كتاب الجنايات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
والحديث يدل على حالة [الرضا] بالحكم.
قلت: الجواب على الأول: [أنه إذا] جاز ذلك في غير أهل الذمة وهم أهل العهد ففي أهل الذمة [من طريق] أولى؛ لالتزامهم جريان أحكام الإسلام عليهم مع اعتقادهم الوجوب.
وعن الثاني: لا نسلم أن الحديث دال على اعتبار رضاهم، ولئن دل عليه هذا الخبر؛ فقد جاء في "صحيح" مسلم و"سنن" أبي داو عن البراء بن عازب قال: مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي يحمم، فدعاهم فقال: "هكذا تجدون حد الزنى [في كتابكم]؟ "، فقالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم، قال: "نشدتك الله الذي أنزل التوراة على موسى، [أهكذا] تجدون حد الزنى في كتابكم؟ "، فقال: اللهم لا، ولو أنك نشدتني [بهذا] لم أخبرك.
حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقالوا: تعالوا فنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم الجلد، وتركنا الرجم، فقال رسول الله ?: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه"، فأمر به فرجم.
والتحميم كما قال الماوردي في باب حد الزنى: تسويد الوجه، مشتق من "الحممة"، وهي الفحمة.
على أن الإمام قال: ما ذكره العراقيون من إقامة حد الزنى والسرقة عليهم حسن، ولم أر في طريق المراوزة ما يخالفه، والذي أراه في ذلك: أن من زنى منهم بمسلمة، أو سرق مال مسلم؛ فالحكم جار عليهم، فأما إذا زنى كافر بكافرة، أو سرق كافر مال كافر، فالذي أراه: يخرج هذا [على] القولين في
وجوب الحكم بينهم، فإنهم لما حرموا الزنى والسرقة في دينهم كذلك حرموا الغضب وتغييب الودائع، ونحوها، ثم ذلك يخرج على القولين؛ فكذلك الزنى والسرقة.
وهذا الاحتمال قد صرح به منقولا الماوردي في كتاب السرقة، [والتفرقة] بين أن يزني بمسلمة، أو يسرق مال مسلم، أو يكون ذلك في أهل الذمة، وقد حكى الرافعي في كتاب النكاح شيئا منه عن صاحب "التهذيب" وغيره؛ حيث قال: إنهم قالوا: إقامة حد الزنى والسرقة عليهم للإمام إذا قلنا: يجب الحكم بينهم، أما إذا قلنا: لا يجب الحكم بينهم؛ فلا يقام الحد عليهم إلا بالرضا.
ورأيته في "التهذيب" في هذا الكتاب، وقال: إنه لا فرق في ذلك بين أن يسرق مال مسلم أو ذمي، أو يزني بمسلمة أو ذمية، وقد ذكرت في باب اللعان شيئا يتعلق بهذه المسألة فيطلب منه.
وإذا تأملت ما حكيته عن الإمام والماوردي والبغوي ظهر لك [في المسألة] ثلاثة أوجه.
قال الماوردي: وإذا لم يحدهم [حد الزنى] على الزنى بذمية فذاك [لا ينقض عهدهم]، لكن لا يقرون على ارتكاب الزنى في دار الإسلام؛ لأنها تمنع من ارتكاب الفواحش فيستتابون [منه]، فإن تابوا، وإلا نبذنا إليهم عهدهم.
قال القاضي أبو الطيب: ثم لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون حكم [أهل] الذمة [فيما اعتقدوا تحريمه] موافقا لحكم الإسلام، أو لا؛ لقوله تعالى: ﴿وإن أحكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: 49]؛ ولأن حكم التوراة والإنجيل [قد نسخ]؛ فوجب أن يحكم بالناسخ دون المنسوخ.
قال: وإن لم يعتقدوا تحريمه كشرب الخمر، أي: ونكاح ذوات المحارم المجوس بحكم العقد – لم يقم عليهم الحد؛ لأنهم يقرون على الكفر بالجزية لاعتقادهم؛ فكان إقرارهم على ما دونه مما يعتقدون إباحته أولى، ولا فرق في ذلك بين أن يرضوا بحكمنا عند الترافع إلينا أو لا.
وحكى الإمام في كتاب الغضب عن أئمة الخلاف وجها في وجوب الحد [على شارب الخمر إذا رضي بحكمنا، وقال: إن في كلام الشيخ أبي علي رمزا] إليه، وتوجيهه هين إن صح النقل، وقد يعتضد [بما نص عليه] الشافعي – رضي الله عنه -[إذ] قال: "إذا شرب الحنفي النبيذ حددته، وقبلت شهادته؛ فإذا كان اعتقاد الحنفي استحلال النبيذ لا يعصمه من الحد، فعقد الذمي لا يعصمه من الحد إذا رضي بحكمنا، لكن المذهب الأول، والفرق بينه وبين الحنفي على المذهب فيه - أيضا -: أن المعنى الذي لأجله وجب الحد على شارب الخمر موجود في النبيذ، وهو مقطوع به، فاطرح الخلاف، والحنفي مزجور بالحد زجر وغيره، وليس الذمي مزجورا بحد الشرب، مع العلم بأنه يشرب الخمر استحلالا وتدينا، وعلى كل حال: ليس لهم إظهار ذلك، فإن أظهروه عزروا؛ لأنه إظهار منكر في دار الإسلام، وهو لا يجوز.
قال: ويلزمهم، أي: بالشرط، أن يتميزا عن المسلمين في اللباس، أي: في دار الإسلام كما قيده في "المهذب"؛ ليعرفوا بما يليق بهم في الحياة والممات، والتمييز يكون بلبس الغيار، والأولى أن تلبس كل طائفة ما اعتادته.
قال الأصحاب: وعادة اليهود لبس العسلي وهو: الأصفر، وعادة النصارى لبس الأكهب والأدكن، وهو نوع من [أنواع] الفاختي.
قال ابن الصباغ: والدكنة: السواد.
وعادة المجوس: لبس الأسود والأحمر.
ويكفي ذلك في بعض الثياب الظاهرة من العمامة [أو غيرها] كما قاله
الماوردي وغيره، وكلام القاضي الحسين [وغيره] يقتضي الاكتفاء بخرقة من الألوان، وأنها تكون مخيطة على أكتافهم دون الذيل، وتبعه البغوي في ذلك.
وقال الرافعي: يشبه أن يقال: لا يختص ذلك بالكتف، والشرط: الخياطة [على موضع لا يعتاد، وألحق إلقاء المنديل ونحوه على الكتف بالخياطة]، وهو بعيد.
قال الماوردي: ولو لبس اليهود والنصارى لونا واحدا جاز، وإذا تميزوا بلباس وصار مألوفا لهم منعوا من العدول عنه إلى غيره؛ كي لا يقع الاشتباه والإشكال.
قال: فإن لبسوا قلانس، لبس المجوس القلانس؛ لأنها عادتهم، ميزوها عن قلانس المسلمين بالخرق، أي: التي ذكرناها؛ ليقع الامتياز بها، وقد أطلق بعضهم تسمية الخرق بالعسلية، ومنهم القاضي الحسين، وتقوم مقام الخرق في تمييز القلانس – كما قال الرافعي – الذؤابة والعلامة في رأسها، وهو في ذلك متبع للبندنيجي حيث قال: وإذا لبسوا القلانس [ميزوها، فيجعلون] في أعلاها عذبة، ولا يعملون في ذلك آذانها، كقلانس القضاة.
قال: ويشتدون الزنانير في أوساطهم، أي: فوق الثياب؛ لما روي أن عمر – رضي الله عنه – كتب إلى أمراء الأمصار في أهل الكتاب أن يجزوا نواصيهم، وأن يربطوا الكستيجات في أوساطهم، وتزوي المناطق، ليعرفوا بزيهم من بين أهل الإسلام.
والكستيجات: الزنانير، وهي التي عناها بالمناطق في الرواية الأخرى.
والزنار: خيط مستغلظ يستوي فيه سائر الألوان، كما قاله [الماوردي، ولا
يكتفى بشدها باطنة]، قال القاضي الحسين: لأنهم يتدينون بعقدها باطنا.
قال الرافعي والماوردي: وليس لهم إبداله بالمنطقة والمنديل ونحوهما، وإنما جمع بين الغيار والزنار – كما قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ – ليكون أثبت للعلامة؛ فإن المسلم قد يلبس الغيار [الملون] وقد يشد وسطه في حال العمل، فإذا جمع بينهما [زال الشبه]، وهذا يقتضي أن [يكون] الإتيان بهما معتبرا.
وفي "ابن يونس": أن التمييز يحصل بأحد الأمرين، ومراده ما ذكره الرافعي وغيره: أنه يجوز الاكتفاء بشرط أحدهما، فلو شرطهما وجب الوفاء بهما.
قال: ويكون في رقابهم خاتم، أي: طوق من رصاص أو نحاس، أو جرس يدخل معهم الحمام، أي: التي يدخلها المسلمون كما صرح به الرافعي – رحمه الله تعالى – لأن الغيار بالثياب لا يمكن في جوف الحمام، وقد روى أبو عبيدة في كتاب الأموال عن عمر – رضي الله عنه -[أنه] كتب إلى الأمراء أن يختموا رقاب أهل الذمة بخاتم رصاص، وهكذا الحكم في الحالة التي يتجردون فيها عن الثياب يكون الخاتم ونحوه في رقابهم.
قال الأصحاب: ويمنعون من إرسال الضفائر وفرق الشعر، كما يفعله الأشراف والأجناد؛ قاله الماوردي، وكذا البندنيجي، وقال: إنهم إذا تحذفوا فلا يتحذفون في الشواش التي هي عادة الأشراف، بل يزال الشعر عن موضع التحذيف كله.
وفي "الرافعي" و"الحاوي" وغيرهما: أنهم يؤخذون بجز النواصي؛ لأثر عمر، رضي الله عنه.
قال: ولهم أن يلبسوا العمائم والطيلسان، أي: إذا تميزوا بما ذكرناه؛ لأن التمييز قد حصل.
وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه لا يجوز لبس الطيلسان؛ لأنه أجل ملابس
المسلمين، وقال: إنه ليس بشيء.
نعم، هل يمنعون من التظاهر [بلبس الديباج والحرير؟ [حكي فيه وجهين، والظاهر منهما في "الرافعي": الجواز]؛ قياسا على مرتفع الثياب من القطن والكتان.
وفي "تعليق" القاضي الحسين الجزم بمقابله؛ فإنه قال: قد ذكرنا أنه يفرق بين المسلمين [وبينهم في الملبس؛ فلا يكون لباسهم فاخرا غاليا في الثمن كلباس المسلمين].
تنبيه: [الطيلسان – بفتح الطاء واللام، وكسرها، وضمها، وهما شاذان، وهو: معرب، وجمعه: طيالسة].
قال: وتشد المرأة الزنار؛ لما روي [أن] عمر – رضي الله عنه – كتب إلى أمراء الآفاق أن يلزموا [نساء] أهل الذمة بعقد الزنانير.
قال: تحت الإزار، أي: وفوق الثياب؛ كي لا يصف عجيزتها، وينكشف رأسها؛ فكان ذلك أستر لها، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وجزم به البندنيجي والبغوي.
وقيل: فوق الإزار؛ ليظهر كالرجل، وإلى هذا صار الشيخ أبو محمد، وحكى الرافعي عن بعضهم: أنه أشار إلى أن يجعل تحت الإزار، لكن بشرط أن تظهر شيئا منه، واعتبر القاضي الحسين: أن تجعل على ثيابها علامة تتميز بها إذا خرجت عن المسلمات، وعليه ينطبق قول الماوردي: وأما نساء أهل الذمة فيؤخذون بلبس الغيار في الخمار الظاهر الذي يشاهد، وحكى الإمام فيه وجهين.
قال: ويكون في عنقها خاتم، أي: من رصاص أو نحاس، لا من ذهب وفضة، يدخل معها الحمام؛ لتتميز به، وهذا بناء على جواز دخولها الحمام مع المسلمات، أما إذا منعناهن من [العقد] من ذلك؛ كما هو وجه حكاه القاضي
الحسين ورجحه البغوي – كن كالرجال إذا دخلوا حماما لا مسلم فيه.
قال الماوردي والغزالي: ويمنعن من فرق الشعر والذوائب في الحمامات دون منازلهن، ولا يؤخذن بتحذيف شعرهن.
قال: ويكون أحد خفيها أسود والآخر أبيض [أو أحمر] وغير ذلك؛ لتتميز به، وهذا هو الصحيح.
وروي الإمام وجها آخر: [أنهن لا يؤخذن] بالغيار؛ لأنهن [لا يخرجن إلا نادرا] فلا يحتاج فيهن إلى التمييز، [وهو جار – كما قال الرافعي – فيما يحصل به التمييز في الحمام، وما ذكرناه من الغيار والتمييز] في الحمام واجب أو مستحب؟ حكى الرافعي والماوردي فيه وجهين، وطردهما الماوردي في المنع من ركوب الخيل، والذي يوافقه إيراد الجمهور منهما: الوجوب، ومنهم الإمام، لكنه حكى الخلاف فيما سنذكره من الدواب والمراكب فقال: قال قائلون: نكلفهم التمييز؛ كما في الغيار، ومنهم من جعل ما عدا الغيار أدبا.
قال: ولا يركبون الخيل، أي: من أي نوع كانت؛ لقوله تعالى: ﴿ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ [الأنفال: 60]، فأمر بإعدادها أولياءه؛ [ليجاهدوا عليها أعداءه] وقال صلى الله عليه وسلم "الخيل معقودة في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"، وعنى به الغنيمة، وهؤلاء مغنومون؛ [فلم يجز] أن يصيروا غانمين.
وروي أنه قال: "الخيل ظهورها" عز، وهم قد ضربت عليهم الذلة، وقد
تقدمت حكاية وجه: أنهم لا يمنعون، وقد حكاه ابن كج – أيضا – والقاضي الحسين، وتوسط الشيخ أبو محمد، فمنع من [ركوب] الشريفة، وجوز ركوب البراذين الخسيسة، ولا خلاف في منعهم من التقلد بالسيوف وحمل السلاح ولجم الذهب والفضة.
قال: ويركبون البغال والحمير؛ لأنه لا شرف فيها، وألحق الغزالي البغال النفسية بالخيل في المنع، وهو في ذلك تبع للإمام، والفوراني جزم به، ولم يقيده بالنفسية، والأظهر: الأول، واقتصر الأكثرون عليه.
قال: بالأكف عرضا، أي: من جانب واحد بحيث تبقى رجلاه مدلاة إلى جانب، وظهره إلى جانب آخر.
ووجهة: ما روي أبو عبيد: أن عمر – رضي الله عنه – كتب إلى أمراء الأجناد أن يركبوا أهل الذمة على الأكف عرضا – ولا يركبون كما يركب المسلمون.
وعن الشيخ أبي حامد: أنهم يركبون مستويا، ولكن يكون الركاب من خشب، وهو الذي أورده الماوردي عن ابن أبي هريرة، كما نقله الرافعي: أنه لا حجر في الركوب، وقال: إنه يحسن أن يتوسط فيفرق بين أن يركب إلى مسافة قريبة من البلد فيركب عرضا، وبين أن يسير [مسافرا إلى] مسافة شاسعة – أي: بعيدة – فلا يكلف ذلك؛ بل يخصص الركوب عرضا بالحضر.
قال ابن كج: وهذا كله في الذكور البالغين، فأما النساء والصغار [فلا يلزمون الصغار]؛ كما لا تضرب عليهم الجزية.
تنبيه: الأكف: بضم الهمزة والكاف، وتخفيف الفاء، جمع أكاف [بكسر الهمزة]، ويقال - أيضا -: وكاف بكسر الواو، [وتقول: آكفت] الحمار، وأوكفته: شددت عليه الإكاف.
قال: ولا يصدرون في المجالس، أي: مجلس المسلمين؛ إهانة لهم، ولا
يبدءون بالسلام؛ لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبدءوهم بالسلام، وإذا لقيتموهم، [في الطريق] فاضطروهم – أو ألجئوهم – إلى أضيق الطرق".
خرجه أبو داود، ومسلم، والترمذي.
وحكى الماوردي في كتاب السير وجها [آخر]: أنه يجوز أن نبدأهم بالسلام؛ [لأنه لما كان السلام] أدبا وسنة [كان] المسلم بفعله أحق، فعلى هذا يقول له المسلم: السلام عليك، وعلى الأول إذا سلم الكافر ابتداء، قال في "التهذيب": فلا يجيبه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه يرد عليه، وكذلك [قال] في "الحاوي": إنه يرد عليه.
وقال: إن في كيفية الرد وجهين حكاهما في كتاب السير:
أحدهما: أنه يقول: وعليك السلام، ولا يزيده عليه.
والثاني: [أنه] يقول: "وعليك"؛ لأنه ربما نوى شرا بسلامه، ويشهد له ما روى مالك والبخاري عن عبد الله بن دينار أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول: السام عليكم، فقولوا: وعليكم".
وفي لفظ "لمسلم" والنسائي: "فقل: عليك" بغير واو.
قال الخطابي: وهو الصواب؛ لأنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه
[بعينه] مردودا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه، لكن الذي يرويه [عامة المحدثين] بالواو.
والسام عند بعضهم: الموت، وعلى هذا تكون الرواية المشهورة أولى.
وفسر بعضهم السام: بالسآمة، وهي: الملالة، أي: تسأمون دينكم، وعلى هذا يظهر ما قاله الخطابي، لكنه لم يذكر سوى التفسير الأول.
قال: ويلجئون إلى أضيق الطرق؛ للخبر.
قال الأصحاب: وليكن الإلجاء بحيث لا يقع في وهدة، ولا يصدمه جدار، وهذا عن ضيق الطريق، فإن خلت الطريق عن الزحمة فلا حرج.
فرع: لا يجوز لمسلم أن يوادهم؛ قال الله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله ...﴾ الآية [المجادلة: 22] قاله الرافعي والبغوي.
قال: ويمنعون أي: بالشرط – كما قاله الماوردي – أن يعلوا على المسلمين في البناء؛ لأن في ذلك استكبارا لهم وتعظيما، ويخشى منه الاطلاع على عورات المسلمين، وقد استأنس الأصحاب [له] بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه".
وعن كتاب ابن كج حكاية قول: أنهم لا يمنعون من ذلك، وعن بعضهم: القطع به، وحمل ما نقل من ترك الإطالة على إطالة جدران الكنيسة.
وعلى الأول: إذا لم يشترط عليهم ذلك، قال الماوردي في "الأحكام": فالمستحب ألا يعلوا.
قال: ولا يمنعون من المساواة؛ نظرا إلى أن المانع في الحالة السابقة خشية الاطلاع على العورات، والحديث قد دل على منع العلو على الإسلام، ولم يوجد.
وقيل يمنعون؛ لقوله تعالى: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾ [البقرة: 61]، فينبغي أن نستحقرهم في جميع الأشياء، ولأن القصد تمييزهم [عن المسلمين في
المساكن كما تميزوا في اللباس والمركوب، والمساواة] تنفي التمييز، والحديث دال على علو الإسلام ولا علو مع المساواة، وهذا ما رجحه أبو الطيب، وصاحب المرشد، وصححه البندنيجي والرافعي والنووي.
فرع: هل يجوز [لهم] إخراج الرواشن إلى طريق المسلمين السابلة؟ فيه وجهان في "الحاوي" وغيره، وجه المنع: إلحاق ذلك بالإحياء، وهكذا الخلاف في آبار حشوشهم إذا أرادوا حفرها في أفنية دورهم.
قال: وإن تملكوا دارا عالية [البناء] أقروا عليها.
قال الشافعي – رضي الله عنه -: أنه على هذا ملكه، وهكذا الحكم فيما إذا كانوا قد بنوها عالية قبل الصلح معهم.
نعم، يمنعون في الصورتين من الإشراف على المسلمين، وألا يطلعوا سطوحها إلا بعد تحجيرها، وإن لم يؤمر المسلمون بتحجير أسطحتهم، ويمنع صبيانهم من الإشراف [وإن [لم] يمنع صبيان المسلمين من الإشراف] على المسلمين، قاله الماوردي.
فرع: لو هدمت الدار العالية وأرادوا إعادتها، فطريقان:
إحداهما: أن الحكم كما لو أرادوا إنشاءها ابتداء، وهذه طريقة البندنيجي وأبي الطيب وابن الصباغ.
والثانية: أن في جواز إعادتها كما لو كانت وجهين، وهذه طريقة الماوردي والقاضي الحسين.
ولا نزاع في أنهم لو استأجروا دارا عالية لم يمنعوا من سكناها، قاله في "المرشد".
تنبيه: في قول الشيخ: على المسلمين، ما يفهمك أنهم لو كانوا منفردين في محلة لا يختلط بهم المسلمون، ولا تتصل محلتهم بمحلة المسلمين، بل يفصم بينهما الخراب – أنه لا يكون حكمهم كذلك.
وفي "الحاوي" في هذه الحالة: أنه لا يمنع بعضهم [من] أن يعلوا على بعض إذا كانوا من أهل ملة واحدة، ولو كانوا من أهل ملتين فهل يمنعون من العلو؟ فيه وجهان، [ونقلهما الجيلي عن "الكافي".
وعلى كل حال فهل يمنع الجميع من الإطالة على جميع بناء المسلمين في ذلك المصر؟ فيه وجهان]، المجزوم به منهما [في "تعليق" القاضي الحسين]، والمختار في "المرشد": أنه لا حجر عليهم في هذه الحالة.
قلت: ويظهر أن يجيء [في هذه الحالة] وجه آخر: أنهم يمنعون من الإطالة [على أقرب بناء إليهم من بناء المسلمين دون بناء سائر البلد؛ كما أن الأصح فيما] إذا كان بناؤهم بين المسلمين أن يمنعون من الإطالة والمساواة لأقصر بناء جيرانهم، ومن هو أقرب منهم دون من عداهم، سواء كان بماء الجار معتدلا، أو في غاية الانخفاض، ووراء الأصح في هذه الصورة أمران:
أحدهما: [فيما] إذا كان بناء الجار في غاية الانخفاض نظر الإمام.
والثاني – وجه حكاه الرافعي عن "الكافي" والورياني، وهو مذكور في "الحاوي"-: أنهم يمنعون من إطالة بنائهم على بناء أحد من المسلمين في جميع ذلك المصر.
ثم ما ذكرناه من المنع لمحض حق الله تعالى حتى يمنع وإن رضي الجار، قال الرافعي: وأظهر الوجهين أنه محتوم، والثاني: [عن] رواية صاحب "التقريب": أنه محبوب، [قال الإمام]: وهو بعيد غير معتد به.
قال: ويمنعون من إظهار المنكر، أي: كالصليب، والأعياد التي لهم، ورفع أصواتهم على أمواتهم، ونكاح المحارم.
قال: والخمر والخنزير والناقوس والجهر بالتوراة والإنجيل، أي: وإن كان
[ذلك] في كنائسهم؛ لما في ذلك من المفاسد، وسواء شرط عليهم ذلك في العقد أو لم يشترط، كما قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ.
وفي "الحاوي": أن ذلك لا يجب إلا بالشرط، وحكى الغزالي وغيره وجها أنهم [لا] يمنعون من الناقوس في الكنيسة – أيضا – تبعا لها.
قال: ويمنعون من إحداث بيع وكنائس، أي: للتعبد [فيها] في دار الإسلام، أي: وإن لم يشترط عليهم [ذلك] كما صرح به أبو الطيب.
وفي "الحاوي": أنه لا يجب إلا بالشرط.
ووجه المنع من ذلك: ما روي أن مسروق بن عبد الرحمن قال: لما صالح عمر – رضي الله عنه – نصارى الشام وكتب إليهم كتابا أنهم لا يبنون في بلادهم ولا فيما حولهم ديرا ولا كنيسة ولا صومعة راهب، ذكره أبو الوليد على كتاب المزني.
وروي [عن] ابن عباس أنه قال: أيما مصر مصرته العرب فليس لأحد من أهل الذمة أن يبني فيه بيعة، وما كان قبل ذلك فحق على المسلمين أن يفوا لهم به؛ يعني: لا يخربونه.
ولأن ذلك معصية؛ فلم يجز إحداثه في بلاد الإسلام.
وهكذا الحكم في إحداث [بيت] نار المجوس، والصوامع، ومجتمع صلواتهم، فلو فعلوا ذلك على غفلة منا نقص عليهم، أما الكنائس التي يراد بناؤها لنزول المارة فيها قال الماوردي: إن شركوا فيها بين المسلمين وبينهم جاز
لهم إحداثها، وإن جعلوها مقصورة على أهل دينهم دون المسلمين، ففي تمكينهم من بنائها وجهان.
ولا فرق فيما ذكرناه بين ما خطه المسلمون كبغداد؛ فإن المستنصر خطها، والبصرة والكوفة؛ فإنهما خطتا في زمن عمر – رضي الله عنه – وكان تخطيط البصرة في سنة سبع عشرة من الهجرة على يد عتبة بن غزوان، وقيل: إنه لم يعبد بها صنم [قط]- وبين ما خطه المشركون وملكه المسلمون: إما عنوة، أو صلحا، ولم يشترطوا فيه إحداث شيء من ذلك، [أو أسلم] أهل تلك البلدة، كالمدينة على ساكنها أفضل – الصلاة والسلام – أما إذا شرط الإمام لهم في الصلح أن يحدثوا ما شاءوا من ذلك؛ نظر:
فإن كان في بلد فتحها المسلون عنوة، أو خطوها – فالصلح باطل.
قال الأصحاب: وما يوجد في البصرة ونحوها من الكنائس لا ينقض؛ لاحتمال أنها كانت في قرية أو برية، فاتصلت بها عمارات المسلمين، فإن عرف إحداث شيء منها بعد بناء المسلمين وعمارتهم – نقض.
وإن كان في بلد فتحت صلحا ففي "الحاوي": أنه لا يجوز أيضا.
وعن الروياني في "الكافي" وغيره: أنه يجوز، وعليه ينطبق قول ابن الصباغ حيث قال: فإن صالحهم على أن تكون الدار للمسلمين ويؤدون الجزية إلينا، فيكون الحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم من إحداث ذلك وعمارته، وهذا [ما] حكاه البندنيجي عن أبي إسحاق.
وإذا وجد في البلدة التي فتحت عنوة كنيسة أو بيعة ونحوها، فهل يجب هدم ذلك، أو يجوز مصالحتهم على إقرارها لهم بالجزية؟ فيه وجهان في الطريقين:
وجه جواز المصالحة على إبقائها، وهو الصحيح في "الحاوي": أثر ابن
عباس – رضي الله عنهما -[السابق، وقد روي أن عمر بن عبد العزيز] كتب إلى عماله: لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار.
والأصح في "الوجيز" و"الرافعي": وجوب الهدم؛ لأن المسلمين قد ملكوها بالاستيلاء فيمتنع جعلها كنيسة، وقد حكى الإمام عن طائفة من الأصحاب القطع به.
وفي "الحاوي": [أنا إذا قلنا]: لا يجوز مصالحتهم عليها، فهل يجوز بيعها منهم لتكون كنيسة على حالها استحبابا لما كانت، أو لا؟ فيه وجهان.
ولا خلاف فيما إذا ملك المسلمون البلدة بالصلح على أن تكون [في أيديهم] بجزية معلومة يؤدونها، وعلى بقاء البيع والكنائس لهم – أنها تبقى؛ لأنه إذا جازت مصالحتهم على أن تكون [جميع] البلدة لهم فجوازها على أن يكون بعضها لهم من طريق الأولى.
وعلى هذه الحالة يحمل ما فرعه الشيخ حيث قال: ولا يمنعون من إعادة [ما أستهدم منها، أي: من الكنائس إذا سقط جميعها، ووجهه: أن إعادة] بنائها بمنزلة استدامتها، فإذا جازت الاستدامة جاز البناء، ولأنهم لا يمنعون من عمارتها وتشييدها إذا خيف وقوعها؛ فكذلك لا يمنعون من الإعادة، وهذا هو ما صححه القاضي أبو الطيب، وقال البندنيجي: إنه المذهب، وعلى هذا فهل لهم توسيع خطتها؟ فيه وجهان، أصحهما: المنع؛ لأن الزيادة كنيسة جديدة متصلة بالأولى.
[قال] وقيل: يمنعون؛ لأن عمر – رضي الله عنه – شرط على نصارى الشام ألا يجدوا ما خرب منها؛ ولأنه يشبه الاستحداث، وهذا قول الإصطخري واختاره ابن أبي هريرة.
وقال الماوردي: الصحيح عندي من إطلاق هذين الوجهين: أن ينظر في خرابها، فإن صارت دراسة مستطرقة كالموات منعوا؛ لأن البناء استئناف إنشاء،
وإن كانت شعثة باقية الآثار والجدران جاز لهم بناؤها، وإن هدموها لاستئنافها لم يمنعوا؛ لأن [عمارة المستهدم استصلاح، وإنشاء الداثر استئناف.
[انتهى].
ولا خلاف في إنهم لا يمنعون] من عمارة بعض جدرانها التي استرمت، لكن هل يجب إخفاء العمارة؟ فيه وجهان، أصحهما – وبه جزم في "الوجيز"-: لا، وعلى هذا يجوز أن يطينها من داخل وخارج، وعلى مقابله: يمنعون من التطيين من خارج.
وإذا أشرف الجدار فلا وجه إلا أن يبنوا جدارا داخل الكنيسة.
قال الرافعي: ويمكن أن يكتفي من يقول بوجوب الإخفاء بإرخاء ستر تقع العمارة وراءه، أو بإيقاعها في الليل.
أما إذا فتحت البلد صلحا، ولم يشترطوا إبقاء الكنائس ونحوها – ففي "الحاوي": أن الحكم في إبقاء الكنائس القديمة كما إذا فتحت عنوة، وفي "الوجيز" وغيره: حكاية وجهين [في وجوب الإبقاء، والأشبه: عدمه، وبذلك يجتمع في المسألة ثلاثة أوجه]:
[أحدها]: يجب الإبقاء.
والثاني: لا يجوز [الإبقاء].
والثالث: يجوز أن يبقى بالبيع منهم.
قال: وإن صولحوا في بلدهم على الجزية لم يمنعوا من إظهار المنكر والخمر، والخنزير، والناقوس، والجهر بالتوراة والإنجيل، وإحداث البيع، والكنائس؛ لأن الدار لهم وليست [بدار إسلام].
وأشار الغزالي [إلى] خلاف في هذه الحالة بقوله: والظاهر: أنهم لا يمنعون من إحداث كنيسة.
وكذلك قول القاضي الحسين: ولا يتعرض لهم فيها
على ظاهر المذهب، يفهم الخلاف.
وهل يمنعون من ركوب الخيل؟ أبدى الماوردي فيه لنفسه وجهين، ووجه المنع بأنهم ربما يتقوون بذلك على المسلمين.
ولا شك في أنهم يمنعون من إيواء الجواسيس، ونقل الأخبار، وما يتضرر به المسلمون في ديارهم.
تنبيه: البيع: بكسر الباء [وفتح الياء]، واحدتها: بيعة: بكسر الباء وإسكان الياء.
واستهدم: بفتح التاء.
قال: ويمنعون من المقام بالحجاز؛ لما روى أبو داود عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -[أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لأخرجن اليهود [والنصارى] من جزيرة العرب؛ فلا أنزل فيها إلا مسلما] وأخرجه مسلم والترمذي.
وروى أبو داود عن ابن عباس – رضي الله عنهم – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:] أوصى بثلاثة، فقال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم"، قال ابن عباس: وسكت عن الثالثة، أو قالها فنسيتها.
وأخرجه البخاري ومسلم مطولا.
والثالثة قيل: هي تجهيز أسامة.
وقيل: يحتمل أنها قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا قبري وثنا"، وفي "الموطأ": ما يشير إلى ذلك.
ووجه الدليل مما ذكرناه: أن الحجاز هو نفس الجزيرة عند بعضهم، وهو الذي أورده القاضي الحسين والشيخ أبو محمد، فعلى هذا وجه الدلالة ظاهر.
وعند بعضهم: هو بعض الجزيرة، كما سنذكره، وهو الأظهر، وبه جزم أصحابنا العراقيون والماوردي وغيرهم.
وقالوا: ما أطلقه صلى الله عليه وسلم من الجزيرة، المراد به: الحجاز، ويدل عليه ما روى أبو عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أن [قال]: "أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب".
فلم يتفرغ أبو بكر – رضي الله عنه لإخراج اليهود والنصارى من الحجاز، وأهل نجران من الجزيرة؛ لقصر مدته واشتغاله بقتال أهل الردة ومانعي الزكاة فأخرجهم عمر – رضي الله عنه – بعده في زمن خلافته؛ كما نقله الإمام مالك وأبو الطيب وغيرهما، ولم ينقل أن أحدا من الخلفاء أجلى من كان باليمن من أهل الذمة، وإن كانت من جزيرة العرب فدل على ما ذكرناه.
ويقال: إن عمر – رضي الله عنه – أجلى من اليهود من الجزيرة زهاء أربعين ألفا، وإن بعضهم التحق بأطراف الشام، وبعضهم بسواد الكوفة.
وسبب إخراج أهل نجران من الجزيرة – وإن لم تكن من الحجاز – أنه ? كان قد صالحهم على ألا يأكلوا الربا فنقضوا العهد وأكلوه.
قال: وهي مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها.
هكذا فسر الشافعي – رضي الله عنه – الحجاز في "الأم"؛ كما نقله البندنيجي.
قال الأصمعي وغيره: وسمي ذلك حجازا؛ لأنه حجز بين تهامة ونجد.
وفي
"صحاح" الجوهري عن الأصمعي: أنه سمي به؛ [لاحتجازه] بالحرار الخمس، ومنها: حرة بني سليم، وحرة واقم، ويقال: احتجز الرجل بإزاره، إذا شده على وسطه.
واليمامة: مدينة بطرف اليمن على أربع مراحل من مكة – شرفها الله تعالى – ومرحلتين من الطائف، وسميت باسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، يقال: هو أبصر من زرقاء اليمامة.
والمخاليف – بفتح الميم وبالخاء المعجمة – جمع "مخلاف" بكسر الميم، وهي قرى مجتمعة.
وعلى هذا التفسير الذي ذكره الشافعي – رضي الله عنه – تكون الطائف والوج – وهو وادي الطائف – وخيبر [من الحجاز؛ لأن الطائف والوج من مخاليف مكة]، وخيبر من مخاليف المدينة؛ كذا قاله الغزالي.
وفي "النهاية": أن المراوزة قالوا: الذي يحرم إقرار المشركين فيه: [مكة، والمدينة ومخاليفها.
وقال العراقيون: إنه] مكة والمدينة واليمن.
والمخاليف حكمها حكم البلاد في جميع الطرق، وقد يتجه عد اليمن من الحجاز؛ لأنه مجتمع العرب؛ ولأجل ذلك حي في "الوجيز" في دخول اليمن في الحجاز وجهين، ورد الرافعي الوجهين إلى أن اليمن هل يدخل في [حد] الجزيرة أم لا؟ وهو الأقرب إلى كلامه في "الوسيط"، والأول هو المفهوم من كلامه في "الوجيز"، ووراء ما ذكره الشافعي – رضي الله عنه – من [تفسير "الحجاز"] أقوال:
منها – عن الحربي –: أن تبوك وفلسطين من الحجاز.
ومنها – عن الكلبي – أن حدود الحجاز: ما بين جبلي طيئ إلى طريق العراق.
وقد ذكرنا أن الحجاز على الطريقة المشهورة: بعض الجزيرة، وقد اختلف
القائلون بهذا الطريق في حد الجزيرة:
فعن الإمام مالك: أنها الحجاز واليمن وما لم يبلغه ملك فارس والروم.
وعن سعيد بن عبد العزيز: أنها ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر.
قال الشيخ زكي الدين عبد العظيم: ويشبه أن يريد بالوادي وادي القرن.
وحكى البخاري عن المغيرة، قال: هي مكة، والمدينة، واليمامة، واليمن.
وقال الأصمعي – وهو المحكي عن الشافعي، كما نقله الماوردي-: هي من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض: فمن جدة وما والاها من ساحل البحر، إلى أطراف الشام.
وقال أبو عبيد: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين يبرين إلى منقطع السماوة في العرض.
والحفر - بفتح الحاء -: هو التراب يستخرج من الحفرة، والحفر هذه ركايا احتفرها أبو موسى الأشعري على جانب الطريق من البصرة إلى مكة، تكون منها على خمسة أميال، وهي مياه عذبة.
ويبرين – بفتح الياء آخر الحروف، وسكون الباء الموحدة وكسر الراء -: رمل لا يدرك أطرافه عن يمين مطالع الشمس من حجر اليمامة.
والسماوة: موضع بالبادية ناحية العواصم.
واختلف الناس في السبب الذي لأجله سميت الجزيرة جزيرة:
فقيل: لانحياز الماء عن موضعها بعد أن كان يجري عليها.
وقيل: الجزر: القطع؛ ومنه سميت الجزيرة؛ لأنها قطعة منه أو: لأن الماء جزر عنه، أي: انقطع، وجزيرة العرب سميت بها؛ لأنها جزرت عنها المياه التي حولها لبحر البصرة، وعمان، وعدن، والفرات.
وقيل: لأن حواليها بحر الحبش وبحر فارس ودجلة والفرات، [فالبحران يحيطان بجانبها الجنوبي]، والدجلة والفرات أحاطا بجانبها الشمالي.
واعلم أنهم كما يمنعون من المقام بالحجاز يمنعون من المقام بسواحل بحره وجزائره وجباله، كما صرح به البندنيجي وغيره، وحكاه ابن الصباغ عن نصه في "الأم".
وفي "النهاية" حكاية وجه: أنهم إذا أقاموا في الطرق المعترضة التي لا تسلك في أوساط البلاد المعدودة، كما بين مكة والمدينة ونحو ذلك، لا يمنعون منه.
ولا نزاع في أنهم لا يمنعون من ركوب بحر الحجاز؛ لأنه ليس موضع إقامة، صرح به البندنيجي وغيره.
وحكى ابن الصباغ أن الشافعي – رضي الله عنه – قال في "الأم": ولا يبين لي أن أمنعهم من [ركوب بحر الحجاز.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنهم لا يمكنون من] المقام في المراكب في "البحر" إلا قدر ما ينزلون في البر، وأقصاه ثلاثة أيام مقام المسافر، ولعله أراد: إذا أذن فيه الإمام، [وأقام في موضع واحد كما سنذكره في البلاد.
قال: وإن أذن لهم، أي: الإمام] أو نائبه، في الدخول، أي: لغير الحرم من بلاد الحجاز؛ لتجارة أو رسالة – لم يقيموا أكثر من ثلاثة أيام، أي: في موضع واحد غير يوم الدخول ويوم الخروج كما صرح به الإمام وغيره.
والأصل فيه: ما روي عن عمر – رضي الله عنه – أنه أجلى أهل الذمة من الحجاز، وضرب لمن قدم منهم تاجرا ثلاثة أيام.
وهكذا الحكم في الإذن لأهل الحرب في دخول ما عدا الحرم من الحجاز.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون له من الشغل ما ينقضي في الأيام الثلاثة، أو لا ينقضي؛ لأنه يمكنه التوكيل فيه.
نعم، لو مرض جاز أن يقيم في الموضع الواحد إلى أن يبرأ؛ لما في ذلك من
المشقة، صرح به القاضي الحسين وغيره من العراقيين.
وفي "النهاية": أنه ينظر: إن تمكن من الانتقال من غير أن تعظم المشقة عليه كلف الانتقال، وإن خيف عليه الموت ترك إلى أن يبرأ، وإن لم يخف [عليه] الموت ولكن [كان] ينال مشقة عظيمة – فوجهان، أصحهما: الانتقال.
قلت: وقياس ما ذكره: أن يترك في حالة يخشى عليه الموت [فيها من الانتقال، إلى أن ينتهي إلى حالة لا يخشى عليه فيها الموت] وإن لحقه مشقة عظيمة [على أصح الوجهين، أو إلى ألا تلحقه مشقة عظيمة] على مقابله، ولا يترك إلى أن يبرأ.
ولا خلاف أن له الانتقال في حالة الصحة من موضع إلى موضع من بلاد الحجاز؛ بشرط ألا يقيم في كل موضع أكثر من ثلاثة أيام، ولا يقوم إذن [غير] الإمام [ونائبه في ذلك مقام إذنهما، صرح به الماوردي وغيره.
[نعم]، لو دخل غير تاجر الحجاز بأمان مسلم، فهل يجب عليه شيء؟ فيه وجهان، والمذهب: المنع.
قال الإمام: ومن يوجب شيئا فلا متعلق له غير الدينار، وهو أقل الجزية، ولا أحد يصير إلى تعشير ما معه من ثوب ومركوب.
ولا يتوقف جواز الإذن منهما على اشتراط [مال] يؤخذ منهم في حالة الدخول للرسالة، بل لا يجوز أن يشترط عليهم في هذه الحالة، وكذلك لا يتوقف الإذن في الدخول [بالتجارة] التي بالمسلمين إليها حاجة على اشتراط مال.
نعم، لو لم يكن بالمسلمين إلى ما يحضرونه حاجة كالعطرة ونحوه، ففي "الشامل" و"تعليق" القاضي أبي الطيب: أنه إذا رأى المصلحة في الإذن بغير
شيء كان له ذلك، وإن رأى المصلحة في الاشتراط لم يجز أن يأذن [الإمام]، إلا أن يشترط عليهم عوضا على حسب ما يراه.
وفي "تعليق" البندنيجي، والقاضي الحسين: أنه لا يجوز أن يأذن في حالة عدم المصلحة للمسلمين في الدخول إلا بعوض، وحكى الغزالي وغيره في المسألة وجهين، ورأى الإمام ترجيح الأول، والمعظم على الثاني.
قال الأصحاب: والأولى: أن يشترط على أهل الذمة نصف العشر، وعلى أهل الحرب العشر؛ لأن عمر – رضي الله عنه – هكذا شرط على من دخل الحجاز، وفيه وجه: أنه لا يجوز الزيادة على ذلك.
ثم إذا أطلق الإذن للكافر الذمي أو الحربي في الدخول بالتجارة، لم يستحق عليه شيء على المذهب في "تعليق" البندنيجي، وهو الصحيح عند الشيخ حيث قال: وقيل: إن كانوا من أهل الذمة، [أي: وقد أطلق الإذن لهم من غير شط]- أخذ منهم لدخول الحجاز [نصف] العشر من تجارتهم، وإن كانوا من أهل الحرب أخذ منهم العشر؛ لتقدير ذلك في الشرع بفعل عمر – رضي الله عنه – فحمل مطلق الإذن عليه.
قال: وليس بشيء؛ لأنه أمان من غير شرط؛ فلم يستحق به مال كالهدنة.
قال الرافعي: والوجهان قريبان من الخلاف السابق في أنه هل يجوز حط أصله، أو أحد الخلافين مبنى على الآخر؟
وأنت إذا تأملت ما حكيته عن البندنيجي وابن الصباغ – عرفت أنه غير مبني عليه؛ فإنهما حكيا الخلاف المذكور في الكتاب، وجزما في مسألة حط الجميع بأحد الوجهين.
ثم حيث وجب أخذ العشر، أو نصف العشر من الحربي أو الذمي – إما بالشرط أو غيره – فهل يتكرر المأخوذ بتكرر الدخول في السنة الواحدة من غير شرط في التكرر؟
قال الأصحاب: أما في الذمي فلا، بل لا يؤخذ منه سوى مرة واحدة في
السنة، وأما في الحربي فالمذهب: أن الحكم فيه كالذمي كما حكيناه عن البندنيجي، وهو ظاهر النص في "الشامل".
ومن أصحابنا من قال: يؤخذ العشر في كل مرة، وإلا فيفضي إلى فوات ذلك؛ لأنه يتجر طول الحول، فإذا قارب حولان الحول انقطع دخوله؛ فيتعذر الأخذ منه، ويخالف الذمي؛ لأنه تحت قبضة الإمام فيمكنه أن يأخذ منه إذا تأخر عن الدخول رأس الحول.
وهذا يفهم أنا على المذهب لا نأخذ العشر أو نصفه إلا بعد مضي حول من حين الدخول كما يفعل [في الجزية]، وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية طريقة طاردة للوجهين في الذمي أيضا.
ولا خلاف في عدم تكرر الأخذ بانتقاله من موضع إلى موضع من دار الإسلام.
أما إذا شرط في الصلح أن يأخذ في كل سنة مرتين، أو في كل شهر مرة، أو يأخذ في كل دفعة يحملون فيها شيئا – كان ذلك جائزا، حكاه القاضي الحسين عن النص، ومن منع من أخذ الزيادة على ما قرره عمر – رضي الله عنه – ورأى عدم التكرار عند عدم الشرط، لم يجوز ذلك الشرط كما أشار إليه الغزالي؛ لأنه زيادة على ما فعله عمر، رضي الله عنه.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أهل الحرب وأهل الذمة في دخولهم الحجاز بين الرجل والمرأة؛ لأنها ممنوعة من دخول الحجاز [كالرجل، بخلاف ما لو ترددت في غير الحجاز] من بلاد الإسلام، لا يجوز أن يشترط عليها شيء من مالها؛ لأنها غير ممنوعة من المقام فيها، صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.
قال: ولا يمكن مشرك، أي حربيا كان أو ذميا، من دخول الحرم، أي: حرم مكة شرفها الله تعالى بحال، أي: سواء أراد الدخول لأداء رسالة، أو طلب تجارة بعوض، أو غيره، أو لسماع كلام الله تعالى، أو تعلم شيء من العلوم؛ لقوله
تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: 28]، [وإن] كان نزول هذه الآية في سنة تسع من الهجرة، والمراد بالمسجد [فيها]: جميع الحرم؛ لأنه قد يعبر به عنه؛ قال الله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى ليلا بعبده من المسجد الحرام﴾ [الإسراء: 1]، وكان [من] بيت خديجة كما نقله الماوردي والبغوي، أو من بيت أم هانئ؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره، وكلاهما في الحرم؛ ولا قائل بأنه يستعمل في مكة دون بقية الحرم.
ويدل على أن المراد ما ذكرناه سياق الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ [التوبة: 28]، أي: إن خفتم انقطاع التجارة والميرة عنكم فاعتصموا بفضل الله، ومعلوم أن ما يجلب إلى البلد، لا إلى المسجد نفسه، وقد روى الشافعي – رضي الله عنه – بإسناده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا لمشرك أن يدخل الحرم"، وروي أنه – عليه السلام – قال: "لا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم"، وخالف الحرم الحجاز؛ لعظم شأنه: من النسك، وتحريم صيده وشجره؛ فكذلك لم نقس عليه.
وعلى هذا: إذا جلبوا تجارة أو حضروا لأداء رسالة أقاموا فيما وراء الحرم على النعت السابق، ويخرج إليهم من يقصد البيع لهم والشراء منهم، ويرسل الإمام من يسمع الرسالة، فإن أبوا إلقاءها إلا للإمام أو نائبه المقيم في الحرم خرج إليهم.
ثم حد الحرم من طريق المدينة: مسجد التنعيم، وهو على ثلاثة أميال، ومن طريق العراق: على سبعة أميال عند ثلة جبل بالمقطع، ومن طريق الطائف: على سبعة أميال أيضا عند طرف عرنة، ومن طريق اليمن: على سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة: على تسعة أميال [من شعب أبي عبد الله بن خالد بن أسيد، وهو من
طريق جدة: على عشرة أميال] عند منقطع الأعشاش، ومن بطن عرنة: على أحد عشر ميلاً.
كذا جمعته من كلام المصنف والماوردي، والهروي في "الإشراف" وغيرهم، وذلك مضبوط بالأعلام المشهورة.
فرع: لو دخل كافر الحرم أخرج، فإن كان جاهلا بالمنع لم يعزر، وإن كان عالما [به] عزر، فلو مرض فيه أخرج ولو خيف موته، ولا يلحق حرم المدينة بحرم مكة؛ لعظم شرفه بتعليق النسك به.
قال: فإن دخل ومات ودفن، أي: ولم يتقطع – نبش وأخرج؛ لأن جيفته أعظم من دخوله حيا، أما إذا انقطع فقد نص الشافعي – رضي الله عنه – على أنه لا يخرج، ويجعل كالفائت لتعذره.
وعن "البحر" وجه: أنه تجمع عظامه إن أمكن ويخرج، وهو ما أورده الإمام، ثم الإخراج يكون إلى الحل من بلاد الحجاز؛ لأنه يجوز أن يدفن الكافر فيها ابتداء كما يقر فيها مريضا، ويخالف الحرم؛ لعظم شرفه.
ورأى الإمام تخصيص جواز الدفن في الحجاز ابتداء بما إذا تعذر نقله إلى غير الحجاز، وأنه يواري مواراة الجيف، وقال فيما إذا كان في طرف الحجاز: لا يدفن فيه؛ [لسهولة النقل.
وفي "التهذيب" و"المرشد": أنه إن أمكن نقله قبل أن يتغير، نقل ولم يدفن فيه]، وإن خيف عليه التغير دفن؛ للضرورة.
والجمهور على الأول.
وحكى الإمام فيما إذا دفن في الحجاز مع إمكان النقل إلى غيره فهل ينبش؟ فيه وجهان، والظاهر منهما: وهذا التفصيل إن أمكن جريانه فيما إذا مات في الحرم بالنسبة إلى الدفن في الحجاز أو غيره لم يبعد المصير إليه.
قال: ولا يدخلون سائر المساجد؛ لما [في ذلك] من استذلالهم له؛ فإنهم يتدينون بإذلاله.
قال: إلا بإذن؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أستر ثمامة بن أثال وربطة إلى سارية
من سواري المسجد، وأنه أنزل ثقيف وسبي قريظة و [بني] النضير في المسجد حتى أمر بهم فبيعوا.
وجواز الإذن منوط بالحاجة، مثل: أن يدخل ليسلم أو ليسمع كلام الله تعالى، أو ليستفتي كما ذكره الماوردي وصاحب "المرشد" وغيرهما، ولا يدخلون للأكل والشرب، بخلاف المسلمين؛ فإن المسلم وإن دخله لذلك فهو يعظمه، قال ابن الصباغ وغيره.
ولا خلاف في جواز الإذن من الإمام ونائبه، وكذا من آحاد المسلمين عند أبي الطيب والقاضي الحسين وابن الصباغ وغيرهم.
وفي "الحاوي": أن الدخول إن كان لمقام أكثر من ثلاثة أيام، لم يصح الإذن فيه إلا من الإمام، أو يجتمع عليه أهل تلك الناحية؛ بشرط ألا يستضر به أحد من المسلمين، وإن كان لاجتياز، أو لبث يسير: فإن كان من الجوامع التي ترتب الأئمة فيه إلا بإذن السلطان، لم يصح الإذن في دخوله إلا من السلطان، وإن كان من مساجد القبائل والعشائر التي أئمتها بغير [إذن السلطان، لم يعتبر إذن السلطان في دخوله.
وفيمن يصح] إذنه وجهان:
أحدهما: كل من صح أمانة لمشرك كما مر في بابه، وهو الأظهر.
والثاني: لا يصح إلا ممن كان من أهل الجهاد من الرجال الأحرار.
وجلوس الحاكم في المسجد للحكم إذن للكافر في دخوله إذا كانت له خصومة.
ولو دخل الكافر من غير إذن نظر: فإن شرط عليهم ألا يدخلوها عزر الداخل، وإلا فوجهان حكاهما القاضي الحسين، والأصح منهما – وبه جزم المصنف وغيره -: وجوب التعزيز، فعلى هذا: لو دخل لسماع القرآن بدون إذن فهل يعزر؟ فيه وجهان حكاهما القاضي أيضا.
قال: وإن كان جنبا فقد قيل: لا يمكن من اللبث [في المسجد]؛ لأنه إذا منع منه المسلم فالكافر أولى، وهذا أصح في "الجيلي".
قال: وقيل: يمكن؛ لأن المسلم يعتقد تعظيمه، والكافر بخلافه، وهذا ما اختاره صاحب "المرشد" والنووي، واستدل له بربط النبي صلى الله عليه وسلم ثمامة بن أثال في المسجد؛ فإنه لا يخلو عن احتلام، وغسله إن اتفق في كفره [لم يعتد] به.
قال: ويجعل الإمام على كل طائفة منهم رجلا، أي: من المسلمين؛ كما ذكره الرافعي والماوردي، يكتب أسماءهم وحلاهم – أي: بكسر الحاء – فيتعرض [لنسبه] ولونه وسنه وغيرها، ويصف وجهه ولحيته وجبهته وحاجبيه وعينيه [وشفتيه] وأسنانه، وآثار وجهه إن كانت.
قال: ويستوفي عليهم ما يؤخذون به، أي: كبلوغ بعض أولادهم، وإفاقة مجنونهم، وعتق عبيدهم، وحضور غائبهم، ويسار فقيرهم.
ووجهة ذلك: اعتبار المصلحة الظاهرة، وكذا يستوفي لهم هذا الرجل ما يتعلق بحقوقهم، فيكتب اسم من مات منهم، أو أسلم، أو جن، أو افتقر، أو زمن ونحوه؛ ليسقط عنه الجزية، ولا يجوز أن يكون الرجل ذميا؛ لأنه لا يعتمد خبره.
نعم، لو جعل الذمي عريفا عليهم لتجهيزهم لأداء الجزية، وشكوا إليه من يتعدى عليهم من المسلمين، ومن يتعدى منهم – جاز، صرح به الماوردي وغيره.
وقال الماوردي في "الأحكام" في باب الفيء: إنه يجوز نصب الذمي لأخذ الجزية منهم والعشر، وهل يجوز نصبه لأخذ الخراج المضروب على رقاب الأرضين إذا صارت في أيدي المسلمين وصارت معاملته معهم؟ فيه وجهان.
قال: وعلى الإمام حفظ من كان منهم في دار الإسلام، ودفع من قصدهم بالأذية، أي: من مسلم وكافر، واستنقاذ من أسر منهم، أي: أو أخذ من أموالهم؛ لأنهم بذلوا الجزية لحفظ أنفسهم وأموالهم، والتزمنا ذلك بالعقد معهم؛ فوجب
الوفاء به، فلو شرط في العهد ألا يدفع عنهم كان [الشرط] باطلا والعقد فاسدا، صرح به أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ؛ لأنه لا يجوز اشتراط تمكين المشركين من استطراق دار الإسلام.
ولا يجب رد ما أخذ منهم من الخمور والخنازير؛ لأنها ليست بمال عندنا، كذا صرحوا به، وفيه نظر من جهة أنه قد ذكرنا في الغضب: أن المسلم إذا غصب خمرا من ذمي وجب ردها عليه، وهو المذهب، وكان قياسه أن تنزع لهم، أما إذا لم يكونوا في دار الإسلام، بل كانوا [في وسط الحرب – فلا مطمع في الذب عنهم، ولو كانوا] منفردين ببلدة في جوار دار الإسلام، قال الفوراني: إن كان فيها مسلمون وجب الذب عنهم أيضا، وإن لم يكن فيها مسلم نظر: إن كان بين بلدهم وبلد أهل الحرب بلد للمسلمين أو مال لهم، فالحكم كذلك عند الماوردي، وأطلق غيره – كالفوراني وغيره – حكاية وجهين في وجوب الذب عند انفرادهم ببلدة:
وأصحهما في "الرافعي": الوجوب عند الإمكان؛ إلحاقا لهم بأهل الإسلام في العصمة والصيانة.
ومقابله: هو الأقيس عند الإمام.
ومحلهما: إذا جرى العقد مطلقا، أما إذا جرى بشرط الذب عنهم [وجب الوفاء بالمتلزم، صرح به الفوراني وغيره.
وقال الإمام: إذا قلنا: لا يجب الدفع عنهم عند الإطلاق، فالرأي ألا يلزم بالالتزام، ولو شرط ألا يذب عنهم] في هذه الحالة صح الشرط؛ لأنه ليس فيه تمكين أهل الحرب من دخول دار الإسلام، قاله أبو الطيب وغيره.
قال الماوردي: ولا يلزمه الذب عنهم؛ إلا أن يخاف عليهم الاصطلام؛ فيجب استنقاذ نفوسهم دون أموالهم.
وقال فيما إذا كان بين أهل الحرب وبين أهل الذمة بلد للمسلمين أو مال،
وشرط عدم الكف عنهم: إن الشرط باطل، ويلزم الذب عنهم.
وقياس ما تقدم: فساد العقد، وأطلق الإمام حكاية وجه: أن شرط ترك الذب فاسد، والظاهر الأول.
نعم، هل يكره؟ نقل عن نصه في موضع: أنه يكره، وفي موضع آخر: لا [يكره].
قال الأصحاب: وليس ذلك باختلاف قول؛ بل الأول محمول على حالة الابتداء بالشرط منا؛ [لأنه يؤذن بالضعف، والثاني محمول على حالة الابتداء بالشرط منهم].
قال: فإن لم يفعل حتى مضى الحول لم تجب الجزية؛ لأنها في مقابلة الحفظ، ولم يوجد.
قال البندنيجي: ويستأنف الحول من حين المعاونة، ولو لم يفعله في بعض الحول سقط ما يقابله، قاله الماوردي.
فرع: لو أغار أهل الحرب على أهل الذمة، فقتلوا منهم، وأتلفوا أموالهم، فظفر بهم الإمام – لم يقتص منهم؛ لأنهم لم يلتزموا حكم الإسلام.
ولو أغار عليهم أهل الهدنة، فقتلوا منهم، أو أتلفوا – أخذهم بضمان ذلك.
نعم، لو كانوا قد نقضوا العهد قبل الغارة على أهل الذمة ففي أخذهم بضمان ما أتلفوه من نفس أو مال القولان في أهل الردة.
قال: وإن تحاكموا إلينا مع المسلمين وجب الحكم بينهم، أي: سواء كان المسلم طالبا أو مطلوبا؛ لمنع الظلم عن المسلم، ومنعه عن الظلم، ولأن المسلم لا يمكنه النزول على حكم الكفار؛ فتعين فصل الخصومة بحكمنا.
قال: وإن تحاكموا بعضهم في بعض ففيه قولان.
أحدهما: يجب الحكم بينهم، أي: بحكمنا؛ لقوله تعالى: {وأن احكم بينهم
بما أنزل الله} [المائدة: 49]، وهذا أمر، [وظاهر] الأمر يقتضي الوجوب، ولأنه يلزمه أن يدفع عنهم من قصدهم من مسلم أو ذمي أو حربي؛ فلزمه أن يحكم بينهم كالمسلمين، وهذا أصح عند الماوردي والإمام البغوي والروياني وغيرهم، واختاره المزني.
والثاني: لا يجب؛ لأنهم كفار فلم يجب الحكم بينهم؛ كما لو كانوا معاهدين، وقد دل الكتاب العزيز على عدم وجوب الحكم بين أهل العهد بقوله تعالى: ﴿فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: 42]؛ فإنها نزلت في يهود المدينة الذين هادنهم النبي ? وهم قريظة وبنو النضير وبنو المصطلق من غير جزية، قال الشافعي – رضي الله عنه –: ولا أعلم مخالفا بين أهل العلم فيه.
وهذا ما [نص عليه في الجديد كما حكاه القاضي الحسين، وهو المذكور في "المختصر"، و] اختاره الشيخ أبو حامد وابن الصباغ، وقد اختلف في محل القولين على طرق حكاها ابن الصباغ وغيره في نكاح المشركات:
أحدها: أنهما في حقوق العباد، فأما حقوق الله تعالى فتجب قولا واحدا.
والثاني: أنهما [في حقوق الله تعالى، فأما] في حقوق العباد فتجب قولا واحدا.
والثالث – وهو أظهرها على ما حكي [عن] الشيخ أبي حامد -: طرد القولين في الحالين.
وحكى الماوردي في كتاب السرقة طريقة [أخرى]، وهي أن ما تحاكموا فيه إن ثبت بغير مراضاة [الخصمين]: كالقصاص في الجنايات، والغضب في الأموال – لزمه استيفاؤه؛ لأن دار الإسلام تمنع من التعدي والتغالب، وإن كان عن مراضاة كديون المعاملات؛ ففي وجوب الاستيفاء القولان.
وعند الاختصار يجيء في حقوق الله تعالى والعباد خمسة أقوال:
منها ثلاثة [أقوال] حكاها الماوردي في باب حد الذميين.
ثالثها: يجب الحكم في حقوق العباد، ولا يجب في حقوق الله تعالى.
[ورابعها: يجب في حقوق الله تعالى] ولا يجب في حقوق الآدميين، وعلى هذا ينطبق إقامة حد الزنى ونحوه عليهم، وإن لم يرضوا بحكمنا كما تقدم.
وخامسها: يجب فيما ثبت بغير التراضي، ولا يجب فيما ثبت بالتراضي وهذا كله إذا اتحدت ملمتها، أما لو اختلفت فطريقتان:
منهم من قال: في وجوب الحكم القولان – أيضا – وهي طريقة أبي إسحاق.
ومنهم من جزم بالوجوب، وهي طريقة ابن أبي هريرة، وقال الإمام في نكاح المشركات.
إن عليها معظم الأئمة.
وصححها الرافعي، ولم يحك القاضي الحسين في هذا الكتاب سواها، وقال: إنه لا يختلف المذهب في ذلك.
قال الإمام: والقائل بهذه عول في الفرق على أن المختلفين قد لا يجتمعان على حاكم؛ فيؤدي إلى أن تبقى الخصومة ناشبة، وهذا يتحقق بين المتفقين، وفي ذلك [فضل] نظر، وهو أنه إذا لم يكن لأهل الذمة في بلد الخصومة حاكم فما قرره الأصحاب من دوام الخصام في المختلفين محقق هاهنا؛ فيلزم على موجب ذلك: أن يجب على حاكمنا الحكم إذا لم يكن لهم حاكم، وكذا إذا كان وامتنع [أحد الخصمين]؛ إذ يبعد أن يلزمهم حكم الكفر، ويكون وزير حاكمهم حتى يعدى من جهتهم.
ومن تأمل ما ذكرته علم ضعف القول بعدم الوجوب، والطريقان جاريان فيما إذا ترافع إلينا ذمي ومعاهد، لكن الأظهر هنا طرد القولين، وهي التي أوردها ابن الصباغ في نكاح المشركات، والمذكور في "تعليق" القاضي الحسين: [طريقة] الجزم.
وفي "الحاوي" في كتاب الجزية الجزم بعدم الوجوب؛ تغليبا لحكم الإسقاط.
ومحله – كما نبه عليه في كتاب السرقة – إذ لم يكن بسبب قصاص وغضب؛ فإن كان وجب قولا واحدا؛ كما ذكره في السرقة.
التفريع:
إن قلنا بالأول، فإذا استعدى خصم على خصم وجب أعداؤه وإحضار الخصم؛ ليحكم بينهما، ووجب على المعدي إليه الحضور، وإن قلنا بالثاني لم يجب الإعداء.
قال القاضي الحسين هنا: بل لا يجوز له ذلك.
وقال في كتاب اللعان: إنا على هذا نجبرهما على الترافع إلى حاكم أهل دينهما، ولا نمكنهما من التخاصم والتواثب.
وهذا ما أشار إليه الإمام واستبعده.
ثم إذا أعدى القاضي كان المعدي إليه بالخيار [في الحضور]، ولا يحضر جبرا، قال القاضي الحسين: وإذا حضر فلا يحكم عليه ما لم يرض بحكمنا، فإذا رضي به حكم.
قال الإمام: وينفذ حكمه، ولا خيرة له بعد ذلك الحكم.
وفي "المهذب": إنه إذا حكم لم يلزم [ذلك] الحكم.
قال ابن يونس: إلا إذا التزموه بعد الحكم.
وهذا موافق لما سنذكره عن الماوردي في أهل الهدنة.
قلت: ويمكن أن يكون مأخذ اختلاف النقلين [اختلاف القولين] في أن حكم المحكم يلزم بنفسه، أو لابد من التراضي عليه بعد الحكم؟ على أنه [لو] رتب ذلك فيل: إن قلنا: إن حكم المحكوم ينفذ بنفسه بعد حكم الحاكم هنا، على القول بعدم وجوب الحكم عليه؛ فرضاهما ابتداء بالحكم من طريق الأولى، وإن قلنا بتوقف نفوذ حكم المحكوم على التراضي به [بعد الحكم]، فهاهنا [أولى، وهو] محل النظر؛ فيجوز أن يقال بالتوقف أيضا، ويجوز أن يقال: لا؛ لأن الحاكم أهل للحكم بالجملة بخلاف المحكم – لم يبعد، والله أعلم.
ووراء ما ذكرناه أمران غريبان:
أحدهما: ما أفهمه كلام الغزالي: أنا على القولين لا نحكم إلا [إذ] رضي الخصمان جميعا؛ حيث قال: ولا نحكم إلا إذا رضي الخصمان جميعا بحكمنا.
قال الرافعي: ويمكن حمله على ما قاله الأصحاب بأن يجعل هذا الكلام من تتمة قوله: "ولا يجب الحكم بين المعاهدين".
الثاني: قال الماوردي في "باب حد الذميين": [إنا] إذا قلنا بعدم وجوب الحكم وعدم وجوب الحضور فذاك إذا لم يشترط [عليهم] في عقد [الذمة] التزام أحكامنا، [أما إن شرط عليهم في عقد الذمة أن تجري عليهم أحكامنا] فيلزم الحاكم أن يعديهم، ويحكم بينهم، ويلزمهم الحضور إليه والتزام حكمه.
وهذا منه نزعة [إلى ما] ذكرناه عن القاضي الحسين: أنه لا يشترط التصريح بالتزام أحكامه الملة، أما إذا قلنا بوجوبه فلا يمكن اجتماع هذين الكلامين.
قال: وإن تبايعوا بيوعا فاسدة، أي: كما إذا تبايعوا درهما بدرهمين، أو الخمر والخنزير [ونحو ذلك].
قال: وتقابضوا، ثم [ترافعوا إلينا]، لم ينقض ما فعلوا؛ لانتهاء الأمر ونجازه في الشرك مع أنهم مقرون على ما استقر بينهم.
قال: وإن لم يتقابضوا نقض عليهم؛ لأن العقد لم يتأكد بقبض فأجرى عليهم حكم الإسلام، لكن هل يجوز للمسلمين أخذ أثمان ذلك منهم مع العلم بصورة الحال؟ فيه كلام استوفيته في كتاب الرهن، وهذا بخلاف ما لو تناكحوا
[نكاحا فاسدا] وترافعوا إلينا؛ فإنا ننظر: إن كان في حال الترافع يجوز ابتداء العقد في الإسلام أقررناهم، ولا ننظر إلى شرائط العقود كما نفعل في حالة إسلامهم، وإن كان لا يجوز كما إذا كانت في العدة، أو مطلقة منه ثلاثا ولم يدخل بها زوج بعده، أو محرما له – فإنا لا نمضيه؛ لأن النكاح قد استمر حكمه بعد الترافع.
وفي "الحاوي" في كتاب السرقة: أنهم إذا نكحوا ذوات محارمهم، فإن كانوا لا يعتقدون إباحته [في دينهم كاليهود، لم يقروا على عهدهم، وصار منهم كالزنى، [وإن اعتقدوا إباحته] كالمجوس أقروا عليه.
وفي غير "الحاوي": أنه] لو كان الترافع من مجوسي ومجوسية في طلب النفقة، أو بين كتابي ومجوسية ففي جواز تقريرهم وإلزامهم النفقة وجهان، والظاهر: التقرير والحكم بالنفقة؛ كما لو أسلما.
ومقابله – وهو المنع – ينسب إلى الإصطخري، واختاره القاضي الحسين، ورجحه الإمام؛ لأن المجوسية لا يجوز نكاحها في الإسلام.
ولو ترافعوا في نكاح شخص لأختين، [وقد طلبتا] فرض النفقة – قال الإمام ففيه تردد، والذي أرى القطع به: المنع؛ لقيام المانع، وحيث لا يجوز التقرير، قال فالقاضي المرفوع إليه يعرض عنهما، أو يفرق بين الزوجين؟ فيه وجهان.
أرجحهما عند الإمام: الإعراض، وإنما يفرق إذا رضوا بحكمنا.
ووجه الثاني: أنهم بالرفع أظهر، وأما [ما] خالف الملة فأشبه ما إذا أظهروا خمورهم، وهذا ما حكاه البندنيجي، وأسنده القاضي الحسين في كتاب الجزية في نكاح المحرمة، والمعتدة ونحوهما إلى النص؛ لتعلقه بحق الغير.
فرع: لو باع الذمي من ذمي آخر درهمين بأربعة دراهم، وقبض البائع درهمين من الثمن ثم ترافعوا – قال الأصحاب: إن كان المشتري قصد بما دفعه الأصل
فالقول قوله، وبطل القدر الزائد عنه، وإن كان قد قصد بما دفعه الفائدة – بقي الأصل في ذمته، ولا يسترجع من الآخذ شيء، وإن كان قد قصد الدفع عنهما بقي في ذمته نصف الأصل وهو درهم واحد، وإن لم يكن قد قصد شيئا فوجهان:
أحدهما: يكون نصفه للأصل ونصفه للربح، وقد سبق حكمهما.
والثاني: له أن يصرفه الآن إلى أيهما شاء من الأصل والربح، صرح به القاضي الحسين، وهو وزان ما ذكرناه فيما إذا كان عليه دين برهن ودين بغير رهن، فدفع للمدين شيئا من جنس دينه.
قال: وإن ترافعوا إلى حاكم لهم، فألزمهم التقابض، أي: وتقابضوا، ثم ترافعوا إلى حاكم المسلمين – أمضى ذلك [الحكم] في أحد القولين، كما لو تقابضوا بالتراضي، وكما لو أسلموا بعد التقابض بإلزام قاضيهم، وهذا أصح عند الرافعي والنووي وغيرهما.
ولا يمضيه في الآخر؛ لأنه قبضه عن كره؛ فأشبه ما لو لم يقبض، وهذا ما اختاره في "المرشد".
وعن الشيخ أبي محمد: إجراء الخلاف – أيضا – فيما لو أسلموا بعد التقابض بإلزام قاضيهم.
وقال الإمام: إنه منقاس؛ لأن الالتزام بالترافع أضعف من الالتزام بالإسلام، وإذا ألزمنا المترافعين حكم الإسلام فلأن نلزمه المسلمين أولى، والخلاف يجري فيما إذا أتلف بعضهم لبعض خمرا أو نحوها، فألزمهم [حاكمهم إقباض البدل]، فقبض بالإلزام، ثم طرأ منهم إسلام، أو ترافع [بعضهم]، وضعف الإمام القول برد القيمة.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ – رحمه الله تعالى – يقتضي أمرين:
أحدهما: أن حاكمنا يمضي حكم حاكمهم على القول الأول، كما يمضي حكم أحد حكام المسلمين.
وقال البندنيجي: إنا حيث نقرهم على أحد القولين لا نقرهم من حيث إنه إمضاء لقضاء قاضيهم وإنفاذه، ولكن بحكم ما وقع من القبض.
ويعضده أن الماوردي حكي أن الإمام إذا قلد على أهل الذمة واحدا منهم حاكما، كان حكمه غير لازم لهم، وكان فيه كالمتوسط بينهم، خلافا لأبي حنيفة.
قلت: ويعضد هذا قول [الغزالي: إنه لا يقبل المسلم نكاح كافرة من قاضيهم]، وعلى هذا [يكون معنى] قول الشيخ: "أمضاه": أنه لا يتعرض له.
لكن الذي دل عليه كلام الإمام والقاضي الحسين كما سبق [اعتبار أفعال] قاضيهم، ويشهد له الخبر المذكور في أمر اليهود حين مروا على الرسول صلى الله عليه وسلم بواحد منهم محمم، ولم ينكر عليهم إقامة الحد، بل سأل: [هو] التحميم أو غيره؟ فلو لم يكن لقاضيهم حكم لأنكر نفس إقامة الحد، والله أعلم.
الثاني: أنه على القول الآخر لا يمضيه، وعدم إمضائه تارة يكون بتركه وإهماله كما قال أصحابنا فيما إذا رفع [إلى قاض] من قضاة الإسلام حكم
آخر، وكان لا يراه: هل يمضيه، أو لا يمضيه، بل يتركه ولا يتعرض له؟ وتارة يكون بأن ينقضه، وهو الأقرب هاهنا، وبه صرح البندنيجي وغيره حيث قالوا: يكون كما لو ترافعوا قبل القبض.
وهذا كله عند الترافع، أما إذا لم يترافعوا إلينا فلا يتعرض لهم إلا أن يظهروا [ذلك]، [فإن أظهروه]، قال في "الحاوي": إن لم يتعلق بالمنكرات الظاهرة كالبيوع الباطلة، والمناكح الفاسدة – لم يتعرض لهم، وإن كان من المنكرات الظاهرة كنكاح ذوات المحارم، وبيع الخمور والخنازير – فيمنعون منها، وفي فسخ عقودهم عليها وجهان.
وقد حكى المتولي في نكاح المحارم في حالة عدم الإظهار مع العلم بفعلهم لذلك الوجهين، وقال: إن الصحيح عدم التعرض لهم، وبه جزم القاضي الحسين؛ لأن الصحابة عرفوا من حال المجوس: [أنهم ينكحون المحارم]، ولم يتعرضوا لهم.
ومقابله – حكاه الزبيري قولا -: إن الإمام يفرق بينهما؛ كما لو عرف أن المجوسي نكح مسلمة أو مرتدة
قال: وإن أسلم [منهم] صبي مميز، أي: أتى بالشهادتين – لم يصح إسلامه؛ لأنه غير مكلف بالشرع؛ فلم يصح إسلامه كغير المميز والمجنون؛ فإنه لا يصح إسلامهما إجماعا، وهذا ما نص عليه الشافعي – رضي الله عنه – قديما وجديدا؛ كما نقله الإمام.
فعلى هذا [قال الشافعي – رضي الله عنه]-: يفرق بينه وبين أبويه؛ كي لا يفتن عن دينه.
انتهى.
فإذا بلغ ووصف الإسلام يكون مسلما من حين وصفه بعد البلوغ، وإن [وصف الكفر] استحب أن يهدد، فإن أصر على الكفر رد إلى أهله، قاله البغوي وغيره.
وما ذكرناه من الحيلولة قد ادعى الإمام في أثناء كلامه في مسائل الهدنة أنه مما أجمع عليه [الأصحاب]؛ لأن صدور ذلك منه يغلب على الظن تعلق قلبه بالهدى، وظن توقع الإيمان إذا غلب لم يعطل، وقال في باب اللقيط قبيل فصل أوله: "لا دعوى [للمرأة] ": لم أر أحدا من الأصحاب يشير إلى جواز تركة تحت حضانة الكافر، ولا يبعد في القياس ألا ينتزع من يد الكافر، [ولكن يستحب نزعه مع استرضاء الأب الكافر]؛ فإن نزعه من يده التزام أمر وإبطال حق.
وقال في أوائل الباب: إن الشافعي – رضي الله عنه – قال في بعض مجاري كلامه: إذا نطق صبي مميز من صبيان الكفار بالإسلام، وظهر لنا إضماره بالإسلام – نحول بينه وبين الكفار.
و [هذا] الذي ذكره الشافعي – رضي الله عنه – مما اختلف أصحابنا فيه تفريغا على مذهبه الصحيح:
فقال بعضهم: هذه الحيلولة محتومة.
وقال بعض أصحابنا: مما قاله الشافعي – رضي الله عنه – محمول على أنا نتوصل إلى ذلك برفق ونستعطف فيه أبويه، فإن أبيا لم نحل بينه وبينهما؛ فإن لفظ الصبي في ذلك لا حكم له، وهذا ما أورده المتولي حيث قال: يستحب أن يفصل بينه وبين أقاربه الكفار.
وقيل: يصح إسلامه في الظاهر دون الباطن.
معنى [هذا] الوجه – كما قاله ابن الصباغ في كتاب الظهار -: أن إسلامه يكون مراعى، فيفرق بينه وبين أبويه، فإن بلغ ووصف الإسلام كان مسلما من حين تلفظ بالشهادتين، وإلا فلا، ووجهه: بأنه لا يوثق منه بما كان في الصغر، إلا إذا أنضاف إليه الإتيان بعد البلوغ بالشهادتين، ووراء ذلك وجهان آخران:
أحدهما – حكاه ابن الصباغ وغيره عن الإصطخري:- أنه يصح إسلام؛ كما
تصح صلاته وصيامه، ولأنه يمكنه معرفة التوحيد بالنطق والاستدلال؛ فصح منه كالبالغ، وقد حكاه في "المهذب" في باب قتال المشركين ولم ينسبه لأحد، وادعى الغزالي أن هذا الوجه خرج من قول الشافعي – رضي الله عنه -: حيل بينه وبين الكفار.
وذلك قاله الماوردي في عقد الهدنة ونسبه إلى [ابن] أبي هريرة، وخطأه، وادعى الإمام أنه القوي توجيها.
والثاني – حكاه الإمام عن رواية شيخه عن الشيخ أبي إسحاق -: أنه إذا عقل الصبي وعلم الإسلام وعقده فهو من الفائزين إذا مات على عقده هذا صبيا، وإن كان لا يتعلق بإسلامه أحكام الدنيا، وعن هذا عبر المعبرون: بأنه يصح إسلامه في الباطن دون الظاهر.
قال الإمام: وما عندي أن هذا الخبر يختلف فيما صار إليه، والفرق على المذهب بينه وبين الصلاة: أن الصلاة حيث صحت منه كانت نفلا، والإسلام لا يتنفل به، بل [الإتيان به] يكون فرضا، وأداء الفرض لا يصح من الصبي.
قال: فإن امتنعوا من أداء الجزية والتزام أحكام الملة، انتقض عهدهم؛ لأن الذمة لا تنعقد إلا بهما، فلم تبق دونهما.
ولا فرق في امتناعهم بين أداء الجزية، أو القدر الزائد على الدينار إذا التزموه بالعقد، وفي معنى الامتناع من الشرطين: قتال المسلمين؛ فينتقض به العهد، سواء [شرط] عليهم في العقد أو لم يشترط، وسواء انفردوا به أو قاتلوا مع أهل الحرب؛ لأن قتالهم يوجب علينا أن نقاتلهم، وذلك ينافي عقد الذمة؛ فدل على نقض العهد، وقتالهم مع أهل البغي قد ذكرنا حكمه في باب قتال أهل البغي، وهذا هو الصحيح، ووراءه أمور:
أحدها: حكى القاضي الحسين في باب حكم المرتد عند امتناعهم من بذل الجزية [بعد أن التزموها وأدوها] عن ابن سريج رواية ثلاثة أوجه: