كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 236-275
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأقضية

صفحات 236-275
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

حال الشهود: إن هذا مما لم يختلف فيه مذهب الشافعي، رضي الله عنه.
وهذا الذي وعدنا من قبل أنه يدل على أن المراد بالعلم: الظن المؤكد؛ لأن العدالة لا تعلم يقيناً.
وبعض المراوزة لما نظر إلى ذلك، ونظر إلى أنه لا يحكم إلا بما علمه- منع القضاء بالتعديل، إلا بعد تزكية شاهدين، وهذا ما حكيته عن رأي الإمام في كتاب التفليس، والقاضي الحسين رأى تخريج الحكم بالعدالة على القضاء بالعلم، وفي "الذخائر" طرده في الحكم بالجرح أيضاً، وقد حكى الماوردي [هذا طريقة] في كتاب الشهادات عند الكلام في حرية الشاهد، حيث قال: وكان بعض أصحابه- يعني الشافعي، رضي الله عنه يقول: هل يحكم بعلمه في الجرح والتعديل أم لا؟ فيه قولان.
واعلم أن الماوردي قال ها هنا: إنا إذا جوزنا القضاء بالعلم كان نفوذه معتبراً بشرطين: [أحدهما:] أن يقول للمنكر: قد علمت أن له عليك ما ادعاه.
والثاني: أن يقول: وحكمت عليك بعلمي، فإن اقتصر على أحد الشرطين وأغفل الآخر [لم ينفذ حكمه] قال: وإن سكت المدعى عليه ولم يقر ولم ينكر، أي: ولا صمم به ولا خرس- قال له الحاكم: إن أجبت وإلا جعلتك ناكلاً؛ تنبيهاً له على الحكم.
قال: ويستحب أن يكرر [ذلك عليه] ثلاثاً، أي: ويعرفه أن حكم النكول استيفاء الحق بيمين المدعي؛ لاحتمال أن يكون قد لحقه دهش أو لا يعرف حكم النكول.
قال: فإن أجاب وإلا جعله ناكلاً، [أي] بأن يقول: قضيت عليك بالنكول، أو يقول للمدعي: احلف، وحينئذ إذا حلف قضى له، قال في "المهذب": لأنه لا يخلو

إذا أجاب من أن يقر أو ينكر، فإن أقر فقد قضى عليه بما يجب على المقر، وإن أنكر فقد وصل إنكاره بالنكول فقضينا عليه بما يجب على المنكر إذا نكل عن اليمين، وقد تقدم فيما يتم به النكول عن اليمين [كلام] هو بعينه جار ها هنا فيما فهمته من كلامهم، وقد أشار إليه الماوردي- أيضاً- حيث قال: من امتنع عن الإقرار والإنكار قد يقول: لا أقر ولا أنكر، أو يسكت فلا يجيب؛ فيجري عليه حكم الناكل.
وقال الإمام في باب الامتناع من اليمين: إنه إذا سكت ولم يجب المدعي، قال له: أجب فليس بك بكم ولا صمم، فإن تمادى على سكوته جعل ذلك إنكاراً في حكم عرض اليمين، ثم يعرض اليمين، ويجعل التمادي على السكوت نكولاً عن اليمين إذا لم يظهر عنده سبب مسكت.
وهذا معنى قول الغزالي: أما السكوت فهو قريب من الإنكار.
أما الأصم أو الأخرس إذا كانت له إشارة مفهمة فهو كالناطق، وإن لم تكن قال في "الحاوي": فهو كالغائب؛ فيجري عليه حكم الغائب.
ولا يجوز القضاء بالنكول عندنا [من غير يمين المدعي] إلا في مسائل نذكرها- إن شاء الله تعالى- في باب اليمين في الدعاوى على خلاف فيها.
قال: وإن قال: لي حساب أريد أن أنظر فيه، لم يلزم المدعي إنظاره؛ لأن فيه تأخيراً لحقه، وهذا قد حكاه الإمام هنا وفي كتاب الإقرار، ولم يحك سواه، ومقتضى ما حكيناه عن "المهذب" وغيره من إمهاله في اليمين ثلاثة أيام بعد [إنكاره للحق]، أن يمهل ها هنا ذلك أيضاً.
وذكر القاضي أبو سعد أنه يمهله إلى آخر المجلس إن شاء.
قال: فإن قال: برئت إليه مما يدعي أو قضيته، فقد أقر بالحق؛ لأن البراءة إليه والقضاء فرع ثبوت الحق؛ فكان دعوى ذلك إقراراً به.
قال: ولا يقبل قوله في البراءة والقضاء إلا ببينة؛ لأن إسقاط حق غيره [عنه]

بقوله غير جائر، وما حكاه الشيخ من قوله: برئت إليه منه، هو ما أورده البندنيجي، وادعى في "الإشراف" أنه الذي ذكره عامة أصحابنا.
وفي "البحر" أنه إذا قال: برئت إليه من هذا المال، قال ابن أبي أحمد: مذهب الشافعي- رضي الله عنه- أنه يسأل عنه، فإن قال: قضيت، كان إقراراً، وحلف المدعي بالله ما اقتضاه، وإن قال: برئت إليه بأن حلفت له أو أقمت بينة على إقراره فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، ولم يجعل قوله: برئت إليه من هذا المال، [إقراراً بالمال].
وفي "الإشراف" أن صاحب "التلخيص"- وهو ابن أبي أحمد- قال: إن مذهب الشافعي- رضي الله عنه- أن هذا ليس بإقرار إلا أن ينويه، وهذا بخلاف قوله: أبرأني من هذا المال؛ فإنه إقرار به على الأصح؛ كما قدمت حكايته في كتاب الصلح من هذا الشرح، قال القاضي الطبري- كما حكاه في "البحر"-: ويمكن أن يفرق؛ فإن قوله: أبرأني يقتضي ثبوت المال قبل إبرائه؛ لأن ما يبرأ منه بإبرائه هو المال الثابت.
وأما قوله: برئت إليه، أو: عندي براءة من هذا المال، يحتمل أن يكون قد حلف له على إنكاره أو غير ذلك؛ فرجع في تفسيره إليه.
وفي "الإشراف" ما يقتضي أن قوله: برئت إليه، مرادف لقوله: قضيته؛ فإنه قال: لو شهد شاهد أن رب الدين استوفى منه الدين، وشهد شاهد بأن الغريم برئ منه إليه- أي: برئ من الدين إلى من له الدين- أن المصنف قال: يجمع بين الشهادتين؛ لأنه أضاف [البراءة] إلى الغريم؛ وذلك عبارة عن فعل الإيفاء والإقباض؛ ألا ترى أنه لو قال رب الدين: برئ الغريم منه إليّ، كان إقراراً بالقبض؟! وحينئذ فيكون كلام الشيخ منطبقاً على هذا، لكن الظاهر من كلام الشيخ [أن] قوله برئت إليه مما يدعي، أو: قضيته، لفظان متباينان لا مترادفان، وهذا قريب، وما حكاه الشيخ في حالة قول المدعى عليه: قضيته، هو ما حكاه البندنيجي وابن الصباغ في أواخر باب

الدعوى على كتاب أبي حنيفة عن الشافعي- رضي الله عنهما- ثم قالا: وهذا [على أصح] القولين [فيما] إذا قال: لفلان عليّ ألف قضيتها، فهل يقبل قوله في القضاء أم لا؟ وهذا الذي قالاه يدفع الفرق [الذي يطلب] بينهما، والله أعلم.
قال: وإن قال: لي بينة قريبة بالقضاء والإبراء، أمهل ثلاثة أيام؛ لأن هذه مدة قريبة لا يعظم الضرر فيها، ومقيم البينة يحتاج إلى مثلها لاستيثاق الشهود والفحص عن غيبتهم وحضورهم واستحضار الغائب منهم.
وعن القاضي الحسين: أنه لا يمهل أكثر من يوم واحد؛ لأنه يشبه أن يكون متغيباً.
قال: وللمدعي ملازمته حتى يقيم البينة؛ لأن حقه ظهر، ومعنى الملازمة: ألا يفارقه، فإذا أراد الدخول إلى منزله دخل معه إن أذن له، وإن لم يأذن [له] منعه من الدخول، كذا رأيته منسوباً لحكاية الروياني في "الروضة"، وليس ببعيد.
فرع: من عليه دين في الظاهر لغائب ولم يطالب به، وله حجة على الإبراء، وأراد أن يقيمها- هل له ذلك؟ قال في "التتمة" في كتاب اللعان في ضمن فرع أوله: إذا ثبت عليه الحد ولم يطالبه به- ما يقتضي الجزم بالسماع.
والذي أورده الماوردي عند الكلام في كتاب قاض إلى قاض: عدم السماع، وطرده فيما إذا ادعى القبض، أو ادعى أنه اشترى شقصاً مشفوعاً، وأراد إقامة البينة على العفو] عن الشفعة، أو ادعى أنه اشترى شيئاً وأراد إقامة البينة على إقباض الثمن، أو ادعت امرأة أن زوجها طلقها وأنها ليست آمنة أن يتعرض لها، وأرادت إقامة البينة على ذلك، وكذا قال فيما لو ادعت ذلك والزوج حاضر ولم يخالطها، وحكى وجهين في السماع فيما إذا ادعت ذلك [وكان] الزوج غائباً، وأرادت الخروج إلى البلد الذي الزوج [فيه].

وقال القاضي الحسين في "فتاويه": والحيلة فيما إذا أراد أن يقيم البينة على البراءة قبل الدعوى: أن ينصب مسخراً يدعي على من عليه الدين بأن لي على فلان كذا، أو أن له في ذمة هذا كذا، فَمُرْهُ يسلمه إليَّ، فيدعي من عليه الدين الإبراء منه ويقيم البينة عليه- فإن القاضي يسمعها، ويكتب له كتاباً إلى قاضي البلد الذي فيه رب الدين بسماع البينة، أو الحكم إن كان قد حكم.
قال: وإن لم [يكن له] بينة حلف المدعي؛ أي: عند طلب المدعى عليه يمينه إنه ما برئ [إليه] منه ولا قضاه، واستحق، أي: القبض؛ لأن ما ادعاه محتمل، واليمين تعتمد الاحتمال.
وهكذا الحكم فيما لو قامت عليه البينة بالدين، ولم يقض بها بعد، فادعى أنه برئ إليه منه، أو قضاه قبل إقامة البينة أو بعدها، وطلب يمينه عند الإنكار؛ لأن الحق في هذه الحالة يصير الحكم به بالإقرار لا بالبينة؛ لأنها تسقط بالإقرار قبل الحكم، وهذه الصيغة قد قررنا أنها تتضمن الإقرار، صرح به القاضي الحسين.
نعم، لو كانت الدعوى بعد القضاء بالبينة نظر: فإن كانت دعوى القبض قال القاضي الحسين: فحق على القاضي ألا يصغي إلى قوله؛ لأن القضاء بشهادة الشهود ألزمه الحق، وإن كانت دعوى البراءة سمعت؛ لأنه ليس في ذلك تكذيب للشهود؛ لأنهم يشهدون على الظاهر.
قلت: وقياس هذه العلة أن تسمع دعوى القبض أيضاً.
ولو كان المدعى عليه قد أجاب المدعي بدعوى البراءة من المال، وقلنا بالصحيح: إنه يكون مقرّاً به، وكذبه المدعي، وطلب يمينه، قال الشافعي- رضي الله عنه-: يحلف بالله: إن هذا الحق- ويسميه تسمية يصير بها معلوماً- لثابت عليه، ما اقتضاه ولا شيئاً منه، ولا اقتضاه [من] مقتض بأمره ولا بغير أمره فوصل إليه، ولا أحال به ولا بشيء منه، [ولا أبرأه منه ولا من شيء منه.
وزاد في "الأم": ولا كان منه ما يبرأ به من دينه ولا من شيء منه].
وعنى به صدور جناية أو إتلاف بقدر

دينه، قال في "المختصر" و"الأم": وإنه لثابت عليه إلى أن حلف هذه اليمين.
قال أبو إسحاق المروزي: هذا إذا ادعى البراءة مطلقاً، أي: مثل أن قال: برئت من حقه، فإن ادعى البراءة بجهة معلومة، أي: مثل أن ادعى أنه استوفى حلف: إنه ما استوفى فقط.
قال في "الشامل": وقال أصحابنا: يمكنه أن يجمع ذلك بأن يحلفه: إنه لم يبرأ من ذلك الحق بقول ولا فعل، ولو أحلفه: ما برئت ذمته من ذلك ولا من شيء منه، أو: ما برئت ذمته من ذلك الحق- كفاه، وما ذكره الشافعي- رضي الله عنه- تأكيد.
وظاهر [هذا] اللفظ يقتضي الجزم بعدم ذكر الجهات عند دعوى البراءة بجهة معينة، وذكر خلاف في وجوبها عند إطلاق دعوى البراءة [، وقد قال البندنيجي والماوردي: إنه لا خلاف عند إطلاق دعوى البراءة] أنه لا يجب التعرض لقوله: وإن حقي لثابت عليه إلى أن حلف هذه اليمين.
وحكاية الخلاف فيما عدا ذلك.
قال الماوردي: والأكثرون على الاشتراط.
وحكى عند تعيين جهة البراءة وجهين في أن يمينه تكون مقصورة على النوع الذي ادعاه، أو مشتملة على غيره من الأنواع، والأصح: الأول، وظاهر ما أطلقه الشافعي- رضي الله عنه-: الثاني، وعلى هذا: هل تكون واجبة أو احتياطاً؟ فيه الوجهان المذكوران.
ثم ما ذكره الشيخ من توقف الاستحقاق على الحلف هو نظر المشهود فيما إذا ادعى أنه أبرأني من الحق: أنه لا يستحق القبض ما لم يحلف على نفي البراءة، وإلا فقد حكي عن القاضي الحسين في مسألة دعوى البراءة: أن الحق يستوفى أولاً، ثم يحلف إن شاء المدعى عليه، فإن هذه دعوى جديدة، وقال في "الوسيط": إنه بعيد.
وهو على بعده يظهر جريانه في مسألتي الكتاب، وعلى الأول قال الرافعي: إن هذا يخالف ما إذا قال المدعى عليه لوكيل المدعي: قد أبرأني موكلك؛ حيث يستوفى منه الحق، ولا يؤخر إلى حضور الموكل وحلفه؛ لعظم الضرر في التأخير، وهنا التحليف متيَسّر في الحال.

ولو كان المدعَى عيناً، فقال المدعى عليه للمدعي: قد بعتها مني أو وهبتها، فكذبه، وأراد المدعى عليه إقامة البينة على ذلك- فعلى طريقة القاضي: تنزع العين من يده وتسلم للمدعي، ثم يقال للمدعى عليه: أثبت ما ادعيته واستردها.
وعن الصيدلاني وغيره: أن بينة الشراء لو كانت حاضرة لم تُزَل يده، فإن استحقاق المدعي في الحال لا يتحقق.
نعم، لو كانت غائبة فقال: لا تزيلوا يدي وأمهلوني ثلاثة أيام لأقيم البينة، قال الإمام: فلا يمهله بلا خلاف.
قال: وإن ادعى على ميت، [أي]: ولا وارث له معين، أو غائب، أي: عن البلد إلى مسافة القصر، ولا وكيل له حاضر أو وصي، أي: لا نائب له، كما قيده الإمام، أو مستتر في البلد وله بينة- سمعها الحاكم؛ للإجماع.
[قال]: وحكم بها: أما في الميت والصبي فبالاتفاق منا ومن الخصم- وهو أبو حنيفة- وفي معناهما المجنون، وكذا الأخرس الذي لا تفهم إشارته؛ كما ذكره في "الإشراف".
وأما في الغائب والمستتر؛ فلقوله- تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: 26]، وما شهدت به البينة على الغائب والمستتر حق؛ فوجب الحكم به.
ولأن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان بن حرب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيْحٌ لَا يُعْطِيْنِي مَا يَكْفِيْنِي وَوَلَدِي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ سِرّاً، فَهَلْ عَلَيّ فِي ذَلِكَ مِنْ حَرَجٍ؟ [فَقَالَ لَهَا]: خُذِيْ مَا يَكْفِيْكِ [وَوَلَدَكِ] بِالْمَعْرُوْفِ"، وهذا قضاء منه صلى الله عليه وسلم على غائب؛ لأن أبا سفيان لم يحضر، ولم تكن فتوى؛ لأنه قال لها: "خذي"، ولو كان فتوى لقال [لها]: لا بأس عليك ونحوه.
وقد قام علمه صلى الله عليه وسلم بأنها زوجته مقام البينة.

ولأن في الامتناع من القضاء على الغائب والمستتر إضاعة للحقوق التي ندب الحكام [إلى حفظها]؛ لأنه لا يعجز الممتنع من الوفاء عن الغيبة والتستر، والشرع يمنع من ذلك.
وأيضاً: فبالقياس على الميت، والصبي، والمجنون، والجامع: تعذر الجواب من المدعى عليه، وإلى هذا أشار الشيخ بجمعه بين الصور الأربع في الحكم.
[وألحق] القاضي الحسين بحال الغيبة التي يسمع فيها الدعوى: ما إذا أحضرا لخصم خصمه إلى المجلس، ثم هرب قبل أن يسمع الحاكم البينة عليه، أو بعدما سمعها، وقبل أن [يحكم؛ فإنه] يحكم عليه، وادعى [أن هذا] لا خلاف فيه.
قال: وحلف المدعي، أي: قبل الحكم إن كان هو المستحق؛ لأنه [هو] المنقول عن الأصحاب.
والاعتذار عن الشيخ: أن الواو لا تقتضي الترتيب على الصحيح.
قال: إنه لم يبرأ إليه [منه]، ولا من شيء منه؛ احتياطاً للمحكوم عليه لأجل عجزه عن الجواب؛ فإنه لو كان قادراً عليه فربما كان قد ادعى ما يبرئه، ودعواه مسموعة؛ لأنها لا تنافي ما شهدت به البينة.
ووراء ما ذكره الشيخ أمور [أخر]: أحدها: حكى الغزالي وجهاً: أن المتواري والمتعذر لا يجعل كالغائب في سماع الدعوى عليه؛ كما [أن] منع المهر [والثمن] لا يلحق بالإفلاس على وجه.
وهذا معزي [إلى القاضي] الحسين، ورأيته في "تعليقه"، وسنذكر عند الكلام في الاستعداء [شيئاً يتعلق] به.
الثاني: إذا سمعنا البينة على المستتر، وجوزنا القضاء عليه- ففي "الحاوي" عند

الكلام في الاستعداء: أنه لا يحلف المدعي؛ لأن الخصم قادر على الحضور.
وهذا ما حكاه الرافعي عن "العدة".
الثالث: حكى صاحب "الإشراف"، وغيره: أن [أبا] حنيفة [قال]: "لا يقضي على الغائب وإن جوزنا سماع البينة لأجل نقلها إلى حاكم آخر، إلا إذا اتصل بحق حاضر"، وأن أبا سعيد قال: هذا قول الشافعي؛ لأنه علق القول في ذلك.
وفي "النهاية": أن صاحب "التقريب" حكى في مواضع من كتابه قولاً غريباً للشافعي- رضي الله عنه- في منع القضاء على الغائب، رواه حرملة عنه.
فإن كان هذا [القول] مطلقاً فقد حصل في القضاء على الغائب ثلاثة أقوال، وأصحها: ما في الكتاب، وعلى هذا: فهل اليمين التي تشرع في ذلك وما ذكر معه- كما سنصفها- واجبة حتى تكون ركناً في القضاء، أم مستحبة؟ المشهور: أنها واجبة في الصور كلها، وفي "الإشراف" حكاية رواية ثانية؛ ادعى في موضع آخر منه أنها قول غريب: أن اليمين لا تجب فيما ذكرناه، بل تستحب؛ لأن دعوى الإبراء أو الأداء إن كانت فهي دعوى جديدة لا تفوت.
والإمام حكى عن [رواية القاضي الوجهين عن الأصحاب في أن اليمين [التي] سنصفها عن] روايته ورواية القاضي الحسين من بعد- في حق الغائب- وقال: إن الثاني هو الأصح، وهو الذي قال القاضي الحسين في "تعليقه": إنه الأظهر، وإن الوجهين يقربان من أن التغليظ بالزمان والمكان هل يكون واجباً أو مستحبّاً؟ وفيه وجهان، ووجه التقريب: أن الزمان والمكان تأكيد لليمين، واليمين في مسألتنا تأكيد للبينة.

وقال الرافعي في باب الدعاوى والبينات: إنه يمكن بناء الوجهين على الوجهين في أن دعوى المدعى عليه بعد الحكم عليه الإبراء من الدين أو قبضه [منه] أو هبته العين المدعى [عليه] بها قبل شهادة الشهود بذلك، هل تسمع [كما يسمع قبل] حكم الحاكم عليه؟ فإن قلنا: تسمع دعواه بعد الحكم، فالتحليف مستحب، وإن قلنا: لا تسمع- كما هو الأصح في "التهذيب" فواجب؛ كي لا يفوت بالحكم عليه الدعوى، وبالتحليف أن لا تجعل الغيبة عذراً مانعاً من الفوات.
قلت: ولو صح هذا البناء للزم إذا حكم الحاكم بعد الاستخلاف، وقدم الغائب، وبلغ الصبي- ألا يكون على حجته، وقد اتفقوا على أنه على حجته.
ثم قال الإمام: وقد قال الأئمة: إن من ادعى على صبي أو مجنون أو ميت، ولا نائب لهم، فإذا أقام البينة فلا بد من التحليف؛ كما ذكرنا في القضاء على الغائب، والذي أراه: أن التردد الذي ذكره القاضي في أن اليمين احتياط أم وجوب، لا يجري في هذه المسائل؛ فإنا نتوقع من المدعى عليه إذا انتهى إليه كتاب القاضي إلى موضعه أن يدعي بنفسه، وهذا لا يتحقق في الصبي والميت والمجنون، وحكم نفوذ القضاء إيصال الحق إلى مستحقه، وعلى هذا جرى في "الوسيط"، وحينئذ فيحصل في المسائل طريقان في إيجاب التحليف أو استحبابه: إحداهما: حكاية الخلاف في الجميع، وهي المذكورة في "تعليق" القاضي الحسين، والأصح منه- وبه جزم الماوردي والبندنيجي وغيرهما-: الوجوب.
والثانية: حكاية الخلاف في حق الغائب، وفي معناه: المستتر، والقطع بالوجوب فيمن عداهما، والله أعلم.
واعلم أن فيما ذكره الشيخ من كيفية التحليف نظراً؛ لأنا قدمنا في معنى قوله: برئت إليه مما يدعي، وجهين: أحدهما: أنه بمعنى: قضيته، وعلى هذا لا ينبغي أن يكتفي بذلك، لأنه لا يلزم من كونه ما قضاه أن يكون مستحقّاً له؛ لأن أسباب الإسقاط أعم من ذلك؛ فلا احتياط [إذن].

والثاني: أنه يحتمل القضاء، ويحتمل التحليف على عدم الاستحقاق، ويحتمل إقامة البينة على إقرار المدعي كما حكيناه عن ابن القاص، وعلى هذا أيضاً لا يقع الاحتياط بالاقتصار عليه.
لكن قد حكى ابن أبي الدم عن "تعليق" القاضي أبي الطيب: أن الحي إذا ادعى البراءة مطلقاً، فيمكن حصر الألفاظ التي ذكرها الشافعي- رضي الله عنه- بقوله: والله ما برئ إليَّ من الحق، ولا من شيء منه بقول ولا فعل، وإذا كان هذا كافياً في حق الحي، فكذلك في حق الميت، والذي قاله البندنيجي: أنه يحلف في حق الغائب والهارب عن مجلس الحكم: إن حقه الذي شهد له الشاهدان به ثابت عليه إلى وقتنا هذا.
وكأنه- والله أعلم- أراد بهذا التحليف على استمرار ثبوت الحق، لا لثبوت أصل الحق؛ لأن أصل الحق قد قامت به البينة، والتحليف مع قيام البينة على أصل الحق لا يسوغ عندنا؛ لأن فيه قدحاً [في البينة].
والذي قاله الماوردي عند الكلام في كتاب القاضي: أنه يحلف في حق الغائب والصبي والمجنون والميت: بالله ما قبض الحق ولا شيئاً منه، ولا أبرأه منه، ولا من شيء منه [، ولا برئ إليه منه ولا من شيء منه، وإن حقه لثابت عليه.
وأقل ما يجزئه أن يحلفه: إن حقه هو الثابت عليه.
وأبلغ من ذلك ما حكاه [الإمام] والقاضي الحسين أنه يستظهر في تحليفه بالاحتياط التام، فيحلفه: ما أبرأه من حقه]، ولا من شيء منه، ولا أحد بأمره، [ولا اعتاض عنه ولا عن شيء منه، ولا أحد بأمره]، ولا أحال به ولا بشيء منه، ولا أحد بأمره، وإنه يلزمه تسليم المدعَى [به] إليَّ، وإن شهوده شهدوا له بالحق.
وقد حكى الغزالي التعرض [بتصديق الشهود وجهاً أشعر إيراده بضعفه، وهو فيه

متبع الإمام؛ فإنه قال: والتعرض] لتصديق الشهود فيه بعد عندنا.
نعم، قد يشترط ذلك على مذهب إذا كان يحلف مع الشاهد الواحد؛ [لأن الشاهد] الواحد ليس ببينة، والبينة في مسألتنا كاملة.
وهذا من الإمام مشعر بجواز القضاء على الغائب ومن في معناه بالشاهد واليمين، وقد صرح به [البغوي] والرافعي وغيرهما، لكنهم قالوا: هل يكتفي بيمين واحدة أم لابد من يمينين: يمين لتكملة البينة، ويمين للحكم؟ فيه وجهان، أشبههما: الثاني، وهو الذي اختاره ابن أبي الدم [؛ لأن الثبوت قبل الحكم، والثبوت يتوقف على اليمين أولاً، وكلام الإمام يقتضي الميل إلى الأول فتأمله، وقد قال ابن أبي الدم]: إن الشيخ أبا علي قال: إنه الأصح [، وإن الغزالي أجاب به في "الفتاوي".
ثم قال الإمام: وقد يعرض في التفريع على الوجه الأصح]- يعني: في كون التحليف واجباً- الاكتفاء بتحليفه على أنه يستحق الحق الآن، من غير بسط في ذكر الجهات.
قلت: وهذا الاحتمال هو ما حكيناه عن البندنيجي والماوردي، وهو المذكور في "التهذيب"، وبه يحصل في إيجاب البسط على النحو السابق وعدمه خلاف، ويشبه أن تكون مادته مأخوذة من الخلاف الذي حكيته عن أبي إسحاق وغيره في المسألة السابقة عند دعوى الحي البراءة مطلقاً؛ لأنا نقدر أن الغائب ومن في معناه لو كان حاضراً فربما ادعى البراءة مطلقاً.
وعلى قول عدم إيجاب البسط سؤال أشار إليه ابن أبي الدم، وهو أن الحي إذا قامت عليه بينة بحق، فطلب يمين المدعي على الاستحقاق- لا يجاب إلى ذلك؛ فكذلك ينبغي أن يكون حكم من قام مقامه.
وأشار إلى جواب عنه فيما إذا كان الشهود قد شهدوا على الإقرار بالحق: بأن الحي لو ادعى أن شهادتهم عليه حق، لكنه أقر- بناءً على الصك على العادة- على أنه يقبضه، فإن [في] تحليف المدعي

خلافاً، والأصح: التحليف، فعلى هذا وجب على القاضي التعرض لذلك، والله أعلم.
أما إذا كان للميت وارث معين، فالتحليف موقوف على طلبه، صرح به المصنف والبغوي وغيرهما.
ولو كانت الغيبة [إلى] مسافة قريبة، ففي "التهذيب": أن الصحيح من المذهب: أنه لا يجوز القضاء عليه وسماع الدعوى من غير إحضاره، وعلى هذا ففي حد القرب وجهان: أحدهما: ما دون مسافة القصر.
والثاني: مسافة العدوى.
ومن أصحابنا من قال: يجوز القضاء عليه وسماع الدعوى [عليه] من غير إحضاره، وهذا ما حكاه في "البيان" عن العراقيين، حيث قال: ولم يشترط العراقيون في الغيبة حدّاً، وإنما اشترطوا خروجه عن البلد لا غير.
و [عليه ينطبق ما] سنذكره من إطلاق الماوردي عند الاستعداء.
ولو كان للغائب وكيل لم يحتج المدعي إلى ضم اليمين إلى البينة، وكان القضاء مجمعاً عليه.
وفي "الرافعي" أن لأبي العباس الروياني جوابين في هذه الحالة في أن اليمين هل تتوقف على طلب الوكيل أو لا تتوقف؟ وانهما جاريان في المترد إذا كان له وكيل.
لكن المشهور الأول، وقد بنى الأصحاب عليه: أن شخصاً لو قال لشخص: أنت وكيل فلان الغائب، ولي عليه كذا، فأدعي [عليك] وأقيم البينة في وجهك، فإن علم أنه وكيل وصدقه، وأراد ألا يخاصمه- فليعزل نفسه، وإن لم يعلم فينبغي أن يقول: لا أعلم أني وكيل، ولا يقول: لست بوكيل، فيكون مكذباً لبينة عساها تقوم [على الوكالة]، وهذا بناءً على أنه لو صدقه كان له المخاصمة، وقد حكيت في كتاب الوكالة [فيه] خلافاً؛ فليُطلبْ منه.

وهل للمدعي إقامة البينة على وكالته عند الإنكار؛ ليحصل له ما ذكرناه من الفائدة؟ فيه وجهان، ظاهر كلام أبي عاصم العبادي: نعم، قال الرافعي: والأظهر المنع؛ لأن الوكالة حقه، فكيف تقام البينة عليها قبل دعواه؟! ولو كان المدعي وكيلاً وموكله حاضراً فهو الحالف، ولو كان غائباً- أيضاً- ففي "الوسيط" وغيره: أنه يحكم من غير يمين؛ لأن الوكيل لا يمكن تحليفه، وإيقاف الحكم على حضور الموكل وحلفه فيه إضرار، وهذا قياس قول القفال في المسألة المشهورة، وهي أن مستحق الحق لو وكل وكيلاً، فأتى موضع الخصم الغائب، وأثبت الوكالة، فقال المدعى عليه: إن موكلك قد أبرأني أو استوفى؛ فلا يلزمني تسليم ما أقمت البينة عليه ما لم يحلف موكلك.
فتوقف فيها فقهاء الفريقين بمرو، فاستدرك عليهم الشيخ القفال، وقال: يقضي على المدعى عليه بموجب البينة، ثم إن كانت له دعوى فتسمع في وجهها على الموكل؛ لأنا لو سلكنا هذا المسلك، لانقطعت الوسائل والذرائع إلى استيفاء الحقوق بطريق التوكيل.
قال الرافعي: وقد وجدت في "تعليق" الشيخ أبي حامد مثل هذا الجواب في باب الوكالة.
قلت: وهو كذلك في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الشامل".
نعم، لو قال المدعى عليه للوكيل: أنت تعلم أن موكلك أبرأني، فاحلف على ذلك- فعن الشيخ أبي حامد: أنه يحلف على نفي العلم، [ومن الأصحاب من يخالفه ولا يحلف الوكيل، قال الرافعي: ولك أن تقول: يقتضي ما ذكره الشيخ أن يحلف القاضي- وقيل: المدعى عليه على الغائب- على نفي العلم] بالإبراء وسائر الأسباب المسقطة نيابة عن المدعى عليه؛ كما ناب عنه في تحليف من يدعي لنفسه.
[ولو كان المدعى] له صغيراً على صغير، فهل يحكم به في الحال، أو يوقف إلى البلوغ والحلف؟ قال القاضي الحسين: يحتمل وجهين؛ بناءً على أن اليمين في حق البالغ واجبة أو مستحبة.
وحكاهما الرافعي- أيضاً- وحكى تلوهما: أن قيّم

الطفل لو ادعى ديناً للصبي، فقال المدعى عليه: إنه أتلف [عليَّ] من جنس ما يدعيه ما هو قضاء لدينه- لم يسمعه؛ بل [عليه] قضاء دينه الذي أثبته القيِّم، فإذا بلغ [الصبي] حلفه.
واعلم أن كيفية الدعوى على الغائب المتفق عليها بين الأصحاب أن يقول: لي على فلان الغائب كذا، ويذكر ما هو معتبر في الدعوى على الحاضر، ويقول: وهو منكر لحقي ولي بينة؛ فإنه إذا لم يكن له بينة لم تفد دعواه شيئاً، فلو قال: إنه مقر بحقي، لم تسمع؛ لأن البينة [لا تقام] على مقر.
وإن سكت عن ذكر الإقرار والإنكار فهل تسمع؟ فيه وجهان: ميل الإمام إلى السماع؛ لأنه إن كان يدعي [جحوده في الحال، فهو محال، وكيف يدعي] جحود من لا يعلم حياته؟! وإن كان يدعي جحوده لما كان حاضراً، وقد مضى، فالبينة في الحال لا ترتبط بجحود ماض.
وإيراد الغزالي يميل إلى ترجيح المنع، وهو ما ادعى الإمام ميل الأصحاب إليه؛ فإن الذي أرادوه بدعوى الجحود هو الجحود السابق، والبناء على إصراره [عليه]؛ فإنه الظاهر ما لم يثبت نقيضه.
ويقوم مقام [دعوى] الجحود بالاتفاق: ما إذا اشترى عيناً ووفر الثمن على البائع، ثم استحقت العين المبيعة وأخذت؛ فإن للمشتري أن يقيم البينة على الغائب بقبض الثمن، ولا حاجة إلى دعوى الجحود؛ فإن إقدامه على بيع ما لا يملكه كاف في معنى الجحود، قال الإمام: وهذا مما لا مراء فيه.
قال الرافعي: ورأيت فيما جمع من "فتاوي" القفال أن هذا كله فيما إذا أراد إقامة البينة على ما يدعيه؛ ليكتب القاضي به إلى حاكم بلد الغائب، فأما إذا كان للغائب مال، وأراد إقامة البينة على دينه ليوفيه القاضي- فإن القاضي يسمع بينته

ويوفيه، سواء قال: هو مقر، أم جاحد، أو قال: لا أدري أهو مقر أم جاحد.
وهل للقاضي أن ينصب لسماع الدعوى على الغائب مسخراً [له] ينكر على الغائب؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، وهو المختار كما قال ابن أبي الدم؛ لتكون البينة على الإنكار.
وأصحهما في "التهذيب"، وعند الشيخ أبي عليّ- كما نقله ابن أبي الدم-: لا؛ لأن الغائب قد يكون مقرّاً، فيكون إنكار المسخر كذباً.
قال الرافعي: وقضية هذا التوجيه أن يقال: لا يجوز نصب المسخر.
لكن الذي ذكره أبو الحسن العبادي، وصاحب "الإشراف" وغيرهما: أن القاضي مخير، إن شاء نصب [عنه] مسخراً، وإن شاء لم ينصب.
قال: فإذا قدم الغائب، أو بلغ الصبي فهو على حجته، أي: في القدح في البينة، أو [في] المعارضة ببينة يقيمها على الإبراء أو القضاء أو الحوالة أو نحو ذلك؛ لدفع الظلم عن نفسه.
قال الأصحاب: وإذا كان يجهل ذلك عرفه الحاكم به، وإن كان يعرفه فهو مخير إن شاء عرفه وإن شاء سكت.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الغائب على حجته، وإن لم يشترط الحاكم ذلك في الحكم، وقد قال الماوردي: إنه يشترط القاضي في حكمه على الغائب أنه قد جعله على حق وحجة إن كانت له؛ لئلا يقتضي إطلاق حكمه عليه إبطال حجته وتصرفه، والمعتبر في بينة الجرح أن تشهد بجرح بينة المدعي حالة الحكم أو قبله؛ كما قاله البندنيجي وغيره، وإذا أقام ذلك نقض الحكم قولاً واحداً؛ كما صرح به الإمام، وإن كان في نقض الحكم لو كان المحكوم عليه حاضراً عند إقامة [البينة بالجرح قولان؛ لتقصيره، بخلاف الغائب والصبي، ولا يكفي في البينة أن] تطلق الشهادة بالجرح؛ لأنه [لا] يجوز أن يكون حادثاً بعد الحكم، والجرح بعد الحكم

لا يؤثر على الأصح، وهذا بخلاف ما إذا حضر الغائب أو بلغ الصبي قبل الحكم وأقام البينة بالجرح؛ فإنها تسمع مطلقاً كما صرح به البندنيجي.
قال: وإن ادعى على ظاهر في البلد غائب عن المجلس، فقد قيل: تسمع البينة عليه ويحكم؛ لأنه غائب عن مجلس الحكم، فكان كالغائب عن البلد، فعلى هذا يحلفه كما سبق.
وقيل: لا تسمع؛ لأنه يمكن سؤاله من غير مشقة، فأشبه الحاضر بمجلس الحكم، وهذا هو الأصح في أكثر الكتب، وبه قطع بعضهم، وهو المذهب في "المهذب" و"الشامل" و ["تعليق"] البندنيجي، وعلله بأن على المدعى عليه في ذلك ضرراً؛ فإنه لا يمكنه جرح الشهود مطلقاً بعد حصول الحكم.
وفي "الوسيط" حكاية وجه ثالث [جعله المذهب]: أنه يجوز أن يسمع البينة، ولا يقضي إلا [في حضوره]، فلعله يجد مطعناً ودفعاً، بخلاف الغائب؛ فإن انتظاره يطول.
وحكى وجهاً في سماع البينة والخصم في المجلس دون مراجعته؛ لأنه قادر على الدفع والكلام فليتكلم إن أراد.
وهذا ما نسبه في "الإشراف" للمزني، وقد ذكرت عن الروياني في هذا الباب من قبل كلاماً يتعلق بما نحن فيه، فليطلب منه.
فرع: إذا ثبت على الغائب دَيْن وله مال حاضر، فعلى القاضي توفية الدَّين منه إذا طلبه المدعي، وإذا وفَّى هل يطالب المدعي بكفيل؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأن الحكم قد تم في الحال، والأصل عدم الدافع.
والثاني- ويحكى عن الكرابيسي-: نعم؛ لأن الغائب قد يكون له مدفع إذا حضر فيحتاط له، وهذا الوجه جارٍ فيما إذا حكم الحاضر على غائب بعين حاضرة.
قال: ومن استعدى الحاكم على خصم في البلد أحضره، أي: سواء عرف بينهما معاملة أم لا؛ لأن في الإعراض عن ذلك إبطالاً للحقوق، وقد يكون للحق

توجه من غير معاملة بسبب إتلاف أو إرث ونحو ذلك.
وفي "تعليق" البندنيجي: أن أبا العباس- يعني ابن سريج، كما صرح [به] غيره- قال: إذا كان المستعدى عليه من أهل الصيانات والمروءات لم يحضره مجلس الحكم، ولكنه يستدعيه إلى بيته ليقضي بينه وبين خصمه.
وفي "الزوائد": أن في "العدة" أن المستعدى عليه إذا كان بالصفة المذكورة، ويتوهم أن المستعدي يقصد ابتذاله، وأذاهُ بذلك- لا يستحضره مجلس الحكم، لكن ينفذ إليه من يسمع الدعوى عليه، ويحلفه إن وجبت عليه اليمين؛ لأنه لما عليه من الصيانة والمروءة يجري مجرى المخدَّرة.
والمشهور: الأول، ثم الإحضار المذكور متوجه على الحاكم على وجه الوجوب، كما صرح به المصنف وصاحب "الكافي" وغيرهما، وإذا كان كذلك وجب على المطلوب إجابة الداعي أيضاً، لكن قال الإمام: إيجاب الحضور عليه لأجل [إجابة القاضي]، حتى لو لم يطلبه القاضي وطلبه الخصم، لا يجب [عليه] الحضور، بل الواجب إن كان [له] عليه حق وفاه.
وفي "المهذب" و"الحاوي": أنه إذا كان بين نفسين حكومة، فدعا أحدهما صاحبه لمجلس الحكم- وجبت عليه الإجابة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [النور: 51]، ثم رأيت في "الحاوي" في [أثناء] كتاب قاض إلى قاض أن المطلوب إن خرج إلى الطالب من حقه [لم يلزمه الحضور للقاضي]، وإلا لزمه إن كان على مسافة أقل من يوم وليلة، وإن كان على أكثر منها لم يلزمه الحضور إلا باستحضار.
وكيفية الإحضار: أن يختم القاضي للطالب في طين رطب بخاتمه المعد لذلك، وهو كما قال القاضي أبو الطيب: حديدة مكتوب على رأسها: أجب القاضي،

فيحمل الطالب الطين إلى خصمه ويريه إياه إن كانت العادة جارية بذلك، أو يرسل معه عوناً ليحضره، وأجرة العون على المستعدي إن لم يكن له رزق من بيت المال، قاله في "الإشراف" وغيره.
قال الماوردي: وله أن يجمع بين إرسال العون وبعث الطين المختوم معه.
قال: فإن امتنع [من غير عذر]، أي: وقد وقف على ختم القاضي خاصة- كما قاله الماوردي- أشهد عليه، أي: الخصم، شاهدين أنه ممتنع، ثم يتقدم، أي: أمر القاضي بعد ثبوت امتناعه عنده بشهادة الشاهدين إلى صاحب الشرطة ليحضره؛ توصلا إلى تخليص الحق، وقد جاء في بعض ألفاظ الشافعي: أنه يستعين بصاحب الحرب، وفي بعضٍ: بوالي الأحداث، والألفاظ مترادفة، ولا يبالغ في طلب تزكية الشاهدين بالامتناع.
قال الشافعي- رضي الله عنه-: ويسأل عن عدالتهما ويخفف [في] السؤال.
كذا نقله ابن الصباغ عن رواية [ابن القاص].
أما إذا كان امتناعه بعد إرسال العون إليه، وأخبر العون القاضي بذلك قُبِل قوله من غير بينة، كذا قاله الماوردي، وهو الذي أورده في "الحلية".
وفي "تعليق" البندنيجي و"الكافي": [أنه] عند الاستعداء يبعث معه لختم من الطين، فإن [حضر، وإلا] بعث إليه بعض أعوانه، فإن [حضر، وإلا] بعث بشاهدين يشهدان على امتناعه، فإن حضر، وإلا استعان بالسلطان على إحضاره، والأجرة في هذه الحالة على المطلوب؛ لأنه مُتَعَدٍ بالامتناع عن الحضور، كأجرة الحد تجب على المحدود، وكذا أجرة الحبس على المحبوس، قاله في "الإشراف" و"الرافعي".
وعن "الجرجانيات" وجه: أنها على الطالب أيضاً.
ولو كان الامتناع بسبب مرض يسوغ شهادة الفرع على [شهادة] الأصل

إذا كان [به] فهو معذور، فيبعث القاضي إليه من يحكم بينه وبين خصمه أو يوكل، وإذا توجهت [عليه] اليمين أنفذ [إليه] من يحلفه، ثم إذا حضر الممتنع بغير عذر نظر الحاكم في تعزيره: فإن شاء عفا عنه، وإن شاء عزره بالكلام أو تشويش العمامة، أو الحبس، أو الضرب على حسب اجتهاده.
فرع: لو بعث الحاكم إليه فاختفى، قال في "الكافي": فيبعث من ينادي على بابه ثلاثة أيام: إن لم يحضر فلان سمّر بابه وختم، ويخبر جيرانه بذلك، فإن لم يحضر سمر باب داره إذا عُرِفت وخُتِم عليه، فإن لم يحضر بعد التسمير والختم فالقاضي يوكل عنه وكيلاً، فيدعي عليه [المدعي].
وفي "الذخائر""الشامل"]: أن [ابن] القاص حكى ذلك عن الشافعي- رضي الله عنه- لكنه قال: إنه يفعل ذلك بعد أن يبعث من ينادي على بابه بمحضر من شاهدي عدل: إنه لم يحضر مع خصمه فلان وكل عنه، [قال: وحسبه] أن يعذر إليه بذلك ثلاثاً، فإن لم يحضر أقام عنه وكيلاً.
ولو أخبر القاضي أنه في دار فلان أنفذ الخصيان والغلمان الذين لم يبلغوا الحلم والثقات من النساء، ويبعث معهم عدلين من الرجال، فإذا دخلوا في تلك الدار وقف الرجال في الصحن، وأخذ الخصيان في تفتيش الدار، والنساء في تفتيش النساء، قال مجلي: وينبغي أن يفعل التفتيش والهجوم عليه [أولاً] إن عرف له مكان.
وإذا تعذر إحضاره بعد هذا كله، قال في "الحاوي": فقد اختلف أصحابنا، هل يكون الامتناع من الحضور كالنكول؟ فيه وجهان: أحدهما: لا.
والثاني- وهو الأشبه-: أن يجعل كالنكول بعد النداء على بابه بمبلغ الدعوى وإعلامه بأنه يحكم عليه بالنكول، فعلى هذا: يسمع القاضي الدعوى [عليه] محررة، ثم يعيد النداء على بابه ثانية بأنه يحكم عليه بالنكول، فإذا امتنع من الحضور

بعد النداء الثاني حكم بنكوله، ورد اليمين على المدعي، وحكم له [بالدعوى] إذا حلف.
قال: وإن استعدى على غائب عن البلد في موضع لا حاكم فيه، [أي]: وهو في حكم ولايته- كتب إلى رجل من أهل الستر والصلاحية للقضاء في ذلك ليتوسط بينهما؛ لأن ذلك أسهل عليهما.
قال: فإن لم يكن أحد، لم يحضره حتى يحقق المدعي دعواه؛ لجواز أن يكون ما يدعيه ليس بحق عنده: كشفعة الجوار، وثمن الكلب، فيُجَشِّمه الحضور بغير فائدة، وهذا بخلاف الحاضر حيث لا يستفسره عما يدعيه، وإن كان الأولى: الاستفسار؛ لأنه لا مشقة في الحضور من البلد.
قال في "الإشراف": ولا يستقصي في تحقيق الدعوى، بل يخفف.
قال: فإذا حقق الدعوى أحضره، أي سواء كان الموضع قريباً أو بعيداً؛ كما قاله القاضي أبو الطيب وصاحب الكافي وغيرهما؛ كي لا يتخذ المسافرة طريقاً إلى إبطال الحقوق، وله ألا يحضره ويبعث من يحكم بينهما؛ كما قاله أبو الطيب.
واعتبر الإمام وصاحب "العدة" في إحضاره من فوق مسافة العدوى فما فوقها، وإن زادت على مسافة القصر في هذه الحالة-: أن تقوم البينة عند القاضي بالمدعي وتثبت.
وقال الإمام فيما إذا كان في مسافة العدوى فما دونها: إن الإعداء لا يتوقف على قيام الحجة، وإن هذا متفق عليه، ذكره العراقيون وغيرهم.

والمذكور في "الكافي" في مسافة القصر فما دونها: الاكتفاء بتحقيق الدعوى.
ووراء ما ذكرناه في مسألة الكتاب وجهان: أحدهما: [أنه] لا يحضره من مسافة القصر، ويحضره مما دونها؛ لأنه لما كانت مسافة القصر شرطاً في انتقال ولاية الغائب في النكاح إلى الحاكم [دل] على اعتباره في إحضار الخصم.
والثاني- حكاه في "التهذيب" و"الإشراف"-: أنه يحضره من مسافة العدوى، ولا يحضره مما فوقها، قال الرافعي: وهو أظهر عند الإمام.
والذي أورده العراقيون: الأول، وقال الماوردي: إنه الذي ذهب إليه الأكثرون، والظاهر من مذهب الشافعي- رضي الله عنه- وقد يستدل له بأن عمر- رضي الله عنه- استدعى المغيرة [بن] شعبة في القصة المشهورة من البصرة إلى المدينة، وإذا كان هذا في حد الله- تعالى- ففي حق الآدمي أولى.
أما إذا كان في الموضع الذي فيه الغائب نائب للحاكم، لم يحضره، بل يسمع البينة، ويكتب إليه.
وعن حكاية أبي العباس الروياني وجه: أنه يلزم إجابته إذا طلبه الخصم، قال الرافعي: وهذا قضية إيراد صاحب "التهذيب" فيما إذا كان المطلوب على مسافة العدوى.
وبه أجاب في "العدة"، وهذا الوجه يجري من طريق الأولى فيما إذا لم يكن في البلد حاكم، وكان فيها من يصلح أن يولى.
وعن "أمالي" أبي الفرج السرخسي: أن القاضي يتخير بين أن [يحضر المطلوب] وبين أن يسمع البينة فيكتب إلى نائبه.
ولو كان المستعدى عليه في غير محل ولاية القاضي لم يستحضره، قال في "الحاوي": وجاز له أن يسمع الدعوى والبينة عليه؛ ليكاتب به قاضي البلد الذي فيه المطلوب، وله في المكاتبة حالتان:

إحداهما: أن يكاتبه بسماع البنية.
والثانية: أن يحكم بالبينة بعد سماعها.
وهذا منه دليل على أنه لا فرق في الحكم على الغائب عنده، بين أن يكون في مسافة القصر أو دونها؛ كما ذكرناه من قبل.
قال: وإن استعدي على امرأة غير بَرْزة لم تكلف الحضور، بل توكل؛ صرفاً للمشقة عنها؛ فإن ضرر إبطال التخدر أعظم من ضرر المرض، ولو كان الشخص مريضاً لم يكلف الحضور؛ فهذه أولى.
قال: فإن وجبت عليها اليمين أنفذ إليها من يحلفها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "واغْدُ يا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا".
فبعث إليها ولم يكلفها الحضور؛ لأنها كانت غير برزة؛ كما نقله أصحابنا.
والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وجماعة استدلوا بهذا الخبر [على] أنها إذا كانت غير برزة يبعث إليها من يحكم بينهما، ولم يتعرضوا للتوكيل، ولاشك في جواز الأمرين عند الجمهور، لكن الذي حكاه القاضي الحسين عن النص ما أورده الشيخ، وقال: إن صاحب "التقريب" قال به.
وحكي عن القفال أنه قال: تحضر مجلس الحكم كالبرزة.
وعلى هذا قال الرافعي: لو رام القاضي أن يبعث [إليها] من يحكم بينهما في دارها، فللخصم الامتناع من الدخول إليها وطلب إحضارها.
وعلى قول الجمهور: إذا حضر الحاكم إلى دارها، ولم يكن بينها وبين الحاكم محرمية- جلست خلف ستر، فإن اعترف الخصم بأنها خصمته حكم بينهما، وإن أنكر ذلك: فإن شهد شاهدان بأنها خصمته حكم بينهما أيضاً، وإلا كلفها أن تخرج من وراء الستر متلفعة، كذا قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.
أما البرزة، فقد قال القاضي أبو الطيب وصاحب "الكافي" وغيرهما: إن حكمها حكم الرجل في جميع ما ذكرناه.
وفي "الرافعي": أن الاستعداء لو كان على امرأة خارجة عن البلد، هل يحضرها

وهي عورة؟ وهل يشترط أن يكون الطريق آمناً ومعها نسوة ثقات؟ وهل على القاضي أن يبعث إليها محرماً لها لتحضر معه؟ قال القاضي أبو العباس الروياني: كل ذلك على وجهين، الأصح: أنه يبعث إليها محرماً [لها] أو نسوة ثقات كما في الحج.
ثم من هي غير البرزة التي يسميها بعضهم: المخدرة، والماوردي: الخفرة؟ المشهور- وهو الذي يحكى عن النص-: أنها التي لا تخرج لحوائجها، [ولم يورد أبو الطيب وجماعة سواه.
وقال الماوردي: إنها التي لا تخرج لحوائجها]، وإن خرجت استخفت ولم تعرف، والبرزة: التي تخرج لحوائجها ومآربها غير مستخفية.
وحكى القاضي الحسين أن أصحابنا قالوا: غير البرزة هي التي لا تخرج لحوائجها، وإن كانت تخرج إلى العزايا والمآتم والزيارات، والبرزة: هي التي تخرج لحوائجها.
ثم قال: وعندي أن غير البرزة هي التي لا تخرج لحوائجها ولا إلى الزيارات والعزايا إلا نادراً، فإن اعتادتها لم تكن مخدرة.
وفي "التهذيب": أن المخدرة التي لا تخرج إلى السوق لحوائجها، ولا إلى الولائم ولا إلى الحمام بالنهار.
وفي "الشامل" في باب موضع اليمين: أنها التي لا تخاطب الرجال، ولا تحضر المواسم والأعراس.
وقيل: هي التي لا تخرج أصلاً إلا لضرورة، وهذا ما اختاره الإمام.
قال ابن أبي الدم: والأولى في ذلك رده إلى عرف الناس وإتباع العادات.
فرع: لو اختلفا في التخدر ففي "فتاوى" القاضي الحسين: أن عليها إقامة البينة على ذلك، وأنها تمهل حتى تقيم البينة.
وفي "الحاوي" أنه ينظر: فإن كانت من قوم الأغلب من حال نسائهم التخدر فالقول قولها مع يمينها، وإن [كانت من قوم] الأغلب [على نسائهم] البروز

فالقول قول الخصم مع يمينه.
آخر: إذا كانت المرأة برزة، ثم لازمت التخدر- فبماذا يحصل لها [حكمه]؟ قال القاضي الحسين في "فتاويه": حكمها حكم الفاسق يتوب؛ فلابد أن تمضي عليها سنة في قولٍ وستة أشهر في قول.
تنبيه: إطلاق الشيخ القول بأنه إذا وجب عليها اليمين أنفذ إليها من يحلفها يقتضي أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون المدعي به يوجب التغليظ في اليمين أو لا، وهو وجه حكاه الشيخ أبو علي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ، وجزم به الماوردي؛ لأجل صيانتها، واختاره ابن أبي الدم، واستدل له بأن الأصحاب صرحوا بأنه تسمع الشهادة على شهادتها مع حضورها من غير مرض، وألحقوا تخديرها بالمرض والسفر في ذلك.
ومقابل هذا الوجه: أن التخدير لا يسقط التغليظ بالمكان الشريف إلا إذا كانت حائضاً، فتحلف على باب المسجد، وهو الذي صححه الشيخ أبو علي، وحكى الإمام عن العراقيين القطع به في باب موضع اليمين، وهو الذي أورده الغزالي في باب الدعاوى والبينات، وقد حكى ذلك الرافعي عن الشيخ أبي حامد وأتباعه، ورأيته في "تعليق" البندنيجي.
والله أعلم.
قال: وإذا حكم على غائب، أي: بشهادة شاهدين، أو بإقراره، أو بنكوله ويمين المدعي، والمحكوم به حق في ذمته أو قصاص في بدنه إذا جوزنا القضاء على الغائب به كما هو الصحيح، أو عقار في يده.
قال: فسأله المدعي أن يكتب إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم بما حكم به لينفذه، كتب إليه؛ للإجماع كما حكاه ابن الصباغ وابن يونس، والمعنى فيه: أن بالناس حاجة إلى ذلك؛ لأن بينة الشخص تكون في بلد وخصمه في آخر كما هو صورة الكتاب، ولا يمكنه حمل البينة إلى بلد الخصم ولا حمل الخصم إلى بلد البينة، فإذا أخر ذلك سقط الحق؛ فدعت الحاجة إلى شهادة البينة في بلدها ومكاتبة قاضي بلد الخصم بذلك.

وهذه الكتابة- كما قال ابن أبي الدم- واجبة [على وجه].
ولا فرق في جواز الكتابة في هذه الحالة بين أن يكون بين البلدين مسافة القصر أو دونها، حتى لو كان البلدان متجاورين جاز ذلك أيضاً، بل لو كان لكل جانب من البلد حاكم والخصم في أحد الجانبين كتب إلى [حاكم قاضي الجانب الآخر بذلك]؛ لأن ما حكم به لزم [وليس] بعده إلا الاستيفاء؛ فوجب على كل أحد تنفيذه.
وهذا بخلاف ما لو ثبت عنده ولم يحكم؛ حيث فصلنا بين قرب المسافة وبعدها كما سيأتي؛ لأن المسافة إذا لم تبعد لم يتعذر إحضار الشهود عند القاضي الآخر.
قال الرافعي: وقد وجدت في نسختين من "أمالي" أبي الفرج السرخسي عكس هذا، وهو أن كتاب السماع يقبل مع قرب المسافة وبعدها، وكتاب الحكم لا يقبل إلا إذا بعدت المسافة.
وهو غلط من ناسخ أو ناقل، وليس وجهاً آخر.
وكذا لا فرق بين أن يكتب قاضي مصر إلى قاضي قرية أو بالعكس، أو قاضي الأصل إلى الفرع أو بالعكس؛ لأن الحاجة إلى الجميع واحدة.
ثم صورة الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم، حضر- أطال الله بقاء القاضي- فلان، ويرفع في نسب المكتوب إليه، في يوم كذا من شهر كذا، من سنة كذا، مجلس حكمي، في مدينة كذا التي وليتها من قبل فلان، ويذكر من ولاه من إمام أو قاضٍ، ويرفع في نسبه: فلان [بن] فلان الفلاني، ويرفع في نسبه إلى أن يتميز عن غيره، ويكتب حِلاه وصنعته وما يشتهر به إن كان القاضي يعرفه بالنسب، وإن لم يعرفه كتب: حضر من ذكر أنه فلان [بن] فلان الفلاني- وذكر الحلية ها هنا واجب، قال القاضي أبو الطيب: لأنه ليس يعرف عينه فالمعوَّل على ذكر الحلية، وادعى بكذا، ويذكر كيفية الدعوى محررة، على فلان [بن] فلان [الفلاني]، ويرفع في نسبه، بعد ثبوت غيبته عندي؛ الغيبة الشرعية المسوغة لسماع البينة عليه والحكم بها، وشهد له بذلك في مجلس حكمي فلان وفلان، ويرفع في نسبهما بعد

سؤال الخصم ذلك.
وقالا: إنهما عارفان بالمشهود عليه بعينه واسمه [ونسبه]- كذا ذكره الماوردي- وقد عرفت عدالتهما وحلفته على الحق، ويصف اليمين، وحكمت له على المدعى عليه بعد السؤال، وأبقيت المدعي على حقه وحجته إن كانت [له]، وسألني المدعي أن أكتب بذلك إليك؛ لأن خصمه بحضرتك، فأجبته؛ ليحمل خصمه على الحق إذا ورد عليك كتابي صحيح الختم والمورد بما يثبت عندي وحكمت به، وعنونت باطنه بخطي وظاهره بختمي، وهو كذا، ووقعت في صدره، وهو كذا، وعلمت على الأوصال، وهي كذا سطر ويصفها، ويكتب أسماء شهود الكتاب وتاريخه.
ولو كان قد حكم عليه بإقراره قال الماوردي: ذكر في كتابه أنه أقر عندي بكذا طوعاً في صحة منه وجواز أمر، فلو لم يذكر ذلك [فهل] يقوم حكمه [مقام ذكره الطواعية والصحة وجواز الأمر؟ فيه وجهان.
ولو كان الحكم] عليه بنكوله ويمين الطالب ذكره القاضي مشروحاً في كتابه، كما قال الماوردي، لكن ذكر السبب الذي اقتضى الحكم من هذه الأشياء الثلاثة- أعني: البينة والإقرار والنكول مع اليمين- هل يجب؟ فيه وجهان في "الحاوي": فإن قلنا بعدم الوجوب كفاه أن يقول في الكتاب: ثبت عندي بما تثبت بمثله الحقوق وحكمت به.
وهذا ما جزم به الإمام حيث قال: لا يلزمه أن يفصل البينة القائمة في الخصومة، وإنه ليس عليه أن يرفع أسماءهم ويتشوف إلى أعلامهم؛ بل يكفيه أن يقول: قضيت لفلان بحجة شرعية تقتضي القضاء.
وعلى هذا: لو سأل المحكوم عليه القاضي الكاتب عن السبب الذي حكم عليه به، قال الماوردي في فصل آخر: ينظر: فإن كان قد حكم عليه بالإقرار [لم يلزمه] أن يذكره له؛ لأنه لا يقدر على دفعه بالبينة، وإن كان قد حكم [عليه] [بنكوله ويمين الطالب لزمه أن يذكره؛ لأنه يقدر على دفعه بالبينة، وإن كان قد حكم عليه بالبينة]: فإن كان الحكم بحق في الذمة لم يلزمه ذكرها؛ لأنه لا يقدر على دفعها

بمثلها، وإن [كان] الحكم بعين قائمة لزمه أن يذكرها؛ لأنه يقدر على مقابلتها [بمثلها]؛ فتترجح بينته باليد.
وإن قلنا بالوجوب، وكان [السبب البينة] فهو بالخيار بين أن يسمي الشهود أو لا يسميهم ويقتصر على وصفهم بالعدالة فلو لم يصفهم بها فهل يكون ذكره لهم تعديلاً؟ فيه وجهان في "الحاوي"، والمذكور في "العدة": أنه تعديل.
أما إذا كان قد حكم عليه بالشاهد واليمين ففي جواز المكاتبة به وجهان في "الحاوي": أحدهما: لا يجوز؛ لأن المخالف [فيه] من العراقيين يرى نقض الحكم به فلم يكن له تعرض حكمه للنقض.
قال الماوردي: والأولى من الخلاف أن يعتبر رأي القاضي المكاتب [به] فإن كان يرى القضاء بالشاهد واليمين [كتب إليه به، وإلا فلا.
قال: ولو أراد القاضي في حكمه بالشاهد واليمين] ألا يذكره في كتابه، ويطلق الحكم بالبينة أبو بثبوت الحق عنده- جاز؛ لأنه يحكم باجتهاد نفسه، ولا يحكم باجتهاد غيره، ولو كان المحكوم به على الغائب [عقاراً] في غير البلد التي هو فيها فلا يكتب إلى قاضي البلد الذي فيه [الخصم، [ويجوز أن يكتب] إلى قاضي البلد الذي فيه] العقار وصرح به الماوردي.
ولو كان المدعى به عيناً منقولة ففي جواز الحكم بها مع الغيبة خلاف سنذكره- إن شاء الله تعالى- في الدعاوى.
قال: وإن ثبت عنده، أي: بدون علمه ولم يحكم به، فسأله المدعي أن يكتب إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم بما ثبت عنده؛ ليحكم عليه- نظرت: فإن كان

بينهما مسافة [لا تقصر فيها الصلاة لم يكتب، وإن كان بينهما مسافة] تقصر فيها الصلاة كتب؛ لأن القاضي الكاتب كشاهد الأصل، وشهود الكتاب كشهود الفرع؛ فاعتبر في القبول مسافة القصر، كما اعتبرت في الشهادة على الشهادة.
وقيل: يقوم ما فوق مسافة العدوى مقام مسافة القصر في ذلك، وكذا في الشهادة على الشهادة، ولا يكفي فيهما مسافة العدوى فما دونها؛ كما صرح به القاضي الحسين وغيره، وسنذكر [عند] الكلام في الشهادة على الشهادة شيئاً آخر لا يستغني عنه من يتكلم في هذه المسألة.
ثم ما ذكره الأصحاب هنا يقتضي أن الكلام في البعد والقرب بالقاضي الكاتب دون الشهود الذين شهدوا عنده، وقد جزم الإمام في أوائل الباب بأن القاضي في الجانب الشرقي من بلد لو كتب إلى قاضي الجانب الغربي: بأني [قد] سمعت بينة فلان [على فلان]، ووصفها على شرطها، فاقض بها، وكان الذين شهدوا عند الكاتب قد غابوا أو ماتوا- ساغ للمكتوب إليه القضاء بذلك، بخلاف ما لو كان الذين شهدوا بعد حضوراً في البلد؛ [فإنه] لا يقضي بالكتاب؛ لأن استحضار الشهود سهل؛ فهم الأصل، وقول القاضي في حكم شهادة الفرع على الأصل فيستحضرهم القاضي الثاني ويستعيد الشهادة بشرطها.
والقاضي الحسين أطلق القول في هذه الصورة بعدم القبول عملاً بما قرره أولاً، وهو قضية لفظ الشافعي- رضي الله عنه- في "الأم"؛ كما نقله في "البحر" حيث قال: وإذا كان فيه قاضيان كبغداد، فكتب أحدهما إلى الآخر بما ثبت عنده من البينة- لم ينبغ له أن يقبلها حتى تعاد عليه، وإنما يقبل البينة في البلد الثانية التي لا يكلف أهلها إتيانه.
وقد طرد الإمام ما ذكره من التفصيل فيما لو وقف كل قاض في طرف محل ولايته، وقال أحدهما للآخر: إني سمعت [شهادة فلان وفلان] على فلان، وحلفته

على موجب الشرع؛ فاقض بالبينة في جانبك، فقال: إن كان شهود الأصل قد غابوا أو ماتوا قضى المقول له بذلك، وإلا فلا.
ثم قال: فإن قيل إذا كان التنادي والإعلام في طرف الولايتين ممكناً كما صورنا، فإذا كتب أحدهما وشهد على كتابه شاهدان، وكان قادراً على أن يشافه القاضي ويناديه- فهلا كان ذلك ممنوعاً؛ لأن كتابة القاضي وشهادة الشهود على شهادته بمثابة الفرع للقاضي، وقوله في نفسه أصل، فكيف يقع القضاء بالفرع مع التمكن من الوصول إلى الأصل؟ قلنا: الذي دل عليه كلام الأصحاب الأول؛ لأن في تكليف المشافهة عضّاً من منصب القضاء؛ ولهذا تسمع شهادة الفرع عند مرض شاهد الأصل، ولا نكلفه أن يأتي مسكنه.
وقريب من إيراده في المكاتبة- والصورة كما ذكرنا- ما حكاه الماوردي قبيل باب القسمة: أنه لا يقبل كتاب قاضي أحد الجانبين إلى قاضي الجانب الآخر في ثبوت الشهادة، ويقبل في ثبوت الإقرار إن رجع المقر؛ ولا يقبل إن لم يرجع؛ لأن ما أمكن الحكم فيه بالأصل لم يجز أن يحكم فيه بالفرع؛ كالشهادة على الشهادة يحكم فيها بشهود الفرع مع تعذر شهود الأصل، ولا يحكم فيها مع إمكانهم.
وقد يفهم أن هذا الكلام مغاير لكلام الإمام، وهو هو إذا تأملته؛ لأن الإمام قد حكى بعد ذلك في حالة وجود شهود الأصل في البلد خلافاً في جواز المشافهة بنقل الشهادة من قاضي أحد جانبي البلد إلى الآخر، مبنيّاً على أصل، وهو: أن سماع البينة من القاضي حكم منه بقيام البينة، أم سبيله سبيل نقل شهادة الفرع شهادة الأصل؛ فيكون القاضي فرعاً إذاً؟ فعلى الأول- وهو الذي نقله عن الأكثرين كما سنذكره، ورآه أظهر، وتبعه الغزالي فيه- لا يستعيد الشهادة الثاني، [بل يقضي، ويكون القاضيان على

هذا يتعاونان على القضية الواحدة.
وعلى الثاني- وهو الذي عليه عامة الأصحاب كما قال الرافعي، وأنه منصوص عليه في "عيون المسائل": يستعيدها، لكن للشافعي- رضي الله عنه- نصٌّ سنذكره في أوائل باب الدعاوى والبينات عند الكلام في الدعوى بالعين التي لا يمكن تعيينها، يدل على الوجه الأول، وحينئذ فيكون في المسألة قولان.
قلت: ويمكن بناء الخلاف الذي حكاه الإمام على أصل آخر، وهو أن شاهد الفرع، هل يسمع [مع] حضور شاهد الأصل؟ وفيه خلاف يأتي، فإن قلنا: لا يسمع- وهو الصحيح- فلا يسمع هنا، وإلا سمع.
وهذا الخلاف [كله] إذا عدل القاضي الناقل البينة، فلو لم يعدلهم، قال الإمام: فهذا [يكاد أن] يكون نقلاً محضاً، وبه يتأيد وجه من ادعى أنه نقل وليس بحكم، وقد اتفق الأصحاب على أنه إن عدل الشهود وحكم بعد التهم، فهو سائغ، لكن هل للمكتوب إليه البحث وإعادة التعديل أم لا؟ لفظ "الوجيز" بشعر الأول؛ لأنه قال: جاز [له] أن يعتمده إن رأى ذلك.
قال الرافعي: والقياس الثاني، أما إذا جعلناه حكماً فظاهر، وأما إذا جعلناه نقلاً؛ فلأن شاهد الفرع إذا عدل شاهد الأصل وهو بصفة المزكيين، كفى على ظاهر المذهب.
نعم، لو قامت بينة بالجرح قدمت بلا خلاف، وكذا للمدعى عليه طلب الاستمهال ثلاثة أيام؛ لإقامة بينة الجرح، ولا يحتاج في هذا القسم إلى تحليف المدعي.
ولو فوض الكاتب النظر في العدالة والجرح إلى المكتوب إليه فهو سائغ أيضاً.
قال الإمام: لكن النقل من غير تعديل قريب من التعطيل، ولكنا مع ذلك نجوز تفويض التعديل إلى المكتوب إليه على شرط الإبلاغ في الإعلام، والإعلام الذي ذكرناه يكون مؤكداً بالاسم والرفع [في النسب] وغيرهما من الأسباب إذا لم

يحصل الإعلام إلا بذلك، أما إذا حصل بالاسم المحض- كما إذا كان الشاهد مذكوراً في البلاد بعيد الصِّيت كفى ذلك.
والماوردي قال: إن للشهود في هذه الحالة ثلاثة أحوال: إحداها: أن يكونوا من أهل البلد الذي يصل الكتاب إليه، وهم على العود إليه؛ فلا يسمع شهادتهم، وإن سمعها لم يكتب بها، وقال للطالب: اذهب مع شهودك إلى قاضي بلدهم ليشهدوا عنده بما شهدوا به عندي؛ فإن كتب القضاة مختصة بما لا يمكن ثبوته بغيرها، وثبوت هذا بالشهادة ممكن؛ فلم تجز فيه المكاتبة كالشهادة على الشهادة.
والثانية: أن يكون الشهود من البلد الذي يكتب إليه، [ولا يريدون العود إليه] والبينة بتعديلهم فيه؛ فيجوز أن يكتب القاضي بشهادتهم عنده؛ ليكشف عن عدالتهم، فإذا صحت عنده حكم بشهادتهم.
والثالثة: أن يكون الشهود من غير البلد الذي يكتب إليه؛ فيجوز بعد سماع شهادتهم [أن يكتب] إلى قاضي بلدهم، ويسأله عن عدالتهم، فإن عرفها كتب بها إلى القاضي الأول ليتولى الحكم بشهادتهم.
أما إذا كان الحق [قد ثبت عنده] لكونه علمه وكتب به إلى غيره؛ ليقضي ذلك الغير بموجب علمه على المدعى عليه- ففي "العدة" و"البحر": أنه لا يجوز القضاء به، وإن قلنا: يجوز القضاء بالعلم؛ لأنه في هذه الحالة شاهد، وبالكتابة لا تحصل الشهادة كاملة ولا غيرها.
وعن "أمالي" السرخسي: أنه يجوز، ويقضي المكتوب إليه إذا جوزنا القضاء بالعلم؛ لأن إخباره عن علمه إخبار عن قيام الحجة، فليكن كإخباره عن قيام البينة.
واعلم أن ها هنا أمرين لابد من ذكرهما: أحدهما: قال القاضي الحسين في "تعليقه": إن كتاب القاضي إلى القاضي بسماع البينة دون الحكم ليس مسطوراً للشافعي، وإنما خرجها الأصحاب.
فقياس قوله: ألا يجوز هذا عندي؛ لأن القاضي إذا سمع البينة فهو كشاهد فرع؛ فلا تثبت بقوله شهادة

شاهدين؛ إذ الشهادة على الشهادة لا تثبت بواحد، قال الإمام في "النهاية": وهذا ليس مذهباً له ولا وجهاً مخرجاً، وإنما هو إبداء إشكال وإيضاح وجه في الاحتمال.
والذي أجمع عليه الأصحاب: ما قدمناه، ويؤيده أن القاضي بعد ذكر ما حكيناه عنه قال: ولعل أصحابنا إنما جوزوا هذا؛ لأنهم جعلوا سماع القاضي شهادة الشهود نوع حكم منه.
ثم قال: فعلى هذا إذا سمع شهادة شاهد واحد، وكتب إلى [ذلك] القاضي بسماع شهادة الثاني- يجب أن يجوز، وإذا استخلف من يسمع البينة على شيء يكون بالخيار بين أن يستعيد تلك البينة [إذا حكم بنفسه، وبين أن يأخذ بقول خليفته ويقتصر على سماعه البينة] ويحكم.
والرافعي قال فيما لو قال الحاكم لخليفته: اسمع دعوى فلان وبينته، ولا تحكم بها حتى تعرفني، ففعل، هل للحاكم أن يحكم به؟ القياس أنها كإنهاء أحد القاضيين في البلد إلى الآخر لإمكان إحضار الشهود.
وهذا منه موافق لما ذكره القاضي، لكن قال: الأشبه ها هنا أن له الحكم؛ لأن تجويز الاستخلاف شرع للاستعانة بالخليفة، وذلك يقتضي الاعتداء بسماعه، بخلاف سماع القاضي المستقل، وبهذا أجاب أبو العباس الروياني في "الجرجانيات" على تلوم فيه.
الثاني: كيفية الكتاب في صورة مسألة الكتاب، بعد ذكر المدعي والمدعى عليه، والقاضي المكتوب إليه، وتحرير الدعوى ونحو ذلك؛ كما ذكرنا في الفصل قبله- أن يكتب: وقد شهد عندي بذلك فلان وفلان بكذا، وقد ثبت عندي، ولا يقول: حكمت به.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يقول ثبت عندي أيضاً.
بناءً على مذهبه في أن الثبوت حكم؛ كما حكاه عنه الماوردي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم، واختاره ابن [أبي] عصرون، وقد يقال: إن كلام الإمام منطبق عليه حيث قال: إن الأصحاب قالوا: سماع البينة من القاضي حكم [منه] بقيام البينة.
والحكم على مذهبنا ليس افتتاح أمر وإنشاء شأن، وإنما [هو] إظهار ما تقرر

ممن هو مطاع متبع، فإذا حكم لزيد على عمرو، فمعناه: ظهر له وجوب حق لأحدهما على الثاني، والشرع ألزم إتباعه، كذلك إذا ظهرت البينة فأظهرها، كان ذلك حكماً منه، لكن الذي عليه أكثر الأصحاب أن الثبوت ليس بحكم، وهو أصح عند الماوردي وغيره؛ لأن الحكم هو الإلزام، وليس في الثبوت إلزام، وهو في ثبوت الحق كالإقرار، وادعى في "البحر" أن الشافعي- رضي الله عنه- نص عليه في "الأم" حيث قال: كتابه كتابان: أحدهما: كتاب تثبت يستأنف المكتوب إليه به الحكم.
والثاني: كتاب حكم [منه].
ثم ما ذكرناه من تسمية الشهود في هذه الصورة واجب، صرح به القاضي الحسين والغزالي والإمام، وقال الرافعي: القياس التجويز؛ كما أنه إذا حكم استغنى عن تسمية الشهود، وأن هذا هو المفهوم من إيراد صاحب "التهذيب" وغيره، وأنه يجوز أن يقدر فيه خلاف؛ بناءً على أن كتاب القاضي إلى القاضي بسماع البينة نقل للشهادة أو حكم بقيام [البينة]؟ إن قلنا: حكم، فلا حاجة إلى التسمية، وإن قلنا: نقل، فلابد من التسمية؛ كما أنه لابد أن يسمى شاهد الفرع شاهد الأصل.
[وهذا البناء فيه نظر؛ لأن من قال: إنه ليس بحكم، قال: تسمية الشهود في هذه الصورة لابد منها، وذلك دليل على أنه ليس بحكم؛ إذ لو كان حكماً لما احتيج إلى ذلك، وإذا كان هذا دليله لم يحسن بعده ما ذكر من البناء.] نعم، حكى [الروياني] في "البحر" أن بعض أصحابنا بخراسان قالوا: يجوز أن يكتب: [ثبت] عندي بشهادة العدول، ولا يسميهم، فإن لم تثبت عدالتهم سماهم.
وهو ضعيف.
فرع: إذا قال القاضي: صح مورد هذا الكتاب عليّ، وقبلته قبول مثله، وألزمت العمل بموجبه- قال أبو سعد الهروي: سُئِلت عنه في الدار النظامية بأصبهان، هل هو حكم أم لا؟ فقلت: يرجع إلى الحاكم، فإن قال: أردت الحكم، فهو حكم، وإن تعذر

الرجوع إليه فالاعتماد على عرف الحكام، فإن اعتقدوه حكماً فهو حكم، ثم استقر رأيي، لما وليت قضاء همذان على أنه ليس بحكم؛ لاحتمال أن المراد تصحيح الكتاب وإثبات الحجة.
قال: وإذا كتب الكتاب أحضر شاهدين، أي: عدلين ممن يخرج إلى ذلك البلد، ويقرأ [عليهما الكتاب]، أو يقرأ عليه وهو يسمع؛ كي لا يحرف منه شيء، [ولا فرق] في الحالة الأخيرة بين أن يكون القارئ غير الشاهدين أو هما.
نعم، إن كان القارئ غيرهما، فقد قال الشافعي- رضي الله عنه-: وأحب للشاهدين أن ينظر في الكتاب عند قراءته؛ كي لا يغير منه شيء أو يسقط.
وهذا على وجه الاستحباب؛ كما صرح به [في] "المهذب" وغيره؛ لأنهما يؤديان ما سمعاه.
قال: ثم يقول لهما: اشهدا علي أني كتبت إلى فلان بن فلان بما سمعتما في هذا الكتاب؛ لأن بذلك يصح التحمل عنه، وليس بعده غاية تفعل، لكن قوله: اشهدا عَلَيَّ، مذكور على وجه التأكيد، حتى لو قال لهما بعد القراءة: هذا كتابي إلى فلان، ولم يسترعهما، ولا قال [لهما]: اشهدا علي بما فيه، كفى، كذا جزم به القاضي أبو الطيب، وتبعه ابن الصباغ وغيره.
وحكى الماوردي وجهاً: أنه لا يكفي؛ بناءً على منع الشهادة على المقر من غير استرعاء المقر المشهود، وهذا ما اقتضى كلام صاحب "الإشراف" عند الكلام في صفة الشهادة أنه المذهب.
وعن ابن كج رواية وجه: أنه يكفي مجرد القراءة عليهما.
قال الأصحاب: وإذا تم التحمل وضعا خطهما فيه قبل غيبوبته عنهما، ويختماه بختمهما، وكذلك القاضي يختمه بختمه، لكن ختم [الشهود يكون في الباطن، وختم] القاضي يكون في الظاهر، ويذكر في الباطن صفته كما تقدم، وهذا أيضاً على وجه التأكيد والاحتياط؛ لأن المعتبر عندنا ما يذكره الشاهدان، حتى لو

حضر الكتاب وهو مفتوح بعد ختمه، أو قد انمحى- عمل بما يذكرانه، ولم يضر ذلك، بل لو ذكر الشاهدان شيئاً وفتح الكتاب، فوجد [ما فيه] مخالفاً لما ذكراه- عمل بقولهما؛ كما صرح به القاضي الحسين والإمام عن الأصحاب.
ولو غاب الكتاب عنهما قبل إثبات خطهما فيه فقضية ما ذكرناه: أنه لا يضر ذلك.
وفي "الحاوي": أنه لا يصح هذا التحمل؛ لأنه يحتمل أن يبدل في الغيبة بغيره.
ثم ما ذكرناه من الختم محله- كما قال الماوردي- إذا لم يكتب للكتاب نسخة، ورأى القاضي أن يقره مع الطالب، فلو رأى أن يقره مع الشاهدين فالأولى ألا يختمه؛ ليتدارساه [ويحفظا ما فيه] حتى يشهدا به إن ضاع أو انمحى.
ولو كتب للكتاب نسختين؛ لتكونا مع الشاهدين- كان أولى، وقد أشار إلى ذلك الشافعي- رضي الله عنه- بقوله: وينبغي أن يأمرهم بنسخ كتابه في أيديهم، ويوقعوا فيه شهادتهم.
قال في "البحر"- حكاية عن الأصحاب-: والأولى أن تكون كتابة النسختين قبل [أن يقرأ القاضي الكتاب] عليهما؛ لتكون نسخة كل واحد معه حالة القراءة يقابل بها.
وابن الصباغ والبندنيجي قالا: ينظر في الكتاب: فإن كان ما فيه قليلاً يحفظانه اعتمد على حفظهما، وإن كان كثيراً كتب كل واحد منهما نسخة، وقابل بها؛ لتكون معه يتذكر بها ما يشهد به.
قال: فإذا وصلا، أي: غير مرتابين بما في الكتاب، إلى محل ولاية المكتوب إليه قرأا الكتاب على المكتوب إليه، وقالا: نشهد أن هذا الكتاب قرأه علينا فلان بن فلان، وسمعناه وأشهدنا أنه كتب إليك بما فيه؛ لأنه الذي يحملانه، وبه يحصل المطلوب.

وفي "التهذيب" و"الرقم": أن القاضي إنما يفض الختم بعد شهادة الشهود وتعديلهم.
والذي ذكره أبو سعد الهروي: أن القاضي يفتح الكتاب أولاً، ثم يشهد الشهود.
وهذا لا شك أنه خلاف في الأولى؛ لما عرفت أن [في] مذهبنا عدم اعتبار الختم من أصله.
ولا يكفي في ذلك لفظ الخبر، كما قال الماوردي، وهو منطبق على قول القاضي أبي الطيب وابن الصباغ وغيرهما: إنه لا يكفي اقتصارهما على قولهما: إن هذا كتاب فلان؛ لأنه يجوز أن يكون كتابه ولكنه لم يشهدهما عليه.
وأوجب القاضي أبو الطيب أن يقولا: أشهدنا في مجلس حكمه؛ لأن قول القاضي لا يصح إلا في مجلس حكمه.
قال في "المرشد": وفي هذا نظر.
ولمي بينه.
ولو تشككا في شيء مما في الكتاب لم يصح أداؤهما، ولو ورد الكتاب عليه وهو في غير محل ولايته لم يقبله، ولا يفضه ولا يسمع الشهادة؛ لما تقدم.
وقد اعتبر الماوردي في صحة الأداء أن يصل الكتاب إلى القاضي بمشهدهما، إما من أيديهما أو من يد الطالب بحضرتهما، فلو لم يشهدا حضوره لم يصح الأداء.
واعتبر في "الإشراف" في قبول الشهادة أن يقول [الشاهد]: أشهد أني أعرف فلان القاضي بعينه ونسبه، وأنه قاض في موضع كذا جائز القضاء.
قال: ولو قالا: نشهد أنه كتب إليك بهذا ولم يقرأا، أي: وكان القاضي الكاتب قد قرأه عليهما- لم يجز، أي: قبوله وإن كان مختوماً؛ لأنه ربما زور الكتاب عليهما وكذا ختمه، ولأن المقصود ما فيه، وهو مجهول عند القاضي قبل القراءة، والشهادة بما يجهله القاضي غير مسموعة، وما ذكره الشيخ هو ما نص عليه الشافعي- رضي الله عنه- كما نقله في "البحر"، ومثله يجري فيما لو أدرج [القاضي] الكاتب الكتاب قبل القراءة، وقال لهما: اشهدا علي أن مضمون هذا

الكتاب قضائي، فيكون التحمل فاسداً، وهو ما جازم [به] القاضي أبو الطيب وغيره، وطردوه فيما لو كتب كتاب وصيته، ولم يقرأه.
والبندنيجي جعل مسألة الوصية أصلاً لمسألة القاضي، وحكى الماوردي في مسألة كتاب القاضي وجهاً في صحة التحمل؛ لأنها شهادة بكتاب معين، ونسبه الإمام إلى الإصطخري وقال: إنه متروك عليه غير معدود من المذهب.
ثم أيده بعد ذلك، وقال: إن الوجه جوازه.
وقد روي عن الإصطخري والماوردي والمصنف زيادة على ذلك، وأنه قال: لو لم يشهد الكاتب أحداً بل كان المكتوب إليه يعرف خط الكاتب وختمه، واتصلت بمثله كتبه جاز قبوله؛ لأن كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مقبولة، ويعمل بها من غير شهادة، وهذا ليس بشيء؛ لما ذكرناه، وادعى الإمام أنه غلط لا شك فيه؛ فإن الكتاب لا تعويل عليه، والخط لا اعتبار به.
قال الماوردي: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت الرسل الحاملة لها تشهد بها مع أنها تجري مجرى الأخبار التي يخفى حكمها؛ لعموم إلزامها، والشهادة محمولة على الاحتياط تغليظاً؛ ولهذا لا تثبت الشهادة بالخط إذا كتب بها الشهود، وإذا تمت الشهادة عند [المكتوب] إليه، احتاج في إنفاذ حكم الكتاب إلى ثبوت عدالة شاهدي الكتاب عنده، ولا يكفي تعديل الكاتب لهما في كتابه؛ لأن في ذلك قبول شهادة الإنسان بعدالته، وقد نسب إلى القفال الشاشي الاكتفاء به، وغلطه الإمام فيه، وقال: إنه معدود من هفوات هذا الإمام.
قلت: وقد يشبَّه هذا الخلاف بخلاف قد حكي عن رواية الروياني في "الروضة" فيما لو شهد على الكتاب الشاهدان اللذان ثبت بهما الحق عند الكاتب، لكن الذي جزم به في "الإشراف" في هذه الصورة: القبول؛ لأن القبول فعل الحاكم والشهادة عليه، ولأنهما لو شهدا عند القاضي الثاني بما شهدا [به] عند الأول جاز.
وذكر عقيب هذا الكلام [أن] الأستاذ أبا طاهر قال: وعلى هذا أدركت القضاة من غير

نكير من العلماء، وعليه تفقهت وفقهت الناس.
قلت: وقد يفهم من هذا أن هذا الكلام عائد إلى هذا الفرع، كما فهمه الرافعي وغيره، والذي وقع لي أنه عائد إلى ما ذكره قبله، وهو أن شاهد الأصل إذا زكاه شاهد الفرع جاز، وأن أحد الشاهدين إذا زكى الآخر جاز، ويؤيد ذلك أنه قال بعد قوله: "وفقهت الناس": ولولا جواز هذا لما جازت شهادة أب وابن لأجنبي، وإحدى الشهادتين تكمل الثانية، وهذا التعليل لا يمكن عوده إلى الفرع الذي ذكرناه، فتأمله! والله أعلم.
وفي "أدب القضاء" لابن أبي الدم: أن الشاهدين إن قالا للحاكم الثاني: أشهدنا الحاكم على نفسه بثبوت الحق عنده، وأنه حكم به، ولم يذكرا أنه ثبت عنده بشهادتهما في لفظ أدائهما، وكان الحاكم الكاتب قد ذكر في الكتاب اسميهما- ففي سماع شهادتهما وتنفيذ حكم الكتاب [بقولهما] خلاف عند الأصحاب، والأصح: أنها تسمع وتنفذ.
وإن قالا: أشهدنا الحاكم الكاتب أنه ثبت الحق عنده بشهادتهما وحكم بها، ثم أشهدنا على نفسه بذلك- قالوا: فهل ينفذه المكتوب إليه؟ فيه خلاف مطلق.
وقال أبو علي الثقفي: تسمع وتنفذ قولاً واحداً، وعلى هذا تفقهت وفقهت الناس فيما وراء النهر.
حكى هذا عنه الشيخ أبو علي في "شرحه الكبير".
فرع: لو أراد الشاهدان أن يمسكا الكتاب ويشهدا بمضمونه، قال في "الحاوي": إن كان قد انمحى ما فيه أو معظمه لم يلزمهما إيصاله، وإن بقي ما فيه أو معظمه حرم إمساكه، ولم يمنع من صحة الشهادة.
تنبيه: في قول الشيخ: أحضر شاهدين، ما يعرفك أنه أراد رجلين؛ لأن شهادة رجل وامرأتين- وإن صدق عليهما اسم شاهدين- لا يحصل بهما نصاب الشهادة فيا لمال، فكيف بك ها هنا؟! بل لو شهد على الكتاب رجل وامرأتان وهو متضمن ما يثبت بشهادة النسوة، لم يثبت.

وعن ابن كج رواية وجه في ثبوته برجل وامرأتين إذا تعلقت الحكومة بمال، وذكر أنه لو كان كتاب القاضي في رؤية هلال رمضان كفى شهادة واحد، فأجرى الكتاب مجرى المكتوب به، وأنه لو كتب في الزنى وجوزناه في العقوبات، [فهل يثبت] بشهادة رجلين، أم لابد من أربعة؟ فيه وجهان كالقولين في الإقرار بالزنى.
قال: وإن مات القاضي الكاتب [أو عُزل]، أو مات المكتوب إليه [أو عزل وولي غيره- حمل الكتاب إليه] وعمل به.
أما في الأولى؛ فلأن الكتاب إن تضمَّن الحكم كان العمل به متفقاً عليه، كما حكاه القاضي أبو الطيب، وإن لم يتضمن سوى الثبوت؛ فلأن الحاكم الكاتب أصل لشاهدي الكتاب، وهما باقيان، وفرع لمن شهد عنده، وتغير حال الأصل الذي هو فرع لغيره، لا يمنع من ثبوت الحكم بشهادة فرعه، دليله: ما لو أشهد شاهدا الفرع على شهادتهما فرعين ثم ماتا؛ فإنه يحكم بشهادة الفرعين لكونهما أصلاً.
وفي "البحر": أن بعض أصحابنا بخراسان قال: إن الكتاب يخرج بموت الكاتب عن أن يكون بينة.
وهو غلط.
وأما في الثانية؛ فلأن الاعتماد على ما [يؤديه الشاهدان] لا على الكتاب؛ ألا ترى أنه لو انمحى أو ضاع جاز للمكتوب إليه أن يسمع الشهادة ويحكم بها، وإذا كان المعول عليهما [فهما حاضران].
قال الإمام: وما وقع من التخصيص فهو إقامة رسوم غير ضائرة ولا قادحة، والدليل عليه أن التخصيص إنما يتخيل من تولية أو استنابة، وليس لهذا القاضي أن يولي أحداً في غير محل ولايته، ولا أن يستنيب بحكم الولاية، وهذا مذهب البغداديين من أصحابنا، ولم يورد القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل