كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 3-42
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 3-42
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

"الحج" في اللغة: القصد, ومنه سمي الطريق: محجة؛ لأنه يوصل إلى المقصد.
وقيل: هو العود مرة بعد أخرى.
وقال الخليل بن أحمد: هو كثرة القصد إلى من يعظم, ومنه قول الشاعر: وأشهد من عوف حلولًا كثيرةً يحجون سب الزبرقان المزعفرا أي: يقصدون, ويتكررون إليه, لسؤدده.
والسِّبُّ - بسين مكسورة, وباء ثانية الحروف-: العمامة.
وهو في الشرع: الإتيان بعبادة مشتملة على ما سنذكره من الأركان, وسمي به على القول ألأول؛ لأن البيت مقصود بالنسك فيه, وعلى القول الثاني والثالث؛ لأن الحاج يأتي البيت قبل الوقوف بعرفة, ثم يعود إليه لطواف الإفاضة, ثم ينصرف إلى منى, ثم يعود إليه لطواف الصدر؛ فيتكرر العود إليه مرة بعد أخرى مع التعظيم.
والأصل فيه -قبل الإجماع- من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً﴾ [الحج: 27] , فخاطب الله تعالى بذلك نبيه إبراهيم -عليه السلام- وروي أنه قال: "أي رب, أين يبلغ ندائي؟ " فقال الله تعالى: "عليك النداء, وعلينا البلاغ", فصعد على المقام -وقيل: على جبل أبي قبيس -وقال: يا عباد

الله, أجيبوا داعي الله؛ إن الله تعالى أمرني ببناء هذا البيت, وأمركم بأن تحجوه, فحجوه, فأجابه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك داعي ربنا, لبيك, فيقال: إنه لا يحج إلا من أجاب دعوة إبراهيم – عليه السلام - وإن من أجابه مرتين, حج مرتين, وهكذا, وإن أول من أجاب دعوته أهل اليمن.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: 97] , وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] كما نقرره.
ومن السنة [مع] ما سنذكره من بعد – إن شاء الله تعالى- قوله عليه السلام: "بني الإسلام على خمس ... " الخبر مشهور.
وقد حج البيت آدم – عليه السلام- لما حج البيت, قال له جبريل: "إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة".
وقد اختلف أصحابنا- كما حكاه القاضي الحسين والإمام وغيرهما –هل كان وجوبه قبل الهجرة أو بعدها؟ والقائلون بأنه بعدها, منهم من قال: إنه كان في سنة خمس [من الهجرة] وهو ما حكاه القاضي والإمام.
والصحيح إنه في سنة ست من الهجرة, وسنذكر ذلك في أول باب قتال المشركين, إن شاء الله تعالى.

قال: الحج فرض؛ لما ذكرناه, وفي العمرة قولان: أصحهما: أنها فرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] , وإتمامهما أن يفعلا على التمام؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124] , أي: فعلهن تامات؛ ويؤيد ذلك أن هذه الآية نزلت سنة ست من الهجرة حين أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة فيها وهو بالحديبية, فأحصر, ولا يجوز أن يؤمر بإتمام العبادة من لم يدخل فيها؛ فعلم أن المراد إنشاؤها [وابتداؤها؛] وهذا ما استدل به على أن الحج فرض في سنة ست من الهجرة.
وقد روي عن علي وعمر –رضي الله عنهما- أنهما قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
وقد قرأ ابن مسعود وابن عباس: "وأقيموا الحج والعمرة لله", والقراءة الشاذة إذا صحت جرت مجرى خبر الواجد في وجوب العمل به.
وعن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الحج والعمرة فريضتان, لا تبالي بأيهما بدأت".
والقول الثاني –أشار إليه في القديم-: أنها مستحبة, وليست بفرض؛ لما روى

الترمذي عن جابر أنه –عليه السلام- سئل عن العمرة, أهي واجبة؟ فقال: لا, وأن تعتمر فهو أفضل".
وروي أنه –عليه السلام- قال: "الحج جهاد, والعمرة تطوع".
ولأنها نسك يفعل على وجه التبع, ليس له وقت؛ فوجب ألا يكون واجباً؛ كطواف القدوم.
وقد امتنع بعض الأصحاب من نسبة هذا القول إلى الشافعي –رضي الله عنه- وقال: إنما ذكره حكاية عن الغير.
والجواب عن حديث جابر: أن في رجاله ابن أرطأة وابن لهيعة, وابن أرطأة لا يحتج بحديثه؛ لأنه يروي عمن سمع وعن من لم يسمع, وابن لهيعة ضعيف

فيما ينفرد به, على أنه لو سلم من الطعن, حمل على سائل سأل عن عمرة ثانية.
وأما قوله: "العمرة تطوع", فهو مرسل, وليست العمرة كالطواف؛ لأنه ليس نسكاً بذاته, وإنما هو من جملة نسك؛ كما أن الركوع والسجود ليس بصلاة, وإنما هو من جملتها؛ وعلى هذا فلا تقوم [حجة] مقامها وإن اشتملت على أعمال العمرة وزادت, وإن كنا نقيم الغسل مقام الوضوء.
[قال الإمام]: وهذا من أصدق الأدلة على تغاير الحج والعمرة.
تنبيه: في العمرة في كلام العرب قولان: أحدهما: أنها الزيارة, يقال: اعتمر مكان كذا, إذا زاره, ومنه سمي البيت المعمور: معموراً؛ لأنه مزار الملائكة, قيل: يزوره كل يوم سبعون ألف ملك, ولا تنتهي النوبة إليهم [إلى يوم القيامة].
والثاني: أنها القصد, وكل قاصد إلى الشيء فهو معتمر.
وقال البندنيجي: إنه يقال: الاعتمار هو القصد إلى بلد عامر؛ فهو "افتعال" من "العمارة".
وهي في الشرع: عبادة مشتملة على إحرام وطواف وسعي وحِلاق.
قال: ولا يجب –أي: الإحرام بالحج والعمرة – على المكلف في العمرة إلا مرة واحدة: أما الحج؛ فلما روى مسلم عن أبي زيد قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال:

"يأيها الناس, إن الله فرض عليكم الحج, فحجوا", فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً, فقال –عليه السلام-: "لو قلت: نعم, لوجبت, ولما استطعتم", ثم قال: "ذروني ما تركتم, فإنما هلك من كان قبلكم؛ لكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم, فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم, وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه".
[وروى أبو داود] عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: [يا] [رسول الله] , الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ فقال: "بل مرة, ومن زاد فهو تطوع" , وأخرجه النسائي وابن ماجه.
وأما العمرة؛ فلما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت, لم أسق الهدي, وجعلتها عمرة", فقال سراقة: ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك بين أصابعه واحدة في أخرى, وقال: "دخلت العمرة في الحج –مرتين- لا, بل للأبد".
ووجه الدلالة منه: أن العمرة إذا دخلت في الحج, والحج لا يجب [في العمر] إلا مرة –لزم أن تكون كذلك.
ولأن هذا النسك يتعلق به في الأغلب قطع مسافة, والتزام مؤنة, وفي تكرار وجوبه مشقة عظيمة؛ فلم يجب لذلك, بخلاف سائر الفرائض.
قال: إلا أن ينذر؛ فيجب أكثر من مرة على حسب نذره؛ [لعموم قوله] –عليه

السلام-: "من نذر أن يطيع الله فليطعه".
قال: أو يدخل [مكة] , أي من الحل؛ لحاجة لا تتكرر من تجارة أو زيارة؛ فيلزمه الإحرام بالحج أو العمرة, أي: إذا أمكن [ذلك] بأن دخل في أشهر الحج.
قال: في أحد القولين؛ لإطباق الناس على ذلك, والسنن يندر فيها الاتفاق العملى, وقد روي أنه –عليه السلام- قال: "إن أبي إبراهيم حرم مكة؛ فلا يدخلها أحد إلا محرماً".
وحكى أبو الطيب: أن ابن عباس قال: "لا يدخل أحد مكة غلا محرما [إلا الحطابين] " وغيره روى عن ابن عباس أنه قال: "لا يدخل أحد مكة إلا محرمًا, وأرخص للحطابين".
قال الماوردي: ولأنه لو نذر دخول مكة أو المشي إلى البيت, لزمه الإحرام, لدخولها بأح النسكين, فلو جاز دخولها بغير إحرام, لم يلزم ذلك.
وفي إجماعهم على لزومه في النذر دليل على وجوبه في الدخول.
قلت: وفيما قاله نظر يظهر لك في باب النذر.
قال: ولا يلزمك في الآخر؛ لحديث الأقرع بن حابس وسراقة بن مالك, ولما روي عن [ابن] عمر أنه دخلها بغير إحرام, ولأن ذلك شبيه بتحية المسجد, ولا أصل لها في الوجوب.
نعم, يستحب له ألا يدخلها إلا محرمًا؛ وهذا ما نص عليه في "الإملاء", وبه قال الشيخ أبو محمد, ومال إليه الشيخ أبو حامد ومن تابعه, وقال: إنه

الذي نص عليه في عامة كتبه؛ كما حكاه عنه في "الشامل" وصاحب "البحر", وقال: إن كلام القفال يدل عليه –أيضاً- ولأجل ذلك قال الغزالي: إنه الأظهر.
ومنهم من قطع به, ويحكي عن صاحب "التقريب", لكن الأول هو المنصوص في "الأم"؛ كما قال الماوردي في "المختصر" في الحج, والقديم؛ كما قال القاضي الحسين, وعامة كتبه؛ كما قال أبو الطيب حكاية عن أبي إسحاق, وهو الصحيح في "الحاوي", و"البحر", و"التهذيب", وبه أجاب صاحب التلخيص.
وقال الأصحاب –تفريعاً عليه-: إنه لو دخلها محرماً بفرضٍ سقط عنه [حق الحرم, كما تسقط] تحية المسجد عمن يدخله ويقيم فريضة فيه, وإنه لو دخل بغير إحرام, كان في وجوب القضاء عليه قولان حكاهما الإمام, وغيره رواهما وجهين: أحدهما –وهو المنصوص الذي لم يورد الماوردي وأبو الطيب [والمصنف] والقاضي الحسين والأكثرون غيره-: أنه لا يجب, واختلف الأصحاب في تعليله على وجهين: فمنهم من قال: لعدم إمكانه؛ فإنه لو خرج ليقضي, [فعوده يقتضي] إحراماً جديدًا؛ فلا يمكنه تأدية القضاء لذلك, وعلى هذا لو صار حطّابا أو صيادًا يجب عليه القضاء؛ لإمكانه حينئذ, قاله القاضي لحسين, وقد نسبه في "المهذب" إلى صاحب "التخليص".
ومنهم من قال: لأنه تحية المكان, فإذا فاتت لا تقضي؛ كالركعتين؛ وهذا ما اختاره ابن الصباغ, وضعف الأول بأن الدخول إذا كان بإحرام كفى, سواء كان [لأجله أو] لأجل غيره؛ كالصوم في الأعتكاف.
ومثل هذا ما قلناه إذا أفسد القضاء: لا يجب قضاء آخر, وإنما يجب قضاء واحد.
قال الماوردي: وعلى هذا القول لا يجب عليه كفارة؛ لأنها إنما تجب جبرًا لنقص دخل على نسك, فإذا لم يأت بالنسك, لم يلزمه جبران [ما] عدم أصله.

[والثاني]: أنه يجب القضاء: فإنه ترك إحراماً محتومًا؛ فلزمه التدارك؛ كما لو ترك حجة الإسلام أو عمرته وما وجب من ذلك بالنذر.
وما ذكر من عدم إمكان القضاء ممنوع, بل هو ممكن, وفي كيفية إمكانه وجهان: أحدهما: أنه يتصور بعبور المترددين [الذين] لا يلزمهم الإحرام للدخول كالحطابين, وينسب هذا –أيضًا- إلى صاحب "التلخيص", قال الإمام: وهو في نهاية البعد.
والثاني: -وهو قول المحققين-: أنه ليس الشرط في الدخول أن يكون بإحرام مقصود [له]؛ بدليل ما ذكرناه من أنه لو أحرم بحج الإسلام أو عمرته, تأدى به حق الدخول, وإذا كان كذلك, فليخرج ويعد بإحرام.
والقائلون بالأول [قالوا]: القياس على حجة الإسلام وعمرته [فاسد من وجهين: أحدهما: أن حج الإسلام وعمرته] لا يقضى؛ لأنه في [أي] زمان فعلهما كان مؤديًا, ولم يكن قضاء.

والثاني: أنه وجب القضاء بالفساد والفوات؛ فلأن قضاءه ممكن؛ لأن زمان القضاء لا يتعلق به ما يوجب القضاء, وقضاء الدخول يتعلق به ما يتعلق بابتداء الدخول؛ فلم يصح القضاء.
وما ذكر من أن الشرط: الدخول بإحرام كيف فرض, لا إحراماً مقصودًا للدخول – ممنوع, فإن القائل بوجوب القضاء قائل بإنه لو خرج وعاد لعمرة منذورة, لم يقع هذا موقع القضاء, كما قاله الإمام, فإن الدخول من غير إحرام, ألزمه إحراماً؛ كما يلزم الناذر, ويخالف ما إذا دخل بحج الإسلام وعمرته؛ لأنه لا يصح دخوله بغيرهما قبلهما.
أما لو كان الداخل إليهما من الحرم, فلا إحرام عليه قولاً واحدًا, وعنه احترز الشافعي –رضي الله عنه- بقوله في "الإملاء": "وأكره لمن دخل مكة من الحل من أهلها أو [من] غير أهلها –أن يدخلها إلا محرمًا", والداخل إليها من الحل غير زائر ولا تاجر على قسمين: أحدهما: أن يدخل لحاجة تتكرر كالحطابين, والصيادين, ونحوهم الذين يخلونها في كل يوم –فلا يجب عليهم الإحرام لأجل الدخول –أيضًا- على النص في سائر كتبه؛ لقول ابن عباس, ولما فيه من الضر اللاحق بهم وبالناس؛ لانقطاعهم عن الدخول بسبب ذلك, أو قلته.
وفي "الحاوي" وكتب المراوزة حكاية طريقة أخرى طاردة للقولين فيهم أيضًا, ولم يحك القاضي الحسين غيرها.
وقال في "البحر" عن صاحب "التلخيص": إنه قال: إن قلنا في غيرهم: لا يلزمهم الإحرام, [فهؤلاء أولى, وإلا فوجهان.

وحكى الإمام طريقة أخرى: أنهم يلزمهم الإحرام] لأجل الدخول في كل سنة مرة واحدة, ونسبها في "البحر" إلى رواية أبي حامد؛ لأنه حكى عن الشافعي في "تعليقه" –كما قال ابن الصباغ-: أنه قال: "عليه أن يحرم في كل سنة مرة؛ لأنا لو كلفناه في كل كرة يشق عليه", والمنقول عن الشافعي –رضي الله عنه- كما حكاه أبو الطيب وغيره- أنه قال: "واستحب لهم أن يحرموا في كل سنة مرة".
والبريد إذا تكرر دخوله هل يلحق بالحطابين أو لا؟ فيه طريقان في "البحر".
والقسم الثاني: أن يدخلها مقاتلًا لباغٍ أو قاطع طريق, أو خائفًا من ظالم أو غريم يحسبه, وهو معسر لا يمكنه أن يظهر لأداء النسك- فلا يلزمه الإحرام أيضًا؛ نص عليه الشافعي في "المختصر" و"المناسك الكبير"؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر, ولو كان محرمًا لم يلبسه, وقد كان خائفًا من غدر الكفار, وعدم قبولهم الصلح الواقع بينه وبين أبي سفيان.

تنبيه: هل ينزل دخول الحرم منزلة دخول مكة فيما نحن فيه؟ حكى الرافعي عن بعض الشارحين: أنه قال: نعم, والمراد بدخول مكة –فيما نحن فيه-: دخول الحرم.
قال الرافعي: ولا يبعد تخريجه على خلاف سبق في نظائره.
قلت: وكأنه –والله أعلم- يشير إلى ما حكيناه في باب المواقيت من أن المكي إذا أحرم بالحج في الحل, ثم عاد إلى الحرم, هل يسقط عنه الدم؛ كما يسقط عنه إذا عاد إلى مكة, وكذا لو أحرم المكي بالحج من الحرم, هل يجب عليه الدم أم لا؟ والذي صرح به القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين [في باب المواقيت: الأول, وقد قال القاضي الحسين [هنا]: إن الشافعي قال في القديم: "ولا يجوز لأحد أن يدخل الحرم من غير خوف إلا محرمًا, إلا الذين يدخلون مختلفين بالحطب ومنافع أهل مكة"؛ وهذا نص في المدعى, وكلام الإمام يوافقه؛ فإنه قال: ولو دخل محرماً بنسك مفروض, سقط عنه حق الحرم.
فإن قيل: قول الشيخ: "ولا يجب في العمر إلا مرة [واحدة] ... " إلى آخره –غير وافٍ بالمقصود من الحصر؛ لأن الحر إذا أحرم بحج أو عمرة تطوعًا, ثم أفسده, وجب عليه القضاء, وكذلك العبد –كما سنذكره- فقد تصور وجوبه في العمر بغير ما ذكره.
فجوابه: أن هذا القضاء بدل ما أفسده, وما أفسده, لم يكن كله واجبًا, بل بعضه؛ لأن الإحرام من جملة أركانه, وهو تطوع, والمدعى: أن الحج والعمرة لا يجبان في العمر إلا بما ذكر, ولفظ "الحج" و"العمرة" يشمل جميع أركانهما.
فإن قلت: الإحرام في القضاء وقع واجبًا؛ فيصدق حينئذ أن جميع الحج

والعمرة وقع واجبًا؛ فيبقى السؤال.
قلت: نعم, لكن الإحرام في هذه الحالة وجوبه وجوب الوسائل, وفي الصور التي ذكرها وجوب المقاصد, وهو المراد.
قال: ولا يجب ذلك – أي: الإحرام بحج الإسلام وعمرته, أو المنذور, أو لأجل دخول مكة –إلا على مسلم بالغ عاقل [حر] مستطيع.
أما وجوبه على من اتصف بهذه الصفات؛ فلقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] , وللخبر المشهور, وهو إجماع.
وأما انتفاء وجوبه عن غير المستطيع بالتفسير الذي سنذكره؛ فلمفهوم الآية والخبر المشهور.
وانتفاء وجوبه عن الكافر وغير المكلف والرقيق, يأتي دليله, إن شاء الله تعالى.
تنبيه: قوله: "ولا يجب ذلك إلا على مسلم" يخرج المرتد, وقد قال من بعد: إنه يجب عليه؛ فكان الأحسن في العبارة أن يقول: يجب الحج على المسلم البالغ العاقل الحر المستطيع, كما فعل [مثل] ذلك في الصلاة.
قال: فأما الكافر الأصلي, فلا يجب عليه؛ كما تقدم تقريره من قبل, ولا يصح منه؛ لأنه عبادة بدنية؛ فلا تصح مع الكفر [كالصلاة].
قال: وأما المرتد؛ فإنه يجب عليه؛ لأنه حق التزمه بالإسلام فلا يسقط بالردة؛ كحقوق الآدميين؛ وهذا يظهر أثره فيما إذا أسلم, ولم يستطع الحج والعمرة إلا في حال الردة؛ فإنه يجب عليه القضاء.
أما إذا كان مستطيعًا قبلها, فما وجب [إلا] على [مسلم] , وقد حكى في "البحر" عن والده فيما إذا كان قد وجد الزاد والراحلة في حال ردته, ثم أسلم ومات في الحال –هل يقضى عنه أم لا؟ فيه قولان؛ بناء على أن الردة تزيل الملك أم لا؟ فإنا قلنا: تزيله, لا يلزمه الحج؛ لأن ملكه زال عن الزاد والراحلة قبل استقرار الحج عليه, وهما شرطان في الوجوب؛ فصار كزوال الملك بالتلف.

وإن قلنا: لا تزيل الملك؛ فيلزمه؛ ولهذا الأصل اختلف القول في زكاة ماله.
ولو لم يسلم, لم يظهر للحكم بوجوبه عليه أثر في الدنيا؛ لأنه لا يقضى من ماله؛ لأنا نقول: لو كان قد حج أو اعتمر قبل الردة, ثم مات على الردة -حبط عمله, فكيف يؤمر به؟! ويخالف الزكاة حيث تقضى؛ لتعلق حق الفقراء بها.
ولا خلاف عندنا: أنه إذا حج قبل الردة, ثم ارتد, ومات مسلمًا -[لا يحبط عمله,] حتى لا يجب عليه القضاء؛ لأن الله -تعالى- علق إحباط عمله بموته وهو كافر, ولم يوجد الشرط.
قال: ولا يصح منه؛ لأنه عبادة.
نعم, لو ارتد في أثنائه, فهل يبطل إحرامه؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي أبي الطيب وغيره: أحدهما: نعم؛ لأن الردة أخرجته عن أن يكون من أهل القرب والطاعات؛ وهذا ما اختاره في "البحر".
والثاني -وهو الصحيح-: لا؛ لأنه لا يبطل بالموت؛ فبالردة أولى.
قال أبو الطيب: وعلة الوجه الأول تبطل -أيضًا- بالمجنون؛ فإنه ليس من أهل القرب والطاعات, وإحرامه لا يبطل بطرآنه, والله أعلم.
قال: وأما المجنون, فلا يجب عليه؛ للخبر المشهور, ولأنه عبادة فلم تجب عليه؛ كالصوم والصلاة, قال: ولا يصح منه.

قال في "التهذيب": لأنه ليس من أهل العبادات.
قيل: وهذا ينتقض بالصبي غير المميز؛ فإنه ليس من أهل العبادات, ويحرم عنه وليه.
وجوابه من وجهين: أحدهما: أن الصبا في الجملة لا ينافي العبادة, بخلاف الجنون.
والثاني: أن الصبي ليس من اهل العبادة كما قلت, والقياس يقتضي ألا يصح حجه؛ لأنه عبادة, لكن الخبر دل على صحة حجه؛ فعمل به, ولم يرد في حق المجنون ما يخالف القياس؛ ولم يعقل معناه, لا يقاس عليه, والله أعلم.
وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وابن كج والحناطي, وحكاه في "البحر" عن بعض الأصحاب؛ تمسكًا بأن الأب يجوز له أن يزوج ابنه الصغير من غير حاجة, بخلاف المجنون؛ وعلى هذا ينطبق قول البندنيجي والقاضي الحسين في أول كتاب الحج: ولجواز الحج شرطان: الإسلام والعقل.
والذي أورده التولي والبغوي والغزالي: أن حكم المجنون حكم الطفل الذي لا يميز, وهو المرجح في "البحر" أيضًا؛ ولذلك قال الرافعي: إن الصحة المطلقة لها شرط واحد, وهو الإسلام.
وقال القاضي الحسين أثناء الكتاب: إن هذا الحكم فيما إذا بلغ مجنونًا, أما إذا بلغ عاقلًا رشيدًا, ثم جن, فعلى وجهين ينبنيان على أن الولاية تعود إلى الأب أو إلى السلطان؟ وفيها وجهان؛ وهذا منه دليل على أنه لا يرى أن غير الأب والجد يحرم عن الصبي -كما ستعرفه- وإلا لم يكن للبناء وجه, والله أعلم.
قال: وأما الصبي, فلا يجب عليه؛ لما ذكرناه في الكجنون.
ويصح [منه]؛ لما روى أبو داود ومسلم عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالروحاء, فلقي ركبًا, فسلم عليهم, فقالوا: من القوم؟ فقالوا: مسلمون, فقالوا: فمن أنتم.
فقالوا:

رسول الله صلى الله عليه وسلم, ففزعت امرأة, فأخذت بعضد صبي –زاد مسلم: صغير- أخرجته من محفتها, فقالت: يا رسول الله, [هل] لهذا حج, فقال: "نعم, ولك الأجر"؛ فدل هذا الخبر على صحة الحج من الصبي.
والروحاء –بفتح الراء المهملة, وسكون الوأو, وبعدها حاء مهملة, وهي ممدودة-: من عمل الفُرْع, والفراغ –بضم الفاء, وسكون [الراء المهملة] , ويقال: بضمهما-: موضع بأعلى المدينة, فيه مساجد النبي, ومنابر, وقرى كثيرة.
والمحفة –بكسر الميم-: مركب من مراكب النساء كالهودج, غلا أنها لا تقبب كما يقبب الهودج.
قال: فإن كان مميزًا أحرم بإذن الولي: أما صحة إحرامه بنفسه؛ فلأنه قد ثبت أنه من أهل هذه العبادة؛ فصح إحرامه بها مع التمييز؛ كالصلاة والصوم.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: أن أبا الحسين بن القطان قال: لا ينعقد إحرامه بنفسه وإن كان مميزًا؛ لأنه ليس له قصد صحيح.
وقد حكى ذلك في "التتمة" طريقة.
قال القاضي: وهو غلط؛ بدليل صحة صلأنه وصومه.
وأما اعتبار إذن الولي؛ فلأنه يتعلق به إيجاب مال؛ فاعتبر إذنه فيه؛ كما اعتبر إذنه للسفيه في النكاح لأجل ذلك, لكنّ الإذن في النكاح شرط في صحته, وهل هو هنا شرط في صحة الإحرام؟ فيه وجهان: أحدهما: لا, وهو المنسوب في "تعليق" أبي الطيب و"الحاوي" و"الشامل" وغيرها إلى أبي إسحاق؛ كما لا يعتبر إذنه في الصلاة والصوم؛ وعلى هذا يجوز

للولي تحليله إذا أحرم بدون إذنه, ولا يجوز للولي أن يحرم عنه؛ كما قاله الإمام.
والثاني: نعم, وهو الذي قال به أكثر الأصحاب, واختاره الشيخ أبو حامد والقفال, وادعى القاضي الحسين: أنه المذهب؛ لما ذكرناه؛ وعلى هذا هل ينعقد إحرام الولي [عنه]؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ فإن الإحرام إذا كان ينعقد بعبارته, فلا ينعقد بعبارة غيره.
والثاني: نعم, وهو الذي أورده القاضي الحسين, وادعى الإمام أنه ظاهر المذهب.
وإن لم يراجعه فيه؛ فإن الولاية مطردة عليه؛ فيدوم استقلال الولي بالتصرف فيما تفيده الولاية.
قال: وإن كان غير مميز, أحرم عنه أحد أبويه: أما الأم؛ فللمفهوم من الخبر؛ فإن قوله –عليه السلام-: "ولك الأجر", يفهم أن الأجر الحاصل لها بسبب فعلها الحج عنه؛ لأن الصغير الذي يحمل بعضده, ويخرج من المحفة –لا تمييز له؛ فلا يمكن أن يحرم بنفسه, ولو كان متعاطي ذلك غيرها, لم يكن لها أجر.
وقد قال في "البحر": إن عقبة بن عامر قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالت: أحج بابني وهو صغير أو مرضع؟ قال: "نعم".
وأما الأب؛ فبالقياس عليها, بل أولى.
ولأنها عبادة على الأعيان من شرطها المال؛ فجاز أن يعقدها الولي عن المولى عليه؛ كصدقة الفطر.
واعلم أن كلام الشيخ يقتضي بمنطوقه: أنه إذا كان مميزًا أحرم بإذن الولي, وهو كما قال في باب الحجز: للأب, ثم الجد, ثم الوصي, ثم الحاكم أو أمينه, وللأم بعد الجد على رأي.
وإذا كان غير مميز يحرم عنه أحد الأبوين.
ويقتضي بمفهومه: أنه لا يعتبر في الأذن له في الإحرام في حال تمييزه غير الولي, ولا يحرم عنه في حال عدم تمييزه غير الأبوين, وهو قضية القاعدة السالفة في إلحاق

إحرام المميز بقبول السفيه النكاح في الافتقار إلى إذن الولي, وإلحاق الإحرام عن غير المميز بقبول النكاح للصغير؛ حتى لم يجوزوا الإحرام عن المجنون كما [لم] يجوزوا تزويجه من غير حاجة؛ لأن الإذن للسفيه في النكاح يصح ممن تثبت له الولاية على ماله: أبًا كان, أو نائبًا [عنه] , أو حاكمًا, ولا يصح أن يقبل النكاح للصغير إلا الأب, وألحقت الأحسن به [هنا وإن كانت لا تلحق به] في قبول النكاح؛ للخبر, وصلاحيتها لذلك هنا, وعدم صلاحيتها لقبول النكاح.
لكن الأصحاب سووا بين الإذن للمييز والمحرم عن غير المميز, وقالوا: يصح ذلك من الأب, ثم من أبيه عند عدمه؛ [كما نص عليه الشافعي, رضي الله عنه].
وقيل: يصح منه مع وجوده؛ كما إذا قيل بأنه إذا أسلم والأب موجود: إنه يتبعه في الإسلام.
والمشهور: الأول.
واختلفوا لماذا ملك الأب ذلك؟ فقيل: لاستحقاقه الولاية عليه في ماله؛ وعلى هذا لا يثبت ذلك للجد من الأم, ولا للأخ والعم من الأبوين؛ لأنهم لا يستحقون الولاية عليه في ماله؛ وإلى هذا أشار صاحب "الإفصاح"؛ وكذلك لا يثبت للأم؛ إذا قلنا: لا ولاية لها, كما هو المذهب؛ وإن قلنا بثبوت الولاية لها - كما صار إليه الإصطخري- ثبت لها ذلك؛ وهذا ما أورده البندنيجي فيها, واختاره في "المرشد".
والحديث يحتمل -كما قال, [تبعًا] لابن الصباغ- أن يكون قد أحرم عنه ولى, وإنما كانت حملته لإتمام حجه.
وقيل: لولادته وكونه بعضا منه؛ وعلى هذا يثبت ذلك لسائر الأداء والأمهات من جميع الأجداد والجدات, من قبل الأب, ومن قبل الأم؛ لوجود الولادة فيهم, وقد رزي أن أبا بكر [الصديق]-رضي الله عنه] طاف بعبد الله بن الزبير على يديه ملفوفًا بخرقة, وكان ابن ابنته أسماء؛ ولا يثبت ذلك لسائر العصبات؛ وهذا ما حكاه

أبو إسحاق في "الشرح" والقاضي أبو حامد في "جامعه"؛ كما قاله ابو الطيب, ونسبه الماوردي إلى قول أكثر البصريين من أصحابنا.
وقيل: لوجود التعصيب فيه؛ فعلى هذا يصح ذلك من سائر العصبات من الإخوة والأعمام وبنيهم, ولا يصح من الأحسن وآبائها وأمهاتها؛ لعدم التعصيب.
قال الماوردي: وإلى هذا مال كثير من أصحابنا البغداديين.
وقضية الأوجه الثلاثة: عدم ثبوت ذلك لمن لا ولادة له, ولا تعصيب ولا ولاية من الأقارب: كالأخوة, والأعمام للأم, والأخوال والخالات وإن كان لهم ولاية في الحضانة.
وقد ادعى الماوردي أنه لا يختلف أصحابنا في ذلك.
[وقضية الوجه الثاني والثالث: عدم ثبوت ذلك للوصي والقيم].
وقضية الوجه [الأول]: ثبوته لهما؛ فيكون فيهما وجهان, وقد صرح بهما في "الإبانة".
وقال الإمام: إن الأصح منهما المنع.
وادعى الماوردي مع حكايته الأوجه: أنه لا يثبت ذلك للقيم بإجماع علماء أصحابنا؛ لأن ولايته تختص بالمال دون البدن؛ فكان فيما سوى المال كالأجنبي, وأن في ثبوت ذلك للوصي وجهين: أحدهما: لا يثبت, وهو الأصح؛ كالقيم.
والثاني: يثبت؛ لنيابته عن الأب؛ فكان كهو.
وقد حكى الروياني مثل هذين الوجهين عن رواية والده فيما إذا أذن الأب لشخص في تعاطي ذلك, لكن الصحيح فيها الصحة.
وقد تلخص من هذه الطريقة ثبوت ذلك للأب, ثم لأبيه من بعده وإن علا, ولا يثبت للقيم, وفي ثبوته للوصي وجهان جاريان في [ثبوت ذلك] للأخ والعم وبنيهما, وفي ثبوته للأم طريقان حكاهما الإمام أيضًا: إحداهما: القطع بالثبوت.

والثانية: إجراء وجهين فيها؛ بناء على أن الولاية هل تثبت لها على المال ام لا؟ والذي صححه افمام منهما: ثبوت ذلك لها, وأن كان البناء يقتضي ترجيح عكسه, كما ذكرناه.
وقد حكى القاضي أبو الطيب عن الشيخ أبي حامد: أنه قال: يجوز للأب, ثم لأبيه [ثم] للوصي –أن يحرم عن غير المميز.
وحكى البندنيجي وابن الصباغ إلحاق القيم من جهة الحاكم به, وهل يجوز لأخيه وعمه وبنيهما؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين أيضًا: أحدهما: نعم؛ كما لهم تأديبه وتعليمه والإنفاق عليه.
والثاني: لا؛ لأنه لا يجوز لهما التصرف في ماله.
قال القاضي: ويخالف الإنفاق على التأديب؛ لأنه نفل؛ فسومح فيه, بخلاف الإنفاق على الحج.
قلت: ويمكن بناء الوجهين على أن إحرام المميز بدون إذن الولي, هل يصح؟ فإن قلنا: لا يصح, فقد نظرنا فيه غلى المال؛ فلم يصح من الإخوة والأعمام.
وإن قلنا: يصح, فقد أفقدنا النظر إلى المال, واتبعنا المصلحة؛ فيجوز من الإخوة والأعمام.
ومن هذا البناء يظهر لك أن الصحيح فيهم المنع؛ كما صرح به في "التتمة", ولم يذكر في "المذهب" غيره.
قال الشيخ أبو حامد: وأما الأم: فإن قلنا بثبوت الولاية لها على قول الإصطخري, [أحرمت عنه]؛ وإن قلنا: لا ولاية لها, كانت بمنزلة الإخوة والأعمام.
وإذا تأملت ما قاله وجدته مخالفًا لبعض ما تقدم؛ فلذلك ذكرته.
وفي "البحر" طريقة ثالثة حكاها عن القفال: انه لا خلاف في ثبوت ذلك للأم؛ للخبر, ولا يجوز للأجنبي وإن كان يلي المال بالوصاية أو الولاية من الحاكم قولاً واحدًا.
وفي " تعليق" القاضي الحسين: إن الذي سمعته أنا في الدرس –يعني: من

القفال –إن كان الولي أبًا أو جدًا, والصبي لا يعقل عقل مثله- أحرم عنه, وإن كان مميزًا, فوجهان, وإن كان الولي غيرهما من القيم والوصي: فإن كان الصبي مميزًا, لا يحرم عنه؛ وإن لم يعقل عقل مثله, فوجهان.
تنبيه: إطلاق الشيخ القول بأن أحد ابويه يحرم [عنه] , يعرفك أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الولي محرمًا أو حلالًا, حج عن نفسه أو لا؛ كما صرح به البندنيجي والقاضي الحسين وغيرهما؛ لإطلاق الخبر مع احتمال ذلك.
وفي "الحاوي" حكاية وجهين في صحة إحرامه عنه إذا كان محرمًا: أحدهما: هذا, ونسبه إلى البغداديين.
والثاني: لا يجوز أن يحرم عنه إلا إذا كان حلالًا؛ لأن من كان في نسك, لم يصح أن يفعله عن غيره, ونسبه غلى البصريين, وقال: إن على الوجهين يختلف كيفية إحرامه [عنه].
فعلى مذهب البغداديين: يقول عند الإحرام [-أي] بقلبه-: قد أحرمت بابني, ولا يجوز أن يكون غير مواجه للصبي بالإحرام.
[وعلى مذهب البصريين: يقول –أي: بقلبه-: اللهم إني قد أحرمت عن ابني, ويجوز أن يكون غير مواجه للصبي بلإحرام] ولا مشاهد له؛ إذا كان الصبي حاضرًا بالميقات.
وحكى القاضي أبو الطيب وجهين في أنه هل يجوز أن يحرم عن الصبي إذا كان أحدهما ببغداد ولآخر بالكوفة, [أو لا] يجوز حتى يكونا في موضع واحد؟ مع جزمه بأنه يجوز من الولي وإن كان محرمًا عن نفسه, وقال: [إنا] إن قلنا بالجواز.
كان مكروهًا؛ لاحتمال تلبس لصبي بشيء لا يجوز في حال الإحرام.
قال: وفعل عنه وليه ما لا يتأتى منه, أي: كركعتي الطواف, والتلبية, والرمي؛ إذا عجز عنه الصبي, لما روي عن جابر [أنه] قال: "حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

ومعنا النساء والصبيان, فلبينا [عن الصبيان] , ورمينا عنهم".
وبالقياس على الإحرام؛ فإنه –أيضًا- مما لا يتأتى من غير المميز.
قال الماوردي: ويحضره الولي حالة رمي الجمار.
وقال أبو الطيب وغيره: ويستحب أن يضع الجمار في كفه, ثم يأخذها منه, ويرمي بها.
وهل يرمي عنه؟ فيه قولان: القديم: لا.
والجديد: نعم؛ [كما في الأجير].
أما ما يتأتى منه, فهو على ضربين: ضرب يصح منه من غير معونة: كالوقوف بعرفة, والمبيت بمزدلفة ومنى, فإذا حصل الصبي في ذلك, حصل مقصوده, سواء صار إليه بنفسه أو حمله إليه [وليهي أو غيره, لكن الولي هو المنعاطب بحمله إلى هذه المواضع.
وضرب يصح منه بمعونة وليه: كالرمي إذا أمكن وضع الحصاة في كفه ورميها في الجمرة, وكالطواف والسعي, فعلى الولي أن يضع الحصاة في كفه ويرميها في الجمرة, وعليه أن يطوف به, ويسعى, ويرمل –كما تقدم- وان يتوضأ للطواف [به] , [ويوضئه, فإن كانا غير متوضئين, لم يجز الطواف] , وكذا إن كان الصبي متوضئًا, والولي محدثًا؛ [لأن الطواف بمعونة الولي يصح, والطواف لا يصح إلا بطهارة.

وإن كان الولي متوضئًا, والصبي محدثًا،] فوجهان, وجه الصحة: أن الصبي إذا لم يكن مميزًا, ففعل الطهارة لا يصح منه؛ فجاز أن يكون طهارة الولي نائبة عنه كما أنه لما لم يصح منه الإحرام وركعتا الطواف, احرم عنه, وصلى.
ولو أركبه الولي دابة, فكانت الدابة تطوف به, لم يجز حتى يكون الولي معها قائدًا أو سائقًا؛ لأن الصبي غير مميز, والدابة لا يصح منها عبادة.
وما ذكرناه من طوافه بالصبي محله بالاتفاق إذا لم يكن عليه طواف, فإن كان, فسنذكره في باب صفة الحج.
قال: ونفقته في الحج –أي: الزائدة بسبب الحج- وكذا العمرة, وما يلزمه من الكفارة- أي: بسبب ما ارتكبه في الإحرام مما ينافيه- في ماله في أحد القولين؛ لأنه مصروف في مصلحته؛ فكان كأجرة المؤدب والمعلم؛ وهذا ما اختاره في "المرشد".
قال: وفي مال الولي في الآخر؛ لأنه الذي أدخله فيه مع استغنائه عنه, والولي ليس له ان يتصرف في مال الصبي إلا بما كان محتجًا إليه, وليس كتعليم القرآن والأدب.
قال الماوردي: لأن ذلك لو فأنه في صغره, لم يدركه في كبره.
وقال القاضي الحسين وغيره: لأن به حاجة غلى تعليم الصلاة في صغره؛ ليعتادها في كبره, والحج العادة فيه أن من كبر دعته نفسه إليه؛ فلا يحتاج غلى تمرينه على ذلك.
ولأن الصبي إذا بلغ, لزمته الصلاة, وفعلها على الفور, فإذا بلغ ولم يتعلمها في حال صغره, كان في اشتغاله بتعليم القرآن تفويت لها, والحج لا يجب عليه فعله عقيب البلوغ؛ لأنه على التراخي, ويمكنه تعلم افعاله بعد البلوغ؛ ولا يفوته؛ وهذا ما اختاره النواوي.
واعلم أن القاضي أبا الطيب في "تعليقه" وغيره حكوا الخلاف المذكور في الزائد

على نفقة الحضر وجهين, والخلاف في الكفارة قولين, ونسبوا الأول غلى القديم, [والثاني إلى نصه] في "الإملاء", وقد حكاه الشيخ في الصورتين قولين, وهو في "الشامل" كذلك, ولا غرو فيه؛ لأنه في إحدى المسألتين منصوص عليه, وفي الأخرى بالتخريج.
وقد قال القاضي الحسين وصاحب "البحر": إن إلزام الولي الزائد على نفقة الحضر منصوص في "الإملاء" أيضًا.
وقال في "الحاوي": إنه الظاهر من مذهب الشافعي –رضي الله عنه- وهو الأصح في "الشامل".
وعن أبي الحسين حكاية وجه ثالث في الثانية: أنه إن أحرم عنه الأب أو الجد, فالكفارة في مال الصبي, وإن أحرم عنه غيرهما فهي عليه.
أما قدر النفقة في الحضر, ففي مال الصبي وجهًا واحدًا؛ صرح به الماوردي وأبو الطيب وغيرهما.
[و] في "الرافعي" في الباب الثاني من قسم الصدقات: أن الصبي إذا سافر به الولي للحج, وأنفق عليه من ماله كم يضمن؟ فيه وجهان: أحدهما: جميع النفقة.
والثاني: ما زاد بسبب السفر, وعلى هذا الخلاف ينطبق ظاهر كلام الشيخ.
ولو كان الولي هو المتسبب في إيجاب الكفارة –نظر: فإن كان لا لمصلحة الصبي؛ كما إذا فوته الحج بعد إحرامه, كانت في مال الولي قولاً واحدًا؛ صرح به أبو الطيب, ويلتحق بذلك ما إذا طيبه لا لحاجة ومصلحة؛ كما حكاه الإمام عن الأصحاب, وقال: إن فيه ضربًا من الإشكال؛ لأنه لو قيل لنا: ما قولكم في المحل يطيب المحرم؟ للزم أن نقول بوجوب الفدية, وهو غامض من طريق المعنى, ولكن مأخذه حلق المحل شعر المرحم وهو نائم أو مكره.

وقد يتخيل في ذلك أن شعر المحرم محترم, وإتلافه محرم على المحل والمحرم؛ كشجر الحرم, وتقدير هذا في استدامة فعل المحرم بعيد.
وإن كان لمصلحة كما إذا طيبه لمدأواة, ففيه طريقان: أحدهما: القطع بأنها على الولي.
و [الثاني]: منهم من جعله على التفصيل فيما إذا طيب الصبي نفسه, وسنذكره.
والحكم في الزائد على نفقة الحضر والكفارة إذا أحرم الصبي بإذن الولي, وقلنا: لا يصح بدون الإذن –كما لو أحرم الولي عن غير المميز.
نعم, إذا قلنا: تجيب الكفارة في مال الصبي, فأراد أن يصوم حيث يجوز الصوم, هل يجوز؟ قال القاضي أبو حامد: نعم؛ لأنه ممن يصح صومه؛ فأشبه البالغ.
وقال غيره من العراقيين: لا يجوز؛ لأنه في الفدية واجب, والعبادة لا تجب على الصبي.
وقد خرج الرافعي والروياني الخلاف على قولين, سنذكرهما في الصبي إذا أفسد الحج, وقلنا: يجب عليه القضاء: هل يجزئه في حال الصغر أم لا؟ قال في "البحر": وعلى القول بعد الجواز, فالمذهب: أنه لا يجوز للولي أن يكفر عنه بالمال؛ لأنه غير متعين, وإن قلنا: تجب الكفارة في مال الولي, جاز له الصوم؛ [كما يجوز [له]] إذا كانت الكفارة وجبت عليه بسبب نفسه.
وإن أحرم بغير إذنه, وصححناه, قال الرافعي: فالزائد على نفقة الحضر [يكون] على الولي إن لم يحلله.
وقال في "البحر" إن قلنا: إن النفقة الزائدة على نفقة الحضر تكون على الولي, فإذا لم يرد أن يحلله ينفق عليه قدر نفقة الإقامة, فإن أمكنه أن يحج يحج, وإلا فيتحلل.
وإن تعاطى ما يوجب الكفارة, ففي "التتمة": أنه في مال الصبي قولاً واحدًا.

فرع: إذا قلنا: يجوز الإحرام عن المجنون, فأحرم عنه الولي, وأخرجه –فحكمه حكم الصبي فيما ذكرناه.
وإذا قلنا بأن الزائد على نفقة الحضر في مال الولي, وأفاق عند الإحرام والوقوف والطواف والسعي, وفعل ذلك بنفسه –كانت في مال المجنون.
قال الرافعي: ولم يتعرضوا لحالة الحلق, وقياس كونه نسكًا: اشتراط الإفاقة فيه.
وهذا إذا كان الحج قد وجب عليه قبل [جنونه, واستقر في ذمته, فلو كان قد وجب عليه] , وجن قبل استقراره –قال القاضي الحسين في "تعليقه": غرم الولي الزيادة بسبب السفر وإن افاق وأحرم ووقف؛ لأنه [لم يكن مستقرًا] عليه.
قلت: ومن طريق الأولى إذا جن قبل الوجوب.
قال: وأما العبد فلا يجب عليه؛ لما روي أنه –عليه السلام- قال: "أيما عبد حج, ثم أعتق, فعليه حجة أخرى".
ولأن الجمعة لا تجب عليه مع قرب المسافة؛ لما في ذلك من تعطيل منافعه على السيد؛ فَلأَلا يجب عليه الحج والعمرة مع بعد المسافة أولى.
قال: ويصح منه؛ للخبر, ولأنه من أهل العبادة.

واعلم أن ظاهر كلام الشيخ مع كلامه السابق الذي تقم تقريره, يقتضي أمرين: أحدهما: أن العبد لا يلزمه الحج والعمرة بالنذر, وقد قال القاضي ابو الطيب وغيره عند الكلام فيما إذا أفسد الحج: إنه يلزمه بالنذر.
وحكى الإمام في آخر "النهاية" في انعقاد نذره وجهين: أصحهما: الانعقاد؛ وعلى هذا لو وفى بنذره في حال الرق: فهل يبرأ منه؟ فيه ثلاثة أوجه, ثالثها –وهو ما ذكره صاحب "التلخيص", ولم يذكر غيره-: أنه إن أدى ذلك بإذن مولاه برئ, وإلا فلا.
وقال الإمام [ثم]: إنه ساقط لا أصل له.
وقد صححه غيره, وقد يتخيل بين ما قاله الشيخ وغيره من انعقاد نذره منافاة, وليس كذلك؛ لأن القائلين بالانعقاد متفقون على عدم لزوم الوفاء به في حال الرق إذا صدر بغير إذن سيده وإن اختلفوا في براءته بإدائه في حال الرق, وإذا كان كذلك فقد جعلوا الحرية شرطًا في اللزوم, والشيء لا يوجد قبل شرطه؛ فصح أنه لا يجب إلا على حر, والله أعلم.
الثاني: أنه لا فرق في عدم وجوب ما وقعت الإشارة إلى نفي وجوبه من حج الإسلام, وعمرته, أو بالنذر, أو ما سببه دخول مكة, فقد حكى الإمام [فيما إذا أذن السيد له في الإحرام في وجوبه وجهين, وادعى أنه لا خلاف] فيما أذن له في الدخول المجرد: أنه لا يلزمه الإحرام, وهو المذكور في "تعليق" أبي الطيب.
فرع: لو أراد المولى أن يحرم عن العبد, قال الإمام: إن كان بالغًا, فليس له ذلك, وهو يحرم عن نفسه.
وسكت عن العبد الصغير, والقياس أن يكون الحكم فيه كما في تزويجه, خصوصًا إذا خصصنا الإحرام عن غير المميز بالأب والجد, كالنكاح.

قال: فإن بلغ الصبي وعتق العبد قبل الوقوف بالحج, أو قبل الطواف في العمرة –أجزأهما عن حجة [الإسلام] وعمرته: أما في الأولى؛ فلقوله –عليه السلام: "من أدرك عرفة, فقد أدرك الحج", ولأنه أدرك معظم العبادة؛ فاعتد له بها؛ كالمسبوق إذا أدرك الركوع؛ فإنه معظم الركعة, وإنما قلنا: إنه أدرك معظم العبادة؛ لقوله –عليه السلام-: "الحج عرفة",

أي: معظم الحج عرفة.
وأما في الثانية فلأنه أدرك معظمهما وهو الطواف والسعي والحلاق, ولم يفته إلا ابتداء الإحرام؛ فكان مدركًا لها كالحج.
نعم, لو كان في الحج قد سعى مع طواف القدوم: فهل يعتد بذلك السعي, أو يجب عليه إعادته مع طواف الزيارة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما لا يلزمه إعادة الإحرام.
والثاني –وهو الأصح في "تعليق" البندنيجي و"الحاوي" و"الوسيط"-: نعم؛ لأن الإعادة ممكنة, [بخلاف إعادة الإحرام؛ فإنها غير ممكنة]؛ فلذلك أقمنا دوام الإحرام مقام ابتدائه على صفة الكمال, على أن الإمام هنا والمصنف في باب المواقيت وغيرهما حكوا قولين في أنه هل يجب عليه دم الإساءة إذا لم يعد [بعد] صفة الكمال إلى الميقات أم لا؟ وهما مذكوران في "المختصر".
وجه المنع: أنه لم يسئ, وقد فعل ما في وسعه؛ وهذا ما ادعى أبو الطيب: أنه الأظهر, والماوردي: أنه الأصح, وحكى البندنيجي عن أبي الطيب بن سلمة طريقة قاطعة به, وقال: قول الشافعي –رضي الله عنه-: "يجب الدم", أراد: إذا جاوز الميقات مريدًا للنسك, فأحرم دونه.
ووجه الوجوب –وهو الذي صدر به المزني كلامه-: أن الإحرام الذي صدر منه من الميقات كان ناقصًا, وحج الإسلام يستدعي إحراماً كاملًا في الصفات.
وقال القفال: القولان مبنيان على أن الكمال إذا طرأ بعد الإحرام بحيث يجزئ ذلك النسك عن فرض الإسلام, فهل نقول: إن الإحرام وقع على الوقف, وعند طرآن الكمال –والصورة كما ذكرنا- تبينًا: أنه انعقد فرضًا, أو نقول: انعقد نفلًا أولًا, ثم من وقت الكمال انقلب فرضًا؟ وفيه احتمالان: الذي ذكره أبو الطيب منهما

الأول, والبندنيجي الثاني.
قال القفال: فإن قلنا بالأول, لم يجب دم الإساءة, وإلا وجب.
وعلى هذا: لو عاد [إلى] الميقات قبل الوقوف ومر عليه, فالمذهب: أنه لا يلزمه دم الإساءة.
وحكى القفال وجهًا آخر: أن الدم لا يسقط, وهو بعيد.
أما لو بلغ أو عتق بعد فوات وقت الوقوف, أو بعد الطواف [في العمرة] , فلا يجزئه عن حجة الإسلام وعمرته.
ولو بلغ أو عتق بعد أن وقف, لكن وقت الوقوف باق, فإن كان قد انصرف, ثم عاد بعد صفة الكمال, أجزأه عن حجة الإسلام, [وإن لم يعد, فالذي ذهب إليه الشافعي ومعظم أصحابه: أنه لا يجزئه عن حجة الإسلام].
وذهب ابن سريج إلى وقوعه عن حجة الإسلام؛ لأنهما أدركا زمان الوقوف في حال الكمال؛ فأجزأهما ذلك؛ كالإحرام.
وفرق غيره من الأصحاب بأن الإحرام مستدام؛ فكانت استدامته في حال الوقوف بمنزلة ابتدائه فيه, وليس كذلك فعل الوقوف؛ فإنه غير مستدام.
ولو لم ينصرف من الموقف حتى حصلت له صفة الكمال, فإن مكث بعد ذلك فيه زمانًا يعتد بمثله عن الوقوف ابتداء –أجزأه عن حجة الإسلام؛ كما قاله الأصحاب.
قلت: ولولا جزم الأصحاب بأنه إذا كان قد انصرف, ثم عاد بعد صفة الكمال, ووقف يجزئه عن حجة الإسلام –لكان لقائل أن يبني ذلك على خلاف سبق في أن المصلي إذا طول الركوع, هل يوصف كله بالوجوب, أو ما لو اقتصر عليه لأجزأه؟ فإن قلنا بالثاني؛ فينبغي ألا يجزئه.
ولو لم يمكث بعد حصول صفة الكمال في الموقف؛ بأن كان في طرفه, فلما عتق أو بلغ خرج منه –فيظهر أن يكون الحكم كما لو حصلت له صفة الكمال بعد انصرافه من الموقف, ولم يعد.
وأما المجنون إذا أفاق بعد الإحرام [عنه] , وقلنا بصحته؛ فينبغي أن يكون

حكمه حكم الصبي فيما ذكرناه.
لكن في "تعليق" القاضي الحسين قبل باب ما للمحرم فعله: أن من يجن يومًا, ويفيق يومًا إذا أحرم بالحج, قال أصحابنا: شرط إجزائه عن الإسلام: أن يكون مفيقًا في أربعة أركان: عند الإحرام, والوقوف, والطواف, والسعي, ولا يمنع الإجزاء كونه مجنونًا في باقيه, وعليه ينطبق ما حكيناه من قبل: أن الولي إذا كان قد أحرم عنه, وقلنا: نفقة الحج على الولي, وكان المحرم عنه مفيقًا عند الإحرام, والوقوف, والطواف, والسعي –كانت نفقة الحج على المجنون, ويجيء هنا سؤال الرافعي الذي ذكره ثم, والله أعلم.
قال: والمستطيع, أي: الذي يلزمه الحج والعمرة –اثنان: مستطيع بنفسه, ومستطيع بغيره: فالمستطيع بنفسه: أن يكون صحيحًا, أي: بحيث يمكنه الثبوت على الراحلة بنفسه بدون مشقة غير محتملة عادة؛ لأنه إذا لم يكن كذلك, كان من الثاني.
والدليل على اعتبار الصحة قوله –عليه السلام- "من لم يمنعه [من] الحج حاجة, أو مرض حابس, أو سلطان جائر, فمات, فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا".
قال: واجدًا للزاد [,أي:] الذي يكفيه على حسب حاله, وأوعيته حتى السفرة؛ كما قاله القاضي [الحسين] , والماء بثمن المثل, أي وهو معه, أو له دين على مليء يقدر على أخذه منه, أو له عرض يستغنى عنه بقدره, في المواضع التي جرت العادة أن يكون فيها, أي: بأن يجد الزاد في كل منزل, أو في بلده أو في أقرب البلاد إلى البر؛ وحينئذ يحمله في المفأوز, وإن لزمه فيه مؤنة كبيرة, ويجد الماء في كل منزل, قال القاضي الحسين: وإن لم يجده كذلك فهو غير واجد, كما قاله

أصحابنا؛ لأنه لا يلزمه أن يحمل مع نفسه, وعندي: أنه إذا كان يجده في كل مرحلتين, يلزمه الحمل لمرحلة على العرف والعادة.
وهذا ما أورده البندنيجي؛ بحيث فسر وجدانه بأنه يجده في كل منزل أو منزلين.
ولو كان يجده في أقرب البلاد إلى البر فغير واجد, بخلاف الزاد؛ لأن العادة جرت بنقل الماء غلى المنازل بخلاف الزاد.
قال: في ذهابه ورجوعه, أي: وإن لم يكن له أهل في الموضع الذي سافر منه.
والأصل في اعتبار وجود الماء والزاد قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] , فإن الأمر بالعبادة إذا ورد مطلقًا, كانت القدرة على أدائها شرطًا في وجوبها, فلما ضم الله تعالى إلى هذه العبادة الاستطاعة [بعد] , علمنا أن وجوبها على غير المستطيع لا يجوز؛ دل على أنه ضم ذلك لفائدة, وقد بينها صلى الله عليه وسلم: روى الدارقطني بسنده عن غير واحد من الصحابة: أنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية, قال رجل: يا رسول الله, ما السبيل؟ فقال: "الزاد والراحلة".
وروى الترمذي عن عبد الله بن عمر أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: يا

رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: "الزاد والراحلة", قال الترمذي: وهو صحيح حسن.
ولأن ذلك عبادة تحتاج في أدائها إلى قطع مسافة بعيدة؛ فوجب أن يكون من شرط وجوبها: الزاد والراحلة؛ كالجهاد؛ فإن الكتاب دل على اعتبار ذلك فيه.
واحترزنا بقولنا: تحتاج في أدائها إلى قطع مسافة [بعيدة] , عن سفر الهجرة؛

فإنه يجب على أحد الوجهين عندنا -كما حكاه القاضي الحسين- وإن لم يقدر على الزاد والراحلة؛ لأن العبادة فيه نفس الهجرة والسفر.
وإذا ثبت ذلك في الزاد, ثبت مثله في الماء من طريق الأولى؛ لأن الحاجة إليه أشق من الحاجة إلى الزاد.
وفي اعتبار وجدان ذلك بثمن المثل: أنه لو لزمه بأكثر منه لم يأمن [ألا يباع] منه إلا بجميع ما يملكه, وفي ذلك إضرار بيّن به.
ولا فرق في ثمن المثل بين أن يكون غاليًا أو رخيصًا, وثمن مثل الزاد معروف, وفي ثمن مثل الماء أوجه مذكورة في التيمم.
وفي اعتبار وجدان ذلك في المواضع التي يكون فيها على النعت الذي ذكرناه: أنه -عليه السلام- أطلق ذكر الزاد, ولا شيء يرجع إليه فيه إلا العرف؛ فرجع إليه, وهو ما ذكرناه.
واعتبار وجدان ذلك في الذهاب ظاهر, وأما في ارجوع إذا كان له أهل -وهو من تلزمه نفقته من زوجة وقرابة؛ كما أفهمه كلام الماوردي ومن تبعه, أو أقاربه من المحارم وغيرهم؛ كما حكاه الإمام عن الصيدلاني, وأنه ليس في الطرق ما يخالفه, وعبر عن ذلك الرافعي بأنهم عشيرته التي يتناصر بها -فلأنه عند فقد ذلك لا يصل إليهم, وذلك ضرر ظاهر, والشرع راعى في [مثل] هذه العبادة ترك الضرر؛ فاعتبرنا وجوده.
وإذا لم يكن له فيه أهل؛ فلأن [جنس] الانقطاع عن الوطن, والقيام في الغربة -يشق, فلذلك جعل عقوبة في حق الزاني [البكر] وإن لم يكن له أهل ببلده؛ فالتحق بما إذا كان له فيه أهل, وهذا هو المنصوص عليه في "الإملاء", والصحيح في "تعليق" أبي الطيب وغيره, واختاره في "المرشد".
وقيل: إذا لم يكن له أهل لا يشترط في الاستطاعة وجود ذلك في الرجوع؛ لأن سائر المواضع في حقه سواء, وقد حكى الحناطي مثله في حق من له أهل وعشيرة فيه, والمشهور الأول؛ وعلى هذا فهل يختص الوجهان عند عدم الأهل بما إذا لم

يكن له في الموضع مسكن؟ فيه احتمالان للإمام, ورأى الأظهر التخصيص, وهو الذي أورده الغزالي.
قال الأصحاب: ولا فرق في اعتبار وجود الزاد والماء بين أن يكون الشخص ممن لا يعمل صنعة, ولا جرت عادته بالسؤال, أو ممن جرت عادته بذلك, وأمكنه التكسب في الطريق؛ لظاهر الخبر.
ولا فرق فيه [أيضًا]-كما قاله أبو الطيب- بين [المسافة] القريبة والبعيدة.
وحكى الإمام عن العراقيين أنهم قالوا: الحكم كذلك في مسافة القصر, أما إذا كان بينه وبين مكة دون مسافة القصر, فإن كان كسبه في يوم لا يكفيه لأيام, فالحكم كذلك, وإن كان يكفيه لأيام, لزمه الخروج, وهو الذي حكاه القاضي الحسين عن المذهب, ولم يورد في "البحر" سواه.
وللإمام فيه احتمال؛ من حيث إن القدرة على الكسب في يوم الفطر لا تجعل كحصول صاع في ملكه.
[وحكى القاضي الحسين وجهًا آخر: أنه إن كان من مكة] أو من الحرك, لا يشترط حصول الزاد في حقه كالراحلة.
فرع: حيث قلنا: لايجب عليه, لفقد الزاد والماء, فهل يستحب [له] أو يكره؟ ينظر: فإن كان يمكنه تحصيل ذلك بالتكسب في الطريق, استحب له الخروج من خلاف مالك -رحمه الله- نص عليه.
وإن كان لا يقدر على التكسب, لكن عادته السؤال [واعتمد عليه] , كره [له]؛ نص عليه في "الأم" و"الإملاء"؛ لأن كراهية المسألة أبلغ من كراهية [ترك] الحج.
قال: وأن يكون واجدًا لراحلة تصلح لمثله, أي: بثمن الثمل أو أجرة المثل, وهو واجد لذلك في ذهابه ورجوعه, إن كان بينه وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة, أى:

سواء قدر على المشي وهو من عادته أو لا؛ للخبر والقياس السابقين.
ويعتبر أن يجد مع ذلك علفها وماءها في كل مرحلة, فإن كانا غير موجودين قال القاضي الحسين: فلا يكلف حملهما.
والقياس: أن حكم علف الدواب حكم نفقة نفسه, وقد بيناه.
وهذا الذي ذكرناه فيما إذا كان له أهل, فإن لم يكن له أهل, فيشترط ذلك في الذهاب, وفي اشتراطه في الإياب الخلاف السابق, وحيث لا نوجبه, وقدر على المشي؛ فيستحب له أن يأتي إذا قدر على المشي؛ للخروج من خلاف مالك -رحمه الله, وسيأتي في النذر إن شاء الله- خلاف في أن الحج راكبًا أفضل أو ماشيًا؟ ثم أحوال الناس فيما يصلح لهم للركوب مختلفة: فمنهم من يقدر على ركوب المقتب من غير مشقة شديدة تلحقه, ومنهم من لا يقدر [على ذلك] إلا بمشقة [شديدة] , ويقدر على ركوب الزاملة من غير ذلك, ومنهم من لا يقدر على ركوب الزاملة إلا بمشقة [شديدة] , ويقدر على ركوب المحمل من غير مشقة, ومنهم من لا يقدر على ركوب ذلك إلا بمشقة [شديدة] ويقدر على ركوب الكنيسة بدونها؛ فيعتبر في كل شخص وجدان ما يقدر عليه؛ كما صرح به الشيخ؛ لأن اعتبار الراحلة إنما كان لما يلحقه من مشقة المشي, فإذا لحقته المشقة بنوع من الركوب, اعتبر بما لا مشقة فيه.
واعتبر الشيخ أبو محمد في ضبط المشقة: أن يكون بين ركوبه ما يليق به وما لا يليق به ضرر يوازن الضرر الذي بين الركوب والمشي.
ثم إذا كان الائق به المحمل, فقدر على شقه ووجد شريكًا -لزمه, وإن لم يجد شريكًا وكان يقدر على المحمل كله, لكنه يكتفي بشق- قال الغزالي: لم يلزمه؛ لأن الزائد خسران لا مقابل له, أي: مؤنة محققة يعسر احتمالها.
قال الرافعي: وكان لا يبعد تخريجه على الخلاف في لزوم البذرقة, وفي كلام الإمام إشارة إليه.

أما إذا كان بينه وبين مكة دون مسافة القصر: فإن قدر على المشي, سقط في حقه اعتبار وجود الراحلة خاصة؛ لإمكان السير منه من غير مشقة شديدة تلحقه غالبًا, وصار هذا كمن سمع نداء الجمعة, يلزمه المشي إليها, وعلى هذه الحالة حمل أصحابنا قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً﴾ [الحج: 27] , وخصوا الحديث بمسافة القصر؛ لأنه السفر الذي اعتبر الشارع مشقته, وأناط به الترخص بقصر الصلاة وإباحة الفطر.
وإن كان لا يقدر على المشي؛ لضعفه أو يناله منه ضرر ظاهر -فيعتبر في الوجوب في حقه الراحلة كما ذكرنا مع البعد.
قال الرافعي: وقد رأيت لبعض المتأخرين من أئمة طبرستان تخريج وجه في أن القريب كالبعيد مطلقًا.
ولا يؤمر بالزحف والحبو بحال, وإن أمكن؛ لأن المشقة فيهما في المسافة القريبة أعظم من المشقة بالمشي في المسافة البعيدة.
وفي "الروضة": أن الداركي حكى وجهًا [ضعيفًا] عن حكاية ابن القطان: أنه يلزمه الحبو.
قال: وإن يكون ذلك -أي: ثمن الزاد والماء والراحلة, بالصفة التي ذكرناها أو أجرتها- فاضلًا عما يحتاج إليه من مسكن, أي: في الحال وعند عوده, وخادم إن احتاج إليه, أي: لزمانة أو لمنصبه؛ لتنزل ذلك منزلة ثياب بدنه, ولأنهما يبقيان له في الكفارة؛ فكذلك هاهنا [أولى].
ولا فرق في ذلك بين أن يكون في ملكه أو لا ومعه ما يصرفه فيه.
وقيل: يباع المسكن والخادم في كلف الحج والعمرة, كما يباعان في الدين, ومن طريق الأولى عدم شرائهما.
قال الشيخ أبو حامد: ولأنه لو اعتبر ذلك في حاجته لاعتبرنا كفايته على الدوام؛ وهذا ما صححه في "التتمة", وبه أجاب أبو القاسم الكرضي, وحكاه عن نصه في "الأم", وادعى القاضي الحسين وكذا الشيخ أبو حامد -كما قال في "البحر"- أنه

المذهب, وفرقوا بينه وبين الكفارة بأن العتق في الكفرة له بدل معدول إليه بخلاف الحج, لكن الذي أورده الأكثرون: الأول؛ لما ذكرناه.
وقال الإمام: إنه غير مذكور في طريق المراوزة , لكنه الذي يقتضيه قياسهم.
وأما اعتبار كفايته على الدوام, فقد حكى ابن الصباغ في اشتراطها وجهين, وأن أقيسهما الاشتراط, وهما كوجهين حكاهما أبو الطيب في أنه لو كانت [له] بضاعة يكتفي بمؤنتها, فهل يجب صرفها في الحج والعمرة, أو لا يجب كما لا تباع الضيعة المتحصل له من ريعها قدر كفايته؟ ورجح القاضي منهما الثاني, وكذلك غيره؛ كام قال في "البحر", واختاره في "المرشد", بل كلام ابن الصباغ يفهم أنهما هما؛ لأنه قال: ومن قال بعدم اشتراط الكفاية على الدوام, فرق بين المسكن والبضاعة: [بأن المسكن يجب للغير [على الغير] , ولا يجب أن يدفع إلى غيره بضاعة] ليتجر فيها, وإن كان كذلك بطل قياس عدم اعتبار المسكن والخادم على عم اعتبار الكفاية على الدوام.
لكن الذي حكاه الماوردي عن مذهب الشافعي وسائر أصحابه, وصححه الرافعي وغيره: أنه لا تبقى البضاعة له للاتجار وإن بقى له المسكن والخادم؛ لأن الحاجة إلى ذلك ليست ناجزة, والمسكن والخادم الحاجة إليهما ناجزة.
وقد حكى ابن الصباغ هذا الوجه في الضيعة أيضًا.
ثم على ما ذكره الشيخ: لو كان له مسكن كبير إذا باع بعضه أمكنه السكون في الباقي, أو عبد نفيس إذا باعه أمكنه شراء عبد دونه, وفضل من ثمنه ما يحج به أو يعتمر -لزمه الحج والعمرة؛ قاله أبو الطيب وغيره.

وكذا إذا كان المسكن ضيقًا, لكنه نفيس, ولو بيع لأمكنه شراء مسكن يليق به, ويفضل من ثمنه ما يحج به ويعتمر -يلزمه الحج والعمرة.
قال الرافعي: وقد حكى الأصحاب في بيع العبد والدار النفيسين المألوفين في الكفارة وجهين, ولابد من عودهما.
قلت: وفي عودهما مع ما ذكر من الفرق السابق نظر.
وفي معنى المسكن والخادم كتب الفقه؛ فلا يجب بيعها في كلف الحج والعمرة على المشهور.
قال القاضي أبو الطيب: وإن كثرت؛ لأن ما منها شيء إلا وهو محتاج إليه.
نعم, لو كان له من كتاب نسختان لزمه بيع إحداهما, والمجزوم به في تعليق القاضي الحسين بيع كتب الفقه.
ولا يلتحق بالمسكن والخادم الحاجة إلى التزويج؛ فيقدم الحج عليه, اللهم إلا أن يخاف العنت؛ فيكون صرف المال إلى النكاح أهم من صرفه إلى الحج؛ هذه عبارة الجمهور؛ كما قال الرافعي, وعللوه بأن حاجة النكاح ناجزة, والحج على التراخي.
قال: والأسبق غلى الفهم من التقديم الذي أطلقوه: أنه لا يجب الحج والحالة هذه, ويصرف ما يملكه إلى مؤنات النكاح, وقد صرح الإمام بهذا المفهوم.
قلت: الذي حكاه الإمام عن العراقيين: العبارة المذكورة.

ووجه تقديم التزويج: أن الشرع لما جوّز له نكاح الأمة مع ما فيه من استرقاق الولد, [أشعر] بأن مجاوزة العنت مهم.
ثم قال: فإذا لا استطاعة ولا وجوب, وهذا الذي ذكروه قاطعين به قياس طريقنا وإن [لم] نجده منصوصًا فيها.
ثم قال [الرافعي]: لكن كثيرًا من العراقيين وغيرهم قالوا: يجب الحج على من أراد التزويج, لكن له أن يؤخره؛ لوجوبه على التراخي, ثم إن لم يخف العنت فتقديم الحج أفضل, وإن خافه فتقديم النكاح أولى.
قلت: وهذه عبارة صاحب "الشامل" و"التتمة" و"البحر".
وقال الشيخ أبو حامد وتبعه البندنيجي: إنه لا نص في ذلك.
وهذا مذهب الأوزاعي, وهو الذي يقتضيه قياس مذهبنا.
والقاضي أبو الطيب قال: إذا خاف على نفسه العنت تزوج, وكان الحج واجبًا في ذمته.
قال: وقضاء دين إن كان عليه؛ لأنه إن كان حالًا, وجب قضاؤه على الفور مع كونه حق آدمي فكان مقدمًا على ما وجوبه على التراخي, وهو حق لله تعالى المبني على المساهلة والمسامحة.
وإن كان مؤجلًا؛ فلأن بقاءه في ذمته عليه فيه ضرر عظيم؛ لأن نفسه مرتهنة [به].
وفي "الحاوي" حكاية وجه في المؤجل: إن كان يحل [وهو في عرفة, وجب الحج, وإن كان يحل] قبلها [فلا].
واعلم أن الأصحاب مصرحون بأنه يشترط أن يكون ما يصرفه في الحج والعمرة فاضلًا عما يحتاج إليه من نفقة من تلزمه نفقته وكسوته في مدة ذهابه ورجوعه؛ لتأكد ذلك؛ فإنه يجب في الحال مضيقًا وفي الكسب مع كونه حق آدمي, بخلاف الحج, ولم يصرح به الشيخ.
نعم, في كلامه ما يمكن أخذه منه؛ لأنه صرح باشتراط فضلة ذلك

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل