كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 111-150
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 111-150
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل".
وهذا الخبر أقوى في الاستدلال على أنها ليست منها، وألا لكانت آيات الثناء أربعاً ونصفاً.
وأيضاً: فإن فيما ذكره الشافعي إثبات قرآن بالظن، وطريق إثبات القرآن القطع.
قيل: الجواب عن الخبرين الأولين: أن مراد راوييهما: أنه قرأ السورة الملقبة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا أنه قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وما رواه الدارقطني عن ابن عبد الله بن مغفل عن أبيه قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقرؤها" معارض

بقول ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بـ ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾، كذا رواه الترمذي، وبما رواه الدارقطني عن نعيم بن عبد الله

المجمر، قال: "صليت خلف أبي هريرة، فقرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾ حتى إذا بلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾، قال: آمين، فقال الناس: آمين ... " وذكر الحديث، ثم قال في آخره: "والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هذا أولى؛ لأنه إثبات؛ فهو مقدم على النفي؛ لاحتمال أن يكون

النافي بعيداً لم يسمع، أو تركت القراءة لعلة حصلت في وقت اقتدائه [به] عليه السلام.
والجواب عن الخبر الثالث: أن ترك عدها فيه إنما يدل لو كان ذكر ذلك لغرض يتعلق بحقيقة "الفاتحة"، أو بالكمية، والظاهر أنه ذكر ذلك لبيان انقسام الصلاة إلى ما هو لله سبحانه وتعالى وإلى ما هو للعبد؛ فلذلك قال: "قسمت الصلاة"، ولم يقل: "قسمت القراءة" أو الفاتحة، ثم تنصيف الشيء قد يكون بغير جزأين متساويين في المقدار؛ قال-عليه السلام-: "تعلموا الفرائض، وعلموها الناس؛ فإنها نصف العلم"، وقال في الوضوء: "إنه شطر الإيمان"، ويؤيد ذلك أن النصف باعتبار الكلمات والحروف غير معتبر، على أنه قد جاء في بعض طرق الحديث: "إذا قال العبد: ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾

يقول الله تعالى: ذكرني عبدي"، لكن هذه الرواية أثبتها عبد الله بن زياد بن سمعان، وهو متروك عند مالك وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم، ولو سلم عن ذلك، لاستغنينا عن الجواب.
ثم الذي يشترط في إثباته القطع هو متن القرآن، وليس ذلك محل النزاع؛ فإن البسملة من القرآن في "النمل" بالإجماع، وإنما النزاع في إثبات محل، فلم قلتم: إنه يشترط في مثله القطع؟ وإذا ثبت أنها آية منها، كانت الآية السابعة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ...﴾ إلى آخرها، ومن لم يجعلها آية منها، قال: الآية السادسة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ...﴾ إلى آخرها، كل سورة -أيضاً- إلا "براءة"؛ كذا قاله أبو الطيب، وحكى ابن الصباغ أن الشيخ أبا حامد حكى قولاً آخر: أنها من "الفاتحة" و"النمل] فقط، و [كذا] حكاه البندنيجي.
وابن القطان حكاه عن [رواية بعض الأصحاب، وقال: لا يعرف هذا.
والإمام ومن تبعه حكوه عن رواية] الشيخ أبي بكر الصيدلاني.
[والذي جزم به في "الحاوي": الأول]، وهو الصحيح باتفاق الأصحاب، واختلفوا في طريق إثباته: فمنهم من قال: طريقه القطع.
ومنهم من قال: طريقه الظن.
وهذا ما حكاه القاضي الحسين والماوردي وغيره، وقالوا: [هل] هي من أول كل سورة حتى "الفاتحة" قطعاً أو ظناً؟ فيه خلاف: الذي صار إليه ابن أبي

هريرة الأول، والجمهور على الثاني، وهو الصحيح.
وحجة ابن أبي هريرة ما روي أنه لما كثر القتل في المسلمين يوم اليمامة في قتال مسيلمة، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: أرى [أن] القتل قد كثر في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني أخشى أن يذهب القرآن جميعه، فقال أبو بكر لزيد بن ثابت: أجمعه، فجمعه زيد بمحضر من الصحابة ووفاقهم في مصحف، فكان عند أبي بكر مدة حياته، [ثم عند عمر بعده]، فلما مات دفعه إلى ابنته حفصة حتى قدم حذيفة بن اليمان من العراق على عثمان، وذكر له اختلاف الناس في القرآن، فأخذ عثمان المصحف من حفصة، وكتب منه ست نسخ، وأنفذ كل مصحف إلى بلد، وأمر الناس بالرجوع إليه، فأجمعوا على ما بين الدفتين قرآنا، وكانت ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾ مكتوبة في أول كل سورة بخط المصحف، إلا "براءة"، وكتابتها بخط المصحف: إما أن يكون لأنها قرآن في موضعه، أو لفاتحة كل سورة أو لخاتتها، أو للفصل بين السورتين، أو للتبرك، ولا يجوز أن [يكون] كتابتها بسبب الافتتاح؛ لأنهم تركوها في أول "براءة"، ولا يجوز أن يكون كتبوها للخاتمة؛ لأنهم تركوها في خاتمة "الأنفال" وخاتمة "الناس"، [ولا يجوز أن تكون للفصل]؛ لأنهم لم يفصلوا بها بين "الأنفال" و"براءة"، وكتبوها في "الفاتحة"، وليس هناك ما يحتاج إلى الفصل، ولا يجوز أن تكون للتبرك؛ فإنه لا شيء أبرك من كلام الله تعالى؛ ولهذا لم يبدأ بها النبي صلى الله عليه وسلم حين قرأ آية الإفك؛ فعلم أنهم إنما كتبوها في [أول] [كل]

سورة؛ لأنها قرآن هناك.
فإن قيل: قد أثبت في المصحف أسماء السور والأعشار، ولم يدل ذلك على أنه من القرآن.
فجوابه: أن هذا أمر ابتدعه الحجاج في زمانه؛ فلم يكن به اعتبار، ثم ذلك مكتوب بغير خط المصحف، بخلاف البسملة.
وحجة الجمهور: ما رواه مسلم عن أنس بن مالك قال: "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا، إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: "نزلت علي آنفاً سورة"، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:1 - 3]. وروى أبو داود عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف فصل كل سورة حتى ينزل عليه: ﴿ِبسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾.
فإن قيل: قد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غفر له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:1]، وقد أجمع القراء

على أن تبارك ثلاثون [آية] سوى البسملة.
قيل في جوابه: النبي- عليه السلام- قصد عد الآي التي تختص بها دون البسملة التي هي مبتدأ كل سورة، وبهذا يقع الجواب عما ورد من نحو ذلك.
التفريع: إن قلنا بما قاله الجمهور، [فثمرة] كونها من أول كل سورة: أنه إذا تركها، لم يكن [قد] قرأ السورة بجملتها؛ فلا يخرج عن نذره، ولا يبر يمينه؛ إن كان قد حلف على قراءة سورة من القرآن، ولاتصح صلاته إذا تركها من الفاتحة؛ وهكذا الحكم فيما إذا قلنا بقول ابن أبي هريرة.
وفي "الزوائد": أن صاحب "الفروع" قال: إذا قلنا: إنها آية قطعاً، كفَّرنا رادَّها، وفسقنا تاركها.
والذي حكاه ابن الصباغ والمحاملي وغيرهما من أهل الطريقين القطع بعدم تكفير من ردها؛ لحصول الشبهة بالاختلاف، وكيف يقال بكفره، والإمام مالك -رحمه الله- هو المخالف.
وقد أنكر ابن مسعود كون المعوذتين من القرآن، وقال: إنهما عوذتان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكفر لأجل الشبهة.
وعلى كل حال، فهل هي في أول كل سورة غير "الفاتحة" و"براءة" آية مستقلة أو آية مع غيرها؟ فيه قولان أو وجهان:

أحدهما: أنها بعض آية، ويدل عليه خبر أبي هريرة في سورة "تبارك"، والشيء من القرآن قد يكون آية في موضع، وبعض آية في آخر؛ كقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾؛ فإنها آية في "الفاتحة"، وبعض آية من غيرها في قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:10]، وفي قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 45].
ووجه مقابله-وهو ما ادعى الروياني في "تلخيصه" أنه ظاهر المذهب: أنها تقرأ في أول كل سورة كما تقرأ في أول "الفاتحة"،وتكتب في أولها كما تكتب في أول "الفاتحة"؛ فكانت منها كهي من الفاتحة.
وأيضاً: فقد روي عن ابن عباس أنه قال: "من ترك ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾ فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية".
وفي "التتمة" حكاية طريقة أخرى: أن كل سورة آخر آيها بالياء والترادف مثل: البقرة وغيرها فـ ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾ منها [آية كاملة]، وكل سورة آخرها على نمط آخر مثل سورة اقتربت، فـ ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ بعض آية، اعتباراً لآخر [الآيات].
قال: ويرتل القراءة؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل: 4]، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يسرع في القراءة، فقال: "أهذا كهذِّ الشعر؟! " أو قال: "كهِّذ الأعراب؟! "، والمصلي بالترتيل أولى؛ ولذلك قال [في

"الأم"]: وأجب ما وصفت لكل قارئ في الصلاة وغيرها، وأنا في الصلاة أشد استحباباً.
وأدنى الترتيل: ترك العجلة، وأعلاه: ما كان أبين ما لم يبلغ به التمطيط.
قال: ويرتبها، أي: يأتي بالآية بعد الآية؛ لأن نظم القرآن معجز، وترك الترتيب يزيل إعجازه، وهو مقصود.
قال: ويأتي بها على الولاء، [أي]: المعتاد في القراءة حتى لا يكون بترك ذلك في صورة متلاعب، ويذهب بهجة القراءة.
قال: فإن ترك ترتيبها أو فرقها، لزمه إعادتها: أما في ترك الترتيب؛ فلزوال المقصود من القراءة، وهو الإعجاز.
وأما في التفريق، فلأنه يشعر بالإعراض.
وترك الترتيب يحصل بما إذا قرأ آية من وسط الفاتحة قبل أولها [ثم أولها]، ثم آخرها، ونحو ذلك، ومثله في الحكم ما إذا قدم آخر الآية الواحدة على أولها، أو قدم وسطها، مثل: أن قال: لله الحمد رب العالمين، وهو في هذه الحالة أشنع.
ولو تركه بأن قرأ النصف الآخر من الفاتحة، ثم أولها، لزمه إعادة ما قرأه أولاً دون استئناف الجميع.
وترك الحرف [الواحد منها ملحق بترك الآية حتى لا يعتد بما بعده حتى يأتي به، ولا فرق فيه بين الحرف] الظاهر وغيره، كما إذا ترك تشديدة من تشديداتها؛ فإن الحرف المشدد بحرفين، وعدد حروفها المشددة أربعة عشر: ثلاثة في البسملة: اللام من اسم ﴿اللهِ﴾، والراء من ﴿ِ الْرَّحْمَنِ﴾ ومن

﴿الْرَّحِيِمِ﴾ واثنان في ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اللام من اسم ﴿اللهِ﴾ والباء من ﴿رَبِّ﴾ وفي ﴿الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾ حرفان، وفي ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ حرف واحد، وهو الدال من ﴿الدِّينِ﴾، وفي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ حرفان، وهما الياء من ﴿إِيَّاكَ﴾، وحرف في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ هو الصاد منها، وحرف في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وهو اللام من ﴿الَّذِينَ﴾، وحرفان في قوله: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ هما الضاد واللام.
والتفريق المبطل لها تارة يحصل بالسكوت الطويل، وهو الذي يشعر مثله بأن القراءة قد انقطعت: إما باختيار، أو بمانع، وهذا إذا قلنا: إن السكوت الطويل [في الركن الطويل] لا يبطل الصلاة- كما هو الصحيح في "النهاية"- دون ما [إذا] قلنا: إنه يبطلها.
والسكوت اليسير الذي لا يعد قاطعاً للقراءة، لا يبطل القراءة.
وضبط المتولي ذلك بألا يزيد سكوته على ما جرت به العادة للتنفس والاستراحة.
وتارة يحصل بإتيانه بآية من غيرها، أو دعاء، أو تسبيح ليس بمشروع في أثنائها، ولو في زمان لو سكت قدره في أثنائها لم يبطلها.
قال الإمام: وإعادتها في هذه الصورة ليس لانقطاع ولائها، ولكن من حيث تغيير نظمها، فلو كان ما أتى به من الذكر اليسير في مثل ذلك الزمن القليل لا يضر بالقراءة بحيث لا ينتظم معها؛ فلست أبعد أن يقال: لا تنقطع القراءة.
ويؤيده ما سنذكره من عدم انقطاعها بالتأمين، والمذهب الأول.
فإن قيل: نص الشافعي يدل على أن تخلل الكلام اليسير بين الإيجاب والقبول في العقود لا يؤثر في قطع الولاء؛ فإنه نص على انه إذا خالع زوجتيه، ثم ارتدتا، ثم قبلتا وعادتا إلى الإسلام-صح الخلع، فما الفرق؟

قيل: الفرق: أن الكلام اليسير بين الإيجاب والقبول لا يشعر بإضراب عن الجواب؛ لأنه [كلام صادر من شخصين]؛ فلا جرم لم ينقطع به الولاء، ولا كذلك هاهنا؛ فإن الكلام والقراءة صادران من شخص واحد؛ فقطع الولاء.
أما إذا أتى في أثنائها بدعاء مشروع، كما إذا قال الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾، والمأموم في أثناء الفاتحة، فقال: "آمين"، ففيه وجهان: أحدهما-وهو ما حكاه في "المهذب" و"الشامل" عن الشيخ أبي حامد والبندنيجي عن الأصحاب، ولم يحك غيره-: أنه يعيدها؛ لقول الشافعي: "فإن عمد فقرأ فيها من غيرها استأنفها".
وقال في "التتمة": إن الشافعي نص في "الأم" على [أن] "آمين" تقطعها، وصحح ذلك.
والثاني: لا يعيدها، وهو ما حكاه الروياني عن اختيار صاحب "الإفصاح"، والقاضي أبي الطيب وجماعة، ولم يحك سواه، وعزاه في "التتمة" إلى القتال، واختاره في "المرشد"، وقد قاسه القاضي أبو الطيب على ما لو سمع آية رحمة؛ فسأل الله، أو آية عذاب؛ فاستعاذ بالله منه، أو قرأ الإمام ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8]، فقال: بلى، ونحو ذلك-فإنه مستحب، ولا يقطعها، وهذا مشعر بنفي الخلاف في ذلك.
والغزالي قد طرده في الاستعاذة والرحمة، وكذا فيما إذا سجد بسجود الإمام؛ لأن هذه أسباب [مقتضية لذلك]؛ فلا يعد بملابستها منتقلاً عنها.
وحكاهما الروياني -أيضاً- فيما لو فتح على إمامه وهو في أثناء الفاتحة، أو أجاب المؤذن؛ إذا قلنا: إنه يستحب في الصلاة، كما تقدم.
وجزم القاضي الحسين في إجابة المؤذن والفتح على الإمام بأنه يقطعها،

وكذا في تشميت العاطس، والسلام على من سلم عليه؛ إذا قال: "وعليه السلام"، وفرق بين ذلك، وبين ما عداه مما ذكرناه- على احد الوجهين-بأن هذه الأشياء ليست من مصلحة صلاته، بخلاف ما قبلها؛ فإنها من مصلحة صلاته.
قال: وصار هذا كما لو قال لشخص: بعتك داري بألف، وارتهنت عبدك به، فقال: اشتريت، ورهنت-يصح، وإن وجد أحد [مصراًّ على] عقد الرهن قبل وجوب الثمن؛ لأنه من مصلحة البيع.
ولو قال لعبده: كاتبتك، وبعتك، فقال العبد: قبلت الكتابة، واشتريت-لا يصح البيع؛ لأنه ليس من مصلحة عقد الكتابة.
ولو كرر آية أو كلمة من الفاتحة؛ لعذر-كالشك-لم تنقطع، وكذلك إن كان بغير عذر، إن قلنا: إن تكرار الفاتحة لا يبطل، كما هو الصحيح، كذا قاله بعضهم، وهو مستمد من كلام صاحب "الذخائر"، وهو يوهم أن في تكرار بعض الفاتحة عمداً خلافاً في البطلان، كما في تكرار الفاتحة؛ وهذا لم أعثر عليه في شيء من كتب الأصحاب، بل الذي رأيته فيها عدم الإبطال.
والفرق بين الإتيان بكلها وبعضها: أن كلا ركن؛ فهي عند من أبطل بمنزلة تكرار ركوع، ولا كذلك تكرار بعضها؛ فإنه بعض من ركن.
وقد تردد الشيخ أبو محمد في إلحاق تكرار الآية بغير عذر بالذكر اليسير.
قيل: ولا وجه لتردده؛ لأن النظم يتغير بيسير الذكر، ولا يتغير بتكرار القراءة، ولا يعد انتقالاً عنها.
وقال في "التتمة": إن كرر الآية التي هو فيها، لم يضره ذلك، وإن كرر

غيرها، مثل أن وصل إلى قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ [الفاتحة: 7]، فعاد إلى قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]-نظرت: فإن استمر، وقرأ إلى آخر الفاتحة- حسبت له، وإن لم يقرأ إلا هذه الآية، ثم عاد وقرأ من الموضع الذي كان قد انتهى إليه، لم يحتسب له بها، وعليه الاستئناف؛ لان مثل ذلك غير معهود في التلاوة.
وهذا كله إذا وجد على وجه العمد، فإن وجد على وجه السهو والنسيان، قال البندنيجي: ففي ترك الترتيب الحكم كذلك؛ لأنه شرط مع الذكر والنسيان، كما في الترتيب في الركوع والسجود، والترتيب في الطهارة، وقد حكاه القاضي أبو الطيب وغيره عن نصه في "الأم"، حيث قال: "إذا قرأ الفاتحة، ونسي [التسمية] في أولها، ثم ذكرها-قرأها، وقرأ الفاتحة ثانياً".
وفي ترك الموالاة، والإتيان بالتفريق لا يضره، بل يبني على ذلك؛ فإنها شرط مع الذكر دون النسيان، وقد حكاه أبو الطيب عن نصه في "الأم" أيضاً.
وإلى ما ذكرناه في الحالين صار الشيخ أبو محمد، وفرق بما ملخصه: أن الترتيب في [الصلاة في] نظر الشرع آكد من نظره إلى الموالاة؛ ألا تراه لو سجد قبل الركوع ناسياً لا يعتد بسجوده؟! ولوطول ركناً قصيراً ناسياً، وأخل بالموالاة بني الأركان بهذا السبب- لم يضره، ويؤيده أن ترك الترتيب في الوضوء يبطله، بلا خلاف على المذهب، وترك الموالاة لا يبطله على الجديد.
ووراء ذلك [في التفريق] أوجه: أحدها -حكاه الإمام عن العراقيين-: أن السكوت الطويل عمداً لا يقطع الموالاة.
قال: وهو مزيف متروك، وإن كان لا يبعد توجيه.
وقد ادعى مجلي أن هذا ظاهر كلام الشافعي؛ [فإنه قال: ولو سكت في القراءة سكوتاً طويلاً، ولم ينو قطعها، أو تعب فوقف، أو غفل؛ فأدخل آية أو آيتين من غيرها-رجع حتى يقرأ من حيث غفل، ويأتي بها متوالية.
وقال:] إنه

المنقول عن العراقيين، [وقال: إنهم فرقوا] بين ذلك وبين ما إذا طال السكوت بين الإيجاب والقبول؛ [فإنه يضر؛ لأنه لو أتى بين الإيجاب والقبول] بذكر يسير، لا يبطل، ولو أتى في أثناء الفاتحة بذكر يسير، قطعها.
قلت: وهذا الفرق يقتضي عكس الحكم والنص، فيمكن حمله في السكوت على حالة النسيان؛ عملاً بنصه الآخر الذي قدمناه؛ على أن جوابه يمكن عوده إلى ما عدا السكوت؛ ألا ترى إلى قوله: "رجع حتى يقرأ من حيث غفل، ويأتي بها متوالية".
والثاني- حكاه الروياني في "تلخيصه"-: أن السكوت الطويل مع النسيان يوجب الإعادة، وهو خلاف النص.
والثالث- حكاه مجلي-: أنه إن طال ما أتى به [من] الذكر في أثنائها، حتى يشعر بأنه إعراض عن الفاتحة، وترك لها- بطلت الموالاة، واستأنف القراءة؛ لأنه أخل بالواجب من غير عذر.
فروع: إذا نوى قطع القراءة، ولم يقطعها، لم يضره، بخلاف ما لو نوى قطع الصلاة؛ نص عليه في "الأم".
والفرق يأتي في باب: ما يفسد الصلاة.
نعمن لو اتصل بنية قطع القراءة سكوتهن بطلت.
قال الروياني: وهذا إذا طال سكوته، فإن لم يطل، ثم عاد، وقرأ قبل طول الفصل-فلا ينبغي أن تبطل.
وغيره أطلق القول ببطلانها.
والماوردي قال: إن طال سكوته انقطعت، وإن قصر ففي انقطاعها وجهان: الأصح: أنه تنقطع.
قال الرافعي: وهذا ما أورده المعظم؛ لأنه اقترن بنية الفعل.
ومقابله موجه: بأن النية وحدها لا تأثير لها، والسكوت القليل بمجرده لا يكون قطعاً لها.

إذا لحن في "الفاتحة"، هل يؤثر؟ الكلام فيه مستوفٍ في باب: صفة الأئمة.
ولو أنه أبدل حرفاً بحرف، بطلت، وكذا في غير "الفاتحة" إلا أن يكون قد وردت به قراءة شاذة، مثل قوله: (إنا أَنْطَيْنَاكَ الكوثر)؛ فإنها لا تبطل.
وللشيخ أبي محمد تردد في إبدال الظاء بالضاد في قوله: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾، قال: لأن هذا لا يبين إلا للخواص، وهو مما يتسامح فيه عند بعض أصحابنا، والغزالي وجهه بقرب المخرج، وعسر التمييز.
وقال الإمام: الصحيح: القطع بأن ذلك لا يجوز، وهو الذي أورده ابن الصباغ؛ لأن الفصل بينهما ممكن، ومخرجهما مختلف، وهذا عند إمكان التعلم، فلو لم يقدر إلا على ذلك-صحت صلاته؛ كالألثغ ونحوه.
ولو كان يأتي بالحرف بين الحرفين، ككاف العرب، بين القاف والكاف- لم يضر، وسيأتي ذلك في باب صفة الأئمة.
قال: وإذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]، قال: "آمين"؛ لما روى الترمذي، عن وائل بن حجر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:7]، قال: "آمين" مد بها صوته.
وقال: حديث حسن.

وإذا ثبت أنه -عليه السلام- قاله، اتبعناه؛ لقوله -عليه السلام-:"صلوا كما رأيتموني أصلي".
قال: يجهر بها، أي: بكلمة التأمين [الإمام] فيما يجهر فيه، أي: من الركعات؛ لما تقدم من رواية ابن حجر؛ فإنه-عليه السلام-لو لم يجهر به –لما سمعه، وقد روى أبو داود عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع به صوته"، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمن الإمام، فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين

الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه"، أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
ورواية النسائي عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] فقولوا: آمين؛ فإن الملائكة تقول: آمين، وإن [الإمام يقول]: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة- غفر [الله] له ما تقدم من ذنبه".
ورواية الترمذي تقتضي أن الإمام يجهر حتى يسمع فيوافق.
فإن قيل: قد روى شعبة في حديث وائل بن حجر أنه -عليه السلام-: "خفض بها صوته".
قلنا: قد أشار القاضي الحسين في "تعليقه" إليه بقوله: يجهر به على الصحيح من المذهب، والجمهور [لم] يحكوه.
و [أما] الخبر، فقد قال البخاري: إن حديث سفيان أصح، وهو ما ذكرناه أولاً.
قال: وأخطأ شعبة في قوله: "وخفض بها صوته".
ثم ظاهر ما ذكرناه من رواية النسائي عن أبي هريرة، مساوقة المأموم الإمام في التأمين، وهو ما حكاه الإمام عن شيخه، حيث قال: "ينبغي للمأموم أن يترصد

فراغ الإمام من الفاتحة؛ فيبادر التأمين، ويساوق الإمام فيه، ولا يستحب مساوقة الإمام فيما عداه".
قال الإمام: [ويمكن تعليله بأن التأمين لقراءة الإمام]، لا لتأمينه، وكلام الشيخ-رحمه الله- يجوز بأن ينزل عليه؛ بأن يضمر بعد قوله: وإذا قال-أي: الإمام-: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] قال-أي: المصلي-: آمين.
فإن قلت: إذا حملته على ما ذكرت، كان كلام الشيخ ساكتاً عن حال المنفرد؛ فالأولى أن يضمر بعد قوله: [وإذا قال]-أي: المصلي-: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين؛ ليشمل الإمام، والمأموم، والمنفرد.
قلت: لو قدرت ذلك، أدى إلى أن المأموم لا يؤمن لتأمين الإمام؛ لأنه لا يستحب له قراءة الفاتحة إلا بعد فراغ الإمام منها، وحينئذ لا يقع قوله: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ موافقاً لقول الإمام ذلك.
ولا نسلم أنه ليس في كلام الشيخ على ما قدرناه إشارة إلى تأمين المنفرد؛ لأن فيه إشارة إلى أن الإمام يؤمن.
وكل ما استحببنا للإمام الإتيان به من سنن الصلاة، استحببناه للمنفرد؛ فحينئذ فيه تنبيه عليه، والله أعلم.
قال: وفي المأموم قولان: أصحهما: أنه يجهر؛ لما روي أبو هريرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمن، أمن من خلفه، حتى إن للمسجد ضجة"،وروي: "لجة" بفتح اللام، وهي اختلاف الأصوات.

وروي عن نعيم المجمر قال: "صليت وراء أبي هريرة، فلما قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] قال: آمين، وقال [الناس]: آمين، فلما فرغ، قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم"، ولأن المأموم تأمينه تابع لتأمين الإمام فليتبعه في كيفيته؛ وهذا هو القديم، كما حكاه الجمهور إلا القاضي الحسين؛ فإنه قال: إنه الجديد.
وكذلك وافق الشيخ على تصحيحه البغوي، والروياني في "تلخيصه" والرافعي.
ومقابله: أنه لا يجهر به؛ كما لا يجهر بالتكبير؛ وهذا ما نص عليه في "الأم"، وقال القاضي الحسين: إنه القديم، والمنتصرون له قالوا: لا حجة فيا لحديث الأول؛ لأن الجمع إذا كثروا، استجمعت أنفاسهم، وحصل من ذلك لجة، وهذه الطريقة حكاها الماوردي، عن أبي إسحاق، وابن أبي هريرة، والإمام حكاها عن الأكثرين.
وقد قيل: إنهما منزلان على حالين: فحيث قال: يجهر، [أراد]: إذا كان الجمع لا يبلغهم صوت الإمام؛ لكثرتهم.
وحيث قال: لا يجهر [به، أراد]: إذا كان المسجد صغيراً، يبلغ كل المأمومين تأمين الإمام.
قال بعضهم: وهذه طريقة الجمهور، وقد اختارها صاحب "المرشد".
والقائلون بالأولى اختلفوا في محلها:

قيل: محل القولين إذا جهر الإمام، أما إذا لم يجهر، جهر المأموم قولاً واحداً، ليسمع الإمام فيؤمن؛ وهذا ما حكاه في "المهذب"، والبندنيجي.
وقال أبو الطيب: إنه نص عليه في "الأم".
وقيل: القولان في الحالين، وهي طريقة المراوزة.
قال الإمام:: وهي التي كان شيخي يختارها.
تنبيه: التأمين، بتخفيف الألف والميم في لغة، وفي أخرى بمد الألف، وتخفيف الميم-وهي التي اختارها في "الخلاصة"-صوت موضوع لتحقيق الدعاء، معناه: اللهم استجب، وهو الأصح في "النهاية".
قال: كما أن المراد من قولهم: "صه": اسكت.
قال الشافعي: وبه يستدل على أن للعبد أن يسأل ربه في الصلاة بأمر الدين والدنيا؛ حكاه ابن الصباغ.
وقيل: إنه دعاء؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس:89]، وإنما كان الداعي موسى، وهارون مؤمن، صلى الله على نبينا، وعليهما.
وقيل: معناه: كن ذلك.
وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى.
وقيل: اسم قبيل من الملائكة.
قال الماوردي: وقد قيل: إنه بتشديد الميم، في لغة.
وقال البندنيجي: إنه لو شدد الميم، ومد الألف، كقوله: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] لم يجز، وكذا حكاه في "التتمة"، وقال: إنه إن تعمد ذلك-بطلت صلاته، وقد حكاه الروياني عن والده أيضاً.
قال الأصحاب: ولا ينبغي أن يصل قوله: "آمين" بقوله: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]، ولو قال: "آمين رب العالمين"، وما زاد من ذكر، كان حسناً؛ نص عليه في "الأم".
قال: ثم يقرأ السورة.

قراءة السورة مشروعة في الصلاة بعد الفاتحة للإمام والمنفرد؛ لأخبار سنذكرها في الباب- إن شاء الله تعالى- وفي مشروعيتها للمأموم تفصيل يأتي، ولا يقوم قام السورة قراءة الفاتحة مرتين، إذا قلنا: لا تبطل الصلاة؛ لأن الفاتحة مشروعة في الركعة فرضاً، والشيء الواحد لا يؤدي به الفرض والسنة في محل واحد.
قال الأصحاب: ويستحب للإمام أن يسكت سكتة لطيفة بعد [فراغه من] قراءة الفاتحة، وقيل قراءة السورة بقدر قراءة الفاتحة، وكذا يستحب له أن يسكت بعد تكبيرة الإحرام وقبل قراءة الفاتحة؛ لما روى سمرة بن جندب قال: "حفظت مع رسول الله سكتين: سكتة بعد التكبير، وسكته بعد أم القرآن".
قلت: وقد يؤخذ استحباب ذلك في الحالتين من قول الشيخ: "ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ السورة"؛ لأن لفظة "ثم" تقتضي الترتيب والمهلة.
ومنه يؤخذ أنه لو قرأ السورة قبل الفاتحة، لا تقع موقعها، وعليه نص الشافعي-رحمه الله-وقال: إذا أراد تحصيل السنة فليعدها.
كذا حكاه القاضي الحسين.

وحكى الإمام في الاعتداد بها قبل قراءة الفاتحة-وجهين، عن رواية العراقيين، والمذكور في كتبهم الأول.
ثم الألف واللام في "السورة" للعهد، وهو ما سنذكره من سور المفصل.
وقول الشيخ هذا يفهم اختصاص الاستحباب بقراءة سورة كاملة بعد الفاتحة، وقد قال بعضهم: إنه لا يختص، بل المستحب أن يقرأ بعد الفاتحة سورة، أو ما دونها؛ لقول أبي سعيد الخدري: "أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر" رواه أبو داود، وروى النسائي أنه -عليه السلام-: "قرأ سورة "الأعراف" في المغرب" وما ذكره الشيخ لا شك أنه الأفضل؛ فإن السورة وإن قصرت أولى من بعض سورة أطول منها؛ حكاه الرافعي والمتولي؛ فإنه -عليه السلام-لم يقرأ في الفرض إلا بسورة كاملة.
وفيه نظر؛ لأن النسائي روى عن عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب بسورة "الأعراف"، فرقها في ركعتين، والله أعلم.
[قال:] يبدؤها بـ ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾ [الفاتحة:1]؛ لما

تقدم أنها من أول كل سورة آية، أو بعض [آية]، نعم: إذا قلنا: ليست من أول كل سورة، فهل يقرؤها؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين"، أحدهما: نعم؛ لأنه –عليه السلام- كان يقرؤها بين كل سورتين.
قال: فإن كان المأموم في صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: "هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟ " فقال رجل: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أقول: مالي أنازع القرآن؟! " قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه" رواه مالك في "الموطأ" وأبو داود.

قال: وفي الفاتحة قولان: أصحهما: أنه يقرأ- أي: وجوباً- لما تقدم من الأخبار عند الكلام في الفاتحة، وقد روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج غير تمام" قال الراوي: "فقلت يا أبا هريرة: إني أحياناً أكون وراء الإمام، فغمز ذراعي، وقال: اقرأ بها [يا] فارسي في نفسك".
قال الخطابي: خداج: ناقصة نقص فساد، يقال: خدجت الناقة: إذا ألقت ولدها

وهو دم، ولم يستبن خلقه.
وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت قال: "كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: "لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ " قلنا: نعم، هذَّا يا رسول الله، قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" قال الترمذي: وهو حسن.
والهذُّ: السرعة، وأراد: يهذُّ [القرآن] هذَّا فيسرع فيه من غير تفكر، ولا ترتيل، كما يسرع في قراءة الشعر.
ونصبه على المصدر.
وقيل: المراد بالهذ: الجهر بالقراءة.
ولأن القراءة ركن في الصلاة أدرك محله؛ [فلا يسقط بمتابعة] الإمام كسائر الأركان.
واحترزنا بقولنا: "أدرك محله" عن المسبوق [الذي] لم يدرك محل القراءة؛ وهذا القول نص عليه في الجديد، و"الإملاء"، كما قال الماوردي.
وقال البندنيجي: إنه نص عليه في "البويطي"، و"الأم".
قال القاضي الحسين: وبعض الأصحاب قطع به، وحمل نصه [في] الآخر على حكاية مذهب الغير.
قال أبو زيد المروزي: وقد حكى هذا المذهب عن نيف وعشرين من الصحابة، منهم: عمر، وعثمان، وعليٌّ.
ومقابله: أنه لا يقرأ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: 204]،وروى مسلم، عن أبي موسى قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا،

فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، فقال: "إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، وليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا"، والقراءة تمنع ما أمر به من الإنصات، وما تقدم في الحديث في الفصل قبله [من قول الراوي: "فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم] فيما يجهر فيه"-يشهد له أيضاً؛ فإنه يقتضي التعميم؛ وهذا القول نص عليه في القديم [وبعض الجديد، كما قال الماوردي.
وقال البندنيجي: إنه نص عليه في القديم] و"الإملاء"، وفي صلاة الجمعة من الجديد.
والقائلون بالأول قالوا: المراد بالآية: الخطبة؛ كما قالته عائشة وعطاء، وإن أجريت على ظاهرها، فالقراءة لا تمنع الإنصات؛ لأنا قد ذكرنا أنه يستحب للإمام سكتة بعد قراءة الفاتحة [بقدر الفاتحة، فيقرأ فيها المأموم الفاتحة.
والقائل: "فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله فيما يجهر به" من كلام الزهري، كما قال الخطابي وعبد الحق وغيرهما؛ فلا حجة فيه؛ على أنا نحمله على قراءة السورة، وكذا خبر أبي موسى؛ جمعاً بين الأحاديث.
التفريع: إن قلنا بالأول؛ فيستحب له أن يقرأ في سكتة الإمام بعد الفاتحة.
قال الماوردي والغزالي: فإن لم يسكت الإمام قرأها المأموم في قراءة الإمام السورة.
وقد ادعى بعضهم: أن المستحب أن يقرأها في سكتة الإمام قبل قراءة الفاتحة]، وفي سكتته بعد فراغه من الفاتحة، وقبل قراءته السورة، وقال: [إنه] لو قرأ بعضها في السكتة الأولى، ثم شرع الإمام في القراءة- أنصت له، فإذا فرغ منها، أتم ما بقي عليه، ولم يستأنف، وحكاه عن صاحب "المرشد"، وهو [المشهور في] "تعليق القاضي أبي الطيب"،وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أن المتولي ذكر أن المأموم يكره له أن يشرع في قراءة الفاتحة قبل

شروع الإمام فيها؛ [لأنه تقدم] على الإمام في ركن، فإن فرغ المأموم منها قبل قراءة الإمام-بطلت على وجه، وقد ذكرنا ذلك في صلاة الجماعة.
والقاضي الحسين هاهنا حكى الخلاف في أنه لو قرأ قبل إمامه-هل يعتد بقراءته، أم لا؟ وحينئذ: فالمستحب أن تكون قراءة المأموم لها في السكتة بعد الفاتحة، كما ذكرنا، وهو جار فيما إذا كانت الصلاة سرية، ويأخذ فيها بالظن؛ قاله في "التتمة".
والثاني: أن هذا مخالف لما تقدم من أن الفصل الطويل في الفاتحة بما هو من مصلحة الصلاة يقطع الفاتحة.
وصاحب "المرشد" والقاضي جرياً على أصلهما في أن ذلك لا يقطعها، كما تقدم.
وإن قلنا بالثاني، فمحله إذا كان يسمع قراءة الإمام، فلو كان في موضع لا يسمعها، قرأ؛ لأنه غير مأمور بالإنصات؛ هذا مذهب العراقيين، ولم يحك الروياني غيره، وهو موافق لما ذكره الشيخ فيما إذا كان لا يسمع الخطبة.
وحكى المراوزة في وجوب القراءة في هذه الحالة وجهين، صرح بهما القاضي الحسين وغيره، وطردهما فيما إذا كان الإمام أخرس، وقال: إنهما كالوجهين في وجوب الإنصات إذا كان بعيداً عن الإمام لا يسمع الخطبة.
قال الإمام والغزالي: والقياس ما ذكره العراقيون.
وعلى هذا القول الذي عليه نفرع، هل يستحب للمأموم أن يأتي بالتعوذ في حالة جهر الإمام بالقراءة؟ فيه وجهان في "زوائد العمراني" عن "العدة" للطبري، عن شيخه: أحدهما: نعم؛ لأنه شريك للإمام في الذكر المسنون.
أما إذا كان مأموماً في صلاة يسر فيها الإمام؛ فإنه يقرأ الفاتحة قولاً واحداً؛ وكذا السورة عند العراقيين، وحكى القاضي الحسين وجهاً آخر: أنه لا يقرؤها،

كما في الجهرية.
قال: والذي عندي أنه يقرأ السورة في الجهرية والسرية.
وهذا التفصيل لا يوجد للشافعي، وإنما قاله أصحابنا؛ ليستقيم لهم تأويل قوله -عليه السلام-:"من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة"، والشافعي لم

يشتغل بتأويله؛ لأنه لم يصح عنده فن راويه جابر الجعفي، وهو مردود الرواية

عند أهل الحديث.

ولو كان مأموماً في صلاة يجهر فيها الإمام، فأسر، أو يسر فيها فجهر- فهل

يكون الحكم كما لو جهر، أو أسر؟ مقتضى كلام الشيخ [أنه] كذلك؛ فلا يقرأ السورة في الأولى، ويقرأ الفاتحة، على الصحيح، ويقرأ في الثانية السورة والفاتحة قولاً واحداً، وهو وجه [حكاه المتولي وغيره، وادعى القاضي الحسين أنه الأظهر.
وفيه وجه] آخر بالعكس من ذلك.
واعلم: أن بعضهم قال: إن كلام الشيخ يوهم أن الخلاف في وجوب قراءة الفاتحة على المأموم يجري في الأخيرة من المغرب، والأخيرتين من العشاء، فلو قال: في ركعة يجهر فيها الإمام، لكان أحسن.
قلت: هذا الوهم وهم؛ لأن الشيخ يتكلم في الركعة الأولى فقط؛ يدل عليه قوله من بعد: ثم يصلي الركعة الثانية مثل الأولى، إلا في كذا، وإذا كان

كذلك، فقوله: " [فإن كان] في صلاة يجهر فيها [الإمام]، لم يقرأ السورة"، أي: في الركعة التي يتكلم فيها، وفي الفاتحة-أي: فيها-قولان، والله أعلم.
قال: والمستحب أن تكون السورة في الصبح والظهر من طوال المفصل؛ لأنه –عليه السلام- "قرأ في الصبح بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ كما رواه مسلم.
قال الترمذي: "وكان ذلك في الركعة الأولى، وقرأ فيها "الواقعة"،وقرأ فيها "تنزيل السجدة"، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ في يوم الجمعة" ورواية ابن عباس: أنه قرأ فيها سورة "الجمعة" و"المنافقون"،وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان يقرأ في صلاة الظهر، في الركعتين الأوليين، في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخيرتين قدر خمس عشرة آية- أو قال: نصف ذلك-وفي العصر، في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية، وفي الأخيرتين قدر النصف من ذلك".
وعن أبي سعيد-في رواية أخرى-قال: حزرنا قيامه-عليه السلام-في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية، قدر ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ "السجدة"، وحزرنا قيامه في الأخيرتين قدر النصف منذ ذلك، وحزرنا

قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخيرتين من الظهر، وفي الأخيرتين من العصر على النصف من ذلك" أخرجه أبو داود، ومسلم.
وهذا يمنع أن يكون ما جرى في الأوليين من الظهر نصفين؛ إذ لو كان كذلك، لزم أن يكون قد قرأ في كل ركعة من الأخيرتين من العصر أقل من الفاتحة.
وروى أبو داود عن ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في صلاة الظهر، ثم قام، فركع، فرأينا أنه قرأ: تنزيل السجدة" وهذه الأخبار تدل على المدعى.
وقد استحب الماوردي أن تكون السورة في الظهر، أقصر من السورة في الصبح قليلاً؛ لأن ما ورد عنه-عليه السلام-يدل على ذلك، روى مسلم، عن جابر بن سمرة: "أنه -عليه السلام-كان يقرأ في الظهر بـ ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وفي الصبح بأطول من ذلك"، وما ذكره هو ما أورده الرافعي.
قال: وفي العصر والعشاء من أوساط المفصل، أما العصر؛ فلما ذكرناه، وأما العشاء؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ في القصة المشهورة: "اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [كما أخرجه مسلم، وكان عثمان قرأ في العشاء بأوساط المفصل]، وجمع بين العشاء والعصر؛ لشبهها بها؛ لأنها الثانية من صلاتي

جميع النهار؛ [كما أن العشاء هي الثانية من صلاتي جميع الليل].
قال: وفي المغرب من قصار المفصل؛ لما روى [أن] ابن عمر -رضي الله عنه- قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في المغرب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: الآية1] " أخرجه ابن ماجه.
وقد روي عن أبي بكر "أنه كان قرأ فيها بقصار المفصل".
وكذلك روي عن أبي موسى الأشعري، ولا وجه لذلك إلا الاتباع.
فإن قيل: هذا يعارضه ما روي عن مروان بن الحكم قال: "قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ [في المغرب] بطولي الطويلتين؟! قال: قلت: ما طولي الطوليين؟ قال: الأعراف" قال-[أي]: ابن جريج-: وسألت أنا ابن أبي مليكة، فقال لي من قبل نفسه: "المائدة والأعراف" أخرجه أبو داود، والبخاري مختصراً.

قلنا: لا معارضة بين ما ذكرناه وهذا؛ لأن ما ذكرناه يقتضي الحالة الدائمة، ومثله: ما روي عن جابر قال: "كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب، ثم ننصرف إلى دورنا في بني سلمة، ونحن نرى موقع النبل"، ولا يجوز أن يستوعب النبي صلى الله عليه وسلم إحدى الطويلتين، وهما-على المشهور- "الأنعام" و"الأعراف" في قدر ذلك الزمان مع ترتيل القراءة، وما قاله زيد بن ثابت لا يقتضي أنه-عليه السالم-كان يداوم عليه؛ فيجوز أن يكون فعله بياناً للجواز ثم لو ثبتت المعارضة فإما أن نقول: يسقط الخبران؛ لتعارضهما، أو نجمع بينهما، فنقول: قرأ شيئاً من "الأعراف" قبل نزول جميعها، أو الآية المذكورة فيها قصة الأعراف، وكذلك القول في سورة "الأنعام"، وقد اختصر البندنيجي ما ذكرناه، قال في الدليل على ما ذكرناه: إنه صح في [كل] ذلك خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الإمام: ولعل السبب فيه: أن وقت الصبح طويل، والصلاة ركعتان فحسن تطويلهما، ووقت [صلاة] المغرب ضيق؛ فشر فيها القصار، وأوقات صلاة الظهر والعصر، والعشاء [طويلة، ولكن الصلوات] كاملة الركعات؛ فتعارض ذلك عليه؛ [فرتب عليه] التوسط.
ثم المفصل من سورة "الحجرات" إلى [آخر الختمة].
وقيل: من "قاف".

وقيل: من "القتال".
وقيل: "من "الجاثية".
سمي: مفصلاً؛ لكثرة الفصول بين سوره.
وقيل: لقلة المنسوخ فيه.
وطوال المفصل، مثل: "الحجرات"، و"قاف"، و"الذاريات"، و"الطور"، و"الواقعة"، و"المرسلات".
وأوساط المفصل: كـ"الجمعة" و"المنافقون".
وقصار المفصل: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ كذا قاله البندنيجي، وغيره.
وقال بعضهم: إن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ من أقصر المفصل: وقصار المفصل، كـ"العاديات" ونحوها.
و"السورة" بلا همز، وبالهمز؛ لأن سور البلد-بلا همز-سمي: سوراً؛ لارتفاعه، وسؤر الطعام والشراب-: [بقيته]-مهموز، وسورة القرآن أشبهتهما، فجاز فيها الهمز، وتركه.
وما ذكره الشيخ بيان للأكمل في حق الإمام؛ فلا يستحب له الزيادة على ذلك في حق من لا يؤثرون التطويل؛ لقصة معاذ، [أما] المنفرد؛ فيطيل ما شاء إلا في المغرب؛ فإنه والإمام سواء؛ لتعلق ذلك بالوقت؛ كذا قاله الإمام.
ولو خالف الإمام أو المنفرد، فقرأ في الصبح [والظهر] من أوساط المفصل، أو قصاره، قال في "الشامل": قال أصحابنا: لا يكون خارجاً عن السنة؛ لما روى عمرو بن حريث قال: "كأني أسمع صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الغداة، فقرأ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير:15] ".

وروى أبو داود بإسناده، عن رجل من جهينة "أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم [يقرأ في الصبح: إذا زلزلت".
وروى-أيضاً-عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنه قال: "ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم] يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة".
قال: ويجهر الإمام والمنفرد بالقراءة في الصبح، والأوليين من المغرب والعشاء.
أما جهر الإمام في ذلك فبالإجماع المستفاد من نقل [الخلف عن السلف].
والخلف -بفتح اللام- من يتبع السلف، ويقوم مقامهم في الفضل والخير؛ فإن خلفوهم بشر؛ فهم خلف- بإسكان اللام -قال الله تعالى-: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم: 59].
وأما جهر المنفرد؛ فلأنه غير مأمور بالإنصات؛ فأشبه الإمام.
ولا يجهر المأموم اتفاقاً، جهر إمامه أو أسر، والإسرار فيما عدا [ما] ذكره الشيخ من الصلوات المفروضة سنة، كالجهر فيما ذكرناه؛ قال -عليه السلام-:"إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار، فارجموه بالبعر" رواه أبو حفص بإسناده.

وما روي أنه-عليه السلام-قال: "صلاة النهار عجماء" فقد قال الدارقطني: إنه من قول الفقهاء.
ويستثني من ذلك صلاة الجمعة والعيدين، والاستسقاء؛ لأخبار وردت، تأتي في أبوابها.
قال المتولي، والقاضي الحسين: وقد كان الجهر مشروعاً في كل الصلوات في ابتداء السنة، إلا أن المشركين كانوا يسبون القرآن ومن أنزله؛ إذا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإسرار في الظهر والعصر، والجهر في المغرب والعشاء، والصبح؛ لاشتغالهم في هذه الأوقات بالأكل في منازلهم.
وقد قيل: إن قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء:110] دال على ذلك؛ فإن معناه: [ولا تجهر في جميع الصلوات، ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾، أي: لا تسر في الجميع ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾، أي: اجهر في البعض، وأسرَّ في البعض.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل