كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 43-82
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنائز

صفحات 43-82
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

المغالاة مكروهة فزيادة العدد [أولى] أن تكون مكروهاً، ولأن في ذلك سرفاً.
قال: إزار، وهو ما تؤزر به العورة، ولفافتين، أي: يلف كل منهما على جميع بدنه؛ لأن الخبر دل على ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، وهذه الهيئة أولى به، وفي "الوسيط" و"التتمة": أنه إذا كفن في ثلاثة أثواب كانت كلها سوابغ، وهو وجه حكاه الإمام مع وجه آخر أن الثوب الواحد يأتزر به، والثاني يلف عليه من الصدر أو فويقه إلى نصف الساق، والثالث يلف على جميع جثته.
وفي "التهذيب" عوضه: أن الأول يستر به ما بين سرته وركبته، والثاني [يلف] من عنقه إلى كعبه، والثالث يستر [به] جميع بدنه، وإذا جمعت ذلك كان فيها أربعة أوجه، وميل النص إلى ما قاله الغزالي؛ لأنه قال: وأحب عدد الكفن إلي ثلاثة أثواب رياط ليس فيها قميص ولا عمامة، والرياط، جمع: ريطةٍ وهي الملاءة تصنع قطعة واحدة عريضة كهيئة الإزار الذي ليس بملفق من ثوبين.
ولو جعل من الثلاث قميصاً أو عمامة، قال في "المهذب" و"الإبانة": لم يكره؛ لأنه- عليه السلام- كفن عبد الله بن أبي ابن سلول في قميصه وقال: "لا يعذب ما بقي عليه منه سلك" أي: خيط.
وقد حكى بعض أصحاب أبي حنيفة عنه: أنه استحب ذلك، وقال القاضي أبو الطيب: إن ذلك ليس ثابتاً عنه، ومذهبه كمذهبنا.
قال: بيض؛ لحديث عائشة، ولقوله- عليه السلام-: "البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنه من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم" أخرجه الترمذي من رواية ابن عباس، وقال: إنه حسن صحيح.
فلو كانت كلها حبرةً، لم يكره، قال أبو الطيب: لأنه – عليه السلام- كان يلبس

الحبرة يوم الجمعة والعيد.
والذكر الصغير كالرجل، قاله في "الروضة"، فلو أبدل الشيخ لفظ "الرجل" بـ"الذكر" لكان أولى.
قال: والمرأة في خمسة أثواب- إزار وخمار ودرع ولفافتين-[بيض]؛ لما روى أبو داود، [ورواه أحمد أيضاً] عن ليلى الثقفية قالت: "كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحقاء ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب الأخير"، والدرع: هو القميص كما قال البندنيجي والمتولي وغيرهما وهو مذكر، والإزار يذكر ويؤنث، والحقاء: الإزار، وأصله: معقد الإزار، وما ذكره الشيخ حكاه في "المذهب" وغيره قولاً عن الشافعي، وصححه الماوردي، وإليه ميل الأكثرين، وادعى القاضي الحسين أنه القديم، وأن المزني اختاره، وقال: إن الشافعي قال به مرة ثم خطَّ عليه، فإذا قلنا به تؤزر، ثم تدرع، ثم تخمر، ثم تلف في لفافتين، كذا حكاه القاضي الحسين عن القديم، وقال البندنيجي: إنه قال في "الأم" والقديم: تلبس الدرع، [وتؤزَّر]، ثم تقنع، ثم تدرج في لفافتين، والمعزي إلى نصه في الجديد- كما قال الإمام-: أنه لا يستحب لها الدرع كما في الرجل، ولأنها إنما تحتاج إلى الدرع للتصرف، وقد زال بالموت، فإذا قلنا بهذا فقد قال العراقيون والمتولي: [إنه] يجعل- عوضه- لفافة أخرى.

قال البندنيجي: كما قلنا في الرجل، وقال الإمام: ذلك ينبني على خلاف الأصحاب في مسألة مقصودة في نفسها، وهي أن الشافعي قال: ويشد على صدرها ثوب يضم أكفانها، واختلف فيها الأصحاب: فمنهم من قال: أراد بذلك ثوباً سادساً، ومنهم من قال: أراد به ثوباً من الخمسة، فعلى الأول يكون الأمر كما ذكره العراقيون، وعلى الثاني يكون الخمس: إزاراً وخماراً ولفافتين وشداداً.
ولو قلنا بأنها تدرع، وأن الشداد من الخمس- كانت إزاراً وخماراً ودرعاً ولفافة واحدة وشداداً.
وإذا جمعت ذلك واختصرت جاءك في المسألة أربعة أقوال وأوجه: أحدها: ما ذكره الشيخ.
والثاني: أن الخمس: إزار وخمار ودرع ولفافة وشداد.
والثالث: أنها: إزار وخمار وثلاث لفائف.
والرابع: أنها: إزار وخمار ولفافتان وشدادز وقد فرع الأصحاب على الخلاف الذي ذكرناه في الشداد: هل هو وراء الخمس [أو] منها؟ فقالوا: إن قلنا: إنه وراء الخمس، ربط فوق اللفائف، وحل عنها في القبر وأخرج، ويترك عليها الخمس، وهذا منسوب إلى أبي إسحاق، والأصح في "المهذب" و"تعليق" أبي الطيب و"الرافعي"، وحكى الماوردي على هذا وجهاً آخر: أنه لا يحل، بل يترك عليها.
وإن قلنا: إنه من الخمس، يترك عليها في القبر؛ لأنه من جملة الأكفان، وهو المنسوب لابن سريج متمسكاً فيه بأن الشافعي أمر بشدها به، ولم يقل: إنه يؤخذ عنها إذا دفنت؛ فدل على أنه يبقى معها.
وفي كيفية شده وجهان، حكاهما الإمام عن رواية بعض المصنفين: أحدهما- وهو اختيار ابن سريج كما قال-: أنه يكون فوق اللفائف حتى يجمعها.
والثاني- وهو مذهب أبي إسحاق-: أنه يشد وسطها دون الريطة الثالثة.
والذي رأيته في "الإبانة" وهو الأولى- نسبة الأول إلى أبي إسحاق، والثاني إلى ابن سريج، وظاهر النص مع القائل بأنه يشد فوق الأكفان؛ لأنه قال: يضم أكفانها، والرابع لا يضم الأكفان وإنما يضم ثلاثة منها، وقد اتفق الأصحاب على أنه لا يزاد

على ما ذكرناه بحال؛ فإنه سرف ومغالاة، وقد نهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن فعل ذلك كان مكروهاً.
وقد أفهم كلام الشيخ أن استحباب الخمس في حق المرأة كالثلاث في حق الرجل، وقال الإمام عن الشيخ أبي علي: إن الخمسة- وإن أحببناها- فليست في حقها بمثابة الثلاثة في حق الرجل حتى نقول: يجبر الوارث عليها كما يجبر على الثلاث، وهذا متفق عليه.
ولو كفنت في ثلاثة أثواب، قال الغزالي: كانت ثلاث لفائف، وإنما التردد في القميص إن كفنت في خمس، وعبارة الإمام أنه ينبغي أن تكون رياطاً سابغة، وإنما ذكر الشافعي القولين في استحباب القميص إذا كانت تكفن في خمسة أثواب، قال: والسبب فيه: أن الإزار والخمار إذا كانت تكفن في خمس أولى من القميص، [فإذا كانت تكفن في ثلاثة فإزار وخمار ولفافة، وإذا لم يكن فوق الثياب لفافة سابغة فيكون ذلك خارجاً عن الوجه المختار، وتقدير هذا: أنه إذا كان الإزار والخمار أولى من القميص إذا كفنت في خمس؛ فأولى] إذا كفنت في ثلاث، وإذا كان كذلك فلا يمكن ترك الإزار والخمار ويجعل بدله القميص؛ فتعين الإتيان بهما، والثالث إن جعل قميصاً خرج عن الوجه المختار؛ فتعين أن يكون لفافة.
لكن هذا من الإمام يناقض ما قاله أولاً: إنها تكون رياطاً سابغة، وقد قال الرافعي: إنه لا فرق في التكفين في الثلاثة بين الرجل والمرأة، وقضيته: أن تأتي الأوجه السابقة في الرجل.
تنبيه: [كلام الشيخ في] هذا الفصل والذي قبله يفهم أمرين: أحدهما: أنه لا فرق في الثياب الثلاث والخمس بين الجديد والملبوس؛ إذ لو اختلف الحال في ذلك لنبه عليه كما [فعل في] المحرم، وقد قال في "الحاوي": إنه يختار أن تكون جدداً، وإليه يرشد كلام صاحب "التقريب"، والذي سنذكره، وقد قال ابن الصباغ: إنه جاء في رواية أنه- عليه السلام- كفن في ثلاثة أثواب بيض جدد، وقال في "التهذيب" و"التتمة"، تبعاً للقاضي الحسين: إن التكفين في الجديد جائز واللبيس أولى؛ لأن مآلها إلى البلى.

الثاني: أنه لا فرق في الثياب بين أن تكون من قطن أو كتان أو غيرهما مما يجوز لبسه للرجال أو النساء، لكن الذي دل عليه الخبر أن يكون من قطن وهو الأولى، قاله البغوي، ويجوز التكفين فيما يباح للميت لبسه، لكن المرأة يكره تكفينها في الحرير على المذهب، وفيه وجه حكاه صاحب "الروضة": أنه يحرم، وقال: إنه شاذ؛ وكذا يكره تكفينها في المزعفر والمعصفر على المذهب، قال في "الروضة": وفيه وجه أنه لا يكره.
قلت: وعليه ينطبق قول البندنيجي: إن ما جاز للرجل أن يلبسه في حياته جاز أن يكفن به بعد وفاته، وكذلك المرأة، وقال الغزالي: وليكن جنسها القطن أو الكتان.
قال الرافعي: ولك أن تقول: إما أن يريد بذلك استحباب هذين النوعين على الخصوص أو يشير بهما إلى جملة الأنواع المباحة، ويكون التقدير: القطن والكتان وما في معناهما، أما الأول فقضيته: تقديم النوعين على سائر الأنواع المباحة كالصوف وغيره، وهذا شيء لم نره في كلام الأصحاب، وإن أراد الثاني فظاهر اللفظ معمول به في حق النساء دون الرجال: أما أنه معمول به في حق النساء؛ فلأن تكفينهن [بغير هذه الأنواع- وهو الحرير- جائز، وإن كره؛ لما فيه من السرف؛ فينتظم أن نقول: تكفينهن] بهذه الأنواع مستحب، وأما أنه غير معمول به في حق الرجال؛ فلأن استحباب بشيء من هذه الأنواع إنما يكون إذا جاز تكفينهم بغير هذه الأنواع وإنه ممتنع.
قال البندنيجي: ويستحب أن تستجاد الثياب التي يكفن فيها؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه" [أخرجه مسلم] فإن كان موسراً

فتكون [الثياب] جياداً، وإن كان معملاً فتكون وسطاً، وإن كان فقيراً فتكون دون ذلك.
فإن قيل: قد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المغالاة في الكفن.
قلنا: قد قال القاضي الحسين: إنه يجمع بين الحديثين بأن يحسن منظرها ولا تكون ثمينة.
قال: ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه، أي: عند وضعه في الكفن كما سنذكره في آخر الباب؛ لأن الحي هكذا يفعل، ولأن الرأس تشتمل على أعضاء شريفة.
قال: والواجب [من ذلك] – أي: في حق الرجل والمرأة- ثوب واحد، أي: يستر العورة؛ لما روى البخاري ومسلم: أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، قال الراوي: فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "دعوها مما يلي رأسه، واجعلواه على رجليه الإذخر"، وجه الدلالة منه: أنه- عليه السلام- لم يأمر بأن يكفن في غيرها مع أنها لا تستر جميع البدن، ولو كان واجباً لأمر به، ولأنه يجب من ستره بعد الموت ما كان يجب من ستره قبله وذلك قدر العورة.
والنمرة- بفتح النون وكسر الميم وبعدها راء مفتوحة وتاء تأنيث-: كل شملة

مخطوطة من مآزر الأعراب، وجمعها: نمار، كأنها أخذت من لون النمر؛ لما فيها من السواد والبياض، وقيل: هي من صوف وفيها أمثال الأهلة، وما ذكرناه في تفسير كلام الشيخ هو ما أورده القاضي أبو الطيب هنا والمتولي، وكذا ابن الصباغ، وحكاه عن نصه في "الأم"، وكذا البندنيجي حكاه عن "الأم".
وقال الماوردي: إن الشافعي قال: فإن غطي من الميت قدر عورته فقد سقط الفرض، ولكن أخل بحق الميت.
وعلى هذا يختلف الثوب بالنسبة إلى الرجل والمرأة؛ لاختلاف عوراتهما، وهل يختلف بالحرة والأمة؟ سكت عنه الأصحاب، والظاهر أنه لا فرق؛ لأن الرق يزول بالموت، كما قاله في "الوسيط" في كفارة اليمين، وأشار إليه في "المهذب" بقوله في الرد على من قال بأن تكفين المرأة في مالها: إن هذا يبطل بالأمة؛ فإنها تصير بالموت أجنبية من مولاها.
والخنثى فيما ذكرناه كالمرأة.
وفي "المهذب" حكاية وجه آخر: أن الواجب ثوب ساتر لجميع البدن، أي: إذا لم يكن محرماً؛ لأن ما دونه لا يسمى كفناً، وهو ما حمل عليه بعض الشارحين كلام الشيخ هنا، ولم يورد القاضي الحسين والإمام ومن تبعهما [هنا] غيره، وقال الإمام: إنه لم يصر أحد إلى جواز الاقتصار على ستر العورة.
وحمل الحديث على أنه لم يوجد إذ ذاك ثوب ساتر، ومن العجب أنه حكاه في كتاب التفليس عن أبي إسحاق وضعفه، وقال في "المهذب" و"الروضة": إنه الأصح".
وحكى البندنيجي وجهاً ثالثاً في المسألة: أن الواجب ثلاثة أثواب؛ أخذا من قول الشافعي في أثناء الباب: فإن تشاحوا- يعني: الورثة والغرماء- فثلاثة أثواب.
وهذا الوجه إن أخذه مطلقه اقتضى جريانه فيما إذا كان المكفن له الكافة؛ لعدم ماله وقريب له يلزمه نفقته، وفقد مال في بيت المال.
وفيما إذا كان تكفينه من بيت المال أو من مال قريبة أو من مال نفسه، سواء كان عليه دين أو لم يكن، توافق الورثة والغرماء على ذلك أو اختلفوا، وقد حكاه القاضي الحسين هكذا في جميع

الصور ما خلا الصورة الأولى؛ فإنه جزم فيها بأن الواجب ثوب واحد، وتبعه البغوي في الجزم بهز والأظهر فيما إذا كان التكفين من ماله، وقد تنازع الورثة والغرماء [عند] ضيق مال الميت عن وفاء الدين والثلاث، وقال الغرماء: يكفن في ثوب [واحد]، وقال الورثة: بل في الثلاث- أن المجاب: الغرماء.
وقد قيل: إن الأصح إجابة الورثة، وهو ما ذكره في كتاب التفليس.
والأصح عند الجمهور فيما إذا وقع التنازع كذلك بين الورثة وفي المال متسع الثلاث- أن المجاب: الداعي إلى الثلاث، وهو ظاهر النص، وبعضهم قطع به، منهم: الفوراني، وصاحب "المرشد" اختار أنه يكفن في [ثوب] واحد أيضاً كالحج من ميقات بلده بأقل ما يؤخذ.
والأظهر فيما إذا كان التكفين من بيت المال أن الواجب ثوب واحد، وهو ما حكى الإمام قطع الأئمة به، وإن أخذ مع ما منه أخذ من قول الشافعي، اقتضى أن يكون محله إذا دعا إلى ذلك الورثة دون الغرماء، ودون ما إذا اتفق الورثة والغرماء على تكفينه في ثوب واحد ساتر لجميع البدن؛ فإنه يكفي ولا يجب الثلاث، وهذا ينطبق على ما أورده الماوردي؛ لأنه حكى الوجهين فيما إذا تنازع الورثة والغرماء في الثلاث كما تقدم، ونسب القول بإجابة الورثة إلى أبي إسحاق، وقال: إن الغرماء لو قالوا: نكفنه فيما يستر عورته، وقال الورثة، بل في ثوب [واحد] ساتر لجميع بدنه- أن المجاب: الورثة بلا خلاف.
ولا يسلم من نزاع سنذكر مأخذه، وقضية كلام الماوردي- أيضاً- وما ذكرناه: أن الورثة لو اتفقوا-[حيث لا دين] على تكفينه في ثوب ساتر لجميع البدن، أنه لا يجب تكفينه في الثلاث بلا خلاف، وهو ما أورده في "التهذيب"، لكن القاضي الحسين والمتولي حكيا الوجه فيه، وقالا: إنه الصحيح من المذهب.

التفريع: إن قلنا بأن الواجب ما يستر العورة: فإن كان له ما يستر عورته فقط ستر به وأجزأه، قاله البندنيجي، وحكاه الرافعي عن نصه في "الأم".
[وإن كان له] ما يستر أكثر من العورة ولا يستر جميع البدن، ستر به رأسه وعورته، وجعل على رجليه إذخراً أو تراباً ونحوهما للخبر، قاله البندنيجي أيضاً.
وإن كان له ثوب ساتر لجميع بدنه، ستر به، قاله البندنيجي أيضاً.
وعن "البيان" حكاية وجه: أن بعض الورثة إذا قال: يكفن في ثوب يستر عورته فقط، يجاب إليه على هذا الوجه.
قلت: ومن طريق الأولى جريان مثله فيما إذا تنازع الغرماء والورثة على هذا النحو من طريق الأولى.
وإن قلنا: الواجب ثوب ساتر لجميع البدن، فإن وجد له كفن فيه، وإن وجد أقل منه كمل ستر جميع بدنه من حيث يكون جميعه لو لم يكن للميت مال، وإن قلنا: الواجب ثلاثة أثواب، فإن كانت في ماله كفن فيها، وإن لم يكن [له] إلا ثوب واحد، فإن كان كفنه لو لم يكن شيء من بيت المال فهل يكتفي بالثوب الذي خلفه أو يكمل الثلاث من بيت المال؟ فيه وجهان حكاهما الإمام عن رواية صاحب "التقريب".
وإن كان كفنه لو لم يخلف شيئاً على قريبه فقد جزم القاضي الحسين بأنه يكفن في الثوب الذي خلفه ولا يكمل القريب الثلاث، وإن كان لو كفنه لكفنه بثلاث.
قلت: وكان الفرق بين القريب وبيت المال: أن التكفين من بيت المال أوسع؛ ولهذا لو نبش الميت وأخذ كفنه؛ لا يجب على القريب تكفينه ثانياً، ولو كان قد كفن من بيت المال كفن ثانياً وثالثاً كما قاله المتولي؛ لأن العلة في الكرة الأولى: الحاجة، والحاجة موجودة.

وقد استخرج صاحب "التقريب" من كلام الأصحاب- كما حكاه الإمام عنه- أن الثوب الواحد السابغ يظهر فيه رعاية حق الله- تعالى- فلا يجوز الاقتصار على ما يستر العورة إلا إذا لم يجد سابغاً فيضطر إلى الاكتفاء به.
وأما الثلاث في حق الغرماء والورثة، [و] في حق بيت المال فهي متعلقة برعاية حق المتولي في نفسه.
ثم حقق هذا بأن قال: لو أوصى الميت بألا يكفن إلا في ثوب واحد، كفى الثوب السابغ؛ فإنه بوصيته رضي بإسقاط حقه، ولو قال: رضيت بأن يقتصروا على ما يستر عورتي، فلا أثر لوصيته في ذلك، ويجب تكفينه في ثوب سابغ لجميع بدنه.
قال الإمام: وهذا الذي ذكره في غاية الحسن، وقال: إنه احتج عليه بما روي [أن] أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- قال: "إذا مت فكفنوني في ثوبي الخلق؛ فإن الحي أولى بالجديد من الميت"، فنفذت وصيته.
قلت: وهذا من صاحب "التقريب" يدل على أن التكفين في الجديد حق للميت؛ لأنه جعل تكفين أبي بكر في ثوبه الخلق بحكم وصيته، وقد أشرت إلى هذا من قبل، ثم في جزم صاحب "التقريب" بعدم نفوذ وصيته في الاقتصار على ستر العورة، فيه نظر؛ فإنا قد حكينا عن الشافعي أنه قال: إذا غطي من الميت قدر عورته فقد سقط الفرض، ولكن أخل بحق الميت.
وهو يدل على أن ما زاد على ستر العورة حق الميت؛ فينبغي أن تنفذ وصيته فيه كما تنفذ في الثوبين، والله أعلم.
فرع: الملك في الكفن لمن يكون إذا كفن من ماله؟ فيه ثلاثة أوجه حكاها

المتولي هنا، وهي مستوفاة في كتاب السرقة: أحدها: أنه للميت.
والثاني: أنه للورثة.
وقد حكاهما المتولي هنا.
والثالث: أنه لله تعالى.
قال: والمستحب أن يذرَّ الحنوط والكافور في الأكفان؛ لئلا يسرع بلاها، وليقيها من بللٍ يمسها.
قال الماوردي: وهذا لم يذكره غير الشافعي من الفقهاء، وكيفية ذلك أن يبسط أولاً أحسن الثياب وأوسعها؛ لأنه الذي يعلو على كل الكفن إذا أدرج، والحي يظهر الأحسن من ثيابه، فإذا بسطه ذرَّ عليه ذلك، ثم يفرش الثاني فوقه وهو الذي يليه في الحسن والسعة، ويذرّ عليه ذلك، ثم يفرش الثالث فوقهما، وكلام المزني يقتضي أنه لا يذرُّ عليه شيء، والأصحاب متفقون على أنه يذر عليه ذلك؛ لأنه الذي يلي الميت ويخفي ما عساه يظهر منه من رائحة، واستحب الإمام ومن تبعه الإكثار منه؛ لما ذكرناه.
قال الأصحاب: ويستحب أن يكون ذلك بعد أن تبخر الأكفان ثلاثاً حتى تعبق بالند وكذا بالعود غير المطرَّى، وأما المطرَّى فقد قال الشافعي في القديم: لا يجمر الكفن به؛ لأنه يخلط فيه المسك والعنبر، وقال في البويطي: ولو تطوع أهله فجعلوا فيه المسك والعنبر فلا بأس.
قال البندنيجي: ولا يختلف قوله أنه لا بأس بالمسك والعنبر، وإنما منع من العود المطرى في القديم؛ حذاراً أن يطرى بالجمر.
وهذا من البندنيجي لا يدل على أن الأولى التجمير بغيرهما، وبه صرح أبو الطيب فقال: يستحب أن يكون العود الذي تجمر به الأكفان غير مطرَّى بالمسك والعنبر.
وقال الإمام، تبعاً للقاضي الحسين: إن الشافعي رأى تجمير الأكفان بالعود،

واختاره على المسك؛ لما صح عنده من كراهية ابن عمر استعماله في الكفن؛ فآثر الخروج عن الخلاف.
[والحنوط- بفتح الحاء، ويقال له أيضاً: الحناط- بكسرها- وهو أنواع من الطيب تخلط للميت [خاصة]، قال الأزهري: ويدخل فيه الكافور والصندل وذريرة القصب].
قال: ويجعل الحنوط والكافور في قطن، أي: ويستحب أن يجعل الحنوط والكافور في قطن، أي: منزوع الحب كما قال الشافعي، ويترك على منافذ الوجه، [أي]: وهي الفم والمنخران والعينان وعلى الأذنين؛ ليخفي رائحة ما عساه يخرج منها.
وكذا يستحبأن يوضع على جرح نافذ إن كان فيه.
قال: وعلى مواضع السجود، أي: وهي الجبهة والكفان والركبتان والقدمان؛ لشسرفها، ولأنه روي عن ابن مسعود أنه قال: يتبع الطيب مساجده.
وقد قيل: إنه يجع الحنوط والكافور على مواضع السجود بغير قطن، وهو ما حكاه القاضي الحسين والجيلي موجهاً له بأن القطن لا يثبت عليها، والذي أورده أبو الطيب ما ذكره الشيخ.
ثم اعلم أن جعل ذلك على ما ذكر إنما يفعل بعد وضع الميت في الأكفان بعد بسطها كما ذكرناه، فيحمل الميت من مغتسله مستوراً بثوب ويوضع على الكفن مستلقياً على ظهره ويجعل ما يفضل من الكفن عن طول الميت من جهة رأسه أكثر مما عند رجليه كما ذكره الشيخ آنفاً.
وبعد أن يأخذ شيئاً من القطن فيجعل عليه الحنوط والكافور ويدخله بين أليتيه إدخالاً بليغاً؛ ليرد شيئاً [إن جاء] منه كما قال الشافعي، ويفعل ذلك بعد وضعه على الأكفان.
وقد ظن المزني أن الشافعي أراد أن يجاوز بذلك حد الظاهر فيدخل القطن في دبر الميت، فقال: لا أحب ما قال الشافعي من المبالغة في الحشوة؛ لأنه قبيح، بل يجعل القطن كالموزة ويدخله بين أليتيه حتى ينتهي إلى حلقة الدبر.

قال البندنيجي: ونحن نقول للمزني: صدقت، وهذا مراد الشافعي فلا يظن به غيره.
قال القاضي أبو الطيب، وتبعه ابن الصباغ: وقد بينه الشافعي في "الأم" فقال: حتى يبلغ حلقة الدبر.
و [قد] [رأيت فيما] وقفت عليه من "تعليق" القاضي الحسين أن القفال قال: رأيت للشافعي في "الكبير" ما ظن المزني.
ولأجله- والله أعلم- قال بعض الأصحاب، كما حكاه الرافعي: إنه لا بأس بما ظنه المزني، والمتولي قال: إنه لا بأس به إذا كان به علة يخاف أن يخرج بسببها من المخرج شيء عند تحريكه، ثم يأخذ قطنة أخرى ويضعها فوق ذلك، ثم يأخذ خرقة ويشق طرفيها ويدخلها بين الرجلين، ويشد أطراف الخرقة بعضها إلى بعض فوق الوركين، ثم يبسط على ذلك عريضاً من القطن وتشد أليتاه، ويستوثق؛ كي لا يخرج منه شيء، ثم يفعل ما ذكره الشيخ.
قال: وإن طيب جميع بدنه بالكافور فهو حسن؛ لأنه يقويه ويصلبه ويذهب الرائحة الكريهة إن كانت، وقد حنط عمر- رضي الله عنه- بالكافور، وكذا يستحب أن يحنط رأسه ولحيته بالكافور، ولو حنظهما بالمسك جاز؛ لقوله- عليه السلام-: "أطيب طيبكم المسك" أخرجه مسلم، وقد قال بعض الأصحاب: إن استعمال الحنوط واجب؛ لأن الشافعي قال في "الأم" والقديم معاً: وكفن الميت وحنوطه ومؤنته حتى يدفن من رأس ماله، ليس لوارثه ولا لغرمائه منع ذلك.
والقائل بعدم الوجوب تمسك بقوله بعد ذلك بسطرين: "ولو لم يكن حنوط ولا

كافور في شيء من ذلك رجوت أن يجزئ"، وقد قال البندنيجي: إن الأصحاب لأجل النصين جعلوا في وجوب ذلك وجهين.
قال: والظاهر أنها على قولين، وعلى ذلك جرى في "المهذب"، وأشار القاضي أبو الطيب إلى أن الخلاف مبني على الخلاف في إيجاب الثياب الثلاثة ولا جرم جزم الشيخ بالاستحباب لما جزم بأن الواجب ثوب واحد، وقد حكى الإمام عن العراقيين في المسألة طريقين: إحداهما: حكاية وجهين في المسالة كالثوب الثاني والثالث.
والثانية: القطع بعدم الوجوب.
قال: وهو الذي يجب القطع به، وقال الغزالي: إنه الصحيح.
ثم هذا إذا لم يكن محرماً ولا المرأة معتدة.
قال: فإن كان- أي: الميت- محرماً لم يقرب الطيب، ولا يلبس المخيط- أي: إذا كان رجلاً- ولا يخمر رأسه؛ لما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: وقصت برجل محرم ناقته فقتلته، فأتي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "اغسلوه وكفنوه ولا تغطوا رأسه ولا تقربوه طيباً؛ فإنَّه يبعث مهلاً"، فنص على حكمين من أحكام الإحرام، ونبه على أن العلة الإحرام؛ فوجب اطراد جميع أحكامه، ولأنه محرم لا يخرج من إحرامه بفعله؛ فوجب ألا يبطل بموته كالحي، وحكمه في تقليم أظفاره وقص شاربه وإزالة شعر عانته وغير ذلك- إذا

استحببناه- حكم المحرم، إلا أنه إذا فعل به ذلك لا يلزمه في تركه شيء بلا خلاف، وهل يجب على الفاعل الفدية؟ فيه وجهان حكاهما العمراني في "الزوائد".
قال الرافعي: ولا بأس بالتجمير عند غسله، كما لا بأس بجلوس المحرم عند العطار.
أما إذا كانت الميت امرأة فلا تقرب الطيب ولا يخمر وجهها، ويجوز أن تلبس المخيط، ويغطى رأسها.
والمعتدة إذا ماتت هل تقرب الطيب أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو قول أبي إسحاق-: لا؛ استصحاباً للتحريم كالمحرمة.
والثاني- وهو قول عامة الأصحاب كما قال المتولي، والأظهر في "الرافعي"، والمختار في "المرشد"-: أنه يجوز؛ لأن التحريم في الحياة كان للتجرد عن الأزواج أو للتفجع، وقد زال بالموت.
والوجهان جاريان- كما قال المتولي- في جواوز تكفينها في ثياب الزينة، وقد اختلف قول الشافعي في كيفية لف الأكفان على الميت: فقال في "الأم"- وهو الذي نقله المزني- إنه تثنى عليه صنفة الثوب الذي يليه على شقه الأيمن، ثم الصنفة الأخرى على شقه الأيسر حتى يواري صنفة الثوب التي ثنيت أولاً كما يشتمل الحي بالساج وهو الطيلسان.
وقال في القديم، وغسل الميت من "الأم": تؤخذ صنفة الثوب اليمنى فترد على شق الرجل الأيسر، ثم تؤخذ صنفة [الثوب] اليسرى فترد على شق الرجل الأيمن.
قال البندنيجي: وحاصل ذلك أنه نص في الجديد على البدأة من الجانب الأيسر، وفي القديم على أن البدأة من الجانب الأيمن، واختلف الأصحاب في ذلك على ثلاث طرق: إحداها: أن في المسألة قولين.
والثانية- حكاها القاضي أبو الطيب وابن الصباغ-: القطع بأنه يبتدئ بما يلي شقه

الأيمن من الصنفة، فيثنيه على شقه الأيسر [ثم يثني ما يلي شقه الأيسر] على الأيمن كما بين الشافعي، وهذه صححها في "المهذب" وضعفها ابن الصباغ.
والثالثة- حكاها البندنيجي عوض هذه: القطع بما قاله في الجديد، وقال: إن قوله في القديم يبدأ من الجانب الأيمن، يعني: يرفع أولاً من الجانب الأيمن، ويبدأ بالإدراج من الجانب الأيسر، لتكون صنفة الثوب التي من اليسار تحت التي من اليمين، ثم يصنع بكل لفافة هكذا، فإذا أدرجه في واحدة- كما وصفنا- عطف الفاضل من الثوب الذي عند رأسه على وجهه، والفاصل من عند رجليه على رجليه، فإن خشي أن تنحل عليه عقدها، وإذا وضع في اللحد حلت كلها، قال في "المهذب" وغيره: لأنه يكره أن يكون عليه فيه شيء معقود، والله أعلم.
وصنفة الثوب- بصاد مفتوحة ونون مفتوحة وبعدها تاء-: طرَّته.

باب الصلاة على الميت

أراد بالميت: الميت المسلم، أما الكافر فلا تحل الصلاة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 113]، وقال تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً﴾ الآية [التوبة: 84].
قال: وهي فرض على الكفاية، أي: حيث تشرع؛ لقوله- عليه السلام-: "فرض على أمتي غسل موتاها والصلاة عليها ودفنها"، وقال- عليه السلام-: "صلوا على من قال لا إله إلا الله" فأمر بذلك وظاهره الوجوب، وليس فرض عين بالاتفاق؛ فتعين أن يكون فرض كفاية وهو إجماع.
ويستحب الإكثار في عدد المصلين؛ لقوله- عليه السلام-: "ما من رجل يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه" أخرجه مسلم.
وبماذا تحصل الكفاية حتى يسقط بفعلها الفرض عن الباقين؟ فيه قولان في "المهذب" و"الشامل" وغيرهما، ووجهان في "الوسيط" مع آخرين: أحدهما: ثلاثة؛ لقوله- عليه السلام- "صلُّوا" وهذا خطاب للجمع، وأقله ثلاثة، وقد ادعى البندنيجي أنه ظاهر المذهب؛ لأنه قال: ولو أحدث الإمام، وانصرف

-أتمها المأمومون فرادى، فإن كانوا كلهم غير متوضئين أعادوا الصلاة، فإن كان منهم ثلاثة متوضئين أجزأت الصلاة، وصححه أبو الفرج الزاز، ولم يحك الماوردي غيره.
والثاني من القولين: أنها تحصل بواحد؛ لأنها صلاة لا يشترط فيها الجماعة فلا يشترط فيها الجمع كغيرها من الصلوات.
قال ابن الصباغ: وعليه نص في "الجامع الكبير" فإنه قال: إذا صلى عليها واحد- أجزأ، واختاره في "المرشد"، وقال جماعة: إنه الظاهر.
والثالث: أنها تحصل باثنين؛ بناءً على أن أقل الجمع اثنان، كذا قاله البغوي تبعاً للقاضي الحسين، ولم يحكه الفوراني وحكى ما سواه.
وقال الرافعي: إنه لم يبلغ الإمام نقلاً، لكنه قال: هو محتمل جداً؛ لأن الجماعة تحصل بذلك، وهو كقولنا في مسألة الانفضاض على رأي: يكتفي ببقاء واحد مع الإمام.
والرابع: أنها لا تسقط بأقل من أربعة، وهو ما صدر به في "الوسيط" كلامه، وألحقه الشيخ أبو علي بالحمل، وهو لا يجوز أن ينقص عن أربعة كما قال الإمام، وهو هفوة منه؛ فإن الحمل بين العمودين قد يحصل بثلاثة، وميل الشافعي إلى أن الحمل بين العمودين أفضل.
ولو زاد المصلون على ذلك فصلاة الجميع تقع فرضاً كما صار إليه الأئمة؛ لأن بعضهم ليس بأولى من البعض، وإذا عسر التمييز فالوجه القضاء بالفريضة في حق الكافة.
قال الإمام: ويحتمل أن يقال: هو بمثابة ما لو أوصل المتوضئ الماء إلى جميع رأسه دفعة واحدة، وقد تردد الأئمة في أن الكل يوصف بالفريضة أم الفرض مقدار الاسم على الإبهام من الرأس؟ فليخرج الأمر في الجمع على ذلك.
وقد يتخيل فرق بأن مرتبة الفريضة تزيد على مرتبة السنة وكل [من دخل] في الجمع الكبير لا ينبغي أن يحرم رتبة الفريضة، وقد قام بما ندب إليه، ولا يتحقق مثل

ذلك في مسح الرأس، وأيضاً فالتطوع بالزيادة على مقدار الفرض في مسح الرأس مشروع، والتطوع بصلاة الجنازة ممنوع.
وقد أقام مجلي ما أبداه الإمام احتمالاً وجهاً في المسألة فقال: هل تكون [صلاة] الزائد على ما يسقط الفرض فرضاً أو نفلاً؟ فيه وجهان؛ بناء على أن الخلاف في مسح الرأس، وأولى بأن يكون الكل فرضاً؛ فإنه لا يشعر التطوع بمثلها [بخلاف الزائد على الواجب في المسح؛ لأن مسح بعضه يجزئ والمراد بأنه لا يشرع بتطوع بمثلها] أن من صلى مرة لا يشرع له أن يصلي مرة ثانية كما بينه في "الوسيط"، وإلا فالطائفة المفتتحة لصلاة ثانية بعد فراغ الأولى مشروعة كما تعرفه، وتكون في حقهم كما لو كانوا في الجماعة الأولى، على أن في المشروعية لمن صلى وجهاً سنذكره.
ثم هذا في الرجال، أما النساء فلا يسقط بصلاتهن فرض الكفاية عن الموجودين من الرجال على الأصح، وبه قطع البغوي والفوراني وكثيرون.
قال في "الروضة": والظاهر أن الخنثى في هذا الفصل كالمرأة، وهل تسقط بصلاة الصبيان المميزين عند وجود الرجال؟ فيه وجهان، أصحهما: السقوط.
ولو انفرد النساء أو الصبيان سقط الفرض اتفاقاً.
قال: والسنة أن تفعل في جماعة، أي: إذا أقامها الذكور؛ لأنه- عليه السلام- هكذا كان يصلي، وعليه استمر الناس، وقال- عليه السلام-: "ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف إلا وجبت له الجنة" أخرجه أبو داود، وقال الترمذي: إنه حسن.

قال أبو داود: وكان مالك إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة صفوف؛ للحديث.
فإن صلوا فرادى جاز وسقط الفرض؛ لأن الصحابة صلوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أفراداً، أخرجه مسلم.
[و] قيل: وإنما فعلوا ذلك؛ تعظيماً لشأنه، وحكى أبو الطيب أن الشافعي- رحمه الله- قال: إنما فعلوا ذلك؛ للتنافس في الصلاة عليه حتى تعقد الخلافة لأحد.
أما إذا أقامها النساء فقط فالجمهور على أن السنة أن يصلين فرادى، فإن صلين جماعة جاز، ووقفت الإمامة وسطهن.
وفي "العدة" أنه يستحب لهن الجماعة في جنازة المرأة.
ويجوز فعلها في جميع الأوقات، ولا تكره في الليل؛ لما روى أبو داود عن جابر ابن عبد الله قال: رأى ناس ناراً في المقبرة، فأتوها، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القبر، وإذا هو يقول: "ناولوني صاحبكم"، وإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر.

قال الشيخ زكي الدين عبد العظيم: وهذه النار ليست على ما كان عليه الجاهلية يفعلون في جنائزهم وإنما قصد بهذه لتضيء لهم حتى يتمكنوا من مباشرة ما يحتاجون إليه من أمر الدفن.
وقد دفنت مسكينة ليلاً، فقال عليه السلام: "هلاَّ آذنتموني" فقالوا: خشينا أن نوقظك.
ولم ينكر ذلك، وكذا يجوز فعلها في جميع الأماكن الظاهرة حتى المسجد؛ لرواية مسلم عن عائشة أنها قالت: لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه، ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: "ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به! عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد؟! وما صلى رسول - صلى الله عليه وسلم - على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد"، وروى أبو داود عنها قالت: "والله، لقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على

ابني بيضاء في المسجد: "سهيل وأخيه"، وأخرجه مسلم، وقد روي أن عمر صلى على صهيب في المسجد، وكان بحضرة المهاجرين والأنصار.
فإن قيل: يجوز أن يكون من صلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خارج المسجد وكان- عليه السلام- في المسجد؛ فلا حجة فيه.
قيل: ذلك ممتنع؛ لوجهين: أحدهما: أنه لو كان كذلك لما حسن قول عائشة.
والثاني: أن الباب لم يكن عند القبلة، والقبلة لابد لها من حائط؛ فدل على أن ذلك لا يتصور، وأن الجنازة أدخلت المسجد.
نعم، إن ظهرت أمارات التلويث من انتفاخ وشبهه، لم يدخل المسجد.
فرع: هل يستحب الإنذار بالميت وإشاعة موته في الناس بالنداء والإعلام؛ ليجتمعوا للصلاة عليه أم يكره؟ الذي حكاه البندنيجي والشيخ وغيرهما: الكراهة، [و] قال في "الروضة": إنه لا بأس به، وحكى الماوردي فيه ثلاثة أوجه عن الأصحاب، ثالثها: يستحب ذلك للغريب، ولا يستحب لغيره، وبه قال ابن عمر، رضي الله عنه.
وهل يستحب عند حضور الجنازة أن ينادى لها: الصلاة جامعة؟ حكى الرافعي عند الكلام في الأذان فيه وجهين، وقال في "الروضة": ثم الأصح أنه لا يستحب وبه قطع كثيرون، وهو المنصوص في "الأم".

قلت: وكلام الشيخ يرشد إليه حيث قال: "إذا اجتمع جنائز قدم إلى الإمام أفضلهم، وينوي ويكبر"، فلو كان مستحباً لذكره كما فعل في الكسوف والاستسقاء.
قال: وأولى الناس بذلك- أي: غير الأئمة، كما سيأتي-: أبوه، ثم جده، أي: أبو أبيه؛ لأن المقصود قرب الدعاء من الإجابة، وذلك منوط بمن زاد حنوه وعظمت شفقته، والأب وأبوه وإن علا أوفر شفقةً وأكثر حنوًّا فقدِّما على غيرهما، والأب أكثر في ذلك من ابنه؛ فلذلك قدم عليه.
قال: ثم ابنه؛ لأنه بعد الآباء في الشفقة فكان بعدهما في التقديم، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الميت رجلاً أو امرأة، صرح به القاضي أبو الطيب وغيره، وإن كنا لا نثبت لابن المرأة ولاية عليها في النكاح.
وقال الإمام: كان شيخي يرتب الأولياء في الإمامة ترتيبهم في ولاية النكاح، وفي ألفاظ الشافعي ذكر الولاة، والأولياء بعد الوفاة هم الأولياء في الحياة، والابن لاحظ له في الولاية أصلاً، وهذا الأصل لو ثبت اقتضى تقديم الإخوة وأولياء النكاح على الابن، وهو محل التردد، والظاهر عندي تقديم الابن.
قال: ثم ابن ابنه، أي: وإن سفل؛ لمشاركته الابن في البعضية والتعصيب المقتضي للشفقة والحنوِّ.
قال: على ترتيب العصبات، أشار بذلك إلى أن هذا التقديم مناطه العصوبة فمن قدم بها في الميراث فهو المقدم بعد الأب وأبيه هاهنا، كما صرح به الأصحاب حتى قالوا- كما حكاه القاضي أبو الطيب-: إن المعتق حيث يكون الإرث له يكون له ولاية التقدم في الصلاة عليه، وقال الإمام: لعله الظاهر.
وعند فقد العصبات المقدم من يدلي بقرابة الأم على الأجانب، وهذا مما لا خلاف فيه.
نعم، عبارات بعض الأصحاب تقتضي خلافاً فيمن هو المقدم منهم على غيره منهم، فالذي قاله البغوي: أن المقدم منهم [أبو] الأم ثم الأخ للأم ثم الخال ثم العم للأم.
فقدم أبا الأم على الأخ من الأم مع أنه وارث، وعبارة الغزالي تقتضي أن الأخ من الأم مقدم على أبي الأم؛ لأنه قال: ثم إن لم يكن وارث قدم ذوو الأرحام.

فإن أردت الجمع بين الكلامين، فالوجه- كما قال الرافعي-: أن يحمل قول الغزالي: "وإن لم يكن وارث"، أي: من العصبات، وعبارة القاضي الحسين: أن المقدم الأخ من الأم، ثم الخال ثم العم للأم، وسكت عن أبي الأم.
وقد أفهم قول الشيخ: "على ترتيب العصباـ" أن من يدلي من العصبات بالأبوين مقدم على من يدلي بالأب فقط: لأن هكذا ترتيبهم في الميراث، وهو ما نص عليه الشافعي في عامة كتبه، وحكى القاضي أبو حامد في "جامعه" والشيخ أبو علي في "الإفصاح" أن للشافعي قولاً آخر: أنهما سواء.
واختلف الأصحاب لأجل ذلك في المسألة على طريقين: إحداهما: إثبات قولين فيها كما في ولاية النكاح؛ لأن الأم لا مدخل لها فيهما.
والثانية: القطع بتقديم الشقيق؛ فإن الأم لها مدخل في الصلاة على الميت في الجملة وإن لم يكن كمدخل الرجل؛ لأنها تصلي مأمومة ومنفردة.
قلت: وإمامةً عند فقد الرجل كما تقدم وإن كان خلاف الأولى، فقدم بها؛ كالميراث لما كان لها مدخل فيه قدم بها وإن لم يكن لها تعصيب، ويخالف ولاية النكاح وتحمل العقل؛ لأنه لا مدخل لها فيه بحال، وجعل الماوردي الفرق أن لها مدخلاً في الولاية على الميت في غسله؛ فقوي الأخ بها، ولا مدخل لها في النكاح؛ فلم يزدد الأخ بها قوة هناك، وهذا الطريق أصح باتفاق الأصحاب، والطريقان جاريتان- كما قال أبو الطيب- في ابني عم أحدهما أخ لأم.
قال: فإن استوى اثنان في الدرجة، أي: وكل [واحد] منهما يحسن الصلاة- قدم أسنهما، أي: إذا حمدت طريقته كما نص عليه؛ لأن دعاءه أرجى للإجابة؛ قال- عليه السلام-: "إن الله تعالى يستحيي أن يردَّ دعوة ذي الشَّيبة في الإسلام".
قال في "الشامل": ومن أصحابنا من قال: إنه يقدَّم أفقههما ثم أقرؤهما كما في

الصلاة، وهو ما حكاه في "الوسيط" عن المراوزة وأن العراقيين قالوه تخريجاً.
قال في "الشامل": وظاهر المذهب: الأول، والفرق: أن سائر الصلوات تتعلق بحق الله- تعالى- خاصة فقدم من هو أعلم بشرائطها، والمقصود هنا الدعاء للميت، والأسن أقرب إلى الإجابة فكان أولى.
وفي "النهاية" أنه اشتهر خلاف أئمتنا فيما إذا اجتمع أخوان أحدهما أفقه والآخر أسن فمن الأولى بالإمامة والأسن يحسن ما يقع به الاستقلال.
ثم من قدم الأسن لم يعتبر السنية وبلوغ سن المشايخ، وذكر العراقيون أن نص الشافعي يدل على تقديم الأسن على الأفقه في صلاة الجنازة، ونصه في سائر الصلوات يدل على تقديم الأفقه، فمن أصحابنا من جعل في المسألة قولين في جميع الصلوات نقلاً وتخريجاً.
وهذا الذي ذكروه في جميع الصلوات لم يذكره المراوزة؛ بل قطعوا بتقديم الأفقه في غير صلاة الجنازة، وذكروا في صلاة الجنازة الخلاف، أما إن كان أحدهما لا يحسن الصلاة فالذي يحسنها أولى، ولو كانا يحسنانها لكن طريقة أحدهما غير محمودة فالأفقه والأفضل مقدم عليه.
قال: فإن استويا في ذلك- أي: وتشاحَّا – أقرع بينهما؛ لعدم المرجح.
وهذا كله مع الحرية، أما العبد المناسب، فلا ولاية له في الصلاة على الميت؛ لأن الرق يمنع من ثبوت الولايات، قاله الماوردي وغيره، وقضية سلب الولاية عنه أن يقدم الحر الأجنبي عليه كما يقدم الحر البعيد على الرقيق الذي هو أقرب منه في نص الشافعي الذي لم يحك العراقيون غيره، لكن في "النهاية" و"الإبانة" الجزم بأن القريب الرقيق مقدم على الحر الأجنبي، وحكاية وجهين في أن الأخ [من الأب] إذا كان عبداً ومعه عم حر أيهما أولى، والقاضي الحسين حكاهما فيما إذا اجتمع جد مملوك وأخ لأم حر أيهما أولى، ويجريان أيضاً في أخوين أحدهما حر غير فقيه، والآخر عبد

فقيه، كما حكاه الشيخ أبو محمد، وقال في "الوسيط": لعل التسوية أولى؛ لتعادل الخصال، والأصح في "الروضة" تقديم الحر، ولو كان الميت في فلاةٍ ومعه رجل حر وآخر مملوك وصبي مميزة ونسوة، فالحر أولى من الكل، والعبد بعده، ثم الصبي المميز.
قال: وإن اجتمع المناسب والوالي- أي: سواء كان الإمام الأعظم أو إمام المسجد- قدم المناسب في أصح القولين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 75] ولأنها ولاية يعتبر فيها ترتيب العصبات؛ فوجب أن يكون القريب أولى بها من الوالي كالنكاح، وهذا هو الجديد، وبه جزم الفوراني، ومقابله: أن الإمام الأعظم مقدم، ثم إمام المسجد؛ لقوله- عليه السلام-: "لا يؤمَّنَّ رجلُ رجلا في سلطانه إلا بإذنه"، وفي بعض الألفاظ: "لا يؤمُّ أميرُ في إمارته"، وهو عام في صلاة الجنازة وفي غيرها، وروي أن الحسين ابن علي قدم سعيد بن العاص، وكان أمير المدينة حتى صلى على أخيه الحسن بن علي، وقال: "لولا السنة لما قدمتك"، وهذا يدل على أن السنة تقديم الوالي، وبالقياس على

الصلوات المكتوبة، وهذا هو القديم.
والقائلون بالجديد قالوا: الخبر محمول على الصلوات المفروضة، وتقديم الحسين وقوله: "لولا السنة لما قدمتك" يحتمل أن يكون أراد به إطفاء الفتنة [التي تثور إن] منعه، ومن السنة إطفاء الفتنة، ويحتمل أن يكون قد تأخر في المجيء فجاء، وقد فرغ الحسين من الصلاة، فقال: تقدم؛ فلولا أن السنة لمن لم يصل أن يصلي لمنعتك من الصلاة عليه لتأخرك؛ وإذا احتمل ما ذكرناه لم يكن فيه حجة.
وتخالف صلاة الجنازة سائر الصلوات؛ لأن الغرض بها الدعاء للميت والحنو عليه [فيه]، والولي أولى بذلك.
فرع: لو أوصى الميت بأن يصلي عليه من ليس بمقدم في الصلاة عليه مع وجود المقدم، فهل تنفذ وصيته؟ حكى صاحب "الفروع" فيها وجهين.
وقال الإمام: إن شيخه خرجها على وجهين كالوجهين فيما إذا أوصى في أمر أطفاله إلى أجنبي وأبوه الذي يلي أمرهم شرعاً حيُّ، ولا بعد في انقداح خاطرين فأكثر في مسالة واحدة، وإن كان أحدهما أعظم قدراً [من الآخر] وأسبق، ومختار الإمام محمد بن يحيى نفوذها، والذي أورده الجمهور أنها لا تنفذ؛ لما فيها من إبطال حق الغير من التقدم.
قال: وإن اجتمع جنائز قدم إلى الإمام أفضلهم.
هذا الفضل ينظم ثلاث صور: إحدها: إذا اجتمع جنائز رجل وصبي وخنثى وامرأة، وقد حضرت في وقت واحد- قدم الرجل، [فيوضعون أمام الإمام صفاً بعد صف هكذا: والذي يلي الإمام: الرجل] ثم الصبي، ثم الخنثى، ثم المرأة؛ فتكون مما يلي القبلة، والأصل في ذلك: ما روى أبو داود عن عمار مولى الحارث أنه شهد جنازة أم كلثوم وابنها، فجعل الغلام مما يلي الإمام، فأ، كرت ذلك، وفي القوم ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة وابو هريرة، فقالوا: هذه السنة.
وأخرجه النسائي، وأم كلثوم هذه بنت علي بن أبي طالب زوج عمر بن

الخطاب، وابنها المذكور هو زيد الأكبر بن عمر بن الخطاب، وكان مات هو وأمه في وقت واحد، لم يدر أيهما مات أولاً؛ فلم يورث أحدهما من الآخر، وكان ذلك والإمام يوئمذ سعيد بن العاص وهو الأمير، ففعل في الصلاة ما ذكرناه، وقد روى نافع أن ابن عمر صلى على تسع جنائز، فجعل الرجال مما يليه، والنساء صفوفاً وراء الرجال، ولم ينكر عليه أحد، ولأن هكذا يفعل في موقفهم في الصلاة في حال الحياة؛ فكذا بعد الموت، وهذا [والذي يليه] ما نص عليه الشافعي كما قال أبو الطيب، ولم يحك الأصحاب- والصورة هذه- خلافه، وقالوا: إنما قدم الخنثى على المرأة؛ لاحتمال أن يكون رجلاً وقد ظن المزني أان الشافعي لم يذكر الخنثى، فقال: والخنثى في معناه.
فإن قيل: ما يلي القبلة أشرف- فلم لم يجعل الرجل يليها كما يوضع في اللحد عند اجتماعه والمرأة في قبر واحد للضرورة؟ قيل: الممكن فيه بعد الاتباع: أن القرب من الإمام مطلوب، وهو عند الصلاة على الجنازة موجود؛ فقرب إليه، وفي القبر: الإمام مفقود؛ فقرب إلى القبلة لحيازة الشرف الذي لم يعارضه غيره.
أما إذا كان حضورهم على التدريج، فإن كان على النحو الذي سبق بأن حضر الرجل، ثم الصبي، ثم الخنثى، ثم المرأة، فالحكم كما تقدم، وإن حضرت المرأة أولاً ثم الرجل، ثم الصبي، ثم الخنثى، فالحكم كذلك، وإن حضر الصبي أولاً ثم الرجل بعده فقد حكى صاحب "التقريب" وجهاً أن الحكم كذلك، والذي أورده العراقيون والقاضي الحسين، وذهب إليه معظم الأئمة- كما قال الإمام-: أن المقدم الصبي، وحينئذ فإن رضي ولي الرجل بتأخيره عن الصبي فذاك، وإن اختار تأخيره ليصلي عليه منفرداً جاز.
[الصورة] الثانية: إذا حضر جنائز من نوع واحد: رجال، أو صبيان، أو

نساء- فقد قال الشافعي: قدمت أفضلهم، حكاه ابن الصباغ، وسكت عن تفصيل فيه، قال الماوردي والقاضي الحسين في "تعليقه": إن ذلك فيما إذا كان حضورهم في وقت واحد، ويلي الفاضل في القرب من يليه في الفضل حتى يكون آخرهم أقلهم فضلاً، فإن كان على الترتيب فالمقدم السابق.
وفي كيفية وضع الموتى بين يدي الإمام في هذه الحالة وجهان أو قولان، حكاهما المراوزة: أصحهما عند الغزالي والقاضي الحسين: أنه على الهيئة السالفة [في الصورة السابقة]، وقال الإمام: إنه الذي قطع به معظم الأئمة.
والثاني: أنها توضع صفاً واحداً رأس أحدهم إلى رجلي الآخر [هكذا:]، ويكون ذلك على يمين الإمام، ويقف الإمام عند الجنازة الأخيرة منهم، ويكون قربهم من الإمام على قدر فضلهم.
ولا يجري هذا الوجه في الصورة السابقة؛ فإن الرجل والمرأة لا يقفان صفاً واحداً في الجماعات؛ فكذلك لا يوضعان صفاً واحداً.
ويتعين هذا الوجه فيما إذا كان الجميع خناثي، لاحتمال أن يكون المؤخر رجلاً، قاله القاضي الحسين.
ثم هذه الصورة والتي قبلها فيما إذا أرادوا العجلة والاكتفاء بصلاة واحدة، تعم الجميع، وقد يتعين ذلك لضيق الوقت وغيره، وإلا فالأفضل أن تفرد كل جنازة بصلاة، صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما، ووجه جواز الاقتصار على صلاة واحدة بأن معظم الغرض من هذه الصلاة الدعاء للميت، والجمع بين عدد الموتى في الدعاء ممكن، وفي هذه الحالة إن تراضى أولياء الموتى بتقديم واحد للصلاة على الجميع فذلك، وإن تنازعوا فالمقدم من حضر ميته أولاً، رجلاً كان الميت أو صبياً [أو امرأة] لأن هذا الحق للولي، فصغر الميت وأنوثته لا يقدح في حقه.
فإن استووا في الحضور فالمحكم: القرعة، وقد قال الشافعي في القديم و"الأم" معاً: [و] إن شاء ولاة ما سواها- أي: ما سوى الجنازة التي قدم وليها- أن يجتزءوا بتلك الصلاة فعلوا، وإن شاء كل واحد أن يعيد

