كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 323-362
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 323-362
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فإن اعتقد ذلك, كان خلاف المذهب؛ فلا يحسن الاستدلال به [على] المذهب.
وإن لم يعتقد ذلك- كما أفهمه [لفظه في المذهب] فليس من صيد الحرم؛ [لأن صائده يجوز له ذبحه في الحرم] والتصرف فيه؛ كما حكيناه من قبل عن النص, وانه لم يحك غيره, وذلك يدل على أن حرمة الحرم لا تثبت عليه, وإذا كان كذلك, فلا جزاء فيه, وقد صرح هو به من بعد, حيث قال: لو أتلفه غير مالكه, [وجب] عليه القيمة لا غير.
قلت: الذي ينفي النظر: أن يحمل كلامه على أنه يعتقد زوال الملك عنه بإطلاقه؛ كما صرح به من بعد, وهو منه محمول - أيضًا- على ما إذا قصد بإرساله التقرب إلى الله تعالى؛ فإنه قال "-كما حكيناه عنه في باب الصيد والذبائح- به ولم يحك غيره", وهو وجه حكاه ابن الصباغ في المسألة, والله اعلم.
ثم ما المراد بما أنتبه الآدميون الذي وقع فيه الخلاف؟ اختلف فيه الناقلون: فكلام الماوردي الذي حكيناه آنفًا يفهم أنه المنقول من الحل إلى الحرم, وقد صرح بأنه الذي ينبته الآدميون في الموات دون الأملاك, أما الذي أنبتوه في الأملاك في الحرم, فلا يحرم قطعه بلا خلاف, وكأنه يشير بذلك إلى أنه إذا غرسه في الموات يقصد الإعراض عنه؛ فإنه لو قصد إبقاءه لنفسه, لغرسه في ملكه, وهو لا يزول ملكه عنه بذلك؛ فأشبه عند القائل بعدم التحريم ما لو غرس ذلك في ملكه.
وقال القاضي الحسين: إن المراد [به] ما أنبت أصله الآدميون, يعني: كالسفرجل, والتفاح ونحوهما, وإن كان قد نبت بنفسه, وعليه ينطبق قول ابن يونس: إن المراد جنس ما ينبته الآدميون عادة.

وقيل: المراد به إذا أخذ غصنًا من شجرة في الحرم, فأنبته في موضع آخر من الحرم, وهو ما حكاه الإمام عن صاحب التلخيص.
قال: فإن قلعه- أي: وهو رطب- وتلف, فإن كانت كبيرة ضمنها ببقرة, وإن كانت صغيرة ضمنها بشاة؛ لأنه روي عن ابن عباس وابن الزبير: أنهما قالا: "في الدوحة بقرة, وفي الشجرة الجزلة شاة", ولم يعرف لهما مخالف.
والدوحة: الشجرة العظيمة من أي شجر كان.
والجزلة: الغليظة؛ قاله الجوهري.
وفي "الحاوي" أن سفيان روى عن داود بن سابور عن مجاهد عن النبي- صل الله عليه وسلم- أنه قال: في الدوحة إذا قطعت من أصلها [بقرة].
وكذلك روى عن عطاء, لكن الشافعي- رضي الله عنه- لم يذكره؛ وهذا هو الجديد الذي حكاه الجمهور.
[وعلى هذا] يكون مخيرًا في البقرة والشاة كما يكون مخيرًا في البدنة وغيرها من جزاء الصيد؛ قاله الماوردي والقاضي الحسين.
وقال الإمام تفريغًا [عليه]: إن البقرة إنما تجب في أكبر أشجار الحرم, ولم يقع التعرض للبدنة, ولكنّا لا نشك أنها في معنى البقرة.
وأما إيجاب الشاة, فليس في الشجرة الصغيرة التي فيها الشاة ضبط يهتدي إليه, ولعل أقرب قول فيه أن تكون قريبة من جنس الكبار, والشاة من البقرة سبعها, فليعتبر المعتبر هذا التقريب بين الدوحة والشجرة الصغيرة.
وإن كانت صغيرة جدًّا فالقيمة مصروفة إلى الطعام, ثم الصيام يعدل الطعام كما ذكرناه في الصيد.

وقد أقام في "البحر" لهذا وجهًا لبعض الخراسانيين من أصحابنا.
وقد حكى عن القديم قول: أنه لا ضمان في شجر الحرم وإن كان منهيًّا عن إتلافه, وهو مذهب أبي ثور, [لان الإحرام] لا يوجب ضمان الشجر؛ فكذلك الحرم.
أما إذا كان الشجر قد جف فقلعه, فلا شيء عليه.
قال القاضي الحسين: كما إذا قطع الصيد الميت إربًا إربًا.
قال الماوردي والبندنيجي: ولا فرق في ذلك بين أن يستهلكه أو لا.
ولو قلعه و [هو] رطب, ولم يتلف, بل كان باقيّاً على رطوبته, وجب عليه رده إلى مكانه, فإن استقر ونبت, فلا شيء عليه ما لم يحصل فيه نقص.
قال الماوردي: فإن قيل: أليس لو اخذ صيد الحرم, وأطلقه في الحل, لم يجب عليه رده إلى الحرم, فهلا كان الشجر كذلك؟ قيل: لأن الصيد يقدر على الرجوع إلى الحرم بنفسه, فلم يجب عليه رده, وليس كذلك الشجر.
ولو غرس ما قلعه في الحرم- أيضًا- ونبت فلا شيء عليه ما لم يحصل فيه نقص, ولا يجب عليه نقله إلى موضعه؛ لأن حرمة سائر الحرم واحدة؛ قاله الماوردي وغيره من العراقيين.
قال: وإن قطع غصنًا منها, ضمن ما نقص؛ لأن أغصانها منها كأعضاء الحيوان منه.

وعلى هذا إذا كان النقص عشر القيمة مثلاً, فهل يجب عشر ما يجب في الجملة, أو عشر قيمته؟ الكلام فيه كما في جرح الصيد؛ قاله القاضي الحسين.
وقد أفهم قول الشيخ أمرين: أحدهما: أنه لا فرق بين أن يكون الغصن المقطوع في الحرم أو الحل, وهو الذي صرح به الأصحاب, كما صرحوا بأنه لو قطع غصنًا في الحرم من شجرة أصلها [في] الحل, لا جزاء عليه؛ نظرًا للأصل.
نعم: لو كان علي الغصن طائر, حرم صيده على من في الحل, وهو حلال في الصورة الأولى دون الثانية؛ لأن له حكم نفسه كما تقدم.
الثاني: أن محل الضمان إذا نقص من قيمتها شيء, أما إذا لم تنقص بالقطع بان قطع الأفنان, وهي الأغصان الصغار, فلا يضمن, وهو ما صرح به أبو حامد؛ لأنه لا يضر بها.
قال: ويخالف [هذا] ريش الطائر, وشعر الصيد؛ فإنه يضر به أخذه؛ فإنه يطير به, ويقيه البرد والحر.
وفي "تعليق البندنيجي": أن الشافعي- رضي الله عنه- قال في القديم: ويقطع السواك من فروع الشجر, ويؤخذ الورق والثمر منها للدواب إذا كان ذلك لا يميتها ولا يضرها؛ لأن هذا يستخلف, فيعود كما كان.
قال: فإن عاد الغصن, سقط الضمان في أحد القولين, ولم يسقط في الآخر.
هذان القولان ينبنيان على ما إذا قلع سن كبير فعاد, هل يسقط الضمان أم لا؟ كما سيأتي: فمن قائل: يسقط؛ لعوده.
ومن قائل: لا يسقط؛ لان العائد غيره, وهو الذي صححه النواوي.
وفي "الإبانة", و"تعليق القاضي الحسين": أنه ينظر: فإن لم يكن يخلف في تلك السنة ضمنه, وإلا فلا.
ثم قال القاضي: وفيه نظر.

ولو كان قد أخذ الغصن المقطوع, وغرسه في الحرم, فإن مات, فالحكم [كما] تقدم, وإن نبت, فلا ضمان عليه بلا خلاف, ويثبت لهذا الغصن حكم أصله حتى لو قلعه قالع ضمنه.
وقال صاحب التلخيص: إذا كان يعتبر القصد فلا تثبت الحرمة لهذه الشجرة.
ومن طريق الأولى جريان مثل ذلك فيما لو غرسه في الحل, ونبت ألا تثبت له حرمة الحرم.
وقد أطلق الأصحاب القول بأنه لو غرسه في الحل فإن لم ينبت, فالحكم كما لو غرسه في الحرم ولم ينبت.
وإن نبت وجب عليه نقله للحرم, فلو قلعه قالع في الحل ضمنه [وقال الإمام: فيه تردد ظاهر عندي] وكان القرار عليه, كما لو غصب شيئًا, فأتلفه غيره في يده؛ قاله البندنيجي.
وحكم النواة- كما قال الفوراني- حكم الغصن في كونه إذا استنبت في الحل يكون إذا طلع حكمه حكم الأصل.
قال: وإن أخذ أوراقها- أي: ولم تجف في- لم يضمن؛ لأنها تستخلف في الغالب.
نعم: هل يجوز ذلك؟ الذي أورده الماوردي الجواز في حال جفافه, والمنع في حالة رطوبته؛ لأن فيه إضرارًا بالشجرة, فلا يجوز؛ كنتف شعر الصيد وقد يشهد لما نصه في "الإملاء" "ولا يخبط ورق الشجر للدواب".
لكن الذي أطلقه الجمهور الجواز, [و] قالوا: إن أخذه لا يضر بها.
ولفظ البندنيجي: أن له خبط ورق الشجر والأفنان الرطبة الغضة التي تحل محل الورق, وأخذ ذلك؛ لعلف الدواب, وغير ذلك, وقال: إنه نص عليه في القديم.
وليس هذا مع ما قاله في "الإملاء" باختلاف قول, وإنما منع منه في "الإملاء"؛

لأن العصا إذا وقع عليها وصل إلى القضبان, فقشرها, وربما كسرها؛ فلهذا منع منه.
تنبيه: قد ذكرنا أنه إنما لم يضمن الورق؛ لأنه يستخلف في الغالب, ومنه يظهر لك أنه يجوز إخراج ماء زمزم؛ لأنه يستخلف, وقد صرح به الأصحاب, وقالوا: لا يكره؛ لأن عائشة كانت تفعل ذلك, وهذا بخلاف تراب الحرم وأحجاره؛ فإنه لا يجوز إخراجها لعدم استخلافهما؛ قاله في "المهذب", و"الحاوي" وغيرهما, فلو أخرج شيئًا من ذلك وجب عليه رده.
ومن طريق الأولى أنه لا يجوز أخذ شيء من طيبها, ويجب رده على من أخذه, وبه صرح الأصحاب.
وقالوا: من أراد التبرك فليأت بطيب من عنده, يمسحها به, ثم يأخذه.
لكن المذكور في "الإبانة" و"تعليق القاضي الحسين": إنه يجوز إخراج التراب, لكنه مكروه.
وقياس ذلك أن يطرد في الحجر, وقد صرح به الرافعي فيه أيضا, ولم يحك سواه, ويمكن أخذه من قول الشافعي- رضي الله عنه- في القديم: "وأكره أن يخرج [من تراب الحرم وأحجاره] شيء إلى غيره".
ثم قال الشافعي- رضي الله عنه- وقد رخص بعض الناس في ذلك, [واحتج] بشراء البرام من "مكة", والبرام من الحل على يومين أو ثلاثة, يعني: ليس في الحرم, فلا حجة في [ذلك].
لكن في "البحر": أن هذا يدل علي أنه يجوز ذلك, ويكره, وأن بعض أصحابنا ذكر ما يدل على أنه يحرم, ولكن لا يضمن, وهو خلاف المذهب.
وقد أعرب الرافعي فحكى عن الشيخ أبي الفضل بن عبدان: أنه لا يجوز قطع شئ من ستر الكعبة- شرفها الله تعالى -ونقله وبيعه وشراؤه, وأن من حمل منه شيئًا فعليه رده, وهو قاعد ما لا يستخلف.

وقول أبي عبد الله الحليمي- ويوافقه قول ابن القاص: لا يجوز بيع كسوة الكعبة.
وقال ابن الصلاح: الأمر فيها إلى الإمام يصرفها في بعض مصارف بيت المال بيعًا وعطاء, واحتج بما ذكره الأزرقي أن عمر بن الخطاب كان ينزع كسوة البيت كل سنة, فيقسمها على الحاج.
قال النواوي: وهذا حسن.
وقد روى الأزرقي عن ابن عباس وعائشة أنهما قالا: تباع كسوتها, ويجعل ثمنها في سبيل الله, والمساكين, وابن السبيل.
وقالا: وكذا أم سلمة: ولا بأس أن يلبس كسوتها من صارت إليه من حائض وجنب وغيرهما.
قال: ويحرم قطع حشيش الحرم؛ لقوله- عليه السلام- في الحديث السابق الذي رواه ابن عباس: "ولا يُخْتَلى خلاه"؛ كذا قاله [بعض] من الأصحاب, ومنهم ابن الصباغ, والقاضي أبو الطيب والماوردي.
ولك أن تقول: الخلا بفتح الخاء مقصورًا: النابت ما دام رطبًا, وكذلك العشب, فإذا يبس فهو الحشيش والهشيم, ولا يقال له رطبًا: حشيش.
وذكر ابن مكي وغيره من لحن العوام [إطلاق] الحشيش [على الرطب, وإذا كان كذلك, فكيف يحسن الاستدلال من الحديث على تحريم قطع الحشيش]

ولأجل ذلك قال النواوي: إن البغوي وغيره قالوا: اليابس والرطب يحرم قلعه وقطعه.
قلت: ويدل عليه قوله - عليه السلام- "يختلى"؛ فإن معناه: ينتزع بالأيدي وغيرها من المناجل.
وأما اليابس فيحرم قلعه, ولا يحرم قطعه, فقول المصنف: "يحرم قطع حشيش الحرم" بالطاء مع أن الحشيش هو اليابس يخالف ما ذكره الأصحاب, وكان ينبغي أن يقول: " [يحرم] قلع الحشيش" باللام, أو "قطع الخلا", كما جاء في الحديث.
قال: وأقرب ما يعتذر عنه أنه سمي الرطب: حشيشًا باسم ما يئول إليه؛ لكونه أقرب إلى أفهام أهل العرف.
قال: إلا الإذخر؛ لحديث ابن عباس, وألحق الأصحاب به ما يتداوى به كالسنا؛ لأن إباحة الإذخر إنما كانت لأجل الانتفاع به, فألحق به ما ينتفع به دواء.
وفي" الوسيط" حكاية وجه آخر: أنه لا يلحق بالإذخر غيره وإن مست إليه الحاجة كما في الإذخر, وحكاه الإمام عن رواية صاحب التلخيص.

والإذخر بكسر الهمزة, والخاء المعجمة: نبت المعجمة: نبت طيب الرائحة, تسقف به البيوت فوق الخشب.
قال: والعوسج- أي بفتح العين والسين- لأنه يؤذي فأشبه ما يؤذي من الصيود, وهذا ما ذكره الماوردي, والفوراني, وأكثر الأصحاب, وألحقوا به كل شجر مؤذٍ.
وقد حكى القاضي الحسين ذلك في موضع من تعليقه, وحكى في موضع آخر منه وجهًا أنه يحرم قطع العوسج وغيره من الشوك؛ لأن أكثر شجر الحرم هكذا, وهو الذي صححه في" التتمة"؛ لإطلاق الخبر.
وقال النواوي: إنه المختار.
ثم على طريفة الشيخ وغيره - وهي تحريم قطع العوسج- لو قال الشيخ "والشوك" بدل"العوسج" لكان أقرب.
واعلم أن كلام الشيخ يفهم أن العوسج من جملة حشيش الحرم, وقد عده الإمام من شجر الحرم؛ كالطرفاء والأراك, وهو الذي يفهمه كلام الفوراني والقاضي الحسين.
قال: فإن قطع الحشيش ضمنه بالقيمة؛ لأنه يحرم قطعه فضمن كالشجر, لكن ضمان هذا بالقيمة؛ لأنه القياس, ولم يرد فيه ما يقتضي خلافه.
قال: فإن استخلف- أي: كما كان- سقط عنه الضمان- أي: قولًا واحدًا- كما قال البندنيجي؛ كما لو عاد سن الصغير الذي لم يثغر.
قال النواوي: لو قال الشيخ "أخلف", لكان أجود.
أما إذا استخلف ناقصًا, فعليه ما نقص.
قال البندنيجي: وفي "البحر" أنه قيل: يتصدق عنه بشيء.

وما ذكره الشيخ هو المشهور.
وفيما وقفت عليه من" تعليق القاضي أبي الطيب": أنه إذا عاد لا يسقط قولًا واحدًا, ويفارق حكمه إذا قطع غصنًا من شجرة, ثم نبت كما كان؛ حيث قلنا: في ذلك قولان؛ لأن الحشيش إذا قطع نبت في العادة, فلو أسقطنا الضمان عن قاطعه بعوده, أدى ذلك إلى إباحة قطعه, والغصن إذا قطع من الشجرة [فعود نباته] غير معتاد؛ فلذلك قلنا إذا نبت في سقوط الضمان عن قاطعه قولان, وصار هذا بمثابة قولنا: من قلع سن صغير لم يثغر: أنه يضمنها, وإن عاد نباتها قولًا واحدًا- يعني: بالحكومة- ومن قلع سن رجل ثم نبت, ففي سقوط ضمانها قولان.
تنبيه: ما ذكره الشيخ يقتضي أنه لا فرق في تحريم قطع الحشيش بين أن يكون لعلف الدواب أو غيره؛ كما إذا قطعه للبيع وغيره من الأغراض سوى العلف, وهو وجه حكاه الشيخ أبو علي في شرح التلخيص, ووجهًا آخر- قال الرافعي: إنه أظهر-: أنه لا يحرم أخذه لعلف الدواب.
قلت: ويمكن أخذهما من نصين للشافعي- رضي الله عنه-: أحدهما: قاله في القديم: أن له أن يأخذ الورق للدواب والعلف والأفنان الغضة التي تحل محل الورق.
والثاني: قاله في" الإملاء" لا يخبط ورق الشجر للدواب؛ لأن عمر رأى رجلًا يخبط شجر الحرم, فنهاه عنه, وإذا كان في أخذ الورق قولان, فكذا في الحشيش.
لكن قال: في "البحر" و"تعليق البندنيجي" و"الطبري"- كما تقدم-: أن المسألة ليست على قولين, بل هي على اختلاف حالين: فالقديم محمول على ما إذا كان الخبط لا يفسد الأغصان الكبار.
والذي قاله في" الإملاء" محمول على ما إذا كان الخبط يخدش الأغصان والشجر ويُضِرُّ بها, وربما يكسرها.
وذكر صاحب الفروع حالين غيرهما, فقال: إن كانت الأوراق ساقطة, والأغصان يابسة, جاز, وإلا لم يجز.

وذكر أنه يجوز أخذ اليسير من حشيش الحرم.
قال: ويجوز رعي الحشيش؛ لأنه- عليه السلام- سوَّى بين المدينة ومكة, حيث قال: " إن إبراهيم حرم مكة, وإني حرمت المدينة [كما حرم الله مكة, ودعا لأهلها, وإني دعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا] " ... الحديث, أخرجه مسلم.
قال في المدينة- كما سنذكره-: "ولا يصلح أن يقطع فيها شجر إلا أن يعلف رجل بعيره", وهذا يدل على إباحة القطع للعلف؛ فيكون العلف من طريق الأولى.
وقد قال الماوردي: إنه جاء في رواية أبي هريرة: أن النبي- صل الله عليه وسلم- قال: "ولا يختلى خلاها إلا لعلف الدواب".
ولأن الحاجة تدعو إليه؛ فجاز؛ كقطع الإذخر, والنهي لحفظ المراعي على الدواب.
قال: ويحرم صيد المدينة كما يحرم صيد الحرم, للخبر الذي ذكرناه عن رواية مسلم, وأخرج- أيضًا- عن جابر أنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-" إن إبراهيم- عليه السلام- حرّم مكة, وإني حرمت المدينة ما بين لابَتَيْها, لا يقطع عضاهها, ولا يصاد صيدها", وروى أبو داود عن علي بن أبي طالب في قصة طويلة أنه- عليه السلام- قال: " المدينة حرام لا يتخلى خلاها, ولا ينفر صيدها, ولا يلتقط لقطتها إلا لمن بينها, ولا يصلح أن

يقطع فيها شجر إلا يعلف رجل بعيره".
وقد دل ما ذكرناه على تحريم صيد المدينة, وقطع شجرها, وما في معناه, وهو الذي صرح به الأصحاب, ولم يذكره الشيخ للعلم أن ما حرم صيده, حرم قطع شجره, كالحرم.
وقد حكى في" البحر" أن الشافعي- رضي الله عنه- قال: " ولا يحرم قتل الصيد إلا صيد الحرم, وأكره صيد المدينة", وأن بعض الأصحاب قال: ظاهر كلام الشافعي- رضي الله عنه- أنه كرهه كراهة تنزيه؛ لأنه قال:" لا يحرم إلا صيد الحرم"؛ ولأجل ذلك حكى الفوراني قولًا: أن المدينة كسائر البلاد؛ فلا يحرم صيدها, ولا قطع شجرها, والأكثرون على التحريم, وقالوا: المراد كراهية تحريم.
[وعلى هذا] قال: إلا أنه لا يضمن إلا إذا تلف في يده أو بفعله [كما] قال الأصحاب؛ لأنه موضع يجوز دخوله من غير إحرام؛ فلم يضمن صيده؛ كصيد وجّْ, وأنه لا ضمان فيه, وصرحوا به في مواضع أخر, وأنه يحرم] قطع شجره أيضًا.
واستدلوا على تحريم ذلك بما رواه ابن الزبير: أنه- عليه السلام- لما توجه إلى الطائف, فبلغ وج, قال: "صيد وج وعضاهه حرام محرم".
ولا شك في جريان القول المذكور في أن صيد المدينة وقطع شجرها لا يحرم [جارٍ] في صيد وج وشجره, وقد حكاه الشيخ أبو علي, وجعل النهي نهي كراهة, ولم يذكر في" الوجيز" غيره, لكن الجمهور على التحريم كما ذكرناه, وأنه لا ضمان فيه.
ومنهم من قال: إنه يجري فيه القول- الذي سنذكره في صيد المدينة وشجرها-.

قال: وفيه قول آخر- أي: قديم: أنه يسلب القاتل؛ لما روى أبو داود عن سليمان ابن أبي عبد الله قال: رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلًا يصيد في [حرم] [المدينة في الحرم] الذي حرم رسول الله- صل الله عليه وسلم-, [فسلبه ثيابه؛ فجاء مواليه إليه, فكلموه فيه, فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حرم] هذا الحرم, وقال: "من أخذ أحدًا يصيد فيه, فليسلبه"؛ فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-, ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه".
وهذا القول قول جارٍ فيما إذا قطع شجرها؛ لرواية مسلم في صحيحه من حديث عامر: أن سعد بن أبي وقاص ركب إلى قصره بالعقيق, فوجد عبدًا يقطع شجرًا أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد, فكلموه أن يرد علي غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم, فقال: معاذ الله أن أراد شيئًا نفلنيه رسول الله- صل الله عليه وسلم-.
فعلى هذا يسلب الصائد وقاطع الشجر كما يسلب المقتول من الكفار حتى سراويله وفرسه وكل ما هو متصل به؛ كما سيأتي في موضعه؛ صرح به العراقيون, وكذا الماوردي, لكنه قال: إنه يترك عليه ما يستر عورته.
وقال في" البحر": إنه قريب عندي.
والأولون قالوا: يقال له: أصل ما يستر به.
وقال المراوزة: يسلب ثيابه, وفي حليه وجهان: وعلي كل حال فالسلب يكون للسالب على أحد الوجهين في "الحاوي" وغيره, وهو اختيار القاضي أبي الطيب, وبه جزم الفوراني, لحديث سعد.
ومقابله: أنه يكون لمساكين المدينة, كما أن جزاء صيد الحرم لمساكينه.

قال في "الوسيط" تبعًا لإمامه وغيره: ولا فرق فيهم بين القانطين بها, والعابرين؛ كما في الحرم, لكن الأولى صرفه للقاطنين.
وحكى الشيخ أبو محمد عن الأستاذ أبي إسحاق والقفال: أنه يترك في بيت المال, ويكون سبيله سبيل السهم المرصد للمصالح.
ولا فرق على القول بأنه يسلب القاتل بين صيد وصيد, وكذا حكم الشجر.
وقال الإمام: إن بعض أصحابنا ذكر أن الواجب في صيد المدينة وشجرها كالواجب في حرم مكة.
وعلى هذا لا خفاء في الحكم, وأما على قول السلب, فغالب ظني أن الذي يهم بالصيد لا يسلب حتى يصطاد [, ولست أدري أيسلب إذا أمسك الصيد, أو ذلك إذا أتلفه]؟ كل ذلك محتمل.
وقال الرافعي: إن السابق إلى الفهم من الخبر وكلام الأئمة: أنه يسلب إذا صاد, ولا يشترط الإتلاف.
والجديد الصحيح ما ذكره الشيخ أولًا, وحديث سعد قد سئل أبو حاتم الرازي عن سليمان راويه؟ فقال: ليس بالمشهور؛ فيعتبر بحديثه, وإن صح فلعله كان في الوقت الذي كانت العقوبات فيه بالأموال, ثم نسخ ذلك.
وهذا ما يجاب به- أيضًا- عن الحديث الذي رواه مسلم عن سعد.
قال: وما وجب على المحرم أي: بسبب الإحرام- من طعام وجب تفرقته على مساكين الحرم: كالهدي, لكن ما يعطي كل مسكين منهم؟ أطلق بعض الشراح فيه حكاية وجهين: أحدهما: [مد] , وهو اختيار ابن أبي هريرة.
والثاني: ما شاء, ومراده فيما عدا كفارة الأذى, أما في كفارة الأذى, فقد نص النبي- صل الله عليه وسلم- في حديث كعب بن عجرة على القدر المدفوع؛ فلا يجوز الزيادة عليه, ولا

النقصان منه؛ صرح به الماوردي.
والحكم فيما إذا وجب الطعام على المحل بتوابع الإحرام, وهو ترك الرمي بعد التحللين ونحوه- كالحكم فيما إذا وجب في الإحرام؛ لكونه من توابعه؛ فألحق به؛ صرح به الإمام.
قال في" البحر": ويجب أن ينوي عند تفرقة الطعام كما ينوي في الكفارة.
قال: وما وجب [أي:] عليه- من هدي, أي بسبب ترك مأمور: كترك الإحرام من الميقات ونحوه, [أو ارتكاب محظور كالحلق وقتل الصيد ونحوه] والاستمتاع وكذا دم التمتع والقران والفوات ونحوه.
قال: وجب ذبحه في الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] , وقوله تعالى ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33] , وقوله عليه السلام: "فجاج مكة كلها طريق ومنحر".
وهذا يدل على تخصيصها بذلك.
قال الإمام هنا والماوردي وغيره في باب الهدي: ولا يتعين الذبح [في] يوم النحر وأيام التشريق, بل يجوز قبلها وبعدها.
نعم: المستحب أن يكون فيها؛ تشبيهًا لذلك بالتطوع؛ ولذا يستحب أن يكون في موضع تحلله: فإن كان معتمرًا فعند المروة, وإن كان حاجَّا فبمنَى, سواء [كان] مفردًا أو متمتعًا أو قارنًا, قاله البندنيجي والماوردي والإمام, والله أعلم.

قال: وتفرقته على فقراء الحرم؛ لأنه المقصود من الهدي, وإلا فنفس الذبح بغير تفرقةٍ تَلْوِيثُ للحرم, وليس ذلك بقربة, بل مكروه.
قال ابن الصباغ وغيره: ويجوز أن يدفعه لمساكين الحرم بعد الذبح وتمليكهم إياه علي الإشاعة, وأي الأمرين فعل, خرج عن العهدة, ولا يخرج بمجرد الذبح عنها؛ حتى لو سرق لم يخرج عما في ذمته, ويجب عليه الإعادة.
قال الرافعي في باب الهدي: وله أن يشتري اللحم, ويتصدق به.
وفيه وجه آخر: أنه يكفيه التصدق بالقيمة.
قال الأصحاب: ويستحب أن يفرقه على القاطنين بالحرم؛ لأنهم أوكد [حرمة] من الطارئ إليه, فلو فرقه على القاطن دون الطارئ, أو على الطارئ دون القاطن, جاز؛ لأنهم قد صاروا من أهل الحرم بدخولهم إليه؛ وقد حكى البندنيجي ذلك عن نصه في "الأم".
قال الماوردي: وليس لما يعطيه, لكل واحد منهم قدر معلوم, ولا عدد من يعطيه معلوم نعم: لا يجوز أن يعطي أقل من ثلاثة مساكين ما كان يقدر عليهم؛ لأنه أقل الجمع المطلق.
قلت: ولقائل أن يقول: لم لا يجب تعميمهم إذا أمكن؛ لأنا على قول منع [نقل] الصدقة, نقول: إن أهل "السهمان" يملكونها حتى لو مات واحد من الفقراء, وله وارث غنى, صرفت إليه, والنقل هنا ممنوع؛ فيجب أن يجري في التفريغ عليه مجرى الزكاة.
ولا يجوز له الأكل منه بحال؛ صرح به الماوردي وغيره في باب الهدي, وقد يؤخذ من قول الشيخ: "وتفرقته على فقراء الحرم" وهذا الذي ذكره الشيخ هو المشهور.
وقد حكى في" البحر" قولًا عن القديم فيما إذا ارتكب في الحل ما يوجب دمًا: كما لو دفع من عرفة قبل الغروب: أنه لا يختص الهدي بالحرم؛ حتى لو ذبح في

الحل, وفرق اللحم في الحل, جاز؛ لان ذبحها لا يختص بزمان النسك؛ [حتى يجوز قبل يوم عرفة؛ فلا يختص بمكان النسك] بخلاف دم التمتع.
ويقرب من هذا ما حكاه الإمام من أن شيخه ذكر وجهًا غريبًا فيمن حلق قبل الانتهاء إلى الحرم: أن له تفرقة اللحم حيث حلق, واستدل له بحديثه- عليه السلام- مع كعب بن عجرة, وكان حلقه في محل بعيد عن مكة, ودلَّ ظاهر كلامه على التسلط على إراقة الدم وتفرقة اللحم, ثم قال: وهذا بعيد؛ فإن ما ذكره- عليه السلام- محمول على إعلامه كعبًا ما يجب عليه بسبب الحلق, فأما التعرض لتنجيز الإراقة وتعجيل تفرقة اللحم, فلم يتعرض له- عليه السلام.
قلت: بل ما ذكره- عليه السلام- في قصة كعب كالنص على جواز النحر في موضعه؛ فإنه جاء في رواية عامر عن كعب: أنه- عليه السلام- مرَّ به زمن الحديبية, فذكر القصة قال: " أمعك دم؟ " قال: لا.
وفي رواية البخاري ومسلم: " أتجد شاة؟ " قال: لا, قال: " فصم ثلاثة أيام, أو تصدق بثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين [بين] كل مسكينين صاع", أخرجه أبو داود.
نعم: يقع الرد على صاحب هذا الوجه من طريق آخر, وهو أن كعبًا كان محصرًا, فإنه- عليه السلام- ومن معه أحصروا عام الحديبية عن البيت؛ كما سنذكره, والجديد: أن المحصر يذبح ما عليه من دم حيث أحصر كما سنذكره, والمدعي هنا جواز الذبح لغير المحصر؛ فلا تنهض قصة كعب دليلاً عليه.
وقد حكى ابن الصباغ وغيره عن القديم [قولًا على غير هذا النحو, فقالوا: نصَّ الشافعي- رضي الله عنه- في القديم] على أن المحرم إذا اضطر إلى قتل الصيد,

أو الطيب, أو اللباس في الحل, وفعل ذلك في الحل- كان له الهدي في الحل؛ كالمحصر.
ثم قالوا: وهذا غير صحيح, لأنه دم تعلق بالإحرام؛ فأشبه إذا لم يضطر إلى سببه, ويفارق المحصر, فإنه متعذر عليه الوصول إلى الحرم.
ولأنه يتحلل في الحل, بخلاف مسألتنا.
وقد حكى الإمام أن صاحب التقريب ذكر وجهًا غريبًا على نسق آخر, فقال: كل ما أقدم عليه المحرم من موجبات الدم, وكان مسوغًا له بعذر وغير عذر, فله أن يريق الدم, [ويفرق اللحم] حيث شاء, وكل سبب يحرم الإقدام عليه, فإذا فرض صدوره من المحرم, كان النحر والتفرقة بالحرم, وأنه زيفه.
وإذا عرفت ما يجوز له فعله [مما ذكرناه] وما لا يجوز, فلو خالف ذلك , نظر: فإن كان بالذبح في الحل, والتفرقة فيه, لم يجزئه اتفاقًا على المشهور إلا دم الإحصار؛ كما سنذكره.
وإن كان الذبح في الحل لا غير, وقد نقله وفرقه على فقراء الحرم- نظر: فإن كان لم يتغير اللحم فوجهان.
المذهب المنصوص منهما: عدم الإجزاء؛ لأن إراقة الدم فيه مقصوده كالتفرقة.
وقد أشعر إيراد بعضهم بجواز الذبح في غير الحرم إذا كان النقل ممكنًا قبل تغير اللحم, وبه صرح في "الإبانة", ونقله قولًا للشافعي- رضي الله عنه- وعليه يحمل قول بعض الأصحاب الذي وافقه الإمام عليه: إن دماء الجبرانات لا يجب تبليغها الحرم؛ كما سنذكره في باب النذر.
وإن كانت المنعالفة بالذبح في الحرم, والتفرقة في الحل, لا يجزئه اتفاقًا وإن فرق ذلك على فقراء الحرم؛ لأن الآية لا يجوز أن تكون مختصة بالإراقة دون التفرقة؛

لأنها لا تفيد إلا [تلويثًا, وليس] تلويث الحرم قربة [بل صيانته عن الأنجاس قربة] ولو كانت المنعالفة بالأكل منه, ضمنه, وبماذا يضمنه؟ فيه الأوجه الثلاثة التي نذكرها في باب الأضحية.
أما ما وجب عليه أو على غيره لا سبب الإحرام وتوابعه: كنذر الهدي, فسيأتي الكلام فيه في باب النذر.
قال: [فإن كان محصرًا] جاز أن يذبح, ويفرق-[أي: دم الإحصار وغيره] حيث أحصر.
أما دم الإحصار, فللاقتداء برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه: روى ابن عمر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خرج معتمرًا, فحالت كفار [قريش] بينه وبين البيت؛ فنحر هديه, وحلق رأسه بالحديبية.
وروى مسلم وغيره عن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عام الحديبية البدنة عن سبعة, والبقرة عن سبعة, وبين الحديبية والحرم ثلاثة أميال.

ولأنه موضع تحلله؛ فكان موضع نحر هديه؛ كالخرم.
فإن قيل: قد روى أبو داود: أن ابن عباس قال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء, وهذا يدل على عدم إجزائه.
قيل: في إسناده محمد بن إسحاق, وهو متكلم فيه.
ثم إن صح فهو محمول على الاستحباب؛ كما استحب الإتيان بالعمرة وإن لم يكن قضاء ما أحصر عنه واجبًا [بالتحلل].
وأما غير دم الإحصار من الدماء الواجبة بسبب الإحرام؛ فلقصة كعب بن عجرة السالفة.
وأيضًا: فإطلاق خبر ابن عمر يدل عليه؛ وهذا هو الجديد.
وحكى البندنيجي: أن اضطر إلى قتل الصيد فقتله, أو [اضطر] إلى الحلق؛ فحلق- فإن عليه الهدي, ونحره في محله.
وإن كان الواجب بأمر لم يضطر إليه: كاللباس, [والحلق] والطيب, ونحو ذلك, فمحله الحرم, لا يجزئه غيره.
واعلم أن بعض الشارحين لهذا الكتاب فهم من كلام الشيخ جواز الذبح للمحصر حيث أحصر, وإن قدر على الوصول إلى الحرم [؛ فقال بعض شراحه: وقيل: إن أحصر في غير الحرم, وقدر على الوصول إلى الحرم] , لم يجزئه أن يذبح إلَّا في الحرم؛ لأنه يقدر على إبلاغه الحرم؛ وهذا الذي قاله صحيح فيما إذا كان قد أحصر عن البيت, لكن الذي فهمته من كلام الشيخ [هنا] أن مراده بالحصر هنا الإحصار

عن الحرم, لا عن البيت, والله أعلم.
ولو وجب عليه صوم, نظر: فإن كان صوم تمتع, فقد تقدم ذكره.
وإن كان غيره, صام حيث شاء من الأمكنة؛ إذ لا منفعة لأهل الحرم في صيامه.
قال في "الحاوي": لكن صيامه في الحرم أولى؛ لشرف المكان, وقرب الزمان.
وهل تجب المتابعة فيه؟ فيه وجهان في "الحاوي".
وقد نجز شرح مسائل الباب, ولنختمه بفروع تتعلق به.
إذا وجب على المحرم دماء ليس فيها جزاء صيد, ويجزئ في كل منها شاة- جاز أن يخرج عن سبعة منها بدنة أو بقرة؛ لأن كل سبع منها قائم مقام شاة؛ ولذلك جاز لسبعة إخراجها عن سبع دماء واجبة عليهم؛ كما دل عليه خبر جابر في عام الحديبية, وخبر أبي هريرة الذي أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن.
وكذا يجوز لمن عليه شاة: أن يخرج سبع بدنة أو بقرة, ويمسك الباقي لنفسه لحمًا, ولو أخرج جميعها عن الشاة أجزأت؛ لكن الواجب كلها أو سبعها؟ فيه خلاف.
وأما جزاء الصيد فالمعتبر فيه المماثلة؛ فلا يجزئ فيه إلا [المثل] المسمى.
وعلى هذا فلا يجوز لمن [وجب] عليه بدنة أن يخرج عنها بقرة أو سبعا من الغنم.
وقال القاضي الحسين: إنها إذا وجبت في غير جزاء الصيد, كان له ذلك ويجزئ.
وفي ذلك نظر؛ لما تقدم: أن كفارة الجماع مرتبة على الصحيح, ويجب فيها البدنة.

وجوابه أن يقال: ذكره تفريعًا على القول بأنه مخير في البدنة والبقرة والغنم بلا خلاف, وقد حكى في "البحر" وجهًا عن رواية ابن المرزبان أنه يجزئ إخراج البقرة وسبع من الغنم عن البدنة الواجبة بقتل النعامة.
ولو وجب على شخصين دمان بسبب قران وتمتع, فأخرجا شاة واحدة عنهما- لم يكتف بها, وماذا يجب عليهما؟ فيه وجهان في "الحاوي" في باب النذر: أحدهما: يجب على كل منهما شاة؛ لان هذه لم تقع الموقع.
والثاني: قال- وهو الصحيح-: أنه يجب على كل [واحد] منهما نصف شاة, والله عز وجل أعلم.

باب صفة الحج

هذا الباب مسوق لبيان صفة الحج المشتملة على الفرائض والواجبات والسنن, وأكثر ما فيه تشارك العمرة فيه الحج كما سنبينه, ويقتضيه كلام الشيخ- أيضًا- في هذا الباب, وبعد, حيث لم يبين في

باب صفة العمرة

[جميع] صفأنها.
قال الشيخ- رحمة الله عليه-: إذا أراد المحرم دخول مكة, اغتسل-أي: في طرفها- كما نص عليه الشافعي- رضي الله عنه- في "الأوسط", لما روى البخاري قال: كان ابن عمر إذا دخل [أدنى] الحرم, أمسك عن التلبية, ثم يبيت بذي طوى, ثم يصلي الصبح, ثم يغتسل, ويحدث أن النبي- صل الله عليه وسلم- كان يفعل ذلك.
و"ذي طوى"- بفتح الطاء-: طرف مكة.
قيل: سمي بذلك؛ لأن بئرها كانت مطوية بالحجارة, ولم يكن هناك غيرها؛ فنسب الوادي إليها.
وقد نقل عن الشافعي- رضي الله عنه- أنه قال: "وأحب للمحرم أن يغتسل من ذي طوى".
قال معظم الأصحاب: وذلك إذا كان طريقه عليها, فإن كان على غيرها, اغتسل من حيث ورد من طريقه لدخول مكة؛ لأن الغرض الاغتسال لا البقعة و [قد] كان عمر بن عبد العزيز يغتسل لدخول مكة من بئر ميمون؛ لأن طريقه كان عليها.

وأطلق القاضي أبو الطيب القول بأن اغتساله من ذي طوى وغيرها سواء.
هذا هو المشهور.
وفي "التتمة" أن المقصود من هذا الاغتسال التنظيف لا للتعبد؛ حتى يصح من غير نية وتؤمر به الحائض.
تنبيه: قول الشيخ: "إذا أراد المحرم ... " إلى آخره يقتضي أمرين: أحدهما: أنه لا فرق في هذه السنة بين أن يكون قد أحرم بحج أو عمرة أو بهما؛ إن لم نضمر فيه شيئًا, وهو موافق لما ذكره ابن الصباغ عن ابن عمر: أنه كان إذا خرج حاجًّا أو معتمرًا بات بذي طوى .. وساق الحديث, ولا شك في ذلك إذا كان المحرم آفاقيًّا, وقد أحرم من الميقات, أما إذا كان [قد] خرج من مكة, واحرم بالعمرة, ففي "الحاوي": أنه ينظر: فإن أحرم من موضع بعيد كـ "الجعرانة", والحديبية فيجب أن يغتسل ثانيًا؛ لدخول مكة؛ كما في الداخل إليها من غيرها.
وإن احرم من موضع يقرب من "مكة": كالتنعيم, أو من أدني الحل- لم يغتسل ثانيًا؛ لأن الغسل إنما يراد للتنظيف وإزالة الوسخ عند دخوله, وهو [باقٍ في] النظافة بغسله المتقدم مع قرب الزمان ودنو المسافة.
قلت: ويظهر أن يقال بمثل ذلك في الحج: إذا أحرم به من التنعيم, أو أدنى الحل؛ بكونه لم يخطر له ذلك إلا فيه.
أما إذا أضمرنا بعد قوله: "إذا أراد المحرم" لفظه به ويعيد الضمير على الحج- فلا يقتضي [ذلك] مشاركة المعتمر الحاج في هذه السنة.
الثاني: أنه لا فرق في هذه السنة وما بعدها إلا ما نبه عليه- بين الرجل والمرأة, الطاهر والحائض والنفساء, وليس كذلك, بل بعض السنن مختص بالرجال كما سنبينه, والبعض يشترك فيه الرجال والنساء, ومنه سنة الغسل؛ لأنه يستحب لها

الاغتسال للإحرام- كما تقدر- للخبر, ومن [استحب له الغسل للإحرام] , استحب له الغسل لدخول مكة؛ كالرجل.
وما استدل به بعضهم على ما ذكرناه من قوله- عليه السلام- لعائشة وقد حاضت وهي تبكي: "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم, فاغتسلي, وأهلي [بالحج] وحجي, واصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت ولا تصلي" ومما يفعله [الحاج] الاغتسال- فلا دلالة فيه على ما ادعيناه؛ لأن هذا القول لها من رسول الله –صل الله عليه وسلم- يوم التروية وهي بـ "مكة" حين ذهاب الناس إلى الحج, كما ورد في تتمة الخبر المذكور.
ومما ذكرناه من الدليل يظهر لك أن الداخل لمكة إذا لم يجد الماء تيمم, وإن قدر على الوضوء فقط توضأ؛ كما ذكره في الإحرام, وقد حكيته من قبل, وصرح به الماوردي [هنا].
[تنبيه] آخر: مكة: ذكرها الله-تعالى- في كتابه في قوله تعالى-: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: 24].
وقال- تعالى ذكره-: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّة﴾ [آل عمران: 96] , واختلف العلماء في ذلك: فقال قوم: هما لغتان, والمسمى واحد.
وقال آخرون: المسمى بهما شيئان, وهؤلاء اختلفوا: فقال إبراهيم ويحيى: مكة: اسم البلد, وبكة [اسم] البيت.

وقال زيد بن أسلم: مكة [اسم] الحرم, وبكة: المسجد كله.
قال: ويدخل من ثنية كداء [بيته, كذا] من أعلى مكة, وإذا خرج, خرج من ثنية كداء من أسفل مكة؛ لما روى البخاري ومسلم عن عائشة: أن النبي- صلى الله عليه وسلم-, كان إذا دخل مكة, دخل من أعلاها, وخرج من أسفلها.
ورويا- أيضًا- وغيرهما عن ابن عمر أن النبي- صل الله عليه وسلم- كان يخرج- أي: من المدينة- من طريق الشجرة, ويدخل [-أي: إليها-] من طريق المُعَرَّس,: وإذا دخل [مكة] دخل من الثنية [العليا] , ويخرج من الثنية السفلى والشجرة: على ستة أميال من المدينة, وكذا المُعَرَّس: وهو بضم الميم وفتح العين, وتشديد الراء المهملة, وفتحها, وبعدها سين مهملة.
والثنية العليا التي [يدخل منها مكة] يقال لها: كَدَاء: بفتح الكاف, والمد.
والسفلى التي يخرج منها, يقال: كُدَا بضم الكاف, والقصر, وهما جبلان قريبان من مكة؛ قال الجوهري.
وقال النواوي: الثنية: الطريق الضيق بين جبلين.
وكَداء المفتوحة ينزل منها على الأبطح ومقابر مكة, والمضمومة السفلى عند قُعَيقعان, وهي طريق العمرة.
وقد ذكر القاضي الحسين في التعليق: أن الثنية العليا [التي يدخل منها] بضم الكاف, والسفلى [التي يخرج منها] بفتح الكاف.

وقال الرافعي في الثنية العليا ما ذكرناه من قبل, وقال في الثنية السفلى-إنها- بضم الكاف, وأن الذي يشعر به كلام الأكثرين: أنها بالمد-أيضًا- ويدل عليه: أنهم كتبوه بالألف.
وقال النواوي في" الروضة": الصواب الأول, وهو الذي أطبق عليه [المحققون من] أهل الضبط, ولا اعتداد بغيره, وأما كتابته بالألف فليست بلازمة للمد.
وهذه السنة يشترك فيها الرجال والنساء.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمورًا: أحدهما: أنه لا فرق فيما ذكره بين أن يكون طريق الداخل والخارج من تلك الجهة أو من غيرها, وهو ما ذكره أبو محمد, وقال: إن كان [على] الطريق [الأول] , وإلا عدل إليه؛ تأسِّيًا به- عليه السلام- فإن الثنية العليا منحرفة قليلًا عن طريق مكة, وهي تقتضي إلى باب بني شيبة ورأس الردم, وطريق المدينة تفضي إلى [باب] إبراهيم.
وقد تبعهم [النواوي في "الروضة"] فقال: الصحيح: أنه يستحب الدخول من الثنية العليا [لكل آت من كل جهة.
وقال الصيدلاني: الدخول من الثنية العليا] ليس نسكًا, وإنما كانت طريقه- صلى الله عليه وسلم- فدخل منها.
قال الإمام: وما ذكره من الحكم هو الذي قاله الأئمة, وهو الأوجه عندي؛ فإن الممر والمسلك قبل الانتهاء إلى المسجد لا يصح تعلق النسك به.
وما ذكره شيخي [يعني: والده]- من أن الثنية منحرفة قليلًا عن طريق مكة إلى آخره صحيح, ويمكن أن يحمل دخول رسول الله- صل الله عليه وسلم- منها على غرض

أو سبب يتعلق بالعبادة, لم يعتن الرواة بنقله.
[قلت: لعل مراد الصيدلاني بكونه على طريقه: أنه على طريق من يقصد باب بني شيبه, وقد توافقوا على أن الدخول منه مطلوب وأنه- عليه السلام- قصده, وحينئذٍ لا اعتراض عليه, وهو الأقرب].
وفي "الحاوي" و"تعليق القاضي الحسين" و" التهذيب" أمر متوسط بين القولين: وهو أن ذلك سنة لمن جاء من طريق المدينة؛ كما اتفق النبي- صل الله عليه وسلم- أما من جاء من غيرها, فلا يكلف أن يدور حول مكة؛ ليدخل منها؛ لما فيه من المشقة.
الثاني: أنه لا فرق بين دخولها ليلًا أو نهارًا, وهو المذكور في "الحاوي", و"الشامل", و"تعليق أبي الطيب"؛ لأنه- عليه السلام- دخلها في عمرة الجعرانة ليلًا, ودخلها في عمرة القضاء, وعام الفتح, وفي حجة سنة عشر- نهارًا.
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر انه كان يدخل مكة نهارًا, ويذكر عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه فعله.
فإن قيل: إكثاره- عليه السلام- من الدخول في النهار يدل علي رجحانه عنده؛ فينبغي أن يكون مستحبًا.
قلنا: قد قال به في" التهذيب", [وأنه إذا دخلها] ليلًا لم يكره, وقد صححه النواوي في "الروضة", وقال: إن غير صاحب "التهذيب" قال به, وهو قول أبي إسحاق [وقد رأيته في "البحر" معزًا إلي أبي إسحاق, والمشهور أنه قول إسحاق] ابن راهويه.
والقائلون للأول أجابوا عن كثرة دخوله- عليه السلام-[نهارًا إنما] أجاب به ابن أبي رباح حين سُئل عن ذلك, وهو أنه- عليه السلام- كان إمامًا, فدخل مكة

نهارًا؛ ليرى الناس أفعاله؛ فيقتدوا به, وغيره ليس مثله.
الثالث: أنه لا فرق بين أن يدخلها راجلًا أو راكبًا.
[وفي "الروضة" حكاية وجهين في أن الأفضل دخولها ماشيًا أو راكبًا].
والصحيح, ولم يذكر في" البحر" سواه, الأول, وقال: إنه يستحب أن يدخلها بخشوع قلب وخضوع جسد.
واستحب النواوي: أنه إذا دخلها ماشيًا أن يكون حافيًا, وهو ما ذكره في" البحر" عن بعض الناس مستدلًا بقوله تعالى لموسى - عليه السلام- لقد حج هذا البيت سبعون نبيًّا, كلهم خلعوا نعالهم من ذي طوى؛ تعظيمًا للحرم".
قال الأصحاب: ويستحب أن يدخل إلى المسجد من باب بني شيبة؛ لأن عائشة كانت تدخل منه؛ اقتداء برسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وقال في "المرشد": غنه يستحب أن يخرج من باب بني مخزوم, وقد وافق البغوي وشيخه وغيرهما على استحباب الدخول من باب بني شيبة, وهو الباب الأعظم الذي يلي المعلى والردم, ويعرف قديمًا بباب بني عبد شمس؛ لأنه لم يكن على طريقه عليه السلام؛ فإن الداخل من طريق المدينة أول ما يصل إليه من أبواب المسجد باب إبراهيم- عليه السلام- وقد دخل من باب بني شيبة؛ فكان

سُنَّة لجميع الناس.
ولأنه لا مشقة كثيرة في دورانه حول المسجد؛ ليدخل منه.
قال الإمام: ولعل السبب في استحباب ذلك: أنه في جهة باب الكعبة، والركن الأسود.
وقال الماوردي: لأنه يكون محاذياً لوجه الكعبة، وبابها، والمنبر، والمقام، والركن؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: 189]. ويستحب أن يقول عند دخوله ما رواه أبو حميد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد، فليصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم، وليقل: اللهم إني أسألك من فضلك".
وقد قال عمر بن عبد العزيز لما دخل المسجد الحرام: "اللهم إنك قلت في كتابك: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا﴾ [آل عمران: 97] [اللهم] فاجعل أمننا عندك أن تكفينا مؤنة الدنيا، وكل هول دون الجنة".
قال: فإذا رأى البيت- أي: من عند رأس الردم- رفع يديه؛ لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ترفع الأيدي في [استقبال] البيت".

وروى ابن عباس أنه – عليه السلام- قال: "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: عند رؤية البيت، وعلى الصفا والمروة، وفي الصلاة، وفي الموقف، وعند الجمرتين ... ". وهذا من السنن التي يشترك فيها المحرم بالحج والعمرة؛ نص عليه في الجامع الكبير وحكاه القاضي أبو حامد في جامعه.
وقال في "الإملاء": ليس في رفع اليدين شيء أكرهه، ولا أستحبه، ولكنه حسن

للخبر.
قال: وقال: "اللهم زد هذا البيت، تشريفاً وتكريما وتعظيماً ومهابة، وزدْ من شرَّفه وعظَّمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً، وتكريماً، وتعظيماً، وبرًّا"؛ هكذا نص عليه في "الأم".
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك عند رؤية البيت؛ حكاه أبو الطيب وغيره قال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام"؛ ولما رُوِي عن سعيد بن المسيب أنه كان يقوله.
ويروى عنه أنه قال: "سمعت عمر بن الخطاب يقول ذلك لما رأى البيت ثم يدعو".
ولأن هذا الدعاء يليق بهذا المكان؛ فاستحب.
وقد روي أنه – عليه السلام- قال: "بفتح أبواب السماء واستجابة دعوة المسلم عند رؤية البيت".
وقد زاد في "المهذب" و"التتمة" مع ما ذكرناه: "وكرَّمه" بعد قوله: "وزد من شرَّفه".
وروى المزني عوض قوله: "وبِرًّا" و"مهابة" وغلطه الأصحاب فيه؛ لأنه خلاف المنصوص والمروي في الحديث، كما تقدم.
ولأن المهابة للبيت لا لمن عظمه.
قال في "البحر": وقد قيل: ما ذكره المزني مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم مرسلاً، رواه ابن جريج.

تنبيه: التشريف: الرفع: والإعلاء.
[و] التكريم: التفضيل.
[و] التعظيم: التبجيل.
[و] المهابة: التوقير والإجلال.
[و] البر: الاتساع في الإحسان والزيادة منه، وقيل: الطاعة، وقيل: اسم جامع لكل خير.
وقوله: "اللهم أنت السلام [ومنك السلام] ... " إلى آخره.
وقال الأزهري: "السلام" الأول: اسم الله تعالى، و"السلام" الثاني، معناه: من أكرمته بالسلام، فقد سلم، "فحينا ربنا بالسلام"، أي: سلمنا بتحيتك إيانا من جميع الآفات.
قال: ويبدأ يطواف القدوم؛ لما روى مسلم عن ابن عمر قال: "طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة، واستلم الركن لأول شيء، ثم خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة [أطواف،] ثم ركع حين مضى طوافه، وكان يسعى ببطن الوادي؛ إذا طاف بين الصفا والمروة.
وروى البخاري ومسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم "لما فتح "مكة" أتى الحجر، فاستلمه، ثم مشى على يمينه، ورمل ثلاثاً، ومشى أربعاً".
وهذا الطواف سنة للحاج رجلاً كان أو امرأة؛ إن كان فعله قبل الوقوف؛ لأن تحية

البيت كتحية المسجد، إلاَّ أن المرأة ذات الجمال والمنظر.
قال الشافعي - رضي الله عنه – "الواجب لها أن تؤخره إلى الليل؛ ليستر الليل منها"؛ قاله في "الأم".
ولفظه في القديم: "إذا قدمت المرأة مكة، وهي محرمة، فينبغي [لها] أن يكون أول ما تبدأ [به طواف] القدوم إلا أن تكون شريفة؛ فإنها تطوف ليلاً؛ لأن ذلك أستر لها".
فإن قيل: [لم] قدَّم الطواف على تحية المسجد، قيل: لأن القصد من إتيان المسجد البيت، وتحيته الطواف، ولأنها تحصل بركعتي الطواف.
[وإن كان] فعله بعد الوقوف بعرفة، وقع فرضاً؛ لأنه قد دخل وقت طواف الإفاضة، ولا يقع من الشخص طواف نفل في وقت يصح [منه] فيه طواف الفرض، وهو عليه.
ولهذا المعنى لو كان القادم محرماً بعمرة، لم يكن طواف القدوم سنة في حقه؛ لأنه يقع عن فرضه، نعم: تعجيله سنة.
ثم ما ذكره الشيخ من البداءة بطواف القدوم، فإنما هو إذا لم يكن [له] عذر، ولم يخف فوت مكتوبة، أو سنة راتبة، ولم يكن عليه قضاء [صلاة] فريضة؛ كما قال الماوردي.
فلو كان له عذر، بدأ بزواله، ولو خاف فوت ما ذكرناه فقد قال الشافعى- رضى الله عنه -: "أنه يبدأ به قبل [طواف القدوم ثم يأتي بالطواف؛ لأنه يفوت، و] الطواف لا يفوت".
ولو كان عليه قضاء مكتوية نسيها، ثم ذكرها، بدأ بها؛ قاله الماوردي وغيره.
وقال: إنه إذا حضر المسجد، ولم تقم الصلاة بعد، ولكن قرب وقت إقامتها.

بحيث لم يبق من الزمن ما يسع الطواف: أنه يشتغل بتحية المسجد.
وقال القاضي أبو الطيب: إنا نأمره بأن يطوف إلى حين تقام الصلاة، ثم يقطع طوافه، ويصلي مع الناس، فإذا فعل ذلك عاد، وأتم طوافه؛ لأنه لا يبطل بالتفريق؛ وهذا هو الصحيح، وإلاَّ فسيأتي خلاف في اشتراط الموالاة في الطواف.
وهكذا الحكم فيما لو كان في طواف الإفاضة، فأقيمت الصلاة، فإنه يستحب له أن يصلي مع الناس، ثم يعود إلى طوافه، ويبني عليه، نص عليه في "الأم".
نعم: قال قيما إذا خشي فوات الوتر، أو ركعتي الفجر، أو حضرت جنازة "فلا أحب له أن يترك طوافه لشيء من ذلك".
ووجهه: أن ذلك سنة أو فرض كفاية، [وما هو فيه من فروض الأعيان؛ فلا يترك لأجل سنة أو فرض كفاية].
وبهذا يظهر الفرق [بينه و] بين ما إذا خشي فوات ذلك، وكان في طواف القدوم [؛ لأن طواف القدوم] سنة على المذهب لا واجب.
وإنما لم يسقط طواف القدوم بأداء فريضة مؤداة، أو مقضية، أو سنة راتبة، وإن سقط بذلك تحية المسجد؛ لأن صورته لا توجد فى صورة الصلاة؛ بخلاف ركعتي التحية.
نعم: لو طاف طواف الفرض بأن كان معتمراً، فطاف عنها، أو طاف طوافاً منذوراً- تأدى بذلك سنة القدوم، قاله القاضي الحسين.
قلت: وكذا إذا طاف طواف الزيارة؛ بأن يكون لم يأت مكة إلا بعد الوقوف كأهل العراق، والله أعلم.
تنبيه: الطواف من طاف به، أي: ألمَّ، يقال: طاف حول الكعبة، يطوف طَوْفًا وطوفاناً، ويطَّوف، واستطاف؛ كله بمعنىً، وطاف طوفة، وطوفتين، وسبع طوفات.
وقد كره الشافعي - رضي الله عنه - أن يقال: "طاف أشواطاً" و"أدواراً"؛ لأن

مجاهداً كرهه؛ نص عليه في "الأم"0 وقال القاضى الحسين: إنما كرهه؛ لأن الشوط فى حقيقة اللغة: الهلاك؛ فكرهه لاسمه؛ كما كره اسم العقيقة؛ لما فيه من لفظ العقوق.
قال النواوي في "المناسك": [لكن] في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عباس تسمية الطواف شوط؛ فالظاهر: أنه لا كراهة فيه.
وفي الشرع ثلاثة أطواف؛ أحدها: طواف القدوم، ويقال [له] طواف القادم والورود [و] الوارد، والتحية.
الثاني: طواف الإفاضة، ويقال له: طواف الزيارة، وطواف الفرض، [وطواف الركن،] وطواف [الصَّدَر] بفتح الصاد والدال.
الثالث: طواف الوداع، ويقال [له]: الصدر.
قال: ويضطبع أي: الرجل- لما روى أبو داود وابن ماجه عن عمر بن الخطاب: أنه قال: "فِيمَ الرَّمَلان" والكشف عن المناكب وقد أضاء الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأراد عمر: أن السبب الذي [كان] لأجله شرع الاضطباع والرمل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة في عمرة القضاء، وقد وهنتهم الحمى، قال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا بها شرًّا، فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوه، فأمرهم أن يضطبعوا، وأن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، فلما رأوهم قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى وهنتهم، هؤلاء أجلد منا وما نراهم إلا

مثل الغزلان.
وإذا كان [هذا] الببب فهو قد زال.
و [قد] روي عن يعلى - وهو ابن أمة - قال: "طاف النبي صلى الله عليه وسلم مضطبعاً ببرد".
قال الترمذي: وهو حسن صحيح.
ولا يقال: إن هذا كان في ابتداء الأمر قبل الفتح؛ فلا حجة فيه؛ لما سنذكره من أنه اضطبع في عمرة الجعرانة، وهي بعد الفتح، وعام حجة الوداع؛ فدل على بقائه سنة.
[قال]: فيضع وسط ردائه- أي: بفتح السين تحت عاتقه الأيمن، ويطرح طرفيه على عاتقه الأيسر، لأنه - عليه السلام - وأصحابه فعلوه كذلك.
وروى أبو داود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى.
والاضطباع: مشتق من الضبع- بإسكان الباء -: وهو العضد.
وقيل: النصف الأعلى من العضد.
وقيل: منتصف العضد.
وقيل: الإبط.
وهو افتعال من الضبع، أبدلت التاء: طاء؛ لأن أصله الاضتباع.

قال الأزهري: ويقال الاضطباع: التأبط، والتوشح.
ثم ما ذكره الشيخ، ونقلناه من الخبر يفهم أن منكب المضجع الأيمن يكون مكشوفاً دون الأيسر، وهو المستحب.
ويدوم استحباب ذلك إلى أن يتم طوافه؛ لخبر يعلى، فإذا أراد أن يصلي ركعتيه، تركه؛ لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31].
ولأن [الاضطباع مكروه في الصلاة.
وإذا فرغ من الركعتين، أعاد الاضطباع للسعي؛ لرواية] يعلى بن أمية: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف مضطبعاً يين الصفا والمروة".
ولأنه أحد الطوافين؛ فكان مشروعاً فيه؛ كالطواف بالبيت؛ هكذا أورده العراقيون، وحكوه عن النص صريحاً، وهو الصحيح.
وكلام الشيخ يفهم: أنه يدوم مضطبعاً من حين يشرع في الطواف إلى أن يفرغ من السعي، وهو وجه حكاه الغزالي وغيره.
وقال القاضي الحسين: إنه يمكن أخذه من قول الشافعي - رضي الله عنه – على قراءة من قرأه ["ويضطبع للطواف حنى يكمل سعيه"، والأول موافق لقراءة من قرأه] "حتى يستكمل سبعة" بضم السين وفتحها.
وفي "تعليق القاضي أبي الطيب": أن لفظه في "المختصر": "حتى يتم سبعة"، وفي غيره: "حتى يتم سعيه"، وأن أبا إسحاق المروزي، قال: المسألة على اختلاف حالين: فالموضع الذي قال الشافعي: "حتى يتم سبعة"، أراد به: الطواف الذي لا يتعقبه سعي.
والموضع الذي قال: حتى يكمل سعيه أراد به إذا جمع الطائف بين الطواف.
وقال الداركي: هذا التأويل [وهم]؛ لأن عند الشافعي - رضي الله عنه - لا

يستحب الاضطباع [في طواف لا سعي بعده.
وقد قال غيره: إن كل طواف بدأ يعقبه السعي إذا صدر من رجل، شرع فيه الاضطباع]، سواء كان متعاطيه غريباً أو مكيًّا، وسواء كان الطواف فرضاً: كالطواف في العمرة، أو في الحج، إذا لم يتقدمه طواف القدوم، أو سُنَّةً: كطواف القدوم كما أفهمه كلام الشيخ.
لكن لماذا؟ هل لكونه مبتدأ به، أو لتعقب السعي؟ فيه قولان: الجديد الأول، والقديم الثاني: وهو الذي ذكره الماوردي، [وابن الصباغ].
وفي "المهذب": [وقضية] ذلك: أنه لو تركه في طواف القدوم، وقد تعقب السعي، لم يسن له الاضطباع فيما بعده؛ لفقد الأمرين، وهو الذي ذكره القاضي الحسين، [تبعاً للشيخ أبي حامد].
[لكن] في "المهذب" و"الشامل" حكاية وجهين في إعادته في طواف الزيارة عن رواية القاضي أبي الطيب.
والمذهب، والمختار في "المرشد": أنه لا يستحب.
ولو أراد أن يطوف للقدوم، ولا يسعى عقيبه، فهل يسن له الاضطباع؟ فيه قولان، حكاهما القاضي الحسين، ووجهان في "تعليق القاضي أبي الطيب"، وهما يجريان -كما قال القاضي الحسين- فيما لو طاف للقدوم، ولم يسع بعده، فهل يشرع في طواف الزيارة أم لا؟ بناء على القولين في المأخذ.
والذي حكام الماوردي وغيره الجزم بمشروعيته؛ لأنه طواف يعقبه السعي.
[ووجهه بعضهم - وهو ابن الصباغ بأنه يحتاج إلى الاضطباع في السعي] والسعي [تابع] للطواف، ويضطبع فيه دون الطواف.
[و] في "المهذب": أنه يكره فيه دون الطواف.

وحكم الصبي فيما ذكرناه حكم البالغ.
وحكى القاضي أبو الطيب عن ابن أبي هريرة من أصحابنا: أنه لا يشرع له الاضطباع؛ لأنه لإظهار الجلد، وليس الصبي عن أهل الجلد، وليس بشيء؛ لأن ذلك المعنى زال وبقي سنة.
قال: ويبتدئ من الحجر الأسود، فيستلمه بيديه؛ لما ذكرناه عن خبر ابن عمر وجابر.
[وعن جابر]- أيضاً – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحجر يمين الله في الأرض يصافح به عباده،] وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحجر يمين الله في أرضه فمن مسحه فقد بايع الله".
تنبيه: الحجر الأسود معروف، وقد ثبت عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نزل الحجر الأسود من "الجنة"، وهو أشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم" أخرجه الدارقطني، وقال هو والترمذي: إنه حديث حسن صحيح.
والاستلام: افتعال في التقدير، مأخوذ من السلام –بالكسر- وهي الحجارة السود، واحدها: سَلِمة.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل