كتاب الجنايات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أحدها: الجواز مطلقاً في حالة الضرورة [وعدمها.
والثاني: المنع في حالة الضرورة وعدمها].
والثالث: التفرقة.
ثم إذا رمي إلى القلعة أو البلد وقتل مسلما، قال الرافعي: فإن لم يعلم أن في أهلها [مسلماً] لم تجب إلا الكفارة، وإن علم وجبت الدية والكفارة، حكاه الروياني.
قلت: وما حكاه في حالة عدم العلم هو قضية ما في "تعليق" البندنيجي في باب كفارة القتل؛ حيث قال: إذا قتل مسلماً في دار الحرب ولم يقصد عينه، مثل أن بيَّتوهم ليلا [فقتلوهم] وكان فيهم مسلم، أو قتله في غارة
-[فلا تجب إلا الكفارة]-
وعلى ذلك جرى في "التهذيب" ثم، وزاد فقال: سواء عرف أن في الدار مسلماً أو لم يعرف.
وبه جزم القاضي أبو الطيب هاهنا، وعلله بأنه أبيح له الرمي إلى هذه الدار.
قال: وإن تترسوا بهم في حال القتال، أي: وخفنا من ترك قتالهم اصطلام أجناد الإسلام، واختلال ركن عظيم في الإسلام - لم يمتنع من قتالهم؛ كي لا يكون ذلك وسيلة إلى ترك فرض الجهاد والظفر بالمسلمين؛ فكان محظور الترك أعظم من محظور الفعل.
قال: غير أنه يتجنب أن يصيبهم، أي: فيكون القصد بالرمي والضرب المتترس دون الترس؛ قضاء للحقين بقدر الإمكان، وهذا ما نص عليه في "المختصر"، حيث قال: إن تترسوا بمسلم، رأيت أن يكف إلا أن يكونوا ملتحمين، فيصيب المشرك ويتوقى المسلم جهده.
وعلى ذلك جرى العراقيون والماوردي، وصدر به القاضي الحسين كلامه، وقيل: لا يجوز الرمي إذا لم يتأت ضرب الكفار إلا
بضرب المسلم؛ لان غاية ما فيه أنا نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف، بدليل صورة الإكراه، وهذا ما أورده في "التهذيب"، وبه أجاب الغزالي فيما إذا تترس كافر بمسلم، وأشعر إيراده بتخصيص الوجهين فيما إذا تترس الكفار بطائفة من المسلمين في صف القتال، وأشار الإمام إلى الفرق بأن الإهلاك في حال تترسهم بطائفة أمر كلي لا يبعد أن يتساهل فيه في أشخاص من الأسارى؛ حفظا على الكليات.
التفريع:
إن قلنا بالمنع، فرمى وقتل مسلما، ففي وجوب القصاص طريقان:
أحدهما: تخريجه على قولي الإكراه.
والثاني: القطع بالوجوب كالمضطر إلى قتل إنسان ليأكله، ويفارق المكره فإن ملجأ إلى القتل، وهاهنا بخلافه، وأيضاً: فإن ثم من يحال عليه، وهو المكره، وليس هاهنا من يحال عليه.
وإن قلنا بظاهر النص، فرمى وقتل مسلما، قال الرافعي: فلا قصاص؛ لأنه مع تجويز الرمي لا يجتمعان.
وهذا ما أورده أبو الطب وابن الصباغ والبندنيجي، وقال القاضي الحسين: مع قولنا: إنه يجوز رمي المتترس دون الترس، إذا رمى فأصاب الترس كان في وجوب القود عليه الطريقان:
أحدهما: القطع بالوجوب.
والثاني: تخريجه على القولين في المكره.
ثم قال: وقيل على القول الذي يقول: يلزمه القود: ينبغي ألا يجوز له قصد المتترس؛ لأنه لا يأمن أن يفضي قصده إلى قتل محرم، فوجب للقود.
وفي "الحاوي" ما يقرب من ذلك؛ فإنه جزم بجواز الرمي إلى المتترس في حالة الضرورة، ثم قال: ولو دعته الضرورة إلى قتل الترس ليتوصل به إلى دفع المشرك عن نفسه، ففي وجوب القود عليه وجهان، حكاهما ابن أبي هريرة
تخريجاً من اختلاف قوليه في المكره، وحكى القاضي الحسين في هذه الصورة في آخر الفصل عن بعض: أنا إن لم نوجب القود على المكره، فهاهنا أولى، وإن أوجبناه على المكره، فهاهنا قولان، والفرق [: أن] المكره قتل لإحياء نفسه [وحده] لا غير؛ فكان كما لو قتله للمجاعة، وأما هاهنا: [فإنما] قتله لإعلاء كلمة الله تعالى، دفعاً عن المسلمين لا عن نفسه وحده، وهذه الطريقة تأتي في الحالة الأولى التي حكينا عنه فيها الطريقين من طريق الأولى، وأما الكفارة، فتجب على كل حال، وفي وجوب الدية خلاف سبق.
أما إذا تترسوا بهم في غير حال القتال، فالذي جزم به القاضيان أبو الطيب والحسين، وابن الصباغ والماوردي وغيرهم: منع الرمي، وأنه إذا رمى فأصاب مسلما قصده، [وجب] القصاص [قولا] واحدا، وكذا الدية عند العفو.
قال ابن يونس: [وقيل بجواز] رميهم بكل حال كما لو تترسوا بالنساء والصبيان، وليس بشيء؛ لأن حرمة المسلم آكد، وحكم المستأمن والذمي في دار الحرب في جميع ما ذكرناه حكم [المسلم] إلا في وجوب القود، قاله الماوردي والرافعي وغيرهما.
فرع: إذا تترس كافر بمال مسلم أو فرسه، فإن كان في غير القتال فلا يجوز أن يقصد المتترس، وفي حال القتال، إذا اضطر إلى قصد المتترس فلا يقصد الترس، فإن بلغ إلى حالة لا يصل إلى [المتترس] إلا بأن يقصد الترس، فله ذلك، وهل يجب عليه الضمان؟ قال القاضي الحسين: إن قلنا في النفس يجب القود قولا واحدا، [فهاهنا يجب الضمان قولا واحدا]، وإن جعلنا في القود قولين، فهاهنا لا يجب ضمان المال، وليس كما إذا أكره على إتلاف مال الغير؛ فإن قرار الضمان على المكره.
و [هل] يكون المكره طريقاً في الضمان؟ فيه وجهان؛ لأن هاهنا لا يمكن أن يقال: إن الرامي يكون طريقا؛ لأن الحربي ليس عليه قرار الضمان، وعلى ذلك جرى في "التهذيب".
تنبيه: الأسارى: بضم الهمزة وفتحها، قال ابن فارس: وليس المفتوحة بالعالية.
ويجمع أيضاً [على]: أٍرى، والواحد: أسير ومأسور، وهو مشتق من "الإسار" وهو القِدُّ، لأنهم كانوا يشدون الأسير بالقِدِّ، فسمي كل أخيذ أسيرا، وإن لم يشد به، ويقال: أسرت الرجل أسرا [وإساراً].
قال: ومن آمنه مسلم – هو بهمزة ممدودة – بالغ عاقل مختار، حرم قتله، أي: ما دام الأمان باقيا، سواء كان المؤمن إماما أو نائبه أو غيرهما، حرا كان أو عبداً، ذكراً أو أنثى، عدلاً كان أو فاسقاً.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾، أي: استأمنك فآمِنْه، أو: استعانك فأعنه، وكلام الله، قيل: [أراد به] سورة "براءة" خاصة، وقيل: جميع القرآن، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾ [التوبة: 6]، أي: [بعد] انقضاء مدة الأمان إن أقام على الشرك، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 6]، [أي]: الرشد من الغي، أو استباحة دمائهم عند انقضاء مدة أمانهم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ["دَمُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدٌ، فَمَنْ خفر مُسْلِماً، فَعَلَيهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ"، أي: عبيدهم، كما قاله أبو عبيد؛ لأنهم أدنى من الأحرار.
وقد روي أن عمر – رضي الله عنه – جهز جيشا، فنزلوا على قرية من قرى رامهرمز، فرأوا أنهم سيفتحونها، فرجعوا حتى يقيلوا ويرجعوا، فبقي عبد منهم فواطأ أهل القرية وواطئه، فكتب لهم كتابا في صحيفة، ونبذها مع سهم رماه إليهم، فأخذوها وخرجوا بأمانه، فكتب بذلك إلى عمر – رضي الله عنه – فقال: "العَبْدُ الْمُسْلِمُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهُمْ"، ولم يخالفه فيه أحد؛ فكان إجماعاً.
وروي أن أم هانئ بنت أبي طالب قالت – عام الفتح -: يا رسول الله، إني قد أجرت حَمَويَّ، وزعم ابن أمي أنه قاتلهما – تعني علي بن أبي طالب –فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ، وَأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ"، ومعنى هذا الخبر ثابت في "الصحيحين".
وحكى الرافعي عن ابن أبي هريرة: أنه لا يصح أمان الفاسق؛ لأنه ولاية، وليس هو من أهلها، ونسب القاضي الحسين هذا الوجه إلى ابن سريج، وأن غيره قال: إن كان فسقه بسبب معونته لهم على المسلمين فلا يجوز، وإن كان بزنى أو شرب خمر صح.
وظاهر المذهب ما دل عليه كلام الشيخ، ويشهد له قصة العبد السالفة.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ هنا يقتضي أموراً:
أحدها: جواز تأمين بعض الرعية لأهل بلد، وأكثر من ذلك؛ لإتيانه بلفظة "مَنْ" الصالحة لذلك، وأنه لا فرق في المُؤَمَّن الكافر بين أن يكون قد أسر أم لا، وقد قال الأصحاب: إن نفوذ أمان أحد الرعية منوط بشرطين:
أحدهما: ألا يتعطل الجهاد [به]، وذلك مثل أن يؤمن نفرا يسيراً من الواحد إلى العشرة، وكذا المائة والقافلة، وكذا القلعة الصغيرة، كما حكى عن "البيان"، ويشهد لذلك قصة العبد السابقة.
وفي "الرافعي": أن الأشبه في القلعة المنع، وما جاوز ذلك لا يصح أمانه فيه، بل هو منوط بالإمام ونائبه، والشيخ نبه على ذلك في باب عقد الهدنة.
وألحقوا بذلك ما إذا أمن مائة ألف من المسلمين مائة ألف من الكافرين، فظهر انحسام الجهاد أو نقصانه بذلك، وأبطلوا أمانهم، قال الرافعي: ولك أن تقول: إن أمنوهم [معاً، فردُّ الكل متوجهٌ، وإن أمنوهم] علىلتعاقب، فينبغي أن يجوز أمان الأول فالأول إلى ظهور الخلل.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن من أصحابنا من قال: إنما يجوز أمانه لواحد واحد، فإذا فعل كذلك جاز، وإن أمن ثلاثمائة أو أكثر، فأما إذا أمن أهل بلدة أو قرية أو قبيلة كلهم لم يجز، قلوا أو كثروا؛ لأن طريق هذا طريق الهدنة.
ثم قال: ويحكي هذا عن أبي إسحاق.
وهذا قد حكاه الرافعي عن الروياني حيث قال: إذا أمن واحدا واحداً جاز، وإن كثروا حتى زادوا عن عدد أهل البلدة
الواحدة، أو القرية الواحدة.
والشرط الثاني: ألا يكون الكافر المُؤَمَّن قد أسره المسلمون، سواء في ذلك عدم إشرافه على الأسر أو إشرافه عليه، كما إذا كان في مضيق أو في حصن، أو في جوف بئر أو في القتال وقد انهزموا، فإن كان مأسوراً فقد أطلق معظم الأصحاب القول بأنه لا يصح إلا من الإمام؛ لما فيه من إبطال التخيير الثابت له، وفي "الحاوي" أن الأمر كذلك إذا انتهى إلى يد الإمام، وكذلك إذا انتهى إلى يد نائبه، لا يصح تأمينه من غيرهما، وإن لم يصل إليهما لا يصح من غير [من] أسره من الرعية، ويصح ممن أسره، ومن الإمام، وكذا من نائبه إن كان الأسير من ثغره، وإن كان من غير ثغره فلا يصح منه؛ لخروجه عن ولايته.
الأمر الثاني: اختصاص الأمان بالرجال من الكفار دون النساء؛ لأن المتصف بحل القتل قبل الأمان الرجال دون الذراري والنسوان، وفائدة الأمان- لو صح مع النساء –مَنْعُ الاسترقاق، وما أفهمه كلام الشيخ فيهن صرح به الغزالي، ووجهه بأن أمان المرأة إنما يصح تبعاً للرجال؛ فلا يستقل، والماوردي جزم بصحة أمان المرأة، قوال القاضي الحسين: إنه يتخرج على قولين؛ بناء على أنه إذا صالح أهل حصن ليس فيه إلا نسوة وقد أشرفن على الاسترقاق، على مال حتى لا يسترقهن-فهل يسقط حق الاسترقاق ببذل المال؟ فعلى قولين، فإن قلنا: إنه يسقط به سقط بالأمان، وإلا فلا، وعلى ذلك جرى في "التهذيب".
الأمر الثالث: أن الأمان لا يفيد غير تحريم القتل، وقد قال الأصحاب: إنه يفيد معه منع الاسترقاق والمفاداة، وهل يفيد عصمة ماله وأهله؟.
قال الغزالي وإمامه: إن شرط ذلك في الأمان، فنعم، وإلا فلا يدخل الذي في دار الحرب فيه، وفي دخول ما معه من المال فيه، فيه وجهان، المذكور منهما في "تعليق" البندنيجي: الدخول، وكذلك هو في "الشامل" و"تعليق" أبي الطيب في عقد الهدنة، وقال: إنه لا يدخل فيه زوجته، وألحق البندنيجي الذرية بالمال.
وفي "الحاوي": أنه يدخل في الأمان على نفسه ما يباشره من ثيابه التي لا
يستغني عنها، وما يستعمله من آلته التي لابد له منها، وما ينفقه في مدة أمانه لضرورته إلى ذلك، ولا يدخل فيه ما عداه من أمواله، وكذا ذراريه.
وسواء كان المؤمِّن الإمامَ أو غيره، ولو أمنه على نفسه وماله، فإن كان ماله حاضراً صح أمانه عليه، سواء كان المؤمن إماماً أو غيره، وإن كان غائباً فلا يصح إلا من الإمام، أو من قام مقامه من وُلاة الثغور، وكذا حكم الذرية في حال الحضور والغيبة على ما فصلناه.
الأمر الرابع: أن تحريم قتل المؤمن يعم جميع المسلمين في جميع الأماكن والأزمان، والأمر كذلك عند الماوردي في الأماكن، إذا شمل الأمان بالتصريح جميع بلاد الإسلام، سواء كان المؤمن إماماً أو غيره، أما إذا أطلق الأمان: فإن كان المؤمن إماماً فالحكم كذلك أيضاً، وإن كان نائباً عنه شمل الأمان بالتصريح جميع محل ولايته حالة الأمان، ولا يزول عن بعضها بعزله منه، ولو كان من آحاد الرعية تناول موضع سكن المؤمن من بلد أو قرية، ولا يتعدى ذلك إلى غيره إلا إلى الطريق الموصلة [إليه] من دار الحرب، ويكون أمنه فيه في حالة اجتيازه [فيه] بقدر الحاجة، دون حال الإقامة، وكذا الحكم فيما إذا عين له المؤمن موضعاً بعينه.
وأما الزمان فهو مقدر بما سنذكره في الهدنة، فإن صرح المؤمن بما يجوز منه لم يتعداه، ويجوز له أن يستوي المدة بمقامه في المكان الذي عينه له، وله بعد انقضائها الأمان في مدة عوده إلى بلده، اللهم إلا أن يكون الأمان عاماً في بلاد الإسلام كلها؛ فإن المدة إذا نقضت لا تكون في أمان إلى عوده إلى بلده، وهذا ما حكاه الماوردي هنا، وأفهمه كلام البندنيجي وغيره في كتاب عقد الهدنة، وقال الماوردي ثم: إن أمانه مقصور على حقن دمه وماله دون مقامه، ولم يكن لمن أمنه من المسلمين تقدير مدته، فإذا رأى الإمام من المصلحة إخراجه، [أخرجه] آمنا حتى يصير إلى مأمنه.
ثم على الأول لو صرح بقدر زائد على ما يجوز عقده من المدة بطل الأمان في القدر الزائد، [وفي] الباقي طريقان حكاهما [الماوردي] وسنذكرهما عن غيره في باب [عقد] الهدنة:
أحدهما: القطع بالصحة فيه.
والثاني: تخريجه على قولي تفريق الصفقة.
وإن أطلق الأمان تناول المدة الثابتة بالنص، وهي أربعة أشهر لا غير، بوعدها يعلم أن أمانه قد انقضى؛ فيرد إلى مأمنه، والله أعلم.
قال: وإن أمنه صبي، لم يقتل.
الصبي لا يصح أمانه؛ لأنه عقد فلم يصح منه كسائر عقودهن ولكن المؤمن لا يقتل، كما قال الشيخ.
غير أنه يعرف أنه لا أمان له ليرجع إلى مأمنه؛ لأنه دخل معتقداً أنه في أمان، فكان شبهة في منع قتله.
وهكذا الحكم فيما إذا أمنه مجنون أو مكره لا يصح، ولا يقبل، ويعرف أنه لا أمان له ليرجع إلى مأمنه؛ لما ذكرناه.
ولو أمن الذمي كافراً لم يصح أمانه؛ لأنه متهم، وليس له العقد علينا، وقد روي أنه - عليه السلام – قال: "يجبر على المسلمين بعضهم".
تنبيه: في قول الشيخ: "ويعرف أنه لا أمان له:، ما يعرفك أن المسألة مصورة بما إذا لم يكن عالماً بعدم صحة أمان الصبي، أما لو كان عالماً به، حل قتله في الحال؛ لأنه حربي دخل بغير أمان، قاله في "المهذب" والقاضي الحسين وغيرهما.
قال: ومن أمنه أسير قد أطلق، أي: من القيد والحبس، وأمنوه على ألا يخرج من دارهم فبقي فيها غير قادر على الخروج منها.
قال: باختياره، أي: حصل الأمان باختيار من الأسير؛ فلم يكن مكرهاً فيه.
قال: حرم قتله؛ لعموم الأخبار.
ويظهر من هذه الصورة والحكم فيها جواز أمان التاجر في دار الحرب.
لكن في "تعليق" القاضي الحسين: أنه إذا أمنهم لا يكون أمانا يلزم إمضاؤه المسلمين، لكنه يكون أماناً لهم منه، حتى لا يجوز له أن يغتالهم، وهذا ما أورده في "التهذيب"، وطرده فيما إذا دخل مسلم لدار الحرب بأمان، فأمن كافراً منهم، وقضية ذلك أن يطرد هذا الحكم بجملته في الأسير في الصورة التي ذكرناها من طريق الأولى؛ ولأجل ذلك أطلق بعضهم في صحة أمان الأسير وجهين، أصحهما: المنع.
ثم في صورة مسألة الكتاب التي ذكرناها لا يكون الكافر المؤمن آمناً من المسلمين، إلا في دار الحرب في الموضع الذي فيه الأسير كما صرح به الماوردي، إلا أن يصرح بأمانه في غيره، فيأمن فيه، ولو لم يؤمنهم، وقد أمنوه، كما ذكرنا، ولا شرطوا عليه أن يكونوا في أمان منه – فهل له أن يغتالهم؟
المذهب: لا؛ كما لو شرطوا عليه عند إطلاقه أن يكونوا في أمان منه، وقد عزاه القاضي الحسين في قتال أهل البغي إلى النص، وغيره نسبه إلى نصه في "أمالي حرملة".
وعن ابن أبي هريرة: أن له أن يغتالهم؛ لأنهم لم يستأمنوهن فأشبه ما لو أطلقوه من غير شرط أصلاً، ولو خرج من ديارهم فاتبعه قوم منهم فله قتلهم في الأحوال الثلاثة.
تنبيه: في قول الشيخ: قد أطلق، ما يفهمك أنه إذا كان في قيد أو حبس لا يصح أمانه، وهو الأصح في "الرافعي" و"التهذيب"؛ لأنه مقهور في أيديهم لا يعرف وجه النظر والمصلحة، ولأن الأمان يقتضي أن يكون المؤمن آمنا، والأسير في أيديهم ليس بآمن.
قلت: ولأن القيد والحبس كالإكراه على الفعل، دليله ما إذا ارتد المسلم وهو [في] قيدهم أو حبسهم لم يحكم بصحة ردته؛ لجعل ذلك كالإكراه عليها، وإن لم يطلب منه، والذي أطلق القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والشيخ أبو
حامد القول به: أنه يصح أمان الأسير قال البندنيجي: ولو كان محبوساً.
ونسبه إلى نصه في "حرملة"، موجِّهاً له بأنه ما حبس ليؤمن، فإذا تبرع به فهو مختار، وهذا ينتقض بمسألة الردة؛ فإنه ما حبس ليرتد، ورأى الإمام تخصيص الوجهين بما إذا أمن من لم يأسره، والقطع بالمنع [إذا] أمن من أسره؛ لأنه كالمكره من جهته، وعلى ذلك جرى الغزالي، ويقرب منه قول الماوردي: عندي أن أمانه يعتبر بحال من أمنه، فإن كان في أمان من المشرك صح أمان لذلك المشرك، وإن لم يكن في أمان منه لم يصح؛ لأن الأمان ما اقتضى التساوي فيه.
ثم إذا قلنا: لا يصح أمانه عموما، فهل يصح بالنسبة إلى الأسير حتى لا يجوز أن يغتال من أمنه كما في التاجر، أم لا يصح؟ فيه وجهان، والذي أورده الغزالي: الأول، والذي مال إليه الأكثرون – ومنهم القفال -: مقابله، وفرق القاضي الحسين بينه وبين التاجر: بأن التاجر في أمان منهم، وليس كذلك الأسير، وقضية الأمان: التساوي.
واعلم أن الأمان يصح بالصريح كقوله: أمنتك، أو: أنت آمن، أو: في أمان، أو: أنت مجار، أو: قد أجرتك، أو: لا بأس عليك، أو: لا خوف عليك، وما شاكله كما حكاه الماوردي.
قال الرافعي: وفي إيراد بعضهم ما يقتضي أن قوله: لا بأس عليك، كناية، وهذا خلاف ما دل عليه قول الصحابة؛ فإنه روى أن عمر –رضي الله عنه – قال للهرمزان: "تَكَلَّمْ وَلاَ بَاسَ عَلَيكَ"، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَمَرَ عُمَرُ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: لَيْسَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، [قَدْ أَمَّنْتَهُ]، فَقَالَ عُمَرُ: كَلاَّ، فَقَالَ لَهُ الزُّبَيرُ: قَدْ قُلْتَ لَهُ: تَكَلَّمْ، وَلاَ بَاسَ عَلَيكَ؛ فَدَرَأَ عَنْهُ عُمَرُ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – القَتْلَ.
ويصح بالكتابة والرسالة مع الكافر والمسلم، وعد ذلك من الصرائح، ويصح أيضاً بالكناية مع النية؛ كقوله: أنت على ما تحب، أو: كن كيف شئت، أو: لا تخف ولا تحزن، [عند الماوردي، وعند الروياني قوله:"لا تخف ولا تحزن"] من الصرائح.
والإشارة المفهمة عند الماوردي والبندنيجي وأبي الطيب والقاضي الحسين من الكنايات حتى قالوا: إنه لو أشار ثم مات قبل أن يبين مراده، لم ينعقد الأمان، وقد حكاه ابن الصباغ عن نصه في "سير الواقدي".
نعم، لا يقتل، ويعرف أنه لا أمان له ليرجع إلى مأمنه.
وفي "المهذب": أنه يحصل الأمان بالإشارة المفهمة من غير تقييد بأن يصرح المشير بالأمان.
نعمم، لو قال المشير: ما أردت الأمان، قبل قوله، وعرف أنه لا أمان له.
ولا فرق في الإشارة بين أن تصدر من ناطق أو أخرس، كما صرح به الإمام.
وكما يصح الأمان منجزا، يصح معلقا ولو على الأخطار وبالغرر.
ويعتبر من جانب الكافر المؤمن أمران:
أحدهما: أن يبلغه الأمان، فإن لم يبلغه فلا أمان له، حتى لو ابتدر المؤمن فقتله جاز، صرح به القاضي الحسين والرافعي وغيرهما، وبنى القاضي [على ذلك] ما لو أشار المسلم إليه قاصداً الأمان، وقال الكافر: لم أفهم منه الأمان – أنه لا ينعقد له أمان.
والثاني: ألا يرد الأمان، فإن رده ارتد، كالإيجاب في البيع والهبة.
وفي اعتبار النطق بالقبول أو الإشارة به أو الأمارة تردد عند الإمام، وقال: إن الظاهر أنه لابد من ذلك، وهو المذكور في "الوجيز"، ومقابله هو المذكور في "التهذيب"، وقول المؤمن للمؤمن بعد قبول الأمان: لست أؤمنك، فخذ حذرك مني، قائم مقام رد الأمان عند الإمام؛ لأنه لا يثبت في أحد الطرفين دون الآخر.
قال: ومن اسلم منهم في حصار أو مضيق، أي: رجلاً كان أو امرأة، كما صرح به في "التهذيب" وغيره –حقن دمه وماله، أي: صانه ومنعه أن يستباح؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي
دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ عز وجل"، وأخرجه مسلم وغيره، وقوله – عليه السلام -: "مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ".
قال: وصان صغار أولاده، أي: الأحرار عن السبي؛ لما روى الشافعي – رضي الله عنه – بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ، أَسْلَمَ ابْنَا سَعْيَةَ، وَهُمَا ثَعْلَبَةُ وَأُسَيدُ، كَمَا قَالَهُ القَلْعِيُّ فِي المستَغرب، فَأَحْرَزَ إسْلامُهُمَا أَمْوَالَهُمَا وَأَوْلادَهُمَا الصِّغَارَ، وفي روايَةِ الشَّعْبِيِّ: وَالدُّور وَالشَّجَرَ.
وفي "التهذيب" و"الإبانة" قول الشافعي –رضي الله عنه -: "إن المرأة لا تصون أولادها الصغار"، قال الرافعي: وإن صح هذا، فيشبه أن يقال: لا يستتبع الولد في الإسلام، والأظهر: الأول.
والمجنون المتصل جنونه بصباه في حكم الصبي، وإن جن بعد البلوغ ففي صيانته بإسلام الأب وجهان في "التهذيب" وغيره؛ بناء على عود ولاية المال إليه، وأصحهما فيما نحن فيه: نعم، وقياس البناء: ألا يتبع الأم إذا أسلمت، وقلنا: لا ولاية لها كما هو المذهب.
وحكم الحمل فيما ذكرناه حكم الولد الصغير؛ لأنه حر مسلم، فوجب أن يتبع أباه كما لو كان منفصلاً.
نعم، هل يجوز استرقاق أمه في حال اجتنانه إذا كان المسلم أباه؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وجزم الإمام بأنها إذا لم تكن زوجة: أنها تسترق.
وولد الولد هل يلحق بالولد فيما ذكرناه؟ فيه وجهان في "التهذيب"، وأظهرهما في "الرافعي": نعم، وقيل: هما فيما إذا كان أبوه حيا، فإن كان ميتا أحرزه وجها واحدا، وهذا ما صححه الروياني، وفي "الإبانة" أن القفال قال مرة
أخرى: "إن الوجهين فيما إذا كان أبوه ميتا، فإن كان حيا لم يصنه قولا واحدا".
ولا تلحق بالأب في ذلك ابنته البالغة العاقلة، وإن تبعته في عقد الذمة؛ لأنها متمكنة من الإسلام، بخلاف عقد الذمة.
وكذا لا يمنع إسلامه استرقاق زوجته على المنصوص في "سير" الواقدي والأوزاعي كما قاله البندنيجي، وهوا لذي صححه القاضي أبو الطيب، وجزم به الماوردي، وحكى فيما إذا تزوج المسلم حربية في جواز سبيها واسترقاقها وجهين:
أحدهما: الجواز؛ كما لو أسلم زوجها بعد كفره.
والثاني: لا يجوز؛ كما أن المسلم لو استأجر أرضاً من دار الحرب، لا تغنم حتى تنقضي مدة إجارته.
قال القاضي أبو الطيب: والفرق بينها وبين منفعة البضع المملوكة بالنكاح: أن مدة الإجارة تنقضي؛ فليس لهم أن يغنموها حتى يستوفي ما ثبت له من الحق، وليس النكاح كذلك، فإنه ليس له غاية ولا هو مؤقت، ولو قلنا: لا يملكونها، أدى إلى إبطال حقهم.
وكلام الماوردي والرافعي وغيرهما مصرح بجواز اغتنام الأرض، ولكن الإجارة لا تنفسخ، وفرق بأن المنفعة تثبت عليها اليد؛ هي كالمال، ومنفعة البضع لا تثبت عليها اليد؛ فلم تكن كالمال، قال في"التهذيب": وكذلك لا تضمن بالغصب.
وقد أجرى هذا الوجه المصنف والقاضي أبو الطيب والإمام وغيرهم، في منع استرقاق زوجة الحربي إذا أسلم وتخلفت، والفوراني حكاه قولاً مخرجاً؛ فإنه حكى فيها النص المتقدم، وقال: إن الشافعي –رضي الله عنه – نص على [أن] معتق المسلم إذا التحق بدار الحرب، أنه لا يسترق ولا يغنم، فمنهم من جعل المسألتين على قولين:
أحدهما: لا يغنم واحد منهما؛ لتعلق حق المسلم بالزوجية والولاء فيهما.
والثاني: يجوز؛ لأنهما بالغان حربيان، صارا كسائر من يجوز اغتنامه.
ومنهم من فصل، فقال: تسبى الزوجة؛ لأن النكاح قابل للفسخ، ولا يسبي المعتق؛ لأنه لا سبيل إلى دفع الولاء وفسخه، وهذه طريقة الشيخ أبي علي.
قال الرافعي: والظاهر ما نص عليه في الصورتين، وإن قدر الخلاف هكذا، قال الجمهور: والذي أورده العراقيون والماوردي في مسألة الولاء: المنصوص.
نعم، حكوا الخلاف في جواز استرقاق معتق الذمي، وصحح البندنيجي الجواز، وفرق بينه وبين معتق المسلم [بأن الذمي يجوز أن يحدث عليه الرق؛ فلم يمنع ولاؤه من الاسترقاق، بخلاف المسلم] والذي اختاره ابن كج في الزوجة: امتناع الاسترقاق أيضاً.
قلت: وهو قضية ما صححه القاضي الحسين والفوراني، في: أن زوجة من لا رأي له ولا قتال فيه [ومن] في معناه – لا تسبي ولا تسترق إذا قلنا: إنهم لا يقتلون؛ لأن نعمة الزوج بالإسلام مقطوع بها؛ فكان المسلم [بإحراز الزوجة أولى].
قال: ومن عرف من المسلمين من نفسه بلاء في الحرب، أي حماية فيه وقوة له كما قاله الأزهري جاز له أن يبارز، أي: من غير كراهة ولا استحباب؛ لقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافاً﴾، وهو: الإسراع في المبارزة ﴿وثقالا﴾ أي: في الثبات والمصابرة.
وروى أبو هريرة – رضي الله عنه – أنه – عليه الصلاة والسلام – سئل عن المبارزة بين الصفين، فقال: "لا بأس به".
وذهب أبو علي بن أبي هريرة إلى أن هذه المبارزة مكروهة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36].
[وحكى القاضي أبو الطيب وغيره، في باب "ما يكره لبسه"، عن أبي عليٍّ
الطبري، أنه حكى وجهاً في "الإيضاح": أن ذلك لا يجوز، وأنه اختاره؛ موجِّهاً له بألاَّ يؤمن أن يخرج إليه من هو أقوى منه؛ فيقتله؛ فيوهن ذلك المسلمين].
والمذهب: الأول، وهو مشروط بما إذا بارز بإذن الحاكم على الجيش، وبما إذا لم يدخل [بقتل] المبارز ضرر على المسلمين؛ لكونه أميرهم الذي تختلُّ بفقده أمورهم، فإن عدم شيء من ذلكن لم يجز ابتداء، قاله الماوردي، وحكى غيره وجهاً في جوازه بغير إذن الإمام، لكن المستحب استئذانه، وهذا ما جزم به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ [هنا]، وفي "تعليق" القاضي الحسين أنه أظهر الوجهين، [وقال الرافعي: إنه أصح الوجهين]، وإن عليه الأكثرين، وإن عليهما بنى الأصحاب الخلاف في أن المبارز [لو آمنه المستبد] بالمبارزة من المسلمين، هل يصح أم لا؟ وكذا حكى الخلاف في جواز مبارزة الضعيف، والمذكور منهما في "تعليق" القاضي الحسين: المنع، [وكذا في "تعليق" أبي الطيب كما حكاه في باب ما يكره لبسه]، وفي "الرافعي" حكاية عن النص أنه مكروه، وقال في "المهذب": إنه صحيح.
قال: وإن بارز كافراً، استحب لمن عرف من نفسه بلاء أن يخرج إليه؛ لما روى أبو داود عن علي –رضي الله عنه – قال: تقدم – يعني: عتبة بن ربيعة – وتبعه ابنه وأخونه، فنادى: من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقالوا: [لا] حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بنى عمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيدَةُ بْنُ الْحَارِثِ"، فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةَ، وَاَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَة، وَاخْتُلِفَ بَينَ عُبَيدَةَ وَالوَلِيدِ ضَربَتَانِ، فَأَثْخَنَ
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الوَلِيدِ، فَقَتَلْنَاهُ، وَاحْتَمَلَنَا عُبَيْدَةَ.
وقد اخرج مسلم في "صحيحه" من حديث قيس بن عبادة قال: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ قَسَماًن إِنَّ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19]، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الذِينَ بَرَزُوا يَومَ بَدْرٍ: حَمْزَةَ، وَعَلِيٍّ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ.
وروى ابن المنذر بإسناده عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه أنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم [يَومَ خَيبَرَ، فَخَرَجَ مَرْحَبُ يَطْلُبُ مَنْ يُبَارِزُهُ، فَخَرجَ إِلَيهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَضَربَهُ عَلِيٌّ – كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ – فَعَلَّقَ رَأَسَهُ، ثُمَّ حَزَّهُ وَجَاءَ بِهِ بْنُ مَسْلَمَة، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فقتلهن وهي رواية جابر بن عبد الله.
ولأن في تركها إضعافاً لقلوب المسلمين وتقوية لقلوب الكافرين، ولو خرج إليه من يضعف عن لقائه، كره له ذلكن قاله أبو الطيب.
وفي "الرافعي": أن ابن كج أطلق استحباب المبارزة، ولم يفرق بين الابتداء والإجابة.
قال: فإن شرط ألا يقاتله غيره، أي: شرط الكافر ألا يقاتله غير من برز إليه مجيباً أو مبتدئاً، وفي له بالشرط؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وقوله – عليه السلام -: "الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ".
قال: إلا أن يثخن المسلم [أو ينهزم]، فيجوز قتاله؛ لأنه شرط الأمان حالة القتال، فانقضى بزواله، ولأن الوليد بن عتبة بن ربيعة لما أثخن عبيدة بن الحارث في يوم بدر، ولم يبق فيه قتال – مال على
وحمزة – رضي الله عنهما – على الوليد، فقتلاه.
ولو أثخن المسلم الكافر، فهل يجوز أن يقتل غيره؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج.
والإثخان: انتهاؤه بالجرح إلى سقوط قيامه، بحيث لا يبقى له حراك ولا متناع.
وهذا الحكم فيما إذا لم يشترط الكافر عدم التعرض إليه، لكن جرت العادة بأن من برز لا يقاتله غير من برز إليه، فتجعل العادة كالشرط، كما حكاه الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ عن نص الشافعي – رضي الله عنه- وغيرهم قال: إنه منصوص عليه في "سير" الواقدي، وبه جزم الروياني، وهو ما اختاره في "المهذب"، بعد أن حكى عن بعض أصحابنا أنه يستحب ألا يتعرض له غيره في هذه الحالة.
ولو لم يَجْرِ شيء من ذلك جاز للمسلمين قتله مع المبارزة، ولو شرط ألا يقاتله غيره وإن أثخن المسلم وتمكن منه، فالشرط فاسد؛ لما فيه من الضرر، وهل يفسد به أصل الأمان؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج.
قال: فإن شرط ألا يتعرض له حتى يرجع إلى الصف، وفي له بذلك؛ عملا بالشرط، قال الماوردي: إلا أن يصدر من الكافر إحدى خصال ثلاث، فيجوز التعرض له:
إحداهن: إن تولى عنه المسلم فيتبعه.
والثانية: أن يظهر المشرك على المسلم، ويعزم على قتله؛ فيجب علينا أن نستنقذه [منه]؛ لما يلزم من حراسة نفسه، فإن قدرنا على ذلك بغير قتله، لم يجز أن نقتله، وإن لم نقدر على استنقاذه إلا بقتله، جاز قتله لاستنقاذ المسلم منه؛ لما يلزم من حراسة نفسه، فإن قدرنا على ذلك بغير قتله، لم يجز أن نقتله، وإن لم نقدر على استنقاذه إلا بقتله، جاز قتله لاستنقاذ المسلم منه؛ لأنه لا أمان [له] على قتل مسلم.
والثالثة: أن يستنجد الكافر أصحابه من المشركين في معونته على المسلم،
وفي هذه الحالة تكون إعانة المسلم للمسلم واجبة، كما صرح به القاضي أبو الطيب عن النص.
نعم، لو أعانوه من غير أن يستنجدهم، فنهاهم عن ذلك، فلم ينتهوا – لم يجز أن يتعرض له، وكان لنا قتال من أعانه، وإن لم يمنعهم كان إمساكه عن [المسلمين] رضاً بمعونتهم؛ فصار كما لو استنجدهم، وبهذا صرح أبو الطيب والبندنيجي.
ولو كانت العادة جارية بألا يتعرض له حتى يرجع إلى الصف، كان الحكم كما لو شرط ذلك، كما نص عليه الشافعي، رضي الله عنه.
قال: وليس للمسلم أن ينصرف عن اثنين.
الأصل في وجوب الثبات قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآية، وقوله – عليه السلام-: "الْكَبَائِرُ سَبْعٌ ... – وَعَدَّ مِنْهَا -: التَّوَلِّيَ يَوْمَ الزَّحْفِ".
وفي اعتبار الاثنين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بمعونة الله، أو: بمشيئة الله، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، أي: على القتال في معونتهم على عدوهم، وهذا أمر بلفظ الخبر، وألا لوقع خلاف الخبر، وهو محال.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾، ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾، ولأن التخفيف لا يدخل إلا فيما هو أمر، ولا يدخل في الإخبار إلا عن متقدم، ويعضده ما روى أبو داود عن ابن عباس – رضي الله عنهما –قال: نَزَلَتْ ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ [اللهُ] عَلَيهِمْ أَلاَّ يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشْرَة، ثُمَّ إِنَّهُ جَاءَ تَخْفِيفٌ، فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ [الآية.
قال]: فَلَمَّا خُفِّفَ عَنْهُمْ مِنَ العدة، نقص مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ.
وروي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: من فر من ثلاثة فلم يفر، ومن فر من اثنين فقد فر.
قال الشافعي – رضي الله عنه-: وهذا في معنى التنزيل.
قال القاضي الحين: ولعل المعنى فيه أن المسلم يقاتل على إحدى الحسنيين: إما أن يقتل فيفوز بالجنة، أو لا يقتل فيفوز بالدنيا والغنيمة، والكافر يقاتل على الفوز بالدنيا، وهذا بَيَّن في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ الآية [التوبة: 52].
فأوجب على كل مسلم المصابرة مع مشركين [لهذا].
قال: إلا متحرفاً لقتال، أي: مثل أن يكون الموضع الذي هو فيه لا يتهيأ له فيه القتال لضيقه، أو لكون عين الشمس أو الريح الناقل التراب في وجهه؛ فينحرف إلى مكان يتهيأ [له] فيه القتال.
قال: أو متحيزاً إلى فئة، أي: مثل أن ينهزم ليضم نفسه إلى قوم، ليعود معهم إلى القتال؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ﴾ [الآية] [الأنفال: 16].
ولا فرق في المتحيز إلى فئة بين أن تكون الفئة قريبة أو بعيدة، كالحجاز وخراسان على الأصح، وبه جزم أبو الطيب والماوردي والمصنف وغيرهم.
وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أَنَّهُ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةٌ، وَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ، فَلَمَّا بَرَزْنَا قُلْنَاك كَيْفَ نَصْنَعُ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنَ الزَّحْفِ؟ فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، فَجَلَسْنَا لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ صلاَةِ الفَجْرِ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا لَهُ وَقُلْنَا: نَحْنث الفَرَّارُونَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْنَا وَقَالَ: "لاَ، بَلْ أَنْتُمُ الكَارُّونَ"، قَالَ: فَدَنَوْنَا، فَقَبَّلْنَا يَدَهُ، فَقَالَ: "أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ".
ومعنى "حاص الناس حيصة"، أي: جالوا جولة يطلبون الفرار، وهي بفتح الحاء المهملة والصاد المهملة.
وروي: "فجاص" [بفتح] الجيم، بمعنى: فر، وقد روي عن عمر – رضي الله عنه – أنه قال::"أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ"، وكان بالمدينة والمجاهدون بالشام.
وفي طريق المراوزة وجه: أنه لا يجوز إلى الفئة البعيدة، وهو الذي أفهم كلام الفوراني الجزم به.
وعلى كل حال: فهل يجب عليه أن يحقق العزم بالقتال مع الفئة التي تحيز إليها؟ فيه وجهان، أصحهما: لا، فلو انصرف عن اثنين لا لما ذكرناه فقد باء بسخط من الله، وفعل كبيرة.
قال الشافعي – رضي الله عنه -: إلا أن يعفو الله عنه.
قال ابن أبي هريرة – كما رواه أبو الطيب -: وهذا دليل على بطلان قول من زعم أن الشافعي – رضي الله عنه – يرى مذهب الاعتزال.
وفي "الحاوي": أنه هل يشترط في توبته معاودته للقتال؟ فيه وجهان، وعند من لم يشترطه: لابد من نية أنه متى عاد لا ينهزم، إلا كما أمر الله تعالى.
وعند الإمام أن محل جواز التحيز إلى فئة أخرى: إذا استشعر الموَلِّي عجزاً محوجاً إلى الاستنجاد؛ لضعف جند الإسلام، [فإن لم يكن كذلك فلا حاجة إلى التحيز؛ فإن تحيزه قد يقل جند الإسلام].
ويظهر أن يكون الغزالي أخذ من هنا ما أطلقه من أن الانصراف إذا كان فيه انكسار المسلمين لم يجز، فإن لم يكن فيجوز إن قصد التحيز والانحراف، قال
الرافعي: ولم يشترط غيرهما ذلك.
قال: فإن خاف أن يقتل، أي: وغلب على ظنه ذلك، فقد قيل: له أن يولي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
والمذهب: أنه ليس له أن يولي؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾، ويكون معتمداً على تفضل الله – تعالى – بالنصر، ولا فرق في ذلك – كما قاله الماوردي – بين أن يكون المسلمون فرساناً والكفار رجالة أو بالعكس، وهذا مقيد في "الرافعي" بما إذا أمكن كذلك.
قال: وإن كان بإزائه أكثر من اثنين، وغلب على ظنه أنه لا يهلك – [أي]: بكسر اللام – فالأولى أن يثبت؛ حتى لاتنكسر قلوب المسلمين، ويفوز بالجهاد، وإنما لا يجب عليه؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ الآية [الأنفال: 66].
وحكى المراوزة فيما إذا كان من المسلمين مائة من الأبطال، وفي مقابلتهم من الكفار مائتان وواحد من الضعفاء: أنه يجب الثبات على أصح الوجهين؛ لأنهم يقاومونهم، وإنما يراعى العدد عند تفاوت الأوصاف، والخلاف عندهم جار في عكس ذلك، وهو ما إذا كان مائة وتسعة وتسعون من الكفار الأقوياء ومائة من ضعفاء المسلمين.
قال: وإن غلب على ظنه أنه يهلك، فالأولى أن ينصرف؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:195]، وإنما لم يجب؛ لأنه بصدد إذا قتل فاز بالشهادة.
وقيل: يجب عليه؛ لظاهر الآية.
والقاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ والبندنيجي بنوا القولين في الوجوب وعدمه على القولين فيما إذا صال عليه إنسان وقصد دمه، هل يجب عليه الدفع أم لا؟ فيه القولان، وقضية هذا البناء: أن يكون الصحيح عند أبي
الطيب الوجوب كما حكيناه عنه ثم، لكن الصحيح عنده وعند غيره هاهنا عدمه، ثم في البناء نظر من وجه آخر؛ لأنا قد ذكرنا ثم أن القاصد لو كان كافراً لوجب دفعه جزماً، وكأن قضيته أن يجزم هنا بوجوب الانصراف، وقد أطلق القاضي الحسين القول بأنه إذا كان في مقابلته أكثر من اثنين: أن الأفضل له المصابرة.
وفي "النهاية" فيما إذا زاد العدد: أن الثبات إن كان فيه الهلاك [المحض من غير نكاية في الكفار لزم الفرار، وإن كان في الثبات نكاية فيهم ففي جواز المصابرة الخلاف].
تنبيه: قول الشيخ: وليس للمسلم أن ينصرف عن اثنين، ليس المراد به – كما قال الشيخ أبو حامد -: أن كل واحد على الانفراد يصابر اثنين [منفردين]، وإنما المراد: أن جيش المشركين إذا كان ضعف جيش المسلمين فعليهم المصابرة، وهذا ما أورده البندنيجي، وكذا الماوردي وقال: إنه مذهب الشافعي – رحمه الله – وبه قال ابن عباس- رضي الله عنهما – وعليه ينطبق قول الشيخ في "المهذب": إنه إذا التقى الزحفان، ولم يزد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين، ولم يخافوا الهلاك – تعين عليهم.
ونازع ابن الصباغ في هذا، وعضد قوله بما ذكرناه من أثر ابن عباس.
وفي "الحاوي" و"المهذب" و"التهذيب": أنه إذا لقي الرجل من المسلمين رجلين من المشركين في غير الحرب، فإن طلباه ولم يطلبهما فله أن يولي؛ لأنه غير متأهب للقتال، وإن طلبهما ولم يطلباه ففيه وجهان:
أحدهما: أن له أن يولي؛ لأن فرض الجهاد في الجماعة دون الانفراد، وقال الماوردي: إن هذا ظاهر مذهب الشافعي، رضي الله عنه.
وفي "البحر": أنه الأظهر.
والثاني- وهو المختار في "المرشد"-: أنه يحرم عليه أن يولي عنهما؛ لأنه مجاهد لهما، فإن تولى عنهما كان كما لو كان مع الجماعة.
فرع: إذا غزا العدو بلاد المسلمين، فتركوا البروز إليهم ولم يخرجوا، قال الشافعي – رضي الله عنه -: كان كتوليهم.
قال القاضي الحسين: قال أصحابنا: وهذا إذا كان بإزاء كل مشركين مسلم
فأكثر، فأما إذا كان المسلمون أقل من ذلك فلا يعصون.
ثم قال الشافعي – رضي الله عنه-: ولا يضيق على المسلمين أن يتحصنوا [وإن كانوا قاهرين للعدو إذا ظنوا أن ذلك يزيد في قوتهم، ما لم يتناول العدو من المسلمين [أو] أموالهم، وإن كان العدو قاهرين فلا بأس أن يتحصنوا] إلى أن يأتيهم مدد أو تحدث لهم قوة.
قال: وإن غرر من له سهم بنفسه في قتل كافر ممتنع في حال القتال، أي: وقع القتل في حال القتال- استحق سلبه، أي: سواء شرط له الإمام ذلك أو لم يشرطه؛ لما روى أبو داود عن أبي قتادة –رضي الله عنه – في حديث مطول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غزاة حنين بعد انقضائها: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ"، وأخرجه البخاري ومسلم.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ – يعني يوم حنين -: "مَنْ قَتَلَ كَافِراً [فَلَهُ] سَلَبُهُ"، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم، أخرجه أبو داود.
قال القاضي الحسين: والمعنى فيه: أن يقتله ذلك الكافر مخاطرة بالروح وكفاية شره المسلمين، وفيه إظهار للفتاء من نفس.
قال: وإن كان لا سهم له وله رضخ، [أي]: كالصبي والمرأة والعبد والكافر إذا حضر بإذن الإمام - فقد قيل: يستحق؛ لعموم الخبر، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وعليه جرى النواوي إلا في الذمي؛ فعلى هذا: لا يستحق مع السلب الرضخ قولا واحداً كما نص عليه الشافعي – رضي الله عنه – في "سير"
الواقدي.
[و] إذا كان القاتل عبدا صرف السلب إلى سيده.
وقيل: لا يستحق؛ لأنه لا يستحق السهم الراتب المجمع عليه؛ فلألا يستحق السلب – وهو غير راتب ومختلف فيه –أولى، فعلى هذا: يرضخ له ويزيد فيه لأجل بلائه في قتلهن قاله الماوردي، وقال: عن الوجهين مبنيان على اختلاف أصحابنا [في قول] رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ"، هل هو ابتداء عطية منه، أو بيان لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنفال: 41] فعلى الأول: يستحق من له الرضخ اسلب، وعلى الثاني: لا.
وفي "التهذيب": أن الذمي إذا قلنا: إنه يستحق الرضخ من بيت المال، لم يستحقه، وإن قلنا: يستحقه من الغنيمة، فهو كالعبد، ومن ذلك يجيء فيه طريقة جازمة بالمنع، والأظهر عند القاضي الحسين وغيره في العبد: أنه يستحق السلب [وإن لم يستحقه الصبي] والمرأة؛ لأنهما ليسا من أهل القتال، وبه جزم في "الرقم".
ولا خلاف أن من لا سهم له ولا رضخ كالمخذْل ونحوه، والكافر الذي حضر [بدون إذن] الإمام، إذا غرر بنفسه في قتل كافر لا يستحق [سلبه].
فرع: إذا كان القاتل خنثى مشكلا، وقلنا: المرأة لا تستحق السلب – توقفنا فيه إلى أن يتبين حاله، قاله في "التهذيب".
قال: وإن لم يغرر بنفسه، كأن رماه من الصف فقتله، أو قتله وهو أسير أو مثخن – لم يستحق؛ لأن ابن مسعود – رضي الله عنه – قتل أبا جهل، وكان قد أثخنه شابان من الأنصار يوم بدر، وهما معاذ ومعوذ ابنا عفراء، فلم يدفع النبي صلى الله عليه وسلم سلبه إليه ودفعه إلى الشابين كما حكاه الإمام، أو إلى أحدهما كما حكاه الماوردي.
ولأن دفع السلب لكونه قد كفى المسلمين شره، وهذا مكفي الشر.
وهكذا الحكم فيما لو قتل شيخاً أو مريضاً لا قتال فيه.
وقضية ما ذكره الشيخ: أنه إذا أغرى على الكافر كلبا عقورا فقتله أنه لا يستحق سلبه، وقال القاضي الحسين في "تعليقه": إنه يستحقه؛ لأنه خاطر بروحه حيث صبر في مقابلته حتى عقره الكلب.
قال: وإن قتله وقد ترك القتال وانهزم، أي: غير متحرف [لقتال أو متحيز] إلى فئة - لم يستحق سلبه؛ لأنه لم يكف المسلمين شره فالتحق بالأسير والمثخن، وهذا بخلاف ما [لو] قتله [وهو] مول ليكر أو ليتحيز إلى فئة، فإنه يستحق سلبه؛ لأن الحرب كرٌّ وفر.
وفي "التهذيب": أنه إذا قاتله، فهرب من بين يديه، فقتله مدبراً - استحق سلبه، وهو ظاهر المذهب في "النهاية"، ونسب على [رواية] الشيخ أبي علي، وأنه قال: المنهزم الذي لا يستحق قاتله سلبه هو الذي لم يخض في القتال، وولى أو انهزم مع جملة الجيش.
نعم، لو قتل هذا المنهزم غير قرنه لم يستحق سلبه واحد منهما، قال الإمام: وهذا بخلاف ما لو كان الكافر يقاتل مسلما، فجاء آخر وقتله من ورائه؛ فإنه يستحق سلبه؛ لان أبا قتادة - رضي الله عنه - هكذا فعل.
وقضى له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلب.
قال: وإن اشترك اثنان في قتله اشتركا في سلبه؛ لأنهما لما اشتركا في السبب اشتركا في المسبب، وكذا لو اشترك جمع في قتله اشتركوا في سلبه.
وعن رواية أبي الفرج الزاز وجه: أنه لو وقع فيما بين جماعة لا ترجى نجاته منهم، لم يختص قاتلوه [سلبه]، لأنه صار مكفي الشر بالوقوع فيما بينهم، وذكر أنه لو أمسكه واحد وقتله آخر كان السلب بينهما؛ لأن كفاية شره حصلت منهما، ويخالف القصاص؛ فإنه منوط بالقتل.
قال الرافعي: وكأن هذا التصوير فيما إذا منعه [من] أن يذهب ولم يضبط، فأما الإمساك الضابط فإنه أسر، وقتل الأسير لا يستحق به السلب.
قال: وإن قطع أحدهما يديه ورجليه، وقتله الآخر – فالسلب للقاطع؛ لأنه الذي كفى شره فأشبه ما لو قتله، وهكذا لو أثخنه إنسان أو فقأ عينه فقتله آخر كان السلب للأول، قاله في "التهذيب".
قال الإمام: ولو أصاب الكافر ضربة؛ فسقط ولم يبق فيه بقية يدافع بها، ولكن لو ترك لعاش – فالذي أراه: أن هذا ليس بإثخان يستحق به السلب، فإن قيل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلُبهُ"، فعلق استحقاق السلب بالقتل، وما ذكرتموه ليس بقتل، فلم استحق به السلب؟ قال الإمام: قلنا: هذا منزل على غالب العرف، والغالب: أن القاتل هو الجارح أو المذفف ابتداء؛ فاتجه تنزيل الخطاب عليه، ويشهد له ما ذكرناه في قصة أبي جهل.
قال: وإن قطع أحدهما إحدى يديه وإحدى رجليه، وقتله الآخر – ففيه قولان:
أحدهما: أن السلب للأول؛ لأنه الذي عطله وكفه عن كمال الكيد، وهذا أصح في "الجيلي" وعند النواوي، وقال الرافعي: إن هذا ما أورده المزني، وبه أجاب جماعة من الأصحاب ومنهم الروياني.
والثاني: أنه للثاني؛ لأنه الذي كفى شره؛ فإنه بعد القطع يمكنه أن يمشي ويجلب ويركب ويقاتل، وهذا ما حكاه المزني كما حكاه القاضي أبو الطيب، وقال: إن الأصحاب قالوا: إنه الصحيح، وهو المختار في "المرشد".
والقولان جاريان – كما حكاه العراقيون والشيخ أبو علي – فيما لو قطع أحدهما يديه أو رجليه وقتله الآخر.
وحكى الشيخ أبو علي طريقة أخرى: أن المسألة ليست على قولين، ولكنها على حالين:
فحيث قال: السلب للأول، أراد به: إذا أزمنه بحيث لم يبق فيه قتال.
وحيث قال: إنه للثاني، أراد به: إذا لم يسقط قتاله بقطع يديه أو رجليه.
قال الإمام: وهذه الطريقة هي الصحيحة التي لا يجوز غيرها؛ فإن الأزمان يختلف باختلاف الأشخاص، ولا خلاف أنه إذا قطع أحدهما إحدى يديه أو إحدى رجليهن ثم قتله آخر: أن السلب للثاني.
قال: وإن قتل امرأة أو صبيًّا، فإن كان لا يقاتل لم يستحق سلبه؛ لأنه لم يغرر بنفسه، وإن قتله وهو يقاتل استحق سلبه؛ لعموم الخبر مع كونه غرر بنفسه، وهذا ما جزم به القاضي الحسين في باب قسم الفيء.
وفي "التهذيب" وغيره وجه آخر: أنه لا يستحق، وهذا ما أبداه الإمام احتمالاً، وادعى أن المقتول لو كان عبداً فلا خلاف في استحقاق سلبه.
وفي "الرافعي" إجراء طريقة الخلاف فيه أيضاً.
قال: والسلب: ما تثبت يده عليه، أي: يد القتيل، في حال القتال: من ثيابه، وحليه، ونفقته، وفرسه، وسلاحه؛ لثبوت يده عليه، فالتحق بجنة الحرب.
وقيل: لا يستحق الحلي والمنطقة والنفقة؛ لأن ذلك مما لا يستعان به في القتال غالباً، ولا هو من آلة الحرب؛ فأشبه المتاع والخيمة، وهذا ما أومأ إليه في "الأم".
قال: والأول أصح، وهو الذي اختاره البويطي في "مختصره" وأبو إسحاق، كما حكاه أبو الطيب؛ لما روي أن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه – أَتَى بِسِوَارَيْ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، فَأَلبَسَهُمَا سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جَعْشَمَ، وَقَالَ لَهُ: اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَكَبِّرْ وَقُلِ: الْحَمْدُ للهِ الذِي سَلَبَهُمَا كِسْرَي بْنَ هُرْمُزَ، وَأَلْبَسَهُمَا سُرَاقَةَ بْنَ مِالِكٍ، أَعْرَابِياً مِنْ بَنِي مُدْلَج.
وجه الدليل منه: أنه سماهما سلبا.
والسبب في إلياس عمر سراقة ذلك: أن سراقة يوم فتح مكة حسر كمَّيْه عن ذراعيه، وكان اشعر الذراعين وقد لحقه الخجل، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد الخجل
عنه، فقال: "كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ أُلْبِسْتَ سِوَارَي كِسْرَى"، وعمر بن الخطاب – رضي الله عنه- حاضر، فلما أخذ عمر غرائبه أراد أن يحقق قول النبي صلى الله عليه وسلم لسراقة.
كذا قاله القاضي الحسين.
ومن المعنى: أنه متصل به؛ فوجب أن يكون من جملة السلب كالسيف والرمح.
والقولان يجريان – كما قال الشيخ أبو حامد والماوردي – في الجنيبة الواحدة، وجزم القاضي أبو الطيب فيها وفي المملوك الذي يحجبه بأنه ليس له، وحكى في "التهذيب" ذلك طريقين في الجنيبة، وقال الإمام في الغلام: إن كان حاملا لسلاحه تناوله متى شاء، فيجوز أن يكون السلاح بمنزلة الجنيبة، ويجوز أن يقال: لا، وإنا إذا جعلنا الجنيبة من السلب، ففي السلاح الذي [عليها] تردد.
والمراد بالثياب: ما على [الجسد من ثياب] البدن حتى الخف والرانات.
وبالحلي: التاج الذي على رأسه والخاتم في إصبعه، وكذا الطوق الذي يعمل في الرقبة من ذهب أو فضة إذا لم يقصد منه وقاية الرقبة، فإن قصد فهو ملحق بالسلاح، والمنطقة – بكسر الميم -: ما يكون في الوسط من ذهب أو فضة وغير ذلك، وجمعها: مناطق.
والمراد بالنفقة: الدراهم ونحوها مما يكون في كيس مربوط على وسطه.
والمراد بالفرس: الذي هو راكبه أو في يده، وقد نزل عنه في مضيق أو غيره، كما صرح به البغوي وكذا ابن الصباغ عن النص، ويدخل في ذلك ما على الفرس من سرج ولجام ونحوهما.
والمراد بالسلاح: السيف والرمح والقوس والخوذة والجوشن، ونحوه مما يعد جنة، وفي الحقيبة المشدودة على فرسه وما فيها من الدراهم والأقمشة طريقان، أظهرهما القطع بعدم الدخول، والثانية: طرد القولين.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي [أن تمام السلب يستحقه القاتل] ولا يخمس، وهو الذي أورده العراقيون؛ استدلالاً بما روى أبو داود عن عوف بن مالك وخالد بن الوليد أن النبي صلى الله عليه وسلم قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ وَلَمْ يُخَمِّسْ السَّلَبَ، وروي أنه – عليه السلام – دفع إلى سلمة ابن الأكوع سلب قتيله أجمع.
وفي "التهذيب" وغيره من كتب المراوزة في تخميسه قولان:
أحدهما: نعم؛ كسائر الغنائم، فيكون خمسه لأهل الخمس، والباقي للقاتل.
وأصحهما: لا، ويكون الجميع للقاتل؛ لظاهر الخبر.
نعم، هل يستحق مع ذلك سهم الغنيمة؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وقال: إن ظاهر النص هاهنا أنه يستحق ذلك، وعلى مقابله: إن كان السلب قدر السهم فلا كلام، وإن كان أكثر من السهم فلا شيء له سواه، وإن كان أقل السهم تمم له.
قال: وإن أسر صبيا رق، لأنه – عليه السلام – كان يقسم السبي كما يقسم المال، فإن [كان] للصغير زوجة انفسخ نكاحها، وهكذا الحكم فيما لو أسر مجنوناً، صرح به القاضي الحسين.
قال: فإن كان وحده تبع السابي في الإسلام.
قال أبو حامد: وهذا إجماع.
وقال ابن الصباغ: إنه لا خلاف فيه.
[وعلته] – كما قال في "المهذب" -: أنه لا يستقل بنفسه؛ إذ لا حكم لكلامه، فجعل تابعاً للسابي؛ [لأنه] كالأب في الحضانة والكفالة، وقال الإمام: وهذا يتم بأن يعلم أن السبي يقلبه عما كان عليه قلبا كلياً؛ فإنه كان محكوما بحريته متعلقاً بسبب الاستقلال إذا بلغ، والآن قد رق بالسبي حتى كأنه عدم عما كان عليه واستفتح له وجود بحسب ولاية السابي، وعلى هذا فما حكم إسلامه؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي هاهنا:
أحدهما: أنه مقطوع به في الظاهر والباطن، فإن بلغ ووصف الكفر لم يقر عليه، وبه قال المزني، وهو الظاهر من مذهب الشافعي – رضي الله عنه – وإليه صار جمهور البغداديين.
والثاني: أنه مجرى عليه في الظاهر دون الباطن، فلو بلغ ووصف الكفر أقر عليه بعد إرهاقه.
وهذا قول جمهور البصريين.
وقد حكى ابن الصباغ الخلاف المذكور في باب اللقيط، وكذلك الإمام حيث جعل إسلامه بتبعية السابي كالمحكوم بإسلامه تبعاً لأبيه.
و [قد] حكى في "المهذب" وجها آخر: أنه باق على حكم كفره لا يتبع السابي، وقال: إنه ظاهر المذهب؛ لأن يد السابي يد ملك فأشبهت يدالمشتري.
وهذا قد حكاه الماوردي هكذا في كتاب اللقيط، وحكاه البغوي وجها في كتاب الظهار، وقال: الأول هو الأصح.
فإذا قلنا به، فلو كان السابي مراهقاً أو مجنوناً حكم بإسلام المسبي أيضاً تبعاً لهن كذا حكاه البغوي في قسم الغنائم، ولو كان السابي ذمياً في بلاد الإسلام ففي الحكم بإسلام المسبي وجهان في "النهاية" في كتاب اللقيط، وأصحهما: المنع.
وحكم المجنون إذا بلغ كذلك واستمر جنونه حكم الصبي، وإن بلغ عاقلاً ثم جن ففي تبعيته للسابي وجهان كالوجهين في تبعيته لأبيه في الإسلام، قال القاضي الحسين: وهما مبنيان على عود الولاية للأب.
قال: وإن كان معه أحد أبويه تبعه في الدين؛ لأن الاعتبار بأحد أبويه أولى من الاعتبار بسابيه لأجل البعضية، ويفارق ما إذا كان وحده؛ لأنا في تلك الحالة لا نتحقق كفر واحد من أبويه، بخلاف ما إذا كان أحدهما معه فإنا نتحقق كفره؛ فلذلك ألحقناه بهن كذا قاله أبو الطيب.
ولا فرق في ذلك بين أن يموت الأبوان أو أحدهما أو لا يموت؛ لأن الاعتبار بحالة السبي.
ولو سبى الولد واحد، وسبي أحد الولدين آخر - قال في "التهذيب" في كتاب "الظهار" [والقاضي في "الفتاوى"]: فإن كانا في عسكر واحد لم يتبع الولد السابي في الإسلام، وإن كانا في عسكرين تبعه.
[ولو كان مع الصغير جده فهل يتبعه أو يتبع السابي؟ فيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب في [باب] دعوى الأعاجم؛ بناءً على أنه يتبع الجد في الإسلام أم لا، فإن قلنا: يتبعه في الإسلام، تبعه هاهنا، وإن قلنا: لا يتبعه في الإسلام، تبع السابي هنا].
قال: وإن سبى امرأة رقت بالأسر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسم السبي كما يقسم المال.
[قال الماوردي في "الأحكام": وهذا إذا كانت كتابية، فإن كانت من قوم ليس لهم كتاب كالدهرية وعبدة الأوثان، فإن امتنعت من الإسلام قتلت عند الشافعي.
قلت: ويظهر أن يجيء فيها ما سنذكره في الأسير].
قال: فإن كان لها زوج انفسخ نكاحها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24]، والمراد بالمحصنات هاهنا: ذوت الأزواج؛ لأن الإحصان يطلق على التزويج؛ قال الله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، ومراده: المتزوجون بالاتفاق، ووجه الدليل من الآية: أنه حرم المتزوجات إلا ما ملكت أيماننا بحدوث السبي؛ فإن سبب نزول هذه الآية: أن المسلمين يوم سبي أوطاس امتنعوا من وطء النساء؛ لأن لهن أزواجاً في دار الحرب، فلو كان لنكاح باقياً لما جازت الإباحة ولكان التحريم باقيا، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سَبَى أَوْطَاسَ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ جَمِيعاً، فَقَسَّمَ السَّبْيَ، وَأَمَرَ أَلاَّ تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ"، ولم يسأل عن ذات زوج ولا غيرها، ومعلوم أن فيهن من كان لها زوج، فلو لم ينفسخ نكاحها لما حل وطؤها بعد الوضع والحيض، قال
الشافعي بعد أن قال ما ذكرناه من الخبر: وليس قطع العصمة بينهن من أزواجهن بأكثر من سبيهن.
وهذا إذا كان الزوج كافراً، سواء سبي معها أو لا؛ لعموم الآية والخبر، ولأنه رق طرأ على نكاح؛ فوجب أن يبطل به كما لو أسر أحدهما.
وقد وافق [الخصم وهو] أبو حنيفة – على انفساخه في حالة الانفراد.
ولو كان الزوج مسلما، فإن قلنا: لا تسترق زوجته، فليست المسألة، وإن قلنا: تسترق، فقد أطلق الإمام في هذا الكتاب أن المذهب انفساخ نكاحه، وهو ظاهر كلام الشيخ، وإن صاحب "التقريب" روى وجها أن النكاح لا ينفسخ؛ لأن الجمع بين ثبوت الرق وبين استيفاء النكاح ممكن، فوجب القضاء بالأمرين.
وحكى القاضي الحسين والفوراني أن هذا قول صاحب "التقريب" نفسه، قال الإمام: وصاحب هذا الوجه لا يشترط أن يزول الرق في مدة العدة إذا كانت مدخولاً بها.
وقال في آخر"النهاية": إن السبي إن كان قبل الدخول انفسخ النكاح، وإن كان بعده فمنهم من قال: إن الحكم كذلك، ومنهم من قال: إذا اتفق العتق والإسلام قبل انقضاء العدة فالنكاح قائم؛ كما لو ارتد أحد الزوجين بعد الدخول، فإن عتقت وأسلمت قبل انقضائها استمر النكاح، وإن عتقت ولم تسلم فكذلك؛ فإنها حرة كتابية، ولو أسلمت ولم تعتق: فإن كان الزوج ممن يحل له استدامة النكاح على الأمة المسلمة؛ ففيه وجهان، أصحهما: أن له الاستدامة.
ولو كان الزوجان مملوكين أو أحدهما، ففي "تعليق" القاضيين أبي الطيب والحسين، و"الحاوي": في انفساخ النكاح وجهان، وفي "تعليق" البندنيجي: أنه لا نص في ذلك.
وقال الشيخ – يعني أبا حامد -: الذي يقتضيه قياس المذهب: أنه لا ينفسخ.
وكذلك قال في "المهذب"، وعدم الانفساخ هو الذي صححه القاضي الحسين والإمام وغيرهما.
ووجه مقابله – وهو المختار في "المرشد" -: أن هذا في حكم رق جديد؛ لأن الأول لم يكن مستقرا إذ كان معرضاً للبطلان بقهره مولاه ومراغمته إياه.
وحكى الإمام وغيره الوجهين فيما إذا كان الزوجان رقيقين مسلمين لأهل الحرب [وغنما]، وجزم القاضي الحسين بأن المسبي لو كان مستأجراً لمسلم لا تنفسخ الإجارة، كما ذكرنا مثله فيما إذا غنمت الأرض، ولو كان مستأجراً لحربي انفسخت، ولو كان مستاجراً لذمي ففيه وجهان؛ بناء على القولين السابقين في أن ولاء الذمي هل يبطل باسترقاق معتقه أم لا؟ [والذي حكاه البندنيجي في كتاب التدبير: أنه يجوز استرقاق من للذمي عليه ولاء؛ لأنه يجوز أن يسترق مولاه إذا كان في دار الحرب؛ فمعتقه أولى، وابن الصباغ حكى ثم في جوازه وجهين].
وفي "التهذيب" وغيره إجراء الوجهين في انفساخ إجارة المسلم أيضاً؛ كما في انفساخ نكاحه، ثم قال: والمذهب الأول.
واعلم أن ما ذكرناه من عدم [انفساخ] نكاح المسلم إذا سبيت زوجته محله إذا لم يكن الزوج هو السابي، أما إذا كان هو السابي فهذا ينبني على أنه يملك المسبية بالسبي [أم لا]، وكلام الأصحاب يفهم اختلافاً فيه، فإن الذي حكيناه عن "المهذب" في تعليل الحكم بإسلام المسبي تبعاً للسابي، يقتضي أنه يملكه بالسبي، وكذلك ما حكاه الرافعي من أن المسبي لو كان عليه دين للسابي، فهل يسقط بالسبي؟ فيه وجهان؛ بناء على أن الوجهين فيما إذا كان له دين على عبد غيره، فملكه هل يسقط أم لا – يقتضي ذلك أيضاً.
وقد صرح به البندنيجي حيث قال: إن المرأة إذا سبيت كانت مملوكة لسابيها، وإذا سبي الطفل وحده كان في الدين تبعاً للسابي؛ فيكون له مملوك صغير مسلم ينفذ تصرفه فيه، وله بيعه من المسلمين، وليس له بيعه من المشركين، فإن خالف وباعه فهو على القولين.
وكلام ابن الصباغ قبيل باب المبارزة مصرح به أيضاً؛ حيث قال: إذا سبي صغير من دار الحرب لا يعرف له نسب، فإنه يكون للسابي ويتبعه في دينه، فإن
أعتقه السابي نفذ عتقه، وثبت له عليه الولاء.
وعلى هذا ينبغي أن ينفسخ نكاح المسلم قولاً واحداً، وهذا مما لا خفاء فيه.
وكلام الإمام والبغوي والرافعي وغيرهم في قسم الغنائم مصرح بأن الصبي والمجنون والرقيق والمرأة يصيرون أرقاء بنفس الأسر ويقسمون كسائر الأموال، ويشهد لذلك ما ذكرناه في صدر الفصل حكاية عن الشافعي – رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم سبي أوطاس وبني المصطلق النساء والرجال، فقسم السبي، وهذا يدل على أن السابي لا يملك المسبي بالسبي، وهو قضية ما ذكره الأئمة في أنه يبدأ من الغنيمة بالسلب فيدفع إلى القاتل، ويقسم الباقي، فإن صح هذا فينبغي ألا ينفسخ النكاح إلا إذا وقعت في قسمته أو بعضها، وعندي أنه يمكن الجمع بين الكلامين بالحمل على حالين دل عليهما كلام الأصحاب:
فالأول محمول على ما إذا دخل المسلم دار الحرب وسرق المرأة والصبي؛ على رأي من يرى أن المسروق لا يخمس.
والثاني محمول على ما إذا استولى عليهما مع جملة الجيش بالقهر والغلبة، فإن كان وحده ملك منهما أربعة أخماسها، والخمس الباقي لأهل الخمس.
وهكذا إذا قلنا: إن المسروق يخمس، يكون الحكم كذلك، ويشهد له أن الفوراني قال: إذا دخل المسلم دار الحرب وحده، وانتهز الفرصة فسبي ابنه الصغير – فقد ملك بنفس الأسر وعتق عليه.
وكذا حكاه القاضي أبو الطيب فيما إذا ملك ابنه الصغير أو ابنته البالغة أو أمه، لكنه قال: إنه يؤخذ منه الخمس يدفع لأهل الخمس.
وهذا منه محمول على ما إذا كان موسرا، أما إذا كان معسراً بقدر الخمس من قريبه فلا يعتق منه إلا أربعة أخماسه، وهكذا أجاب ابن الصباغ في العتق، لكنه شرط أن يختار السابي الملك، قوال فيما إذا لم يختره: إن الأخماس الأربعة تكون لمصالح المسلمين والخمس لأهل الخمس، وفي هذا شيء يظهر لك في أوائل الباب التالي لهذا الباب، وقضية هذا أن ينفسخ النكاح إذا اتفق أنه انفرد بسبي زوجته على هذا النعت إن اختار التملك، وإلا فلا، وقضيته – أيضاً – أن خمس الدين لا يسقط فيما إذا كان السابي رب الدين،
ويكون الخلاف في الأخماس الأربعة.
قال القاضي أبو الطيب: ولو كان المسبي ابنه البالغ أو أباه لم يعتق؛ لأنه ما ملكه وإنما ملك أن يتملكه، وللإمام فيه الخيار، فإذا اختار الاسترقاق ودفعه إلى سابيه عتق عليه إن اختار التملك، ونسب ذلك إلى ابن الحداد، وعلى ذلك جرى ابن الصباغ، وكذلك الرافعي، وقال: إن الأصحاب جعلوا إلحاقه الابن الصغير بالأم فيما ذكرناه هفوة؛ لأن الأب المسلم يتبعه الولد الصغير في الإسلام فلا يتصور منه سبي ولده.
وهذا قد تعرض له الإمام – أيضاً – في آخر "النهاية"، وفيما قاله نظر؛ فإن الولد وإن جعل مسلما بإسلام أبيه فهو إذا كان رقيقاً للكفار، والإسلام لا يمنع من سبيه، كما قال الأصحاب فيما إذا أسلم عبد للكفار في أيديهم ولم يخرج إلى دار الإسلام؛ فإنه يغنم، بخلاف ما إذا قهر سيده بعد الإسلام فخرج إلينا؛ فإنه يحكم بعتقه كما حكاه أبو الطيب وابن الصباغ عن ابن سريج وغيرهما، وإذا كان كذلك فلعل ما ذكره ابن الحداد محمول على حالة رق الولد؛ فلا هفوة إذاً، والله اعلم.
قال: وإن أسر حرًّا، أي: مكلفاً من أهل القتال، فللإمام: أي: أو أمير الجيوش، كما قاله الماوردي وغيره، أن يختار ما فيه المصلحة من القتل والاسترقاق والمن والمفاداة بمال، أي: للمأسور أو غيره أو بمن أسر من المسلمين.
الأسر – كما قال البندنيجي في أواخر الكلام في الأمان -: أن يحصل في يد المسلمين مكتوفاً، أو في حبس، أو ممسكاً باليد، والدليل على جواز القتل إذا رآه مصلحة لكون المأسور من الشجعان أو من أصحاب الرأي، قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]، وَمَا رُوِي أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَتَلَ يَومَ بَدْرٍ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيطٍ صَبْراً، وَكَانَ قَدْ بَزَقَ فِي وَجْهِهِ، وَقَتَلَ النَّضِرَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ كِنْدَةَ".
والدليل على جواز الاسترقاق إذا رآه لكون المأسور كثير العمل ولا رأي له
ولا شجاعة فيه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ [محمد: 4]، [أي بالظفر، وقيل: بالأسر] ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: 4] أي: بالاسترقاق كما حكاه الماوردي، وفيه نظر؛ لأن المن بعد الاسترقاق ممتنع، وقد دلت الآية بعد شد الوثاق على جوازه.
وما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اسْتَرَقَّ بَنِي قُرَيظَةَ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُوَازِنَ يَوم حنين، وادعى القاضي أبو الطيب أنه لا خلاف فيه بين المسلمين.
والدليل على جواز المن إذا رآه لكون المأسور فيه ميل إلى الإسلام، قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4]، أي: حتى ينزل عيسى ابن مريم فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وقيل: حتى يسلم جميع من على وجه الأرض، كذا قاله أبو الطيب، وفي "الحاوي" في "أوزارها" تأويلان:
أحدهما: أوزار الكفر بالإسلام.
والثاني: أثقال السلاح بالظفر.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم مَنَّ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى أَبِي العَاص بْنِ الرَّبِيعِ، وَمَنَّ عَلَى أَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ عَلَى أَلاَّ يُقَاتِلَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ قَالَ: سَخِرْتُ بِمُحَمَّدٍ، وَقَاتَلَهُ يَومَ أُحُدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اللهُمَّ لاَ تَقْتُلْهُ"، فَمَا أُسِرَ يَومَئِذٍ غَيْرُهُ؛ فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بيِيَدِهِ.
ورَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَسَرُوا ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ الْحَنَفِيَّ سَيِّدَ أَهْلِ اليَمَامَةِ، وَرَبَطُوهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ.
وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِإِطْلاَقِهِ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَحَلٍّ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَه إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
وأخرجه البخاري ومسلم.
وثمامة: بثناء مثلثة مضمومة، وأثال: بضم الهمزة، وبعدها ثاء مثلثة مفتوحة، وبعدها لام.
و"ذم" في هذه الرواية بذال معجمة، وفي رواية أخرى لأبي داود: بدال مهملة.
والدليل على جواز الفداء – إذا رآه – لكون للمأسور أموال كثيرة أو شرف في قومه، قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾، وما روي أنه – عليه السلام – فَادَى يَومَ بَدْرٍ بِالأَمْوَالِ.
ولا يقال: إن الله – تعالى- أنكر ذلك، فلا يستدل به؛ لأن الله – تعالى- قيد إنكاره بشرط حيث قال: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67]، وفي ذلك تأويلان:
أحدهما: كثرة القتل.
والثاني: الاستيلاء والظفر.
وقد أنعم الله – تعالى – بهما؛ فزال الإنكار، وارتفع المنع.
وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ الحُصَيْنِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَسَرُوا أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ، فَأَوْثَقُوهُ وَطَرَحُوهُ فِي الْحِرَّةِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم [فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: بِمَ أُخِذْتُ وأُخِذَتْ سَابِقَةُ الحَجِّ؟!
يعني: ناقة [له] تسبق الحاج كما قاله أبو الطيب.
وقال الماوردي: إنها العضباء، كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم] وصارت إلى العقيلي، فأخذت منه بعد أسره، فأراد بذلك أن: سابقة الحاج قد أخذت منين فلم أوخذ بعدها؟!
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكُمْ ثَقِيفَ"، يعني: بجناية حلفائكم التي رضيت بها، وشاركتهم فيها، وكانوا قد أسروا رجلين من المسلمين، ومضى النبي صلى الله عليه وسلم فناداه: يا محمد يا محمد، فرحمه، فعاد إليه فقال: إني مسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَمَا إِنَّكَ لَو قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ لأَفْلَحْتَ كُلَّ الفَلاَحِ" ومضى.
وقد روي أن المسلمين فادوا به الرجلين اللذين أثرتهما ثقيف.
ثم المال المفادي به يقسم كالغنائم، ولا يتخير الإمام فيه، وما ذكرناه في الاسترقاق محله – بلا خلاف – إذا لم يكن الأسير من العرب، وكان له كتاب أو شبهة كتاب، فإن كان [من] العرب، فالجديد – كما حكاه البغوي – أن الأمر كذلك، ولم يحك الماوردي سواه، وفي القديم: أنه لا يجوز استرقاق العرب؛ لما روي أنه – عليه السلام – قال يوم حنين: "لَو كَانَ الاسْتِرْقَاقُ ثَابِتاً عَلَى العَرَبِ، لَكَانَ اليَومَ، إِنَّمَا [هُوَ] إِسَارٌ وَفِدَاءٌ".
وإن كان من العجم ولا كتاب له، ولا شبهة كتاب، فالمشهور – وبه جزم في "التهذيب" -: أنه يرق أيضاً، وفي كتب العراقيين والحاوي حكاية عن الإصطخري: أنه إذا كان من عبدة الأوثان لا يجوز استرقاقه؛ لأنه لا يقر على عبادة الأوثان بالجزية؛ فكذلك بالاسترقاق كالمرتد، وهو جارٍ – كما حكاه الماوردي- في العربي الذي يعبد الوثن، والمذهب الأول؛ لأنه كافر يجوز أن يفادي به ويمن عليه، فجاز استرقاقه كأهل الكتاب.
وفي "تعليق" القاضي الحسين خصلة خامسة يثبت للإمام الخيار فيها، وهي تخليده السجن إلى أن يرى فيه ما يراه، وفي "تعليق" أبي الطيب: أن الشيخ أبا حامد كان يحكي أن [الشيخ] أبا الحسين الطبري كان قد سئل عن البالغين إذا أسرهم الإمام، فقال: قد صاروا أرقاء بنفس الأسر كالصبيان والنسوان.
وهذا غلط، قال القاضي: وأنا رأيته وكنت صبيا، ومثل هذا لا يخفى عن ذلك الرجل.
أما إذا كان المأسور عبداً، فلا يجوز التخيير، وليس إلا الاسترقاق، فلو رأى أن يمن عليه لم يجز إلا برضا الغانمين.
وفي "الحاوي" أنه لو أراد أن يفادي به أسرى من المسلمين، ويعوض عنه الغانمين جاز.
وفي "المهذب": أنه لو رأى قتله – قتله، وضمن قيمته للغانمين؛ لأنه مال لهم.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه إذا أسر جماعة من العبيد العقلاء البالغين، فهل يجوز قتلهم؟ يحتمل وجهين؛ بناء على ما لو سبي الزوجان الرقيقان، هل ينفسخ النكاح أم لا؟ وفيه وجهان، أحدهما: ينفسخ؛ لأن ذلك الرق قد زال، وحدث بالسبي رق آخر، فعلى هذا قد زال رق العبد؛ فيجوز للإمام قتله.
فروع: هل يجوز استرقاق بعض الشخص؟ فيه وجهان مبنيان على ما إذا استولد أحد الشريكين الجارية المشتركة، وهو معسر، هل يكون الولد كله حرا، أم الحر نمه قدر ما يملكه أبوه من أمه؟ وفيه قولان – أو وجهان – محكيان في "تعليق" أبي الطيب وغيره، فإن لم تجوزه، فإذا ضربه على بعضه كان كله رقيقاً.
إذا وقع في الأسر من شككنا في بلوغه كشفنا عن مؤتزره، فإن لم يكن [قد] أنبت الشعر الخشن فهو من السبي، وإن أنبته فهو بالغ؛ فللإمام فيه الخيار، فلو ادعى انه استعجل ذلك ففي "الإبانة" الجزم بأن القول قوله، وفي غيرها: [أنا] إن جعلنا ذلك عين البلوغ لم يقبل منه، وإن جعلناه علامة على البلوغ – وهو الأظهر – قبل منه، لكن باليمين، وحلف على إنبات الصبي وإن كان القياس منعه؛ لأن وجود الشعر الخشن أمارة ظاهرة على بلوغه، وهذا ما حكي عن النص.
وفي "الذخائر" في كتاب الأقضية: أن من أصحابنا من قال: يحبس حتى يبلغ، فإن حلف إذ ذاك وإلا قتل.
وفي "الرافعي": أن بعض أصحابنا ذهب إلى أن هذه اليمين احتياط واستظهار.
وفي "الحاوي": أنه لو أقام بينة في هذه الحالة على عدم استكمال خمس عشرة سنة، فهل يقبل قوله بها؟ فيه قولان مرتبان على القولين في أن إنبات الشعر بلوغ أو علامة؟