.
وعن القفال: أنه إذا أراد الصائد أخذ الصيد منه، فامتنع، وصار يقاتل دونه، فهو كما لو أكل [منه]؛ قاله في "البحر".
قلت: بل ينبغي أن يكون هذا الحكم فيما إذا أراد أخذ الصيد منه، فهر في وجهه؛ لأن من شرائط التعليم في الابتداء أيضاً ألا يهر في وجه صاحبه.
قال: وإن كان الجارحة كلباً، غسل موضع الظفر والناب من الصيد، أي: سبع مرات إحداهن بالتراب؛ لأن نجاسة الكلب أصابته، فهو كالإناء، وهذا ما اختاره في "المرشد".
وقيل: يكفيه على هذا الغسل مرة واحدة.
وقيل: يعفي عنه؛ لأن الله تعالى أباح أكله بقوله: ﴿فَكُلُوا﴾ [المائدة: 4]، ولم يشترط الغسل، ولأنه يشق الاحتراز منه؛ فصار كدم البراغيث، [والدم] الذي يكون في العروق؛ وهذا أخذ من قول الشافعي- رضي الله عنه-: "الموضع الذي أكل الكلب منه نجس"، ولم يأمر بغسله.
قال في "البحر": وهذا غلط؛ لأنه حكم بنجاسته؛ فدل على وجوب غسله.
وقال البغوي تبعاً لشيخه: والأصح الأول؛ لأن الله- تعالى- وإن لم يبين، فهو مؤول إلى بيان السنة.
والخلاف المذكور حكاه القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين وجهين، والصيدلاني قولين منصوصين، وهما متوافقان على أن الموضع نجس، وقد صرح به في "المهذب" و"التهذيب".
وقال البندنيجي: إنه ينجس قولاً واحداً، وفي "الإبانة": أنه هل ينجس بذلك أم لا؟ فيه قولان؛ والأقيس: أنه ينجس، وقد حكاهما في "البحر" عن المراوزة.
وقيل: لا يطهر بالغسل موضع فمه [بل يقطع]؛ لأن لعابه قد دخل في أجزائه [وغسله يزيد في نجاسته؛] فلا يطهر بالماء.
قال الإمام: وقائل هذا يطرده في كل لحم، وما في معناه يعض عليه الكلب، بخلاف الموضع الذي يناله لعابه من غير عض.
وحكى عن القفال: أن ناب الكلب إذا أصاب عرقاً نضاحاً بالدم، سرى حكم النجاسة إلى جميع الصيد، ولا يحل أكله.
قال الإمام: [وهذا لا اعتداد] به، وهو غلط من الحاكي؛ لأن النجاسة وإن اتصلت بالدم، فالعروق وعاء حاجز بينه وبين اللحم، ثم الدم إذا كان يفور، امتنع غوص النجاسة فيه؛ كالماء المتصعد من فوارة، إذا وقعت نجاسة على أعلاه لم ينجس ما تحته، وعلى عكسه الماء المنحدر من الإبريق إذا لاقى نجاسة، لا ينجس ماء الإبريق؛ وبهذا أجاب ابن الصباغ.
قال: وإن رمى طيراً، فأصابه السهم، أي: في غير المذبح، فوقع في ماء، أو على جبل فتردى منه- أي: سقط منه- فمات، لم يحل.
أما في الأولى؛ فلما روى مسلم والبخاري وغيرهما عن عدي بن حاتم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في تتمة حديث: "وإن رميت بسهمك، فاذكر اسم الله؛ فإن غاب عنك يوماً، فلم تجد