كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بصحة ذلك في جماعة.
لن في مناسك النواوي: انه إن رجا كثرة جماعة، فالصلاة خارجها أفضل، وإن كان لا يرجوها، فداخل البيت أفضل.
ويستحب – أيضاً – ألا يدخله إلا تائباً، [منيباً، قد اقلع عن معاصيه وأخلص طاعته.
قال النواوي في "الروضة":] واستحباب الدخول مشروط بما إذا لم يؤذِ غيره، أو يتأذى هو به؛ بزحام أو غيره.
واعلم أنه قد يؤخذ من استحباب دخول البيت دخول الحجر؛ لأنه منه كما تقدم؛ ويدل عليه ما ذكرناه من حديث عائشة رضي الله عنها، وقد صرح الصحاب بأنه
يختار له دخوله وتكراره؛ لأن دخوله سهل، وأن يدعو تحت الميزاب؛ لأنه - عيه السلام - قال:"ما من أحد يدعو تحت الميزاب إلا استجيب له".
قال: ويشرب من ماء زمزم لما أحب؛ لرواية جابر: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ماء زمزم لما شرب له"، وقد شربه جماعة من العلماء لمطالب لهم جليلة، فنالوها.
روى عن الشافعي - رضي الله عنه- أنه قال: " [شربته لثلاث: للرمي؛ فكنت أصيب العشرة من العشرة،] والتسعة من العشرة، وللعلم؛ فها أنا كما تروني، ولدخول الجنة، وأرجو حصول ذلك".
ويستحب لمن أراد شربه؛ للمغفرة، أو للشفاء من مرض، ونحوه - أن يستقبل القبلة، [ثم يذكر اسم الله تعالى]، ثم يقول: "اللهم إنه بلغني عن رسولك صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ماء زمزم لما شرب له" اللهم إني أشربه؛ لتغفر لي، أو لتعافيني أو لتعطيني كذا وكذا" مما يريد من آخرته ودنياه.
وزمزم: بئر في المسجد الحرام، بينه وبين الكعبة ثمانية وثلاثون ذراعاً.
وسميت: زمزم؛ لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم، وزمزوم، وزمام؛ إذا كان كثيراً.
وقيل: لضم هاجر: أم إسماعيل عليه السلام - لمائها حين انفرجت؛ كما تقدم
[لكثرته وقيل وزمها إياه].
وقيل: لزمزمة جبريل – عليه السلام – وكلامه.
وقيل: إنها غير مشتقة.
وقد قيل: إن عليًّا – كرم الله وجهه – قال: "خير بئر في الأرض زمزم، شر بئر في الأرض بهروت".
قال: ويتنفس ثلاثاً؛ لأنه سنة الشارب من غيره؛ كما ورد عنه – عليه السلام- فكيف منه؟!
قال: ويتضلع منه: لما روى عطاء: أنه – عليه السلام – لما أفاض، نزع هو لنفسه بدلو من بئر زمزم، ولم ينزع معه أحد، فشربن ثم أفرغ باقي الدلو في البئر.
وجه الدلالة منه: أنه لما شرب من نزع بني عبد المطلب – كما تقدم ذكره – ومن نزعه – كما دل عليه هذا الخبر – أفاد ذلك القطع بأن أحد الشربين كافٍ في الشربين غالباً.
والتضلع – لغة – الامتلاء شبعاً وريًّا.
وقد روى عن ابن عباس انه سأل رجلاً شرب من زمزم؛ فقال: هل شربت كما يجب؟ فقال: وما الذي يجب؟ قال: أن تتضلع منها؛ فإن آية ما بيننا وبين المنافقين: أنهم لا يتضلعون من زمزم.
قال: ويكثر [من] الاعتمار؛ لأنه – عليه السلام – بعد الهجرة اعتمر أربع مرات: في ذي القعدة عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية، وعمرة من العام المقبل، وعمرة من جعرانة؛ حيث قسم غنائم حنين، وعمرة مع حجة.
وحج مرة واحدة بعدما هاجر، وبمكة أخرى، وروى هذا كله مسلم بمعناه.
وقال – عليه السلام – "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
رواه البخاري [ومسلم].
واستحباب الإكثار من الاعتمار في رمضان أشد، قال- عليه السلام – "عمرة في رمضان تقضي حجة" أو "حجة معي".
أخرجه مسلم، والله أعلم.
قال: والنظر إلى البيت؛ لأنه عبادة، وقد جاءت آثار كثيرة في فضل النظر إليه، وورد تقدير الأجر عليه؛ قال – عليه السلام -: "يُنزل الله – تبارك وتعالى –على هذا البيت في كل يوم عشرين ومائة رحمة؛ ستون منها للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين"؛ كذا ذكره الماوردي عن رواية عطاء عن ابن عباس.
قال الأصحاب: وينظر إليه إيماناً واحتساباً.
ومن هنا يؤخذ: أن [إكثار] الطواف المجرد مستحب أيضاً؛ لأنه إذا استحب الإكثار من النظر إلى البيت مع أن الأجر المرتب عليه أقل من الأجر المرتب على الطواف – كان الإكثار من الطواف أولى، وقد صرح به الأصحاب.
وزاد في "الحاوي" لأجل ذلك فقال:
إنه أفضل من الصلاة، واستدل له – أيضاً – برواية [أبي] الزناد، عن الأعرج، عن
أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أكرم سكان أهل السماء على الله الذين يطوفون حول عرشه، وأكرم سكان أهل الأرض الذين يطوفون حول بيته".
قال في "الروضة": وظاهر عبارة صاحب "المهذب" وآخرين في قولهم: "أفضل عبادات البدن الصلاة": أنها أفضل منه، ولا ينكر هذا.
ويقال: الطواف صلاة إلا أن الصلاة عند الإطلاق لا تنصرف إليهن لا سيما في كتب المصنفين الموضوعة للإيضاح، وهو أقوى في الدليل.
قال: ويكون آخره عهده بالبيت إذا خرج النظر إليه إلى أن يغيب عنه؛ لأن ذلك أبلغ في تعظيمه، وفي المحافظة على تحصيل الأجر المطلوب بالنظر إليه، وهذا ما حكى عن أبي عبد الله الزبيري وغيره من أصحابنا.
وقيل: يلتفت إليه من انصرافه كالمتحزن على مفارقته.
قال النواوي في "المناسك": والمذهب الصحيح الذي جزم به جماعات من أئمة أصحابنا – منهم أبو عبد الله الحليمي، والماوردي، وآخرون: أنه يخرج، ويولي ظهره إلى الكعبة، [ولا ميشي] قهقري كما يفعله كثير من الناس.
قالوا: بل المشي قهقري مكروه؛ فإنه ليس فيه سنة مروية، ولا أثر محكي، وما لا أصل له؛ فلا يعرج عليه.
وقد جاء عن ابن عباس ومجاهد كراهة قيام الرجل على باب المسجد ناظراً إلى الكعبة إذا أراد الانصراف إلى وطنه، بل يكون آخر عهده الطواف.
وقد استحب لمن حج أو اعتمر أيضاً: أن يختم القرآن العظيم بمكة قبل رجوعه، وأن ينوي الاعتكاف كلما دخل المسجد الحرام؟! فإن الاعتكاف مستحب لكل من دخل مسجداً من المساجد، فكيف الظن بالمسجد الحرام؛ ولهذا المعنى لم يذكر الشيخ ذلك؛ لأنه إنما ذكر ما هو من خصائص تلك المواضع.
نعم: بقي من المستحبات ثم: زيارة المواضع المشهورة بالفضل في "مكة" والحرم، ولم يذكرها الشيخ.
وقد قيل: إن تلك المواضع ثمانية عشر [موضعاً]، منها: البيت الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو اليوم في مسجد في زقاق، يقال له: زقاق المولد.
وذكر الأزرقي: أنه لا خلاف فيه.
ومنها: بيت خديجة الذي كان يسكنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخديجة، وفيه [ولدت أولادها] من رسول الله صلى الله عليه وسلم [وفيه توفيت، ولم يزل عليه السلام] مقيماً به حتى هاجر، ثم اشتراه معاوية – وهو خليفة- من عقيل بن أبي طالب، فجعله مسجداً.
ومنها: مسجد في دار الأرقم، وهي التي يقال لها: دار الخيزران، كان النبي صلى الله عليه وسلم مستتراً فيه في أول الإسلام، وهو عند الصفا، وفيه أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ومنها: الغار الذي بجبل حراء، كان – عليه السلام – يتعبد فيه.
والغار الذي بجبل ثور، وهو المذكور في القرآن؛ [قال الله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: 40]].
قال: وإذا أراد الخروج إلى بلده من أي موضع كان فيه، سواء فيه مكة ومنى بعد قضاء النسك أي: وجميع أشغاله – طاف للوداع – أي: طوافاً كاملاً – فيصلي ركعتين؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت".
قال في مختصر السنن: وقد أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
وروى أبو داود عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: "أحرمت من التنعيم بعمرة؛
فقضيت عمرتي، وانتظرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح حتى فرغت، وأمر الناس بالرحيل"، قالت:"وأتى رسول الله صلى الله عيه وسلم البيت، فطاف به، ثم خرج".
ولا يرمل في هذا الطواف، ولا يضطبع؛ لما تقدم؛ وقد نص عليه.
والوداع: بفتح الواو.
وهل هذا الطواف من المناسك؟
اختلف فيه، وأثره يظهر في المكي إذا خرج من مكة قاصداً مسافة القصر:
فالذي قاله الغزالي: إنه من المناسك، وليس على الحاج من مكة وداع لخروجه منها.
وهو في ذلك متبع للإمام؛ فإنه قال: إنه من مناسك الحج – وإن [وقع] بعدها – وليس على الحاج من مكة وداع؛ لخروجه منها؛ حتى إن الغريب لو نوى الإقامة بمكة بعد قضاء المناسك، ثم عنَّ له السفر، فلا وداع عليه.
وليس الخروج في اقتضاء [الوداع كدخول الغرباء مكة في اقتضاء] الإحرام، وإن في بعض الطرق رمزاً إلى أن المكيين إذا عنَّ لهم أن ينفروا – أي: من منى – ويخرجوا مع الغرباء: أنهم يودِّعون، وأنه لا خلاف أنهم إذا عنَّ لهم هذا بعد العود إلى مكة فلا وداع.
والذي قاله صاحب "التتمة" و"التهذيب" وغيرهما: إنه ليس من المناسك، بل يؤمر به من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر، سواء كان مكيًّا أو آفاقيًّا.
قال الرافعي: وهذا أقرب؛ تعظيماً للحرم، وتشبيهاً لاقتضاء خروجه للوداع باقتضاء دخوله للإحرام.
ولأنهم اتفقوا كما سنذكره على أن المكي إذا حج وهو على أن يقيم بوطنه [و] لا يمر بطواف الوداع، [وكذا الآفاقي إذا حج، وأراد الإقامة بمكة، لا وداع] عليه، ولو كان من جملة المناسك، لعم الحجيج.
قال في "الروضة": قلت: ومما يستدل به من السنة لكونه ليس من المناسك- ما ثبت في صحيح مسلم وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً".
وجه الدلالة: أن طواف الوداع يكون عند الرجوع، فسماه قبله: قاضياً للمناسك، وحقيقته أن يكون قضاها كلها.
وقد اقتضى كلام الشيخ انه لا يستحب الاغتسال لهذا الطواف، إذ لو كان مستحباً عنده لذكره كما في طواف الزيارة، وهو ما ذكره في "الوسيط" [عن الجديد، وأنه استحب الاغتسال في القديم].
قال: ولم يقم بعده، أي: القضاء شغل بقي عليه، أو زيارة صديق، ونحو ذلك؛ لأنه [لو أقام لم يكن مودعاً، ولم يكن آخر عهده الطواف].
قال: فإن أقام [أي: لما ذكرناه] لم يعتد بطوافه عن الوداع؛ لما ذكرناه.
نعم: لو تشاغل بأسباب الخروج: كشراء الزاد، وشد الرحل، ونحوهما، فهل يحتاج إلى إعادته؟ [فيه] ثلاثة طرق:
[أحدها - وهو] الذي قطع به الجمهور: أنه لا يحتاج، ومنهم صاحب "التهذيب"، والقاضي الحسين.
وفي "تعليق البندنيجي": أنه إذا تشاغل بترتيب رحله وقضاء حوائجه، غير شراء الخبز، ونحوه - بطل وداعه.
وإذا جمعت بين النقلين، جاءك في شد الرحل وجهان، وقد حكاهما الرافعي عن رواية الإمام، وأنهما جاريان في شراء الزاد.
والذي رأيته في "النهاية" في هذا الموضع حكاية تردد في التعريج على أمر قبل طواف القدوم، وقال: إنهم قطعوا بأن التعريج بعد طواف الوداع يفسده.
ولو أقيمت الصلاة عقيب طوافه، فصلاها، لم يعده؛ قاله في "المهذب" وغيره.
قال: ومن ترك طواف الوداع، لزمه دم في أحد القولين.
الخلاف في لزوم الدم ينبني على أن طواف الوداع واجب أم لا؟ وسيأتي الكلام عليه:
فإن أوجبناه – وهو الجديد؛ كما قال القاضي الحسين، وقال البندنيجي وابن الصباغ: إنه الذي نص عليه في "القديم" و"الأم"، والأصح عند البغوي وصاحب العدة والنواوي – وَجَبَ الدم بتركه.
وإلا فلا يجب، وهوا لأصح في "تعليق القاضي الحسين"، وقال البندنيجي: إنه الجديد، وعن بعضهم القطع به.
ويستقر الدم على الأول بانتهائه إلى مسافة القصر؛ حتى لو عاد، وطافه، لم يسقط.
قال في "المهذب": لأن هذا الطواف عن الخروج الثاني، فلا يجزئه عن الأول؛ وهذا منه يدل على اعتقاده أنه ليس بنسك؛ كما تقدم.
ومن هنا يظهر لك: أنه لا يجب عليه – والحالة هذه – العود لأجله، وبه صرح غيره.
وقد حكى الإمام عن رواية الشيخ أبي علي وغيره قولاً آخر:
أنه لو عاد من مسافة القصر، أمكنه أن يتدارك الوداع، وأن هذا القائل لا يوجب العود، ولكنه يجوِّزه.
وعلى هذا فهل يكفيه طواف واحد للوداع الأول والثاني، أو لابد من طوافين؟ فيه وجهان:
والثاني: رواه صاحب "التقريب"، وضعفه الإمام.
والمشهور: عدم إمكان التدارك واستقرار الدم بالانتهاء إلى مسافة القصر.
نعم: لو رجع قبل انتهائه إلى مسافة القصر، [أمكنه التدارك، فإذا فعله، سقط عنه الدم؛ لأنه في حكم المقيم؛ وهذا ما نص عليه؛ كما] قال الإمام.
ومن هنا يظهر لك أنه يجب عليه العود لأجله قبل انتهائه إلى مسافة القصر؛ كما صرح به الأصحاب.
وحكى الإمام قولاً مخرجاً في المسألة: أنه لا يمكنه التدارك والحالة هذه، وسنذكر ممَّ خرَّج؟
وقد روى عن عمر – رضي الله عنه – أنه رد رجلاً لم يودع من بطن مر.
قال: وإن نفرت الحائض بلا وداع، لم يلزمها دم؛ لما روى [مسلم] عن عائشة قالت: حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت، قالت عائشة: فذكرت حيضتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحابستنا هي؟ " قال: فقلت: يا رسول الله، إنها كانت قد أفاضت، وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلتنفر".
وجه الدلالة منه: أنه أمرها بالنفر، ولم يأمرها بالدم، ولو كان واجباً لبينه، كما فعلفي حديث كعب بن عجرة؛ فإنه لا يجوز له تأخير البيان عن وقت الحاجة.
نعم: لو نفرت ثم طهرت قبل مفارقتها بنيان مكة، كان حكمها حكم الطاهر [في الوداع].
وإن كان بعد مفارقة البنيان، فهي كما لو لم تطهر، قاله القاضي أبو الطيب، والماوردي، والقاضي الحسين، والشيخ في"المهذب"، وغيرهم وعزاه الإمام إلى النص، وقال: إن من الأصحاب من خرج من نصه على أن الرجل إذا خرج من غير وداع ولم ينته إلى مسافة القصر: أنه يمكنه التدارك؛ بأن يعود [ويطوف] ويسقط [عنه الدم]: أنه يلزمها العود إذا لم تنته إلى مسافة القصر، فإن لم تعد، لزمها الدم.
كما خرج من هنا إلى ثم قولاً: أنه لا يمكنه التدارك بالعود، ويستقر عليه الدم، وجعل في المسألتين قولين:
وإن منهم من أقر النصين، وهو الأصح في الرافعي.
والفرق: أن المرأة حين المفارقة، لم تكن من أهل الوداع، بخلاف الرجل.
قال: ثم إذا قلنا باعتبار مفارقة الخطة، فيعود الوجهان المذكوران في باب المواقيت في أن مفارقة العمران هي المرعيَّة أو مفارقة الحرم؟ وقد تقدم ذكر الوجهين، وهما جاريان هنا.
فرع: إذا رأت المرأة الدم في زمان الإمكان، فتركت طواف الوداع، وانصرفت، ثم اتصل بها الدم، وجاوزت خمسة عشر يوماً – فإنها مستحاضة:
فإن [كان] تركها الطواف في الحالة التي حكمنا عليها فيها بأنها حائض، فلا شيء عليها.
وإن كانت تركته في الحالة التي حكمنا عليها فيها بأنها طاهرة، تبينا ثبوت الدم في ذمتها، وحكمها لا يخفى مما تقدم؛ قاله أبو الطيب، وعزاه البندنيجي إلى نصه في الأم.
قال: وإذا فرغ من [طواف الوداع]، وقف في الملتزم بين الركن [أي: الأسود] الباب، ويدعو؛ لأن الملتزم من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء.
وهو بفتح الزاي، سمي بذلك؛ لأنهم يلتزمون في الدعاء.
ويقال له: المدعي، والمتعوذ بفتح الواو.
قال: فيقول: "اللهم البيت بيتك، والعبد عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، حتى سيرتني في بلادك، وبلغتني نعمك؛ حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت رضيت عني، فازدد عني رضا، وإلا فَمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، [ويبعدك عنه مزاري]، هذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي خير الدنيا والآخرة؛ إنك على كل شيء قدير"؛ لأنه روي ذلك عن صالحي السلف، وهو دعاء يليق بالحال.
والمنقول عن الشافعي – رضي الله عنه – أنه استحبه في "الإملاء"، وفي مختصر الحج الصغير من أوله إلى قوله: "ما أبقيتني"، وأن القاضي أبا حامد في جامعه زاد باقيه؛ كذا قاله ابن الصباغ.
وقوله: "فمن الآن" يجوز فيه ثلاثة [أوجه]:
أجودها ضم الميم، وتشديد النون.
والثاني: كسر الميم، وتخفيف النون وفتحها.
والثالث: كذلك، لكن النون مكسورة.
وقوله "الآن": هو الوقت الحاضر، [هذا حقيقته وقد يقع على التقريب من الماضي، والمستقبل؛ تنزيلاً له منزلة الحاضر] ومنه قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:187]، قيل: تقديره: فالآن أبحنا لكم مباشرتهن؛ فعلى هذا هو في الآية [على] حقيقته.
وقوله: "قبل أن تنأى عن بيتك داري"، أي: تبعد.
والأوان [الحِين، والوقت] وجمعه: آونة، مثل: زمان وأزمنة.
قال: ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن بذلك رجاء الإجابة.
قال النواوي في "المناسك":
ويتعلق الداعي بهذا الدعاء بأستار الكعبة في تضرعه.
وقد روى أبو داود عن عبد الرحمن بن صفوان أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح قد خرج من الكعبة هو وأصحابه، قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم، وقد وضعوا خدودهم على البيت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم.
وإذا فرغ من الوداع، أتى زمزم، فشرب من مائها متزوداً، ثم يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه، ويقبله، ويمضي.
والحائض إذا أرادت السفر بلا وداع، استحب لها أن تدعو بما ذكره الشيخ من الدعاء على باب المسجد، وتنصرف.
وستحب للخارج من "مكة" [أن يقول عند خروجه] ما رواه نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قفل من الجيوش، أو السرايا، أو الحج، أو العمرة، إذا أوفى على ثنية أو فَدْفَد كبر ثلاثاً، ثم قال: "لا إله إلا الله وحده لا شركي له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، أخرجه مسلم.
[وأخرج أيضاً عن الأزدي أن ابن عمر علمهم].
ويستحب أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم قبل عوده إلى بلده، لما روى البزار، والدارقطني بإسنادهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من زار قبري وجبت له شفاعتي".
ويستحب للزائر مع قصده الزيارة: أن يقصد التقرب بالمسافرة لمسجده صلى الله عليه وسلم، والصلاة فيه، وأن يكثر من الصلاة والتسليم عليه الصلاة والسلام في طريقه، فإذا وقع بصره على أشجار المدينة، وما يعرف بها، زاد في الصلاة والتسليم عليه صلى الله عليه وسلم، وسأل الله تعالى أن ينفعه بزيارته، وأن يتقبلها منه.
ويستحب أن يغتسل قبل دخوله، ويلبس أنظف ثيابه، وليكن أول ما يفعله حين يدخل المسجد: أن يقصد "الروضة"، ويصلي ركعتين تحية [المسجد] فيها، بجنب المنبر.
قال النواوي في "المناسك": ثم يأتي القبر الكريم، فيستدبر القبلة، ويستقبل جدار القبر، ويبعد من رأس القبر [نحو أربعة أذرع.
وفي "إحياء علوم الدين": أنه يستقبل جدار القبر على نحو] أربعة أذرع من السارية التي عند رأس القبر في زاوية جداره، ويجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه، ويقف ناظراً أسفل ما يستقبله من جدار القبر، غاض الطرف في مقام الهيبة والإجلال، فارغ القلب من علائق الدنيا، مستحضراً في قلبه جلالة موقفه، ومنزلة من هو بحضرته، ثم يسلّم، ولايرفع صوته بل يقتصد، فيقول: "السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خير خلق الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا سيد المرسلين، وخاتم النبيين، السلام عليك يا خير الخلائق أجمعين، السلام عليك يا قائد الغر المحجَّلين، السلام عليك، وعلى أهل بيتك وأزواجك وأصحابك أجمعين، السلام عليك، وعلى [سائل] عباد الله الصالحين، جزاك الله يا رسول الله عنا أفضل ما جزى به نبيًّا ورسولاً عن أمته، وصلى عليك كلما ذكرك ذاكر، وغفل عن ذكرك غافل –أفضل وأجمل ما صلى على أحد من الخلق أجمعين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأشهد أنك
بلغت الرسالة، وأديت الأمانة ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده، اللهم آتِه الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي عدته، وآته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون، اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك، النبي الأمي، وعلى آله وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد".
ومن عجز عن حفظ هذا، أو ضاق وقته عنه، اقتصر على بعضه، وأقله: "السلام عليك يا رسول الله صلىلله عليه وسلم".
ثم يتأخر إلى صوب يمينه قدر ذراع للسلام على أبي بكر رضي الله عنه؛ لأن رأسه عند منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيقول: "السلام عليك يا أبا بكر".
ثم يتأخر إلى صوب يمينه قدر ذراع للسلام على عمر – رضي الله عنه – فيقول: "السلام عليك يا عمر"، وهذه صورة القبور الكريمة الجليلة:
وقيل صورتها هكذا:
والمشهور هو الصفة الأولى:
ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله صلى الله عيه وسلم، ويستشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى.
ومن أحسن ما يقول ما حكاه أصحابنا عن العتبيّ قال: "كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي، فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء: 64]، وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي، ثم انشأ يقول:
يا خبر من دفنت [في الترب أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف، فغلبتني عيناي، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال: "يا عتبي، الحق الأعرابي، فبشره بأن الله قد غفر له".
ثم يتقدم إلى رأس القبر، فيقف بين القبر والأسطوانة التي هناك، ويستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى ويدعوا لنفسه بما أهمه وأحبه لوالديه، ومن شاء من أقاربه وإخوانه وسائر المسلين.
ثم يأتي "الروضة"، فيكثر فيها [من] الدعاء اولصلاة، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عيه وسلم قال: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي"، ويقف عند المنبر ويدعو.
أما إذا لم يرد الحاج والمعتمر الخروج من مكة، وأراد المقام بها والمجاورة، أو كان من أهلها فلا وداع عليه؛ لأن غير مفارق ولا مودع.
قال في "الحاوي": ولا يختلف المذهب في ذلك.
نعم هل تستحب المجاورة بها أم تكره؟
اختلف فيه العلماء:
فذهب أبو حنيفة ومن وافقه إلى الكراهة؛ خوفاً من الملل وقلة الحرمة للأُنْسِ، وخوف ملابسة الذنوب؛ فإن الذنب فيها أقبح منه في غيرها، كما أن الحسنة فيها أعظم منها في غيرها.
قلت: ويقرب من هذا قول القاضي أبي الطيب: ويستحب لمن فرغ من حجه أن يعجل الرجوع إلى بلده؛ لما روي أنه – عليه السلام – قال: "من فرغ من حجه، فليعجل الرجوع إلى أهله؛ فإنه أعظم لأجره".
وذهب الإمام أحمد إلى استحبابها؛ لما يحصل فيها من الطاعات التي لا تحصل في غيرها من الطواف، وتضعيف الصلوات، والحسنات.
قال النواوي في "المناسك": وهذا هو المختار إلا أن يغلب على ظنه الوقوع في الأمور المحذورة.
وقد جاور بها خلائق لا يحصون من سلف الأمة، وخلفها ممن يقتدي به، وينبغي للمجاور بها أن يذكر نفسه بما جاء عن عمر – رضي الله عنه – أنه قال: "لخطيئة أصيبها بمكة أعز على من سبعين خطيئة بغيرها".
كفاية النبيه شرح التنبيه
الجزء الثامن تتمة كتاب الحج- كتاب البيوع
بسم الله الرحمن الرحيم
باب صفة العمرة
إذا أراد- أي: من ليس بالحرم، فوق الميقات، أو دونه- العمرة، أحرم من الميقات؛ لقوله عليه السلام- في حديث المواقيت المتقدم: "وهن لأهلهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة .. " إلى آخره.
وقد تقدم ذكر سنن الإحرام من الغسل وغيره بما يغني عن الإعادة.
قال: فإن كان من أهل مكة، خرج إلى أدنى الحل، [أي:] ولو بخطوة؛ ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم؛ كالخارج.
وقد استدل على وجوب ذلك في حقهما بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ..﴾ الآية [البقرة: 125].
أي: مرجعاً، وكل الحرم منسوب إلى البيت؛ فافتقر إلى القصد إليه من الحل.
وقد ادعى الصيدلاني: أن الجمع بين الحل والحرم في الحج من أركان الحج، وقاس عليه العمرة؛ كما ذكرناه؛ وهذا بخلاف ما إذا أراد المكي الحج، فإنه يحرم به من جوف مكة؛ حتى لو أحرم به من أدنى الحل، وجب عليه دم الإساءة، ولو أحرم به من خارج مكة في الحرم، ففي وجوب دم الإساءة خلاف مذك ورفي الطريقين.
واعلم أن قول الشيخ: "فإن كان من أهل مكة، خرج إلى أدنى الحل" يفهمك: أن [من] كان بالحرم، فحكمه كذلك وإلا لكان الخروج إلى الحرم كافياً، وقد صرح
به الأصحاب حتى النواوي في "المناسك".
فرع: لو أراد من هو بمكة القرآن، فمن أي موضع يحرم؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين":
أحدهما: من أدنى الحل؛ لأنه يريد النسكين، وهو اختيار القفال.
والثاني- وهو الأصح عند القاضي الحسين والبغوي-: من جوف مكة؛ لأن العمرة تتبع الحج في القرآن؛ فتبعته في مكان الإحرام.
ولا خلاف عندنا في أنه إذا جاوز الميقات وهو يريد الحج والعمرة، ثم أحرم بالحج، ثم اعتمر من أقرب الحل: أنه يجوز، ولا دم عليه؛ لأجل إحرامه من أدنى الحل؛ كما لو لم يرد العمرة؛ قاله في "البحر".
قال: والأفضل أن يحرم من التنعيم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث مع عائشة عبد الرحمن ابن أبي بكر في عام حجة الوداع، وأمرها أن تعتمر من التنعيم؛ كما أخرجه البخاري ومسلم [وغيرهما في حديث طويل.
وأخرج مسلم] عن جابر في حديث آخر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم"، وذلك ليلة الحَصْبَة.
وقال النواوي: مذهب الشافعي- رضي الله عنه- أن أفضل جهات الحل لإحرام العمرة: أن يحرم من الجعرانة، ثم بعدها التنعيم، ثم الحديبية، وهو المذكور في "تعليق" [القاضي أبي الطيب، والحسين، والبندنيجي، و"الحاوي"، و"الشامل"، و"الإبانة"، و"النهاية".
قال] القاضي الحسين وتبعه البغنوي وغيره: لم يَبْنِ الشافعي- رضي الله عنه- هذا على القرب والبعد؛ لأن الحديبية أبعد الأماكن، وإنما قدم فعله- عليه السلام- ثم أمره، ثم همه.
وأشاروا بالفعل إلى ما روي أنه- عليه السلام- أحرم بالعمرة من الجعرانة،
حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة؛ كما خرجه مسلم.
و [أشاروا] بالأمر: إلى أمره - صلى الله عليه وسلم - عائشة بأن تحرم من التنعيم؛ كما تقدم.
و [أشاروا] بالهم: إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - هم بأن يحرم بالعمرة من الحديبية في سنة ست من الخهجرة، ويدخل مكة، فَصُدَّ، وهذا فيه منازعة من وجهين:
أحدهما: أن البندنيجي قال: أبعد الحل إلى الحرم الجعرانة، وهو الذي ذكره في "البحر".
وقال الرافعي: إن الجعرانة على ستة فراسخ من مكة، والحديبية كذلك، وهذا يؤذن بالتساوي.
الثاني: أن مسلماً روى أنه- عليه السلام- أحرم من الحديبية بعمرة أو زَمَنَها.
وقد قال الشافعي- رضي الله عنه- كما سنذكره: "إنه لا خلاف بين أهل التفسير أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ الآية [البقرة: 196] نزلت بالحديبية حين أحصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحال المشركون بينه وبين البيت، فنحر، ثم حلق"؛ وهذا صريح في أنه أحرم منها إن لم تكن العمرة التي همَّ بها غير هذه العمرة، وهو الظاهر.
وإذا كان كذلك فما قدم الشافعي أمره - صلى الله عليه وسلم - على همه، وإنما قدمه على فعله، وحينئذٍ فيقال:
لم قدم الشافعي- رضي الله عنه- أحد الفعلين على الأمر وأخر الآخر [عنه].
وكأن الغزالي- والله أعلم- استشعر ذلك؛ فخرج عنه بقوله- كما حكاه عنه ابن يونس، وابن التلمساني: إن الأفضل أن يحرم من الجعرانة، ثم من الحديبية، [ثم من التنعيم، وقدم فعله بالجعرانة على فعله بالحديبية؛] لأن إحرامه من الجعرانة كان في سنة سبع، ومن الحيبية في سنة ست، والعمل بالمتأخر أولى.
لكن الذي ذكره في "الوسيط"، و"الوجيز" ما حكيته عن الإمام وغيره، وما حكي عنه يمكن أخذه من قول الإمام: ولقائل أن يقول: ما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحديبية عن اختيار، وإنما صُدَّ اضطراراً، فتقديم ما أمر به على ما كان خاض فيه، ولم يتم له على اضطرار فيه بعض النظر.
قال: ولكن يوجه ما ذكره الشافعي أنه- عليه السلام- أعمر عائشة من التنعيم، وكان متمكناً من إعمارها من الحديبية؛ فاقتضى ذلك تقديم [ما أمر به].
قلت: وهذا بعينه يمكن أن يكون مأخذ الشيخ في ترجيحه التنعيم على الجعرانة؛ لأن إحرام النبي - صلى الله عليه وسلم -[منها] كان في سنة سبع في عمرة القضاء أو القضية؛ كما تقدم- وأمره - صلى الله عليه وسلم - عائشة- رضي الله عنه- بالإحرام من التنعيم، كان في عام حجة الوداع في سنة عشر.
ويمكن أخذه من وجهٍ آخر: وهو أن الكلام فيمن كان بمكة، وأراد الإحرام بالعمرة، والذي وجد في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الصورة الأمر بالإحرام من التنعيم؛ فكان هو المتبع، ولا يعارضه إحرامه- علي السلام- من الجعرانة؛ لأنه حيث أراد الإحرام منها لم يكن بمكة، وخرج منها [إليها فأحرم منها]، وإنما كان ذلك حين قفل من حنين، كما قاله ابن الصباغ.
وأفهم كلامه أن الشافعي- رضي الله عنه- قاله.
لكن الإمام حكى عن الشافعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى بعمرة الجعرانة عام القضاء- أي: وهي سنة سبع كما تقدم- ثم قال الإمام: ولم أرَ لهذا التاريخ ذكراً في كتب الحديث، وفيه إشكال من جهة أن ذا الحليفة كان على ممر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
وكان في قصده مكة للعمرة، فيبعد منه - صلى الله عليه وسلم - مجاوزة الميقات مع قصده النسك.
والأظهر: أنه كان أحرم من ذي الحليفة لتيك العمرة، وعمرة الجعرانة عمرة أخرى برز لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحرم، واختار من الحل تلك البقعة؛ ولأجل هذا قال ابن الصلاح في مناسكه: إن قول الشيخ في التنبيه ليس مرضياً دليلاً ومذهباً.
وقال النواوي في "الروضة": إنه غلط.
وتأول بعضهم كلام الشيخ، فقال: إذا أراد المكي أن يقتصر في إحرامه بالعمرة على الواجب، وهو الإحرام [من أدنى الحل] فليكن من التنعيم؛ لأنه أقرب الحل إلى البيت؛ كما قاله ابن الصلاح، والإمام، والبغوي.
والتنعيم عند طرف الحرم من جهة المدينة على ثلاثة أميال، وقيل: أربعة من مكة، وهو الذي حكاه الرافعي.
قيل: سمي بذلك؛ لأن عن يمينه جبلاً يقال له: نعيم، وعن شماله جبل يقال: ناعم، والوادي: نعمان.
والله أعلم.
قال: فإن أحرم بها- أي: بمكة وما في معناها من الحرم- ولم يخرج إلى أدنى الحل- أي: حتى تحلل- ففيه قولان- أي: منصوصان في "الأم".
أحدهما: لا يجزئه؛ لأن الشرط في النسك أن يجمع في إحرامه بين الحل والحرم- كما تقدم- ولم يوجد.
وعلى هذا يبقى على إحرامه إلى أن يخرج، ثم يأتي بالطواف، والسعي، والحلق أو التقصير؛ إن قلنا: إنه نسك؛ كما سيأتي وعليه دم الحلق؛ إن كان قد حلق؛ لأنه فعله قبل الطواف.
ولو كان قد جامع ظناً منه: أنه تحلل ففي فسادها قولان.
والثاني: يجزئه-[أي: ما أتى به من طواف وغيره] وعليه دم؛ كالآفاقي إذا جاوز الميقات مريداً للحج، فأحرم من مكة؛ وهذا ما قاله ابن الصباغ عند التفريع عليه: إنه الصحيح، وتبعه صاحب "البحر"، والرافعي، والنواوي، وصاحب "المرشد".
لكن القائلون بالأول، فرقوا بين ما نحن فيه وبين ما إذا أحرم [بالحج] من مكة: بأن الحاج لابد له من قصد الحرم من الحل، وهو عند رجوعه من عرفات
لطواف الإفاضة، وبه حصل الجمع بين الحل والحرم.
وقد توافق القولان على انعقاد إحرامه، وهو ما صرح به القاضي أبو الطيب، والماوردي، والبندنيجي، والقاضي الحسين، وادعى الإمام أنه لا خلاف في ذلك.
وفي "الإبانة" حكايتهما في أن إحرامه هل يصح أم لا؟
وتبعه المسعودي في ذلك، ولعله مئوّل على ما ذكرناه.
وقد أفهم كلام الشيخ: أنه إذا خرج إلى أدنى الحل: أنه يجزئه قولاً واحداً، ومحله إذا كان خروجه إلي قبل الطواف والسعي، كما صرح به الأصحاب، وقالوا: لا يجب عليه دم؛ لأنه زاد خيراً؛ فإنه من طريق التمثيل بمثابة من أحرم قبل الميقات، ثم مرَّ عليه.
وحكى الإمام أن من أصحابنا من خرَّج إيجاب الدم على الخلاف المشهور في عود المسيء بالإحرام دون الميقات، ثم عاد إليه.
وذلك- أيضاً- إذا خرج بقصد النسك فلو لم يقصد بل خرج لبعض أشغاله، فالذي حكاه القاضي الحسين عن القفال: أن الحكم كذلك؛ لأنه [لا يراعي] القصد، وإنما المرعي حصوله به؛ كما لو حصل بعرفات، ولم يقصده، يحسب له الوقوف، وبهذا أجاب في "التهذيب".
ويظهر أن يجيء فيه ما ذكرناه في الوقوف.
واعلم أن قول الشيخ: "وإن كان من أهل مكة ... " إلى آخره يفهم مع قوله من قبل: "ومن جاوز الميقات غير مريد للنسك، ثم أراد أن يحرم، أهلَّ من موضعه" اختصاص إيجاب الخروج للإحرام بالعمرة من أدنى الحل بأهل مكة، دون الآفاقي، وليس كذلك، بل من كان بمكة، وأراد أن يعتمر، وجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل، سواء كان أهلها، أو آفاقيّاً، نوى الإقامة بها أو لا؛ فاعلم ذلك.
قال: ثم يطوف
-[أي: طوافاً]-
مثل طواف القدوم السابق، ويسعى، ويحلق، وقد حلَّ، لما روى مسلم أن عبد الله بن عمر قال: "تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وتمتع الناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[بالعمرة] إلى الحج؛ فكان من الناس من أهدى، فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
مكة، قال للناس: "من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، وليتحلل، ثم ليهل بالحج، وليهد .. " وساق الحديث.
وما ذكره الشيخ من اشتراط الحلق في الحل تفريعاً منه على أنه نسك؛ كما هو الصحيح، ويقوم مقامه التقصير، وعلى ذلك يدل الحديث.
أما إذا قلنا: إنه استباحة محظور، فلا يتوقف الإحلال عليه، وعليه يدل ما رواه أبو داود عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً"، فقدمت مكة وأنا حائض .. " وساقت الحديث إلى أن قالت: "فطاف الذين أهلّوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلقوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً واحدا".
قال في مختصر السنن: وقد أخرجه البخاري ومسلم.
فإن قلت: قد دلَّ الحديث على أن من ساق الهدي، وكان قد أحرم بالعمرة في أشهر الحج: أنه لا يحل بما ذكرتم، فهل تقولون به؟
قلنا: لا، وإنما قال به أبو حنيفة وأحمد حيث قالا: إذا ساق الهدي، لا يتحلل، بل يحرم بالحج إذا كان قد أراده، ثم يتحلل منهما جميعاً.
ودليلنا: أنه متمتع فرغ من [أعمال] عمرته؛ فحل من إحرامه؛ كما لو لم يسق الهدي.
وأما الخبر، فجوابه: أنه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، كانوا قد أحرموا إحراماً مطلقاً، فأمر من لم يسق الهدي يجعله عمرة، ومن ساقه بجعله حجًّا، وحينئذ فلا حجة لهم فيه؛ كذا حكاه القاضي أبو الطيب عن الشافعي، وعزاه في "البحر" إلى نصه في "الأم".
فإن قلت: قد نقل البخاري في صحيحه: أنه- عليه السلام- وأصحابه كانوا [قد] أحرموا بالحج، فأمروا أن يفسخوه بعمرة، فقالوا: يا رسول الله، هذه لنا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال: "بل لكم خاصة"؛ وهذا معارض لما رواه الشافعي.
قيل: وجه الجمع [أنه يحتمل] أن يكون- عليه السلام- أمر بعض أصحابه لا جميعهم بالفسخ، فإن جابراً روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الركب الذين كانوا معه بالفسخ، ولم يأمر الباقين بالفسخ، بل أمر من كان ساق معه الهدي: أن يجعلها حجة، ومن لم يكن ساق الهدي: أن يجعلها عمرة؛ فنقل الشافعي إحدى القضيتين، ونقل البخاري الأخرى.
قال أبو الطيب: ووجه آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كان معه جميعاً أحرموا إحراماً مطلقاً، وأن جبريل- عليه السلام- أمره أن يصرف إحرامه إلى الحج، ويأمر بذلك أصحابه، ففعلوا.
ونقل الشافعي هذا القدر من الخبر.
ثم أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يفسخوا حجهم بعمرة، وقصد بذلك خلاف المشركين [في قولهم:] إن العمرة في أشهر الحج [من] أفجر الفجور، وكان الفسخ آكد في باب البيان.
ونقل البخاري هذا القدر من الخبر دون ما قبله.
نعم: يستحب لمن ساق الهدي أن ينحره قبل الحلق، سواء قلنا: إنه نسك أم لا، ويستحب أن يكون عند المروة؛ كما تقدم.
وقد تقدم أن المعتمر يقطع التلبية عند الشروع في الطواف، لأن به يأخذ في التحللل؛ وقد روى أنه- عليه السلام- قال: "يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر".
وتقدم- أيضاً- أن العمرة ليس لها إلا تحلل واحد، بخلاف الحج، و [تقدم] الفرق بينهما.
فرع: القارن بين الحج والعمرة صفة ما يفعله صفة المفرد بالحج؛ فيكفي عنهما طواف واحد وسعي واحد، لرواية مسلم عن عائشة: أنها حاضت بسرف، وتطهرت بعرفة، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك".
وعن طاوس أنه كان يحلف بالله ثلاثة: ما أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرن، وطاف طوافين.
وبالقياس على الحلق، فإنه يكفي فيه [حلق] واحد بالاتفاق، وبذلك يبطل مذهب المخالف، [والله أعلم سبحانه].
باب فرض الحج والعمرة وسننهما
أركان الحج أربعة:
الإحرام، وقد تقدم ما هو؟ والأصل [في] اشتراطه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية [البينة: 5] والحج عبادة محضة، وكذا العمرة.
[و] قوله- عليه السلام-: "إنما الأعمال بالنيات ... "
قال ابن الخل: ولأنه من لوازم دخول مكة، فكيف في الحج والعمرة؟
ولأن كل عبادة لها إحلال وإحرام، فالإحرام ركن فيها، كالصلاة.
ثم هو إجماع.
قال: والوقوف- أي: بعرفة لما روي أن قوماً من أهل نجد أمروا رجلاً منهم أن يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم -[كيف الحج؟] فسأله فأمر- عليه السلام- رجلاً [أن ينادي] "الحج عرفة، ألا إن الحج عرفة"، وقد تقدم من حديث عبد الرحمن بن يعمر.
قال: والطواف- أي: طواف الزيارة- لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
قال أبو الطيب: وليس بين المسلمين خلاف في وجوبه، وترك الجزء منه كترك الكل منه عندنا؛ فلا يتم تحلله إلا بالإتيان به وإن كان يسيراً، خلافاً لأبي حنيفة.
ولو شك: هل طاف ثلاثاً، أو أربعاً؟ بني على اليقين؛ كما في عدد الركعات.
نعم: قال الشافعي- رضي الله عنه-: "فإن أخبره مخبر: أنه طاف سبعة، أو ثمانية- أحببت أن يقبل قوله في ذلك".
قال أبو الطيب: والفرق [بين] هذا وبين من شك في صلاته، حيث قلنا: إنه لا يقبل في الصلاة قول غيره- هو أن الزيادة في الصلاة تبطلها، والزيادة في الطواف لا
تبطله، إلا أنه [لا] يجب عليه قبول [قول] غيره في عدد الطواف؛ لأنه يخبره عن فعل نفسه؛ فهو بمثابة من أخبر الحاكم عن شيء حكم به؛ فإنه لا يلزمه قبوله.
قال: والسعي؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - وهو يسعى، والمئزر يدور في وسطه من شدة السعي: "اسعوا عباد الله؛ فإن الله كتب عليكم السعي"، وقد تقدم ذكر هذا الخبر.
ووجه الدلالة منه: أن الشرع أوجبه، وإيجابه يقتضي إيجاده إلى أن يدل الدليل على أن غيره يقوم مقامه.
[ولأنه نسك يفعل في الحج والعمرة؛ فوجب أن يكون ركناً، حتى لا يقوم الدم مقامه]؛ كالطواف.
قال أبو الطيب: ولا يرد على ذلك الحلاق؛ لأنه على أصح القولين نسك، [وقد تقدم [حكاية دعوى الإمام الوفاق] في أنا إذا قلنا: إن الحلق نسك] كما هو الصحيح عند الجمهور- فهو ركن، وكذلك قال النواوي: إنه ركن في أصح القولين.
وعلى هذا تكون الأركان خمسة.
قال الرافعي: واعلم أن ترتيباً، ما يعتبر في أركان الحج؛ لأن ما عدا الإحرام لابد وأن يكون مؤخراً عنه، والحلق والطواف لا بد أن يكونا مؤخرين عن الوقوف، والسعي لابد وأن يكون مؤخراً عن طواف.
وإذا كان كذلك، جاز أن يعد من الأركان؛ كما عدوا الترتيب من أركان الوضوء والصلاة، ولا يقدح في ذلك عدم اعتبار الترتيب [بين الحلق والطواف؛ كما لا يقدح عدم اعتبار الترتيب] بين القيام والقراءة في الصلاة، والله أعلم.
قال: وواجباته.
قال في "التهذيب": وهي الأبعاض.
الإحرام من الميقات، لما تقدم.
قال ابن الخل: ولأنه- عليه السلام- قال: "لا يجاوز أحد الميقات إلا وهو محرم إلا من كان أهله دون الميقات".
قال: والرمي، أي: إلى الليل في أحد القولين؛ لأنه- عليه السلام- فعل ذلك؛ كما ذكرناه من قبل، وقال "خذوا عني مناسككم".
قال: والوقوف بـ"عرفة" أي: إلى الليل في أحد القولين؛ لأنه- عليه السلام- وقف إلى الليل، وقال: "خذوا عني مناسككم"، وهذا ما نص عليه [في] القديم و"الأم"؛ كما قال أبو الطيب، والبندنيجي.
ومقابله: أنه غير واجب؛ لقوله – عليه السلام- في خبر عروة الطائي: "من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه، وقضى تفثه"، ولم يذكر المبيت، ولا أوجب لأجله دماً، ولو كان واجباً لذكره؛ وهذا ما نص عليه في "الإملاء"؛ كما قال ابو الطيب؛ [والبندنيجي]، وهو الذي صححه ابن التلمساني.
والله أعلم.
قال: والحلق أي: أو التقصير- في أحد القولين؛ لأنه- عليه السلام- علق الحل بالحلق، كما علقه بالرمي، وقد تقدم أن الرمي واجب، فكذلك الحلق، لكن
قضية هذا القياس: أن يجبر الحلق بالدم على هذا القول؛ كالرمي، وهو الذي يدل عليه قول الشيخ من بعد ومن ترك واجباً، لزمه دم.
لكن القاضي أبا الطيب قال عند الكلام في السعي: إنه لا يجبر بالدم، وهو ينطبق على ما حكيناه عن الإمام من قبل أنه يكون على هذا القول ركناً، وادعى وفاق الأصحاب عليه، لكنا قلنا: إن في كلام غيره خلافه.
وعلى هذا فالفرق بينه وبين الرمي [أن الرمي له] وقت محدود الانتهاء كالابتداء، فإذا فات لم يأت به إلا بأمر جديد، ولم يوجد.
والحلق لا آخر لوقته محدوداً، فهو متمكن من إيقاعه في كل وقت؛ فلا جرم وجب عليه الإتيان به، ولم يجبر بالدم؛ كالطواف.
والقول الثاني: الذي أشار إليه الشيخ هنا: أن الحلق استباحة محظور، وقد تقدم دليله.
قال: وطواف الوداع في أحد القولين [أي:] لمن أراد المسير- كما تقدم لقوله عليه السلام- في حديث ابن عباس السابق: "لا ينفرن أحد حتى يكون [آخر] عهده الطواف بالبيت" أو "آخر عهده بالبيت"، وهذا أمر، [وظاهر الأمر] الوجوب.
وأيضاً: فقد روي أنه- عليه السلام- رخص للحائض في تركه، ولو لم يكن واجباً لما رخص فيه؛ وهذا ما نص عليه في القديم و"الأم"؛ كما قال القاضي أبو الطيب، وهو الصحيح عند ابن التلمساني.
ومقابله: أنه غير واجب، لأنه لو كان واجباً، لم يجز للحائض تركه كطواف الإفاضة.
ولأنه طواف غير حابس، أو غير مشروط في الحج، أو لا يجب على الحائض- فلم يكن واجباً؛ كطواف القدوم؛ وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب عن نصه في "الإملاء"، ورجحه، وقال: إن حديث ابن عباس نحمله على الاستحباب؛ بدليل ما ذكرناه.
والقائلون [بالأول] فرقوا بينه وبين طواف القدوم بأن ذلك شرع تحية للبقعة، وليس مقصوداً في نفسه، وكذلك [يدخل في طواف العمرة، وإذا كان تحية، كان كتحية
المسجد، وطواف الوداع مقصود في نفسه، وكذلك لا] يدخل تحت طواف آخر.
على أن فيه وجهاً آخر: أنه يجب بتركه الدم، حكاه صاحب التقريب، والله أعلم.
قال: والمبيت بمزدلفة، في أحد القولين؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - بات بها، وقال: "خذوا عني مناسككم"، وكان ظاهره الوجوب، وقد ذكرنا عن [ابن] بنت الشافعي وغيره أنه [قال: إنه] ركن في الحج.
ومقابل القول المذكور في الكتاب: أنه لا يجب كالمبيت بمنى ليلة عرفة، وهو ما نص عليه في "الإملاء".
قال: والمبيت ليالي منى [أي: ليالي الرمي في منى] في أحد القولين؛ لأنه- عليه السلام- رخص للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى؛ لأجل سقايته، ولو لم يكن واجباً، لما كان للرخصة معنى.
ولأنه نسك يقع بعد التحلل؛ فكان واجباً كالرمي؛ وهذا ما نص عليه في "الأم"، والقديم؛ كما قال أبو الطيب.
ومقابله: أنه [لا يجب]، لقول ابن عباس: "إذا رميت جمرة العقبة، فبت حيث شئت".
ولأنه مبيت بمنى، فلم يجب بتركه دم؛ كما في ليلة عرفة؛ وهذا ما نص عليه في "الإملاء"، كما قال أبو الطيب.
وقد ظهر لك مما ذكرناه: أن الخلاف في أربع مسائل، وهي الوقوف بعرفة إلى الليل، وطواف الوداع، والمبيت بالمزدلفة وبمنى ليالي الرمي بها، وهو مأخوذ من "الأم"، و"القديم"، و"الإملاء".
وأن الذي نص عليه في "الأم" والقديم فيها الوجوب، وهو الذي صححه النواوي في "المناسك" في الكل.
والذي نص عليه في "الإملاء" عدم الوجوب.
ولأجل [ذلك] جمع البندنيجي بين الأربع، وحكى فيها القولين؛ كما ذكرنا.
لكن الصحيح في شرح ابن التلمساني- تبعاً للمرشد- فيما عدا المبيت بمزدلفة الوجوب وفي ليلة مزدلفة عدمه، فكأنهما- والله أعلم- رأيا أن [دليل] عدم الوجوب فيها هو الحديث الآخر الثابت؛ فجمعوا بين الحديثين بالحمل على الاستحباب، بخلاف باقي المسائل؛ فإن دليل عدم الوجوب فيها القياس، أو خبر لم يثبت؛ فلذلك لم يعارض قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا عني مناسككم"؛ فاستعمل في ظاهره، وهو الوجوب.
وقد تقدم أن ركعتي الطواف هل تجب أم لا؟
فإن قلت: [لِمَ] لَمْ يذكرها الشيخ كغيرها؟
قلت: لاستغنائه بما سبق.
قال: وسننه- وهي التي سماها في "التهذيب": هيئات الغسل، أي: في المواضع التي تقدم ذكرها.
قال: وطواف القدوم؛ لأنه تحية البيت؛ [فلم يجب]؛ كتحية المسجد.
ولأنه لو وقف بعرفة قبل قدومه مكة، ولم يطف حتى نحر، ثم طاف- لم يلزمه شيء؛ فدلَّ على أنه غير واجب، وهذا ظاهر المذهب، وبه قال أكثر الأصحاب.
قال أبو الطيب: وقال بعض أصحابنا: إذا أخل به، لزمه دم؛ قياساً على طواف الوداع، ثم قال: وأجاب هذا القائل عن عدم الوجوب فيما إذا وقف قبل أن يقدم مكة: بأنه ثَمَّ لم يتوجه عليه طواف القدوم؛ لأنه لم يوجد منه [إلا] قدوم مكة، وهنا قد وجد ذلك منه؛ ويؤيد ذلك أن من اجتاز بالميقات وهو لا يريد النسك: فلم يحرم، ثم تجددت له نية، فأحرم مكانه- لا يلزمه دم؛ لأنه لم يتوجه عليه الإحرام من الميقات، ولو كان في الابتداء نوى النسك، واجتاز بالميقات غير محرم، لزمه دم.
لكن قد تقدم الفرق بين طواف الوداع، والقدوم.
قال: والرمل والاضطباع في الطواف والسعي- أي: في [حق] الرجال- والتقبيل، والاستلام، لأنها هيئات للعبادة؛ فحمل فعله- عليه السلام- لها على الاستحباب؛ كوضع اليمين على الشمال، والجهر بالقراءة، والتورك في الصلاة.
وقول الشيخ: "في الطواف والسعي" احترز به عما أفهمه كلامه السابق: أنه يديم الاضطباع في حال صلاته ركعتي الطواف إلى أن يفرغ من السعي؛ كما ذكرناه من قبل، وحكيناه عن بعض الأصحاب.
قال: والارتقاء على الصفا والمروة؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158].
وقيل: إنه واجب؛ لأنه لا يمكن استيفاء ما بينهما إلا به فكان كغسل جزء من الراس عند غسل الوجه، وقد تقدم الكلام في ذلك مستوفى.
لكن كلام الشيخ الآتي من بعد يقتضي أن الارتقاء على قول من أوجبه يجبر بالدم، وقضية تعليله الذي ذكرناه في الباب قبله يقتضي أنه لا يجبر بالدم؛ حتى يكون إذا لم يرق تاركاً لبعض المسعى؛ فلا يعتد بما يأتي [به] بعده؛ كما تقدم.
قال: والمبيت بمنى ليلة عرفة؛ لأنه للاستراحة لا للنسك، وبهذا خالف المبيت بها في ليالي الرمي؛ لأنه لأداء النسك؛ بدليل أنه مشروع لكل أحد.
قال: والوقوف على المشعر الحرام- أي: إلى الإسفار- للإجماع على أنه لا يلزمه بتركه الدم؛ كما قال أبو الطيب عند الكلام في الوقوف بعرفة إلى الليل.
قال: والخطب أي: الأربع والأذكار، والإسراع في موضع الإسراع، والمشي في موضع المشي؛ لأنها هيئات للعبادة، فحمل فعله- عليه السلام- لها على الاستحباب دون الإيجاب؛ كالجهر، والقراءة في الصلاة.
قال: وأفعال العمرة [أي: التي ذكرها في الباب قبله] كلها أركان إلا الحلق: أما الإحرام؛ فلما تقدم في الحج.
وأما الطواف والسعي؛ فلأنه العبادة المسنونة.
وأما استثناء الحلق؛ فلأنه على أحد القولين استباحة محظور، ولعله رأى أنه
الصحيح؛ كشيخه أبي الطيب.
وعلى القول الآخر وهو أنه نسك فقد عده من الواجبات في الحج، لا من الفروض، والعمرة تتبع الحج؛ فعدم فرضيته فيها أولى.
وقد يستدل لما ذكره الشيخ بأن الأركان التي ذكرها لا يتصور سقوطها مع صحة العباد’، والحلق قد يسقط، وهو في حالة عدم الشعر؛ فلذلك لم نعده معها، والله أعلم.
وقد احترز الشيخ بقوله: [وأفعال [العمرة]] عن الهيئات فيها: كالرمل، والاضطباع، وكون الإحرام من الميقات، ونحو ذلك؛ فإن الحكم فيها كالحكم فيه في الحج سواء.
قال: ومن ترك ركناً، لم يحل من إحرامه حتى يأتي به، أي: سواء كان قد تركه مع إمكان فعله أو لا، كالحائض إذا لم تطف طواف الزيارة؛ لما تقدم أن الحج والعمرة يلزمان بالشروع، وكل [عبادة] يتوقف الإتيان بها على تمام أركانها؛ وهذا في غير الوقوف.
أما الوقوف إذا تركه حتى خرج وقته؛ فإنه يتحلل بعمل عمرة؛ كما سيأتي في الباب بعده- والله أعلم-.
قال: ومن ترك واجباً، لزمه دم؛ لقوله- عليه السلام-: "من ترك نسكاً فعليه دم" وهذا الدم شاة، فإن لم يجد فالذي حكاه العراقيون، وحكاه عنهم الماوردي، وكذا القاضي الحسين في أول الفصل: أنه يعدل إلى صوم التمتع؛ لأن دم التمتع وجب للترفه بترك أحد الميقاتين فكان مثله كل دم وجب في متروك.
قال الرافعي: وهذا هو أظهر في المذهب، ولم يورد كثير من سائر الطبقات غيره؛ ولأجله قال النواوي: إنه الأصح.
والذي حكاه الإمام عن المراوزة القطع بأنه يعدل إلى الإطعام، فإن لم يجد، عدل اإلى الصيام، أي: صيام التعديل: عن كل مد يوماً.
قال: وهو أفقه وأغوص، ثم إنه على حسنه معتضد بنص الشافعي- رضي الله عنه- فإنه ذكر أن دم الجماع تعديلُ كما مضى، [ثم قال]: "وهكذا كل واجب عليه مقيس به"؛ فكان هذا تصريحاً منه بتعميم التعديل في كل ما ليس منصوصاً عليه على التفصيل.
وقد وافق الإمام على ترجيحه ابن كج وغيره؛ كما قال الرافعي.
وحكى القاضي الحسين في موضع آخر بعد ذلك عن القفال: أنه إذا لم يجد الشاة، فإلى أي صوم يعدل؟ فيه وجهان:
أحدهما: إلى صوم التعديل.
والثاني: إلى صوم التمتع.
قال [[الرافعي]: وفي تعليق] بعض المراوزة وجه آخر؛ تفريعاً على قول العراقيين، وهو: أن الصوم المعدول إليه صوم فدية للأذى.
وقد حكى القاضي ابن كج وجهاً آخر: أن هذا الدم دم تخيير وتعديل كجزاء الصيد.
قال: ومن ترك سنة، لم يلزمه شيء كالسنن في غيره، والله سبحانه وتعالى أعلم.
باب الفوات والإحصار
هذا الباب مترجم [بباب] الفوات والإحصار، والمراد بالفوات هاهنا فوات الحج، لأمرين:
أحدهما: قوله من بعد: "ومن فاته الوقوف بعرفة".
والثاني: أن العمرة إذا كانت مفردة لا يتطرق إليها فوات؛ لأن وقتها غير محصور.
نعم: إذا أحرم بها وبالحج قارناً، فقد تفوت تبعاً لفوات الحج، كما سنذكره.
والمراد بالإحصار: الإحصار عما بقي على المحرم من أركان ما أحرم به من وقوف، أو طواف، أو سعي، أو جميع ذلك.
قال البندنيجي: ويقال في اللغة: أحصره المرض، بلا خلاف بينهم.
وأما العدو فمنهم من قال: "حصره العدو" لا غير.
وعلى ذلك ينطبق قول الأزهري: قال أهل اللغة [إنه] يقلا لمن منعه خوف أو مضر من التصرف: أحصره؛ فهو محصر، ولمن حبس حصر وهو محصور.
وقد حكى الجوهري وابن السكيت ذلك أيضاً، وحكاه الواحدي عن نقل الزجاج عن أهل اللغة.
وعن الفراء أنه يقال أحصره العدو، وحصره، لغتان؛ كذا حكاه البندنيجي.
وحكاية الأزهري عنه أنه قال: يجوز [أحصره، وحصره]، في النوعين.
وعن الواحدي: أنه حكي عن الزجاج: أنه قال في موضع آخر: ويغلب: أحصر، وحصر؛ لغتان.
قال الأزهري: والأول كلام العرب، والله أعلم.
قال: ومن فاته الوقوف بعرفة أي: بعذر، أو بغير عذر حتى طلع عليه الفجر من يوم النحر، فقد فاته الحج، لما روى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أدرك عرفة ليلاً، فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفة ليلاً، فقد فاته الحج، فليهل بالعمرة، وعليه الحج من قابل".
ولأن الوقوف ركن لا يتم الحج إلا به، وهو مقيد بهذا الوقت؛ فيفوت بفواته؛ كالجمعة.
قال: وتحلل بأفعال عمرة، وهي الطواف، والسعي، [والحلق]، للخبر؛ فإن معناه: فليأت بعمل عمرة.
وقد روي أن هبار بن الأسود أتى عمر بن الخطاب يوم النحر بمنى فقال: يا أمير المؤمنين، إني أخطأت العدد، وظننت اليوم يوم عرفة، فما تأمرني به؟ فقال له عمر: "امض أنت ومن معك إلى مكة، فطف، واسع، وانحر ما استيسر من الهدي، فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعت، وعليك القضاء من قابل".
وقد روي أن أبا أيوب الأنصاري فاته الوقوف بعرفة فقال له عمر: "اصنع ما يصنع المعتمر، فإذا أدركك الحج من قابل، فاهد ما استيسر من الهدي، وعليك الحج من قابل".
وروي مثل ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، ولا يعرف لهم
مخالف [من الصحابة] وقد اقتضى ما ذكرناه من الخبر إيجاب التحلل في الحال، وكلام الشيخ يفهمه أيضاً، ولأجل ذلك قال الماوردي: لو أراد استدامة إحرامه إلى العام الثاني، لم يجز؛ لأنه يصير محرماً بالحج في غير أشهره، والبقاء على الإحرام في غير أشهره كابتداء الإحرام بالحج في غير أشهره.
وذِكْرُ الشيخ الحَلْقَ في هذا المقام تَفريعُ على الصحيح في أنه نسك.
أما إذا قلنا: إنه استباحة محظور، تحلل بالطواف، والسعي، لا غير كما تقدم؛ قاله البندنيجي، والماوردي وغيرهما.
قال ابن الصباغ: وعلى هذا يجوز أن يحلق قبل الطواف؛ لأنه تحلل بفوات الرمي، ومعنى هذا ما حكاه في "البحر" عن ابن المرزبان: أن الفائت حجه بمنزلة من تحلل [التحلل] الأول؛ لأنه لما فات الوقوف، سقط عنه الرمي؛ فيصير بمنزلة من رمى، فإن جامع لم يفسد إحرامه، وإن تطيب أو لبس، لم تلزمه الفدية.
وكما يسقط الرمي بالفوات، يسقط عنه المبيت.
وقال المزني: لا يسقط؛ كما لا يسقط الطواف، والسعي؛ [وقال: إن ذلك قياس مذهب الشافعي- رضي الله عنه- لأنه يأتي بالطواف والسعي] وهو بعدُ في الحج، ولا يقع ذلك عن عمرته؛ فكان كما لو أفسد الحج.
قال الرافعي: وقد ذكر أن الإصطخري مال إليه، والأصحاب على مخالفته؛ لأن ذلك من توابع الوقوف؛ بدليل عدم وجوبه في العمرة؛ فوجب أن يفوت بفوات الوقوف.
[قال الماوردي: ونظمه قياساً: أنه نسك عرى عن الوقوف] فوجب أن يسقط فيه الرمي، والمبيت، كالعمرة.
قال ابن الصباغ: وهذا معنى ضعيف؛ لأنه [لا] دلالة له على سقوط [ذلك لسقوط] الوقوف في العمرة، وأثر عمر أولى، وأشار بذلك إلى أن عمر، ومن ذكر
معه رضي الله عنهم لم يأمروا بالرمي والمبيت، ولو كان واجباً لذكروه.
وقد ذكر في المسالة قول آخر: أنه يكفيه في التحلل هنا الطواف وحده؛ لأن السعي ليس من أسباب التحلل؛ ألا ترى أنه لو سعى مع طواف القدوم، أجزأه، ولو كان من أسباب التحلل، لم يجز تقدمه على الوقوف.
قال القاضي الحسين: وهذا ظاهر قوله في "حرملة"، و"الإملاء": "إذا فات الحج، أمرناه بأن يطوف بالبيت، وأُحبُّ أن يسعى" قال: والقائل بهذا لا يفصل بين أن يكون قد سعى عقيب طواف القدوم أو لم يسع.
وقال الإمام: إن القائل به يوجب مع الطواف الحلق؛ إذا قلنا: إن الحلق نسك، كما ذكره الصيدلاني وغيره؛ لأنه مختص باقتضاء التحلل إذا جعلناه نسكاً، وهو ما حكاه في ["البحر" عن رواية القفال عن القديم.
لكن الذي حكاه في] "المختصر" ما ذكره الشيخ، وبه أخذ بعض الأصحاب.
وعلى هذا إذا كان قد سعى مع طواف القدوم، لا يحسب له ذلك؛ لأنه بطل بالفوات.
ومنهم من أبقى النصين على حالهما، ولم يثبت في المسألة قولين، وقال: ما ذكره في "الإملاء" و"حرملة" محمول على ما إذا كان قد سعى مع القدوم.
ونصه في "المختصر" [محمول] على ما إذا لم يكن قد سعى مع القدوم.
وهذه الطريقة هي الموافقة لما في "الحاوي".
وقد تقدم في كلام المزني: أن ما أتى به من الطواف والسعي لا يعتد به عن عمرة الإسلام، وهو الصحيح، لأنه لا ينقلب عمرة، وإنما هو شبيه بها، وهو نصه هنا، واستدل له بأنه أحرم بأحد النسكين، وصح منه؛ فلم ينقلب إلى النسك الآخر؛ كما لو أحرم بالعمرة؛ [فإنه لا ينقلب إلى الحج.
وقولنا: "وصح منه" احترزنا به عمن أحرم بالحج] في غير أشهره؛ فإنه ينعقد عمرة؛ لأن إحرامه بالحج قبل أشهره لا يصح.
وقد ذهب بعض أصحابنا كما حكاه القاضي الحسين وغيره إلى أن ذلك ينقلب عمره ويجزئه عن عمرة الإسلام [أخذاً من قول الشافعي- رضي الله عنه- فيما إذا فات القارن الحج: "إن ما أتى به يجزئه عن عمرة الإسلام].