الصلاة على ميته فعل.
قال البندنيجي: وهذا هو الدليل على تكرار صلاة الجنازة.
يعني: من كلام الشافعي.
[الصورة] الثالثة: إذا أراد أولياء كل ميت إفراده بالصلاة عليه، والإمام في جميع الصلوات واحد- فيقدم إلى الإمام أفضلهم.
قال الماوردي: إلا أن يخاف من غيره الفساد فيبدأ بالصلاة عليه، وهذا إذا حضروا معاً ولم يتشاحوا، فإن تشاحوا في التقدم قال الماوردي: أقرع بينهم، وبدأ بمن خرجت له القرعة، وإن كان غير أفضلهم.
قلت: ويشكل الفرق بين هذه الصورة وبينما إذا أرادوا الاقتصار على صلاة واحدة، وقد حضروا معاً- فإنه يقدم إلى الإمام بالفضل، والفضل المعتبر هاهنا: الورع والخصال التي ترغب في الصلاة عليه، ويغلب على الظن كونها تقرب من رحمة الله- تعالى- ولا تقدم بالحرية، بخلاف استحقاق الإمامة؛ فإنه يقدم فيها الحر على العبد كما تقدم.
قال في "النهاية": لأن الإمامة تصرف، والحر مقدم في التصرفات على العبد، وإذا مات الحر والعبد استويا في انقطاع تصرفهما؛ فكان أقرب معتبر ما ذكرناه.
قلت: ولو وجه بأن الموت يزيل الرق كما تقدم.
وحينئذ فلا مرجح- لم يبعد.
قال: ويقف الإمام عند رأس الرجل، وعند عجيزة المرأة؛ لما روي أن أنساً- رضي الله عنه- صلى على رجل، فقام عند رأسه، فكبر أربع تكبيرات لم يطل

ولم يسرع، ثم أتي بامرأة فقام عند عجيزتها، وصلى عليها نحو صلاته على الرجل، فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي على الجنازة كصلاتك: يكبر عليها أربعاً، ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم، أخرجه أبو داود، وروى البخاري عن سمرة بن جندب قال: صليت وراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها.
وهذه طريقة الشيخ أبي حامد التي لم يحك البندنيجي والقاضي الحسين غيرها، وهي في "الحاوي" منسوبة إلى البغداديين من أصحابنا، وحكي أن البصريين من أصحابنا

قالوا: يقف عند صدر الرجل، وعند عجيزة المرأة، ولم يورد الفوراني والغزالي والبغوي غيرها، وكذا أبو الطيب ونسبها إلى قول أبي علي في "الإفصاح"، والإمام نسبها إلى قول الصيدلاني، واستدل كذلك بأن أنساً كان يفعل ذلك، وأنه روجع في فعله، فقال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقف عند صدر الرجلوعجيزة المرأة".
وقد ادعى في "التتمة" أن المذهب ما ذكره الشيخ، وهذا يؤذن بأن للشافعي نصاً فيها، وقد قال الماوردي والصيدلاني- كما حكاه الإمام: إنه لا نص للشافعي فيها، وبالجملة فهذا الخلاف في الأولى، وإلا فلو وقف وهي أمامه كيف شاء أجزأ.
نعم، لو تقدم الإمام على الجنازة الحاضرة وجعلها خلف ظهره، فالذي حكاه القاضي أبو الطيب عند الكلام في الصلاة على الغائب: أنه لا يجوز، [و] حكى الإمام عن الأصحاب تخريجه على القولين في تقدم المأموم على الإمام؛ تنزيلاً للجنازة منزلة الإمام، وقال: لا يبعد أن يقال: يجوز التقدم على الجنازة، بل أولى؛ لأنها ليست إماماً متبوعاً حتى يتعين تقدمه، وإنما الجنازة والمصلون على الميت على صورة مجرم يحضر باب الملك ومعه شفعاء، ولولا الاتباع والجريان على سنن الأولين، وإلا ما كان يتجه قول تقديم الجنازة وجوباً.
قال الرافعي: وهذا الذي ذكره إشارة إلى ترتيب الخلاف، وإلا فقد اتفقوا على أن الأصح: المنع، وما أيد به في "الوسيط" الجواز من جواز الصلاة على الغائب، وإن كان قد يكون وراءه، فقد تعرض لدفعه في "الوجيز" [اتباعاً للفوراني]؛ بأن سبب ذلك: الحاجة.
قال: وينوي؛ لقوله- عليه السلام- "وإنما لامرئ ما نوى"، ووقت هذه النية ما سبق في سائر الصلوات، وكذا في اشتراط [الإضافة إلى الله – تعالى-] والتعرض للفرضية الخلاف في سائر الصلوات.

قال الرافعي: وهل يحتاج إلى التعرض لكونها فرض كفاية أم يكفي فيه مطلق الفرض؟ حكى الروياني [فيه] وجهين، أصحهما: الثاني.
ثم إن كان الميت واحداً نوى الصلاة عليه، وإن حضر موتى نوى الصلاة عليهم، ولا حاجة إلى تعيين الميت ومعرفته، بل لو نوى الصلاة على من يصلي عليه الإمام جاز، قاله الرافعي تبعاً للبغوي: ولو حضر بعد أن يحرم الإمام بالصلاة على الجنائز الحضور، فأتي بجنازة أخرى- وهو في ابتداء الصلاة- لم تكن صلاته شاملة [له]؛ لأن الصلاة لم تنعقد عليه، وإنما انعقدت على الحضور، قاله القاضي الحسين وغيره.
ولو عين الميت وأخطأ لم تصح صلاته، قاله الرافعي وغيره.
قال في "الروضة": وهذا إذا لم يشر إلى معين، فإن أشار صح على الأصح.
ويجب على المقتدي نية الاقتداء كما في سائر الصلوات، قال القاضي الحسين: ولا يضر أن يكون من صلى عليه الإمام غير من صلى عليه المأموم، مثل أن نوى الإمام الصلاة على حاضر والمأموم نوى الصلاة على غائب؛ لأن عندنا اختلاف نية الإمام والمأموم لا يمنع صحة الصلاة.
قال: ويكبر أربع تكبيرات، أي: لا يزيد عليها ولا ينقص؛ لأن ذلك آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن ابن عباس وابن أبي أوفى قالا: "إن آخر ما كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجنائز أربع على جنازة سهيل بن بيضاء".
وكذلك فعل أبو بكر حين صلى عليه - صلى الله عليه وسلم -، وعمر حين صلى على أبي بكر، وصهيب حين صلى على عمر، رضي الله عنهم،

وذكر إبراهيم النخعي أن الإجماع انعقد عليه في زمن عمر بعد أن كان ابن عباس وغيره يقولون: إنه يكبر ثلاثاً، وابن اليمان وغيره [يقول]: يكبر خمساً، وابن مسعود يقول: يكبر ما شاء ويتمسك كل منهم بخبر مروي.
فلو كبر شخص على ميت خمساً، فهل تبطل صلاته أم لا؟ أطلق الفوراني والإمام والبغوي حكاية وجهين فيه: أحدهما: نعم؛ كما لو زاد ركعة؛ فإن كل تكبيرة بمنزلة ركعة.
والثاني: لا، وهو الأصح في "التهذيب"، و"الرافعي" وقال: إنه الذي عليه الأكثرون، ووجهه الفوراني بأنه زاد ذكراً في الصلاة، وزيادة الذكر لا تبطل، والرافعي وجهه بأن الزيادة قد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[فعلها]، إلا أن الأربع استقر الأمر عليها.
وهذا الوجه في قد يظن أنه قول ابن سريج؛ فإن الماوردي وغيره حكوا عنه أنه قال: إن الاختلاف المذكور من الاختلاف المباح، وإن بعضه ليس أولى من بعض.
وليس كذلك؛ لأن الخمس أو الأربع عند ابن سريج سواء، وعند هذا القائل الأربع أولى؛ فهو غيره.
والذي حكاه القاضي الحسين وتبعه المتولي: أنه ينظر: فإن كان جاهلاً لم تبطل

صلاته، وليس عليه سجدتا السهو؛ لأن السجود ما شرع في أصل هذه الصلاة فكذلك في جبرها، وإن كان عالماً بطلت صلاته، وإذا جمعت بين مطلق النقلين جاءك في المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها: الفرق بين [العالم والجاهل]، والرافعي خص الوجهين بحالة العلم، وقطع بالصحة في حالة الجهل، وفيه نظر؛ لأنا قد قررنا أن عدد التكبيرات كعدد ركعات الصلاة، ومن جهل كم عدد ركعات الصلاة وتحرم بها لم تصح صلاته؛ فكذا ينبغي أن يكون هاهنا، وقد طرد الجيلي الوجهين فيما إذا كبر

سبعاً أو تسعاً، وقال: إن الأصح الصحة أيضاً، وعلى المشهور- وهو خلاف ما قاله ابن سريج- لو اقتدى شافعي بمن يكبر خمساً فهل يتابعه أو لا؟ حكى الإمام عن رواية الشيخ أبي علي فيه طريقين: إحداهما: أن في المتابعة قولين كالقولين فيمن اقتدى في صلاة العيد بشخص يرى أن التكبيرات في الركعة الأولى سبع، وهو يرى أنها خمس أو بالعكس، هل يتابعه في معتقده أو يفعل معتقد نفسه؟ والثانية: القطع بأنه لا يتابعه، وهي التي أوردها الماوردي، قال الإمام: وهذا يلتفت على أن التكبيرة الخامسة هل تبطل الصلاة أم لا؟ فإن رأيناها مبطلة لم يتابع المقتدي الإمام فيها، وعلى هذا قال الماوردي والشيخ أبو علي: إذا أتى الإمام بالأربع فهل يسلم المأموم أو ينتظر سلامه حتى يسلم معه؟ فيه وجهان، أظهرهما في "الرافعي": الثاني، وهو الذي أورده ابن الصباغ، وفرق بينه وبين ما إذا اقتدى بإمام [قام] إلى خامسة حيث يسلم ولا ينتظره: بأن المأموم يلزمه اتباع الإمام في الأفعال، فلو لم يسلم عقيب قيامه لتابعه، ولو تابعه لبطلت صلاته، ولا يلزمه متابعته في الأذكار، فكذلك قلنا: ينتظره؛ لفقد ذلك المحذور، وقال الإمام: إن ذلك يلتفت على ما ذكرناه [من] أن الخامسة هل تبطل الصلاة؟ وإن صلاة الإمام إذا كانت على صفة يعتقد المقتدي بطلانها في عقده لو صدرت منه، فكيف يكون سبيل الاقتداء والحالة هذه؟ تخرج على خلاف تقدم في مسائل الأواني، وفي اقتداء الشافعي بالحنفي مع انطواء صلاة الحنفي على ما رآه الشافعي مبطلاً للصلاة، فإن منعنا ذلك فليبادر المقتدي إذا كبر الإمام أربعاً ويسلم قبل أن يكبر الإمام التكبيرة الخامسة.
قلت: وتلخيص ذلك: أنا إذا قلنا: إن الخامسة لا تبطل، انتظره، وإن قلنا: إنها تبطل وإن اقتداء الشافعي بالحنفي يصح، فكذلك، وإلا فارقه قبل أن يكبر الخامسة.

وهذا نظير ما تقدم في صلاة الخوف عند تفرقة الإمام المصلين أربع فرق، وقلنا: إن صلاة الإمام باطلة، وتصح صلاة الطائفة الأولى والثانية دون الثالثة والرابعة؛ بناءً على أن بطلان صلاة الإمام تكون عند المخالفة، والغزالي جعل صحة الاقتداء على قولنا ببطلان الصلاة بالخامسة كالاقتداء بالحنفي، وقضيته: عدم الصحة في الابتداء.
قلت: ويتأيد بأن من نوى فعل منافٍ في أثناء الصلاة هل تبطل في الحال أو عند فعله؟ فمن قال: تبطل في الابتداء، يوافق الغزالي في دعواه، والله أعلم.
قال: يرفع [فيها اليدين]، أي: إلى حذو المنكبين كما في تكبيرة الإحرام في غيرها من الصلوات.
ووجهه: ما روي عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه مع كل تكبيرة.
وروى الشافعي بإسناده عن ابن عمر [و] عن أنس: أنهما كانا يفعلان ذلك.
ولأنها تكبيرات واقعة في حال الاستقرار فيسن فيها الرفع كالأولى.
وقد وافق الخصم- وهو أبو حنيفة ومالك- على الرفع فيها.
ويستحب أن يجمع يديه بينها ويضعهما تحت صدره كما في سائر الصلوات.
قال: ويقرأ في الأولى [فاتحة الكتاب]؛ لما روى البخاري عن طلحة بن عبيد الله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ فاتحة الكتاب، فقال: "لتعلموا أنها سنة"، وأراد أنها سنة في الأولى، يدل عليه رواية النسائي عن أبي أمامة: أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة

الأولى بأم القرآن مخافتةً".
والمراد بهذه السنة: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهي طريقته، يدل عليه رواية الشافعي بسنده عن جابر بن عبد الله: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر على الميت أربعاً، وقرأ بعد التكبيرة الأولى بأم القرآن.
وهل يستحب الجهر فيها إذا فعلت ليلاً كما يستحب الإسرار فيها إذا فعلت نهاراً؟ فيه وجهان في الطريقين: أحدهما: نعم؛ لأنه صح عن ابن عباس أنه قرأ السورة بعد الفاتحة وجهر.
أخرجه النسائي، وقد ادعى القاضي الحسين أنه الأظهر، وقال الشيخ أبو حامد: إنه الذي يجيء على المذهب، ونسبه في "المهذب" وغيره إلى قول أبي القاسم الداركي، [والإمام إلى الصيدلاني والروياني عن أبي حامد].
والثاني: لا؛ لأنه روي عن ابن عباس أنه قال: إني لم أجهر بها؛ لأن الجهر سنة، ولكني أحببت أن يعلموا أن لها قراءة.
أخرجه أبو بكر النيسابوري في "الزيادات".
ولأنها صلاة لا يشرع فيها السورة؛ فلا يسن فيها الجهر كالركعتين الأخريين من العشاء.
قال القاضي أبو الطيب: والأول غلط؛ لأن هذه الصلاة ليس لها اختصاص بالنهار دون الليل، وإنما وقعتها حين تحضر ويوجد سببها، وليس لها وقت راتب؛ فهي مخالفة لسائر الصلوات في الشريعة.
وقد أفهم عطف الشيخ القراءة على التكبيرات أن دعاء الاستفتاح والتعوذ غير مشروعين في هذه الصلاة، وهو ما حكاه البندنيجي، وقال الإمام: إنه ظاهر

المذهب؛ لأنها صلاة مبناها على الإيجاز، وهو الذي يليق بها؛ لمكان الميت وما ندبنا فيه إلى أسباب البدار والإسراع، وحكى الغزالي وغيره معه وجهين آخرين: أحدهما: أنهما مشروعان فيها كغيرها من الصلوات، وكما يشرع فيها التأمين.
قال أبو الطيب: وهذا هو الصحيح عندي.
بعد أن حكى عن الأصحاب الأول.
قلت: وما اختاره القاضي هو ما نص عليه في "الأم"، كما حكاه القاضي في صفة الصلاة في الاستفتاح، وإذا ثبت ذلك في الاستفتاح فالتعوذ من طريق الأولى؛ لأنه أقوى منه.
ولهذا كان الوجه الثاني وهو الذي صححه في "الوسيط" وغيره، ولم يحك في "الإبانة" سواه-: مشروعية التعوذ دون دعاء الاستفتاح، والمذكور في "الحاوي": الجزم بمشروعية التعوذ، وحكاية وجهين في الاستفتاح، وهي طريقة محكية في "التهذيب"، وقال في "التتمة": هل يشرع دعاء الاستفتاح؟ فيه وجهان: فإن قلنا: يشرع، فالتعوذ أولى، وإلا فوجهان؛ بناء على أن التعوذ هل يسن في الركعة الثانية أم لا؟ ولا يخرج مجموع ما ذكرناه عن ثلاثة أوجه كما ذكرها الغزالي.
ولا يشرع فيها قراءة السورة على النص، ولم يحك ابن الصباغ والبندنيجي والقاضي الحسين غيره، وادعى الإمام أن العلماء لم يختلفوا في ذلك، وفي "المهذب" وغيره حكاية وجه آخر أنه يقرأ بعد الفاتحة بسورة قصيرة.
قال القاضي أبو الطيب: وهو اختيار ابن المنذر؛ لأنه صح عن ابن عباس أنه قرأ فاتحة الكتاب وسورة وجهر فيهما بالقراءة، ثم قال: "إنما فعلت ذلك؛ لتعلموا أنها سنة".
قال: وفي الثانية يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لما روي عن أبي أمامة أنه قال: السنة

في الصلاة على [الجنائز: أن يكبر]، ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى، ثم يسلم.
ذكره محمد بن نصر المروزي في كتاب "رفع الأيدي"، وخرجه عبد الرزاق أيضاً، وأبو أمامة أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد ذكر المزني أنه بعد الثانية يحمد الله- تعالى- ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات.
فذكر مع الصلاة الحمد [لله] والدعاء، ولم يختلف الأصحاب- كما قال الماوردي- في أن الدعاء للمؤمنين والمؤمنات فيها مستحب، والحمد اختلفوا في استحبابه: فمنهم من قال: لا، والمزني غلط؛ ولذلك لم يذكر ذلك في "جامعه"، وهذا ما أورده البندنيجي، وقال الرافعي: إنه قضية كلام الأكثرين.
ومنهم من قال: هو مستحب، والمزني لم ينقل ذلك في كتاب، وإنما رواه سماعاً من لفظه، وهذا ما أورده المتولي والبغوي، وكذا القاضي الحسين، وقال: إن المزني صادق في روايته.
وفي "النهاية": أن أئمتنا اتفقوا على ما ذكره من حمد الله- تعالى- قبل الصلاة، وهو غير سديد، ولم ير للشافعي منصوصاً في [شيء من] كتبه.
وأما الدعاء فقد تردد فيه أئمتنا، فمن رآه مستنده أن الصلاة وراء التشهد الأخير تستعقب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، فهذه الصلاة كتلك الصلاة، لكن إذا لم يصح في ذلك ثبت من جهة السنة، فإثبات هذا في صلاة مبناها على نهاية التخفيف بعيد، ثم إن كانت الصلاة تستعقب في التشهد دعاءً فهي مسبوقة أيضاً بأذكار وتحميدات؛ فينبغي أن يصوب المزني في ذكر التحميد قبل الصلاة.
قال: وفي الثالثة يدعو للميت؛ لخبر أبي أمامة، وهذا هو المقصود الأعظم منها، والحمد والصلاة مقدمات ذلك، على القاعدة المطردة في أدب الدعاء.
قال: فيقول: اللهم هذا عبدك وابن عبديك، خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبائه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل