كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 83-122
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 83-122
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وروى عن ابن عمر أنه قال: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعبد الرحمن ابن عوف, فأفردوا, لوم يقرنوا, ولم يتمتعوا.
وإذا كان هذا فعله -عليه السلام- وصحابته, كان هو الأفضل.
ولأن الإفراد أكثر عملًا؛ فإنه يأتي بالنسكين كاملين, [لا تداخل فيهما] , ولا يتعلق به [وجوب دم] جبران, بخلاف التمتع والقران؛ فإنهما يجبران بالدم, والجبران دليل نقصان.
قال: ثم التمتع, ثم القران, لأن المتمتع يأتي بعملين بتمامهما, بخلاف القارن, وموجبات الدم في التمتع [أقل] منها في القران, وما قل نقصه كمل حاله.
وما ذكره الشيخ من تفضيل الإفراد على التمتع, وتفضيل التمتع على القران -هو الذي نص عليه في "المختصر" وعامة كتبه, وهو الجديد, والمختار في "التهذيب" و"المرشد" وما بعدهما.
ونقل العراقيون قولاً ثانيًا في المسألة يعزى إلى نصه في "اختلاف الحديث": أن التمتع أفضل من الإفراد والقران, وهو اختيار المزني -كما قال الفوارني- لما روى مسلم عن عمران بن حصين قال: "تمتع نبي الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا معه", ولأجل هذه الرواية قال ابن سريج: إنه -عليه السلام- كان متمتعًا في حجة الوداع.
وقد جاء في "البخاري" و"مسلم" أنه -عليه السلام- قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت, لم أسق الهدي, وجعلتها عمرة", فتمنى تقديم العمرة, ولولا أنه أفضل لم يتمنه.
قال القاضي الحسين: وهذا [الحديث] ليس على ظاهره؛ لأنه يوجب أن سوق

الهدى يمنع العمرة, وقد انعقد الإجماع على خلافه.
والقائلون بهذا القول قالوا: من روى أنه أفرد إنما قال ذلك؛ لأنه رآه يهل بالحج, فظن أنه أفرده وأحرم به ابتداء وكان –عليه السلام- قد تقدمت عمرته على الحج, لكن خفي عليهم ذلك.
والقائلون [بالقول الأول] قالوا: ما روي من أنه –عليه السلام- تمتع, يحتمل أن يكون المراد أنه تمتع بع التحلل من الحج وقبل الإحرام بالعمرة.
ومنهم من حمله على أنه أمر بالتمتع, وذلك جائز في اللغة, ألا ترى أنه روي "أن ماعزًا زنى؛ فرجمه –عليه السلام", وإنما أمر برجمه.
وأجابوا عما ذكر من التمني: بأنه أراد به تطييب قلوب من أحرم بالعمرة؛ لأنه –عليه السلام- كان أحرم إحراماً مبهمًا, كما رواه جابر, وكان ينتظر الوحي في اختيار أحد الوجوه الثلاثة, فنزل الوحي بأن [من] ساق الهدي, فليجعله حجًا, ومن لم يسقه فليجعله عمرة, وكان –عليه السلام-[هو] وطلحة قد ساقا الهدي دون غيرهما, فأمروا أن يجعلوا إحرامهما عمرة, ويتمتعوا, وجعل –عليه السلام- إحرامه حجًا, فشق عليهم ذلك؛ لأنهم كانوا يعتقدون من قبل أن العمرة في أشهر الحج من أكبر الكبائر؛ فقال –عليه السلام- ذلك إظهارًا للرغبة في موافقتهم لو لم يسق الهدي؛ فإن الموافقة الجالبة للقلوب أهم بالتحصيل من فضيلة يختص بها؛ ولهذا يؤثر للمتطوع الصائم أن يفطر للموافقة, ويستدرك بالقضاء.
وقد توافق القولان على تأخير القران عن الإفراد والتمتع.
والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما يقولون: لا خلاف على مذهب الشافعي أن الإفراد والتمتع أفضل من القران, لكن في "الوسيط" حكاية قول: أن القران أفضل من التمتع.
قلت: ويشهد له أن الماوردي حكى في السير: أن رواة القران: أربع من الصحابة ورواة التمتع ثلاثة, وكثرة الرواة مما يرجح به, ولهذا رجحنا الإفراد عليهما؛ لأن

رواته من الصحابة خمسة.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: أن المزني وأبا بكر بن المنذر قالا –تبعًا لأبي حنيفة وإسحاق-: إن القران أفضل الثلاثة.
وقال في "الشامل" إنه اختيار أبي إسحاق المروزي؛ لقوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] , وقد تقدم أن إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
وروى مسلم عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بهما جميعًا: "لبيك عمرة وحجًا", وأخرجه البخاري بمعناه.
والقائلون بالأول قالوا: ما ذكرناه من رواية الإفراد معارضة لهذه الرواية, وهي أولى؛ لاعتضادها بالمعنى, ولأن جابرًا أقدم صحبة, وأشد عناية بضبط المناسك وأفعاله صلى الله عليه وسلم من لدن خروجه من المدينة إلى أن تحلل.
وروي أن رجلًا أتى من العراق وسأل ابن عمر –رضي الله عنهما- عن حجة [النبي صلى الله عليه وسلم] فقال: كان مفردًا, ثم رجع إليه في العام المستقبل, وسأله عن حجه –عليه السلام- ثانيًا, فقال: "ألست أخبرتك في العام الماضي؟! " فقال: إن أنسًا –رضي الله عنه- عندنا يزعم أنه قرن, فقال: وهل كان أنس يلج على النساء وهن متكشفات وكنت أمشي تحت ثفنة ناقته –عليه السلام- ولعابها يسيل علي, وهو يقول: "لبيك بحجة"؟ والقائلون بأن التمتع أفضل قالوا: قوله –عليه السلام-: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ... " إلى آخره, نفى أنه كان قارنًا؛ لأنه لو كان قارنًا لكان محرمًا بالعمرة, وكان لا معنى للتمني.
ومن روى أنه قرن أراد على جهة التوالي والتعاقب, لا على جهة الاجتماع والتزاحم.

ووراء ما ذكرناه طريقة أخرى حكاها الإمام عن بعض التصانيف –وهي في "الإبانة"-: أن مذهب الشافعي –رضي الله عنه- أن الإفراد أفضل من التمتع والقرآن, جزمًا, وهل التمتع أفضل من القرآن أو العكس؟ فيه القولان.
وقد بقى من تتمة الكلام في المسألة بيان محل كون الإفراد أفضل, فسنذكره.
قال: والإفراد: أن يحج, ثم يخرج إلى أدنى الحل –أي: بعد التحلل منه؛ كما قاله بعضهم, مع أن في كلام الشيخ غنية عنه- ويحرم بالعمرة.
هذا التفسير وافق الشيخ فيه البندنيجي وغيره, وهو إن يريد به بيان حقيقة الإفراد, فهو يخرج من أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج, ثم حج من الميقات, ومن لم يحرم إلا بالحج من الميقات في سنته –عن أن يكون منفردًا.
وقد قال القاضي الحسين والإمام: إنه مفرد في كل واحدة منهما بلا خلاف, وصرح به الغزالي في الأولى.
ولو أريد به بيان الإفراد الذي هو أفضل من التمتع والقران, فهو يخرجهما –أيضًا- لكن قد صرح بإخراج الأخير وإخال الأول الرافعي؛ حيث قال: إن محل كون الإفراد أفضل إذا اعتمر في تلك السنة, أما لو أخر, فكل واحد من التمتع والقران أفضل منه؛ لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه.

و [قد] صرح بإخراج الأول القاضي أبو الطيب والماوردي حيث قالا: الإفراد الذي يختاره الشافعي إفراد الحج الذي يكون بعده عمرة في عامه, فأما إذا أفرد الحج من غير عمرة, فالتمتع والقران أفضل منه.
قال الماوردي: وقد روى عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- أنه –عليه السلام- قال: "تابعوا بين الحج والعمرة, فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد".
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية عن المذهب خلاف ما قاله الرافعي؛ فإنه قال: نحن إنما نفضل الإفراد على القران إذا أراد أن يأتي بكل واحد من النسكين على الانفراد, فأما إذا أراد الاقتصار على أحدهما, والإعراض عن الثاني أصلًا, فالقران أفضل منه لا محالة, وأبو حنيفة يوافقنا في أن [الإتيان] بكل واحد من النسكين على الانفراد أفضل من الجمع بينهما؛ فيبقى الخلاف في أنه إذا حج في سنة

واعتمر في أخرى, يكون أفضل عندنا من أن يجمع بينهما, خلافًا له, ثم مال القاضي إلى قول أبي حنيفة؛ لأن للتأخير آفات.
قال: والتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج, ويفرغ منها, ثم يحج في عامه, سمي بذلك؛ لأنه بصدد أن يتمتع بما كان عليه محظورًا بينهما, ولانتفاعه بسقوط العود إلى الميقات [للحج؛ فإن التمتع لغة –كما قال الواحدي-: التلذذ والانتفاع؛ يقال:] تمتع به, أي: أصاب منه, والمتاع: كل شيء ينتفع به, وأصله من قولهم: حبل ماتع, أي: طويل.
قال القاضي أبو الطيب وغيره: وليس يريد بكونه يحج في عامه أن يفعل جميع الحج, بل إذا فعل جزءًا من الحج بعد العمرة, كان متمتعًا؛ لأن ما جعل غاية, فوجود أوله كاف؛ كقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]. وقد وافق الشيخ فيما ذكره من التفسير البندنيجي, وابن الصباغ, وغيرهما, وهو يقتضي أمرين: أحدهما: أن اسم "المتمتع" يصدق على من يجب عليه الدم لاجتماع الشرائط التي سنذكرها فيه, وعلى من لم يجب عليه لفقد شرط منها, وسيأتي في كلام الشيخ ما يدل عليه أيضًا, وهو الذي صرح به الماوردي, وحكاه في "الزوائد" عن الشيخ أبي حامد, والآية توافقه, وكذا قول الأصحاب: إن المكي لا يكره له التمتع والقران, خلافًا لأبي حنيفة -رحمه الله- لكن المحكي عن القفال: أنه [لا] يسمى متمتعًا ما لم تجتمع الشرائط المذكورة [فيه] , وحكى فيه نصًا للشافعي, والاشتقاق السابق يعضده.
الثاني: أن من أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج, وطاف, وسعى في أشهره –أنه لا يكون متمتعًا, ولا يجب عليه دم, وقد حكى أبو الطيب وغيره في وجوبه قولين: أحدهما: قاله في القديم و"الإملاء"-: أنه يكون متمتعًا, وعليه دم.
والثاني: قاله في الجديد [و"الأم"] , وهو المختار في "التهذيب"

و"المرشد", والصحيح في "تعليق" القاضي الحسين وغيره-: أنه لا يكون متمتعًا, ولا دم عليه.
وعن ابن سريج أنه قال: إن أحرم قبل أشهر الحج بالعمرة, ثم دخلت أشهر الحج, فمر بالميقات محرمًا – [يلزمه] دم التمتع.
وإن لم يمر الميقات, أو كان قد مر به قبل أشهر الحج –لم يكن متمتعًا؛ فلا يلزمه دم.
وزاد الرافعي في الحكاية عنه أنه حمل النصين على هاتين الحالتين.
ولو كان قد أتى بشيء من الطواف قبل أشهر الحج, ثم كمله فيها –فليس بمتمتع على القولين.
وفي "النهاية": أنا إذا قلنا بالقول القديم, جعلناه متمتعًا إذا أتى بالحلاق فقط في أشهر الحج, وقلنا: إنه نسك.
ثم قال: وحيث لم نجعله متمتعًا [والصورة هذه] , فهل يجب عليه دم الإساءة؟ كان شيخي يقطع بالوجوب؛ لأنه يجب بسبب الإخلال بالميقات وذهب المحققون إلى المنع؛ فإن المسيء من ينتهي إلى الميقات وهو على قصد النسك, فيجاوزه غير محرم, وهذا لم يتحقق ممن جاوز الميقات محرمًا بالعمرة, وأما الحج فقد أتى به من ميقات انتهى إليه, وهو مكة؛ فإيجاب دم الإساءة بعيد.
قال: والقران: أن يجمع بينهما في الإحرام, أي: في أشهر الحج.
قال الماوردي: وهذا حقيقته لغة وشرعًا.
أو يهل بالعمرة, أي: في أشهر الحج أو قبلها؛ كما قاله ابن الصباغ وغيره, ولم يفسدها, ثم يدخل عليها الحج, أي: في أشهره, قبل الطواف, ثم يقتصر على أفعال الحج, أي: يجزئه.
والأصل في ذلك: ما رواه أبو داود عن جابر قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفردًا وأقبلت عائشة مهلة بعمرة, حتى إذا كانت بسرف عركت –أى: حاضت؛ فإن العراك: الحائض – حتى [إذا] قدمنا طفنا بالكعبة وبالصفا والمروة,

فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل منا من لم يكن معه هدي.
قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: "الحل كله", فواقعنا النساء, وتطيبنا بالطيب, لبسنا ثيابنا, وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال, ثم أهللنا يوم التروية, ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة, فوجدها تبكي, فقال: "ما شأنك؟ " قالت: شأني أني قد حضت, قد حل الناس, ولم أحلل, ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن, قال: "إن هذا [أمر] كتبه الله على بنات آدم, فاغتسلي, ثم أهلى بالحج" ففعلت, ووقفت المواقف, حتى إذا طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة, ثم قال: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا", وأخرجه مسلم.
وفي رواية عند قوله: "وأهلى بالحج": "واصنعي ما يصنع الحاج, غير ألا تطوفي بالبيت, ولا تصلي".
قال الغزالي: ولا تحتاج إلى نية القران في هذه الحالة.
وعن الشيخ أبي علي حكاية وجه آخر فيما أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج: لا يجوز أن يدخل عليها الحج في أشهره, وعزاه إلى عامة الأصحاب, واختاره, والذي اختاره القفال: الأول.
أما إذا دخل [عليها] الحج قبل أشهره, لَغَى ذلك, وإن أدخله في أشهره بعد الطواف في العمرة, لم يصح إحرامه بالحج أيضًا وفاقًا, لكن لماذا؟ فيه أربعة معان, ذكرها القاضي الحسين: أحدها: لأنه أتى بعمل من أعمالها.
والثاني: لأنه أتى بفرض من فرائضها.
والثالث: لأنه أتى بمعظمها.
والرابع: [لأنه أخذ في أسباب التحلل.
والثالث والرابع] هما اللذان أوردهما العراقيون, والأخير هو المذكور في

"عيون المسائل" لأبي يكر الفارسي، وشبهه أبو علي بما لو ارتدت الرجعية، فراجعها في الردة؛ فإن الشافعي - رضي الله عنه - نص على أنه لا يجوز؛ لأن الرجعة استباحة فلا تصح، والمرأة جارية إلى تحريم.
وكما لا يصح إدخاله عليها بعد الطواف، لا يصح إدخاله عليها بعد استلامه الحجر، وفعل خطوة أو خطوتين، ولو أدخله بعد استلام الحجر، وقبل المشي، ففي جوازه وجهان في "الحاوي": أحدهما: يجوز؛ لأن الاستلام مقدمة الطواف؛ فأشبه ما لو وقف عند الحجر لإرادة الطواف ولم يشرع فيه.
والثاني: لا يجوز؛ لأن ذلك أول أبعاضه، وعلى هذا لو استلم غير مريد للطواف، ثم أحرم بالحج أجزأه.
ولو شك هل أحرم قبل الطواف أو بعده، قال أصحابنا: أجزأه؛ لأن الأصل جواز إدخال الحج على العمرة إلا بتعيين يمنع منه، فصار كمن أحرم وتزوج ولم يدر هل [كان] تزوج قبل الإحرام أو بعده؛ فإن الشافعي - رضي الله عنه - قال: يجزئه.
ولو أدخل [لحج] على العمرة بعد أن أفسدها، فوجهان في "المهذب" وغيره: أحدهما: ينعقد، ويكون فاسداً.
والثاني: لا ينعقد، واختار، في "المرشد"؛ لأنه لو انعقد لكان فاسداً ولم يصادف ما أفسده، ولا يجوز أن يكون صحيحاً ومقارنه فاسداً.
وقيل: ينعقد الإحرام بالحج صحيحاً، والعمرة على الفساد، حكاه الماوردي وهو بعيد.
وإذا قلنا: يكون فاسداً فهل ينعقد على الصحة ويفسد على الاتصال، أو ينعقد على الفساد فيه احتمالان.

قال: وإن أهل بالحج، ثم أدخل عليه العمرة، ففيه قولان: أحدهما: يصح، ويكون قارناً كعكسه وهذا هو القديم، والأصح في "النهاية"، وعلى هذا ففي وقت جواز ذلك أربعة أوجه حكاها الغزالي، وهي مبنية - كما قال القاضي الحسين - على المعاني الأربعة في الحالة السابقة.
فإن جعلنا الامتناع ثم؛ لأنه أتي بعمل من أعمالها، اختص الجواز هنا بما إذا لم يطف طواف القدوم، فإن طافه، لم يجز إدخالها عليه، وهو ما ذهب إليه ابن الحداد، وصاحب "التلخيص"، وحكاه عن نص الشافعي - رضي الله عنه - في القديم، وصححه البغوي، وقبله القاضي [أبو الطيب] في شرح الفروع، وقال: لا أعلم خلافا بين أصحابنا: أن من جاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم، ولم يرجع حتى تلبس بشيء من أعمال الحج من طواف القدوم أو عدل إلى الوقوف، ووقف - أنه لا ينفعه، رجوعه، ولا يسقط عنه الدم، ولا يتغير حكم إحرامه؛ فكذلك ها هنا.
وإن جعلنا علة المنع ثم: أنه أتى بفرض [من فرائضها اختص الجواز هنا بما إذا لم يأت بفرض]، ولا يضره طواف القدوم [فإن أتى بفرض - ولو السعي - عقيب طواف القدوم] لم يجز إدخالها عليه؛ وهذا ما اختاره الخضري.
وإن قلنا ثم: المانع كونه أتى بمعظم العبادة، فوقت الجواز هنا ما لم يقف بعرفة، سواء أتى بالسعي أو لا، فإن وقف لم يجز إدخالها عليه، وهذا ما حكاه الماوردي

-[أيضاً]-

وجعل حكم من أدخلها وهو واقف حكم من أدخلها بعد الوقوف.
وعلى هذا لو كان قد سعى ثم أدخلها قبل الوقوف، ففي شرح الفروع لأبي علي: أن عليه إعادة السعي؛ ليقع عن النسكين جميعاً.
وإن جعلنا ثم علة المنع: أنه أخذ في أسباب التحلل، فالوقت هنا ما لم يشرع في رمي جمرة العقبة وإن سعى مع طواف القدوم ووقف، وإذا رمى، لم يجز إدخالها عليه.

وقد حكى القاضي أبو الطيب هذا الوجه - أيضاً - عند الكلام فيما إذا أحرم بنسك، ثم نسيه.
قال الرافعي: وعلى هذا: لو كان قد أدخلها قبل التحلل وبعد السعى فقياس ما تقدم عن الشيخ أبي علي وجوب إعادة السعي، وقد حكى الإمام فيه وجهين [وقال إن] المذهب: أنه لا يجب.
وكذلك قال في "الوسيط": إنه الصحيح.
قال: والثاني: لا بصح، والفرق: أنه بإدخال الحج على العمرة يستفيد فائدة؛ لأن الأعمال تزداد بسببه، بخلاف إدخال العمرة على الحج، فإنه لا يفيد شيئاً؛ لأنه يقتصر بعد إدخالها إليه على ما كان يقتصر عليه قبله من الأعمال؛ وهذا هو الصحيح والجديد.
قال: ويجب على المتمتع والقارن دم: أما وجه وجوبه على المتمتع قبل الإجماع، قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] [معناه فعليه ما استيسر من الهدي].
قال الأصحاب: والمعنى فيه أنه ربح ميقاتًا، قإنه لو كان قد أحرم بالحج أولاً من ميقات بلده، لكان يحتاج بعد فراغه من الحج إلى أن يخرج إلى أدنى الحل، فيحرم بالعمرة منه، وإذا تمتع، استغنى عن الخروج؛ لأنه يحرم بالحج من جوف مكة؛ فلذلك وجب الدم.
ووجه وجوبه على القارن: ما روى البخاري ومسلم: أنه - عليه السلام- ذبح عن نسائه البقر يوم النحر، قالت عائشة: "وكن قارنات"؛ ولأنه إذا وجب على المتمتع لقطعه مسافة عن مسافتين وربحه عن أحد السفرين، فلأن يجب على القارن وقد وجد ذلك في حقه، مع إسقاط أحد العملين، كان أولى.
والدم الواجب على المتمتع والقارن: شاة تجزئ في الأضحية، وتجزئه البدنة والبقرة عنها، لكن [تكون كلها واجبة] أو سبعها؟ فيه وجهان في تعليق القاضي

الحسين وغيره، وعلى الوجهين لو شارك فيها ستة جاز.
و [حكي] عن القديم: أن على القارن بدنة.
والحديث والقياس يبطله.
ولا يجب الدم على المفرد إجماعاً.
قال: ولا يجب على القارن إلا أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام؛ لأن دم القران فرع دم التمتع، وهو غير واجب على من هو من حاضري المسجد الحرام؛ فكذلك [دم] القران.
وروى الحناطي وجهاً: أن عليه دم القران.
قال الرافعي: ويشبه أن يكون هذا الاختلاف مبنياً على وجهين نقلهما صاحب "العدة" في أن دم القران دم جبر أم دم نسك؟ والمشهور: الأول؛ فلا جرم أنه لا يجب على الحاضر.
نعم، هل على المكي إذا قرن إنشاء الإحرام من أدنى الحل كما لو أفرد العمرة، أو يجوز أن يحرم من جوف مكة؛ إدراجاً للعمرة تحت الحج؟ فيه وجهان، أصحهما: الثاني.
قال الرافعي: ويجريان في الآفاقي إذا كان بمكة، وأراد القران.
قلت: والظاهر: أنه أراد الآفاقي الذي لم ينو الإقامة بمكة، وإلا لكان من حاضري المسجد الحرام؛ فلا معنى لقوله: إن الوجهين يجريان فيه.
فرع: لو عاد القارن الغريب إلى الميقات محرماً، ففي سقوط الدم عنه وجهان مرتبان- كما قال الإمام- على ما لو عاد المتمتع بعد إحرامه وقبل أداء شيء من النسك إليه؛ فإن في سقوط الدم عنه وجهين: فإن قلنا: لا يسقط، وهو المختار في "المرشد"، فكذلك ها هنا، وإلا فوجهان والفرق: أن اسم القارن باق، وهو في حكم متنسك بنسك واحد؛ فلا أثر لعوده في الإسقاط.
وقال الحناطي: الأصح: أنه لا يجب عليه – أيضاً- وقد نص عليه في "الإملاء".
قال: ولا على المتمتع إلا ألا يعود [: للإحرام بالجح] إلى الميقات؛ لأن

المعنى في إيجاب الدم عليه ما تقدم، وبإحرامه بالحج من الميقات لم يحصل له ذلك، فلم يجب عليه، والمراد بالميقات: الميقات الذي أحرم منه بالعمرة، ويقوم مقام عوده إليه عوده إلى ميقات مثله، أو أبعد منه، ولو عاد إلى ميقات أقرب منه إلى مكة، ففي وجوب الدم عليه وجهان، اختيار القفال والمعتبرين: لا.
وفي "الإبانة" و"العدة": أنه إذا سافر بعد عمرته سفراً يقصر فيه الصلاة، ثم حج من سنته - لا دم عليه.
ومما ذكرناه يظهر لك: أنه إذا فرغ من العمرة، ثم زار قبره - عليه السلام - وأحرم بالحج من ذي الحليفة، لا يجب عليه الدم اتفاقاً.
قال: وألا يكون من حاضري المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196]، أي: ما ذكر من وجوب الهدي والصوم عند عدمه، على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا﴾، [الإسراء: 7]، أي: فعليها، وقال تعالى: ﴿أولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: 25]، وأراد به: فعليهم اللعنة وعليهم سوء الدار.
وإذا كان ما ذكرناه مفروضاً في حق من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، ففي حاضريه [على الأصل، وهو عدم الوجوب،] والمعني فيه: أن الحاضر بمكة - شرفها الله تعالى - ميقاته للحج نفس مكة؛ فلا يكون رابحاً ميقاتاً، ومن كان بينه وبين الحرم دون مسافة القصر، لم يترفه ترفها له تأثير بإحرامه إلحج من مكة، لأن رجوعه إلى قريته لا مشقة عليه فيه، فلذلك لم يلزمه الدم بخلاف الغريب؛ فإن ترفهه له تأثير؛ لأن في رجوعه إلى الميقات مشقة عليه.
قال الإمام: وقد يرد على من يعتمد ملك المعنى سؤال، فيقال له: من كان مسكنه دون ميقات، وكان من حاضري المسجد الحرام - كما سنذكره - فلو قصد مكة ناوياً نسكاً، وجاوز مسكنه وقريته غير محرم، فهو مسيء يلزمه دم الإماءة وفاقاً، ولو لم تكن المسافة محتفلاً بها، لقيل: هو من أهل مكة؛ فلا يلزمه شيء إذا أحرم من

مكة؛ فالوجه: التعويل على الآية.
قال: وحاضرو المسجد الحرام: أهل الحرم؛ لأن كل موضع ذكر الله - سبحانه وتعالى- فيه: المسجد الحرام، أراد به: الحرم.
قال الماوردي: إلا قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]، فإنه أراد به الكعبة، وكان إلحاق هذا بالأغلب أولى، مع أن هذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في غيره.
قال: ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ لأن من قرب من الشيء ودنا منه، كان حاضراً إياه، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 1]، قال أهل التفسير: هي أيلة، ومعلوم أنها ليست في البحر، وإنما هى مقاربة له، ويقال: فلان حفم فلاناً، إذا دنا منه، ومن كان مسكنه دون مسافة القصر، فهو قريب نازل منزلة المقيم في نفس الحرم، [ولأجل هذا] لا يجوز للخارج إليه الترخص بالقصر والفطر ونحوهما.
وفي "تعليق" القاضي الحسين "والبحر" وغيرهما حكاية وجه: أن ما دون مسافة القصر يعتبر من نفس مكة، لا من الحرم، وهو ما حكاه الإمام عن الشافعي، رضي الله عنه.
وقال ابن التلمساني: إن الغزالي حكى وجهاً: أن حاضري المسجد الحرام أهل الحرم خاصة، قال: يعني: أهل مكة دون من عداهم؛ كمذهب مالك.
لكن المحكي عن مالك: أنهم أهل مكة وذو طوى.
قال أبو الطيب: وهو يوافق قول ابن عباس وسعيد بن جبير: إنهم أهل الحرم؛ لأنه ليس في الحرم قرية عامرة غير مكة إلا ذا طوى.
والمشهور: ما ذكره الشيخ، وعليه يتفرع ما لو كان للشخص داران: إحداهما فيما دون مسافة القصر، والأخرى في مسافة القصر، فإن كان مقامه في إحداهما أكثر، فالاعتبار بها؛ وإن استوى مقامه فيهما، فالاعتبار بالتي ماله فيها أو بالتي أكثر، ماله فيها؛ وإن استوى ماله فيهما، فالاعتبار بالتي عزم على الإقامة فيها بعد الفراغ؛ فإن

عدم ذلك، فالاعتبار بالتي أحرم منها؛ قاله البندنيجي وغيره.
وقال الماوردي: قال أصحابنا: يجري عليه حكم الدار التي خرج منها.
تنبيه المتبادر إلى الفهم من أهل الحرم ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة: أنهم المستوطنون ذلك، دون المقيمين [فيه] والمسافرين الحاصلين فيه، وهو ما ذكره الفوراني، وكذا القاضي الحسين؛ فإنه قال: العبرة فيهم بالاستيطان والسكنى، دون المنشأ.
وهذا ما أفهمه كلام القاضي أبي الطيب والماوردي، وعليه يدل ظاهر الآية؛ فإن أهل الشخص إنما [يكونون في] موضع استيطانه.
وفرَّع القاضي الحسين على ذلك: أن شخصاً لو كان مستوطناً مكة؛ أو قريباً منها، فسافر، فلما عاد أحرم بالعمرة من الميقات، فاعتمر، ثم حج من باب داره - لم يكن متمتعاً يلزمه الدم.
وقال في "الوسيط": حاضرو المسجد الحرام: من [كان] بينه وبين مكة ما دون مسافة القصر، سواء كان مستوطناً أو مسافراً.
وهذا يكون فيمن كان بمكة من طريق الأولى، لكنه قال عقيب ذلك: إن الآفاقى إذا جاوز الميقات غير مريد نسكاً، فلما دخل مكة عنَّ له أن يعتمر، ثم يحج - لم يلزمه الدم، وإن عنَّ له ذلك قبل دخول مكة على أقل من مسافة القصر، فأحرم بالعمرة من موضعه، ثم حج في تلك السنة - ففيه وجهان حكاهما الإمام - أيضاً-: أحدهما: لا يلزمه؛ كما لو كان وطنه ذلك الموضع.
والثاني: يلزمه [ذلك] وهو الذي مال إليه الإمام، وصححه الرافعي، وقال الغزالي في توجيهه: إن اسم "الحاضر" لا يتناوله إلا إذا كان [فى] نفس مكة أو كان مستوطناً حواليها.
وهذا يقتضي عدم اعتبار التوطن فيمن هو بمكة، واعتباره فيمن هو حواليْها، وهو مخالف لصدر كلامه، وإذا صح ما ذكره حصل في المسألة ثلاثة أوجه.
وقد علل في "الوجيز" عدم إيجاب الدم عليه فيما إذا عن له الإحرام بالعمرة [بعد دخول] مكة: بأنه صار من الحاضرين؛ إذ ليس يشترط فيه قصد الإقامة.

وقال الرافعي عقيبه: إن هذا لم أجده لغيره بعد البحث، بل كلام عامة الأصحاب ونقلهم عن نصه في "الإملاء" والقديم ظاهر في اعتبار الإقامة، بل في اعتبار الاستيطان، مع أن الصورة أولاً متعلقة بالخلاف في أن من قصد مكة هل يلزمه الإحرام بحج أو عمرة؟ قلت: وما أنكره إن كان هو الحكم، فهو ما أورده الماوردي؛ حيث قال: من مر بميقات بلده يريد حجًّا أو عمرة، فلم يحرم من ميقاته، بل جاوزه، وأحرم من الحل – ينظر في موضع إحرامه: فإن كان بينه وبين الحرم مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فلا دم عليه لتمتعه ولا لقرانه؛ لأنه قد صار كحاضري المسجد الحرام.
وكذا القاضي الحسين [حيث قال] عند عدِّ شرائط إيجاب الدم على المتمتع: الشرط الخامس: أن يحرم بالعمرة من الميقات، فإن جاوز الميقات، ثم أحرم بها، لم يلزمه دم المتعة، وعليه دم الإساءة، نص عليه، فمن أصحابنا من قال به، ومنهم من قال: إن بقي بينه وبين مكة مسافة القصر، يلزمه دم المتعة ودم الإساءة، وإن بقي دون مسافة القصر، لم يلزمه دم المتعة، ويلزمه دم الإساءة، وحمل النص عليه.
وقد حكى الرافعي هذا – أيضاً – في موضع آخر، والنص المذكور نسبه الشيخ أبو حامد إلى القديم، وكذلك حكاه البندنيجي، ولم يحك سواه.
فإن كان ما أنكره كونه جعله من حاضري المسجد الحرام فهو قريب؛ لأن غيره قال: إنه كهم كما ذكرناه، وإن كان كهم صدق عليه أنه منهم؛ تجوزاً، والله أعلم.

وقد اتفق الكل على أن الغريب لو قصد مكة، ودخلها متمتعاً ناوياً الإقامة بها بعد الفراغ من النسكين أو من العمرة، أو نوى الإقامة بها بعدما اعتمر - أنه يجب عليه دم التمتع؛ لأنه لم يكن من الحاضرين؛ إذ الإقامة لا تحصل بمجرد النية؛ كذا قاله الرافعي.
[ووجهه أبو الطيب] فيما إذا نوى الإقامة بعد الفراغ من العمرة بأن فرض الحج باق عليه، ولا بد له من الخروج إلى أرض عرفة وغيرها، وفنيته مخالفة لفعله؛ فلذلك لم يسقط عنه الدم.
واعلم أن كلام الشيخ مصرح بأن المعتبر في إيجاب الدم [على المتمتع] وجود شرطين: ألا يعود لإحرام الحج إلى الميقات، وألا يكون من حاضري المسجد الحرام، وإنما اقتصر على ذلك؛ لاعتقاده أن التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يفرغ منها، ثم يحج من عامه، وأنه لا يشترط في إيجاب الدم نية التمتع.

وفي "المهذب" اتبع طريقة القاضي أبي الطيب وغيره؛ [حيث] عدوا شرائط إيجاب الدم على المتمتع المتفق عليها أربعة: أحدها: أن يفعل الحج والعمرة معًا في أشهر الحج؛ [لأنه إذا فعل العمرة في غير أشهر الحج] وفعله في أشهره، فهو بمنزلة المفرد، والمفرد لا دم عليه؛ فثبت أن الدم يلزمه إذا فعل النسكين على خلاف فعل المفرد لهما.
والثاني: أن يفعلهما معاً في سنة واحدة؛ لأنه إذا فعل العمرة قبل أشهر احلج وفعله في أشهره لا دم عليه، فأولى إذا فعلهما في عامين ألا يلزمه دم؛ لأنه أبعد في باب التفريق، فلم يوجد معنى التمتع الذي لأجله يجب الدم، وقد روي عن سعيد ابن المسيب: أنه قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتمرون في أشهر الحج، فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك، لم يهدوا دماً".
وعن ابن خيران: أن الشرط: أن يجمع بينهما في شهر واحد.
وقال القاضي الحسين: إن الشافعي – رضي الله عنه- أشار إليه في رواية حرملة.
الثالث: ألا يكون في رجع إلى الميقات، وأحرم منه بالحج.
الرابع: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام.
والمنعتلف فيه أمور: أحدها: نية التمتع، وفيها وجهان: أحدهما: أنها واجبة؛ لأنه جمع بين عبادتين؛ فكان من شرطه النية؛ كالجمع بين الصلاتين، وهذا ما اختاره في المرشد.
والثاني: لا؛ لأن [الجمع بين] الحج والعمرة يصح بالفعل؛ فلم يفتقر إلى النية، ويفارق الجمع بين الصلاتين؛ فإنه لا يصح بالفعل، بل بالنية؛ فلذلك كانت شرطاً فيه؛ وهذا ما اختاره القفال، [وصححه] الغزالي والرافعي، وفرق بأن أشهر الحج كما هي وقت الحج فهي وقت العمرة، بخلاف وقت الصلاة.
وقال الإمام: إن اعتبار ما نحن فيه بنية الجمع بين الصلاتين في نهاية الضعف،

لكن لو قيل: إنما يلزم الدم إذا كان على قصد الحج عند الانتهاء إلى الميقات، وأتى بالعمرة؛ فإنه قدم أدنى السكين من أطول الميقاتين، أما إذا لم يكن على قصد الحج، أو كان على قصد الاقتصار على العمرة، ثم اتفق الحج، فلا دم عليه؛ قياساً على من جاوز الميقات لا على قصد النسك- لكان هذا قريباً من مأخذ النسك.
فإن قلنا باعتبارها، ففي وقتها وجهان في كتب العراقيين مأخوذان من القولين في وقت اعتبارها فى الصلاة: أحدهما: أنه وقت الإحرام بالعمرة.
والثاني: ما لم يفرغ من العمرة.
وفي "الرافعي" وجه ثالث: أنه ما لم يشرع في الحج، وقال الإمام: إن اعتبار ما نحن فيه بنية الجمع.
الأمر الثاني: وقوع النسكين عن شخص واحد، وفيه قولان: المنسوب في "البحر" إلى القفال، وهو اختيار الخضرى: أنه يشترط كما يشترط وقوعهما فى سنة واحدة.
والجمهور على أنه لا يشترط، [وهو ما حكاه أبو حامد عن القديم]، فيجب الدم إذا كان أجيراً [من قبل شخصين، استأجره أحدهما للعمرة، والآخر للحج، أو كان أجيرًا] للعمرة، فاعتمر للمستأجر ثم حج عن نفسه، أو كان أجيراً للحج، فاعتمر لنفسه، ثم حج عن المستأجر؛ وعلى هذا يكون نصف دم التمتع على من يقع له الحج، ونصفه على من تقع عنه العمرة.
قال الرافعي: وليس هذا الكلام على هذا الإطلاق، بل هو محمول على تفصيل ذكره صاحب "التهذيب": أما [فى] الأولى، فقال: إن أذنا في التمتع، فالدم عليهما نصفان، وإن لم يأذنا، فعلى الأجير وقياسه: إن أذن أحدهما دون الآخر، فالنصف على الآذن، والنصف على الأجير

وأما في الثانية والثالثة، فقال: إن أذن له المستأجر في التمتع، فالدم عليهما نصفان، وإلا فالكل على الأجير.
قال الرافعي: وننبه هاهنا لأمور: أحدها: أن إيجاب الدم على المستأجرين أو أحدهما مفرع على الأصح في أن دم القران والتمتع على المستأجر، وإلا فهو على الأجير بكل حال.
الثاني: إذا لم يأذن المستأجران أو أحدهما في الصورة الأولى، والمستأجر في الصورة الثانية والثالثة، وكان ميقات البلد معيناً فى الإجارة، أو نزلنا المطلق عليه - فيلزمه مع دم التمتع دم الإساءة؛ كمن جاوز [الميقات مريداً للنسك].
والثالث: إذا أوجبنا الدم على المتأجرين، فلو كانا معسرين [أو أحدهما] فعلى كل واحد منهما صوم خمسة أيام، لكن صوم التمتع بعضه في الحج وبعضه بعد الرجوع، وهما لم يباشرا الحج، فعلى قياس ما ذكره في "التهذيب"- تفريعاً على قولنا: إن دم القران والتمتع على المستأجر - يكون الصوم على الأجير، وعلى قياس ما ذكره صاحب "التتمة" ثم هو كما لو عجز المتمتع عن الصوم والهدي جميعاً.
ويجوز أن يكون الحكم على ما سيأتي في المتمتع إذا لم يصم في الحج كيف يقضي؟ فإذا أوجبنا التفريق، اقتضى تفريق الخمسة بنسبة الثلاثة والسبعة إلى تبعيض القسمين، فيكملان، ويصوم كل واحد منهما ستة أيام، وقس على هذا ما إذا أوجبنا الدم في الصورتين الأخيرتين [على الأجير] والمستأجر.
وإن فرعنا على وجه الخضري، فإذا اعتمر عن المستأجر، ثم حج عن نفسه، ففي كونه مسيئًا الخلاف الذي مر فيما إذا اعتمر قبل أشهر الحج، ثم حج من مكة، لكن الأصح هاهنا: أنه مسيء؛ لإمكان الإحرام الحج حين حضر الميقات.
قلت: وهذا فيه نظر إذا كانت الإجارة واردة على عينه.
قال الإمام: فإن لم يلزم الدم، ففوات هذا الشرط لا يؤثر إلا في فضيلة التمتع على

قولنا: إنه أفضل عن الإفراد، وإن ألزمناه فله أثران: هذا أحدهما.
والثاني: أن المتمتع لا يجب عليه العود إلى الميقات، وإذا عاد وأحرم منه، سقط عنه الدم بلا خلاف، والمسيء يلزمه العود، وإذا عاد، ففي سقوط الدم عنه خلاف.
وأيضاً: فإن الدمين يتفأوتان في البدل.
الأمر الثالث: أن يبقي حياً إلى انقضاء الحج، فلو مات قبل انقضاء الحج مع قدرته على الهدي فقولان حكاهما [الإمام] والماوردي: أحدهما: تخرج الشاة من تركته.
والثاني: تتبين أنها لم تجب عليه؛ لأنها كفارة في مقابلة تمتع، وإنما ينتفع المتمتع إذا تم له النسكان على رفاهية وربج [سفر]، فإذا مات لم يتحقق ذلك، وهو بعيد.
والأصح: الأ هنأول.
قال: والأفضل أن يذبج دم [التمتع والقران] يوم النحر؛ ليخرج من خلاف أبي حنيفة، فإن عنده اختصاص دم التمتع بيوم النحر، [ودم القران] فرعه، وقد استدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، وقد أجمعنا على أنه إذا نحر الهدي قبل يوم النحر: أنه لم يجز أن يحلق رأسه؛ فدل أن محل الهدي يوم النحر.
ودليلنا على جواز الذبح قبله: أنه وافقنا على جواز الصوم بعد الإحرام [بالحج] إذا لم يجد الهدي، وإذا جاز فعل البدل في وقت الوجوب مع ضعفه، فلأن يجوز فعل الأصل في وقت الوجوب إذا قدر عليه مع [قوته أولى] ويشهد لذلك: أن المكلف [إذا وجبت] عليه الصلاة وعدم الماء، صح تيممه، ولو وجد الماء في ذلك الوقت، توضأ به، وصح وضوءه.
واحترزنا بقولنا: وقدر عليه، عما إذا وجب عليه الصيام في كفارة الظهار لعدم الرقبة، ولم يستطعه؛ فأطعم؛ فإن الإطعام بدل الصيام، ويجوز فعله بالليل [ولا يجوز

الصوم بالليل].
والجواب عن الآية: أنها واردة في حق المحصر، دون المتمتع ونحن كذلك في المحصر نقول: لا يحلق رأسه قبل التحريم، [و] لو سلمت من هذا، لحملناها على الاستحباب.
قال: فإن ذبح المتمتع بعد الفراغ من العمرة - أي: وقبل الإحرام بالحج - والقارن بعد الإحرام بالحج - أي: في صورة إدخال الحج على العمرة - جاز على ظاهر المذهب، أي: المنصوص في "الإملاء"، و"حرملة"، و"المختصر"؛ لأن الحق المالي إذا تعلق بيبين جاز تقديمه على أحدهما، وهو الشطر، أصله: الزكاة، وكفارة اليمين، وهذا كذلك؛ لأنه يجب بأربعة أشياء، وبكمال العمرة وجد منها شيئان: كونه من غير حاضري المسجد الحرام، وفعل العمرة في أشهر الحج؛ فجاز تقديم الدم، وهذا هو الصحيح في الطرق.
وقيل: لا يجوز دم التمتع حتى يفرغ من العمرة، ويحرم بالحج؛ لأن ذلك وقت الوجوب، [والذبح قربة متعلقة بالبدن؛ فلا يجوز قبل الوجوب] كالصلاة والصوم، ويخالف الزكاة وكفارة اليمين؛ لأن الاسم متحقق قبل الحول [والحنث] واسم التمتع لا يتحقق إلا بالحج.
وهذا ما نقله ابن خيران قولاً ثانياً في المسألة، كما حكاه الماوردي، وقال القاضي الحسين: إنه من تخريج ابن سريج، وأنه قال: معنى كونها متعلقة بالبدن: أنها تؤدى بالذبح، ولا يتأتى ذلك إلا في بدن.
قال القاضي: وهو فاسد؛ لأن العتق - أيضاً - في الكفارة لا يتأتى إلا ببدن، ولا يعد من القرب البدنية حتى لا يجوز تقديمه على بعض الأسباب، وكذا في زكاة السوائم.
قال القاضي: وتخالف هذه المسألة - على هذا القول- ما إذا أخرج جزاء الصيد بعد جرحه وقبل الزهوق، فإنه يجوز قولاً واحداً؛ لأن الجرح يفضي إلى الهلاك من غير صنع من الجارح، بخلاف فعل العمرة؛ فإنه لا يفضي إلى الإحرام بالحج بنفسه.
وقد تحصل مما ذكرناه: أنه لا خلاف عندنا في جواز ذبح دم القران بعد

الإحرام بالحج، وفي جواز دم [التمتع بعد] الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج الخلاف السابق.
وإذا كان الأحسن كذلك، كان الأحسن فى الإيراد أن يذكر مسألة القران أولا، ويعقبها بمسألة التمتع؛ ليعود الخلاف إلى أقرب مذكور، لكن الحامل للشيخ على تقديم مسألة التمتع [أنها الأصل].
ولو ذبح دم التمتع بعد الشروع في العمرة، وقبل الفراغ منها - فالذي أورده العراقيون والماوردي: عدم الإجراء، وأن مذهب الشافعي - رضي الله عنه - لا يختلف فيه.
قال الماوردي: لبقاء أكثر الأسباب.
وقال في "الوسيط": إذا قلنا بظاهر المذهب، ففي الإجراء في هذه الصورة وجهان منشؤهما: أن السبب الأول يتم بإحرام العمرة أو بتمامها؟ وفي "البحر" نسيتهما إلى القفال، وشبههما القاضي الحسين بما إذا قال لزوجته: إن دخلت الدار، فأنت عليَّ كظهر أمي، ثم أخرج الكفارة قبل انعقاد الظهار بدخولها الدار- فإن في الإجراء وجهين.
قال: فإن لم يجد، أي: المتمع والقارن؛ كما قال في "المهذب"- الهدي، أي: في موضعه، صام ثلاثة أيام في الحج؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196]، وأراد فصيام ثلاثة أيام واجب في وقت أفعال الحج؛ لأن الحج أفعال، فلا يجوز أيضاًع الصيام فيها، ولا يجوز أن يكون التقديرت فصيام ثلاثة أيام في وقت الإحرام بالحج؛ لأنه لو كان كذلك، لاقتضى جواز الصيام قبل الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، ولا قائل به، وإذا ثبت أن هذا المراد بالآية، اقتضى ألا يجوز صوم الثلاثة قبل الشروع في الحج؛ لأنه عبادة بدنية، والعبادات البدنية لا تقدم على وقتها، وألا يجوز [تأخير ولا بعضه] عن الحج بغير عذر؛ كما لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، وقد صرح به الشافعي - رضي الله عنه - حيث قال: "وعليه ألا يخرج من الحج حتى يصوم إذا لم يجد هدياً، وأن يكون آخر ما له من الأيام في آخر صيامه يوم عرفة"؛ ولهذا قال الأصحاب: إن وقت الأداء يخرج بمضي يوم عرفة،

على الجديد، وبمضي أيام التشريق، على القديم.
وإذا لم يصم حتى خرج الوقت، فعن ابن سريج رواية قول: أنه لا يقضي، ويستقر الهدي في ذمته.
قال الإمام: ويسقط صيام الأيام السبعة على هذا؛ فإنه يستحيل تقدير الدم وهو الأصل مع شيء من البدل.
وإنه مما يجب التنبه له [أنا لا نوجب على المتمتع أن يصوم في الحج؛ فإنه مسافر، ونحن نسقط أداء صوم رمضان وهو ركن الإسلام بالسفر، فما الظن بصيام الكفارة؟! وحاصل القول فيه يرجع إلى أن الأصل الدم على هذا القول، فإن لم يجده، ورام إسقاطه عن ذمته بالكلية، فليصم ثلاثة أيام في الحج، وإن لم يصم فلا يقضي، ولكن يستقر الدم في ذمته على العسر واليسر؛ هذا حقيقة هذا القول، وهو غير معدود من المذهب، وقد حكى ابن الصباغ والقاضي الحسين؛ أن ابن سريج خرجه من [قولين للشافعي]- رضي الله عنه - نص عليهما؛ كما قال البندنيجي، في "الأم" فيما إذا أحرم المتمتع بالحج، ولم يجد الهدي، ومات قبل التمكن من الصوم: أحدهما: أنه لا شيء عليه.
والثاني - وهو الأصح في "النهاية"-: أنه يُهْدَى عنه، ومنه خرج.
قال البندنيجي: و [الأول]: هو المذهب.
وقال ابن المباع: [وهو] الصحيح.
وفي "الحاوي" و"تعليق" أبي الطيب: أن أبا إسحاق هو المنعرج له، وغلط فيه، والذي نص عليه الشافعي - رضي الله عنه - في عامة كتبه: أنه يلزمه القضاء، وإذا قضاها لا يلزمه دم.
وحكى القاضي الحسين: أن من أصحابنا من قال: إذا لم يصمها حتى دخل يوم النحر، فعليه أن يؤخر طواف الإفاضة حتى يصومها، ثم يأتي به؛ ليقع صوم الثلاثة في الحج؛ لأنه إذا لم يكن قد طاف فعليه بعض الأعمال بعد.
وقال الصيدلاني: إن صوم الثلاثة بعد أيام التشريق لا يكون أداء وإن بقي الطواف؛

لأن تأخيره عن أيام التشريق مما يبعد ويندر؛ فلا يقع مراداً من قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196]، بل هو محمول على الغالب المعتاد.
قال الإمام: ويخالف هذا الصوم [أيام] التشريق إذا قلنا: يصح صومها؛ حيث يقع أداء وإن وقع بعد التحلل الثاني؛ فإن المفهوم من القرآن [تقييد] صوم الثلاثة [فى] أيام الحج، وهي مضبوطة، وأيام التشريق ملحقة بأيام الحج على بعد، وقد استحب الأصحاب له إذا لم يجد الهدي أن يحرم الحج قبل اليوم السادس من ذي الحجة؛ ليصوم الثلاثة، ويفطر يوم عرفة؛ [فإن صيامه مكروه.
وإن كان واجداً للهدي، فالمستحب له أن يحرم يوم التروية] بعد الزوال متوجهاً إلى منى؛ لقوله - عليه السلام – "إذا توجهتم إلى منى، فأهلوا بالحج".
والمراد بوجدان الهدي؛ أن يكون معه، [أو ثمنه وهو قادر] على شرائه؛ فلو كان معه الثمن، ولم يقدر على شرائه، فهو فاقد، وكذا لو كان ماله غائباً ببلده ولو كان معه لقدر على الشراء، فهو فاقد أيضاً.
قال القاضي أبو الطيب وغيره: ولا يجوز له تأخير الصوم عند الفقد ليحصل الهدي؛ كما لا يجوز تأخير الصلاة إذا وجبت وقدر على التيمم إلى أن يجد الماء.
نعم، لو قدر على الهدي بعد الوجوب وقبل الشروع في الصوم، فهل يتعين الهدي أو يجوز له العدول إلى الصوم فيه قولان؛ بناء على أن الاعتبار في الكفارات بحال الوجوب أو بحال الأداء، وهما جاريان فيما لو كان في وقت الوجوب قادراً على الهدي، ثم عجز عنه في الحج.
والقول الثالث في أن الاعتبار في الكفارات يأغلظ الحالين جار هنا، صرح به القاضي أبو الطيب والمصنف وغيرهما.
ولو قدر على الهدي بعد الشروع في الصوم، لم يلزمه الانتقال إليه، خلافاً للمزني؛ كما إذا وجد الماء بعد الشروع في الصلاة بالتيمم، وبالقياس على ما لو وجده وقد شرع في السبعة.
وبجوز صيام الأيام الثلاثة [متفرقاً ومتتابعاً] وكذا الأيام السبعة؛ كما ذكره

القاضي الحسين، ولم يحك غيره، وكذا الإمام.
وفي "الحاوي" حكاية وجهين في وجوب التتابع فيه فيهما؛ كما في وجوب التتابع في الصيام في كفارة اليمين.
قال: وسبعة إذا رجع إلى أهله في أصح القولين؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]، أي: إلى أهليكم؛ يدل عليه ما روى مسلم عن ابن عمر أن الناس تمتعوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى، فاق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: [من كان] منكم [قد] أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم [قد] أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج، وليهد، فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله".
ولأن حقيقة الرجوع إنما تكون إلى الأهل والوطن؛ فحملت الآية عليه، وإذا كان هذا معنى الآية، اتبعناه، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب والماوردي عن نصه في "الأم" و"المختصر".
وفي "تعليق" البندنيجي عوضه: أنه يصومها إذا رجع إلى موضع استيطانه، وعزاه إلى نصه في "حرملة"، ثم قال: وعلى هذا، فالمراد بموضع الاستيطان: الذي عزم على الاستيطان فيه، سواء كان البلد الذي خرج منه أو غيره، حتى لو أقام بمكة، كانت وطنه وصامها بها.
قال: وإذا فرغ من الحج في القول الآخر لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]، أي: عن أفعال الحج؛ لأنه المذكور في الآية؛ فوجب أن يكون المراد بالرجوع رجوعاً عن الحج، أي: عن أفعاله.

ولأنه لو كان الرجوع إلى الأهل والوطن شرطاً في جواز هذا الصوم، لوجب إذا نوى المقام بمكة ألا يجزئه [الصيام بها]، وفي إجماعهم على جواز صيامه فيها إذا نوى المقام بها دليل على أن الرجوع [إلى الأهل] ليس بشرط؛ وهذا ما فسر به البغداديون قول الشافعي في "الإملاء": "إنه يصومها إذا رجع من حجه بعد كمال مناسكه".
وعلى [حكايته هكذا] جرى القاضي أبو الطيب والحسين والإمام.
وصار البصريون إلى أن ما حكيناه عن نصه في "الإملاء" المراد به: الأخذ في الخروج من مكة راجعاً إلى بلده؛ لأن ابتداء الرجوع هو ابتداء السير، وعلى حكاية هذا جرى الشيخ أبو حامد والبندنيجي والمصنف في "المهذب"، وبه يحصل في المسألة ثلاثة أقوال.
وحكى الإمام عن بعض التصانيف قولاً آخر: أن المراد: الرجوع إلى مكة، وأن هذا لا أصل له في مذهب الشافعي، وإنما هو قول بعض السلف.
قلت: وكأنه يشير إلى "الإبانة"؛ لأن ذلك عادته في إسناد الفل إليها، لكن المذكور في "الإبانة" في التعبير عن هذا القول: أن له أن يصوم بعد الرجوع إلى مكة حتى يفرغ من الحج؛ لأنه لما قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] فالظاهرة من هذا الرجوع هو الرجوع بعد الفرع؛ كما يقال: إذا رجعت من أمر كذا، فافعل كذا؛ فظاهره: إذا فرغ منه.
وإذا كان كذلك؛ فهو كقول البغداديين، لا غيره، والله أعلم.
التفريع: إن قلنا بالقول الصحيح، قال الماوردي: فينبغي أن يصومها عقيب رجوعه، فإن آخر صيامها كان مسيئاً، وأجزأه، وإن صامها قبل وصوله إلى الوطن، لم يجزئه لما تقدم أن تقديم العبادة البدنية على وقتها لا يصح، وهذا ما قطع به العراقيون.
وحكى القاضي الحسين عن صاحب "التقريب" أنه إذا صامها في الطريق،

أجزأته؛ لأن المسافر جوز له تأخير الصوم، ولو صام في السفر جاز؛ كذلك هذا.
قال القاضى: وهذا لا يقوى؛ لأن وقت صوم رمضان قد دخل بإهلال الهلال غير أنه رخص للمسافر في الفطر؛ لما يلحقه من المشقة، فإذا صامه فقد صام في الوقت، ولا كذلك هاهنا؛ فإذ الوقت إنما يدخل بوصوله إلى الوطن.
وإن قلنا بالقول الذي نص عليه في "الإملاء" - أما على تفسير البغداديين أو البصريين - فلو صام قبل ذلك لم يجزئه، وهل يستحب له تأخير الصوم إلى أن يرجع إلى الوطن؟ فيه قولان حكاهما العراقيون والقاضي الحسين: أحدهما: لا؛ لأن فعل العبادة في أول وقت وجوبها أحوط لبراءة الذمة، وهذا [ما] أورده الماوردي وقال: إنه يكون مسيئاً بالتأخير، [وعلى هذا فيطلب الفرق يين هذه المسألة، وبين [تأخير]] ذبح الدم إلى يوم النحر.
وأصحهما: نعم؛ خروجاً عن الخلاف.
قال القاضي الحسين: وعلى هذا هل يكون التأخير ليرجع إلى أهله، فيصوم إذ ذاك عذراً؛ حتى إذا مات قبل [ذلك] لا يجب في تركته شيء أو لا؟ فيه وجهان؛ بناء على ما إذا أخر دفع الزكاة إلى المساكين ليدفعها إلى الإمام، فلم يتفق الدفع إلى الإمام حتى تلف المال، هل يضمن؟ فيه وجهان، [وجه المنع:] أنه فعل [ما ندبناه إليه؛ فلا يضمن ما تولد منه.
قلت: ويظهر مجيء الوجهين فيما إذا أخر ذبح الدم ليوم النحر].
وعلى القولين: لو أراد أن يوقع بعض الأيام السبعة في أيام التشريق، لم يجز وإن حكمنا بأنها قابلة للصوم: [أما على القول الصحيح فظاهر]، وأما على القول الذي نص عليه في "الإملاء"؛ فلأنه بعد في أفعال الحج وإن حصل التحلل، وهذا ما أورده الرافعي، وحكاه الإمام عن شيخه، وأنه وجهه بأنه لا يصح [من الحاج الإحرام] بالعمرة ما دام عاكفاً على مناسك [منى].

قلت: ومن هذا يؤخذ أن محل ما ذكره إذا كان عاكفاً [بمنى]، الرمي لأجل الرمي، أما إذا تعجل في يومين، فيظهر صحة صومه لليوم الثالث من أيام التشريق عن أحد الأيام السبعة؛ تفريعاً على أن المراد بالرجوع: الفراغ من الحج، وصحة صوم أيام التشريق؛ لانتفاء المعنى المذكور، كما صح أن يعتمر فيه المتعجل، وسنذكر من كلام البندنيجى ما يقتضى أن بعض الأصحاب جوز صومها من السبعة.
فروع: أحدها: إذا لم يخرج الدم حش مات، نظر: فإن مات في أثناء الحج، فقد قدمت حكاية قولين في أنه يقضى من تركته إذا كان موسراً أم لا، والأصح: القضاء.
وإن مات بعد الفراغ من الحج، وهو موسر - أيضاً- فلا خلاف أنه يخرج من تركته.
الثاني: إذا كان واجبه الصوم لإعساره، فلم يصم الأيام الثلاثة حتى رجع إلى وطنه، وقلنا: يقضيها - فهل يستحب له أن يفرق يين صوم الثلاثة [والسبعة]، أو يجب عليه؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يستحب، ويجوز له التتابع؛ لأن التفريق في الأداء كان لأجل الوقت، وقد فات، فأشبه قضاء الصلوات؛ وهذا قاله من اعتقد أن التفريق في الأداء يتعين، وإلا فقد يتصور في الأداء جواز التتابع، وهو إذا فرعنا على أن صوم أيام التشريق يجوز للمتمتع، وأن المراد بالرجوع: الفراغ من الحج، وإذا تصور ذلك في الأداء، فالقضاء أولى، وقد صرح بما أشرت إليه الأصحاب.
والثاني: أنه يجب التفريق.
قال الإمام: وهو في نهاية الضعف، ولا وجه [له].
وفي ["تعليق" القاضي]، أبي الطيب؛ أنه الأظهر، وقال البندنيجي: إنه المنصوص.
ولأجله قال في "المهذب": إنه المذهب.

قالوا: ويخالف ما إذا كان عليه صلاة الظهر [وقضاء] العصر، حيث لا يجب أن يفرق بينهما؛ [لأنه لما سقط الترتيب بينهما،] وجاز له أن يقضي العصر أولاً ثم الظهر بعده؛ كذلك سقط التفريق بينهما في الزمان؛ وفي مسألتنا مراعاة الترتيب شرط في القضاء كما في الأداء؛ فكذلك وجوب التفريق، وعلى هذا قال في "المهذب": فيفرق بينهما بقدر ما وجب التفريق بينهما في الأداء، ويجيء بمقتضى هذا في قدره خمسة أوجه، وقد صرح بها الأصحاب: أحدها: ييوم واحد، عزاه الماوردي إلى الإصطخري.
وقال ابن الصباغ والبندنيجي: إنه الذي نص عليه في "الإملاء" وغيره من تخريج الأصحاب، وإن الأصحاب اختلفوا في النص: فمنعهم من قال: إنه بناه على أنه يجوز صيام أيام التشريق عن كل صوم له سبب، والسبعة صوم له سبب؛ فيجوز في الأداء أن يفصل بينهما بيوم النحر؛ فكذلك [في] القضاء يفصل بيوم.
قالا: وهذا سهو منه؛ فإن السبعة لا تصام في أيام التشريق، قال البنديحي: قولاً واحداً، وقال ابن الصباغ؛ بالإجماع؛ لأنه إنما يجوز بعد الفراغ من أفعال الحج، على أحد المذهبين، وفي أيام التشريق يفعل بقية أفعال الحج، وإنما نص عليه؛ لأنه أصل في نفسه؛ فكأنه قال: إذا لم يكن من التفريق بد، فأقله يوم؛ وهذا ما أورده الإمام في حكاية هذا الوجه.
وقال المسعودي: إنه مبني على جواز صوم [أيام] التشريق، وأن الرجوع المراد به؛ الرجوع إلى مكة؛ لأنه يجعل كأنه صام أيام التشريق، وأفطر يوم الرجوع.
وقال القاضي الحسين: إن بعضهم بناه على أن صوم أيام التشريق جائز، وأن المراد بالرجوع الفراغ من الحج، فإن مقتضى ذلك ألا يجب التفريق في القضاء، وقد قام الدليل على ساق التفريق، فتفرق بيوم.
والثاني: يفرق بأربعة أيام، بناء على أن صوم أيام التشريق لا يجوز، [وأن]

المراد الرجوع: [الفراغ من الحج.
والثالث - حكاه المسعودي- أنه يفرق بخمسة أيام؛ [وهو] بناء على أنه لا يصح صوم أيام التشريق، وأن المراد بالرجوع]؛ الرجوع إلى مكة؛ [فيجعل كما قال: كأنه صام ثلاثة [أيام] آخرها يوم عرفة، ثم أفطر العيد وأيام التشريق، ويوم الرجوع إلى مكة].
والرابع: يفرق بقدر مدة رجوعه إلى بلده؛ وهو بناء على صحة صيام أيام التشريق، والمراد بالرجوع: رجوعه إلى بلده؛ لأنه يمكنه صوم أيام التشريق، ثم يشتغل بالرجوع.
والخامس: يفرق بقدر مدة رجوعه إلى بلده وأربعة أيام؛ بناء على أنه لا يصوم أيام التشريق، والمراد بالرجوع: الرجوع إلى الوطن؛ إذ يمكنه في الأداء أن يجعل آخر الثلاثة يوم عرفة، ثم يفطر العيد وأيام التشريق، ويشتغل بالرجوع إلى الأهل؛ وهذا هو الصحيح بمقتضى ما ذكرناه بمن البناء على الأصلين المذكورين، [وقد اختاره في "المرشد"].
قلت: ويجيء وجه سادس: أنه يفرق بثلاثة أيام؛ بناء على أنه يجوز صوم أيام التشريق عن كل صوم له سبب غير التمتع، وأن المراد بالرجوع؛ الفراغ من الحج، وأن صوم اليوم الثالث من أيام التشريق يصح عن السبعة إذا كان قد تعجل في يومين، كما أبديته تخريجاً من كلام الشيخ أيي محمد.
وسابع: أنه يفرق يثلاثة أيام وقدر مسافة رجوعه إلى بلده؛ [بناء] على الاحتمال المذكور، وأن المراد بالرجوع: الرجوع إلى أهله ووطنه.
وهذا ذكرته بناء على ما ذكره الأصحاب وجهاً رابعاً في المسألة كما ذكرته، وإلا فقد حكي [عن] العمراني أنه قال عقيب ذكر الأصحاب الوجه الرابع: ينبغي أن يقال على هذا: إنه يجب أن يفرق بيتهما بقدر مسافة السفر إلى وطنه إلا يوماً وشيئًا؛ لأنه كان يمكنه

في الأداء أن يصوم الثلاثة في أيام التشريق، ويبتدئ بالسير إلى وطنه بعد الرمي والطواف في اليوم الثاني [من أيام التشريق فتحسب بقية اليوم الثاني] والثالث من أيام التشريق من مدة السفر إلى وطنه، وهو فيها صائم عن الثلاثة.
وهذا إن صح اقتضى أن ينقص من الأيام الثلاثة ومدة مسيره قدر ما بقي من اليوم الثاني من أيام التشريق بعد طوافه ورميه فيه، و [قد] حكي عنه ما ذكرته أولاً، والله أعلم.
وإذا عرفت ما ذكرناه، عرفت أنه إذا فرق في الصوم بأربعة أيام، وقدر مدة رجوعه إلى بلده، أجزأه وفاقاً.
وإن صام العشرة متوالية، أجزأه منها ثلاثة عن الثلاثة، وسقط من الباقي ما وجب التفريق به على حسب الأوجه السابقة [وكان فيه صائما تطوعًا؛ كما أشار إليه الماوردي في ضمن سؤال أورده، وصرح به ابن الصباغ وغيره.
وكان يتجه أن يتخرج على الخلاف فيما إذا أحرم بالظهر قبل الزوال، هل ينعقد نفلاً]؟ ثم إن لم يبق من السبعة بعده شيء، استأنف السبعة، وإن بقي منها شيء: إما ستة أيام [إن قلنا: إنه] يكفي التفرقة بيوم، أو ثلاثة [إذا قيل: إنه بفرق بينهما]، بأربعة أيام، أو أقل من ذلك؛ على حسب ما يقتضيه الحال - نظر في حاله: فإن كان بعد فراغ العشرة لم يفطر، احتسب له بما بقي من السبعة بعد التفرقة، ووجب عليه أن يتم صيام ما بقي من السبعة.
وإن كان قد أفطر فهل يحتسب له بصيام ما مضى من السبعة بعد التفرقة؟ فيه وجهان ينبنيان على وجوب التتابع فيها، فإن لم نوجبه، احتسب له به، وإلا فلا.
وقال الإصطخري: إن نوى التتابع [بعد صيام الثلاثة، أجزأته الثلاثة، وكان الكلام في السبعة على ما مضى، وإن نوى التتابع]- أي: في صيام العشرة - في صيام

الثلاثة، عند دخوله فيها، لم يجزئه الثلاثة ولا السبعة، ولزمه استئناف الجميع، ويكون فساد نيته قادحًا فى صومه.
قال الماوردي: وهذا غلط فاحش؛ لأن تفريق الصوم ومتابعته إنما يكون بالفعل لا بالنية، فلو فرق صيامه، ولم ينو كان مفرقاً، ولو تابع ولم ينو كان متابعاً، وإذا لم تكن النية شرطاً في صحة التفريق، لم تكن نية المتابعة قادحة في صحة الصوم مع وجود التفرقة.
ولأن طروء الفساد على صوم بعض الأيام لا يقتضي فساد الصوم في غيره من الأيام، كصوم رمضان إذا أفطر بعضه؛ لأن لكل يوم حكم نفسه، وإذا كان كذلك، لم يكن فساد صوم السبعة قادحاً في صحة صوم الثلاثة، وهذا ما ذكره الشافعي - رضي الله عنه – وجمهور أصحايه0 وعن صاحب "التقريب" والفوراني؛ أن بعض أصحابنا قال: إنه لا يصح له صوم شيء من السبعة وإن قلنا: يكفي التفريق بيوم.
قال الإمام؛ [و] كأنه يعتقد أن التفريق إذا لم يقع يفطر يعتد بشيء من السبعة.
وقال القاضي الحسين: إنه وجهه بأنه صام كل يوم منها على اعتقاد يوم آخر؛ فإنه صام الخامس على أنه ثاني السبعة، وهو أولها، والسادس على أنه ثالث السبعة وهو ثانيها، وهكذا، وإنه نظر ذلك بما إذا ترك الجلوس بين السجدتين، ثم جلس عقيب الثانية [بنية] الاستراحة، هل يجزئه عن الجلسة بين السجدتين؟ وكذا [فيما] إذا ترك لمعة من الوجه في المرة الأولى، وانغسلت في الثانية، هل يجزئه؟ وفيهما وجهان.
قلت: وهذا ليس النظير، بل النظير إذا ترك سجدة عن الأولى؛ فإنها تجبر بسجدة من الثانية وإن اعتقد أنها من الثانية.
وقد ظهر لك مما ذكرناه: أن ما اشترطنا التفريق به، لا يشترط أن يكون [فيه]

مفطراً، بل يجوز أن يكون فيه صائماً عن غير التمتع: قضاء كان أو تطوعاً، وقد صرح به الإمام وغيره، وادعوا اتفاق الأصحاب عليه.
الفرع الثالث: إذا لم يصم حتى مات بعد الوجوب، فإن كان بعد التمكن ولا عذر، فقد حكى الإمام عن رواية صاحب "التقريب" وبعض التصاتيف – نصاً للشافعي - رضي الله عنه - أنه لا يجب شيء إذا مات: لا فدية، ولا صيام الولي، وتوجيه عدم صيام الولي ظاهر، وأما توجيه عدم الفدية؛ فلأنها إنما تثبت في صوم رمضان؛ كما أن الكفارة إنما وجبت بسبب إفساد الصوم فيه؛ فالفدية هي الكفارة الصغرى؛ فلا يعدى بها موضعها؛ اعتباراً بالكفارة العظمى.
والمشهور - وبه جزم المعظم-: الوجوب، وعلى هذا، فما هو الواجب؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يصوم عنه الولي.
والثاني: يطعم عنه لكل يوم مد من طعام، وهو الذي أورده البندنيجي، ويتصور ذلك بما إذا كان عاجزاً عن الهدي في موضعه واجداً له في بلده، أو وجده بثمن غال، أو لم يجده أصلاً، وعلى هذا فهل يختص به فقراء الحرم أو يجوز صرفه لغيرهم؟ فيه وجهان، وقيل قولان، أشبههما: الثاني.
والقول الثالث - حكاه الإمام عن رواية صاحب "التقريب" وغيره-: أنا نرجع إلى الدم فنوجب دم شاة في تركته؛ فإنه أولى وأقرب في [هذا] الصوم من الأمداد؛ فيجب في مقابلة الأيام العشرة دم شاة، وأن العراقيين ذكروا قولاً راجعًا إلى هذا.
وحكمه إذا مات وقد بقي عليه بعض الصوم، كما إذا مات ولم يصم إلا على القول الأخير؛ فإن العراقيين قالوا: إنه يجب عليه [تفريغا عليه]- في اليوم ثلث شاة، وفي اليومين ثلثا شاة، [وفي ثلاثة] فصاعداً إلى تمام العشرة شاة؛ تنزيلاً للأيام منزلة الشعرات التي يأخذها المحرم من نفسه، [وعزوا ذلك إلى النص]،

وكذلك عدد الأظفار وأعداد رمى الجمرات.
وفي "الشامل"

-[بعد حكاية قوله: إنه يجب التصدق عن كل يوم بمد]-

: أن أبا إسحاق قال في "الشرح": إن قوله "يتصدق [بمد" أولى من قوله يتصدق] بدرهم، أو ثلث شاة"، فأومأ إلى أن في ذلك ثلاثة أقأويل، وهذه الأقاويل قال أصحابنا: إنما هي في إتلاف الشعر، والظفر، ورمي الجمار، وليست هاهنا، وكذلك قال القاضي الحسين، وزاد إلى الصور الثلاثة صورة رابعة، وهي إذا ترك البيتوتة بمنى ليلة أو ليلتين.
وإن كان لم يصم لعدم تمكنه منه، فقد حكينا عن "الأم" قولين: أحدهما: [أنه] يُهْدَى عنه، ويجيء قول ثان: أنه يصوم عنه الولي، وثالث: أنه يخرج عنه دم شاة؛ أخذاً مما تقدم.
والثاني - وهو المذهب في "تعليق" البندنيجي، [والصحيح في غيره-: أنه لا يجب شيء؛ كما في صوم رمضان إذا مات قبل التمكن منه، وقد جزم به البندنيجي] في موضع آخر، فقال: إن كان [ترك] الصوم؛ لعدم قدرته عليه، سقط.
وعبارة القاضي أبي الطيب: إن كان قد ترك الصوم بعذر سقط.
وبين العبارتين فرق؛ لأن الثانية تفهم السقوط إذا كان الترك بسبب مرض يطيق معه الصوم، أو سفر، دون العبارة الأولى؛ وعلى الثانية ينطبق قول الإمام: إذا انتهى المتمتع إلى وطنه، ومات، فلا يلزمه شيء وإن حكمنا بأن الرجوع هو الفراغ من الحج؛ لأن السفر من الأعذار التي يجوز ترك صوم رمضان لأجله، ولو دام السفر إلى الموت، وقد اتفق ترك صوم رمضان فيه، فلا شيء على الذي مات، ودوام السفر بمثابة دوام المرض، فصيام الأيام الثلاثة وإن كان ثابتاً على الغرباء، فلا يزيد تأكده على تأكد صوم رمضان أداء واستدراكًا.
فإن قلت: هذا من الإمام مخالف لظاهر قول الله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ

فِي الْحَجِّ} [البقرة: 196]، وقول الشافعي في "المختصر": "وعليه ألا يخرج من الحج حتى يصوم إذا لم يجد هدياً".
قلت: من حأول الجمع بين ذلك وبين كلام الإمام، حمل نص الكتاب و"المختصر" على الحاج الذي انقطعت عنه رخص السفر؛ عملاً بما ورد من جواز الفطر بسبب السفر، والله سبحانه أعلم بالصواب.


باب المواقيت

المواقيت: جمع "ميقات"، وهو في لسانهم: الحد، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] يعنى: أنها حدٌّ لإحلال ديونهم وأوقات حجهم وعبادأنهم.
والمراد بها في هذا الباب: المواضع التي لا يجوز لمن أراد نسكاً من حج أو عمرة أو هما بالقران - مجاوزته بدون إحرام، وهي خمسة كما سيأتي.
قال: ميقات أهل المدينة ذو الحليفة، وميقات أهل اليمن يلملم، وميقات [أهل] نجد قرن، وميقات أهل الشام ومصر الجحفة.
والأصل في ذلك ما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرئاً - وفي رواية؛ قرن المنازل - ولأهل اليمن يلملم"، قال: "فهن لأهلهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمن أهله، كذلك حتى أهل مكة يهلون منها".
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن ابن عباس روى أنه - عليه السلام - وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجدٍ اليمن ونجد: قرن.
وهذه الرواية تعضد ما قاله البندتيجي: إن المواقيت الثابتة بنص السنة خمسة: ميقات أهل المدينة ذو الحليفة، وميقات أهل الشام ومصر والمغرب وتلك النواحي الجحفة ... وساق الباقي.

قال: وميقات أهل العراق ذات عرق.
هذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف يين العلماء في أنه ثبت بنص السنة أو بالاجتهاد.
وقد حكى القاضي أبو الطيب عن الشافعي - رضي الله عنه - ذلك قولين، وغيره أثبتهما وجهين: أحدهما- وهو المنصوص في "الأم"-: أنه ثبت بالاجتهاد؛ لأنه لم يفتح في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما فتح في زمان عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرن، وهو جورٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرن، شق علينا؟ قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق.
كذا ذكره البخاري في "صحيحه".
والثاني - وهو الذي قاله في موضع آخر؛ كما قال أبو الطيب-: أنه ثبت بنص السنة؛ لما روى مسلم عن أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل، فقال: سمعته - أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم- وذكر الحديث السابق، وفيه: "ومهل أهل العراق من ذات عرق".
وعن مسلم أنه روي عن جابر - أيضاً - قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "يهل أهل المشرق من ذات عرق".
وروى أبو داود والنسائي عن عائشة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات

عرق"، وهذا ما اقتضى كلام القاضي أبي الطيب ترجيحه، وصرح الماوردي بأنه أصح المذهبين، وبه جزم البندنيجي، وقال: إنه ما كان عند الشافعي ثبوته بالسنة؛ لأن الخبر لم يبلغه، [وقد ثبتت السنة]، فهو مذهبه.
وما ذكر من حديث عمر، قال أبو الطيب: يجوز أن يكون عمر- رضي الله عنه- لم يبلغه توقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه.
وما ذكر من كفر أهل العراق، فقد كان أهل المغرب – أيضاً- كفاراً، وكان بالشام قيصر، و [كان] بمصر المقوقس، ونص على ميقاتهم مع كفرهم؛ فكذلك أهل العراق، والله أعلم.
قال: فإن أهلوا من العقيق، فهو أفضل؛ لأن أبا داود روى بسنده عن ابن عباس قال: "وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق"، وقال الترمذي: إنه حسن.
وقال غيره: إن في إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف.
وقال البيهقي: إنه تفرد به.
وذكر الإمام: أنه مرسل؛ لأن رأويه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس،

وهو لم يلق جده؛ فلهذا لم يجب العمل به، واستحب لاحتمال الصحة مع أن من أحرم من العقيق يكون محرماً من ذات عرق؛ لأنها دونه، ومن أحرم من ذات عرق لا يكون محرمًا من العقيق، والجمع بينهما للاحتياط أولى.
وإذا ثبت أن هذه مواقيت لمن ذكر فالاسم يصدق إذا أحرم من أول ذلك أو وسطه أو آخره، فإذا فعل ذلك، خرج عن الواجب، غير أن المستحب أن يحرم من الجانب المقابل للجانب الذي [يلي] مكة.
تنبيه: ذو الحليفة: بضم الحاء المهملة، وفتح السلام وبالفاء، على نحو ستة أميال من المدينة، وقيل: سبعة، وقيل: أربعة، كذا قاله النووي.
وفي "الشامل" و"تعليق" البندنيجي و"الرافعي": أنها على ميل، وهي من مكة على نحو عشر مراحل.
والبندنيجي جزم بأن بينهما عشرة أيام، وهي أبعد المواقيت.
يلملم: بفتح الياء والسلامين، وإسكان الميم بينهما، ويقال فيه: ألملم، كما يقال: رجل يلمعي وألمعي، وهو على مرحلتين من مكة.
نجد- بفتح النون- إذا أطلق كان المراد به- كما قال الرافعي-: نجد الحجاز، وعليه ينطبق قول ابن عباس- كما تقدم-: "إنه عليه السلام أقت لأهل نجد اليمن ونجد: قرن"، وهو- كما قال النووي وغيره-: ما بين جرش إلى سواد الكوفة، وحده من الغرب بالحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن.
وقضية ذلك: أن يكون مراد الشيخ: نجد الحجاز دون نجد اليمن، ويعضده قوله: " [وميقات أهل اليمن يلملم] "، ولم يفصل بين نجدها وغورها؛ كما هو ظاهر الخبر، لكن خبر ابن عباس الذي رواه القاضي يقتضي أن ميقات النجدين جميعاً قرن، وهو ما حكاه في "الشامل" عن النص، ولم يحك الغزالي والإمام والقاضي الحسين غيره، وتبعهم الرافعي، وقال: إنا إذا قلنا: إن ميقات اليمن يلملم، أردنا به تهامة [منها]، لا كل اليمن.
قلت: ولفظ الشافعي – رضي الله عنه- مصرح به؛ فإنه قال- كما حكاه ابن

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل