كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قلنا بأنه يعتبر حكم الأكثر ففي هذه الحالة وجهان:
أحدهما: ما ذكره الشيخ، وهو الذي جزم به في "الوجيز" وقال الرافعي: إنه الأصح.
والثاني: أنه يجب العشر ترجيحاً لجانب الفقراء، وهو ما جزم به الفوراني والمسعودي.
[قال]: وإن سقي بأحدهما أكثر ففيه قولان:
أحدهما: يعتبر فيه حكم الأكثر؛ لأن للكثرة تأثيراً في الترجيح كما تقدم في المواشي، وهذا ما اختاره في "المرشد".
والثاني: يجب في الجميع بالقسط لأنه القياس، ولأن ما تجب الزكاة فيه بالقسط عند التماثل تجب فيه بالقسط عند التفاضل؛ كزكاة الفطر في العبد المشترك، وهذا ما صححه النووي وغيره؛ وقال الشافعي: إنه أقيس من الأول.
وقد اقتضى كلام الشيخ أن النظر في التساوي والتفاضل إلى السقي لا إلى نفعه لكن هل النظر إلى تعدد السقيات، أو إلى الزمن الذي وقع فيه السقي؟ لم يتعرض له.
وقد حكى القاضي الحسين فيه وجهين:
أحدهما: أن النظر إلى تعدد السقيات وكثرتها، ولا نظر إلى طول الزمان وقصره.
فإذا سقي بماء السماء أربع مرات ومرتين بالنضح؛ فعليه خمسة أسداس العشر، فنضرب ستة في عشرة فيكون ستين، وهذا ما حكاه في "المهذب" والقاضي أبو الطيب، والماوردي.
والثاني: أن النظر إلى الزمان بأن سقي ستة أشهر بماء السماء وشهرين بماء النضح فعليه سبعة أثمان العشر فنضرب ثمانية في عشرة فهي ثمانون.
وحكى الإمام بدل الوجه الثاني: أن الاعتبار بما به ينمو الزرع والثمر وبقاؤه، فإن جرت ثلاث سقيات في شهرين، وسقية واحدة في أربعة أشهر؛ فالذي وقع في الأربعة أشهر أغلب.
قال: وعبر بعض أئمتنا بعبارة أخرى وهي قريبة مما ذكرناه آخراً فقال: النظر إلى النفع؛ فإن كان نفع سقية واحدة أكثر وكانت أنجع من سقيات من جهة أخرى فالعبرة بالنفع.
قال: وهذا ينفصل عن الذي قبله بشيء وهو أن الفاعل قبل هذا القول يعتبر المدة كما ذكرنا في الشهرين والأشهر، وهذا القائل الأخير لا ينظر إلى المدة، وإنما ينظر إلى النفع الذي يحكم به أهل الخبرة والبصيرة.
قال الرافعي: واعتبار المدة هو الذي ذكره الأكثرون على الوجه الثاني.
قلت: وإذا جمعت بين ما حكاه القاضي والإمام جاءك في المسألة أربعة أوجه، والأوفق لظاهر النص اعتبار ما يعيش الزرع به وينمو كما قال الرافعي.
ولا شك أن النظر إلى السقيات المفيدة دون ما لا يفيد أو يضر على الأوجه كلها، وهذا كله إذا كان النابت مما يسقى عادة بماء السماء أو النضح، فلو كانت العادة سقيه بأحدهما كما إذا كان الزرع أو النخل منشأ على السيح أو النهر أو ماء السماء فمست الحاجة إلى النضح على ندرة الانقطاع، أو كان منشا على النضح فجاء السيل وسقاه فهل يكون الحكم كما تقدم؟ أو ينظر إلى ما جرت العادة به؟ وهو ما وقع ابتداء الأمر عليه؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين وغيره، وقال الإمام: إن الصحيح هو الأول، والثاني ضعيف لا أصل له، نعم لو كان التعويل على السيح، فجرى السقي بالنضح وقل قدره فقد يشبه ذلك بالعلف إذا جرى في بعض السنة حتى يقال: لا يسقط حكم السوم ولكن بين الأصلين فرق، وهو: أنه إذا جرى العلف في نصف السنة، والسوم في نصف السنة؛ فالمذهب المتبع.
سقوط السوم بالكلية، وفي النضح والسيل لا نقول هكذا، والسبب فيه: أن في السيح والنضح الزكاة، وإنما الكلام في المقدار فاتجه التوزيع أو التغليب، والعلف موجبه إسقاط الزكاة على أنه كان من الممكن أن يسقط [نصف الزكاة] ويجب نصفها نظراً إلى السوم والعلف ولكن لم يصر إلى هذا أحد.
قال: وإن جهل المقدار، أي: فلم يعلم مقدار ما شربه من كل منهما هل هو النصف أو أحدهما أكثر؟ جعل [بينهما] نصفين؛ إذ لا مرجح فوجب
التساوي؛ كدار في يد رجلين تنازعاها.
وهذا ما حكاه البندنيجي عن ابن سريج، وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب وابن الصباغ من غير عَزْو، والإمام عزاه إلى ابن سريج كغيره، وقال: لا وجه غيره، وإن على هذا يكون الحكم كما لو تحققنا سقيه بهما نصفين، وقد تقدم.
وفي الحاوي: أن ابن سريج قال: يجب عليه ثلاثة أرباع الشعر وأن غيره قال: يأخذ زيادة على نصف العشر بشيء وإن قل وهو قدر اليقين ويتوقف عن الثاني حتى يستبين، اعتباراً ببراءة الذمة وإسقاطاً لحكم الشك.
أما إذا علمنا أن أحدهما أكثر وجهلنا عينه؛ قال في "الحاوي": فإن قلنا بمراعاة الأغلب ففيه نصف العشر، وإن قلنا باعتبار القسط كنا على يقين من قدر الواجب غير أنا نعلم أنه ينقص عن العشر ويزيد على نصف العشر فنأخذ قدر اليقين ونتوقف عن الثاني حتى يستبين.
فرع: إذا اختلف الساعي ورب المال فقال الساعي: سقيته بالسيح فالواجب العشر، وقال رب الملا: سقيته بالنضح فالواجب نصف العشر- فالقول: قول رب المال مع يمينه وهي استحباب؛ لأن دعواه لا تخالف الظاهر، فإن امتنع من اليمين لم يجب عليه إلا ما قاله.
قال: ويجب فيما زاد [على النصاب] بحسابه؛ لقوله- عليه السلام-: "فيما سقت السماء العشر .. " الخبر فاقتضى عمومه وجوب العشر فيما قل وكثر، فلما استثنى منه ما دون خمسة أوسق بقي ما زاد عليها على عموم الخبر.
ولأن ذلك يتجزأ من غير ضرر؛ فأشبه الأثمان.
قال الماوردي، والقاضي الحسين: هذا إجماع لا خلاف فيه.
ولو كانت الثمار أنواعاً نظرت:
فإن كانت قليلة وفي كل نوع متسع أخذ من كل نوع بقسطه على صفته في جودته ورداءته وقيل: يجب في النوع الغالب عنده كما قيل بمثله في الماشية، والأول هو المشهور، والفرق: أن التشقيص في الحيوان محذور بخلاف الثمار؛ ألا ترى أن في المواشي إذا قلنا بالتقسيط فإنا نعتبر فيها الأنواع ونأخذ ما يقتضيه
التوزيع ولا يؤخذ البعض من هذا والبعض من ذاك، وهاهنا بخلافه.
وإن كانت كثيرة وقل مقدار كل نوع منها فثلاثة أوجه عن صاحب "الإفصاح":
أصحها- وهو الذي جزم به البغوي وغيره-: [أن الواجب من الوسط لا من الجيد ولا من الرديء؛ رعاية للجانبين].
والثاني: أن الواجب من كل نوع بالقسط كما إذا قلت الأنواع.
والثالث: أنه يجب من الغالب، وعن ابن كج حكاية طريقة قاطعة به.
قال الرافعي: لو تحمل العشر وأخرج من كل نوع بالقسط- جاز ووجب على الساعي قبوله.
قال: ويجب إخراج الواجب من التمر يابساً؛ لقول عتاب بن أسيد: "أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخرص العنب كما يخرص النَّخل، وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ صدقة النخل تمراً" أخرجه الترمذي.
فلو أخرج من الرطب قدراً يكون إذا جف قدر الواجب لم يجزئه؛ لأنه بدل، والبدل لا يجوز في الزكاة من غير ضرورة، وعلى هذا إن كان باقياً رده الساعي إليه وإن كان تالفاً رد قيمته على المذهب في"المهذب" وغيره، وقيل: يرد المثل، وهذا الخلاف مبني على أن الرطب والعنب مثليان أم لا؟ وسيأتي الكلام فيه في الغصب، ولو لم يرده الساعي عند بقائه حتى جف، فإن بلغ قدر الزكاة أجزأه، وإن نقص طلب الفضل، وإن زاد رد الفاضل؛ كذا قاله الماوردي وحكي عن العراقيين.
قال الرافعي: والأولى وجه ذكره ابن كج وهو: أنه لا يجزئ بحال لفساد القبض من أصله.
وسأذكر في باب زكاة المعدن ما يقتضي تخريج وجه آخر في المسألة فليطلب منه.
قال: ومن الحب مصف؛ لأن الواجب عشره، أو نصف عشره، ولا يمكن إخراجه قبلها للجهل بالمقدار فتعين إخراجه بعدها؛ إذ بها يمكن التسليم الواجب، ولا تحسب أجرة التصفية على أهل السهمان من العشر أو نصفه؛ لأن ذلك ينقصه والشرع قد أوجب إيتاءه بقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] وقال ابن عباس: حقه العشر، ونصف العشر.
ولا يستثنى مما ذكره الشيخ- كما قال الماوردي- إلا العلس؛ فإن الشافعي قال: أخيِّرُ ربَّهُ بين أن يعطى من كل عشرة أوسق منه وسقا؛ لأنه بهذه القشرة أبقى، وبين أن يخرجه من هذه القشرة وآخذ من كل خمسة أوسق العشر؟
قلت: وينبغي أن يستثنى الأرز- أيضاً- حيث اعتبرنا في نصابه ما اعتبرناه في العلس.
قال: فإن احتيج إلى قطعه أي: إلى قطع الثمر؛ للخوف من العطش، أي: على الأشجار بأن قال أهل الخبرة: إنه متى تركت الثمرة على النخل أو الكرم أضرت به؛ لأنها تمص قلب النخلة وتشرب ماء جمارها أي: وكذا تمص ماء العنب، ولا يجيء من ذلك إلا قطع الجميع.
قال: أوكان رطباً لا يجيء منه تمر أي أصلاً أو يجيء لكنه قليل النفع؛ لرقة لحمه، أو عنباً لا يجيء منه زبيب، أي: أصلاً أو محتفلاً به- أخذ الزكاة من رطبه.
هذا الفصل ينظم مسألتين لاستوائهما في الأحكام- كما قال البندنيجي وغيره- حرفاً بحرف:
فالمسألة الأولى: ما احتاج إلى قطعه للخوف من العطش- كما فسرناه- يجب فيه الزكاة إذا بدا فيه صلاحه ويخرجه من رطبه.
ووجه الوجوب: ما تقدم.
ووجه جواز إخراج الزكاة من رطبه: أنها وجبت [مواساة] ولا يليق تكليف المواسي بما يهلك ماله.
ولأن ذلك وإن أضر بأهل السهمان في هذه السنة فهو أحظ لهم فيما بعد؛
لأن الأشجار إذا بقيت تكرر حقهم في كل سنة.
ولو احتاج إلى قطع البعض خاصة كما إذا قال أهل الخبرة: إنه يكفي قطع البعض في إزالة الضرر- كان الحكم في ذلك البعض كالحكم في الكل، ولا يجوز قطع الجميع في هذه الحالة من غير أن يخرص عليه ويضمن نصيب الفقراء فيما لا يحتاج إلى قطعه.
فإن قيل: قد قال الشافعي: وإن أصاب حائطه عطش فعلم أن ترك الثمرة أضر بالنخل كان له قطعها، ويؤخذ ثمن عشرها أو عشرها مقطوعة.
وهذا يقتضي تخيير الساعي في المخرج والشيخ قد جزم بأخذ الزكاة من رطبه.
قلنا: أما التخيير فقد قال به بعض المراوزة إجراء للفظ على ظاهره، وقال: يتعين على الساعي فعل ما يراه أنفع للمساكين سواء قلنا: إن القسمة بيع أو إفراز نصيب، فإن رأى المصلحة في أخذ العشر- إذا كان هو الواجب- أخذه، وإن رأى المصلحة في بيع ذلك منه فعل.
والصحيح في "التهذيب" وغيره وبه جزم العراقيون: أنه لا يتخير في ذلك، وهؤلاء اختلفوا في كلام الشافعي:
فمنهم من قال: مراده بأخذ العشر إن كانت الثمرة باقية وثمن العشر إن كانت تالفة، والشافعي يعبر بالثمن عن القيمة، وهذا ما ذكره ابن الصباغ وهو أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما الماوردي، والثاني منهما: هو ما حكيناه عن بعض المراوزة.
ومنهم من قال: هذا من الشافعي تعليق للقول على أن القسمة إفراز حق أو بيع كما سنذكره.
والمسألة الثانية: الرطب الذي لا يجيء منه تمر والعنب الذي لا يجيء منه زبيب- تجب فيه الزكاة وإن كان كالخضراوات في كونه لا يدخر؛ لعموم قوله- عليه السلام-: "وفيما سقت السماء العشر .. " الخبر.
والفرق بينه وبين الخضراوات: أنه من جنس ما يدخر فألحق بها، وقد تقدم الكلام في كيفية توسيقه.
ثم في كيفية أخذ الزكاة من الرطب في المسألتين اختلاف نص؛ فإنه قال في موضع: "يجوز أخذ ذلك كيلا ووزناً"، وقال في آخر: "لا يجوز".
وقال الأصحاب: واختلاف جوابه مفرع على أن القسمة بيع أو إفراز نصيب؟ وفيها قولان:
القديم- كما قال القاضي الحسين هنا-: إفراز، وهو المختار في "المرشد"، فإن قلنا به جاز أخذها بعد القطع كيلا ووزناً كما نص عليه، ويجوز أن يخرصها بالخرص على رؤوس الشجر فيجعل الواجب في نخلة أو نخلات أو كرمة أو أكثر [منها] وللساعي أن يفعل فيها ما يراه [من] مصلحة من بيعها وقسمة ثمنها، أو قسمتها.
وإن قلنا: إن القسمة بيع لم يجز أخذ الزكاة بالكيل والوزن إذا كانت الثمرة مقطوعة؛ لأن ذلك بيع رطب برطب وهو لا يجوز حذارا من الربا، وهو الذي فرع عليه الشافعي حيث قال: لا يجوز، [كما] تقدم ذكره.
وإذا لم يجز إخراجها بالكيل والوزن- تفريعاً على هذا- لم يجز إخراجها بالخرص على رؤوس الشجر من طريق الأولى، فعلى هذا: يسلم رب المال الثمرة كلها إلى الساعي ليحصل قبض الزكاة مشاعاً سواء كانت على وجه الأرض أو على رؤوس الشجر ليستقر ملك أهل السهمان عليها إذ لرب المال دفعها من أي موضع أراد، وإن قلنا: إن الزكاة تجب في العين وبعد التسليم لا يبقى له ذلك.
ثم الساعي يفعل ما يراه أحظ لأهل السهمان من بيعها وقسمة الثمن على الأصناف.
وقال القاضي الحسين: يجوز أن يكون في جواز أخذ الزكاة بالكيل والوزن من الذي لا يجيء منه تمر وزبيب وجهان على قولنا: إن القسمة بيع، بناء على وجهين مذكورين في جواز بيع الرطب الذي لا يتتمر بمثله.
إن قلنا: يجوز أخذ الزكاة بالكيل وإلا فلا يجوز، وقد صرح بهما الإمام.
قلت: ولا يمكن جريانهما في الثمرة المقطوعة خوفاً من العطش؛ لأن ذلك لا يجوز بيع بعضه ببعض بلا خلاف؛ لأنه له حالة كمال، ومن هنا يظهر لك أن قول من قال: الحكم في المسألتين اللتين اشتمل عليهما الفصل واحد- كما تقدم- غير مجرى على إطلاقه.
وقد حكى عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة أنهما قالا: لا يجوز دفعهما بالكيل والوزن في المسألتين، وإن قلنا: إن القسمة بيع؛ لأن المغلب على هذا الاستيفاء لا المعاوضة؛ ولهذا يجوز أن يعطي الساعي من الثمرة أكثر مما يجب عليه.
ووجهه صاحب "التقريب": بأن الربا يتعلق بالبياعات المحققة، وهذا وإغن كان بيعاً فهو تصرف من الإمام لأقوام غير معينين فلا تعتبر فيه مضايق الربا.
والذي صححه القاضي أبو الطيب وغيره: المنع، قال: وما قاله أبو إسحاق يبطل بما إذا أراد إخراجها على رؤوس النخل خرصاً، فإنه لا يجوز عنده حذارا مما ذكرناه، ولا يقال: إنه إنما منع [ذلك] لأنه لا يتحقق استيفاء الحق بالخرص، وما هنا قد يتحقق بالكيل والوزن؛ لأنه ممن أجاز ذلك على قولنا: إن القسمة إفراز نصيب، وأيضاً: فهو مانع من ذلك وإن تحقق أخذ الحق؛ كما إذا أسلم رب المال ما على رؤوس الشجر ما يعلم أنه أكثر من الحق.
ثم هذا كله تفريع على الجديد في أن الفقراء قد ملكوا قدراً من المال قدر الفرض، أما إذا قلنا بخلافه فلا مانع من أخذه كيلا ووزناً وعلى رؤوس النخل أشار إلى ذلك تعليل الأصحاب، وعليه نبه الإمام.
واعلم أن العراقيين قالوا: لا يجوز لرب المال في حال الخوف على الأشجار من العطش أن ينفرد بالقطع دون حضور الساعي؛ لأنه نائب عن شركائه، فإن قطع بغير حضرته عزر إن كان عالماً بالتحريم، وعن الصيدلاني وصاحب "التهذيب" وطائفة: أنه يستحب لرب المال استئذان الساعي إن أراد القطع، قال الرافعي: وقضيته جواز الاستقلال به.
ويجوز أن يكون هذا الخلاف مبنياً على
الخلاف في وجه تعلق الزكاة، وعلى كل حال فلا يضمن ما نقص من قيمة التمر والزبيب، ويأخذ منه عشر المقطوع، ولا يخرص عليه، وهذا بخلاف ما إذا قطعها من غير عطش ولا تخريص فإن الواجب عليه التمر، والفرق: أنه في حالة عدم الخوف يجب عليه التبقية إلى إدراكها [بخلاف ما هنا].
ولو أتلفت هذه الثمرة، قال القاضي الحسين: فالواجب عليه هاهنا عشر القيمة، لا يختلف القول فيه هاهنا والله أعلم.
قال: وإن أراد صاحب المال أن يتصرف في الثمرة، أي: التي تبقى إلى أوان الجداد، قبل الجفاف وبعد بدو الصلاح- خرص عليه أي: جميعها، وضمن نصيب الفقراء ثم يتصرف؛ لما روى الشافعي بسنده عن عتاب بن أسيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في زكاة الكرم: "يخرص كما يخرص النخل، ثم تؤدي زكاته زبيباً كما تؤدى زكاة النخل تمراً".
قال الرافعي: وقد روى في آخره: "ثم يخلى بينه وبينه".
قال الأصحاب: والحكمة فيه طلب الرفق بأرباب الأموال بالتصرف في ثمارهم والرفق بالفقراء في حفظ حقوقهم وخالف الزروع الثمار في هذا المعنى، لأنه لا يمكن الوقوف عليها لاستتارها، ولأن الحبوب لا ينتفع بها أصحابها إلا إذا يبست وصفيت وذلك الوقت الذي تؤدى زكاتها فيه فلا كبير فائدة في خرصها، وأما الثمار فقد ينتفع بها ربها وهي بسر ورطب وعنب قبل أن تصير تمراً وزبيباً، فجاز تقدم خرصها لينتفع بها في الحالة الأولى إن شاء.
وقد حكى الغزالي عن القديم: أنه يترك لرب النخيل نخلة أو نخلات يأكل
ثمارها هو وأهله ويعزى ذلك إلى رواية صاحب التقريب، وأن ذلك يختلف باختلاف حال الرجل في قلة عياله وكثرتهم ويكون ذلك في مقابلة قيامه بتربية الثمار إلى الجداد وتعبه في التجفيف.
وفي "البحر" حكاية ذلك وجهاً عن بعض الأصحاب؛ لأنه حكى عن الشافعي أنه ذكر خبر سهل بن أبي حثمة الذي أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا فقال: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثُّلث، فإن لم تدعو الثُّلث فدعوا الرُّبع".
وقال في "الأم" في آخر بيع العرايا: تأويله أنه يدع لرب الحائط وأهله من الثمر [قدر ما يأكلون]، ولا يخرصه ليؤدي زكاته.
وقال في بعض كتبه: تأويله: يدع ثلث الزكاة أو ربعها عند رب المال ليتولى تفريقها بنفسه على فقراء أقربائه وجيرانه.
قال: وهل يفعل ذلك في وقتنا؟ فيه وجهان.
قلت: فثبت من ذلك أن كونه يدع له ولأهله [قدر ما يأكلون]، وجه للأصحاب،
وهو يقتضي ترك الجميع له إذا احتاج هو وأهله إلى أكله وقد رأيته هكذا في "حواشي السنن" للشيخ زكي الدين رحمه الله.
وقد نسب القاضي أبو الطيب وابن الصباغ التأويل الثاني في الخبر إلى بعض الأصحاب، وقالا: إن بعض الأصحاب قال: تأويله: ألا يرضى ربُّ المال بالخرص وألا يسلم الثمرة للساعي بالخرص على أن يضمن له حقه منها تمراً أو زبيبا و [إن] أراد التصرف فإن الساعي يترك له ثلث الثمرة أو ربعها يتصرف فيه على اختياره، فإذا صار ما عدا ذلك تمراً أو زبيباً خرصه وأضاف إليه ثلثه أو ربعه الذي تركه لرب الثمرة حتى تصرف فيه ثم يقبض زكاة الجميع.
قال ابن الصباغ: والأول منهما أولى.
وقال الماوردي: إن الثاني منهما قاله في القديم.
وإذا جمعت بين ذلك كانت التأويلات الثلاثة محكية عن الشافعي، ويجيء وجه في اعتماد مثلها في زماننا، أما إذا لم يرد صاحب المال التصرف في الثمرة فمفهوم كلام الشيخ أنها لا تخرص عليه.
وقد قال الأصحاب: إن الثمار إذا بدا صلاحها أو بدا في بعضها بعث الإمام الساعي ليخرص الثمار على أربابها، فإن اختاروا التصرف ضمنها لهم وأطلق تصرفهم فيها وإن لم يريدوا ذلك وأراد أن يأخذها بخرصها ويرد على ربها الفاضل على قدر الزكاة تمراً أو زبيباً عند جفافها ورضي بذلك ربها- فعل وإن لم يرض بواحد منهما تركها في يده أمانة على وقت وجوب إخراجها، ولا يملك التصرف فيها؛ قاله أبو الطيب وغيره، فإن تصرف فيها فسيأتي حكمه فإن أتلفها ضمنها بمكيلتها تمراً جافاً.
وحكى الماوردي وجهاً آخر: أنه يطالب بأكثر الأمرين من قيمتها [رطباً] أو مكيلتها تمراً جافاً؛ لأن لهم أوفر الحظين من الرطب أو التمر كمن أتلف أضحية معينة نذرها.
والتخريص عند عدم إرادة التصرف مستحب لا واجب.
وعن الصيمري: أنه حكى وجهاً أنه واجب.
والخرص: حزر ما على النخل والكرم من الرطب والعنب تمراً وزبيباً وهو مصدر: خرص يخرص، بضم الراء وكسرها.
والضمان، [قال البندنيجي]: اختلف أصحابنا في معناه:
فقال أبو العباس- يعني ابن سريج؛ كما صرح به في "البحر"-:
إن قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة كان معناه: فك الثمرة من الرهن ليستفيد رب المال بالتصرف وإن قلنا: إنها تجب في العين فيملك الفقراء قدر القرض منها كان معنى الضمان أن يقال: أقرضناك هذا الرطب بما يجيء منه تمراً، وجاز هذا القرض لموضع الحاجة.
وقال الشيخ- يعني أبا حامد كما قال في "البحر"-: أجود من هذا عندي أن يقال له: خذ هذا بكذا وكذا تمراً فإن لرب المال أن يعطي العشر من عينها أو مثله من غيرها تمراً، فإذا قال: خذه بما يجيء تمراً فقد أعطاه معنى الزكاة وموجبها.
قلت: وهذا يقتضي أنه لابد بعد الخرص من لفظ يصدر من الساعي يحصل به الضمان، وقول ابن سريج يقتضي أنه لابد من رضا رب المال بذلك؛ لأن القرض لابد فيه من رضا المقترض، وقد صرح بذلك البغوي حيث قال: والخرص [تضمين في أصح] القولين فبعد الخرص يقول الخارص لرب المال: ضمنتك نصيب الفقراء من الرطب ليعطي مكيلته خرصاً ويقبله رب المال.
وهو قضية ما حكيناه من قبل عن أبي الطيب وغيره.
وقال الشيخ أبو حامد وغيره من أهل الفريقين: ولا يستقر الضمان عليه إلا بعد التصرف أو الإتلاف حتى لو تلفت أو نقصت في يده من غير تفريط لا يضمن ذلك، ويدل عليه قوله في "المختصر" بعد الكلام في الخرص: ثم يخلي بين أهله وبينه فإذا صار تمراً أو زبيباً أخذ العشر على خرصه، فإن ذكر أهله أنه أصابته جائحة أذهبته أو شيئاً منه صدقوا فإن اتهموا حلفوا.
وقال الإمام: لو قيل: تسليطه على التصرف في حق المساكين يلزمه الضمان وإن تلف وكأنه قبض حقهم والتزم في ذمته التمر [التزام] قرار- فهو احتمال معنوي، ولكن الذي قطع به الأصحاب: سقوط الضمان بالجائحة، وحينئذ يكون المستفاد بالخرص تسليط الساعي على التضمين، وبالتضمين تسليط رب المال على التصرف فيجميع الثمرة بالأكل وغيره إذ لا يجوز قبله بلا خلاف عند العراقيين ولو فعله مع العلم بالتحريم [غرمه] الساعي كما صرح به ابن الصباغ وغيره، ويستفيد بالتصرف استقرار الضمان، كذا أشار إليه أبو حامد، والماوردي وقال: إن المال لو كان لمحجور عليه لصباً أو جنون أو سفه فالعبرة بضمان وليه دونه.
وحكى المراوزة، في أن نفس الخرص هل يكون عبرة مجردة أو تضميناً، قولين:
أحدهما: أنه عبرة، أي: يفيد الاطلاع على المقدار ظناً وحسباناً، ولا يعتبر حكماً، بل الحكم بعده كالحكم قبله؛ لأنه ظن وتخمين.
ولا فرق على هذا بين أن يصرح الخارص بعده بالتضمين صريحاً والضمان من صاحب الثمار قولاً، أولاً.
وعن بعض الأصحاب: أنه إذا جرى ذكر الضمان صريحاً بأن قال الخارص: ألزمتك حصة المساكين تمراً جافاً كان الخرص يتضمن التضمين ويكون الحكم كما سنذكره تفريعاً على قول التضمين، وإن فقد التصريح بالتضمين فهو عبرة لا غير.
والقول الثاني: أن الخرص تضمين؛ لأنه معيار شرعي فأشبه ما لو كال عليه بالمكيال [وكلام هذا القائل مصرح بعدم اعتبار قبول رب المال في التضمين.
ومن العجب أن الإمام حكى القول كما ذكرناه ثم قال: والذي أراه أنه يكفي تضمين الخارص ولا يشترط قبول المخروص عليه فجعل ذلك احتمالاً له على هذا الوجه]؛ لأنه معيار شرعي فأشبه ما لو كال عليه بالمكيال، والدليل على أنه معيار شرعي جواز بيع التمر بالرطب على رؤوس النخل خرصاً فيما دون
خمسة أوسق.
وهذا ما صححه في "التهذيب".
وفرعوا على القولين فقالوا: إن قلنا بالأول وجب عليه إذا أتلفها بعد الخرص قيمة العشر من الرطب، كما لو أتلفها أجنبي تفريعاً على الصحيح في أن الرطب لا مثل له.
وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه آخر: أنه يضمن أكثر الأمرين من مكيلته تمراً جافاً أو قيمة العشر، كما أتلفه، وهو ما [حكيناه من رواية] الماوردي من قبل.
قال الإمام: وهو غريب لا أصل له، ولو أتلفها قبل الخرص لم يضمن إلا قيمة العشر من الرطب وحرام عليه قبل الخرص وبعده التصرف في الثمرة والأكل منها إلا في قدر ما يفضل وهو تسعة أعشارها كذا قال البغوي والإمام عن الأصحاب وأبدى فيه شيئاً سنذكره.
وقال القاضي الحسين- بعد حكاية ذلك-: وعندي: أنه لا يجوز له التصرف في تسعة أعشارها؛ لأن الملك المشترك لا يجوز لأحد الشريكين التصرف فيه دون إذن صاحبه، وإن قلنا بالثاني ثبت حق المساكين في ذمته بعد الخرص، وله أن يتصرف في جميع الثمرة بما يشاء ثم يغرم عشرها تمراً للمساكين وكذا إذا أتلفها.
نعم، لو أتلفها قبل الخرص [هل] يضمن العشر تمراً أو يضمن عشر قيمة الرطب؟ فيه طريقان:
إحداهما- حكاها في "التتمة"-: القطع الثاني.
والثانية: فيها وجهان حكاهما القاضي الحسين وغيره عن القفال:
أحدهما: يضمن التمر؛ لأنه منع الخرص فصار كما لو خرص عليه ثم أتلفه.
والثاني: يضمن عشر قيمة الرطب؛ لأنه إنما ثبت التمر في ذمته بالخرص ولم يخرص عليه بعد.
وعلى الوجهين لا يجوز التصرف قبل الخرص في الجميع، فإن تصرف فهل ينفذ؟ فيه كلام يأتي، وقد عبر في "الوسيط" عن الوجهين بأن وقت الخرص هل يقوم مقام الخرص في التضمين أم لا؟ وفيه وجهان.
ووقت الخرص- كما قال البغوي وغيره، وعليه نص في "المختصر": بدو الصلاح ولو في ثمرة؛ قالت عائشة- وهي تذكر شأن خيبر-: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه شيءٌ".
قال البغوي: ولا يجوز قبل ذلك، قال: وهل يجوز خرص الكل إذا كان الصلاة قد بدا في نوع دون آخر؟ فيه وجهان.
وعن ابن كج حكاية وجه آخر عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة: أنه يضمن في هذه الحالة أكثر الأمرين من عشر التمر أو عشر الرطب.
وقد حكاه الماوردي- أيضاً- وقال: الصحيح أنه يلزمه التمر.
قال الرافعي: ولك أن تقول: ينبغي أن يكون الواجب ضمان التمر مطلقاً وإن فرعنا على قول العبرة؛ لأن الواجب عليه ببدو الصلاة التمر وإذا وجب لهم التمر، فكيف يصرف إليهم الرطب أو قيمته؟ غايته: أن الواجب متعلق به لكن إتلاف متعلق الحق لا يقتضي انقطاع الحق وانتقاله إلى غرامة المتعلق الأخرى؛ ألا ترى أنه لو ملك خمساً من الإبل؟ فأتلفها بعد الحول يلزمه للمساكين الشاة دون قيمة الإبل، نعم لو قيل: يضمن الرطب ليكون مرهوناً بالتمر الواجب إلى أن
يخرجه كان ذلك مناسباً؛ لقولنا: إن الزكاة تتعلق بالعين تعلق رهن.
قلت: وما قاله من الجزم بإيجاب التمر على كل حال هو ما أورده في "المختصر" حيث قال: "وإن أكل رطبا ضمن عشره تمراً"، ولم يورد القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ غيره؛ لأن رب المال وجب عليه تجفيف هذا الرطب وتمريته، فلهذا ألزمناه عشره تمراً، بخلاف الأجنبي فإنه [لم] يلتزم ذلك وضمان المتلف قد يختلف باختلاف المتلفين؛ ألا ترى أن من وجبت عليه شاة من أربعين، وأتلف الأربعين يلزمه شاة ولو أتلفها أجنبي وجب للفقراء القيمة، ولو أتلف المحرم صيداً مملوكاً ضمنه بالجزاء والقيمة، وغيره يضمنه بالقيمة فقط، ولو عين أضحية وأتلفها ضمنها بأكثر الأمرين، ولو أتلفها غيره ضمن القيمة فقط، ولو وطئ امرأة بشبهة فعلية مهر المثل، فإن كان من العشيرة خفف عنه، وإن كان من غير العشيرة غلظ عليه؟ قاله البندنيجي وغيرهظ
وأما ما ذكره الرافعي من التوجيه لما ذكره فهو ظاهر على قولنا: إن الزكاة تجب في الذمة دون ما إذا قلنا لا تتعلق بالذمة وتجب في العين؛ فإن فيه نظراً.
ثم هذا كله في الرطب الذي يتتمر كما صدرت الكلام به، أما ما لا يتتمر، أو وجب قطعه خوفاً من العطش فقد تقدم أن الواجب على رب المال إذا أتلفه بدل الرطب بلا خلاف، وتقدم الفرق بينهما.
فروع:
إذا سلمنا الثمرة إلى المالك أمانة أو مضمونة كما قال الماوردي وغيره وادعى هلاكها أو هلاك بعضها فقد حكينا النص فيه.
وقال الأصحاب: إنه ينظر، فإن أسنده إلى سبب كذبه الحس فيه، كما لو قال: هلكت بحريق وقع في الجرين ونحن نعلم أنه لم يقع في البحرين حريق أصلاً فلا يبالي بكلامه وأخذت منه الزكاة كما تقدم، وإن لم يكن كذلك نظر: إن أسنده إلى سبب ظاهر كالنهب والبرد والجراد ونزول العسكر نظر: فإن عرف وقوع هذا السبب وعموم أثره صدق ولا حاجة إلى اليمين، فإن اتهم في هلاك ثماره بذلك
السبب حلف وإن لم يعرف وقوعه فوجهان:
أظهرهما- الذي ذكره المعظم-: أنه يطالب بالبينة عليه.
والثاني: عن الشيخ أبي محمد: أن القول قوله [مع] اليمين؛ كالمودع إذا ادعى الرد.
قال الرافعي: [و] رأيت في كلام الشيخ أبي محمد أن هذا إذا لم يكن ثقة، فإن كان ثقة فيعفى عن اليمين أيضاً.
وفي "الحاوي": أن القول قوله، فإن اتهم أحلفه، وفي اليمين وجهان:
أحدهما: أنها مستحبة، فإن امتنع منها لم تجب.
والثاني: أنها واجبة، فإن امتنع منها أخذت منه بالسبب الأول لا لامتناعه عن اليمين.
وإن اقتصر عند دعوى الهلاك على مجرد دعواه ولم يذكر السبب، فالمفهوم من كلام الأصحاب قبول قوله مع اليمين وإذا زعم أن الخارص أجحف عليه لم يلتفت إلى قوله إلا ببينة، كما لو ادعى الميل على الحاكم والكذب على الشاهد لا يقبل إلا ببينة، وإن ادعى أنه غلط عليه؛ فإن لم يبين المقدار لم يسمع،
قاله الماوردي والبغوي.
وإن بين: فإن كان قدراً يحتمل مثله الغلط كخمسة أوسق في مائة فهل يقبل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لاحتمال أن النقصان وقع في الكيل، ولعله يفي إذا كيل ثانياً وصار كما لو اشترى حنطة مكايلة وباعها مكايلة فانتقص بقدر ما يقع بين الكيلين لا يرجع على الأول.
وأصحهما: نعم؛ لأن الكيل يقين، والخرص تخمين، فالإحالة عليه أولى، وهذا ما أورده الماوردي.
وإن كان ما ادعاه فاحشاً لا يجوز لأهل النظر الغلط بمثله فلا يقبل قوله في حط ذلك القدر، وهل يحط القدر المحتمل؟ فيه وجهان:
أصحهما- وبه قال القفال-: نعم استنباطاً مما إذا ادعت ذات الأقراء انقضاء عدتها قبل زمان الإمكان وكذبناها فأصرت على دعواها حتى جاء زمان الإمكان فإنا نحكم بانقضاء عدتها أول زمان الإمكان.
وهذا ما حكاه الرافعي، وهو في "تعليق" القاضي الحسين وأبدى في مسألة
العدة احتمال وجه آخر: أنا لا نحكم بانقضاء عدتها، وذكر تشبيهاً آخر لمسالة الزكاة، وهو ما إذا ادعى الوكيل البيع بما لا يتغابن الناس بمثله لا يقبل، وهل يحط عنه قدر ما يتغابن بمثله؟ وجهان.
وقال الماوردي فيما إذا ادعى نقصاناً متفاحشاً: إنه ينظر: فإن قال: غلط علي بهذا لا يقبل؛ لأنه نسبه إلى الخيانة والكذب ورام نقض حكم بات بدعوى مجردة، وإن قال: لم آخذ إلا هذا فقوله مقبول؛ لأنه ليس فيه تكذيب الخارص، لأنه يحتمل أن يكون قد تلف بعد الخرص فيكون الخارص مصيباً والنقصان موجوداً.
وهذا موافق لما في "تعليق" أبي الطيب حيث قال: إن ادعى أن الثمرة نقصت عما خرصت نقصاناً بيناً، وقال: لا أعلم أخطأ الخارص أم سرقت الثمرة – فإنه يصدق إذا حلف، وإن نكل كان كما إذا ادعى أن الخارص أخطأ وكان النقصان متقارباً، وفيه وجهان:
أحدهما: تؤخذ منه الزكاة بناء على أن اليمين واجبة.
والثاني: لا تؤخذ بناء على أنها مستحبة.
قال- رحمه الله- فإن كان، أي: النخل أجناساً خرص نخلة نخلة.
أراد الشيخ بالأجناس: الأنواع كالمَعْقِلِّي والبَرْنِيِّ، والسكر، والهِلْياث، فيكون إذا جف قليلاًن وبعضها يكون قليل الماء كثير اللحم كالمعقلي والبرني، فيكون كثير التمر عند الجفاف، وإذا كان كذلك لم يكن خرصها دفعة واحدة محصلاً للمقصود وهو معرفة المقدار.
ثم كيفية ذلك- كما قال الشافعي في"المختصر"-: أن يأتي الخارص النخل فيطيف بها حتى يرى كل ما فيها، أي من الأعذاق، وما عليها من الرطب، ثم يقول: خرصها رطباً كذا، وتنقص إذا صارت تمراً كذا، يقيسها على كيلها
تمراً، ويصنع ذلك بجميع الحائط، قال: وهكذا العنب.
قال الماوردي: واختلف أصحابنا في قوله: "فيطيف بها" هل هو على وجه الاشتراط أو الاحتياط؟ على ثلاثة مذاهب، أصحها: ثالثها، وهو إن كانت الثمرة بارزة عن السعف ظاهرة من الجريد- على ما جرت عادة العراق في تدليه- لم يكن شرطاً، وإن كانت الثمرة مستترة بالسعف مغطاة بالجريد – على ما جرت به عادة أهل الحجاز- كانت الإحاطة بالنخلة شرطاً في صحة الخرص؛ لأن ثمرها خفي.
قال: وإن كان جنساً واحداً أي: نوعاً واحداً، جاز أن يخرص الجميع دفعة لأن النوع الواحد لا يختلف غالباً عند الجفاف، وإن اختلف يسيراً فلم يمنع ذلك من تخريص جميعه كأعذاق النخلة الواحدة، فإذا أراد ذلك يعرف ما في كل نخلة من الرطب على النحو المتقدم ويجمع الجميع ثم يعرف ما يجيء منه تمراً.
قال: وأن يخرص واحدة واحدة؛ لأنه أبلغ في تحصيل المقصود فعلى هذا يفعل ما تقدم.
وقد أطلق أبو إسحاق المروزي قوله بأنه يجوز أن يخرص جميع ما في الحائط من الرطب، ثم يسقط منه قدر ما ينقص إذا يبس؛ لأنه أسهل.
قال البندنيجي: وهذا الإطلاق فاسد، بل الصواب: التفصيل كما تقدم.
وقد سكت الشيخ عن الكلام في عدد ذلك الخارص هاهنا، وتكلم فيه في باب القسمة.
وقال الأصحاب هاهنا: فيه طريقان:
أحدهما: قال ابن سريج وأبو إسحاق: يكفي فيه واحد [قولاً] واحداً كالحاكم.
وقال المزني وأبو سعيد الإصطخري في آخرين من أصحابنا: فيه قولان:
أحدهما: هذا، [وهو الذي] صححه الرافعي والمصنف في "المهذب".
والثاني: لابد من اثنين؛ كالمقومين.
كما حكى الطريقين ومن قال بهما: البندنيجي [والقاضي] أبو الطيب
وحكاهما الماوردي- أيضاً- لكنه قال: إن أبا سعيد الإصطخري وافق ابن سريج في الاكتفاء بواحد، وإن أبا إسحاق المروزي وأبا علي بن أبي هريرة وافقا المزني في إجراء القولين في المسألة وأن بها قال جمهور أصحابنا ولا فرق في ذلك بين أن يكون رب المال صغيراً أو كبيراً، وغلط بعض أصحابنا فقال: إن كان صغيراً فلابد من اثنين، وإن كان كبيراً كفى الواحد؛ لأنه رأى الشافعي في "الأم" فرق بينهما.
وحكى ابن كج وغيره هذا قولاً للشافعي، وأنه ألحق المجنون والغائب بالصبي.
قال الماوردي: وهو غلط؛ لأن الخرص إما أن يكون كالحكم أو كالتقويم، وذلك لا يختلف بالنسبة إلى [الكبير والصغير] والشافعي إنما فرق في "الأم" في جواز تضمين الكبير ثماره بالخرص دون الصغير فوهم عليه.
قال البندنيجي: والطريقان- كما ذكرنا- جاريان في القائف، وكذا في القاسم إذا لم يكن ثم رد، فإن كان فلابد من اثنين قولاً واحداً.
قال الأصحاب: ويعتبر في الخارص أن يكون بالغاً عاقلاً عدلاً عالماً بالخرص، وهل يشترط أن يكون ذكراً حراً؟ فيه تفصيل واختلاف حكاه الماوردي، واقتصر بعضهم على إيراد بعضه وجملته.
أما إن قلنا: يكفي واحد فلابد من الذكورة والحرية فيه كالحاكم، وإن قلنا: لابد من اثنين، فلا يكفي امراتان ولا عبدان.
وهل يجوز أن يكون أحدهما امرأة أو عبداً؛ ليكون الرجل الحر مختصاً بالولاية، والمرأة أو العبد مشاركاً له في التقدير والحزر؟ فيه وجهان:
أصحهما في "المحرر" و"الروضة": المنع.
ووجه الجواز: إقامة الخرص مقام الكيل والوزن.
فرع: لو اختلف الخارصان توقفا حتى يتبين المقدار منهما أو من غيرهما حكاه في "الروضة" عن الدارمي وقال إنه ظاهر.
قال: وإن باع أي: جميع الثمرة، قبل أن يضمن نصيب الفقراء، بطل البيع في
أحد القولين ولم يبطل في الآخر.
واعلم أن الأصحاب من العراقيين- كأبي الطيب والبندنيجي وابن الصباغ، وغيرهم- قالوا في هذه المسألة والصورة كما ذكرنا إن البيع هل يبطل في نصيب الفقراء أو يصح؟ قولان سواء قلنا إن الزكاة تجب في الذمة [و] العين مرتهنة بها أو تجب في العين بمعنى أن الفقراء ملكوا من المال قدر الفرض، ووجهوا البطلان بأنا إن قلنا: إن الزكاة وجبت في الذمة فقدر الفرض من المال مرتهن بها وبيع المرهون لا يجوز، وإن قلنا: إنها وجبت في العين بالمعنى الذي ذكرناه الذي لا يعرفون غيره، فبيع مال الغير لا يجوز.
ووجهوا الصحة: بأنا إن قلنا: إنها تجب في الذمة وقدر الفرض من المال مرتهن بها فذاك تعلق طرأ بغير رضاه فلم يمنع من بيعه؛ كتعلق الجناية برقبة عبده، وإن قلنا: إنها تجب في العين كما ذكرنا فملك الفقراء كلا ملك، فإن ثمرة الملك ثابتة لرب المال وملكهم غير مستقر بدليل أن لرب المال إسقاطه بإخراج الزكاة من غيره [بغير رضاهم فكذلك بالبيع؛ لأن به يصير ملتزماً للإخراج من غيره].
قال ابن الصباغ: والأول أقيس؛ لما ذكرنا، قال: وقول من صار إلى الأول أن بيع العبد الجاني صحيح، ممنوع، وقول من صار إلى الثاني أن ملكهم غير مستقر، مسلم، لكن ليس لرب المال إسقاطه من العين قبل الدفع وإنما يسقط بدفع الزكاة، وإذا قلنا بهذا فهل يبطل البيع فيما عدا نصيب الفقراء أو [يصح؟ فيه قولاً تفريق الصفقة.
وإن قلنا بمقابله صح فيما عدا نصيب الفقراء] من طريق الأولى.
قلت: وحاصل ذلك يرجع إلى ثلاثة أقوال في المسألة:
أحدها: بطلان البيع في الجميع.
والثاني: صحته في الجميع.
والثالث: وهو الذي صححه النووي-: بطلان البيع في نصيب الفقراء، وصحته فيما عداه.
وأنت إن أجريت كلام الشيخ على ما يقتضيه ظاهره في أن القولين في صحة البيع في الجميع أو بطلانه في الجميع كان صحيحاً.
وإن أردت حمله على ما
رتبه الأصحاب، وهو الذي حكاه في "المهذب"، وأضمرت بعد قوله: "بطل البيع": أي في نصيب الفقراء في أحد القولين، ولم يبطل في الآخر- كان صحيحاً.
وقد سلك الماوردي طريقاً آخر في حكاية القولين في صحة البيع في نصيب الفقراء، ومنعه فقال: إنهما مبنيان على أن الزكاة وجبت في الذمة ولا تعلق لها بالعين أصلاً، أو وجبت في العين وجوب استحقاق آخر؟ فإن قلنا بالأول، صح البيع، وإن قلنا بالثاني فلا.
وساق بقية التفاريع التي ذكرناها وما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ووافقه المراوزة في بنائهما على ما ذكر، وقالوا: إن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين؛ كتعلق الرهن فلا يصح البيع أيضاً فيما تعلقت به، وهل هو [كل المال] أو قدر الزكاة؟ فيه الخلاف السابق [فإن قلنا: في قدر الفرض فقط جاء في بطلان البيع فيما عداه قولاً تفريق الصفقة].
وقد حكى الرافعي عن بعضهم: أنه حكى في صحة البيع على هذا القول- أي: فيما جعلناه مرهوناً- قولين كما حكاه العراقيون وقالوا تفريعاً على قول حكوه: إن تعلق الزكاة بالعين كتعلق أرش الجناية.
أما إن قلنا: إن بيع العبد الجاني جائز فهو كالتفريع على قول الذمة، وإن قلنا: لا يجوز فهو كتفريع قول الرهن، أي: فلا يصح فيما تعلق به، وهل هو [كل المال] أو قدر الفرض؟ فيه الخلاف السابق، فإن قلنا: هو قدر الفرض كان في البطلان فيما عدا قولا تفريق الصفقة.
وقال صاحب "التقريب": إن قلنا بقول الوقف الذي حكاه أبو إسحاق وهو أنه تبين إن لم يخرج الزكاة من غيره تعلقها بعينه، وإن خرجت من غيره تبينا أنها لم تجب في عينه، فإن لم يؤد الزكاة من مال آخر بل أخذها الساعي من المشتري تبينا أن البيع غير منعقد في المأخوذ، وفي الباقي قولاً تفريق الصفقة، وإن أدى الزكاة بعد البيع من مال آخر فإن منعنا وقف العقود بطل البيع أيضاً في
قدر الزكاة، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة وإن جوزنا وقف العقود صح في الجميع، وعند الاختصار لا تزيد الأقوال على ثلاثة كما ذكرنا من قبل فإذن الطريقان متفقان [في] الخلاف ومختلفان في المأخذ.
التفريع:
إن قلنا بالبطلان في الجميع فلا يخفى الحكم وإن قلنا به في نصيب الفقراء فقط ثبت للمشتري [الخيار، وهل] يثبت للبائع، وهل يجيز المشتري العقد بكل الثمن، أو بالقسط في مسألتين؟ فيه كلام يأتي في البيع.
قال البندنيجي: وإذا أجاز المشتري العقد فرب المال يقاسمه على ذلك، ويصرف نصيب الفقراء إليهم، وإن قلنا بالصحة في الجميع، فإن أخرج البائع الزكاة من ماله لزمه البيع للجميع واستقر ملك المشتري عليه، وإن تعذر ذلك عليه بألا يكون له مال غيره كما قال ابن الصباغ أو لم يؤد رب المال الزكاة من موضع آخر كما قاله غيره- وبين العبارتين فرق- أخذ الساعي قدر الزكاة من المبيع وبطل العقد فيه إذ ذاك وهو ما استدل به الإمام على إبطال القول بأن الزكاة تثبت في الذمة ولا تعلق لها بالعين أصلاً كما تقدم، وهل يبطل البيع في الثاني؟ فيه الطريقان الآتيان في تفريق الصفقة في الدوام وفروعهما.
وقد حكى المراوزة: في أن المشتري إذا عرف الحال بعد العقد هل يثبت له الخيار في فسخ العقد قبل أخذ الساعي؟ فيه وجهان.
وجه المنع: أن المالك ربما يؤدي الزكاة من موضع آخر.
ووجه الثبوت- وهو الذي حكاه الإمام عن الأكثرين-: أن ملكه مزلزل في الحال.
وعلى هذا: إذا أدى المالك الزكاة من موضع آخر سقط الخيار على الأصح، وبه جزم في "التهذيب"؛ كما لو باع بعد الأداء.
ومقابله منسوب في "النهاية" لرواية بعض المصنفين، وهو في "الإبانة"، ووجهه: أن الخيار مستيقن وربما يخرج المؤدي مستحقاً فيكر الساعي عليه.
وهذا بخلاف ما إذا أدى ثم باع، فأصل الخيار لم يثبت، بل الأصل لزوم البيع وانتفاء الخيار، ولو أثبتنا بتوقع الاستحقاق-: هو الخيار- لأثبتناه بالشك.
وجميع ما ذكره جار فيما إذا باع جميع الماشية بعد الوجوب وقبل إخراج الزكاة وكذلك الناض والحبوب والمعدن والركاز صرح به الجمهور.
وحكى الإمام عن الصيدلاني أنه قال: ما ذكرناه من إبطال البيع في نصيب الفقراء وتخريجه فيما عداه على تفريق الصفقة مخصوص بما إذا كان الواجب جزءاً من المال كالمعشرات أو ربع العشر، فأما إذا كان الواجب حيواناً فهو غير منسوب إلى المال بطريق الجزئية وليس متعيناً حتى يكون بمثابة ما لو باع عبداً مملوكاً وعبداً مغصوباً فالوجه عند الأصحاب القطع ببطلان البيع في الجميع على هذا القول.
قلت: وما قاله من أن الواجب من الحيوان ليس بطريق الجزئية- وجه للأصحاب حكاه من قبل مع وجه آخر: أن الواجب في كل شاة من أربعين شاة مثلاً ربع عشرها وللمالك تعيين الأجزاء عند الإخراج في واحدة، وقد حكى الوجهين المتولي- أيضاً-[ثم على] تقدير التسليم كان الوجه أن يقال: إن كان النصاب مختلفاً كما إذا كان صغاراً وكباراً؛ فالحكم كما قال، وإن كان غير مختلف للتساوي في الأسنان وتقارب الصفات؛ كما إذا كان جميعه كباراً أو صغاراً- فيكون في صحة البيع فيما عدا قدر الزكاة وجهان أخذاً من القولين في جعل إبل الدية صداقاً كما سنذكر عن الماوردي ما يقرب من ذلك.
وقال الإمام: الأشهر جعل المسألة التي خالف فيها الصيدلاني على قولين لكن بالترتيب والبطلان في الجميع، وفي هذه الصورة أولى منه بما إذا كان الواجب جزءاً؛ لانضمام شيوع الشاة مع الجهالة بالثمن عند تقدير التوزيع، أما إذا باع ما يفضل عن نصيب الفقراء فقط نظر: فإن باعه مشاعاً بأن قال: بعتك تسعة أعشار هذه الثمرة فلا خلاف في الصحة إلا إذا قلت: إن جميع المال مرهون بقدر الفرض، أو قلنا: إن تعلق الزكاة بالمال كتعلق الجناية [و] إن ذلك يعم جميعه وإن بيع العبد الجاني لا يصح، فإن قياس ذلك المنع في الجميع على طريقة المراوزة، والمشهور: الصحة، وهكذا الحكم فيما وجبت الزكاة في عينه من غير الثمار.
ومن صور ذلك: ما إذا قال بعتك هذا المال إلا قدر الزكاة وكان المبيع مما تماثل أجزاؤه: كالحيوان، والدراهم والدنانير، بخلاف ما لو كان البيع مما تفاضل أعيانه ولا تتفاضل أجزاؤه كالماشية؛ فإنه لو قال: بعتك هذه الماشية إلا شاة ولم يشر إليها، فإنه ينظر: فإن كانت الغنم مختلفة الأسنان فكانت صغاراً أو كباراً فالبيع باطل؛ فإن تساوت في الأسنان وتقاربت في الصفات فكان جميعها صغاراً أو كباراً ففي البيع وجهان، أظهرهما في "الحاوي": البطلان أيضاً قال: وهما مخرجان من اختلاف قول الشافعي في جعل إبل الدية صداقاً، وإن وقع البيع على معين مثل: إن أفرز [قدر] نصيب الفقراء وباع الباقي فهل يصح؟ حكى أبو الطيب وغيره من العراقيين فيه طريقين فيما إذا كان المال ماشية أو ناضاً، وأجراهما [البندنيجي] والماوردي فيما نحن فيه، [و] في الحبوب:
أحدهما: أن الحكم كما لو باع الجميع؛ لأن قدر الزكاة ليس بمعين وبالعزل لا يتعين وإنما يتعين بدفعه لأهله، وهو كما لو لم يعزلها منه.
والثاني: أنه يصح البيع قولاً واحداً؛ لأن قدر الزكاة إذا عزل كان البيع
واقفاً على حقه فصح.
قال ابن الصباغ: والأول أقيس؛ لأنه يلزم هذا القائل أن يقول إذا عزل قدر الزكاة من مال آخر: إنه يصح بيع الكل؛ لأن الزكاة لا تتعين عليه فيه.
وقد جعل الرافعي الوجهين فيما إذا كان المال ماشية مفرعين على قولنا: إن الزكاة تتعلق بالعين تعلق شركة، وإنهما مبنيان على كيفية ثبوت الشركة، [و] فيه وجهان تقدما.
وهذا البناء يخدشه جريانهما في الناضِّ مع أن الشركة فيه بالحرية.
وقد ادعى الغزالي تبعاً لإمامه أنه لا خلاف في نفوذ التصرف فيما زاد على قدر الزكاة قبل الجفاف؛ فإن المنع من التصرف في الثمار بالكلية خروج عن الإجماع، وهو خلاف ما درج عليه السلف، وفيه منع الناس من الرطب والعنب فإن تأدية الزكاة لا تقع إلا من التمر والزبيب، وفيه طرف من المعنى: وهو أن مالك الثمار يلتزم بمؤنة تربية الثمار إلى جفافها و [هو] في ذلك [يربي من] حق المساكين فقوبلت هذه المؤنة بإطلاق تصرفه في التسعة الأعشار، وأما بعد الجفاف فهو بمنزلة المواشي.
قلت: والجزم بنفوذ التصرف قبل الجفاف يخالفه ما حكيناه عن القاضي الحسين من امتناع التصرف وجعل علة الجواز أفضى بالمنع إلى امتناع الناس من الرطب والعنب؛ فيه نظر من حيث إن الخرص تضمين على الصحيح، أما مع التصريح به أو بدونه [وحينئذ] فالمالك متمكن من التصرف في جميع الثمرة فلا ينسد عليه باب التصرف في الرطب والعنب.
نعم ذاك صحيح إذا قلنا: إن الخرص عبرة مجردة؛ فإن رب المال لا يكون له طريق إلى التصرف.
وقد جعل الإمام الأول من الوجهين في حالة الجفاف وعدم التمكن من الأداء في جواز التصرف؛ لأنه غير منسوب إلى تقصير في التأخير، فلو سددنا عليه التصرف فيما يزيد على مقدار الزكاة لكان ذلك حجراً مضراً بخلاف ما بعد الوجوب والتمكن، ثم جواز رهن جميع مال الزكاة كبيعه إن قلنا: قولاً تفريق
الصفقة يجريان في رهن ما يجوز وما لا يجوز، وإن قلنا: لا يجريان بل يصح فيما يصح قولاً واحداً- فحيث قلنا في مسألة البيع بالبطلان في نصيب الفقراء وفيما عداه قولان، قلنا ها هنا فيما عداه: يصح قولاً واحداً.
قال: وإن باع الثمرة قبل بدو الصلاح، أو باع الماشية قبل الحول فراراً من الزكاة كره ذلك؛ لأن الفرار من القربة مكروه، والشيخ في إطلاق لفظ "الكراهة" في هذه الحالة اتبع الشافعي وجمهور أصحابه، وزاد الماوردي في باب المبادلة بالماشية أنه مسيء بذلك.
وقد تفهم هذه اللفظة أنها كراهة تحريم كما اختاره في "المرشد" ولم يحك في "الوسيط" و"الوجيز" غيره اتباعاً للفوراني بأنه جزم بتأثيمه.
والذي حكاه الإمام عن الصيدلاني: أنه أطلق لفظ الكراهة، ثم قال: وفي بعض التصانيف: أنه يأثم بذلك، وفي التأثيم احتمال من جهة أنه تصرف يسوغ، ثم إن أثبتناه فموجب الإثم قصده لا محالة.
والذي قاله في "البحر" في باب المبادلة: أنه لا يكون عاصياً بذلك، وهو الموافق لما صرح به البندنيجي في باب كيف تؤخذ الزكاة، والماوردي في أثناء كلامه في موضع آخر- أن الكراهة كراهة تنزيه.
وقال البندنيجي: إن الإمام الشافعي قال في "الأم": ولو قطع الطلع فراراً من الصدقة كرهناه ولم يجزم بذلك.
قال: ولم يبطل البيع؛ لأنه باعه ولا حق لأحد فيه؛ لأن الحق إنما يجب في الثمرة ببدو الصلاح، وفي الماشية بحولان الحول؛ كما تقدم، ولم يوجد ذلك، وقد تقدم أنه لا تجب الزكاة عليه أيضاً في [باب] صدقة المواشي، والفرق بينه وبين المريض إذا طلق في أحد القولين، أما إذا باع ذلك لحاجة لحقته لا لأجل الفرار من الزكاة فلا كراهة، نص عليه.
وقال في "الأم": ولذلك أكره له قطع النخل إلا ما أكل أو أطعم أو تخفيفاً من النخل.
ولم يخالفه أحد من أصحابه وهو أن مراده بالنخل: الإناث، أما الذكور فلا كراهة في قطع ثمرها مطلقاً؛ لأنه لا زكاة فيها.
باب زكاة الناض
قال أهل اللغة: الناض- بتشديد الضاد-: ما كان [نقداً] من الدراهم والدنانير خاصة، كذا حكاه النووي، ثم قال: وكان ينبغي للمصنف أن يقول: باب زكاة الذهب والفضة كما قال في "المهذب" وكذا الأصحاب؛ ليدخل غير الدراهم والدنانير من صنوف الذهب والفضة.
قلت: والذي يظهر أنه لا اعتراض على الشيخ؛ لأن المنقول عن الأزهري أنه قال: الناض ضد العرض.
وقد حكى النووي عن أهل اللغة أن العرض جميع صنوف الأموال غير الذهب والفضة، وذاك يدل على أن الناض هو الذهب والفضة مطبوعاً كان أو غير مطبوع، والشيخ في "المهذب" اتبع المزني في التبويب، وهنا لم يتبعه لما ستعرفه في الباب بعده.
والنض- بفتح النون-: بمعنى "الناض"، [كذا] حكاه الجوهري وغيره.
قال الشيخ- رضي الله عنه-: من ملك نصاباً من الذهب والفضة حولاً كاملاً وهو من أهل الزكاة وجبت عليه الزكاة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: 24]،
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34] الآية، وقد تقدم الدليل على أن المراد بالكنز في الآية: ما لم تؤد زكاته.
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي [منها حقها] إلا [إذا] كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنَّم فيكوى بها جبهته وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له [في يوم] كان مقداره [خمسين] ألف سنة حتَّى يُقضَى بين العباد، فيرى سبيله أمَّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى النَّار".
أخرجه مسلم.
وحقها: زكاتها، يدل عليه قوله- عليه السلام: "ليس في المال حقُّ سوى الزكاة".
وروى البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر قال: "وفي الرقة ربع العشر".
قال الماوردي: وفي"الرقة" تأويلان:
أحدهما: أنها اسم جامع للذهب والفضة.
قال ثعلب: وهو أصح التأويلين.
والثاني- قاله ابن قتيبة-: أنها اسم للفضة.
قلت: وتتمة الحديث تشهد له؛ فإنه قال: "فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس
فيها شيء إلا أن يشاء ربها".
ويقال: ورق، ورقة؛ كما يقال: وزن، وزنة، ووعد، وعدة.
وسيأتي من الأخبار ما يدل على الوجوب فيهما وهو إجماع الأمة.
واحترز الشيخ بذكر الحول الكامل عما إذا ملك ذلك طرفي الحول وحصل نقص في وسطه فقط، أو نقص في آخر الحول فقط؛ فإنه لا زكاة فيه عندنا خلافاً لمالك في الأولى وأبي حنيفة في الثانية، وحجتنا: الخبر المشهور.
وبقوله: "وهو من أهل الزكاة"، عمن ليس منها؛ كالمكاتب ونحوه فإنه لا زكاة عليه؛ لما تقدم في أول الباب.
وذكر الشيخ هذا هنا، وكذا في زكاة المعدن، وإن لم يذكره في [باب] صدقة المواشي، وزكاة النبات وزكاة العروض والركاز تأكيداً، وسنذكر له فائدة في بعض المواضع، إن شاء الله تعالى.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: أنه لا فرق في وجوب الزكاة على من ذكره إذا ملك نصاباً بين أن يكون ممن لا تصرف له الزكاة أو تصرف له بأن يكون دخله لا يفي بخرجه، وبه صرح الرافعي عند الكلام في كفارة اليمين.
الثاني: ضم المال الغائب [عنه] إلى [ما] عنده في إكمال النصاب وكذا الدين إذا قلنا: إنه مملوك على الصحيح، وقد تقدم الكلام في وجوب الزكاة في المال الغائب والدين إذا كان كل منهما نصاباً فحيث قلنا: لا تجب الزكاة فيهما فلا يكمل بهما نصاب الحاضر، وحيث قلنا: تجب فيهما كمل بهما نصاب الحاضر ثم ينظر: فإن كان الغائب والدين يجب إخراج زكاتهما في الحال، ففي مسألتنا يجب إخراج زكاة الحاضر عنده في الحال، وإن قلنا ثم، لا يجب الإخراج في الحال، قال الأصحاب: فهل يجب إخراج الزكاة الحاضر عنده؟ ذلك ينبني على أن التمكن شرط في الوجوب أو لا؛ فإن قلنا: إنه شرط في الوجوب
لم يجب تعجيل الإخراج، فإن الغائب قد يتلف [قبل الوصول إليه ولا يصل] إليه الدين فيمتنع الوجوب وإن قلنا: إنه شرط في الضمان وجب الإخراج.
الثالث: ضم بعض أنواع الذهب إلى بعض، وأنواع الفضة إلى بعض في إكمال النصاب؛ لأن اسم "الذهب" يقع على أنواعه النيسابوري والقاساني والهروي، وغير ذلك، وكذا اسم "الفضة" يقعل على أنواعها البيضاء اللينة والسوداء الصلبة وغير ذلك ويتناولهما تناولاً واحداً، وبذلك صرح الأصحاب قياساً على الثمار، وقالوا: يؤخذ من كل نوع بقسطه إذا أمكن من غير مشقة؛ لقلة الأنواع، فلو أخرج عن الجميع من نوع واحد، نظر: فإن كان من النوع الجيد أجزأه وكان أولى، وإن كان من النوع الرديء، أجزأه من ذلك ما قابل الرديء، وكان فيما قابل الرديء أوجه:
أحدها: أنه يجزئه مع الكراهة حكاه الإمام عن الصيدلاني وخطأه فيه، واقتصر القاضي الحسين على إيراده.
والثاني تجزئه، ولكنه يخرج قيمة ما بينهما ذهبا إن كان المخرج فضة، وفضة إن كان المخرج ذهباً، كما لو أخرج أدنى الصنفين من الحقاق وبنات اللبون.
والثالث: أنه يجزئه إن كان تالفاً ويخرج قيمة ما بينهما وإن كان باقياً [لا يجزئه ويسترده، حكاه في "البحر" عن ابن سريج.
والرابع- عنه أيضاً-: أنه لا يجزئه ويسترده إن كان باقياً] وقيمته إن كان تالفاً.
والخامس- حكاه في "الحاوي" مع الثاني-: أنه لا يجزئه ويكون متطوعاً [به]، وعليه إخراج زكاة الجيد مستأنفاً كما لو أعتق عن الكفارة معيباً.
قال في "البحر": والذي يقتضيه مذهب الشافعي أنه ينظر في حاله: فإن كان قد صرح بأنه عن فرضه فله أن يسترجع وإلا فلا؛ لأنه متهم؛ فإنه يجوز أن يكون قد دفع ذلك تطوعاً، وصار كمن عجل زكاته ثم تغير الحال: إن شرط الرجوع رجع، وإن لم يشترط فلا.
وإخراج الصحيح عن المكسر جائز، ولا يجوز عكسه، بل يجمع المستحقين
ويصرف لهم الدينار الصحيح أو يسلمه إلى واحد بإذن الباقين.
وعن بعض الأصحاب: أنه يجوز أن يصرف إلى كل واحد منهم ما يخصه مكسراً.
وعن بعضهم: أنه يجوز ذلك، ولكن مع الصرف بين المكسر والصحيح.
[وعن بعضهم: أنه إن لم يكن في المعاملة فرق بين الصحيح والمكسر] جاز أداء المكسر عن الصحيح، أما لو كثرت الأنواع وعسر الإخراج من كل نوع بقسطه، فقد قال جمهور أصحابنا: أخذت الزكاة من أوسطها كما في الثمار، وهذا معزي في "تعليق" القاضي أبي الطيب إلى أبي إسحاق.
وقال في "البحر": الصحيح أنه يخرج من كل نوع بقدره أبداً؛ لأن أنواع ذلك لا تكثر ولا تشق [وذلك] بخلاف الماشية؛ لأن هناك يؤدي إلى الإشاعة والإضرار برب المال والمساكين.
الأمر الرابع: أنه لا فرق بين أن يكون النصاب مما ذكره خالصاً منفرداً، أو مختلطاً بغيره، وهو ما صرح به الأصحاب، فقالوا: في حال المخالطة إن كان ما خالطهما غشاً والخالص من الذهب أو الفضة نصاباً فأكثر وجبت الزكاة، وكذا لو كان بعض ماله خالصاً وبعضه مغشوشاً وفي المغشوش من الخالص ما يكمل به النصاب وجبت.
ثم في الحالة الأولى إذا علم قدر الغش وكان في الجميع متساوياً فأخرج قدر الفرض منه أجزأه.
مثال ذلك: إذا كان له أربعمائة درهم قدر الفضة نصفها فالواجب عليه خمسة دراهم خالصة، فإذا أخرج عشرة من المغشوشة أجزأه؛ لأن فيها خمسة خالصة، وإن لم يعلم قدر الغش، فإن استظهر وأخرج زيادة على الواجب أجزأه، ولا يكلف التمييز بين الخالص والغش بالنار وإن لم يستظهر قلنا له: عليك التصفية ليعلم المقدار فيخرج عنه، وهذا إذا كان يخرج بنفسه فإن دفع إلى الساعي وقال له: قد أحاط علمي بالمقدار، وهذا كل الواجب أو أكثره- كان القول قوله مع اليمين استظهاراً؛ لأنه لا يخالف الظاهر.
ولو قال للساعي: لا أعرف المبلغ [قطعاً
و] لكني اجتهدت في ذلك، فأدى إليه اجتهادي لم يكن للساعي أن يرجع إليه؛ لأنه لا يلزمه العمل باجتهاد غيره.
نعم، قال الماوردي: لو انضاف إلى قوله قول من تسكن النفس إلى قوله من ثقات أهل الخبرة عمل عليهز
وفي الحالة الثانية إذا كان معه مائة خالصة ومائتان مغشوشة، والغش قدر النصف- يخرج من الخالص قدر الواجب وهو خمسة مغشوشة أجزأته عن نصف ما عليه وبقي عليه النصف.
ولو كان جميع ماله مائتي درهم خالصة لا غش فيها فأخرج خمسة مغشوشة- لا يجزئه عما عليه بجملته بلا خلاف.
قال أبو العباس في التفريع على "الجامع الصغير": وعليه أن يخرج خمسة دراهم لا غش فيها، وهل له أن يرجع فيما أخرج؟ على قولين.
قال البندنيجي: يعني على وجهين أصحهما في "الرافعي": الرجوع.
وقال في "البحر" [عنه]: إنه قال في هذه المسألة مثل ما قال فيما إذا أخرج الرديء عن الجيد، وقد ذكرنا ما يقتضيه مذهب الشافعي.
قلت: وفي هذا نظر بل الذي يتجه القطع به أنه يجزئه ما في ذلك من الخالص عما عليه، ويبقى الباقي في ذمته يخرجه من النوع الذي وجب عليه لا من جنس آخر، وكلام صاحب "البحر" يقتضي أنه يخرج عن الذهب فضة وبالعكس فتأمل ذلك.
وإن كان المخالط للذهب الفضة وعلم قدر كل منهما، فالحكم كما لو كانا منفردين، ولا يكمل نصاب أحدهما بالآخر.
وإن جهل، قال البندنيجي وغيره: فالحكم فيها كالحكم في المغشوش سواء، فإذا أراد زكاة الفضة جعل الذهب فيها كالغش [وإذا أراد إخراج زكاة الذهب جعل الفضة فيها كالغش] حتى يجب عليه التمييز بالنار عند عدم الاستظهار ليعرف المقدار، ويفرق بين أن يخرج بنفسه، وبين أن يدفع للساعي.
وقال الإمام بعد حكاية التفرقة عن العراقيين: إن الذي قطع به أئمتنا: أنه لا يجوز اعتماد الظن في ذلك.
وذكر عنهم أنهم ذكروا هندسة في الاطلاع على
مقدار الذهب والفضة وغير التمييز بالنار، وأهون منها: أن يسبك مقداراً نزراً من المختلط ويقاس به الباقي، فإن عسر ذلك فالوجه التمييز بالنار والهندسة التي أشار إليها قالها الشيخ أبو زيد حيث قال: ولنا في معرفة ذلك طريقان:
إحداهما: أن يطرح المختلط وهو ألف مثلاً في ماء وينظر كم يرتفع الماء ويعلمه في الإناء ثم يرفعه ويطرح من خالص الذهب في ذلك الماء قليلاً قليلاً حتى يرتفع الماء إلى تلك العلامة ثم يرفعه ويزنه، فإذا كان ألفاً ومائتين وضعنا في الماء من الفضة الخالصة قليلاً قليلاً حتى يرتفع الماء إلى تلك العلامة ثم يرفعها ويزنها، فإذا كان ثمانمائة علمنا أن نصف المختلط ذهب ونصفه فضة، وعلى هذه النسبة.
والثانية
-[وهي التي ذكرها الفوراني]-
: أن يلقي المختلط في الإناء حتى يعلوه الماء ويعلمه، ثم يستخرجه ويطرح في الماء قدر زنة المختلط من خالص الذهب حتى يعلوه الماء ويعلمه، وهذه العلامة تكون أسفل من علامة المختلط، ثم يستخرج ذلك.
ويطرح في الماء قدر زنة المختلط من خالص الفضة حتى يعلوه الماء ويعلمه، وهذه العلامة تكون أعلى من علامة المختلط [وحينئذ تكون علامة المختلط] بين علامتي الخالص فينظر ما بينهما، فإن كان بين علامة الذهب وعلامة المختلط قدر شعيرة وكذلك بين علامة الفضة والمختلط- علمنا أن نصف المختلط ذهب ونصفه فضة، وإن كان بين علامة المختلط والذهب قدر شعيرتين وبين علامة المختلط والفضة قدر شعيرة علمنا أن ثلثيه فضة وثلثه ذهب؛ ولو كان بالعكس علمنا أن ثلثيه ذهب وثلثه فضة، وهكذا ينظر في النسبة التي بينهما وترتب الحكم عليها.
ولو كان المختلط- كما ذكرنا- ألفاً وقد عرف أن مبلغ أحد الخليطين ستمائة، والآخر أربعمائة، ولكن لا يعلم ما هو الأقل والأكثر فأخرج زكاة ستمائة ذهب وستمائة فضة- أجزأه؛ لأن ذلك هو الأحوط ولا يجزئه أن يخرج زكاة أربعمائة فضة وستمائة ذهباً، لاحتمال العكس، والاعتياض عن الزكاة لا يجوز عندنا.
وقال الإمام: ويحتمل أن يجوز الأخذ بما شاء من أحد التقديرين، وإخراج الواجب على ذلك التقدير؛ لأن اشتغال ذمته بذلك غير معلوم.
وقد أقام في "الوسيط" هذا الاحتمال وجهاً في المسألة بعد أن قال: المذهب أنه إذا أعسر التمييز أخرج زكاة ستمائة من الذهب وستمائة من الفضة؛ ليخرج عما عليه بيقين.
وقال العراقيون: إن غلب على ظنه أن الأكثر الذهب أو الفضة عمل به إذا فرق بنفسه، وإن كان يدفع إلى الساعي فالساعي لا يعمل بظنه، وفيه ما تقدم.
قال: ونصاب الذهب عشرون مثقالاً، وزكاته نصف مثقال، وفيما زاد بحسابه، ونصاب الورق مائتا درهم وزكاته خمسة دراهم، وفيما زاد بحسابه.
لما روى أبو داود عن عاصم بن ضمرة والحارث [الأعور] عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث طويل: "فإذا كان لك مائتا درهمٍ وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيءُ- يعني: في الذَّهب- حتَّى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كانت لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول، ففيها نصف دينارٍ، فما زاد [فبحساب ذلك] " قال: فلا أدري أعلى يقول: "فبحساب ذلك- أو يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ - وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول".
قال عبد الحق في "الأحكام": وما ذكر من الاعتراض على من أسند هذا الخبر وهو جرير؛ لأنه جمع فيه بين الحارث الأعور وعاصم، والحارث الأعور كذاب ولم يذكر الحول، وعاصم ثقة لكنه لم يسنده بل أوقفه [على] علي- كرم الله وجهه- وكذلك كل ثقة أوقفه عليه، فلا حجة فيه؛ فهو مندفع بأن جريراً أسنده عنهما وهو ثقة.
وقد أسنده [أيضاً] أبو عوانة [عن عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في زكاة الورق، وأبو عوانة] ثقة.
وأما قوله: "فبحساب ذلك"، فقد أسنده زيد بن حبان، عن أبي [إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورواية البخاري عن] أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم
-[في زكاة الورق] قال: "ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة".
والأوقية: أربعون درهماً يدل عليه قول عائشة- رضي الله عنها-: "كان صداق أزواج [رسول الله]-
صلى الله عليه وسلم - اثني عشر أوقية ونشأ، أتدرون ما النش؟ النَّشُّ: نصف أوقيَّةٍ عشرون درهماً".
وجمع الأوقية: أواقٍ بالتخفيف، وأواقي بالتشديد.
ولا فرق في عدم الوجوب عند النقص عن النصاب بين الكثير والقليل، حتى الحبة الواحدة ودونها، وإن راج الناقص [رواج الكامل للمسامحة، أو لجودة الجوهر لما ذكرناه؛ ولأن الرائج الناقص] لو قام مقام الكامل لوجب مثله في جميع النصب، وفيما يخرجه من حق المساكين حتى يقال: لو أخرج نصف مثقال، أو خمسة دراهم إلا حبة أو أقل منها يجزئه ذلك، ولقيل في الربا: إذا باع درهماً بدرهم إلا حبة يجوز، وقد أجمعنا مع الخصم- وهو مالك- على فساد
ذلك- وهو قادح فيما نازع فيه.
نعم، لو كان يبلغ نصاباً في بعض الموازين وفي بعض ينقص عنه ففي الوجوب وجهان في "العدة": أصحهما: عدم الوجوب، وهو الذي أورده المحاملي، وقطع به الإمام أيضاً بعد أن حكى عن الصيدلاني الوجوب.
تنبيه: المثقال: وزنه ثنتان وسبعون حبة من حب الشعير الممتلئ غير الخارج عن مقادير حب الشعير غالباً.
الورق: بفتح الواو وكسر الراء، ويجوز إسكان الراء مع فتح الواو وكسرها.
قال [الأكثرون من] أهل اللغة: هو مختص بالدراهم المضروبة، وقال جماعة: يطلق على كل الفضة وإن لم تكن مضروبة.
وهو الذي أورده البندنيجي، وهذا مراد المصنف.
قال النووي: ولو قال: ونصاب الفضة لكان أحسن، والدرهم المعتبر هاهنا وزنه ستة دوانيق يعدل العشرة منه سبعة مثاقيل، وقد كان في الجاهلية دراهم مختلفة بغلية، وطبرية وغيرهما، وغالب ما كانوا يتعاملون به من أنواع الدراهم في عصره- عليه السلام- والصدر الأول بعده.
نوعان:
أحدهما: الطبرية: زنة كل درهم منها ثمانية دوانيق.
والآخر البغلية: وهي منسوبة إلى ملك يقال له: رأس البغل، زنة كل درهم أربعة دوانق.
قال في "البحر" تبعاً للبندنيجي: حكاية عن رواية أبي عبيد القاسم بن سلام-: وكانت الزكاة تجب في صدر الإسلام في مائتين منهما، فلما كان في زمني بني
أمية، أرادوا ضرب الدراهم فنظروا في المتعقب، فإن هم ضربوا من البغلية أضر [ذلك] بالمساكين، وإن هم ضربوا من الطبرية أضر ذلك بأرباب الأموال، فجمعوا بين الدرهمين وقسموهما درهمين.
قيل: والفاعل لذلك زياد بن أمية.
وقيل: الحجاج في أيام عبد الملك.
ونقل الماوردي: [أنه عمر بن الخطاب، رضي الله عنه].
وقال ابن سريج: الدراهم: ما اختلفت في قديم الدهر وحديثه، وكذلك المثاقيل بل كان المثقال، ما ذكرناه، والدرهم: ستة دوانيق تعدل كل عشرة منها سبعة مثاقيل.
والمشهور الذي حكاه الشيخ أبو حامد وغيره: أن المثقال لم يختلف كما قال: وأن الدرهم كان مختلفاً كما ذكرنا.
قال في "البحر" تبعاً للبندنيجي: وهو المذهب، بدليل أن الشافعي قال: "فإذا بلغ الورق خمس أواقٍ وذلك مائتا درهم بدراهم الإسلام .. إلى آخره".
فقوله: "بدراهم الإسلام" يدل على أن هناك غيرها.
قلت: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه قال في تتمة كلامه: "وكل عشرة دراهم من دراهم الإسلام وزن سبعة مثاقيل ذهب بمثقال الإسلام"، ومعلوم أن المثقال لم يختلف وكما لم يختلف المثقال لم يختلف الدانق؛ لأنه كان من الدرهم الصغير ربعه ومن الكبير ثمنه.
قال في "البحر": وإنما جعل كل عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل من الذهب؛ لأن الذهب أوزن من الورق فكأنهم جربوا حبة من الورق، ومثلها من الذهب، فوزنوهما فكان وزن الذهب زائداً على وزن الفضة مثل ثلاثة أسباعها فلذلك جعلوا كل عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل.
والاعتبار فيما ذكرناه بوزن مكة؛ لقوله عليه السلام: "الميزان ميزان أهل مكة".
قال: وإن ملك حليا، أي: من ذهب أو فضة أو منهما، معداً لاستعمال مباح لم تجب الزكاة فيه في أحد القولين، وتجب في الآخر، وهذان القولان أومأ إليهما الشافعي في "الأم" كما قال البندنيجي وغيره.
وقال الفوراني: إنه نص على الأول منهما في الجديد، وعلى الثاني في القديم.
وقال القاضي أبو الطيب وغيره: إنه نص في القديم و"مختصر" البويطي على الأول منهما، وعلق في الجديد القول في الثاني.
قال القاضي أبو الطيب: واتفق الأصحاب على إجزائهما في المسألة، وأن الصحيح الأول، ووجهه: ماروى جابر وابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ليس في الحلي زكاة".
وكذا قاله الماوردي.
[و] روى الشافعي عن عائشة: "أنها كانت تحلِّي بنات أخيها أيتاماً في حجرها فلا تخرج منها الزكاة".
وروي عن ابن عمر أنه "كان يحلي بناته وجواريه الذهب ثم لا يخرج زكاته".
ولأنه معد لاستعمال مباح؛ فلم تجب فيه الزكاة كالمواشي العوامل.
ووجه الثاني: ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: "أنَّ امرأةً أتت