كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
لأن تعيين الوقت من الصلاة.
قال في "التتمة": فإذا عرفت ما ذكرناه، عرفت أن الحالة الكاملة في المكتوبة: أن ينوي صلاة الظهر أداء فرضاً أربع ركعات مستقبل القبلة لله تعالى، [وينطق بذلك قبل] والتكبير.
الأمر الثاني: أنه يكفي في تحية المسجد وصلاة الكسوف [والخسوف] والاستسقاء وركعتي الإحرام وركعتي الطواف إذا لم نقل بوجوبهما، ونحو ذلك: نية الصلاة؛ لأنها نافلة غير راتبة؛ فإن الراتب ما كان له وقت معلوم: كتوابع الفرائض، والعيد، والضحى، وقيام رمضان، وهذه الصلوات لا وقت لها، وهذا يظهر لك من قول الشيخ في باب صلاة التطوع: "ومن فاته من هذه السنن الراتبة شيء قضاه في أصح القولين".
ولا شك في أن تحية المسجد تحصل بمطلق نية الصلاة؛ لأن المقصود منها شغل البقعة قبل الجلوس بصلاة كيف كانت، وقد حصل، وأما ما عداها [مما ذكرناه] ونحوه فلا يحصل مقصوده ما لم يعين الصلاة، [فينوي سنة] صلاة كسوف الشمس، وخسوف القمر، والاستسقاء، وركعتي الإحرام، وركعتي الطواف، كما ينوي ركعتي الفجر، صرح بذلك الأصحاب.
وحينئذ فالعبارة السديدة في ذلك أن يقال: وينوي الصلاة بعينها إن كانت الصلاة مكتوبة أو نافلة مقيدة، وإن كانت نافلة غير مقيدة أجزأته نية الصلاة، وهي عبارة ابن الصباغ، وقد أبدى لنفسه احتمالاً في بعض الرواتب، فقال: "عندي أن السنن التابعة للفرائض لا تفتقر إلى [تعيين النية؛ لأن فعلها قبلها وبعدها يعينها.
نعم: ركعتي الفجر لابد فيهما من] التعيين؛ فإنها تفعل سابقة للصلاة في أول طلوع الفجر وإن صلى الفرض في آخره، وكذا يصليها-أيضاً- بعد الفريضة إذا تركها.
وهذا الاحتمال أقامه الروياني في "تلخيصه" وجهاً في المسألة.
ولا جرم حكاه
الرافعي وجهاً عن الأصحاب، ولم ينسبه لأحد، وهذا لا وجه له، فإن فعل الصلاة نفلاً مطلقاً قبل فعل الظهر وبعده وقبل صلاة العصر وبعد صلاة المغرب والعشاء -جائز، فكيف ينصرف ما أتى به بنية الصلاة المطلقة إلى الراتب، خاصة ونحن لا نكتفي في صوم رمضان بمطلق نية الصوم وإن كان الوقت لا يقبل غيره؛ لاحتمال أن ينوي غيره؛ فلا يصح واحد منهما، فكيف بك هاهنا مع أن غير السنة الراتبة تصح فيوقتها.
وما فرق به بين الفجر وغيره من الرواتب لا يصلح أن يكون فارقاً؛ لأن سنة الظهر التي [قبله كركعتي] الفجر يجوز فعلها [بعده]، وعلى ما ذكره يقتضي أن تكون ركعتا الفجر عند إطلاق نية الصلاة أولى بالحصول؛ لأن [فعل النفل] المطلق قبل الصبح وقبل صلاة الفجر لا يجوز على وجه ادعى هو: أنه ظاهر المذهب، وبعد صلاة الصبح لا يجوز بلا خلاف؛ فكان حمل مطلق الصلاة في هذين الوقتين على ما يسوغ- وهو ركعتا الفجر- أولى من حملها على النفل المطلق؛ فإن الغالب من المتعبد قصد ما ليس بمكروه.
الأمر الثالث: أنه في النافلة غير الراتبة إذا أتى بالنية المطلقة فعل ما شاء، وهو الصحيح من المذهب، ولم يحك القاضي الحسين غيره.
وعن الشيخ أبي محمد: أنه يصلي أربع ركعات وما دونها، وفي الزيادة عليها تردد.
وقيل: يقتصر على ركعتين.
وقيل: بل على ركعة؛ لأنها أقل صلاة عندنا.
وما عدا الأول ليس بشيء؛ لأنه مع تعيين عدد الركعات له أن يبلغها ما شاء، وكذا عند الإطلاق.
نعم: إن كان المخالف يقول: إنه عند إطلاق النية إذا نوى في
أثناء الصلاة أن يبلغها [أكثر ما] له الاقتصار عليه يجوز أن يفعله كما قلنا عند تعيين العدد، فلما قاله وجه.
قال الإمام في كتاب الاعتكاف: والقياس الأول، وهو ما رأيت لشيخي القطع به، والله أعلم.
قال: وتكون النية مقارنة للتكبير، لا يجزئه [غير ذلك].
هذا الفصل يتضمن حكمين:
أحدهما: أن التكبير لا تنعقد الصلاة بدونه، والدليل عليه قوله -عليه السلام- للمسيء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر" رواه البخاري ومسلم، وسنذكر [تتمته]، وقوله -عليه السلام-: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" رواه أبو داود.
قال الترمذي: وهو أصح شيء روى في هذا الباب.
ووجه الدلالة منه: أن ظاهره للحصر؛ فإن العرب تفرق في لغتها بين قول القائل: زيد صديقي وبين قوله: صديقي زيد، في اقتضاء حصر الصداقة في [زيد في] الصورة الثانية دون الأولى، ونظير قولهم في الأولى، ونظير قولهم في الأولى: "التكبير تحريمها"، ونظير قولهم في الثانية: "تحريمها التكبير".
والفرق من حيث المعنى: أن المبتدأ ينبغي أن يكون معلوماً للسامع؛ ليصح أن يسند إليه من الخبر ما لعله مجهول للسامع، فالمبتدأ معتمده البيان، والخبر معتمده الفائدة، فإذا قلت: "زيد صديقي" فـ"زيد" معلوم، والصداقة في زعم المخبر هي المجهولة للسامع، فأثبتها له بخبره، وإذا قلت: صديقي زيد، فالصداقة معلومة، والمجهولمحلها، فإذا كان محلها زيداً وغيره، [لم] يحسن الاقتصار على زيد، وهذا معنى ما أبداه الإمام.
قال بعضهم: وتمام التقريب فيه: أن المبتدأ لا يصح أن يكون أعم من الخبر، فلو كانت الصداقة ثابتة لزيد وغيره، لكان أعم، ولا يصدق مع العموم كقولك: الحيوان إنسان، وكذلك تحرمي الصلاة لو صح بغير التكبير، لكان التحريم ثابتاً معه وبدونه، فيكون أعم من خبره، ولا يقال: إنا نجعل "تحريمها" خبراً مقدماً، والمبتدأ هو "التكبير"، وحينئذ يكون الخبر هو الأعم؛ لأن المبتدأ والخبر متى كانا بحيث يصح أن يكون كل واحد منهما خبراً عن الآخر: كقولك: زيد أخوك، وأخوك زيد- فإنه يجب فيه حفظ الترتيب؛ دفعاً للبس، وما نحن فيه كذلك.
و [الحكم] الثاني: بيان زمان النية في الصلاة، ودليله: أن التكبير أول أفعال العبادة؛ فيجب أن تكون النية مقارنة له؛ كما في الحج وغيره، وخالف هذا الصوم؛ لأنه يدخل فيه بغير فعله؛ فتشق مراقبة أوله، ولا كذلك الصلاة؛ فإنه يدخل فيها بفعله؛ فلا تشق عليه المراقبة، ولا ترد الزكاة والكفارة حيث جوزنا تقدم النية عليهما على وجه؛ لأن [النيابة تجوز فيهما؛ لمشقة تولي ذلك بالنفس، وحينئذ لم
يكن بد من تقديم النية عليهما؛ لأن] في اتفاق إجرائها على نية الموكل تغريراً بماله؛ فلهذا أجزنا تقديم النية.
فإن قيل: قد جوزتم النيابة في الحج، ولم تجوزوا تقدم النية.
[قلنا: في الحج العبادة فعل النائب، وذلك لا يكون عباد إلا بالنية]، وإذا لم ينو عن غيره وقع عن نفسه؛ فاعتبرت نيته عن المنوب عنه، وهاهنا إنما الواجب هو المال، وهو مال المنوب عنه.
ولأن الحج ليس فيه تغرير بماله، بخلاف الزكاة.
ثم مقارنة الشيء للشيء تكون حقيقة إذا انطبق أوله على أوله وآخره على آخره، وقد قال بذلك بعض الأصحاب هاهنا فاشترط أن يكون أول النية مع أول التكبير، وآخرها مع آخره؛ أخذاً بظاهر قول الشافعي: "وينوي صلاته مع التكبير لا قبله ولا بعده"، وهذا ما حكاه الإمام عن شيخه وغيره.
[و] قال الفوراني والمسعودي: إنه قول المتقدمين من مشايخنا، ولم يورد الغزالي في "الخلاصة" غيره، وهو ظاهر كلام الشيخ، وعبارة بعضهم في حكاية ذلك: أنه لو وزع النية على حروف التبكير فقرن أولها بأوله وآخرها بآخره جاز.
قال الروياني في "تلخيصه": وهذا قول أصحابنا المتقدمين.
والمذهب الصحيح: أنه لا يجوز ذلك، وكذا قاله القاضي الحين، وهو المحكي في "الإبانة" عن القفال، لكن بين القاضي والقفال اختلاف في علة عدم الجواز:
فالقاضي يقول: إنما لم يجز ذلك؛ لأنه حينئذ يفتتح التكبير، ولم يوجد منه جميع النية؛ فقد خلا بعض التكبير وهو من أركان الصلاة عن النية الكاملة؛ فلا يجوز، كما لو نوى بعد التكبير.
والقفال قال: لأن النية ليست شيئاً يمتد، أي: حتى يكون لها وسط وأول وآخر وجريان في الضمير على ترتيب، وإنما هي قصد واقع في آن أو لحظة واحدة لا يتصور بسطها.
نعم: الفعل المنوي قد شرطنا أن يكون الناوي حال النية عالماً به وبصفاته، وحصول العلوم بذلك يكون واقعاً في أزمنة في العادة، فإذا حضرت في الذهن، ولم يقع الذهول عن أوائلها توجه القصد إلى العلوم بصفاتها في لحظة واحدة، بلا ترتيب ولا استرسال.
وما قاله القفال حسن لا شك فيه، وعلى هذا قول الشافعي: "لا قبله ولا بعده" محمول على ما إذا نوى قبل التكبير، [واستحضر ذلك [ذكراً] إلى أن فرغ من التكبير]؛ صرح بذلك الشيخ أبو علي السنجي، وأبو منصور بن مهران شيخ أبي بكر الأودني، وغيرهما، واختاره القاضي الحسين والمسعودي والفوراني، وإنما كان كذلك حذراً من أن يتأخر أول النية عن أول التكبير.
وقولنا: يستحضر ذلك ذكراً، [احترزنا به] عما إذا استصحب ذلك حكماً؛ فإنه لا يكفي، وإنما يكتفي به بعد الفراغ من التكبير إلى آخر الصلاة.
وقد وافق هؤلاء القفال على اشتراط تقديم النية على أول التكبير، خالفهم في اشتراط استصحابها إلى آخره، وقال: يكفي أن يكون مستحضراً لها في أوله، ولا يضر
عزوبها في آخره، كما في غسل الوجه في الوضوء، يكفي اقتران النية بجزء من الوجه، ولا يضر عزوبها عند غسل باقيه؛ ولأنا لو قلنا: إنه يلزمه استصحابها ذكراً إلى الفراغ منه، لكان ذلك تكراراً للنية، وذلك لايجب عليه، كما لا يلزمه ذلك إلى آخر الصلاة.
قال القاضي الحسين: وهذا لا يصح، بل الصحيح ما قاله الشيخ أبو علي؛ لأن الواجب عليه أن يأتي بالنية عند [افتتاح الصلاة] إلى أن تنعقد له الصلاة، وإنما تنعقد له إذا فرغ من التكبير دون ما إذا أتى ببعضه، وبهذا خالف غسل جزء من الوجه؛ لأن الوضوء انعقد بغسل ذلك الجزء؛ فإنه محسوب من وضوئه.
قلت: وإلزام التكرار وارد على القفال؛ فإنه شرط التقدم والاستمرار ذكراً حتى يأتي بجزء من التكبير، وخالف تمام التكبير تمام الصلاة حيث لا يعتبر فيها الاستصحاب ذكراً؛ لأن ذلك يشق، ولا مشقة في استصحابها ذكراً إلى أن يفرغ التكبير.
ولأن المصلي مندوب إلى التفكر في قراءة صلاته، ومع ذلك لا يمكن استحضار النية.
قال الأصحاب: ويؤيد الفرق بين [الحالين] أن المتيمم لو رأى الماء قبل الفراغ من التكبير، بطل تيممه، دون ما إذا رآه بعد فراغه، والصلاة مما يسقط فرضها بالتيمم.
وقد حصل مما ذكرناه في المسألة ثلاثة أوجه ليس [منها شيء] في طريقة العراق، والذي ذكروه وتابعهم القاضي الحسين في أثناء الباب والصيدلاني -كما قال الإمام-: أنه يجوز أن يقدم النية على التكبير، ويستصحبها ذكراً إلى أن يفرغ منه، ويجوز أن يقرنها بأول جزء منه، ويستصحبها ذكراً إلى أن يفرغ منه، وحملوا نص الشافعي على ذلك، فهم فيه موافقون لجمهور المراوزة في اشتراط الاستدامة ذكراً إلى آخر التكبير، ومخالفون لهم في عدم اشتراط التقدم على التكبير، [و] لكنه مستحب عندهم؛ فإن لم يفعله جاز، والمراوزة لا يجوزون ذلك، ويقولون: لا تنعقد الصلاة بدونه، كما صرح به الإمام، وعليه ما سلف.
وأجاب القاضي الحسين عن ذلك حين وافق العراقيين في عدم اشتراط التقدم بأن
النية من أركان الصلاة، وأركانها لا تنفصل، ولا تتقدم ولا تتأخر؛ وبذلك يحصل في المسألة أربعة أوجه: أضعفها بالاتفاق الأول، ويليه في الضعف ما صار إليه القفال، والأخيران متعادلان؛ لأن الشيخ أباً علي في طائفة رجح اشتراط التقدم، والعراقيون في طائفة رجحوا وجه التخيير.
ونظير الوجهين ما ستعرفه في صفة الحج في محاذاة الحجر: فقوم يشترطون أن يتقدم الشق الذي يجب به المحاذاة على أول جزء من الحجر حتى يمر كل جزء منه على جميع الحجر.
وقوم يكتفون بأن يقع جملة الشق في مقابلة جملة الحجر، وهو الموافق لقول العراقيين.
ثم ما ذكره العراقيون هنا من التخيير يرجع حاصله إلى أن الواجب اقتران النية بأول جزء من التكبير، واستصحابها ذكراً إلى آخره، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه إذا اقتصر عليه أجزأه، وإذا قدم النية على التكبير استصحبها ذكراً إلى آخره، فالمقارنة ثابتة، وهي المعتد بها دون ما قبل التبكير؛ بدليل أنه لا يضر تركه، لكن على هذا شيء سنذكره وجوابه.
[ثم] على هذا ينبغي أن يحمل ما ذكره الشيخ من المقارنة، وإن كان ظاهره يقتضي الانبساط كما ذكرناه عن المتقدمين من المراوزة؛ إذ هو الحقيقة، لكن الحقيقة قد يعدل عنها؛ [للقرينة، ويتعين العدول عنها] إلى المجاز عند عدم إمكان العمل، وما نحن يه كذلك؛ لما أسلفناه عن القفال من أن النية لا تقبل البسط.
والإمام لما رأى ذهاب المتقدمين من الأصحاب وشيخه إلى القول بتوزيع النية على التكبير مع أنها لا تقبل ذلك-احتاج إلى تأويله وتأويل كل قول أيضاً، فقال: مرادهم من اشتراط بسط أجزاء النية على أجزاء التكبير: بسط أزمنة العلوم -أي: بالمنوي- وهي الأفعال الموصوفة؛ فيبتدئ باستحضار العلوم من: نوع الصلاة، وكونها ظهراً أو عصراً، ونحو ذلك مع التكبير، ثم يقدر تمام حصولها مع أجزاء التكبير، وعند ذلك يجرد القصد إلى ما حضر من العلوم به؛ فينطبق هذا القصد على أجزاء التكبير؛ إذ هو حالة العقد.
ثم قال: ولا يبعد على هذا أن يجوز هذا القائل إخلاء أول التكبير عن افتتاح العلوم بالمنوي إذا كان يتأتى يطبق القصد على أول وقت العقد.
قال: ومن اشترط تقديم النية على التكبير فمقصوده: أن يقدم العلوم بما ينويه قبل التكبير، ثم ينطبق القصد على أول التكبير؛ فنه أول الصلاة، فإن خلا عن القصد لم يصح.
قال: ومن خير بين التقديم والتأخير آل حاصل كلامه إلى أن التخيير يكون بين إطباق القصد على أول التكبير، وبين إطباقه على أول العقد، لكن مساق هذا التقدير ألا يشترط القائلون باشتراط تقديم النية أو بالتخيير استدامتها ذكراً بعد اقترانها بأول التكبير إلى آخر التكبير كما صار إليه القفال، وقد قالوا: إنه يجب أن يكون مستديماً للنية جملة إلى الفراغ من التكبير.
ولا جرم قال الإمام: إن إيجاب استدامة النية إلى آخر التكبير قول [من لم] يحط بحقيقة النية؛ فإن من ضرورة تقديم النية-أي: بالتفسير الذي ذكرناه- أن تنطبق النية على أول التكبير، والمقدم هو العلوم، ثم إذا حضرت العلوم، ووقع القصد، ليس ما يدام نية، وإنما هو ذكر النية، وذكر النية علم بأنها وقعت كما وصفنا وقوعها، وحينئذ فالمراد: دوام العلم بأنه صدر منه النية.
والقفال حيث اكتفى بالمقارنة لم يشترط دوام العلم بها إلى أن ينقضي التكبير، ولم يتفطن لهذه الدقيقة من الفقهاء غيره.
قلت: وهذا السؤال بعينه يرد على ما ذكرناه أن حاصل مذهب العراقيين يرجع إليه، وقد أجيب عنه بأن المراد من استدامة النية جملة إلى الفراغ، ذكر يجدد قصداً بعد قصد إلى آخر التكبير من غير تخلل زمان، وكما لا يمتنع استمرار العلوم بمعنى تجددها شيئاً فشيئاً بزعمه، لم يمتنع ذلك في المقصود، وحينئذ يستقر ما ذكرناه من التأويل، لكن الشيخ تقي الدين بن الصلاح ادعى أن هذا التأويل فاسد؛ لأن تجديد [النية] الثانية يتضمن إبطال الأولى على ما عرف فيمن كبر في إحرامه للصلاة تكبيرات بنيات متباينات؛ إذ من ضرورة إنشاء عقد حل ما انعقد
قبله؛ لأن المنعقد لا ينعقد؛ فكيف يستقيم إلحاق النيات بالعلوم المتواترة؟!
قلت: وهذا فيه نظر: لأن النية الأولى في مسألتنا قبل تمام التكبير لم تتم، وتمامها موقوف عند هذا القائل على تكرارها؛ ولهذا لم يحكم بانعقاد الصلاة قبله، وإذا كان كذلك، فلا يجوز أن يجعل ما يتم به الشيء مبطلاً له، ولا كذلك في الصورة المستشهد بها؛ فإن النية فهيا قد تمت، وانعقدت الصلاة، وعقد المعقود ممتنع؛ فاضطررنا إلى الحكم [بحله]، بخلاف الأول، وحينئذ يستقر ما ذكرناه من التأويل، والله أعلم.
وقد سلك صاحب "الغاية" في الرد على الإمام طريقاً آخر، فقال: ما نزل عليه الوجوه بعيد في الفقه والتحقيق:
أما من جهة الفقه؛ فلأنه على قول البسط يجوز خلو أول التبكير عن النية، ومن شأن النية أن تقترن بأول العبادة، [وليس له أن يحكم بعطف النية على أول العبادة] كما في الصوم على وجه؛ لأن الصوم استثنى لحاجة لا تحقيق لها هاهنا.
وظاهر كلام الشافعي يشعر ببسط النية؛ إذ قال: "ينوي مع التكبير لا قبله ولا بعده".
وأما من جهة التحقيق: فلا مانع من بسط النية إلا لكونها عرضاً فرداً، والعرض الرد لا يتصور انبساطه، وذلك لازم في أنواع العلم والذكر؛ لأنها أعراض لا يمكن بسط الفرد منها، فإن عني ببسط العلوم توالي الأمثال؛ [فذلك جوابنا] في بسط النية؛ إذ لا معنى لبسط العرض [واستمراره] إلاتوالي أمثاله.
قلت: وما ألزمه الإمام غير لازم؛ لأن الإمام لم يشترط استحضار جميع العلوم في وقت واحد، بل اكتفى بحصولها شيئاً فشيئاً من أول التكبير إلى آخره، وذلك لا يقتضي توالي أمثالها؛ فاندفع هذا السؤال بهذا الطريق، [والله أعلم].
وقد سلك صاحب "الذخائر" في تقرير الوجه الأول الذي قلنا: إنه ظاهر
النص- طريقاً بني الطريقة التي حكاها الإمام والطريقة الأخرى، فقال: النية لا تقبل البسط، وإنما الذي ينبسط على التكبير العلوم، فكلما استحضر علماً جرد القصد إليه إلى أن يتم التكبير، [فإن تم التكبير] قبل تمام الاستحضار لم تنعقد، وإن تم الاستحضار قبل تمام التكبير، فوجهان:
أحدهما: يجب استدامة المنوي والقصد، ويصح.
والثاني: لا يكفي، ويستأنف.
والحق من ذلك [كله] ما رآه الإمام بعد استيفاء المباحث: أن الشرع [ما أراه] مؤاخذاً بما ذكرناه من التدقيق، والغرض المكتفَى به أن تقع النية بحيث تعد مقترنة بعقد الصلاة، فإن تمييز الذكر عن الإنشاء والعلم بالمنوي منهما عسير، لا سيما على عامة الخلق، ولم يكن السلف الصالحون يرون المؤاخذة بهذه التفاصيل، والقدر المعتبر ديناً انتفاء الغفلة بذكر النية حالة التكبير، مع بذل المجهود في رعاية الوقت.
فأما التزام حقيقة مصادفة الوقت الذي يذكره الفقيه ما تحويه القدرة البشرية؛ وهذا ما اختاره الغزالي في "الإحياء.
قال بعضهم: وهو في الحقيقة [راجع] إلى حمل المقارنة في كلام الشافعي على المقارنة العرفية، لا المقارنة العقلية، وهو حسن بالغ، لا يتجه سواه.
وقد أورد بعضهم سؤالاً، فقال: إذا اقترنت النية بآخر التكبير، ولم توجد في أولهن لا يحصل مقصودها على المشهور، فما الفرق بين ذلك وبين ما إذا اقترنت النية باللفظ الآخر في قوله: "أنت طالق" مع أن النية معتبرة في كل من الأمرين؟
وأجاب بان الانعقاد منوط بكل التكبير، والذي يقع به الطلاق ما اشعر به، وهو الكلمة الثانية.
فرع: لو كبر ناوياً، ثم كبر ناوياً، نظرت:
فإن كان على وجه السهو، لم تبطل صلاته؛ قاله القاضي الحسين في باب سجود السهو.
وإن كان عامداً، قال صاحب "التلخيص": بطلت الأولى، ولم تصح الثانية، فإن كبر ثالثة صحت، ولو كانت التكبيرة الثانية بغير نية لم تضر.
قال في "الزوائد": قال القاضي الحسين: قال القفال: ولو كان قد نوى الافتتاح قبل شروعه في الثانية، بطلت الأولى، وصحت الثانية.
قال: وإنما كانت نية الافتتاح في الصلاة مبطلة [لها]؛ لأن الافتتاح يقتضي سبق الخروج؛ فجعل كما لو نوى الخروج.
ونظيره [ما قاله] الشافعي: لو نكح امرأة يوم الخميس على مسمى، ثم نكحها يوم الجمعة على مسمى آخر يلزمه المهران.
قال: والتكبير أن يقول- أي: القادر على القول-: الله أكبر، أي: من غير فصل بينهما؛ لأنه روى أنه-عليه السلام- كان يبتدئ الصلاة [بقوله]: "الله أكبر"، كما روته [عنه] عائشة، ولم ينقل عنه غيرهن وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
فإن قيل: التكبير قول وهو لا يرى.
قلنا: المراد كما علمتموني أصلي، والرؤية يعبر بها عن العلم، قال الله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:1] [أي:] ألم تعلم.
وإذا كان المراد العلم، شمل فعله- عليه السلام-وقوله.
قال: أو: الله الأكبر؛ لأن ذلك يأتي على معنى قوله: "الله أكبر" وزيادة لا تخل بالمعنى، فألغيت، وصح التكبير، كما لو قال: الله أكبر كبيراً؛ وهذا ما نقله المزني، وحكاه غيره أيضاً.
قال القاضي الحسين: وقد حكى أبو الوليد النيسابوري قولاً آخر للشافعي: أنه لا ينعقد به- كما صار إليه مالك-عملاً بما ورد، وبالجملة فالأول: أولى؛ للخروج من الخلاف، واتباعاً للسنة.
قال: لا يجزئه غير ذلك، أي: مثل قوله: الله الكبير، أو: الله الجليل، أو: الله العظيم، ونحو ذلك، أو: الرحمن أكبر، أو: الرحيم [أكبر]، ونحو ذلك، أو: الأكبر الله، [أو: أكبر الله]، [ونحو ذلك؛ لما ذكرناه.
وقيل: إذا قال: الرحمن أكبر، أو: الرحيم] أكبر- يجزئه؛ حكاه ابن كج، وكذا قيل: يجزئه قوله: "الأكبر الله"؛ لأنه ينطلق عليه اسم التكبير، وقد قال- عليه السلام-: "تحريمها الكبير وتحليلها التسليم"، حكاه أبو الطيب وغيره عن رواية أبي إسحاق في "الشرح"، وصححه.
والذي اختاره القاضي أبو حامد وأبو علي الطبري والماوردي والإمام: الأول، وقال البندنيجي: إنه المذهب، ولم يحك القاضي الحسين غيره؛ لأن فيه [تغيير ما] ورد به الشرع من الترتيب؛ فلا يجوز، كما في القراءة.
وقال في "الشامل": إن الشيخ أبا علي علله بأنه قدم النعت على المنعوت، وهو لا يجوز، وإن بعض الأصحاب رد عليه ذلك، وقال: هو جائز، كقولك: الخالق الله.
قال بعضهم: والتعليل والرد عليه كلاهما فاسد، فإن قوله: "الأكبر الله" ليست بنعت ولا منعوت، وإنما هو مبتدأ وخبر، ولو كان نعتاً لافتقر الكلام إلى خبر؛ لأن
النعت والمنعوت في تقدير مفرد، لا ينتظم منهما جملة، ولأن اسم "الله" معرفة، و"الأكبر" نكرة، ولا ينعت معرفة بنكرة، وقوله: "الخالق الله" مبتدأ وخبر أيضاً، وهذا الوجه قد ادعى المراوزة أنه قول خرج من نصه في "الأم" على أنه إذا قال: "عليكم السلام" أنه يجزئه كما خرج من نصه هنا على [عدم] الإجزاء، إلى ثم قول آخر: أنه لا يجزئ.
ومن أقر النصين فرق بأن قوله: "الأكبر الله" لا يسمى تكبيراً، وقوله: "عليكم السلام" يسمى: تسليماً.
قال الرافعي: وللقائلين بالتخريج أن يمنعوا هذا الفرق، ويقولوا: إن كان ذلك يسمى: تسليماً، فهذا يسمى: تكبيراً.
ثم الخلاف في الانعقاد بقوله: " [الأكبر الله] " هل يجري في قوله:"أكبر الله"؟ فيه طريقان:
أحداهما: نعم، وهي التي أوردها العراقيون كما قال الإمام، ولم يذكر في "المهذب" سواها.
والثانية: لا، وهي التي أوردها الماوردي، فقال: لا يجزئه وجهاً واحداً، وهو رأي الشيخ أبي محمد؛ لأن ذلك غير منتظم، بخلاف: "الأكبر الله".
قال الإمام: وهذا كذلك غير لائق به مع تميزه بالتبحر في علم اللسان؛ إذ لا يمتنع تقديم الخبر على المبتدأ، ولا خلاف في أنه إذا قال: "الله هو أكبر"، أو "الله أكبار" [أنه] لا تنعقد صلاته، وإن اعتقد ذلك كفر؛ لأن "أكبار" جمع: "كبر"، وهو الطبل.
وهل يستحب أن يرتل التكبير أو يجذمه -وهو قطع التطويل [منه]-؟ فيه وجهان في "التتمة"، المذكور منهما في "الشامل": الأول، وفي "التهذيب" مقابله، وإليه يميل كلام المتولي -أيضاً– وقال: إن القائل بمقابله هو القائل ببسط النية على التكبير.
ثم التكبير عندنا من الصلاة وهو أولها؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: " [إن] صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، وإنما هي التكبير والتسبيح والقراءة".
و [لأنا نشترط] فيه ما يشترط فهيا؛ فكان كالقراءة؛ وهذا [ما] نص عليه في "الإملاء".
قال الروياني: ومن أصحابنا من [قال]: هو أول الصلاة.
قال: وبالفراغ منه يخل فيها، وهذا غير صحيح، بل يجب أن يدخل في الصلاة بأول التكبير مع النية حتى يصح قولنا: [إن] التكبير من الصلاة.
أما العاجز عن النطق لخرس أو غيره، فالواجب في حقه أن يجريه على لسانه ما أمكن، فإن عجز عنه نواه بقلبه، كما يأتي في صلاة المريض.
وقد أفهمك قول الشيخ: "والتكبير أن يقول": [أنه] لابد من القول، وأقله أن يسمع نفسه مع سلامة حاسة أذنه؛ لأن ما دون ذلك خطور، لا قول.
وقوله: "لا يجزئه غير ذلك": أنه إذا قال: " [الله] الجليل أكبر"، ونحوه، لا يجزئه، وهو وجه ادعى ابن التلمساني: أنه الصحيح.
وقيل: [إنه] يجزئه، وادعى الرافعي: انه الأظهر.
والمشهور: أنه إذا طال ما بين الكلامين بأن قال: "الله لا إله إلا هوا لحي القيوم أكبر" أنه لا يجزئه.
وقال بعضهم: لا عبرة [بطول] ما بين الكلامين، وإنما العبرة بنظم الكلام في مقصوده.
قال: ومن لا يحسن التكبير بالعربية- أي: وضاق عليه الوقت عن التعلم- كبر بلسانه؛ لقوله -عليه السلام-: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، وهذا حد
استطاعته، ولا يجوز [له] أن يعدل إلى ذكر آخر؛ لأنه قادر على أن يأتي [بمعنى التكبير] بلغته، مع أن لفظه ليس بمعجز، ولم يجز أن ينتقل عنه إلى غير معناه؛ وبهذا فارق العاجز عن الفاتحة، لا يأتي بها بلسانه؛ لأن نظمها معجز.
وقد أفهم كلام الشيخ تعين الإتيان بالتكبير بلسانه عند العجز بالعربية، والذي حكاه البندنيجي: أنه يجوز له في هذه الحالة أن يكبر بغير لسانه؛ إذ لا فرق بينهما، وهذا وجه حكاه غيره وصححه.
وقال في "الحاوي": إن كان لا يحسن العربية، ويحسن الفارسية والسريانية، فبأيهما يكبر؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: بالفارسية؛ لأنها أقرب اللغات إلى العربية؛ فعلى هذا لو كان [يحسن] الفارسية وغيرها لا يأتي [إلا] بالفارسية.
والثاني: بالسريانية؛ لأن الله -تعالى- أنزل بها كتاباً، ولم ينزل بالفارسية؛ فعلى هذا لو كان يحسن السريانية وغيرها لا يكبر إلا بالسريانية.
والثالث: يكبر بأيهما شاء؛ فعلى هذا لو كان يحسنهما، ويحسن غيرهما، كبر بأيهما شاء.
وقد ادعى الرافعي: أن العبرانية أنزل بها كتابٌ، وهي حينئذ كالسريانية؛ فيجيء فيها مع الفارسية الأوجه، [وفيها] مع [غير] الفارسية الوجهان، والله أعلم.
قال: وعليه أن يتعلم
-[أي]: [العربية]-
لأن ما لا يتأتى الواجب إلا به فهو واجب.
[فإن قيل: لا نسلم أن التكبير بالعربية واجب]؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14، 15]، والذاكر بغير العربية ذاكر لله تعالى.
قلنا: دليل وجوبه قد تقدم من أنه -عليه السلام- لم يكبر إلا بها، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
وإذا تقرر [ذلك]، فلو لم يتعلم مع القدرة عليه وأتى به بلسانه، لم تنعقد صلاته إن كان في الوقت سعة، وإن لم يبق في الوقت سعة، كبر بلسانه؛ لحرمة الوقت، وأعاد بعد التعلم.
قال الرافعي: وفيه وجه ضعيف: أنه لا يعيد، وهو مستمد مما ذكره عند الكلام فيمن لم يجد ماء ولا تراباً.
ثم إطلاق الشيخ وجوب التعلم يقتضي: أنه لا فرق بين أن يكون المعلم في الموضع الذي فيه المتعلم أو غيره، ما إذا كان المعلم في البلد والمتعلم في البادية، وهو المشهور.
وقيل: لا يجب على البدوي قصد البلد للتعلم، وهو ما أورده الماوردي لا غير؛ قياساً على قَصْدِهِ لطلب الماء، والأول: أصح.
قال الرافعي وغيره: والفرق بين ما نحن فيه والماء: انه إذا وجد الماء لا يقدر على إدامته معه، وتكليفه قصد البلد في كل وقت يشق، ولا كذلك [قصد البلد؛ للتعلم؛ فإنه إذا تعلم دام معه ما تعلم؛ فلا يحتاج بعده إلى قصد آخر.
ومما يظهر الفرق بين البابين: أن] العاجز عن الماء في أول الوقت يتيمم وإن قدر عليه في آخر الوقت على الصحيح، ولا كذلك العاجز عن التعلم في أول الوقت وهو يقدر عليه قبل آخره.
فإن قيل: لم كان الحكم كذلك؟
قال ابن الصباغ: قلنا: لو جوزنا ذلك لم يتوجه ليه فرض التكبير بالعربية جملة؛ لأنه بعد أن صلى لا يلزمه التعلم في هذا الوقت، وفي الوقت الثاني مثله، ويفارق الماء؛ فإن وجوده لا يتعلق بفعله؛ لأنه ذا وجد الماء بطل تيممه.
فرع: كما يجب عليه أن يتعلم العربية؛ لأجل التكبير، يجب عليه أن يعلمها غلامه، وهو مخير بين أن يتولى ذلك بنفسه أو يخليه والاكتساب حتى يكتسب أجرة المعلم، فلو لم يعلمه، واستكسبه، عصى بذلك؛ قاله القاضي الحسين والمتولي.
ثم ما ذكره الشيخ من أنه يكبر [بلسانه، منصرف إلى تكبيرة] الإحرام، [و] في معناها التشهد؛ لأنه ذكر واجب كهي، وليس فيه نظم معجز، وهذا مما لا خلاف فيه.
وما عدا ذلك من الأذكار المسنونة: كدعاء الاستفتاح، والتعوذ، وتكبيرات الانتقالات، والتسبيح، والدعاء بعد التشهد- فهل يأتي بها بلسانه عند العجز والقدرة أو عند العجز فقط أو لا يأتي بها؟ اختلف فيه نقل الأئمة:
فالذي حكاه القاضي الحسين عن المراوزة: أنه لا يأتي بها عند القدرة على العربية [إلا بالعربية]، ونسبه [في "التتمة"] إلى قول بعض الأصحاب، وأن القفال اختاره، وفرع عليه: أنه لو أتى بذلك بلسانه عمداً، بطلت صلاته، وكذا هو في "الإبانة"، وقاسه على ما لو تكلم عامداً.
وعن العراقيين: أنه يجوز أن يأتي بذلك بلسانه، والأولى أن يأتي بها بالعربية.
وعند العجز عن العربية على مذهب العراقيين يجوز، وعند المراوزة هل يجوز أنا يأتي به بلسانه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز [كما] في تكبيرة الإحرام والتشهد، وهذا ما صححه البغوي.
والثاني: لا؛ لأنها ليست واجبة، بخلاف التكبير والتشهد، فلو فعل ذلك بلسانه بطلت صلاته.
قال القاضي الحسين: والوجهان صدورهما من لفظ الشافعي حيث قال -يعني: في "المختصر" [بعد] ذكر التكبير-: "وكذلك الذكر، وعليه أن يتعلم"، [وهو يحتمل أنه أراد به التشهد دون التسبيحات؛ لأنه قال: "وعليه أن يتعلم"، وإنما يجب تعلم التشهد دون سائر الأذكار.
ويحتمل أنه أراد به الكل؛ لأن اسم الذكر ينطبق على الكل، وقوله: "وعليه أن يتعلم"] ينصرف إلى التشهد، والاحتمال الثاني هو المحكي في "الحاوي"، وكذا في "الشامل"، وقال: إنه فسره في "الأم" كذلك.
وإن جمعت ما ذكرناه واختصرت، قلت: هل يجوز أن يأتي بالأذكار المسنونة في
الصلاة، وكذا الدعاء المشروع فيها بغير العربية؟ فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان يحسن العربية، فلا يجوز إلا بها، وإلا جاز بغيرها؛ وهذا أصحها بالاتفاق.
وادعى الغزالي أنه لا يجوز أن يدعو بالعجمية بحال.
وأما سائر الأذكار المسنونة: كدعاء الاستفتاح، والقنوت، وتكبيرات الانتقالات، وتسبيحات الركوع والسجود-فهل يأتي بها بالعجمية عند العجز عن العربية؟ فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: ما يجبر تركه بالسجود يأتي بترجمته، وما لا فلا.
وعبارة الإمام تقتضي أن الممنوع من إتيانه بغير العربية هو الدعاء المخترع في الصالة لا ما هو مسنون يها؛ فإنه قال: ليس للمصلي أن يخترع دعوة بالعجمية، ويدعو بها في صلاة وإن كان له أن يدعو بغير الدعوات المأثورة بالعربية.
ثم حكى الأوجه الثلاثة في الأذكار المسنونة، وذلك مشعر بجريان الأوجه في الأدعية المسنونة في الصلاة.
قال الرافعي: وبه صرح غيره من الأصحاب؛ فليحمل ما أطلقه الغزالي [على] من منع الدعاء بالعجمية على ما يخترعه المصلي؛ كما صرح به الإمام.
قال: ويجهر بالتكبير إن كان إماماً؛ ليسمع من خلفه، فيتبعه.
قال الأصحاب: ورفع المرأة صوتها إذا أمت نسوة دون رفع الرجل صوته؛ خشية افتتان من يسمعها من الأجانب.
أما المأموم فيستحب له الإسرار به؛ لئلا يشوش على غيره، فلو هر به كان مكروهاً، وإسماعه نفسه -كما تقدم-واجب.
قال: ويرفع يديه مع التكبير، أي: فيكون ابتداء الرفع مقروناً بابتداء التكبير؛ لأنه صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه مع التكبير.
[ووراء] ما ذكره الشيخ وجهان يأتيان من بعد.
قال: حذو منكبيه، أي: بحيث لا تجاوز أطراف الأصابع طرف المنكبين؛ [كما] قاله الإمام؛ لما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه
حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة.
وقد روي عن أبي حميد الساعدي: أنه قال في عشرة من الصحابة: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: فاعرض، قال: كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي [بهما] منكبيه، ثم يكبر حتى يقر كل عظم موضعه معتدلاً، ثم يقرأ، ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي [بهما] منكبيه، ثم يركعن ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدلن فلا يصوب رأسه ولا يضعه، ثم يرفع رأسه، ويقول: "سمع الله لمن حمده" ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلاً، ثم يقول: "الله أكبر"، ثم يهوي إلى الأرض، يجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه، ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعة كبر، فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يفعل ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم، أخرج رجله اليسرى، وقعد على شقه الأيسر، فقالوا: صدقت، هكذا كان يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه مالك في "الموطأ"، والترمذي، وقال: إنه حسن صحيح.
وفي لفظ رواه البخاري، قال: فإذا رفع رأسه، استوى قائماً حتى يعود كل فقار
مكانه، فإذا سجد سجد غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين، جلس على اليسرى، وجلس متوركاً على شقه الأيسر، وقعد على مقعدته.
وقيل: ينبغي أن يرفعهما إلى حيث تحاذي رءوس أصابعه أذنيه؛ لرواية وائل بن حجر: أنه لما بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه لحذو أذنيه.
وقيل: ينبغي أن يرفعهما بحيث تحاذي أطراف أصابعه أذنيه، وكفاه منكبيه، وإبهامه شحمة أذنيه، وهو ما حكاه المتولي، وقال القاضي الحسين: إنه الأولى.
فإن لم يفعل ذلكن فالسنة عندنا أن يرفعهما إلى حذو المنكبين، وإنما قلنا: إن ذلك أولى؛ لأن فيه جمعاً بين الأخبار.
وقد قيل: إن الشاعي لما قدم العراق اجتمع عنده أحمد والكرابيسي وأبو ثور، فسئل عن أحاديث الرفع، وأنه روي عنه -عليه السلام- أنه رفع حذو منكبيه، وحذو أذنيه، وحذو شحمة أذنيه؟ فقال: أرى أن يفعل ما ذكرناه.
فاستحسن [ذلك منه] في الجمع بين الروايات، وهي كلها في "سنن أبي داود".
وفي "تعليق القاضي الحسين": أن الشافعي هو السائل عن الجمع بين الروايات، والمجيب بما ذكرناه عند عجزهم عن الجواب، وأنهم استحسنوه.
فرع: لو كان بيديه علة تمنعه من ذلك، رفعهما إلى حيث يمكنه، ولو كان ذلك بإحدى يديه، رفع الصحيحة كما سلف، والأخرى إلى حيث يمكنه، فلو كان يقدر على الرفع فوق ما ذكرناه ودونه، ولا يقدر على القدر المستحب، أتى بما فوق؛ لأنه أتى بالسنة وزيادة.
ولو كان مقطوع الكفين، رفع الساعد.
ولو كان مقطوع المرفق، رفع عظم العضد في أصح الوجهين.
قال: ويفرق أصابعه؛ لما روى [أبو هريرة] أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر نشر أصابعه.
رواه الترمذي.
ولأنه أشبه بالتخوية في السجود، والمعنى فيه: أن يكون لكل عضو استقلال في العبادة بصورته.
[و] قال الغزالي: لا يتكلف ضمها ولا تفريجها، أي: بل يتركها على حالها.
وقال القاضي الحسين: إنه يتركها بين بين، ويستحب إذا رفعها أن يكشفها وينشرها.
قال في "التتمة": وينبغي قبل رفع اليدين والتكبير أن ينظر إلى موضع سجوده، و [يطرق برأسه] قليلاً، ثم يرفع يديه، ويكبر.
قال: فإذا انقضى التكبير حط يديه؛ لأن الرفع كان لأجله؛ فزال بفراغه، وما ذكره
الشيخ هو المحكي في "تعليق البندنيجي" عن نصه في "الأم".
وقيل: ينبغي أن [يفرغ من] يديه مع فراغ التكبير كما بدأ برفعهما معه؛ لأن الرفع لأجل التكبير، وهذا ما حكاه في "المهذب" وقال: إنه لو سبق بيديه أثبتهما مرفوعتين حتى يفرغ من التكبير؛ نص عليه في "الأم".
وعن أبي إسحاق وأبي علي أنه يكون انتهاء الرفع مع انتهاء التكبير، وهو خلاف النص.
وقيل: يرفع يديه من غير تكبير، ويرسلهما بتكبير؛ لرواية أبي حميد الساعدي السالفة.
وقيل: يرفعهما قبل التكبير، ويكبر وهما قارَّتان، ثم يرسلهما بعد الفراغ، رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، واختاره البغوي.
وهذان [الأخيران وما] حكيناه عن "المهذب"، حكاهما الغزالي وغيره عن المراوزة.
ثم من الأصحاب من يرى الأوجه اختلافاً، قال الإمام: وكان شيخي يقول: ليس
هذا اختلافاً في المستحب، بل صحت الروايات كلها؛ فبأيها أخذ كان إتياناً بالسنة على نسق واحد.
فرع: لو نسي الرفع ثم ذكره بعد الفراغ من التكبير، لا يأتي به؛ لفوات محله.
وإن ذكره قبل انقضاء التكبير، أتى به، كذا قاله البندنيجي والقاضي الحسين.
ثم لا فرق في ذلك بين أن يكون التكبير من قيام، أو في حال القعود، أو الاضطجاع في الفريضة أو النافلة؛ لأنه لا عسر فيه، وكذا لا فرق فيه بين الإمام والمأموم، [والمنفرد] والرجل والمرأة.
قال: وأخذ كوعه الأيسر بكفه الأيمن؛ لما روى قبيصة بن هُلْبٍ عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنا، فيأخذ شماله بيمينه.
رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو واضع شماله على يمينه، فأخذ بيمينه فوضعها على شماله، رواه أبو داود.
وروي أنه -عليه السلام- قال: "ثلاث من سنن المرسلين: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة".
قال الشافعي في "الأم": "والقصد من ذلك تسكين يديه، فإن أرسلهما، ولم يعبث، فلا بأس به"؛ [كذا] حكاه ابن الصباغ، ونسب المتلوي هذا إلى أبي إسحاق المروزي بعد أنا قال: ظاهر المذهب: أن إرسال اليدين مكروه.
ثم له في كيفية أخذ الكوع طريقان:
أحدهما: أن يبسط أصابعه على عرض المفصل.
والثاني: أن ينشرهما في صوب ساعد اليسرى.
وهو في الحالين قابض على كوعه، ويده اليمنى عالية، والكيفيتان نقلتا عن القفال، وانه كان يخير بينهما.
قال الرافعي: ويحكي ذلك عن أبي إسحاق أيضاً.
قال: وجعلهما تحت صدر؛ لأنه روي في قصة وائل بن حجر أنه -عليه السلام- وضع يده المنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد، ثم وضعهما تحت صدره، وقد جاء في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:2] أي:
ضع اليمنى على اليسرى تحت النحر؛ حكاه أبو الطيب عن ابن عباس وعن علي ابن أبي طالب، رضي الله عنهما.
وقال أبو إسحاق: يجعلهما تحت سرته؛ لأنه روي عن علي أنه قال: "من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة" رواه أحمد وأبو داود.
وقال ابن المنذر: إنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في ذلك؛ فهو بالخيار: إن شاء جعلهما تحت السرة، وإن شاء جعلهما فوقها؛ حكاه أبو الطيب.
وفي "النهاية" أن الشيخ أبا بكر -يعني: الصيدلاني-قال: لم أر ذلك-[أي: الوضع تحت الصدر] منصوصاً عليه للشافعي في شيء من كتبه، ولكن الأئمة اعتمدوا فيه نقل المزني، وقالوا: لعل ما نقله اعتمد فيه [على] سماعه من الشافعي.
قال: وجعل نظره إلى موضع السجود؛ لأنه روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة لا ينظر إلا إلى موضع سجوده.
وقد قيل: إن أبا طالب العُشاري روى في "الأفراد" عن بعض الصحابة قال:
قلت [لرسول الله]: أين أجعل بصري في صلاتي؟ قال: "موضع سجودك" قال: قلت]: يا رسول الله، إن ذلك لشديد، قال: "ففي الفريضة إذن".
ثم ظاهر هذا أنه لا فرق فيه بين حال القيام والركوع والسجود والجلوس، وهو المذهب.
وفي "التتمة" وجه آخر: أنه ينظر في قيامه إلى موضع سجوده، وفي ركوعه إلى قدميه، وفي سجوده إلى أنفه، وفي القعود إلى حجره؛ وهذا ما حكاه القاضي الحسين قبيل الكلام في التشهد.
وقال الماوردي: إنه ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده، وفي حال جلوسه إلى حجره.
وسكت عن بقية الحالات.
ولا منافاة بين ذلك وبين ما ذكره الشيخ؛ لأن كلام الشيخ مفروض في حال القيام، وقد حكاه المتولي في موضع آخر عن نصه في "البويطي"، ثم قال: "وهذا في حال القيام، فأما في حال الركوع، فينظر إلى قدميه ... " وساق بقية ما أسلفناه.
واعلم أن حط اليدين بعد الرفع من الركوع، هل يكون على وجه الإرسال، ثم بعد ذلك يقع أخذ اليسار باليمين، أو يحطهما واضعاً يده اليمنى على اليسرى؟ اضطرب فيه كلام الأئمة:
فكلام الغزالي في "الإحياء" مصرح بالأول، وعليه يدل قوله في "الأم": "وليس إرسال اليدين من هيئات الصلاة، ولكن يتوصل بها إلى الهيئة التي هي وضع اليمين على الشمال".
وكلام صاحب "التهذيب" وغيره مشعر بالثاني.
قال: ثم يقول: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شركي له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين"؛ لأنه روي عن علي-كرم الله وجهه-أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، [إن صلاتي] ... " إلى أن قال:
"وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" أخرجه مسلم.
وإنما قال ذلك؛ لأنه أول مسلمي هذه الأمة، وغيره لا يقول ذلك بل، يقول ما ذكره الشيخ؛ لأنه ليس أول المسلمين.
ثم معنى قوله: "وجهت وجهي" أي: قصدت بعبادتي؛ أنشد الفراء:
أستغفر الله ذنباً لستُ محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل
يعني: إليه القصد والعمل.
وقوله: "للذي فطر السموات والأرض" أي: خلقهما.
وقيل: الفطر: الاختراع.
قال ابن عباس: "ما كنت أعرف معنى "الفاطر" حتى اختصم إلى رجلان في بئر، فقال أحدهما: فطرها أبي، أي: اخترعها".
وقوله: "حنيفاً" أي: مائلاً [إلى الإسلام]؛ إذ أصل "الحنف": الميل.
قال أبو عبيد: "الحنيف" عند العرب: ما كان على دين إبراهيم عليه السلام.
ولا جرم قال: مسلماً.
والنسك: التقرب.
ورب العالمين: مالك الجن والإنس.
واعلم أن ما ذكره الشيخ من دعاء الاستفتاح هو ما ذكره المزني في "المختصر" لا غير، وقد روى مسلم وأبو داود في تتمة حديث علي [بن أبي طالب] أنه -عليه السلام- كان يقول بعد ذلك: "اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي؛ فاغفر لي ذنوبي جميعاً؛ إنه لا يغفر
الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك".
وقال الشافعي [في "الأم"]: وبهذا قولي في الفرض والسنة، وبه آمر، وأحب ألا يغادر منه شيئاً، فإن زاد فيه شيئاً أو نقص، كرهتهن ولا سجود عليه؛ كذا حكاه البندنيجي والروياني في "تلخيصه"، ونقلاً عن المزني أنه قال: معنى قوله-عليه السلام- في الخبر: "والشر ليس إليك"، أي: لا ينسب إليك وإن كنت فاعله، كما لا يقال: خالق القردة والخنازير، وإن كان خالقهما.
وقال محمد بن خزيمة: معناه: لا يتقرب به إليك، وهو ما حكاه القاضي الحسين، وقال: إنه منقول عن الفضل بن شميل، وبه قال الخليل.
وقيل: معناه: والشر ليس يصعد إليك؛ قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: 10].
وقد زعم بعضهم أن الشافعي لم يقل إلا ما حكاه المزني في "المختصر"، فقال: إنما اقتصر الشافعي على ذلك؛ لطول ما بعده، ولاشتماله على مقاصد تأتي على جملة ما اشتمل عليه الحديث بكماله مع لطائف لم يتضمنها آخره المتروك.
والأحسن في تأويله: أن الشافعي اقتصر في "المختصر" على ذلك؛ لأنه يعم كل مصلّ: من إمام، ومنفرد، وما ذكره في "الأم" من تتمة الحديث مخصوص -كما قال الأصحاب- بالمنفرد دون الإمام، إلا أن يؤثر من خلقه التطويل، وسيأتي نظيره ودليله.
فإن قيل: قد روى مسلم بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، وهذا يدل على أنه لم يكن يأتي بالدعاء.
قلنا: خبرنا مثبت، وهذا تضمن النفي، والمثبت مقدم [على النافي]؛ على أنا نحمله على افتتاح قراءة الصلاة؛ للجمع بين الحديثين، وقد جاء مثل ذلك في قوله -عليه السلام-: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"، وأراد قراءة الفاتحة.
فإن قيل: قد روت عائشة: أنه -عليه السلام- كان إذا افتتح الصلاة، قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" أخرجه
الترمذي؛ فلم رجحتم ما ذكرتم عليه؟
قلنا: لأن طلق بن غنّام انفرد به، وليس بالقوي، وحديثنا أليق بالمحل، وأكثر ألفاظه ألفاظ القرآن، وهو يشتمل على أنواع، وذلك نوع واحد، على أن القاضي الحسين قال: إنا نستحب أن يجمع بين ذلك في الدعاء؛ فيبدأ بما روته عائشة، ثم يقول: "وجهت وجهي ... " إلى آخره.
قال الرافعي: وهذا يحكي عن القاضي أبي حامد وأبي إسحاق وغيرهما.
وحكى الروياني عن الطبري: أن المستحب أن يقول في التوجيه: "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وجهت وجهي ... " إلى آخره.
قلت: وفي هذا مع ما حكيناه عن نص الشافعي في "الأم" نظر.
فرع: المسبوق إذا كبر تكبيرة الإحرام، والإمام في التشهد الأخير، وجلس، ثم سلم الإمام، قام، وأتى بالفاتحة، ولا يأتي بالدعاء؛ [لأنه يؤمر] به من يفتتح الصلاة، وبجلوسه مع الإمام ذهب الافتتاح، نعم، لو سلم الإمام عقيب تحرم المأموم أتى به، وكذا لو كان تكبيره عند قول الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] فقال: آمين، له أن يأتي به.
قال القاضي الحسين: لأن قوله: "آمين" دعاء، والدعاء لا يمنعه من الإتيان بدعاء آخر.
قال: ثم يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
الأصل في استحباب التعوذ عند إرادة قراءة القرآن في الصلاة وغيرها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] والسبب في ذلك أنه- عليه السلام-كان قرأ سورة "والنجم" في صلاة الصبح، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: 19، 20] ألقى الشيطان في أمنيته-أي: في قراءته، لا على لسانه-: "تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجي"؛ ففرح به المشركون، وقالوا: إن محمداً أثنى على آلهتنا؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية [الحج: 52]،
[ونزل] قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98].
قال القاضي الحسين: ومن أصحابنا من قال: إن ذلك اللفظ جرى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم سهواً، والصحيح: أنه لم يجر على لسانه؛ لأنها كلمة كفر، بل ألقى الشيطان تلاوته.
فإن قيل: إن الآية تقتضي أن الاستعاذة بعد القراءة.
قلنا: في الآية محذوف، والتقدير: إذا أردت قراءة القرآن؛ تنزيلاً للمشرف على الشيء منزلة المباشر له؛ كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: 6]، وقوله -عليه السلام-: "من قتل قتيلاً فله سلبه"، وقد روى نافع بن جبير بن
مطعم عن أبيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم [يصلي]، فقال: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه" وقال: ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر، وهمزه: الجنون.
وعن أبي سعيد الخدري قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام يقول: "أعوذ بالله [السميع العليم] من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه [ونفثه] "ثم يقرأ".
فإن قيل: هذا الخبر يقتضي خلاف ما ذكرتم من [صيغة] التعوذ.
قلنا: لا شك أن كلا منهما جائز مؤد للغرض، وكذا كل ما يشتمل على الإجارة بالله من الشيطان الرجيم؛ كذا قاله الرافعي.
وقال الماوردي: الأولى ما ذكره الشيخ، ثم يليه في الأولوية ما رواه أبو سعيد الخدري، ثم يليه قوله: "أعوذ بالله العلي من الشيطان الغوي" ثم معنى "أعوذ": ألتجئ، والشيطان: من شطن الشيء؛ إذا بعد، وإبليس بعيد من الخير.
وقيل: إنه مأخوذ من: شاط؛ إذا احترق، وإبليس كذلك مآلاً.
والرجيم: المطرود، وهو "فعيل" بمعنى "مفعول".
قال: ويقرا فاتحة الكتاب؛ لما روى مسلم عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن".
وروى البخاري ومسلم أنه قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
وروى الشافعي بإسناده عن رفاعة بن رافع: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي الذي أساء في صلاته حين قال: علمني يا رسول الله كيف أصلي؟ قال: "إذا توجهت إلى القبلة، فكبر، ثم اقرأ بأم الكتاب، وما شاء الله أن تقرأ" وهذا أمس في الدلالة من الأولين؛ لأنه يقتضي قراءة الفاتحة في الركعة الأولى، والأولان يقتضيان قراءتها في الصلاة، وظاهرها نفي الصلاة [عند انتفاء قراءتها فيها، لا نفي الكمال، وهو حجة على أبي حنيفة، حيث لم يعينها في الصلاة]، ويؤيد ذلك رواية سفيان عن العلاء بن عبد الرحمن [عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم] قال: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، ذكره ابن المنذر.
وفي رواية الدارقطني: "لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب".
وسنذكر في الباب بعده- إن شاء الله تعالى- ما يتم به الاحتجاج عليه.
قال العلماء: [وسميت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة]؛ لافتتاح قراءة الصلاة والقرآن بها.
وسميت [بأم الكتاب]؛ لأنها أوله، وأصله، وكذلك سميت مكة: أم القرى؛ لأنها أول الأرض وأصلها، ومنها دُحِيت.
وسميت: السبع المثاني؛ لأنها سبع آيات، وتثنى في الصلاة، أو ثني نزولها، أو تثني البطلة، أو هي قسمان: ثناء، ودعاء، أو من الاستثناء، لأنها استثنيت لهذه الأمة.
وقيل: لأن أكثر كلماتها مثنى.
و [قد] قيل: إن السبع المثاني في الآية: السبع الطوال من البقرة إلى النفال مع التوبة، وقيل: غير ذلك.
والصحيح: الأول؛ لأنه جاء في صحيح البخاري وغيره: أن [أبا] سعيد بن المعلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني التي أوتيت والقرآن العظيم".
ثم القراءة تحصل بأن يحرك لسانه بحيث يسمع نفسه عند عدم علة به.
قال الشافعي: [و] لا يجزئه أن ينطق بصدره ولا ينطق بلسانه.
قال القاضي الحسين: لأن ذلك فكرة، وليس بقراءة.
وحكى عن أبي إسحاق أنه قال: ما ناظرت عاميّاً قط إلا وغلبني، إلا في هذه المسألة؛ فإنه قال لي أعرابي ببغداد: أنت تقولك يقرأ بحيث يسمع نفسه، وأنت تقرأ في الصلاة ولا نسمع قراءتك، فقلت له: أنا قلت: يسمع نفسه، ونفسك ليست بنفسي، فسكت.
قال: أولها: "بسم الله الرحمن الرحيم".
قال الإمام -وتبعه الغزالي-: لأن محمد بن إسماعيل البخاري روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "عد فتاحة الكتاب سبع آيات"، وعد ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾ [الفاتحة: 1] آية منها.
قيل: وهذا الخبر لا يوجد في كتابه المشهور، بل هو في "تاريخه"، نعم، روى الدارقطني في "سننه" من حديث أبي بكر الحنفي [عن الحميد] بن جعفر بسنده إلى أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قرأتم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فاقرءوا: ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾؛ إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني.
و ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾ أحد آياتها".
وروي عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بفاتحة الكتاب في الصلاة {بِسْمِ اللهِ
الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ} [الفاتحة:1] آية، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:2] [آيتين] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: الآية1] ثلاث آيات، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:4] أربع آيات، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] وجمع خمس أصابعه.
وروى هذا الحديث البويطي، وقال: حدثني غير واحد عن حفص بن غياث عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم عد ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾ آية و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [آية] ... ست آيات"؛ وبهذا قال علي وابن عباس وابن عمر وابن الزبر، ولا مخالف لهم من الصحابة.
ونقل القفال أن أبا نصر المؤذن، قال: اتفق قراء الكوفة وفقهاء المدينة على أن البسملة آية من الفاتحة، وقال قراء المدينة وفقهاء الكوفة: [إنها ليست منها.
فإن قيل: قول فقهاء الكوفة] يؤيده رواية مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:2]، وروى -أيضاً- عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا نهض في الثانية، استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:2]، وروايته-أيضاً-عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج-ثلاثاً-غير تمام" فقيل لأبي هريرة: إنا تكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك؛ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] قال الله: أثنى على عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:4] قال: مجدني عبدي-وقال مرة: فوض إلي عبدي- وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، قال: هذا بيني وبين