كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال: ويملك الموقوف عليه غلة الوقف أي: من ثمرة وأغصانٍ جرت العادة بقطعها كشجر الخِلَاف.
قال: ومنفعته وصوفه ولبنه أي: وإن قلنا: إن الملك في الرقبة إلى الله تعالى أو للواقف؛ لأنه ليس مقصود الواقف إلا التقرب إلى الله – [عز وجل] – بذلك.
قال المتولي: ولأنها لو لم تملك لصارت العين معطلة مُسَيَّبة، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: 103].
والسائبة – كما قال القاضي أبو الطيب-: أن تلد الناقة عشر بطون كلها إناث، فتُسَيَّب ولا تُحْلَب إلا للضيف، ولا تُرْكب.
والبحيرة: ولدها الحادي عشر إذا كان أنثى، وسمي بذلك؛ لأنهم يبحرون أذنها، أي يشقونها، والبحر: الشَّقُ.
والوصيلة: الشاة تلد خمس بطون، في كل بطن عناقان، فإذا ولدت بطنًا سادسًا قالوا: أوصلت أخاها.
فما ولدت بعد ذلك يكون حلالاً للذكور حرامًا على الإناث.
والحام: الفحل ينتج من ظهره عشر بطون، فيُسَيَّب، ويقال: حمى ظهره؛ فلا يركب.
وإذا ثبت أن ذلك مملوك للموقوف عليه كان له أن يستوفيه بنفسه وبالإجارة والإعارة إذا أمكنت كسائر الأملاك، كما صرح به المتولي، اللهم إلا أن يكون الوقف على أن ينتفع به، كما إذا وقف دارًا على أن يسكنها من يعلِّم الصبيان في هذه القرية؛ فإنه ليس له أن يسكنها غيره بأجرة وبدونها، وكذا إذا وقفها على معين، على المذهب المقطوع به.
وذهب بعض الأصحاب في هذه الصورة – كما حكاه الإمام – إلى أن الشرط فاسد، وهل يفسد الوقف؟ فيه وجهان، فإن صح كان على حكم الإطلاق.
ولو كان الواقف شرط أن يستغل ويصرف [غلته إلى فلان]، فإنه يتعين الاستغلال، ولا يجوز [له] أن يسكنه.
وما ذكرناه [من اللبن] والصوف، وكذا في النتاج – على ما سيأتي – مفروضٌ فيما إذا أطلق الوقف أو شرط ذلك للموقوف عليه، أما إذا وقف دابة على [ركوب] إنسان ولم يشترط [له] الدَّرَّ والنَّسْل، ففي "النهاية": أن من أصحابنا من قال: تخصيص الوقف ببعض المنافع يفسده، ومنهم من قال: الشرط يفسد، والوقف يَعُمُّ.
وفي "الإبانة": أنه لو وقف دابة على رجل للركوب، ولم يجعل درها ووبَرها للموقوف عليه – فللموقوف عليه الركوب وليس له الدَّر والوبر، وحكم الدّر والوبر حكم ما لو وقف شيئاً على زيد ولم يقل بعده على من، ومات زيد.
وفي "الرافعي": أن صاحب "التهذيب" قال ينبغي أن تكون للواقف.
وهذا أوجه؛ لأن النسل والدّر لا يصرف لهما أولاً ولا آخرًا؛ بل هما غير داخلَيْن في الوقف، ونَظَّر جواز الوقف ببعض الفوائد والمنافع خاصةً بما إذا وُقفَ ثور للإنزاء، وقد قالوا: إنه جائز، ولا يجوز استعماله في الحراثة، ولا خلاف أنه [لو] جعل الركوب لشخص والصوف لآخر جاز، وصرح به الإمام.
قال: وإن كانت جارية لم يملك وطأها: إما لانتفاء الملك، أو لنقصه لا بوطء سابق، والوطء لا يباح إلا بزوجية [أو ملك] تام، وبالقيد الأخير يخرج وطء أم الولد؛ لأن نقصان الملك فيها حصل بالوطء السابق، ولا يلزم جواز وطء العبد الجارية التي مَلَّكها له السيد بإذنه على [التقديم]؛ لأن الملك ثَمَّ غيرُ ناقص،
وإنما الناقص المالك، وهي كجارية المجنون يطؤها ولا يتصرف فيها لنقصانه، فلو وطئها فلا حد [عليه] للشبهة، وكذا لا مهر؛ فإنه لو وجب لوجب له، فلو أحبها فالود حُرُّ على كل قول، كما صرح به ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب والبندنيجي، والروياني وقال: إن هذا على القولين معًا.
أي قولنا: إن الملك لله تعالى، أو للموقوف عليه، وقال الرافعي: الأصح: أن ذلك ينبني على أقوال الملك، فإن قلنا: إن الملك له، فلا حد عليه، وإلا فعليه الحد، ولا عبرة بملك المنفعة؛ كما لو وطئ الموصى له بالمنفعة الجارية.
وهذه طريقة المتولي واختارها القاضي الحسين بعد أن قال: [قال] أصحابنا: لا حد عليه.
وما ذكره الرافعي في الأمة الموصى بمنفعتها يفهم أنه لا خلاف في وجوب الحد عليها، وليس كذلك؛ بل الصحيح عنده – وبه جزم بعضهم، كما ستقف عليه في باب الوصية-: أنه لا حد عليها أيضاً.
ثم قال الرافعي: ولا يجب عليه المهر بكل حال، وإن أحبلها، فإن أوجبنا الحد فهو كولدها من غيره – وسيأتي حكمه – وإن لم نوجبه فهو حر.
وهل يغرم قيمته؟ ينبني على أنه [يكون] موقوفًا أم لا؟ فإن قلنا بالأول غرم إذا قلنا: إن الموقوف إذا أتلف [اشترى] بقيمته ما يقوم مقامه، وإلا فلا غرم، وهل تصير الجارية أم ولد [له]؟
ينظر: إن قلنا: لا ملك له، فلا.
[وإن] قلنا: إن الملك له، صارت أم ولد له، جزم به ابن الصباغ.
وقال القاضي الحسين: على الظاهر من المذهب.
وقاله في "الوسيط": على الأصح.
وإيراد الماوردي يقتضي ترجيح خلافه؛ فإنه حكى: أنها لا تصير أم ولد، ثم قال: وكان بعض أصحابنا يجعلها أم ولد له، وإن كان لا ينفذ إعتاقه؛ لأن حكم الاستيلاد
أقوى لكونه يثبت بغير الاختيار.
وقد حكى غيره الوجه في نفوذ إعتاقه.
ثم إذا جعلناها أم ولد عَتَقَتْ بموته، وتؤخذ قيمتها من تركته بلا خلاف، كما قاله البندنيجي والماوردي والمحاملي، والقاضيان أبو الطيب والحسين، وتصرف إلى ثمن جارية تكون وقفًا على قولٍ، وعلى قول تصرف إلى البطن الثاني؛ لأن حالةَ استحقاق القيمة يكون الوقف منتقلاً إليهم، ويكون حكمها كما لو قتل الموقوف [عليه]، وسيأتي.
وحكم الواقف في امتناع الوطء – وإن قلنا: إن الملك له – حكم الموقوف عليه، بل من طريق الأولى؛ لأن المنفعة ليست له، وإذا وطئ وقلنا: لا ملك له، وانتفت الشبهة – واجب عليه الحد، والولد رقيق، ولا تكون الجارية أم ولد، وإن قلنا: الملك له، فلا حد، وإن أتت بولد فهو حر، وفي نفوذ الاستيلاد الخلاف في استيلاد الراهن؛ لتعلق حق الموقوف عليه بها، وهاهنا أولى بالمنع، وهو الذي حكاه في "الحاوي"، وكذلك في "البحر" ونسب [غيره] إلى الخراسانيين وقال: [إن] غيره ليس بشئ، والمهر لازم بكل حال.
ولو كان الوطء بشبهة فالود حر، وعليه قيمته، ولمن تكون؟ فيه الخلاف الآتي، وتصير أم ولد إن ملَّكناه على أريٍ، فتعتق بموته، وتؤخذ قيمتها من تركته، وفيما يفعل بها الخلاف الآتي.
واعلم أن كلام الأصحاب يقتضي: أنا إذا حكمنا بكون الجارية الموقوفة أم ولد عند استيلاد الموقوف عليه لا نحكم ببطلان الوقف قبل موته، وكذلك جزموا بأخذ القيمة من تركته.
وقال الماوردي: إنها لو كانت في حياة المستولد لا غرم عليه؛ لأن الوقف باق
لبقاء رقها، وكذلك قالوا فيما إذا حكمنا بكونها أم ولد للواقف إذا استولدها؛ تفريعًا على أن الملك له.
وحكى الإمام [عن الأصحاب] في هذه الصورة: أن بطلان الوقف بعد حكمنا بالاستيلاد يخرج على أن المستولدة هل يصح وقفها ابتداء أم لا؟
فإن حكمنا بصحته بقى الوقف فيها مع ثبوت الاستيلاد.
ثم حكى عن الأصحاب [أنهم قالوا] في الصورة الأولى: إن بقاء الوقف يخرج على هذا الخلاف، واعترض عليه بأنا لا نثبت الاستيلاد في الموقوفة للموقوف عليه إلا بتقدير نقل الملك إليه بالكلية، مع إثبات الملك الذي أفاده الوقف، ومسافة يوجب إحلالها، فإذا حلت فليس هذا من جنس الملك الذي كان بسبب الوقف، قيل: فكيف تكون له مملوكة بالوقف ومنتقلة إليه بالاستيلاد؟!
وهذا تناقض لا سبيل إلى التزامه، وليس هذا مما إذا وقع التفريع على أن الملك للواقف وقد استولد؛ فإنه إذا كان يقف مستولدته ابتداء فلا يمنع بقاء الوقف مع الاستيلاد انتهاءً، وكل واقف إنما يقف خالص ملكه؛ فيلزم من ثبوت الاستيلاد في حق الموقوف عليه بطلان الوقف، ولا ينقدح سواه، ومن قال من أصحابنا ببقاء الوقف مع ثبوت الاستيلاد يلزمه ألا يبيح المستولدة للموقوف عليه، وهذا خَبْطٌ عظيم، ثم إذا حكمنا ببطلان الوقف باستيلاد الواقف أو الموقوف عليه كان الاستيلاد بمثابة استهلاك الوقف، [وسيأتي].
انتهى.
وهذا خلاف ما ذكره العراقيون والقاضي الحسين والمتولي وغيرهم، والمُحْوِج إليه تقديرُ انتقال ملك مستجد للموقوف عليه، ولا ضرورة بنا إليه؛ لأنا حكمنا بكونها أم ولد لأجل الملك الحاصل له بسبب الوقف، لا بتقدير ملك غيره، والله أعلم.
فرع: إذا أعتق الواقف العبد الموقوف، وقلنا: إن الملك له، لم ينفذ على الأصح، وعلى مقابله وجهان:
أحدهما: تؤخذ قيمته ويشتري بها عبد مكانه.
والثاني: لا، بل يعتق، وتبقى منفعته للموقوف عليه؛ كما لو أوصى برقبة عند لإنسان وبمنفعته لأخر، ثم أعتقه الموصي له بالرقبة – ينفذ عتقه، وتبقى منفعته للموصى [إليه بها]، كذا قاله القاضي الحسين، وأجرى الخلاف في نفوذ عتقه فيما إذا أعتقه الموقوف عليه، وقلنا: [إن] الملك له.
قال: وفي التزويج ثلاثة أوجه:
أحدهما: لا يجوز بحال؛ لأنه ينقص قيمتها ومنفعتها، وربما تتلف بالولادة، وفي ذلك إضرار بمن يأتي، و [هذا] هو الأصح في "تعليق" القاضي الحسين، و [قد] قال في "البحر": كذا قال عامة الأصحاب، والصحيح في غيرهما خلافه؛ لما في ذلك من تحصينها.
والثاني: يجوز للموقوف عليه لأنه عقد على منفعتها فأشبه الإجارة، وهذا بناء على قولنا: الملك له، ولا يحتاج إلى إذن الحاكم.
والثالث: يجوز للحاكم [أي: بإذن] الموقوف عليه؛ لتعلق حقه بها، وهذا بناء على قولنا: الملك لله تعالى، وهو المختار في "المرشد"، وفي المسألة قول آخر: أنه يجوز للواقف إذا قلنا: الملك له، ويستأذن الموقوف عليه، وهذا جواب المعظم، وفي "الوسيط": أن السلطان إذا زوج هل يستشير الموقوف عليه، [وفي أنه هل يستشير الواقف ويلزم مثله في استشارة الواقف إذا زَوَّجَ الموقوف عليه]، وقد صرح به مجلي.
وفي "الحاوي": أن ولاية التزويج للوالي على الوقف، سواء كان أجنبيًا، أو
الواقف، أو الموقوف عليه، أو الحاكم، وبه جزم.
فرع: لا يجوز للموقوف عليه أن يتزوجها إن قلنا: [لا ملك] له، وإن قلنا [الملك له]، فقد قيل بجوازه، وهو ما جزم به الإمام، وصاحب "الوسيط"، وفي "الرافعي": أن الظاهر المنع.
ثم على قولنا بامتناع التزويج بناء على أن الملك له: لو تزوج بأمة، ثم وقفها سيدها عليه فهل ينفسخ النكاح؟ فيه وجان قربهما الإمام مما إذا ملك الابن زوجة أبيه، والمكاتب زوجة سيده، مع أنهما ممنوعان من التزويج ابتداء.
قال: وإن وطئت أي: بشبهة أو مكرهة أخذ الموقوف عليه المهر؛ لأنه بدل منفعتها، وهكذا الحكم إذا زُوِّجت، وادعى القاضي الحسين فيه نفي الخلاف، وفي "الحلية" [في الأولى] ثلاثة أوجه، هذا أحدها، ولم يُبِنْ ما عداه، ولم أره في غيره.
قال مجلي: ويحتمل أن يكون الآخران:
أحدهما: يُشترى به عبد، ويكون وقفًا.
والثاني: يكون للواقف كما جعلنا التزويج إليه على قولٍ.
قلت: ويظهر فيهما شيء آخر إن صح النقل، وهو أن يقال: الوقف إنما يقتضي تمليك المنافع المعتادة كما قلنا: إذا أوصى له بمنفعةِ جاريةٍ لا يملك الموصَى له منفعة البُضْع على وجه؛ لأن الوصية إنما تقع بالمنافع المعتادة، ومنفعة البضع ليست منها، وإذا كان كذلك؛ فيكون بمنزلة ما إذا وقف دابة لاستيفاء بعض منافعها، وسكت عن باقيها، وقد تقدم ذكر ذلك.
قال: وإن أتت بولد أي: من نكاح أو زنى فقد قيل: يملكه الموقوف عليه ملكًا [يملك التصرف] فيه بالبيع وغيره؛ لأنه نما الوقف فأشبه الثمرة، وهذا أظهر في "الرافعي"، واختاره في "المرشد"، وقيل: هو وقف كالأم؛ لأن كل حكم يثبت لأم لأمرٍ ما يثبت لولدها تبعًا؛ لحرمة الاستيلاد، وهذا أصح في "الجيلي"، وهكذا الحكم فيما لو وقف شاة أو غيرها فنُتِجَتْ ففي ولدها الوجهان، وجزم أبو الفرج السرخسي بالوجه الأول في النعم؛ لأن المطلوب منها الدر والنسل، وذكر الوجهين في ولد الفرس والحمار، وحكى وجهًا ضعيفًا: أنه لا حق فيه للموقوف عليه، بل يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف، إلا إذا صرح بخلافه، وقد صرح به الماوردي، في ولد الجارية ونسبه إلى ابن أبي هريرة.
وهذا كله في الولد الحادث بعد الوقف، أما إذا كان موجودًا حال الوقف، فإن قلنا:
الحادث يكون وقفًا، فهذا أولى، وإلا فوجهان بناء؛ على أن الحمل هل يعلم أم لا؟ وفي "الحاوي" أنا إذا قلنا: [إن] الحمل لا يعلم يكون للواقف، أما إذا وطئت بشبهة فعلى الواطئ قيمة الولد وهو للموقوف عليه، إن قلنا: ولد الزانية له، وإن قلنا: إنه يكون [وقفًا] له، فوجهان حكاهما العراقيون والمراوزة:
أحدهما: أنهما للموقوف عليه – أيضاً – بناء على أن الموقوف إذا أتلف تكون قيمته له.
والثاني: يُشترى بها عبد يوقف مكانه.
قال القاضي الحسين: وكان الفرق على الأول بين القيمة والرقبة: أن الولد مما يجوز ابتداء وقفه، بخلاف القيمة.
قال وإن أتلف الموقوف اشترى بقيمته ما يقوم مقامه؛ مراعاة لغرض الواقف من استمرار الثواب، وتعلق [حق] البطن الثاني وما بعده به، وهذا الطريق هو الأصح في "الشامل"، و"التتمة"، وبه قال ابن سريج، كما حكاه الفوراني والقاضي الحسين واختاره الشيخ أبو حامد وصاحب "المرشد"، ولا فرق بين أن يكون المتلف أجنبيًّا أو الواقف أو الموقوف عليه.
قال: وقيل إن قلنا: إن الملك للموقوف عليه، فهي له؛ لأنها بدل ملكه فعلى هذا: إذا كان المتلف الموقوف عليه فلا شيء عليه.
قال: وإن قلنا: إنه لله تعالى، اشترى بها ما يقوم مقامه أي: ويكون وقفًا؛ لأن القيمة بدل الرقبة وهي لله تعالى فلا يمكن صرفها للموقوف عليه ولا للواقف؛ فتعين صرفها لما ذكرناه، ومثل هذه الطريقة حكاها الفوراني وغيره من المراوزة فيما إذا قلنا: إن الملك للواقف، فعلى وجه: تكون القيمة له، فإن كان هو المتلف فلا شيء
عليه، وعلى وجه: يشتري بها ما يقوم مقامه ويكون وقفاً.
وحكى في "البحر" عن بعض الأصحاب: أنه إذا أتلفه أجنبي أو الواقف كانت القيمة للموقوف عليه يتصرف فيها ويبطل حق الغير من غير بناء، وأن هذا أصح، وهو اختيار أبي حامد.
وعلى هذا قال ابن الصباغ: عندي إذا كان الموقوف عبدًا، وقتله مكافئ له – كان له أن يقتص، وإن قلنا: إنه لله تعالى، فهو كعبيد بيت المال، والظاهر وجوب القصاص، وأطلق في "الحاوي" القول بمنع القصاص، لكن علته ترشد إلى [أن] ذلك مبنى على أن القيمة يشترى بها ما يقوم مقامه.
ولو لم يتلف الموقوف عليه بجملته، [لكنه أتلف] بعضه، مثل: أن كان عبدًا فقطعت يده – فتؤخذ من الجاني نصف القيمة على الأصح، وفي مصرفه طريقان:
أحدهما: البناء على أقوال الملك.
والثاني: القطع بأنه يشتري به عبدًا [أو بعض عبد] يكون وقفًا؛ كالأصل، فإن لم يمكن أن يشتري به بعض عبد فثلاثة أوجه:
أحدها: يستبقى على حاله تبعًا لأصله.
والثاني: يكون ملكًا للموقوف عليه.
والثالث: يُرد إلى أقرب الناس إلى الواقف كما قيل في الولد.
كذا حكاه الماوردي، وحكى عن بعض أصحابنا: أنه جعل الأرش وقفًا وإن أمكن السراية، ثم قال: وهذا لا وجه له؛ لأن وقف القيم والأروش لا يصح.
وجزم بعدم استيفاء القصاص في الطرف، وإن كان القطع عمدًا من مكافئ.
وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه: أن أرش الطرف يصرف للموقوف عليه على كل قول، وينزل منزلة المهر والأكساب.
تنبيه: في قول الشيخ: اشترى به ما يقوم مقامه، ما يعرفك أنه لا يحتاج بعد شرائه إلى وقفه، وهو وجه حكاه أبو العباس الروياني في "الجرجانيات"، مع وجه آخر
جزم به المتولي والإمام عند الكلام في جفاف الشجرة، وأشار إليه القاضي الحسين في "تعليقه": أنه لا بد من إنشاء وقفه، وقال: إن الذي ينشئه الحاكم.
قال الرافعي: ويشبه أن يقال: من يباشر الشراء يجدد الوقف، وقد اختلفوا فيمن يباشر الشراء:
قيل: إن قلنا إن الملك لله تعالى، فيشتريه الحاكم.
وإن قلنا: إنه للموقوف عليه، فهو المشتري.
وإن قلنا: للواقف، فوجهان، وجه المنع: أنه لا يملك المنافع والفوائد، وفيه أيضاً ما يفهم [أنه] لا يجوز إذا كان الموقوف عبدًا أن يشتري بدله جارية، وبالعكس كما صرح به غيره، وإن اختلفوا في أنه هل يجوز أن يُشترى عبد صغير بقيمة الكبير أو بالعكس، على وجهين.
فروع:
إذا خرج الموقوف عن أن يكون منتفعًا به على النعت الذي وقف عليه بفعل غير مضمون، نظر: فإن لم يبق منه شيء ينتفع به، كما إذا كان عبدًا فمات فقد فات الوقف، وإن بقى ما يمكن الانتفاع به نظر: فإن كان لا يمكن الانتفاع به إلا بذهاب عينه، كحُصُر المسجد الموقوفة إذا بَلِيَتْ، وجِذْعه المنكسر بحيث لا يصلح إلا للوقود، ونحاتة أخشابه في البخر، وأستار الكعبة إذا لم يبق فيها منفعة ولا جمال، ففيما يفعل بذلك وجهان حكاهما البندنيجي وغيره.
أحدهما: لا تباع؛ لأنها عين الوقف، بل تترك بحالها أبدًا؛ كما لو وقف أرضًا فخربت.
وهذا بعيد عند الإمام لا اتجاه له، وقال القاضي أبو الطيب مرة: إنه لا يعرف غيره لأصحابنا، وقال مرة أخرى: إن فيه وجهين.
كما حكاه في "البحر" عنه.
والثاني – وهو الأصح في "الرافعي" و"التهذيب" و"شرح" الشيخ أبي علي [السنجي]، كما حكاه في "الزوائد" عن القفال [عنه، و] قال الإمام: إنه الذي
قال به الأئمة-: أنها تباع، وإلا فتَضِعْ ويضيق المكان بها من غير فائدة، وعلى هذا تصرف في مصالح المسجد.
قال الرافعي: والقياس: أن يُشترى بثمن الحُصر حصرٌ، ولا يصرف لمصلحة أخرى.
وفي "البحر": أن بعض أصحابنا قال في جذع المسجد ونحاتة أخشابه إذا طُبِخَ للمسجد جِصُّ وما يتعلق بمصلحته جاز أن يوقد تحته، فأما بيعه فلا يجوز.
وإن أمكن أن ينتفع به مع بقاء عينه في منفعة أخرى بأن كان الجذع يمكن أن يتخذ منه باب أو ألواح، قال في "التتمة": يجتهد الحاكم ويستعمله فيما هو أقرب إلى مقصود الواقف، وإن كان شجرة فجفت أو قلعها الريح فحاصل ما ذكر في ذلك أربعة أوجه:
أضعفها: أن الوقف ينقطع كما لو مات العبد، ويعود الحطب ملكًا للواقف.
والثاني – وهو اقرب من الأول-: أنها تعود ملكًا للموقوف عليه.
والثالث: يباع، لتعذر الانتفاع به بشرط الواقف، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وما يصنع بثمنه فيه الخلاف السابق في قيمة ما أتلف من الوقف، و [قد] صدر البندنيجي كلامه [هنا] بأنها تصرف للموقوف عليه، ثم قال: والأولى أن يقال: يشتري بها ما يقوم مقامها؛ وهو اختيار صاحب "المرشد".
والرابع: وهو الأصح-: لا يباع ولا ينتقل ملكًا لأحد، بل ينتفع بإجارته جِذْعًا إن لم يكن في استيفاء منفعته استهلاكه، وإن كان فالأصح: أنها تكون للموقوف عليه.
وزَمَانة العبد الموقوف، قال الرافعي: كجفاف الشجرة.
وفي "البحر" حكاية عن القاضي أبي الطيب: أن بيعه لا يجوز، ولا يختلف أصحابنا فيه.
وفي "الحاوي": الجزم بجواز بيع الدابة الموقوفة عند زمانتها، وأنه يستبدل بثمنها؛ لأن للدابة مؤنة إن التُزِمَتْ أًجْحَفَتْ.
وقال: يحتمل [عندي] في العبد [الموقوف] وجه: أنه يجوز بيعه؛ قياسًا على الدابة، وهو موافق لما جزم به فيما إذا جنى العبد الموقوف عمدًا في طرف [واقتص منه؛ حيث قال: إن بطلت منافعه بيع، واشترى به عبد نافع يكون وقفًا مكانه؛ كالبعير إذا عطب].
وإشراف الدار على الانهدام، والجذع على الانكسار: هل يجوز بيعه؟ قال الرافعي: فيه الخلاف.
يعني الخلاف الذي في الحصر إذا بَلِيَتْ، وهذا يقتضي أن يكون الصحيح عنده الصحة أيضاً، وينبغي أن يكون هذا مفرَّعًا على جواز البيع [إذا انكسر] الجذع، أما إذا منعنا ثَمَّ فهاهنا أولى، وقد حكى الإمام عن الأكثرين منع بيع الدار، ثم إذا جوزنا البيع كان في مصرف الثمن الخلاف في قيمة ما أتلف، وصحح الإمام طريقة صرف الثمن إلى جهة الوقف، وقال فيما عداها: إنه لا أصل له في هذا المقام.
[وإذا قلنا] بأنه يكون للموقوف عليه، فقال: لا تبيعوها وأقِلُّوها إلى ملكي – فالمذهب: أنه لا يجاب، بل ارتفاع الوقف على هذا موقوف على البيع، وأبعد بعض الأصحاب فأجابه، وزعم أنه ينقلب ملكًا من غير عقد وقول.
قال الإمام: وهذا في غاية الضعف.
ولو كان الموقوف حيوانًا مأكولاً وانتهى إلى حالة يقطع بموته إن لم يذبح، قال في "التتمة" يجوز ذبحه للضرورة، وهل يباع لحمه ويشترى به ما يقوم مقام
الأصل، أو يصرف للموقوف عليه أو للواقف؟ فيه الخلاف المذكور في بدل ما أتلف، ولو لم يذبح حتى مات فالموقوف عليه أولى بجلده، وإذا دبغه ففي عوده وقفًا وجهان في "التتمة"، والظاهر: العود.
ولا خلاف في أن المسجد إذا انهدم، وخربت المحلة، وتفرق الناس عنها، وتعطل المسجد – فلا يعود ملكًا بحال، ولا يجوز بيعه؛ كالعبد إذا عَتَقَ في زمن، ولأن الانتفاع به في الحال بالصلاة في العَرصْة ممكن، [لكن] لو خيف من أولي الفساد والعَرَامة نَقْضُ بنائه [وأَخْذُهُ]، نقض وحُفِظَ، وإن أراد الحاكم أن يعمر بنقضه مسجدًا آخر؛ جاز، وما كان أقرب إليه كان أولى، ولا يجوز صرفه في عمارة رباط أو مدرسة وبئر وحوض؛ كما لا يجوز صرف آلة الحوض وغيره إلى عمارة مسجدٍ.
قال المتولي: إلا أن يؤخذ ذلك الحبس فيصرف إلى نوع آخر للضرورة، وعلى هذا: إذا كان على هذا المسجد أوقاف وقد خربت، قال المتولي: يصرف الحاصل من رَيْعه إلى عمارة مسجد آخر، بخلاف ما لو وقف على ثغر من الثغور فيعَطَّل: إما لاتساع رقعة الإسلام، أو لاستيلاء الكفار عليه – فإنه يجمع رَيْعُ وقفه؛ رجاء أن يعود، ولا يجوز صرفه إلى غيره.
ولو وقف على قنطرة، فانخرب الوادي، وتعطلت تلك القنطرة، واحتيج إلى قنطرة أخرى – جاز النقل إلى ذلك الموضع.
قال أبو عاصم العبادي: بخلاف المسجد الذي باد أهله؛ حيث تبقى عمارته، ويعمر بعد ما خرب إن أمكن، ليصلي فيه المارة.
فرع: إذا عمر المسجد الخراب إنسان ولم يوقف الآلة، قال في "البحر": كانت عارية له يرجع فيها متى شاء.
قال: وإن جنى خطأ وقلنا هو له أي: للموقوف عليه – فالأرض عليه؛ لأنها جناية
صدرت من مملوكه الذي لا يقدر على بيعه فوجب [عليه] كجناية أم الولد، وهكذا الحكم فيما إذا قلنا: إن الملك للواقف يكون الأرش عليه.
قال وإن قلنا: لله تعالى، فقد قيل في ملك الواقف؛ لأنه منع البيع بسبب من جهته وهو الوقف؛ فأشبه سيد أم الولد، وهذا قول أبي إسحاق، وهو الأصح في "المهذب" وغيره.
وقيل: في بيت المال؛ لأنه إيجابه على الواقف والموقوف عليه متعذر؛ لزوال ملكهما، وتعلقه بالرقبة غير ممكن؛ لأنه لا يتعلق إلا بما يمكن بيعه، ولا ذمة له تنتظر؛ فوجب في بيت المال؛ كالحر المعسر إذا جنى خطأ ولا عاقلة له.
ويفارق هذا أم الولد؛ لأن حكم الملك باق لسيدها، مع أنه يمكنه التخلص من عهدتها بعتقها.
وقيل: في كسبه؛ لأن محله كان للرقبة، فإذا تعذر [تعلقه بها تعلق] بأقرب الأشياء إليها وهو الكسب المستفاد منها لحقوق النكاح، وبالقياس على النفقة.
وعلى هذا: فلو لم يكن له كسب لم يجز إلا الوجهان السابقان، ثم أضعف الوجوه – كما قال الروياني-: إيجابه على الموقوف عليه؛ لأنه يؤدي إلى الإجحاف به بأن يجني جنايات كثيرة، ويفارق أم الولد؛ لأن هناك في أحد القولين لا يلزم السيد أكثر من قيمة واحدة لجميع جناياتها، وفي القول الآخر: يجب أرش جميع الجنايات عليه؛ لأنه يمكنه التخلص بعتقها، والموقوف عليه لا يمكنه أن يتخلص.
وعلى كل حال: فكل من ألزمناه الأرشَ يلزمه أقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية كما قلنا في جناية أم الولد، [وهكذا حكمُ تكرُّرِ جناية أم الولد].
هذا هو المشهور في طريق العراقيين، وكذلك هو المذكور في "تعليق" القاضي الحسين و"الإبانة".
وفي "النهاية" أنا إذا قلنا: الملك للموقوف عليه، ففيه وجهان:
أحدهما: أن الفداء على الواقف مطلقًا.
والثاني: أنا إن قلنا: إن الوقف لا يفتقر إلى القبول، فهو على الواقف، وإن قلنا: إنه يفتقر [إلى القبول]، فهو على الموقوف عليه؛ لأنه سبب إلى تحقيق المانع من البيع، وقد انضم إليه كونه مالكًا.
[ولا فرق] على الصحيح في إيجاب الغرم على الواقف بين أن يكون الجاني مات عقيب الجناية أو يبقى، وبه قال ابن الحداد.
وفيه وجه: أنه إذا مات عقيب الجناية بلا فصل أنه يسقط الفداء، كما لو جنى القِنُّ ومات، والقائلون بالأول فرقوا بأن القن تعلق الأرش برقبته، فإذا مات فات، وهاهنا تضمين الواقف كان بسبب كونه مانعًا من البيع بالوقف وقد تحقق، وهذا الخلاف يجري فيما إذا جنت أم الولد وماتت.
فرع: إذا قلنا بوجوب الأرش على الواقف، فلو وجدت الجناية بعد موته، قال في "التتمة": لا يفدى من تركته؛ لأنها انتقلت إلى الوارث، والملك في الوقف: ما انتقل إليه، وهذا ما يرشد إليه قول الشيخ في ملك الواقف: وهو بعد الموت لا ملك له، فعلى هذا يتعلق بكسبه في وجه، وفي وجه: يكون في بيت المال.
وفي "الجرجانيات": أنه إن ترك مالاً فعلى الوارث الفداء منه؛ لأن العبد ممنوع البيع بسبب صدر منه في حياته، فلزمه ضمان جنايته في ماله.
قال: ويَنْظُر في الوقف مَنْ شَرَطَهُ الواقفُ، لأنه المتصرف بصدقته فهو أحق من يقوم بإمضائها وصرفها إلى مصارفها، وقد ثبت أن عمر – رضي الله عنه – كان يلي أمر صدقته، ثم جعله إلى حفصة وبعدها إلى ذوي الرأي من أهلها، وأشار في "النهاية" إلى خلاف فيما إذا كان الوقف على معين، وشرط التولية لأجنبي هل يتبع شرطه إذا فرعنا على أن الملك في الوقف للموقوف عليه؟ وعلى الأول لا فرق بين أن يفوض النظر إلى واحد أو إلى أكثر منه.
ويجوز أن يشترط لواحد العمارة وتحصيل الرَّيْع، [و] إلى آخر حفظه وقسمته،
وكذا يجوز أن يشترط لواحد الحفظ واليد، ولآخر التصرف.
قال: فإن شرط النظر لنفسه جاز؛ لأنه من أهل النظر فأشبه غيره، وبل أولى؛ [إذ النظر كان إليه].
[قال]: وإن لم يشترط أي: لنفسه ولا لغيره نَظَرَ فيه الموقوف عليه في أحد القولين؛ لأن النفع والفائدة ترجع إليه.
والحاكم في القول الآخر؛ لأنه يتعلق به حق الموقوف عليه وحق من ينتقل إليه؛ فكان صاحب النظر العام أولى بالنظر فيه.
وفي المسألة وجه آخر حكاه في "المهذب" وغيره: أنه للواقف؛ لأن النظر والتصرف كان إليه، فإذا لم يصرفه عن نفسه بقى على ما كان عليه، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وقال: إنه إذا مات نظر فيه الحاكم.
وبعضهم بنى الخلاف على أقوال الملك، ومنهم من قال إن قلنا: الملك للواقف، فالتولية له، وقيل: للحاكم؛ لتعلق حق الغير به، وإن قلنا: لله تعالى، فهي للحاكم.
وقيل: للواقف إن كان على جهة عامة؛ فإن قيامه بأمر الموقوف [عليه] من تتمة القربة.
وقيل: للموقوف عليه إذا كان على معين.
وإن قلنا: الملك للموقوف عليه، فالتولية له.
وذكر كثيرون: أن التولية في صورة السكوت للواقف، من غير حكاية خلاف ولا بناء على شيء، ومنهم القاضي الحسين، وكذا المتولي كما ذكر هنا؛ تمسكًا بأن عمر وعليًّا وفاطمة – رضي الله عنهم – كانوا ينظرون في أوقافهم [إلى الموت]، وقال في كتاب الإجارة: لا خلاف أن الواقف ما دام حيًّا فله أن يؤاجر وأما بعد موته: فإن جعل النظر فيه لغيره فذاك، وإلا فإن قلنا: الملك للواقف أو لله
تعالى، فالحاكم يتولاه، وإن قلنا: الملك للموقوف عليه، فالمذهب: أن له أن يؤاجر وينفرد بالعقد إن كان واحدًا، وقد ذكر في المسألة وجه آخر: أنه لا يملك الإجارة، وقال الرافعي: الذي يقتضي كلام المعظم الفتوى به: [أن يقال]: إن كان الوقف على جهة عامة فالتولية للحاكم كما في الوقف على المسجد والرباط، وإن كان على شخص معين فكذلك إن جعلنا الملك لله تعالى، وإن جعلناه للواقف أو الموقوف عليه فالتولية كذلك.
واعلم أنه لا بد فيمن ينظر في الوقف – من واقفٍ وغيره – من وصفين: الأمانة، والكفاية في التصرف، سواء كان الوقف على جهة عامة أو على معين مكلف رشيد، أو غير ذلك.
وفي "الوسيط" وجه فيما إذا كان الوقف على بالغ: أنه لا تشترط العدالة.
ولو شرط التولية للأفضلِ فالأفضلِ من بنيه، كان لأفضلهم حالة استحقاق النظر، حتى لو تحدد من هو أفضل ممن كان حال استحقاق التولية فاضلاً لم يكن إليه.
نعم، لو تغير حال الفاضل حالة الاستحقاق فقد صار مفضولاً؛ فتنتقل الولاية إلى من هو أفضل منه، ولو جعلها للأفضل من ولده فهل يختص بالأفضل من الذكور أو بالأفضل من الذكور والإناث؟ فيه وجهان في "الحاوي".
ولو لم يقبل الفاضلُ الولايةَ كانت لغيره، فلو عاد وطلبها بعد الرد ولم يكن من أهل الوقف بطلت ولايته ولم تعد إليه بالطلب؛ كالوصية، وإن كان من أهل الوقف فهل تكون له الولاية؟ فيه وجهان مبنيان على ما إذا لم يشترط النظر لأحد، كذا قال الماوردي.
فروع:
أحدها: الناظر في الوقف على المساجد إذا لم يشترط الواقف النظر لأحدٍ فهو
للإمام، كما دل عليه الكلام السابق، فلو لم يكن سلطان عادل ففي "الرافعي" في كتاب الفرائض: أن لصلحاء القرية صرفه إلى عمارة المسجد ومصالحه إذا قلنا: إن من مات ولا وارث له ولم يكن سلطان عادل-: إن لمن في يده المال أن يصرفه في المصالح بنفسه.
الثاني: لو شرط الواقف للمتولي من الريع شيئاً جاز، وإن كان أكثر من أجرة نفسه كما حكاه الماوردي، اللهم إلا أن يكون هو المتولي فقد تقدم الكلام فيه، ولو لم يذكر شيئاً ففي استحقاق أجرة المثل الخلاف المذكور في مسألة الغسال.
ولو شرط [له] عُشْر الريع أجرة لعمله، ثم عزله – بطل استحقاقه، وإن لم يتعرض لكونه أجرة، ففي "فتاوى" القفال: أن استحقاقه لا يبطل.
الثالث: للواقف أن يعزل من ولاه وينصب [غيره]؛ كما يعزل الوكيل وينصب غيره، وكان المتولي نائبًا عنه، وفيه وجه: أنه ليس له العزل؛ لأن ملكه قد زال فلا تبقى ولايته عليه، ويشبه أن تكون المسألة مفروضة في التولية بعد تمام الوقف، دون ما إذا وقف بشرط أن تكون التولية لفلان؛ لأن في فتاوى صاحب "التهذيب": أنه لو وقف [مدرسة] على أصحاب الشافعي، ثم قال لعالم: فوضت إليك تدريسها، أو: اذهب ودَرِّس فيها – كان له تبديله بغيره.
ولو شرط في الوقف أن يكون هو مدِّرسها، أو قال حالة الوقف: فوضت [تدريسها] إلى فلان – فهو لازم لا يجوز تبديله؛ كما لو وقف على أولاده، وكذا جزم فيها [بأنه] لا يبدل القَيِّم الذي نصبه الواقف قبل موته.
الرابع: قبول المتولي، قال الرافعي: يشبه أن يجيء فيه ما في قبول الموقوف عليه أو الوكيل.
قال: ولا يتصرف الناظر فيه إلا على وجه النظر والاحتياط؛ لأنه نظر في مصالح
الغير فاعتمد هذا المعنى كولي اليتيم، وتصرف الناظر يكون في: العمارة والإجارة وتحصيل الريع وحفظ الأصول والغلات وبيعها؛ ليصرف الثمن والأجرة للعمارة، أو ليقسمه على أرباب الوقف.
قال: فإن احتاج [أي]: الوقف إلى نفقة أي: لكونه حيوانًا، أو احتاج غير الحيوان إلى مؤنة وعمارة تصونه عن الضياع – قال: أنفق عليه من حيث شرط الواقف وَفَاءً بشرطه.
قال في "الإبانة": ويستحب إذا وقف شيئاً أن يقول: يصرف على عمارته من غلته، فما فضل فهو للموقوف عليه، وعلى ذلك جرى الإمام.
قال: فإن لم يشترط أنفق عليه من [غلة الوقف]؛ [الوقوف الانتفاع به] على النفقة فحمل الوقف عليه.
قال: ثم يصرف الباقي إلى الموقوف عليه؛ لأن الرَّيْع كان له [، و] في "تعليق" القاضي الحسين: أن من أصحابنا من قال: إن لم يشترط لم ينفق من كسبه، ويكون الأمر فيها كما لو لم يكن للموقوف ريع لعارض طرأ عليه، وكذلك حكاه الإمام عن بعض المصنفين، والحكم في ذلك: أنه ينظر:
فإن كان حيواناً فزمن أو عطب خرج وجوب النفقة على أقوال الملك، فإن قلنا: [إنه] لله تعالى، كانت في بيت المال، [وإلا وجبت] على من له الملك، فإن حكمنا بأنه للواقف وقد مات كانت في بيت المال أيضاً، ومؤتة [تجهيز]
العبد الموقوف إذا مات كنفقته في حال الحياة.
وإن كان غير حيوان لم يجب على أحد عمارته؛ كالملك الخالص.
وفي "الذخائر" شيء في ذلك لم أر نقله؛ لأن فيه ما يدل على غلط في النقل، وحكم بعض النفقة إذا عجز عنها كحكم كلها.
قال: والمستحب ألا يؤجر الوقف أكثر من ثلاث سنين أي: إذا جوزنا الزيادة عليها كما هو الصحيح، كي لا تطول المدة فيغلب عليه، وقد ادعى القاضي الحسين والمتولي أن الحكام اصطلحوا على منع إجارته [أكثر من ثلاث سنين كمنا ذكرناه.
وفي "أمالي" أبي الفرج: أن المذهب منع إجارته] أكثر من سنة إذا [لم] تمس الحاجة لعمارة وغيرها.
واستغربه الرافعي، وهو مذكور في "النهاية" عند الكلام فيما إذا طلب الوقف بزيادة لكنه لم يذكر لفظ المذهب، بل حكاه عن بعض أصحابنا، ثم قال: إن له اتجاهاً في الوقف على جهات الخير.
ثم على المشهور لو شرط [الواقف]: ألا يؤجر الوقف، ففي طريقة المراوزة ثلاثة أوجه:
أظهرها عند الإمام، والغزالي: أنه يتبع شرطه.
والثاني: المنع؛ لأنه يتضمن حجرًا على مستحق المنفعة.
والثالث: إن منع مطلقاً فلا يتبع، وإن منع الزيادة على سنة اتبع؛ لأنه لائق بمصلحة الوقف، فعلى هذا: لو كان الصلاح في الزيادة على السنة ففي "الزيادات" للعبادي [حكاية وجه]: أنه يزاد.
قال: فإن مات الموقوف عليه في أثناء المدة أي: بعد أن أجر، وقلنا: له الإيجار،
أو كان الواقف قد جعل لكل ناظر أن يؤجر نصيبه، وكانت الإجارة بأجرة المثل- قال: انفسخت الإجارة؛ لأن المنافع بعد موته للنظر الثاني فلا يصح عقده عليها؛ كما لو أجر الموصى له بمنفعة دار مدة عمره الدار، ثم مات قبل فراغها؛ فإنها تنفسخ كما حكاه الرافعي في الإجارة، وهذا قول ابن أبي هريرة، وهو الأصح في "الرافعي" و"تعليق" القاضي الحسين، والأظهر عند الغزالي، واختاره القاضي الحسين [كما] قاله في "البحر" وصاحب "المرشد" فيما إذا لم يكن النظر مشروطًا له ولا مفوضًا إليه من جهة الحاكم، أما إذا كان كذلك فلا ينفسخ.
فعلى هذا: هل ينفسخ فيما مضى؟ فيه قولان.
قال: وقيل: لا تنفسخ؛ لأنه أجر عينًا ملك العقد عليها فأشبه ما لو أجر ملك الطِّلْق، وهذا ما اختاره في "المهذب" كما قاله ابن يونس، والأظهر في "الحاوي"، وقد بنى القاضي الحسين الخلاف على أن البطن الثاني يتلقون من الواقف أو [من] الموقوف عليه؟ فإن قلنا بالأول انفسخت، وإن قلنا بالثاني فلا، وهذا موافق لرأيه في أن الصحيح الانفساخ، ولم يستحسن الإمام الصيدلاني وطائفة عبارة الفسخ؛ لأن الانفساخ يشعر بسبق انعقادٍ، وردُّوا الخلاف إلى أنا هل نتبين البطلان أم لا؟!
ثم على القول الثاني قال: ويصرف أجرة ما مضى إلى البطن الأول؛ لكون [أكثر] المنافع كانت في ذلك [الزمن حقًّا لهم]، وما بقي للبطن الثاني؛ لأن المنافع في هذا الزمن حقٌّ لهم فكان لهم عوضها.
وعلى هذا: فلو كان الأول قد قبض تمام الأجرة رجع الثاني بها في تركته، ولا يطالب المستأجر بشيء، وإن كان الأول مفلسًا، لأن الثاني كما لزمه عقد الأول لزمه قبضه.
أما إذا أجر الواقف أو ناظر من جهته أو الحاكم أو [أمين الحاكم]، ثم
مات البطن الأول – لم تنفسخ الإجارة؛ لأن الذي عقدها له النظر على جميع البطون، قاله ابن الصباغ والماوردي والإمام في كتاب "الإجارة".
ولا تنفسخ بموت الآجر كما صرح به الماوردي.
وحكى الرافعي عن الروياني فيما إذا أجر الناظر، ثم مات الموقوف عليه أولاً أنه تنفسخ، ولو كان قد أجر بدون أجرة المثل؛ لجواز ذلك له- كما صرح به الإمام- قياساً على الإعاقة؛ فيظهر الانفساخ هنا جزمًا.
فرع: إذا أجر الوقف، ثم طُلِبَ بزيادة نظر: إن كان الآجر الموقوف عليه بحكم الملك فلا أثر للزيادة، وإن أجره المتولي بالشرط أو الحاكم فكذلك الجواب على أصح الوجوه؛ قياساً على ما لو باع اليتيم ماله ثم ارتفعت الأسواق.
والثاني: أنه يتبع؛ لأنه يتبين وقوعه على خلاف الغبطة في المستقبل، وعلى هذا: ينفسخ بنفسه، وأبدى الإمام احتمالاً في أنه يتوقف على إنشاء فاسخ.
والثالث: إن كانت الإجارة سنة فما دونها لم يتأثر العقد، وإن كانت أكثر فالزيادة مقبولة، وهذا ما أورده أبو الفرج السرخسي في "الأمالي".
ومحل الخلاف عند الإمام إذا تغيرت الأجرة بكثرة الطالبين، فأما إذا وجدنا زَبُوناً يزيد على أجرة المثل [فلا خير] فيما يزيده ولا حكم له، وغيره فرض الخلاف فيما إذا طُلِبَ بزيادة أو زادت الأجرة.
قال: وتصرف الغلة على شرط الواقف: من الأثرة، والتقديم، والتأخير، والجمع، والترتيب، وإخراج من شاء بصفة، وإدخاله بصفة؛ لأن الصحابة – رضوان الله عليهم- وقفوا وقوفًا وكتبوا شروطهم: فكتب عمر ما ذكرناه في أول الباب، وكتب على كرم الله وجهه: "تصدقت ابتغاء رضوان الله؛ ليدخلني الجنة، ويصرف النار عن وجهي، ويصرفني عن النار، في سبيل الله وذوي الرحم القريب
والبعيد"، وكتبت فاطمة – رضي الله عنها- لنساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفقراء بني هاشم وبني المطلب، ولم ينكر عليهم أحد.
والأثرة- بفتح الهمزة والثاء المثلثة، وبضم الهمزة وكسرها مع إسكان الثاء-: الانفراد [بالشيء]، هذا أصله، ومثاله هنا: وقفت على أولادي بشرط إن كان [فيهم عالم] اختص بالجميع، أو جعل له نصيبان.
ومثال التقديم والتأخير: [أن يقول]: بشرط أن يقدم الأَوْرع منهم بكذا، فإن فضل شيء كان للآخرين، أو يقول: وقفت على أولادي وأولادهم بشرط أن يقدم أولادي، فإذا انقرضوا فأولادهم، أو يقول: وقفت على أولادي وأولادهم بشرط أن يقدم أولادي، فإذا انقرضوا فأولادهم، أو يقول: وقفت على أولادي على أن يكون ريع السنة الأولى للذكور [خاصة] [والسنة الثانية للإناث.
ومثال الجمع]: أن يقول: وقفت على أولادي وأولادهم بشرط أن يقدم أولادي، فإذا انقرضوا فأولادهم، ويطلق؛ فيدخل فيه أولاد البنين والبنات، الصغار والكبار، الأغنياء والفقراء، الذكر والأنثى [فيه] سواء، إلا أن يشترط التفاضل فيتبع شرطه، ولا يدخل أولاد أولاد الأولاد ومن أسفل منهم، إلا أن يقول: ما تناسلوا وتعاقبوا، أو: بطنًا بعد بطن، أو قال: أبدًا – كما ذكره البندنيجي – فإذا قال ذلك اتصل إلى انقراض نسله، ويصرف إلى الموجودين حالة حصوله ممن كان حالة الوقف، وممن حدث من بعد، ولا يصرف لمن كان مجننًا إذ ذاك.
وفي "التتمة" وجه: أنه يصرف لمن كان مجننًا عند الوقف.
وفي "أمالي" أبي الفرج وجه: أنه لا يصرف لمن حدث بعد الوقف إذا كان من البطن الأول، وإليه أشار القاضي الحسين في تعليقه بقوله: فالموجودون يدخلون ومن يحدث بعدهم فالظاهر أنه يدخل، ويعضده: أن البويطي نقل أنه إذا وقف على قرابته فحدث له قريب بعد الوقف لا يدخل، لكن الأصحاب غلَّطُوه [فيه].
ومثال الترتيب خاصة: أن يقول: وقفت على أولادي وأولاد أولادي ما تعاقبوا وتناسلوا [أبدًا]، يكون الأول فالأول، والأعلى فالأعلى، والأقرب فالأقرب، [أو يقول: على أولادي، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم ما تناسلوا بطنًا بعد بطن، كما قاله البندنيجي، وبه أفتى أبو طاهر الزيادي، واختاره القاضي الحسين، وقال: إن من أصحابنا من قال في الصورة الأخيرة: يكون للجميع؛ لأن قوله: "بطنًا بعد بطن" يكون كذلك للضرورة، وهذا ما حكى في "فتاوى" القاضي [عن] أبي عاصم العبادي والشيخ أبي القاسم، [وحكى فيها أيضاً عن الشيخ أبي عاصم في "المسائل" أن ذلك للجمع – أيضاً- وهو بعيد؛ فإن وضع "ثم" للترتيب].
ولو قال: على أولادي، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم، وإذا انقرض أولاد الأولاد فعلى أولادهم، وهكذا – ولو ألف مرة – لا يكون ذلك مستوعبًا لجميع النسل ما لم يقل: ما تناسلوا، أو: أبدًا، كما صرح به المحاملي والقاضي الحسين.
ومثال الجمع والترتيب: أن يقول: وقفت على أولادي وأولاد أولادي، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم ما تعاقبوا، [أو]: بطنًا بعد بطن- فيكون الأولاد وأولاد الأولاد مشتركين، وبعدهم يكونون مرتبين، وكذا لو قال: وقفت على أولادي ثم على أولادهم، ثم إذا انقرضوا فعلى أولاد أولادي ما تعاقبوا، فيكون الترتيب ثابتًا بين
الأولاد وأولادهم، والاشتراك ثابتٌ بين أولاد أولاد الأولاد وإن سفلوا، وحيث وجد شرط الترتيب فلا يصرف إلى البطن الثاني شيء ما بقي من البطن الأول أحد، ولا إلى الثالث ما بقي من الثاني أحد، إلا أن يقول: من مات من أولادي فنصيبه لولده؛ فإنه يصرف إليه دون إخوته، كذا حكاه البندنيجي عن النص في "حرملة".
قال الرافعي: والقياس فيما إذا مات واحد من البطن الأول أن يجيء في نصيبه عند الإطلاقِ الخلافُ المذكور فيما إذا وقف على شخصين ثم على المساكين، فمات واحد: إلى من يصرف نصيبه؟ ولم أَرَ له تعرضًّا، لكن الشيخ أبا الفرج السرخسي حكى وجهين:
أحدهما: أن نصيب الميت لصاحبه.
والثاني: أنه لأقرب الناس إلى الواقف، وبه قال صاحب "الإفصاح" في كتاب الشهادات.
قلت: قد يظهر الفرق بين ما جمعه فيقال: الوقف على الأولاد [وأولاد الأولاد] القصدُ به تمليك القرابة على الجملة على النعت الذي شرطه، لا تمليك كل واحد منهم شيئاً مقدرًا، فإنه لو كان القصد ذلك لامتنع أن ينقص أحدهما عما استحقه حالة الوقف، وذلك ليس ممتنعًا؛ بدليل أنه إذا حصل له ولد أو ولد ولد شارك الموجود فيما كان ينفرد به، وإذا كان هذا هو المقصد فلا يعدل عنه عند إمكانه، وهو مع بقاء واحد ممكن، وليس كذلك الوقف على شخصين ثم على المساكين؛ فإن القصد ظاهر في تمليك كل منهما النصف؛ بدليل عدم تطرق النقص عنه، وهو لو قال: وقفت على هذا النصف وعلى هذا النصف، لم ينتقل نصيب أحدهما للآخر عند فقده؛ فكذلك [ها] هنا، وقد يُلَخَّصُ، فَيُقال: لما قبل نصيب الموجود دخول النقص عليه قبل الزيادة؛ لفهم المعنى، ولما لم يقبل نصيب أحد الرجلين
النقص لم يقبل الزيادة؛ لفهم المعنى، والله أعلم.
ومثال الإخراج بصفة والإدخال بصفة: أن يقول: وقفت على بناتي، فمن تزوجت سقط نصيبها، فإن طلقت عاد نصيبها، أو: من استغنى منهم خرج من الوقف ومن افتقر دخل، أو: من غاب خرج [منه] ومن حضر دخل فيه، وليس هذا بتعليق للوقف، بل هو تنجيز في الحال، وإنما ذلك تعليق للاستحقاق؛ فصار كما لو علق الوكالة على شرط لا يصح، وإذا وكله في الحال وعلق التصرف على شرط جاز، أما لو شرط أن يخرج من شاء من أرباب الوقف باختياره، ويدخل من يدخل فيه باختياره، أو يقدم من شاء ويؤخر من شاء- ففيه وجهان:
أحدهما: أنه جائز؛ كما لو أدخله بصفة وأخرجه بصفة.
والثاني: وهو الأصح في "الحاوي" وغيره، وبه جزم المعظم-: أنه لا يجوز، ويكون الوقف باطلاً.
قال الماوردي: إلا أن يجعل آخره للفقراء؛ فيكون على قولين، وإذا قلنا بالصحة فإذا فعل ذلك مرة واحدة فهل له الزيادة عليها؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، وله أن يفعل ذلك ما عاش، فإذا مات فقد تعين على من فيه عند موته.
قال الرافعي: وعلى قول الجواز- أيضاً- لو شرط ذلك لغيره ففيه وجهان: أصحهما: الفساد، فإن أفسدناه ففي فساد الوقف به خلاف مبني على أن الوقف كالعتق أم لا؟
وقال في "الوسيط": إن قال: وقفت بشرط أن أحرم المستحق، وأحول الحق إلى غيره متى شئت، أو: أرجع متى شئت- فهو فاسد.
وإن قال: بشرط أن أغير مقادير
الاستحقاق بحكم المصلحة، فهو جائز.
وإن قال: أبقى أصل الوقف وأغير تفصيله، ففيه وجهان.
قال الرافعي: وهذا لا يكاد يوجد لغيره، [ثم] فيه لبس؛ فإن التحويل من مستحق إلى مستحق المعدود في الرتبة الأولى، وتغيير مقادير الاستحقاق الذي جعله مثالاً للثانية- كل منهما مندرج فيما جعله موضع الوجهين، وهو إبقاء أصل الوقف وتغيير تفصيله.
فروع متفرقة:
إذا قال: وقفت هذا على سكان موضع، كذا فغاب بعضهم سنة، ولم يبع داره ولم يستبدل دارًا- لا يبطل حقه، ذكره العبادي.
إذا قال: وقفت على زيد بشرط أن يسكن موضع كذا، ثم من بعده على الفقراء – فهذا وقف فيه انقطاع؛ لأن الفقراء إنما يستحقون بعد انقراضه، واستحقاقه مشروط [بشرط] قد تقدم.
إذا وقف على أولاده لا يدخل فيه أولاد الأولاد على الأصح، وعليه نص في "البويطي"، وحكى أبو الحسن بن القطان وجهًا آخر: أنهم يدخلون.
وخرجه صاحب "الإفصاح" قولاً للشافعي – رضي الله عنه – كما حكاه في "الحاوي"، وغَلِطَ فيه.
وقال القاضي الحسين في كتاب الوصية: نص الشافعي – رضي الله عنه – في "المختصر" [على] أنه إذا أوصى لواحد بمثل نصيب أحد ولديه، وله بنت وبنت ابن [وعصبة- أعطى السدس، ولم أَرَ أنه مُوصىً له بالسدس؛ لأنه مثل نصيب ابنة الابن]؛ فيكون سبعًا.
وهذا من كلام الشافعي – رضي الله عنه – دليل على أن اسم الولد عند الإطلاق يتناول ولد الولد، حتى لو وقف على أولاده يدخل فيه أولاد
الأولاد.
انتهى.
قلت: وقد يمنع أن [في] كلام الشافعي – رضي الله عنه – دليلاً على ما ادعاه؛ لأن قوله: "أحد ولديه"- ولا ولد له من الصلب إلا واحد- قرينةٌ دالة على إرادة المجاز بإطلاق اسم الولد على ولد الولد؛ فاستعمل فيه كما سنذكره، وليس عند الإطلاق دلالة عليه.
[والله أعلم].
وفي "النهاية" ترتيب أولاد البنات على الخلاف في أولاد البنين، وأولى بعدم الدخول، وهذا عند الإطلاق، وقد يقترن به ما يقتضي الجزم بخروجهم كما إذا قال: وقفت على أولادي، [فإذا انقرضوا فلأحفادي الثلث والباقي للفقراء، ولو وقف على أولاده ولم يكن له أولاد أولادٍ]، ففي "التتمة" وغيرها: أنه يحمل اللفظ عليهم؛ صيانة لكلام المُكَلَّف عن الإلغاء.
ولو قال: وقفت على أولادي، فإذا انقرض أولاد أولادي فعلى الفقراء – وقلنا بعدم دخولهم عند الإطلاق- فهلا يكون الوقف منقطع الوسط أو يدخلون بعد انقراض أولاد الصلب؟ فيه وجهان في "المهذب" وغيره، أصحهما: أولهما، والخلاف المذكور في أولاد الأولاد [مع الأولاد] يجري في دخول أولاد أولاد الأولاد عند الواقف على الأولاد وأولادهم، ولا نزاع في أنه لو قال: على نسلي وعقبي أو ذريتي، دخل فيه [أولاد البنات وإن بعدوا.
إذا وقف على أولاده وأولاد أولاده ممن ينتسب إليه دخل فيه أولاد البنين، دون أولاد البنات.
وحكى ابن كج وجهًا: أنهم يدخلون.
ولو وقف على البنين أو البنات لا يدخل الخنثى [المشكِل]، وفي [دخول] بني الأولاد عند الوقف على البنين وبنات الأولاد عند الوقف على البنات وجهان، [ومنهم من خصهما ببني البنين، وجزم بعدم دخول بني البنات].
ولو وقف على البنين والبنات دخل الخنثى المشكل [على أصح الوجهين]، ووجه المنع: أنه لا يُعد منهما.
والمنفي باللعان لا يستحق شيئاً.
وعن أبي إسحاق: أنه يستحق، وأن أثر اللعان مقصور على الملاعن.
إذا جُهِل شرط الوقف ولم نعرف مقادير الاستحقاق أو كيفية الترتيب، قال الإمام: إن لم نيئس من المعرفة وقفنا الأمر، وحملنا المستحق على الطلب، وإن أيسنا، فقد سمعت شيخي يقول: حق هذا أن ينزل منزلة الوقف الذي لا مصرف له إذا صححناه، وكان يحكي عن القفال فيه: أن الأصح الحمل على الجهة العامة.
قال الإمام: ولا يتأتى هذا إذا عدمنا شرط الواقف وأشكل، مع العلم بانحصاره في معينين، فالوجه: وقف الرَّيْع إلى أن يصطلحوا.
وغيره قال: إذا لم يكن الواقف حيًّا تقسم الغلة بينهم؛ إذ ليس بعضهم أولى بالتقديم والتفضيل من بعض، وإن كان حيًّا ففي "التهذيب" و"المهذب": أنا نرجع إليه – وكذا قال في "الحاوي" – وأنه لا يمين عليه، وأن وارثه يقوم مقامه في ذلك، وكذا عند عدم الوارث يرجع إلى الناظر من جهة الواقف دون الناظر من جهة الحاكم.
وحكى فيما إذا اختلف الوالي من جهة الواقف والوارث في الشرط وجهين في أيهما يعمل بقوله.
لو لم تُعرف الأرباب، قال الغزالي: جعلناه كوقف مطلق لم يذكر مصرفه؛ فيصرف إلى المصارف التي ذكرناها.
إذا وقف داره رباطًا أو مدرسة وشرط اختصاصها بأصحاب الشافعي – رضي الله عنه – أو أصحاب الرأي، اتبع شرطه.
ولو وقفهما مسجدًا، وشرط [أن يصلي فيه طائفة معينون دون غيرهم، فإذا
انقرضوا فعلى عامة المسلمين – ففيه وجهان:
أحدهما: أن شرطه غير متبع؛ لأن جعل البقعة مسجدًا] كالتحرير فلا معنى لاختصاصه بجماعة، وعلى هذا قال في "التتمة": يفسد الوقف؛ لفساد الشرط.
وقياس ما ذكرناه عن الإمام: أنه لا يفسد.
والثاني- وبه جزم القاضي الحسين في "تعليقه"-: أنه يتبع حتى لا يجوز لغيرهم الصلاة فيه؛ لرعاية شرط الواقف، وحكى ذلك في آخر كتاب الجزيرة، وقال: إنه يكره.
قال الرافعي: ويشبه أن تكون الفتوى به.
ولو وقف مقبرة، وشرط اختصاصها بالغرباء أو بجماعة مخصوصين: فإن صححنا الشرط في المسجد فها هنا أولى، وإلا فوجهان؛ لترددها بين المسجد والمدرسة.
والثاني أظهر؛ فإن المقابر للموتى كالمساكن للأحياء.
ولو أطلق وقف ذلك كان لكل أحد أن يصلي في المسجد، ويعتكف فيه، ويسكن
المدرسة بشرط الأهليَّة، وكذلك الرباط، ويدفن في المقبرة، ولا يختص واقف المسجد بالأذان فيه والإمامة، بل هو وسائر المسلمين فيه سواء.
فائدة: الصفة والاستثناء عقيب الجُمَل المعطوف بعضها على بعض يرجعان [إلى الكل]: مثال الصفة: وقفت على أولادي وإخوتي وأحفادي المحاويجِ منهم.
ومثال الاستثناء: وقفت على أولادي وأحفادي وإخوتي إلا أن يفسق واحد منهم.
ورأى الإمام تقييد ذلك بقيدين:
أحدهما: أن يكون العطف بالواو الجامعة، فأما إذا كان بكلمة "ثم"، قال: [فإنه] يختص الصفةُ والاستثناءُ بالجملة الأخيرة.
والثاني: ألا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، فإن تخلل كما إذا قال: وقفت على أولادي، على أن من مات منهم وأعقب فنصيبه بين أولاده للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن لم يعقب فنصيبه للذين في درجته، فإذا انقرضوا فهو مصروف إلى إخوتي، إلا أن يفسق واحد منهم – فالاستثناء يختص بالأخيرة.
والصفة المتقدمة على جميع الجمل مثل أن يقول: وقفت على محاويج أولادي وإخوتي، كالمتأخرة عن جميعهم حتى تعتبر الحاجة في الكل.
قال: وإن وقف على الفقراء جاز أن يصرف إلى ثلاثة منهم؛ لأن عرف الشرع في هذه اللفظة: ثلاثة في الزكاة، فحمل اللفظ عليها [في الوقف]، وهل يجوز الصرف إلى فقراء غير بلده؟ فيه وجهان مرتبان على جواز نقل الصدقة، وأولى بالجواز، والحكم فيما لو وقف على المساكين كالحكم فيما لو وقف على الفقراء، وإذا وقف على أحد الصنفين جاز أن يصرف للآخر، خلافًا لأبي إسحاق؛ حيث منع الصرف إلى المساكين عند الوقف على الفقراء، ولو وقف على [أحد] الصنفين فأقلُّ ما يجزئ: الصرف إلى ثلاثة من كل صنف.
قال في "الحاوي": ولو وقف على الفقراء، فمن ادعى أنه فقير جاز الصرف إليه، ولا يكلف إقامة البينة على فقره، بخلاف ما لو وقف على الأغنياء من أقاربه؛ فإنه لا بد من إثبات الغنى بالبينة.
ولو وقف على من افتقر فلا بد في الاستحقاق من سابق الغنى، [و] في هذه الحالة لا يقبل قوله في الفقر إلا ببينة، صرح به في "البحر".
ويجوز الصرف لصغير فقير له أب غني، أو امرأة فقيرة لها زوج [غني]، أو رجل فقير له ابن غني، وهكذا لو لم يكن له مال وهو مشتغل بعمل يده كان من فقراء الوقف، وإن لم يكن من فقراء الزكاة، كذا جزم [به] في "الحاوي".
وقال في "البحر": رأيت لبعض أصحابنا وجهًا: أنه لا يدفع إليهم.
وحكى الرافعي فيما عدا الأخير أربعة أوجه عن حكاية الشيخ أبي علي في "الشرح":
أحدها – وبه قال ابن الحداد-: أنه يجوز الصرف إليهم.
والثاني- ويحكى عن أبي زيد والخضري-: المنع؛ لغنائه بالنفقة المستحقة له؛ فصار كمن حصلت [له] كفايته من كسبه أو من ضَيْعة موقوفة عليه.
والثالث – عن الأودني، فيما نقله الفقيه أبو يعقوب-: أن من نفقته على قريبه يستحق دون الزوجة، والفرق: أنها تستحق عوضًا، وهي تستقر في ذمة الزوج كدين في ذمة الفقير حالٍّ أو مؤجلٍ، بخلاف القريب؛ فإن نفقته مواساة.
والرابع: أن الزوجة يجوز الصرف لها دون من في نفقة القريب، والفرق: أن القريب يلزمه كفاية أمر القوت من كل وجه حتى الدواء وأجرة الطبيب؛ فاندفعت
حاجته بالكلية, [والزوجة] واجبها [مقدر, وربما] لا يكفيها؛ فتبقى محتاجة, والحكم في صرف الوصية [إلى من] ذكرناه حكم ريع الوقف, قاله الرافعي في قسم الصدقات.
قال: وإن وقف على قبيلة كبيرة أي: كبني تميم وبني هاشم والأنصار بطل الوقف في أحد القولين؛ لأن الموقوف عليه معينون فلا يمكن تعميمهم فبطل الوقف؛ كما لو وقف على قوم.
وصح في الآخر, ويجوز أن يصرف إلى ثلاثة منهم؛ لأن كل من صح الوقف عليهم إذا كان عددهم محصورًا [صح] , وإن كان غير محصور, صرف إلى ثلاثة منهم كالفقراء والمساكين, فعلى هذا: هل يجوز الصرف إلى نسائهم إذا كان قد قال: وقفت على بني تميم؟ فيه وجهان.
أما القبيلة الصغيرة فيجوز الوقف عليها اتفاقًا, وحكم الوقف على عشيرته حكم الوقف على القبيلة, وإذا صح كان كالوقف على الأقارب.
وقد خرج الرافعي الخلاف في مسألة الكتاب على أن الوقف على الجهات العامة القصد فيه القربة أو التمليك, فعلى الثاني لا يصح؛ لتعذر الاستيعاب, وعلى الأول يصح.
قال: والأشبه بكلام الأكثرين: أنه تمليك, وأنه يصح هاهنا, [وهو الذي صححه النواوي].
تنبيه: القبيلة: بنو الأب.
قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": أنساب العرب ست مراتب تجمع أنسابهم, وهي: شعب, ثم قبيلة, ثم عمارة, ثم بطن, ثم فخذ, ثم فصيلة:
فالشعب: النسب الأبعد كعدنان, سمي شعبًا؛ لأن القبائل منه تتشعب.
ثم القبيلة, وهي: ما انقسمت فيه أنساب الشعب, كربيعة ومضر, سميت قبيلة؛ لتقابل الأنساب فيها.
ثم العمارة, وهي: ما انقسمت فيه أنساب القبيلة كقريش وكنانة.
ثم البطن, وهو ما انقسمت فيه أنساب العمارة؛ كبني عبد مناف وبني مخزوم.
[ثم الفخذ, وهو: ما انقسمت فيه أنساب البطن كبني هاشم وبني أمية].
ثم الفصيلة, وهي: ما انقسمت فيه أنساب الفخذ, كبني العباس وبني المطلب.
فالفخذ يجمع الفصائل, والبطن تجمع الأفخاذ, والعمارة تجمع البطون, والقبيلة تجمع العمائر, والشعب يجمع القبائل, فإذا تباعدت الأنساب صارت القبائل شعوبًا والعمائر قبائل.
وزاد غيره العشيرة قبل الفصيلة.
قال: وإن وقف على مواليه وله موالٍ من أعلى وموالٍ من أسفل, فقد قيل: يبطل؛ لأنه وقفه على مجهول, وذلك أن المولى من أسماء الأضداد؛ لأنه يقع على المعتق [والمُعتق] , ولا يمكن حمل اللفظ فيه على العموم؛ لاختلاف معناهما, مع أن الذي يحمل على العموم أسماء الأجناس كالمسلمين؛ فلما تعذر ذلك بطل, وهذا أرجح عند الغزالي, وقال أبو الطيب: إنه ضعيف.
وقيل: يصح, ويصرف إلى الموالي من أعلى؛ لأنهم أنعموا عليه بالإعتاق فكانوا أحق بالمكافأة, وأيضاً: فلاختصاصه بالعصوبة.
قال الجيلي: فعلى هذا يدخل فيهم أولادهم.
وقيل: يقسم بينهما, [وهو الأصح]؛ لتناول الاسم لهما بمعنى واحد على
جهة التواطؤ, وهو الموالاة والمناصرة.
قال شيخنا الشريف عماد الدين –رحمه الله -: وصيغة الجمع منه تتناول الكل؛ ضرورة أنه متواطئ, وهو معنىً واحدٌ مشترك [فيه] كاشتراك اللفظ بين معنيين مختلفين لا مشترك بينهما, وهذا ما اختاره ابن القطان, وصححه القاضي أبو الطيب والمتولي وغيرهم.
وحكى المتولي وجهًا آخر: أنه يختص [الأسفل]؛ لأطراد العادة بإحسان السادة إلى العتقاء.
ثم الوجوه المذكورة في الكتاب منسوبة إلى رواية الإصطخري, ولو لم يكن له إلا أحد الصنفين تعين, ولو كان له من جهة واحدٌ [ومن جهةٍ] اثنان تعين الصرف للجميع, قاله في "المحيط".
[ولو كان قد قال: وقفت على مولاه, وليس له إلا مولً من أعلى وملىً من أسفل –قال في "المحيط"]: فلا ينقدح في هذه الصورة إلا أحد وجهين: إما البطلان؛ للاحتمال, وإما الصحة؛ حملًا على الأعلى, أما الجمع فلا وجه له.
قال: فإن وقف على زيد وعمرو وبكر, ثم على الفقراء – [أي]: وأطلق –فمات زيد, صرفت الغلة إلى من بقى من أهل الوقف, فإذا انقرضوا صرفت الغلة للفقراء؛ لأنه لا يمكن صرفه إلى الفقراء قبل انقراضهم؛ لعدم شرط استحقاقهم, ولا يرده للواقف؛ لزوال ملكه عنه؛ فتعين صرفه لأهل الوقف, وهذا هو المنصوص في حرملة, وبه جزم القاضي الحسين.
وفي "البحر": أن صاحب "الإفصاح" حكى ذلك, وأنه يحتمل أن يرجع نصيب الميت إلى الفقراء, ثم قال صاحب "الإفصاح": وهو الأصح, وقد ذكره الصيمري أيضاً –أما إذا شرط أن من مات منهم انتقل نصيبه لولده أو لبقية أهل الوقف, فإنه
يتبع شرطه.
ولو كان قد وقف على زيد, ثم على عمرو, ثم على بكر, ثم على الفقراء, فمات عمرو قبل زيد, ثم مات زيد –قال في "الحاوي": فلا حق فيها لبكر, وكانت للفقراء والمساكين؛ لأن بكرًا رُتِّب بعد عمرو, وجعل له ما كان لعمرو, وعمرو بموته قبل زيد لم يستحق فيه شيئاً؛ فلم يجز أن يتملك بكر عنه شيئاً.
[وقال القاضي الحسين في "فتاويه": الأظهر: أنه يصرف إلى بكر, كما إذا قال: وقفت هذا على ولدي, ثم على ولد ولدي, ثم على الفقراء, فمات ولد الوالد, ثم الولد يرجع إلى الفقراء].
ولو وقف داره على زيد وعمرو: على أن لزيد [منها] النصف, ولعمرٍو الثلث –كانت بينهما على خمسة أسهم: لزيد ثلاثة أخماسها, ولعمرو خمساها.
ولو وقف على زيد نصفها, وعلى عمرو ثلثها, ولم يقل في أصل الوقف: إنها عليهما –كان لكل منهما ما سمي له, وكان السدس الفاضل إذا صح الوقف فيه للفقراء.
ولو وقف على أن لزيد جميعها, ولعمرو ثلثها –كان الموقوف على زيد ثلاثة أرباعها, وعلى عمرو الربع.
ولنختم الباب بفروع تتعلق به:
يستحب للقضاة أن [يجددوا إسجالات] الوقوف التي في ديوانهم كلما مضى زمان يخاف فيه [موت الشهود] , كذا قاله ابن الصباغ قبيل باب نصارى العرب, من كتاب الجزية.
وحكى القاضي أبو الطيب ذلك ثم عن لفظ الشافعي –رضي الله عنهم –وأنه [علله]
فقال: [كي لا] تنقرض شهودها؛ فيؤدي ذلك إلى خفاء حالها [وبطلان الوقف].
إذا وقف على أهل بيته, صرف إلى قرابته من جهة الرجال والنساء, حكاه في "الشامل" عن "البويطي".
وفي "الحاوي" حكاية ثلاثة أوجه [فيه]:
أحدها: أنه يصرف إلى من ناسبه إلى الجد.
والثاني: من اجتمع معه في الرحم.
والثالث: إلى كل من اتصل به بنسب أو بسبب؛ قال صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت".
إذا وقف على آله: ففيهم وجهان:
أحدهما: إنهم أهل بيته.
والثاني: أنهم من دان بدينه.
إذا وقف على عياله فهم من في نفقته, وإن كان فيهم والدٌ وولد.
ولو وقف على حشمه فهو على من في نفقته, سوى الوالد والولد.
ولو وقف على حاشيته فهم المتصلون بخدمته.
قال الماوردي: ولو وقف على يتامى بلد صرف إلى صغير مات أبوه, سواء كان فقيرًا أو غنيًا.
ولو وقف على [اليتامى مطلقًا فهل يصرف إلى يتيم غنيٍّ؟ فيه وجهان.
ولو وقف على] الأرامل فهن النساء [اللاتي لا أزواج] لهن, وفي اعتبار فقرهن وجهان عند الإطلاق, وهل يدخل فيهن الرجال الذين لا أزواج لهم؟ فيه وجهان.
ولو وقف على الفتيان أو الشباب فهم من احتلم ولم يبلغ ثلاثين سنة.
ولو وقف على الكهول فهم من له ما بين الثلاثين إلى الأربعين.
ولو وقف على الشيوخ فهم من جاوزا الأربعين.
إذا وقف على عمارة مسجد [جاز] , وتصرف الغلة إلى حفظ جدرانه وسقوفه, وكذا شراء سلم للصعود عليه إلى سطحه, ومكانس يكنس بها, ومساحٍ ينقل بها التراب, كما قاله أبو عاصم العبادي.
ولو كان يصيب بابه مطر ويفسده جاز بناء مظلة فيه بحيث لا تضر بالمارة.
وقال المارودي وصاحب "العدة": ويجوز أن يدفع من غلته أجور قيامه, و [لو] لم يجز أن يدفع منه أجور أئمته ومؤذنيه.
وهل يجوز أن يشتري منه دهن قناديله؟ فيه وجهان, المذكور منهما في "التهذيب": المنع, وهو الأصح في "العدة", لكنه جزم بجواز شراء البواري, وصاحب "التهذيب": جزم بالمنع فيها [أيضاً].
وفي "تعليق" القاضي الحسين أنه لو وقف على إصلاح المسجد صرفت الغلة إلى ثمن الحصر والدهن ونحوهما, ولا يجوز صرف شيء من الريع إلى تزويقه.
نعم, لو صرح بذلك في الوقف فهل يجوز؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحين وغيره.
ولو صرح بأنه يصرف الريع في دهن سراجه جاز وضعه في جميع الليل, قال أبو
عاصم العبادي: لأنه أنشط للمصلين.
ولو فضل بعد ما يحتاج إليه المسجد من العمارة شيء فماذا يصنع به؟ فيه وجهان في "الحاوي":
أحدهما – وهو قول ابن أبي هريرة -: أنه يكون محفوظًا للمسجد.
والثاني –وهو قول ابن القطان -: أنه يشتري به عقارًا يوقف على المسجد.
ولو بطل المسجد المعين لم يبطل الوقف عليه, صرح به الماوردي, وقال: إن غلته تصرف للفقراء والمساكين, وفيه نظر؛ لأنه ممن [جزم بأن] جعل المال مسجدًا معينٍا منقطع الانتهاء, فكيف إذا جعله ابتداء وانتهاء؟!
نعم, يجوز أن يكون فرّع على الصحة مع الانقطاع.
ثم كلام المتولي الذي حكيناه من قبل مصرح بأن ريع الوقف على المسجد إذا خرب يصرف إلى عمارة مسجد آخر.
ولو وقف على المسجد مطلقًا ففي "التهذيب" التسوية بينه وبين أن يقف على عمارة المسجد.
وفي "فتاوى" الغزالي: أنه يجوز صرف غلته إلى الإمام والمؤذن وبناء منارة إذا كان بهما تتوفر الصلاة فيه, وكان السلطان يعرض على وقفه فيأخذ ما فضل عنه بشرط أن يدخر للمسجد شيء من غلته وأجرته [ليستغلها, ولتوقع] واقعة.
قال الرافعي: [ويشبه أن] يجوز بناء المنارة من الوقف على عمارة المسجد أيضاً.
[و] قال في "الجرجانيات": في جواز الصرف في هذه الحالة إلى نقش المسجد وتزويقه وجهان.