كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 13-52
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأيمان

صفحات 13-52
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فإن قيل: قد حل له أن يأخذ من الزكوات والكفارات؛ فوجب أن يجوز له أن يكفر بالصوم؛ كالقسم قبله.
فالجواب: أنه يأخذ لحاجة مختصة بمكانه، والكفارة معتبرة بإمكانه.
فإن قيل: أليس المتمتع في الحج إذا كان معسراً بمكة، موسراً ببلده، يكفر بالصوم؛ فهلا كان هذا مثله؟ فجوابه: أن مكان الدم مستحق بمكة، فاعتبر يساره وإعساره بها، ومكان الكفارة مطلق؛ فاعتبر يساره وإعساره على الإطلاق.
قال: والصوم ثلاثة أيام [للآية.
قال:] والأولى: أن تكون متتابعة؛ ليخرج من خلاف أبي حنيفة وأحد القولين عندنا.
قال: فإن فرقها، ففيه قولان: أصحهما: أنه يجوز؛ عملاً بإطلاق الآية، وهذا هو المنصوص عليه في هذا الموضع وقال الإمام: إنه الجديد.
والقول الثاني: أنه لا يجوز، وهو ما نص عليه في كتاب الصيام، واختاره المزني، وهو الأصح في "التهذيب"؛ استدلالاً بقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" وقراءة أبي: "فصيام ثلاثة أيام متتابعة"، والقراءة الشاذة تقوم مقام خبر الواحد في وجوب العمل، ولأنه صوم تكفير فيه عتق؛ فوجب أن يكون التتابع من شرطه ككفارة القتل والظهار، ولأن من أصل الشافعي حمل المطلق على ما قيد من جنسه؛ كما حمل العتق في كفارة اليمين على المقيد في كفارة القتل، وذلك يقتضي حمل إطلاق هذا الصيام على ما قيد من تتابعه في القتل والظهار.
وأجاب من قال بالأول عن القراءة الشاذة: بأنها إنما تجري مجرى خبر الواحد في وجوب العمل بها إذا أضيفت إلى التنزيل، أو إلى سماعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما إذا أطلقت جرت مجرى التأويل.

ثم لو سلمت حملت على الاستحباب، وإطلاقها على الجواز.
وذهب بعض مشايخنا إلى أنها لا حجة فيها وإن أضيفت إلى التنزيل وغيره؛ لأنها ذكرت لكونها قرآناً، ولم يثبت كونها قرآناً؛ فلا يجب العمل بها.
وعن القياس على كفارة الظهار والقتل بأنها لما غلط صومها بزيادة العدد تغلظ بالتتابع، ولما خفف هذا الصوم بنقصان العدد تخفف بالتفرقة.
وعما ألزموه من قاعدة الشافعي في حمل المطلق على المقيد: بأن الإطلاق هاهنا متردد بين أصلين يجب التتابع في أحدهما وهو كفارة الظهار، ولا يجب في الآخر وهو قضاء رمضان؛ فلم يكن أحد الصلين في التتابع بأولى من الآخر.
التفريع: على القول باعتبار التتابع إذا أفطر الحالف في اليوم الثاني أو الثالث بعذر المرض أو السفر، كان حكمه كما ذكرنا في الظهار.
ولو أفطرت المرأة بعذر الحيض، فقد قيل: لا يقطع التتابع؛ كما في صوم الشهرين.
وقيل: يقطع بالانقطاع؛ لأن خلو الأيام الثلاثة عن الحيض ممكن، بخلاف الشهرين، وقيل: الحيض هاهنا كالمرض هناك.
وإذا كانت المرأة ممن لم تحض، فشرعت في الصوم وابتدأها الحيض- قال الرافعي: اتجه التسوية بينه وبين المرض.
قال: وإن كان الحالف كافراً لم يكفر بالصوم؛ لأنه ليس من أهله، وكذا لو كان مسلماً ثم ارتد، ليس له أن يكفر به في حال ردته، ويجوز للكافر أن يكفر بالمال؛ لما ذكرناه في كتاب الظهار.
وهل يجوز للمرتد أن يكفر به؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه على الخلاف في ملكه: إن قلنا بزواله لم يكفر به أيضاً، وإن قلنا ببقائه كفر به، وإن وقفناه: فإن عاد إلى الإسلام تبين وقوعه عنه، وإن مات أو قتل على الردة فلا.
والثاني: القطع بإجزائه لأنه مستحق عليه قبل الردة؛ فكان كالديون، على أن في الديون وجهاً عن الإصطخري حكاه صاحب "التقريب": أنها لا تقضي؛ على قول زوال الملك، ويجعل كأنه تلف.
والظاهر: أنه يكفر، وإن ثبت الخلاف.

وهذا الحكم جار هاهنا، وفي سائر الكفارات، وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه في هذه الكفارة: أنه لا يخرج من ماله إلا أدنى الدرجات؛ هكذا حكاه الرافعي.
وحكى البندنيجي أن إجزاء الكفارة عنه ينبني على تصرفه، وفيه ثلاثة أقوال [مشهورة، فإن قلنا بجوازه أجزأه، وإن قلنا بعدم جوازه ففي ماله- على هذا القول- قولان:].
أحدهما: أنه زال عنه.
والثاني: أنه باق عليه.
وعلى القولين تكفيره وتصرفه باطل؛ فإن كان عليه دين، فقضاه عن نفسه، لم يصح، وإن قضاه الإمام من ماله جاز.
قال: وإن كان عبداً، فأذن له المولى في التكفير بالمال، أي: الذي ملكه إياه، لم يجز في أصح القولين؛ بناء على أنه لا يملكه، وهو الجديد.
وفي "الشامل" و"الذخائر" حكاية عن ابن القاص تفريعاً على هذاك أنه يصح منه التكفير بالمال حتى بالعتق، ويثبت له الولاء، وأنكره أصحابنا.
قال: ويجوز في الآخر بالطعام والكسوة؛ بناء على أنه يملك، وهو القديم.
قال: دون العتق؛ لأن العتق يستعقب الولاء، ولا يمكن إثبات الولاء للعبد.
وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه يجوز؛ كالطعام والكسوة.
وعلى هذا: فلمن يكون الولاء؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه للسيد.
والثاني: أنه موقوف على ما يفضي إليه الحال: من عتق؛ فيصير الولاء له، أو يموت على رقه؛ فيكون لسيده، هذه طريقة "الحاوي".
وأما الإمام فقدم على الكلام في ذلك مقدمة، وهو أن السيد لو ملك رقيقه عبداً، وأذن له في عتقه، فلا شك في نفوذ العتق، و [لكن] لمن يكون الولاء؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يكون للعبد؛ فعلى هذا يجزئ عتقه عن الكفارة.

والثاني: أنه يكون للسيد؛ فعلى هذا يقع العتق عمن؟ قال الإمام: ينقدح فيه وجهان للأصحاب: أظهرهما: أنه للسيد، وكأن الملك ينقلب إليه؛ لانصراف الولاء إليه؛ فعلى هذا لا يجزئ عن الكفارة.
والثاني: أنه للعبد؛ فعلى هذا يجوز عتقه عن الكفارة، وهو ما صار إليه الشيخ أبو محمد.
والثالث: أنه يكون موقوفاً؛ فعلى هذا هل يقع العتق عن الكفارة ناجزاً في الحال، أو يكون موقوفاً كالولاء؟ الذي حكاه الصيدلاني عن الأصحاب: الأول.
والذي اختاره: الثاني، وبه قطع القاضي، وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في كفارة الظهار مختصراً.
وحكم المدبر والمعتق بصفة وأم الولد، حكم العبد.
وأما المكاتب: فإن قيل: إن العبد لا يملك إذا ملك، لم يكن له أن يكفر إلا بالصوم.
وإن قلنا: إنه يملك بتمليك السيد وأذن له، ففي جواز تكفيره بالمال قولان: أحدهما: يجوز كالعبد.
والثاني: لا يجوز أن يكفر إلا بالصوم، وإن كان للعبد أن يكفر بالمال؛ لأن تملك السيد لمال مكاتبه ضعيف، فضعف إذنه فيه، وتملكه لمال عبده قوي؛ فقوى إذنه فيه، كذا حكاه الماوردي.
وحكى الإمام عن الصيدلاني أنه قال: إن أعتق المكاتب عن كفارته بإذن السيد – على قولنا بنفوذ تبرعاته بإذن السيد- فالذي ذكره الأصحاب: أن ذمته برئت عن الكفارة.
والذي عندي فيه: أن الأمر موقوف؛ فإن المكاتب ربما يعجز فيرق، ثم إذا عاد رقيقاً فيكون الولاء موقوفاً، وإذا كان موقوفاً يجب وقف الكفارة.
واعلم أن كل موضع قلنا فيه: يجوز للعبد أن يكفر بالمال بإذن المولى، يجوز للمولى أن يكفر عنه بإذنه به.
وكل موضع قلنا: لا يجوز [له] أن يكفر به بإذن

المولى، لا يجوز للمولى أن يكفر به عنه بإذنه.
نعم، لو مات العبد والمكاتب جاز للمولى أن يكفر عنه بالإطعام والكسوة، وإن قلنا: إن العبد لا يملك بالتمليك؛ لأن التكفير عنه في الحياة يتضمن دخوله في ملكه، والتكفير بعد الموت لا يستدعى ذلك؛ فليس للسيد ملك محقق.
وأيضاً فإن الرق لا يبقى بعد الموت؛ فهو والحر سواء.
قال الإمام: ويتطرق إليه احتمال وجه مذكور في الكفارات- فيما إذا أعتق العبد وعليه كفارة، وأراد أن يكفر بالمال، وقلنا: إن الاعتبار بحال الوجوب-: أنه لا يجوز؛ لأنه لم يكن أهلاً للتكفير بالمال حينئذ.
وإذا قلنا بالظاهر فهل يجزئ إعتاقه عنه؟ فيه وجهان، أصحهما- وهو المذكور في "التهذيب" المنع؛ لما ذكرناه من إشكال الولاء.
فرع: إذا قلنا: يجوز للعبد أن يكفر بالمال، فهل له العدول عنه إلى الصيام؟ الذي أبداه الإمام والرافعي في كتاب الظهار: الوجوب، والذي يقتضيه إيراد الشيخ هاهنا: عدمه.
آخر: إذا أعتق العبد بعد اليمين، ثم حنث؛ فحكمه في الكفارة حكم الأحرار، وإن حنث في حال الرق، ثم أعتق، فإن كان معسراً كفر بالصوم.
وإن حصل له مال، فإن قلنا: الاعتبار بحال الأداء، أو بأعلى الحالين، كفر بالمال، ولم يجزئه الصوم.
وإن قلنا: الاعتبار بحال الوجوب، أجزأه الصوم.
وإن أراد أن يكفر بالمال، فإن قيل: إن العبد يجوز أن يكفر بالمال على قوله القديم: إنه يملك إذا ملكه سيده، كان بعد عتقه أولى بالجواز.
وإن قيل: إنه لا يجوز للعبد أن يكفر بالمال على قوله في الجديد: إنه لا يملك، فهل يجوز له بعد عتقه أن يكفر بالمال؟ على وجهين: أحدهما: يجوز؛ لأنه عند تكفيره حر؛ فأشبه الحر المعسر.
والوجه الثاني: لا يجوز؛ لأنه لو أراد التكفير بالمال عند الوجوب لم يجزئه، بخلاف الحر المعسر الذي لو كفر بالمال أجزأه؛ فلزمه استصحاب هذا الحكم بعد عتقه؛ لاستقرار وجوبه في حال رقه؛ فصار في حصول تكفيره ثلاثة أوجه: أحدها: لا يكفر إلا بالمال.
والثاني: لا يكفر إلا بالصوم.

والثالث: أنه مخير بين التكفير بالمال أو الصيام، كذا حكاه الماوردي.
والذي حكاه ابن الصباغ- على القول باعتبار حال الوجوب- أن المذهب: أن له أن يكفر بالعتق والإطعام والكسوة.
ومن أصحابنا من قال: لا يكفر بالعتق قولاً واحداً، وفي الإطعام والكسوة القولان في ملك العبد؛ لأن الاعتبار بحال الوجوب، وحال الوجوب كان عبداً.
قال: وإن أراد أن يكفر بالصوم في وقت لا ضرر على مولاه فيه، أي: مثل أن كان في الشتاء أو ما قاربه من الزمان القصير المعتدل، جاز، أي: من غير إذن المولى، سواء حلف بإذنه وحنث بإذنه، أو بغير إذنه، لأنه لا ضرر عليه في ذلك؛ فلم يكن له منعه منه؛ كما لو أراد أن يتطوع بالصلاة في غير زمان الخدمة، أو يقرأ القرآن.
وحكى الماوردي وغيره وجهاً: أنه لا يجوز من غير إذنه؛ لأنه ينقض نشاطه.
وحكم التطوع بالصوم في مثل هذا الوقت حكم الصوم عن الكفارة.
وفي "النهاية": أن ما ذكر من جواز الصوم تبرعاً أو فرضاً حيث لا يؤثر في الرقبة والقوة في العبد، أما الأمة فللسيد أن يفطرها في صوم التطوع، وصوم الفرض إن لم يكن سبب وجوبه بإذنه.
قال: وإن كان عليه ضرر فيه؛ بأن كان في حر شديد، أو في طول النهار، أو كان يضر به ويضعفه عن العمل- نظر: فإن كان حلف بغير إذنه وحنث بغير إذنه لم يجز؛ لأن السيد لم يأذن له فيما ألزم نفسه مما يتعلق به ضرر على السيد؛ فكان له منعه وتحليله منه؛ كما لو أحرم بالحج بغير إذنه.
قال: وإن كان حلف بإذنه، وحنث بغير إذنه- فقد قيل: يجوز؛ لأن الإذن في الحلف إذن فيما يتعلق به ويترتب عليه؛ كما أن الإذن في النكاح إذن فيما يتعلق به من اكتساب المهر والنفقة، وهذا ما رجحه في "التهذيب".
قال: وقيل: لا يجوز، وهو الأصح؛ لأن اليمين مانعة من الحنث، ولا يعقبها وجوب الكفارة؛ فلم يكن إذنه فيها إذناً في إلزام الكفارة.

ولأنه إذا حلف وحنث بغير إذنه، لم يجز له أن يصوم بغير إذنه، مع أنه لم ينهه عن المخالفة بالإذن في اليمين؛ فلئلا يجوز- وقد نهاه عن المخالفة وأكدها بإذنه في اليمين- كان أولى.
وقد بقى من القسمة الرباعية أمران: أحدهما: قسيم الأول، وهو: إذا حلف بإذنه وحنث بإذنه، جاز من غير إذنه، ولم يكن للسيد منعه، وإن كانت الكفارة على التراخي؛ لما صدر عنه من الإذن، وحكى الإمام أن من أصحابنا من قال: لا يجوز.
الثاني: إذا حلف بغير الإذن، وحنث بالإذن، فطريقان: أحدهما- وهو الذي جزم به الماوردي والمحامللي-: أنه يجوز، وهو قضية كلام ابن الصباغ؛ حيث علل وجه الجواز- فيما إذا حلف بالإذن، وحنث بغير الإذن- بأنه أذن في أحد سببي الكفارة؛ فلم يكن له المنع من التكفير؛ كما لو أذن في الحنث دون اليمين.
والطريق الثاني- وهو الذي ذكره الغزالي-: [أن] فيه وجهين، والأظهر- وإن ثبت الخلاف- جوازه بغير الإذن.
قال: فإن خالف، أي: [حنث، و] قلنا: لا يجوز من غير إذن، وصام، أجزأه؛ لأنها عبادة لا يقف انعقادها على إذنه؛ فصحت وإن جاز للسيد منعه؛ كالحج.
ولأن المنع لا يعود إلى نفس الصوم؛ فأشبه ما لو صلى الجمعة من غير إذنه.
قال: وإن كان نصفه حراً، ونصفه عبداً، وله مال- أي: ملكه بنصفه الحر- كفر بالطعام والكسوة، أي: ولا يجوز له أن يكفر بالصوم؛ العاجز عنه، وهذا كما أنه إذا وجد ثمن الماء لا يجوز أن يصلي بالتيمم، وإذا وجد ثمن الثوب لا يجوز له أن يصلي عارياً كالحر.
قال: دون العتق؛ لأنه إذا لم تكمل فيه الحرية لم يكن من أهل الولاء؛ فلم يصح منه الإعتاق كالعبد القن.

وذكر الصيدلاني في تكفيره بالعتق قولين كالقولين في المكاتب إذا أعتق بإذن سيده، والذي يظهر أن يجيء فيه ما ذكرناه من الخلاف في العبد من طريق الأولى.
قال: وقيل: هو كالعبد القن، أي: فيكفر بالصوم، وهذا ما خرجه المزني، ويقال: إن ابن سريج صوبه فيه.
وفي "الحاوي": أن عدة من أصحابنا وافقوه عليه، ووجهوه بأنه ناقص بالرق، وبأن الأداء بحسب اللزوم، واللزوم يلغي جملته؛ فكذا الأداء؛ فلو أخرج المال لكان مخرجاً عن بعضه الرقيق.
والمذهب: الأول؛ لأن تكفير الحر الموسر بالمال، وتكفير العبد القن بالصوم، ولم يخل حال من نصفه حر ونصفه عبد من ثلاثة أحوال: تبعيض الكفارة على الرق والحرية، أو تغليب الرق على الحرية، أو على العكس، وقد أجمعوا على بطلان الأول؛ فلم يبق إلا تغليب أحدهما؛ فكان تغليب الحرية في التكفير بالمال أولى من تغليب الرق في التكفير بالصوم من وجهين: أحدهما: أنه لما تغلبت حرية بعضه في السراية إلى عتق جميعه تغلب حكمها في تكفيره.
والثاني: أن التكفير بالمال أصل، وبالصيام بدل؛ فكان تغليب ما أوجب الأصل من المال أولى من تغليب ما أوجب البدل من الصيام.
وقد نجز – بحمد الله- شرح مسائل الكتاب، ولنختمه بذكر فوائد وفروع متعلقة به، فنقول: الكفارات ثلاثة أنواع: نوع مرتب لا تخيير فيه، وهو كفارة القتل والجماع والظهار.
ونوع مخير لا ترتيب فيه، وهو جزاء الصيد وفدية الأذى.
ونوع فيه تخيير وترتيب، وهو كفارة اليمين وما في معناها من كفارة النذر، وقوله: أنت علي حرام.

فالتخيير في الأنواع الثلاثة، والترتيب بينها وبين الصوم، وعلى كل حال: فإذا أتى بها في [أي] وقت كانت أداء إلا كفارة الظهار؛ فإن لها وقت أداء وهو إذا فعلت بعد العود وقبل الجماع، ووقت قضاء وهو إذا فعلت بعد العود والجماع، صرح به البندنيجي.
ويجوز لكل من وجبت عليه الكفارة إذا كان أهلاً لأدائها: أن يخرج المال منها بنفسه، ويجوز أن يأمر غيره بإخراجه، وإذا أمر غيره بالإخراج: فإن كان من مال المأمور صح، سواء كان بجعل أو بغير جعل، ويقدر بيعاً أو هبة، وموضع الكلام في ذلك عند الكلام فيما إذا قال لغيره: أعتق [عبدك عني].
وإن كان من مال نفسه فالمأمور وكيل، ولا شك في جواز ذلك؛ لأن مقصودها المال، [والعمل] تبع؛ فأجريت مجرى حقوق الآدميين، لكن النية في إخراجها مستحقة لما يتضمنها من العبادة، وللآمر والمأمور أربعة أحوال: أحدها: أن ينوي الآمر عند الأمر والمأمور عند دفعه، فهو أكمل أحوال الجواز.
والثاني: ألا ينوي واحد منهما؛ فلا يجزئ، ولا يضمنه المأمور.
والثالث: أن ينوي الآمر عند دفعه، [ولا ينوي المأمور عند دفعه] فهذا يجزئ لاقتران النية بالدفع.
والرابع: أن ينوي الآمر عند الأمر، ولا ينوي المأمور عند دفعه؛ ففي إجزائه وجهان، حكى ذلك الماوردي.
والثالث على الضد مما حكى في كتاب الزكاة.
ثم الآمر إما أن يعين ما يخرجه في الكفارة، أو لا يعينه ويطلق؛ فإن عين شيئاً، فأخرج غيره ضمنه، سواء عدل من الأدنى إلى الأعلى، كعدوله من الإطعام إلى العتق، أو بالعكس، كذا أطلقه الماوردي.
قلت: وفي ضمان المعتق نظر؛ لأن العتق غير نافذ [فكيف يضمنه]؟

وإن أطلق الإذن، ولم يعين له جنساً، فإن كانت الكفارة مرتبة حمل إطلاقه على ما يقتضيه حاله من عتق أو إطعام، فإن أخرج غيره لم يجزئه.
وإن كانت كفارة تخيير مثل: كفارة الأيمان، فإن كفر بأقل الأشياء ثمناً جاز، سواء كان ذلك موجوداً في ماله أو غير موجود، وإن كفر بأكثر الأجناس ثمناً: فإن لم يوجد في ملكه إلا هو أجزأه، وإن لم يوجد في ملكه إلا الأقل لم يجزئه، ويكون ذلك على المأذون دون الآمر، والكفارة باقية، وكذا إن لم يكن في ملكه واحد منهما.
وإن كانا في ملكه فوجهان: أحدهما: أن الحكم كذلك.
والثاني: أنه يجوز.
وهذا كله في حال الحياة، أما إذا مات من وجبت عليه الكفارة، ولم يخرجها – نظر: إن خلف تركة، كانت الكفارة في ماله، أوصى بها أو لم يوص، وسبيلها سبيل الديون، هذا هو المذهب.
وذكر في باب الوصية وجه: أنه إن أوصى بها أخرجت من الثلث، وإلا لم تخرج.
وعلى المذهب: للوصي أو الوارث أن يعتق عنه في الكفارة المرتبة، ويكون الولاء للميت؛ فإن تعذر العتق أطعم من التركة؛ لأن ذلك الواجب.
وأما إذا كانت الكفارة غير مرتبة، مثل: كفارة اليمين وما في معناها، فالواجب – على ما حكاه البندنيجي والمحاملي-: [الإطعام لأنه أقل ما يكفر به في حال الحياة، وقال صاحب التهذيب: الواجب: أنقص الأشياء قيمة من] الإطعام والكسوة والعتق، واتفقوا أن الوارث إذا كفر بأعلاها قيمة جاز.
وانفرد البندنيجي والمحاملي بحكاية وجه في الإعتاق: أنه لا يجزئ، وقد حكاه غيرهما.
وبنى في "الحاوي" الوجهين في جواز الإعتاق على خلاف بين أصحابنا في أن الواجب بالنص في كفارة التخيير أحد الخصال على وجه التخيير، أو

الواجب جميعها بالنص، وله إسقاط جميعها بفعل أحدها؟ فإن قلنا الأول لا يجزئ، وإن قلنا بالثاني أجزأه، وهو الأصح في الطريقين، وعليه ينبني ما لو أوصى بالعتق وهو أزيد قيمة؛ فإنه يعتبر من الثلث، لكن هل المعتبر جملة الرقبة، أو القدر الزائد من ثمنها على قدر الواجب؟ فيه وجهان يجريان- على ما حكاه في "التهذيب"- فيما إذا أوصى بالكسوة أو الإطعام، وذلك أزيد قيمة: فعلى الأول- وهو الأصح عند الرافعي، وظاهر النص، ولم يحك البندنيجي سواه- إن وفي الثلث بها فذاك، وإن لم يوف، أطلق الرافعي القول ببطلان الوصية، وقال البندنيجي والمحاملي: إنما يفرد من التركة قدر الطعام وثلث ما تبقى: فإن لم يف بقيمة رقبة بطلت الوصية، وإن وفى فوجهان: قال ابن سريج وأبو إسحاق وغيرهما: يعتق بذلك رقبة، وظاهر المذهب: أن الوصية تسقط.
وعلى الثاني: إن لم يوف الثلث بما زاد بطلت الوصية.
وحكي في أصل المسألة وجه ثالث ضعيف في العتق: أن جملة الرقبة تعتبر من رأس المال، ويتجه جريانه في الكسوة والإطعام أيضاً.
وإن كان الميت معسراً فقد حكى الماوردي: أن الأصحاب اختلفوا في أن التكفير يعتبر بالواجب؛ فيكون على ما مضى، أو معتبر بالتطوع؛ فيكون- على ما سيأتي- على وجهين، والذي حكاه في التطوع: أنه جائز إذا أوصى به، سواء كان عتقاً أو صدقة.
وإن لم يوص به: فإن كان صدقة جاز من الوارث وغيره، وإن كان عتقاً: فإن تطوع به غير الوارث لم يجز؛ لأنه يتضمن الولاء، وهو يجري مجرى النسب؛ للحديث المشهور: "وليس لأحد إلحاق نسب بغيره"؛ فكذلك الولاء.
وإن تطوع به بعض الورثة لم يجز؛ لما ذكرناه في الأجنبي، وإن تطوع به جميع الورثة فوجهان؛ هذا آخر كلامه، ومقتضاه- إذا فرعنا على الوجه الثاني- أن التكفير إن جرى بوصية من الميت يجوز من الوارث والأجنبي بالعتق وغيره، وقد صرح به ابن الصباغ وغيره، وجعله كما لو جرى في حال الحياة بإذنه، وإن جرى بغير وصية؛ يجوز من الوارث ومن الأجنبي التكفير بالطعام والكسوة، ولا يجوز من الأجنبي وبعض الورثة بالعتق، وهل يجوز به من جميع الورثة؟ فيه وجهان، وهذا يفهم أنه لا فرق بين الكفارة المرتبة والمخيرة، والذي حكاه ابن الصباغ والبندنيجي والمحاملي وغيرهم: أن الوارث يجوز له في الكفارة المرتبة أن يعتق وأن يطعم، وإن لم تكن مرتبة يجوز له الإطعام، وهل يجوز له العتق؟ فيه وجهان.

قال الإمام: والأولى ترتيب الخلاف على الخلاف فيما إذا خلف تركة؛ فإن التركة علقة قائمة حتى كأنها بقية من حياته.
وأما الأجنبي فلا يقع عتقه عن الميت، وهل يجزئ إخراجه الإطعام والكسوة؟ سكت ابن الصباغ عن ذلك، وحكى الإمام ومن تابعه فيه وجهين، ووجه الأصحاب عدم إجزاء العتق منه بأمرين: أحدهما: أن التكفير بغير الإعتاق متيسر؛ فلا يعدل إلى الإعتاق؛ لما فيه من عسر إثبات الولاء، ومقتضى هذا: أن يجوز في الكفارة المرتبة.
والثاني: أن فيه إضراراً بأقارب الميت من حيث إنهم يؤاخذون بجناية معتقه، وفي طريقة المراوزة حكاية وجه في إجزاء عتق الأجنبي، ووجه في عدم إجزاء الطعام من الوارث والكسوة، وضعفهما الغزالي.
وأما الصوم فالجديد: أنه لا يجوز للوارث ولا لغيره أن يصوم عنه، وفي القديم: جوازه للولي، والأجنبي المأذون له في الصوم كالولي، وغير المأذون له فيه خلاف مرتب على الإطعام، وأولى بالمنع.

باب العدد

العدة- بالكسر-: الاسم من "الاعتداد"، وقد تجعل مصدراً لإحصاء العدد؛ فيقال: عددت الشيء عداً، واعتدت المرأة اعتداداً.
ويقال: عده فاعتد، أي: صار معدوداً.
وهي في الشرع: اسم لمدة معدودة تربص فيها المرأة؛ لتعرف براءة الرحم.
وذلك يحصل بأحد ثلاثة أمور: بوضع الحمل.
أو: الأقراء.
أو: الأشهر؛ على ما سنذكره.
والأصل فيها- قبل الإجماع- آيات الكتاب؛ كقوله- تعالى- في سورة البقرة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] [وقوله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: 234]. ومن السنة: ما سنذكره في موضعه.
قال أبي بن كعب: أول ما أنزل من العدد: الآية [الأولى]؛ فارتاب ناس بالمدينة في عدة الصغار والمؤيسات وذوات الحمل؛ فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ ....﴾ إلى آخرها.
قال- رحمه الله-: إذا طلق امرأته بعد الدخول، وجبت عليها العدة، أي: سواء كان الدخول في حال الصبا، أو بعد البلوغ، وسواء كان الواطئ مقطوع الأنثيين أو لا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾،

ويعضده مفهوم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: 49].
فإن قيل: القصد من العدة- في الغالب- معرفة براءة الرحم، وهي متحققة؛ فيما إذا لم يحصل ثم إنزال؛ فلماذا وجبت والحالة هذه؟ فالجواب: أن الإنزال خفي يختلف في حق الأشخاص وفي الشخص الواحد باعتبار ما يعرض له من الأشغال؛ فيعسر تتبعه ويقبح؛ فأعرض الشرع عنه، واكتفى بسبب الشغل وهو الوطء، والوطء بتغييب الحشفة.
وهذا صنيعه في تعليق الأحكام بالمعاني الخفية: كالإسلام، والبيع، وغيرهما.
ثم الأصحاب لما رأوا اكتفاء الشرع في وجوب العدة- بما ذكرناه- ألحقوا به استدخال المرأة ماء الزوج من طريق الأولى، لأنه أقرب إلى العلوق من تغييب الحشفة، وألحقوا بذلك النسب أيضاً، وقالوا: لا اعتبار بقول الأطباء: إن الماء إذا ضربه الهواء لم ينعقد منه الولد؛ لأنه شيء مقول بالظن لا يتأتى فيه الإمكان.
وفي "التتمة" حكاية وجه: أن الاستدخال لا يوجب العدة؛ إعراضاً عن النظر إلى شغل الرحم، [وإدارة للحكم] على الإيلاج.
ثم على الأول: هل يشترط أن يكون ماء الزوج صدر عن وطء شبهة، أو لا فرق فيه بين ذلك وبين أن يكون صدر عن زنى؟ الذي ذكره صاحب "التهذيب"- على ما حكيناه في باب ما يحرم من النكاح- عن المذهب: الأول، وأبدى من عند نفسه الثاني؛ كما لو وطئ زوجته على ظن أنه زنى بها.
وأطلق الرافعي الجواب هاهنا بوجوب العدة من غير تفصيل؛ فلعله محمول على ما حكاه في "التهذيب".
فرع: لو أقرت المرأة بالدخول، وأنكر الزوج، وحلف عليه- ففي وجوب العدة عليها وجهان محكيان في "النهاية" في باب الإقرار بالنسب.
قال: وإن طلقها بعد الخلوة، ففيه قولان: أصحهما: أنه لا عدة عليها؛ لقوله -تعالى- ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]، ولأن القصد بالعدة:

معرفة البراءة، وهي محققة مع انتفاء مظنتها.
والقول الثاني- وهو القديم-: أن عليها العدة؛ لما ذكرناه في كتاب الصداق: أن عمر وعلياً- رضي الله عنهما- قالا: "إذا أغلق باباً وأرخى ستراً فلها الصداق كاملاً، وعليها العدة".
ولا فرق في جريان القولين بين أن تجري مباشرة فيما دون الفرج أو لاز والمطلقة قبل الدخول والخلوة لا عدة عليها اتفاقاً.
وزوجة المجبوب الذكر، الباقي له الأنثيان، لا يتصور منه الدخول، ولا عدة على زوجته إذا طلقها وهي حائل، وإن طلقها وقد ظهر بها حمل فقد ذكرنا أنه يلحقه، وعليها أن تعتد بوضعه.
وامرأة الممسوح لا تجب عليها عدة الطلاق؛ بناء على الصحيح- في [أن] الولد [غير] لاحق به.
قال: ومن وجبت عليها [العدة]، أي: بسبب الطلاق، وهي حامل، أي: بحمل يجوز أن يكون من المطلق حتى المنفي باللعان- اعتدت بوضع الحمل، أي: ولو كان ميتاً؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4]، وإنما قيدنا صورة المسألة بالطلاق؛ لأن عدة المتوفى عنها والموطوءة بالشبهة ستأتي في الباب، إن شاء الله تعالى.
وإنما قلنا: إن وضع الحمل المنفي باللعان يحصل به الاعتداد؛ لأنه يحتمل أن يكون منه.
والقول في العدة قول المرأة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228]. ثم المعتبر في انقضاء العدة بالحمل أن ينفصل بجملته، فإن كان أكثر من ولد فلا بد من خروج الجميع، وإن كان ولداً واحداً فلا بد من انفصال جميعه وجهاً واحداً، حتى لو لم تنفصل رجله، لم تنقض العدة؛ فلو ماتت ورثها إذا كان الطلاق رجعياً؛ وكذلك هي، وإن كان في وجوب الدية بقتله وغيرها من

الأحكام خلاف يأتي في موضعه.
أما إذا لم يمكن أن يكون من المطلق؛ بأن وضعته لدون ستة أشهر من يوم النكاح أو لأكثر، وبين الزوجين مسافة [لا] تقطع في تلك المدة- فلا تنقضي به العدة، كما سنذكره في زوجة الصبي؛ لأنه ليس منه، هذا هو المشهور.
وفي "الوجيز" وراءه وجهان آخران جاريان فيما لو مات: أحدهما: انقضاء العدة به؛ لاحتمال أنه جرى وطء شبهة قبل النكاح.
والثاني: أنها إن ادعت وطء شبهة حكمنا بانقضاء العدة؛ لأن القول في العدة قولها إذا حصل الإمكان.
ولم يذكر في "النهاية" ولا في "البسيط" الوجهين في هذه الصورة، وإنما ذكراهما مع الوجه الأول فيما إذا قال لامرأته: إذا ولدت فأنت طالق، فولدت وشرعت في العدة، ثم ولدت بعد ستة أشهر ولداً آخر.
والثالث منهما: الفرق بين أن يدعى وطئاً [محترماً من] الزوج بعد الولادة الأولى؛ فتنقضي العدة، أو لا يدعي؛ فلا نحكم بانقضائها.
ثم إذا فرعنا على المذهب فمتى تشرع في الأقراء؟ ينظر: إن كان الحمل من وطء شبهة أو نكاح فاسد، فمن حين الوضع، وكذلك إن كان من زنى، ولم تر الدم على الحمل، أو رأته، وقلنا: إنه ليس بحيض، أما إذا قلنا: إنه حيض، فهل تنقضي عدتها بثلاثة أطهار في حال الحمل؟ وجهان، أظهرهما عند الرافعي: الانقضاء، وعلى هذا: لو زنت في عدة الطلاق، وحبلت من الزنى، لم يمنع ذلك انقضاء العدة، ولو كان الحمل مجهول الحال، فقد حكينا من قبل عن الروياني أنه يحمل على أنه من زنى.
وفي "النهاية" في فصل أوله: "إذا نكحت في العدة"- أن المعتدة لو أتت بولد لا يمكن أن يكون من واحد منهما لا نقضي بأنه ولد زنى، ولكن لا اب له، وطريق تحسين الظن حمل العلوق به على وطء شبهة.
فرع: امرأة المسلول الأنثيين، الباقي الذكر، إذا وضعت حملاً انقضت عدتها

بوضعه؛ بناء على الصحيح في لحوق الحمل به.
وفيه وجه: أنه لا يلحقه؛ فعلى هذا لا تنقضي العدة بوضعه.
قال: وأكثره أربع سنين، وقال المزني- على ما حكاه الماوردي وغيره-: أكثره سنتان.
والدليل على المذهب في اعتبار مدة السنين الأربع: الاستقراء؛ قال مالك – رحمه الله-: هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق، وزوجها رجل صدق، وحملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، تحمل كل بطن أربع سنين.
وروى المبارك عن مجاهد قال: مشهور عندنا: كانت امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين.
وروى الشافعي عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد القرشي: أن سعيد بن المسيب أراه رجلاً، فقال: إن أبا هذا غاب عن أمه أربع سنين، فوضعت هذا وله ثنايا.
ورأى هشام بن يحيى المجاشعي قال: بينما مالك بن دينار يوماً جالس إذ قام رجل، فقال: يا أبا يحيى، ادع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد؛ فغضب مالك وأطبق المصحف، وقال: ما ترى هؤلاء القوم؟ ثم قرأ ودعا؛ فجاء الرسول إلى الرجل، فقال: أدرك امرأتك؛ فذهب الرجل، فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه، ما قطعت سراره.
وفي أن هذه المدة [هي] أكثر مدده؛ بأن الأصل فيما زاد العدم.
وحيث تكلمنا في الدليل على أكثر الحمل، فلنذكر الدليل على أقل مدته وهي ستة أشهر.
ونقول: الدليل على ذلك: ما روي أنه أتي إلى عثمان- رضي الله عنه- بامرأة ولدت لستة أشهر؛ فشاور القوم في رجمها؛ فقال ابن عباس- رضي الله عنهما-: أنزل الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: 15] وأنزل: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14]، فالفصل في عامين، والحمل في ستة أشهر.
قال الماوردي: فرجع عثمان ومن حضر إلى قوله؛ فصار إجماعاً.

قلت: وفي هذه الواقعة دليل على ما ادعاه الروياني أن الحمل المجهول الحال يحمل على أنه من زنى، وقد روي أن الحسن بن علي- رضي الله عنهما- ولد بعد ستة أشهر من ولادة أخيه الحسين.
وقال القتبي: إن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر.
قال: [فإن] وضعت ما لم يتصور فيه خلق آدمي، وشهد القوابل أن ذلك خلق آدمي- فقد قيل: تنقضي به العدة، وهذا نصه هاهنا، قال الماوردي: في القديم؛ لأن القصد من العدة معرفة براءة الرحم، وهي تحصل برؤية الدم؛ فمثل هذا أولى.
قال: وقيل: فيه قولان: أحدهما: أنها تنقضي؛ لما ذكرناه.
والثاني: أنها لا تنقضي، وهو مخرج من نصه في الجنايات؛ فيما إذا جنى على امرأة فألقت مثل ذلك-: أنه لا يجب على الجاني الغرة، ومن نصه في أمهات الأولاد: أن الاستيلاد لا يحصل به.
ووجهه: أن هذه الأحكام منوطة بالولد، واسم "الولد" لا يقع عليه؛ فصار كما لو ألقت علقة.
والقائل الأول فرق بأن الغرة الأصل براءة الذمة منها؛ فلا تجب بالشك، وأمومة الولد منوطة باسم الولد، وهذا لا يسمى ولداً، والعدة منوطة باسم الحمل، وهذا يسمى حملاً، بخلاف العلقة؛ فإنها لا تسمى حملاً.
وفي المسألة طريقة قاطعة، وصححها صاحب "التهذيب": أن العدة لا تنقضي بذلك.
وقائلها حمل النص على ما إذا كانت فيه صورة خفيت عنا وعرفها

القوابل؛ فإن العدة تنقضي بها وجهاً واحداً؛ كما لو كانت الصورة ظاهرة لنا.
وفي "الرافعي": أنه يشبه أن يكون الراجح طريقة القولين، وأن يقال: الأظهر انقضاء العدة؛ ولذلك ذكره الشيخ أبو الحسين ابن خيران في "اللطييف"، والقاضي الروياني وإبراهيم المرورذي.
فرع: لو شك القوابل فيما وضعته في أنه مبتدأ خلق آدمي أم لا، فلا خلاف في أنه لا يترتب عليه حكم من أحكام الحمل.
قال: وإن كانت من ذوات الأقراء اعتدت بثلاثة أطهار.
الأقراء: جمع قرء، بضم القاف وفتحها.
يجمع "القرء" على "أقراء" و"قروء"، وهو اسم مشترك بين الحيض والطهر يقع على كل منهما حقيقة عند الأكثرين من أهل اللغة، وقيل: إنه حقيقة في الطهر، مجاز في الحيض، وقيل عكسه، وقيل: إنه حقيقة في الانتقال من معتاد إلى معتاد؛ فتناول الانتقال من الحيض إلى الطهر وعكسه.
وقيل: إن القرء- بالفتح-: الطهر، وهو الذي يجمع على "فعول"؛ كحرب وحروب، وضرب وضروب.
والقرء- بالضم- يجمع على "أقراء"؛ كقفل وأقفال، والصحيح أنه لا فرق.
إذا تقرر ذلك فنقول: الدليل على ما ادعاه الشيخ من أن الاعتداد في حق ذوات الأقراء يكون بالأطهار، قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] والمراد بالقروء في الآية: الأطهار عند الشافعي؛ كما ذهب إليه زيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، رضي الله عنهم.
واستدل أصحابنا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] أي: في وقت عدتهن؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47] أي: في يوم القيامة.
والطلاق المأمور به في الطهر، قال- عليه السلام- لعمر- رضي الله عنه- وقد طلق ابنه زوجته في الحيض: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا؛ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ" فجعل الطهر زمان العدة.
وروي أنه- عليه السلام-[كان] يقرأ: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ

عدتهن}، وقبل الشيء: ما اتصل بأوله؛ فكان القبل والاستقبال سواء.
وتمسك الماوردي في ذلك بأن الله- تعالى- أثبت الهاء فيها، والهاء إنما تثبت في جمع المذكر دون المؤنث، و"الأطهار" جمع "طهر"، و"الطهر" مذكر، و"الحيض" لو قدرت جمع "حيضة".
ولأن "القرء" مشتق من الجمع؛ يقال: قرأت الطعام في فيه، وقرأت الماء في جوفه؛ إذا جمعته، ومن ذلك سمي القرآن قرآنا؛ لاجتماعه؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 18] يعني: إذا جمعناه فاتبع اجتماعه.
وسميت القرية: قرية؛ لاجتماع الناس فيها، وإذا كان "القرء" هو الجمع كان بالطهر أحق من الحيض؛ لأن الطهر اجتماع الدم في الرحم، والحيض خروج الدم من الرحم، وما وافق الاشتقاق كان أولى بالمراد من مخالفه، والله أعلم.
وفي "تعليق" القاضي الحسين والرافعي: أنه يروي أن الشافعي [وأبا عبيد القاسم ابن سلام تناظرا في "القرء"، وكان الشافعي يقول: إنه الحيض] وأبو عبيد يقول: إنه الطهر؛ فلم يزل كل واحد منهما يقرر قوله حتى تفرقا وقد انتحل كل واحد منهما مذهب صاحبه، وتأثر بما أورده من الحجج والشواهد.
ثم قال الرافعي: وهذه الحكاية تقتضي أن يكون للشافعي قول قديم أو حديث يوافق مذهب أبي حنيفة.
ثم ما المراد من الطهر المفسر به القرء؟ فيه قولان: المذكور منهما في "الرسالة": أنه الانتقال إلى الحيض، [وهذا] أخذاً من قولهم: قرأ النجم، إذا طلع، وقرأ: إذا غاب، وقد يقال: قرأ، إذا انتقل من برج إلى برج.
قال الرافعي: وقد يقتضي الاشتقاق وقوع الاسم على الانتقال من الحيض إلى الطهر، كوقوعه على الانتقال من الطهر إلى الحيض، وهذا قد حكيناه من قبل.
قال المتولي: الانتقال من الحيض إلى الطهر لا يدل على براءة الرحم؛ فإنها قد تحمل من الوطء في زمان الحيض، ثم ينقطع فيه، والانتقال من الطهر إلى الحيض يدل على البراءة؛ لأن الغالب أن الحامل لا ترى الدم؛ فاعتبر الشرع هذا الانتقال، ولم يعتبر ذلك الانتقال.

الثاني- وهو المذكور في "الأم"- أنه المحتوش بدمين، لا مجرد الانتقال، وهو الجديد، والأصح في "التهذيب" وعند القاضي الروياني وغيره.
قال الرافعي: لكنه يخالف ما حكيناه في كتاب الطلاق [أن أكثرهم حكموا بوقوع الطلاق] في الحالف إذا قال للتي لم تحض قط: أنت طالق في كل قرء طلقة.
وأظهر المراوزة ثمرة هذا الخلاف فيما إذا اعتدت الصغيرة بالشهور، ثم حاضت في أثنائها، وفيما إذا قال لها: أنت طالق في آخر طهرك، أو وقع ذلك اتفاقاً، وعند العراقيين في ذلك كلام سنذكره.
قال: ومتى يحكم بانقضاء العدة؟ فيه قولان: أحدهما: إن كان الطلاق في طهر- أي: قبل جماع فيه أو بعده- انقضت العدة بالطعن في الحيضة [الثالثة، وإن كان في حيض انقضت العدة بالطعن في الحيضة] الرابعة؛ لأن الظاهر أن الذي ظهر دم حيض؛ فيكون الطهر قبله قد كمل؛ فانقضت العدة بثلاثة أقراء، وقد روي عن عائشة وزيد بن ثابت- رضي الله عنهما- أنهما قالا: إذا طعنت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه.
وعن عثمان وابن عمر- رضي الله عنهم- أنهما قالا: إذا طعنت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له.
وهذا القول هو الذي رواه الربيع والمزني، وهو الأصح.
فإن قيل: فإاذ كان الطلاق في الطهر لم يكمل بذلك ثلاثة أقراء، وإنما حصل قرءان وبعض الثالث، والله- تعالى- أوجب الاعتداد بثلاثة أقراء.
فالجواب: أنه قد يطلق اسم "الثلاث" على الاثنين وبعض الثالث؛ قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] وهو شهران وبعض الثالث، وتقول: كتبت لثلاث خلون، وإن كان قد مضى اثنان وبعض الثالث؛ فكذلك في "الأقراء".
فإن قيل: ذلك مجاز، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
قيل: الحمل [على] المجاز هاهنا متعين؛ لأمرين:

أحدهما: أنها لو لم تعتد به عن الطلاق لكانت عدتها بأكثر من ثلاثة أقراء، والله- تعالى- أمرها أن تعتد بثلاثة أقراء.
والثاني: أنه منع من الطلاق في الحيض؛ لئلا تطول عدتها؛ لفوات الاعتداد بحيضها، وترك الاعتداد بما ذكرناه أبعد لعدتها، وأسوأ حالاً من الطلاق في الحيض؛ فلو لم تعتد به لكان المنع من الطلاق فيه أولى.
واعلم أنا إنما نبهنا على أنه لا فرق في بقية الطهر بين أن يكون قبل الجماع أو لا؛ لأنا رأينا الجيلي قد جزم القول بأنه إذا كان الطلاق بعد جماع فيه: أن عدتها لا تنقضي إلا بالطعن في الحيضة الرابعة، وهذا خلاف ما نص عليه الشافعي في "المختصر"، وصرح به أصحابنا كالماوردي، وابن الصباغ والإمام وغيرهم، ولم أر ما قاله لأحد من أصحابنا.
نعم، حكوه عن أبي عبيد القاسم بن سلام؛ فلعله اعتقد أنه من أصحابنا؛ فاقتصر على حكاية مذهبه.
قال: والثاني: لا تنقضي حتى تحيض يوماً وليلة، أي: من الحيضة الثالثة أو الرابعة؛ لجواز أن يكون ذلك دم فساد؛ فلا نحكم بانقضاء العدة بالشك، وهذا ما رواه البويطي [وحرملة].
قال: وقيل: إن حاضت للعادة انقضت العدة بالطعن في الحيض، لأنه يعلم من العادة أنه حيض، وإن حاضت لغير العادة لم تنقض حتى تحيض يوماً وليلة؛ لأنه لا يعلم أنه حيض بيقين.
والقائل بهذه الطريقية حمل النصين على هذين الحالين، والقائل الأول يقول: إن لم يوجد شرط الحيض بعد ذلك تبين أن العدة لم تنقض.
وهل لحظة رؤية الدم، أو اليوم والليلة- إن اعتبرنا وجودهما- من نفس العدة، أو يتبين بها انقضاء العدة وليست منها؟ فيه وجهان محكيان في الطريقين، وأصحهما- على ما حكاه الرافعي وغيره-: الثاني، وتظهر فائدة الخلاف فيما لو راجعها في هذا الزمن، أو مات واحد منهما، أو تزوجها غيره.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الدم الذي رأته في زمن الإمكان أسود أو أصفر أو كدراً.

وقال أبو سعيد الإصطخري: الصفرة والكدرة في غير أيام العادة ليست بحيض؛ لأنه إذا تجرد من صفة الحيض، وخرج عن زمانه؛ كان قاصراً.
قال أبو إسحاق المروزي: وقد كنت أذهب إلى هذا حتى رأيت للشافعي نصاً يسوي في الصفرة والكدرة بين أيام العادة وغيرها.
تنبيه: قول الشيخ: "إن كان الطلاق في طهر انقضت العدة بالطعن في الحيضة الثالثة"، محمول على ما إذا بقي من الطهر بعد وقوع الطلاق بقية، أما إذا لم يبق، بل انطبق آخر لفظ لطلاق على [آخر] [أجزاء] الطهر، ويتصور ذلك بأن يقول: أنت طالق في آخر أجزاء طهرك، أو يقع ذلك اتفاقاً- فالمذهب المشهور: أنه لا يعتد بذلك قرءاً، وإن كان كلام الشيخ يصدق عليه.
وفيه وجه محكي في "المهذب" وغيره عن تخريج ابنس ريج أنه يعتد به قرءا.
ومحله عند البندنيجي وابن الصباغ إذا تكمل لفظ الطلاق في زمن الطهر، وتخلل بينه وبين الحيض زمن وقوع الطلاق، وجزما القول بعدم الاعتداد فيما إذا انطبق آخر اللفظ على آخر الطهر، وغيرهما لم يعتبر ذلك، وما قالوه يمكن أن يخرج على قاعدة قررها الغزالي في كتاب الظهار: أن كل حكم مرتب على لفظ: فيكون مع آخر جزء منه، أو متأخراً مترتباً عليه ترتب الضد على زوال الضد؟ والأصح عند الغزالي وإمامه: الأول، ومقتضاه جريان الخلاف في الصورة التي حكيناها أولاً، ومقتضى مقابله: يكون الطلاق واقعاً في الحيض؛ فلا يعتد به قرءاً وجهاً واحداً، ويكون محل الخلاف ما حكاه البندنيجي.
فائدة: إذا كانت المطلقة مستحاضة فلها أربعة أحوال: الحالة الأولى: أن تكون معتادة.
الثانية: أن تكون مميزة، ولا يخفى الحكم فيها.
الحالة الثالثة: أن تكون معتادة مميزة؛ فالجمع بينهما مع اختلاف حكمهما غير ممكن، وفيما يعتبر منهما وجهان: أحدهما- وهو ظاهر المذهب- حكم التمييز على العادة.
والثاني: عكسه.
ولا يخفي التفريع على كل قول.

الحالة الرابعة: أن تعدما، ولذلك صورتان: إحداهما: أن تكون مبتدأة، وفيما نحيضها قولان مذكوران في الحيض.
والحكم في انقضاء عدتها: أنا ننظر: إن كان الطلاق في الدم في أول الشهر انقضت عدتها بثلاثة أشهر كاملة؛ لأن الأغلب من عادة النساء أن يحضن في كل شهر حيضة، قال الرافعي: وشهرها ثلاثون يوماً.
ثم قال: ويمكن أن تعتبر الأهلة؛ كما سنذكره في الناسية، وقد أشار إليه مشيرون.
وإن كان في أثناء الشهر فهل تعتد بباقيه قرءاً أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لجواز أن يكون حيضاً.
والثاني: نعم، وهو اختيار ابن أبي هريرة؛ لأن اعتبار الأغلب في الشهر أن يجمع حيضاً وطهراً، يقتضي تغليب الحيض في أوله والطهر في آخره؛ فيصير الطلاق في آخره طلاقاً في الطهر، كذا حكاه الماوردي، وفيما علل به إشعار بأن محل الوجهين فيما إذا بقي من الشهر القدر الذي نحيضها فيه أو أقل، أما إذا بقي أكثر من الزمن الذي نحيضها فيه، فالذي يظهر أنه يجب القطع بالاعتداد به، وسنذكر من بعد عنه ما يعضده.
ويظهر من طريق النظر أمر آخر: أن يقال: إن كان الطلاق في أثناء الشهر، وكان ذلك الوقت [مثل الوقت الذي ابتدأ بها فيه الدم أولاً- تعتد بثلاثة أشهر من ذلك الوقت] وجهاً واحداً؛ بناء على أنا [لا] نحيضها في الشهر أكثر من مرة واحدة إما لأنا نحيضها أقل الحيض ونجعل باقي الشهر طهراً، أو لأنا نحيضها أغلب الحيض، ونجعل طهرها غالب الطهر؛ لأن ذلك الوقت يكون أول كل حيضة على هذا التقدير، أما إذا حيضناها أقل الحيض، وجعلنا طهرها أقل الطهر، فيظهر أن عدتها تنقضي بأقل من ذلك.
وإن كان الطلاق قبل رؤية الدم، ثم أت الدم في شهرها- فسيأتي بالاعتداد

[بما مضى] قرءاً حكاية خلاف: فإن اعتددنا به قرءاً انقضت عدتها إذا استكملت شهرين بعده مع اتصال [الدم]، وإن لم نعتد به اعتدت بثلاثة أشهر بعد رؤية الدم، سواء كان الدم في أول شهر أو في تضاعيفه؛ لأن أول الدم هو الحيض يقيناً.
الثانية: أن تكون ناسية للوقت والعدد؛ فلا تعلم هل كان حيضها يوماً أو عشرة، وهل كان في كل شهر أو شهور، أو في كل سنة أو سنين، وهي المتحيرة- ففي حكم عدتها قولان: أحدهما: أنها كالمبتدأة؛ فتحيض في كل شهر حيضة؛ فإن طلقت في شهر قد بقي منه أكثر من القدر الذي نحيضها إياه، اعتدت به قرءاً، وإن بقي قدر ما نحيضها أو أقل لم تعتد به قرءاً، كذا حكاه الماوردي.
وحكى البندنيجي: أنا على هذا القول نجعل حيضها من أول كل شهر.
ولا يخفى تفريع الحكم على ذلك.
وحكى القاضي الحسين وغيره وجهين: أحدهما: أنه إن طلقها وقد بقي من الشهر خمسة عشر يوماً [أو أقل فلا يحسب ذلك طهراً؛ لاحتمال أنه كله حيض، وإن بقي أكثر من خمسة عشر يوماً] حسب ذلك قرءاً؛ لأنا نقطع بأن فيه جزءاً من [طهر].
والثاني: يوافق ما يقتضيه التفريع على ما حكاه البندنيجي.
والقول الثاني: أن أمرها مشكل؛ فتنقضي عدتها بثلاثة أشهر كاملة من وقت طلاقها، سواء كان في أول الشهر أو تضاعيفه؛ لقوله- تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4] وهذه مرتابة؛ فتكون عدتها ثلاثة أشهر.
والذي حكاه البندنيجي على هذا القول: أنها تصبر إلى سن الإياس، وحكي عن صاحب "التقريب" رواية وجه: أنا نأخذ بالاحتياط، ويكون حكمها حكم التي تباعد حيضها لعارض، ولا نقول- على هذا- بامتداد الرجعة

وحق السكنى، والذي عليه الجمهور خلافه، ولو كانت ناسية لعدد حيضها ذاكرة لوقته، وهي أن تقول: أعلم أن لي في أول كل شهر حيضة أنا ناسية لقدرها- ففيما ترد إليه قولان كالمبتدأة: فإن طلقت في أول الشهر اعتدت بثلاثة أشهر كوامل.
ولو كانت ناسية للوقت ذاكرة للعدد، وهي أن تقول: أعلم أن حيضي في كل شهر عشرة أيام، [ونسيت وقتها من الشهر- فينظر: إن بقي من الشهر بعد الطلاق أكثر من عشرة أيام] اعتدت به قرءاً، فإذا مضى بعد مضي ذلك الشهر شهران انقضت العدة، وإن كان الباقي عشرة أو أقل استقبلت ثلاثة أشهر كاملات بعد انقضاء ذلك الشهر.
قال: وإن كانت ممن لا تحيض؛ لصغر أو إياس اعتدت بثلاثة أشهر؛ لقوله – تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية [الطلاق: 4]، ومعنى قوله: ﴿إِنْ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: لم تعرفوا ما تعتد به التي أيست من ذوات الأقراء؛ فدل على ما ذكرناه عن أبي في أول الباب.
وحكم من بلغت بالسن ولم تحض حكم من ذكرناه؛ لعموم الآية.
ولو ولدت المرأة، ولم تر حيضاً قبل الولادة ولا نفاساً بعدها فتعتد بالشهور؛ لظاهر الآية، أو هي كمن انقطع دمها بلا سبب ظاهر؛ لأن الحمل لا يكون إلا لذوات الأقراء؟ فيه وجهان، والأول اختيار الشيخ أبي حامد.
ثم الأشهر تعتبر بالأهلة أو بالعدد؟ ينظر: إن انطبق آخر الطلاق على آخر شهر- إما بالتعليق أو اتفاقاً- اعتبرت بالأهلة، وإن وقع الطلاق في أثناء شهر اعتبر الأول بالعدد- وأوله بعد الطلاق- والشهران الباقيان بالأهلة.
وذهب أبو عبد الرحمن محمد ابن بنت الشافعي إلى أنا نعتبر الأشهر الثلاثة بالعدد والحالة هذه.
وقد ذكرت في باب السلم عن الإمام وغيره كلاماً فيما إذا وقع العقد في آخر

لحظة من الشهر، وجاء بعده شهران ناقصان ومثله يجيء هنا.
قال: فإن انقطع دمها لغير عارض، أي: معروف، وهي ممن تحيض- ففيه قولان أحدهما، أي وهو الجديد: تقعد إلى الإياس إن لم يعاودها الحيض، ثم تعتد بالشهور- أي: ولا تعتد بها قبل ذلك- لأن الله تعالى لم يجعل الاعتداد بالشهور إلا للتي لم تحض وللآيسة، وهذه ليست بواحدة منهما.
ولأنها مطلقة ترجو عود الدم؛ فلم تعتد بالشهور، قبل [تبين الإياس] كما لو انقطع لعارض معروف من مرض أو رضاع.
وقد استفتي عثمان وعنده علي وزيد- رضي الله عنهم- في امرأة حبان بن منقذ، وكان قد طلقها طلقة واحدة، وكانت لها منه بنية صغيرة ترضعها؛ فتباعد حيضها، وأقامت تسعة عشر شهراً لا تحيض- أترثه إذا مات؟ فقال لعلي وزيد: ما تريان؟ فقالا: نرى أنها إن [ماتت ورثها، وإن] مات ورثته؛ لأنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض، ولا من اللائي لم يحضن، وانتزع حبان البنت منها؛ فعاد إليها اللبن؛ فحاضت حيضتين، ومات حبان قبل انقضاء الثالثة، فورثها عثمان، رضي الله عنه.
قال: وفي الإياس قولان: أحدهما: إياس أقاربها، أي: من أحد الأبوين، كما نص عليه في "الأم"؛ لتقاربهن في الطبع والخلق والخلق ونزوع بعضهن إلى بعض.
وقيل: الاعتبار بنساء العصبات؛ كمهر المثل، وهو بعيد.
وعلى الأول: لو اختلفت عادة أقاربها اعتبرنا أقل عادة امرأة منهن، وقيل: تعتبر أكثرهن عادة.
وهذا القول إيراد صاحب "التهذيب" يقتضي ترجيحه.
قال: والثاني: إياس جميع النساء [أي: أقصى إياس جميع النساء]؛ لأنه لا يتحقق الإياس فيما دون ذلك.

قال الإمام: ولا يمكن طوف العالم والتفحص، وإنما المراد ما يبلغ خبره ويعرف.
وقيل: المعتبر سن اليأس غالباً، ولا نظر إلى الأقصى؛ كما يعتبر في المستحاضة [و] المبتدأة الرد إلى الغالب في قول.
وعلى كلا الوجهين: هل المعتبر نساء زمانها أو نساء أي زمان كان؟ الذي رأيته في "الإبانة" الأول، وكذلك في "تعليق" القاضي الحسين و"التتمة"، وغيرهم لم يتعرض لذلك.
واعلم أن القول باعتبار إياس جميع النساء هو الراجح على ما يقتضيه إيراد أكثرهم، خلا صاحب "التهذيب" كما حكيناه عنه، وقد حكى الروياني في "جمع الجوامع"، أن أبا إسحاق قال: لعله أصح القولين.
وقد اختلف أئمتنا في سنه – تفريعاً على هذا القول- على ستة مذاهب: أشهرها: أنه اثنتان وستون سنة.
وقيل: ستون سنة، وهو ما ذهب إليه ابن القاص والشيخ أبو حامد، ويعضده ما رواه ثابت [بن] قرة الحراني في كتاب "الذخيرة في الطب": أن أقل سن [الإياس] وانقطاع الحيض خمس وثلاثون سنة، وأكثره ستون سنة.
وقيل: خمسون سنة، وينسب هذا إلى رواية أبي الحسين بن خيران في "اللطيف".
وذكر أبو الفرج السرخسي: أن المرأة إنما تبلغ سن الإياس إذا جاوزت سبعين سنة، وحكى أن امرأة حاضت لسبعين سنة.
ويقرب منه ما حكاه الماوردي: أن امرأة من بني تميم [ذات] خفر وخشوع أخبرته بجامع البصرة أن الدم عاودها بعد الإياس كما كان يعتادها في زمان الشباب منذ سنة، وكان سنها نحو سبعين سنة.
وفي "الجيلي" حكاية وجه: أنه خمس وثمانون سنة.
وفي "البيان": أن بعضهم قال: إن غير العربية لا تحيض بعد خمسين سنة، والعربية تحيض بعدها، ولا تحيض بعد ستين سنة إلا قرشية.

قال الماوردي: وهذا قول لا يتحقق.
ووراء ما ذكرناه في اعتبار سن الإياس وجه آخر: أن المرجع فيه إلى سن نساء البلد الذي هي فيه؛ لأن للأهوية تأثيراً في الأمزجة؛ فعلى هذا: لو اختلفت عادة أهل البلد فما المعتبر؟ الذي رواه الإمام عن حكاية بعض المصنفين: أنا نعتبر أقصى عادة امرأة منهن.
قال: والقول الثاني- أي في أصل المسألة-: أنها تقعد إلى أن تعلم براءة الرحم، ثم تعتد بالشهور؛ لأن الصغيرة لما عرفت براءة رحمها، وتعذر في حقها الرجوع إلى الأقراء في الحال- اعتدت بالشهور؛ كذلك هذه إذا مضت عليها مدة تعرف براءة الرحم، وجب أن تعتد بالشهور؛ احتياطاً كالصغيرة.
ولأن في الزيادة على ذلك حصول ضرر عظيم؛ فلم يكلف به؛ لقوله- تعليه السلام-: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسْلَامِ"، ووجه الضرار: أما بها؛ فلأنها [تبقى لا أيما ولا ذات زوج في قعر البيت، وإذا بلغت سن اليأس لا يرغب فيها.
وأما بالزوج؛ فلأنه] تبقى نفقتها عليه إن كانت رجعية، وسكناها بكل حال ونحن نفسخ النكاح بدون هذه الضرورة الظاهرة، وهذا هو القول القديم.
قال: وفي قدر ذلك، أي في قدر ما يحصل به العلم ببراءة الرحم قبل الاعتداد بالأشهر قولان: أحدهما: تسعة أشهر؛ لأن الحمل لا يكون في البطن أكثر من ذلك- غالباً- والمرأة تنقضي عدتها بثلاثة أشهر- غالباً- فأخذنا بما هو الظاهر والغالب.
واستدل له الشافعي في القديم بأن أمير المؤمنين عمر- رضي الله عنه- قضى به بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكر عليه أحد، فكيف يجوز لنا أن نخالفه؟ قال: والثاني: أربع سنين؛ لأنه لو جاز الاقتصار على براءة الرحم في الظاهر

لجاز الاقتصار على حيضة واحدة؛ لأنه يعلم بها براءة الرحم في الظاهر؛ فوجب أن نعتبر أكثر مدة الحمل لنعلم براءة الرحم بيقين.
وفي المسألة قول آخر مخرج من القديم- على ما حكاه أبو الفرج [الزاز-: أن] مدة التربص قبل الاعتداد بالأشهر أقل مدة الحمل، وهي ستة أشهر؛ لأنه تظهر أمارات الحمل في هذه المدة وإن لم تلد، وإذا لم تظهر اعتدت بالأشهر.
ثم على الأقوال كلها: لو كان انقطاع دمها بعد مضي قرء من العدة، لم تعتد به من المدة، والصحيح من القولين في أصل المسألة: الأول.
وفي "جمع الجوامع" للقاضي الروياني وغيره: أن بعض الأصحاب حكى أنه رجع عما قاله في القديم صريحاً.
وأجيب عن أثر عمر: بأنه محمول على امرأة بقي بينها وبين [سن الإياس] تسعة أشهر.
وعن حصول الضرر: بأن امرأة المفقود تتضرر أكثر ما تتضرره هذه، وقد كلفت الصبر حتى [يأتيها بيقين] طلاقه أو وفاته؛ كذا قاله القاضي الحسين.
ويمكن أن يفرق بينهما بأمرين: أحدهما: أن الضرر هاهنا شامل للزوجين من غير تقصير من أحدهما، وفي المفقود الضرر خاص بالزوجة أو بهما، لكن الضرر اللاحق بالزوج من تقصيره، ولا يلزم من اعتقاد ضرر واحد اعتقاد ضررين.
الثاني: أن المفقود في كل وقت يمكن حضوره، وأطماع المرأة تمتد إليه؛ فلا يلحقها كبير ضرر، وهاهنا أطماعها منقطعة؛ فالضرر أشد، ويشهد لذلك ما ذكر في الإيلاء.
تنبيه: قول الشيخ: "إنها تقعد إلى أن تعلم براءة الرحم"، جار على حقيقته إذا قلنا: إنها تصبر أربع سنين، أما إذا قلنا: تسعة أشهر، فيكون قد أطلق "العلم" وأراد به "الظن"، وذلك جائز من طريق المجاز؛ قال الله تعالى-: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: 10] أطلق "العلم" وأراد به "الظن".

فرعان: أحدهما: إذا رأت الحيض في أثناء مدة التربص انتقلت إليه، فلو انقطع ولم يعد استأنفت مدة التربص؛ لتعتد بالشهود.
وفي "التتمة": أنها لا تحتاج إلى استئنافها؛ لأنا على هذا القول لا نعتبر الإياس، وإنما نعتبر ظهور براءة الرحم، وقد ظهرت البراءة، ورؤية الدم تؤكد ظن البراءة، والمشهور الأول.
ولو رأت الحيض في أثناء الأشهر انتقلت إليه، فلو انقطع ولم يعد استأنفت مدة التربص والأشهر عند العراقيين، وفي طريقة المراوزة حكاية وجه: أنها تبنى على ما مضى من الأشهر.
ولو رأته بعد انقضاء الشهر، وقبل أن تنكح، ولم تعتد- فوجهان: أحدهما: أنها لا يلزمها شيء والثاني: أنها تستأنف مدة التربص والأشهر.
وهذا ما حكاه في "الزوائد" المنصوص.
ولو رأته بعد ما تزوجت فلا أثر لذلك.
قال الرافعي: ويخرج مما في "أمالي" أبي الفرج السرخسي وجه: أنه يتبين بطلان النكاح؛ لأنها إذا حاضت تبين أنها لم تكن من ذوات الشهور.
قلت: وهو قريب مما سنذكره عن القاضي الحسين في الفرع بعده.
[الفرع] الثاني: الآيسة إذا رأت الحيض بعد سن الإياس فالحكم على ما ذكرناه، غير أنه لا يجيء فيه ما حكيناه عن المتولي، والوجه الذي حكيناه عن المراوزة- على ما قاله القاضي الحسين- وفرق بين الصورتين بأن هناك مضت قبل الأشهر مدة تدل على براءة الرحم بعد انقطاع الدم.
وحكي أيضاً [في] أنها إذا رأت الدم بعدما نكحت خلافاً مرتباً على الخلاف فيما إذا رأت الدم بعد انقضاء الشهور وقبل النكاح، وهاهنا أولى بألا يبطل، وقرب الأصحاب هذا الخلاف من الخلاف في المعضوب إذا استأجر من يحج عنه، فحج، ثم برئ؛ فإن في إجزائه خلافاً مذكوراً في موضعه.

قال: وإن اعتدت الصغيرة بالشهور فحاضت في أثنائها، انتقلت إلى الأطهار؛ لأنها قدرت على الأصل قبل الفراغ من البدل؛ فانتقلت إليه؛ كالمتيمم إذا وجد الماء في خلال التيمم.
ولأن الله- تعالى- جعل لها الاعتداد بالأشهر إذا كانت من اللائي لم يحضن، ولم تكن كذلك في جميع الأشهر؛ فلم تنقض عدتها بالأشهر، وذلك إجماع، قاله ابن الصباغ.
قال: ويحتسب بما مضى طهراً؛ لأنه انتقال من [طهر إلى حيض]؛ فأشبه ما إذا طلقها وهي طاهر ثم حاضت، وهذا قول ابن سريج.
قال: وقيل: لا يحتسب؛ لأنه طهر لم يتصل أحد طرفيه بحيض؛ فلم يعتد به قرءاً؛ كما لو لم يتصل الطرف الأخير به عند الإياس، ولأنها لو اعتدت بقرء، ثم طرأ عليها الإياس- لم يحتسب بزمان القرء شهراً، وتستقبل الأشهر، كي لا تكون عدة من جنسين، كذلك حيض الصغيرة لا يوجب احتساب ما مضى من الشهور قرءاً؛ كي لا تجمع في عدة واحدة بين جنسين.
وهذا هو ظاهر النص في "المختصر"؛ لأنه قال: واستأنفت الأقراء.
وإليه ذهب أبو سعيد الإصطخري وأبو إسحاق.
قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه، والآيسة لم يمنع من احتساب زمن قرئها من الأشهر ما ذكرتم، وإنما منع منه كونها تجعل الأصل بدلاً عن الفرع؛ فإن الأصل هو الأقراء، والأشهر بدل عنها، وهذا المعنى مفقود هاهنا.
وبنى المراوزة هذا الخلاف على الخلاف في حد القرء: هل هو الانتقال من الطهر إلى الحيض، أو هو الطهر المحتوش بدمين؟ ومقتضى هذا البناء أن يكون الصحيح القول الثاني، كما هو ظاهر النص.
فرع: لو اعتدت الصغيرة بالشهور، ثم حاضت بعد فراغها- لم يجب الانتقال إلى الأقراء؛ لأنه لو وجب لم يحصل الاعتداد بالأشهر في حقها؛ لأن الغالب في كل صغيرة الانتهاء إلى الأقراء، وبهذا فارقت [الآيسة] إذا رأت

الحيض بعد الاعتداد بالأشهر على رأي حيث قلنا: إنها تستأنف العدة؛ لندور ذلك.
قال: وإن كانت أمة- فإن كانت حاملاً فعدتها بالحمل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4]، ولقوله- عليه السلام-: "عِدَّةُ كُلِّ ذَاتِ حَمْلٍ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا"، ولأن الحمل لا يتبعض؛ فكان كالقطع في السرقة.
قال: وإن كانت من ذوات الأقراء اعتدت بقرأين؛ لأن الآية وإن وردت في الطلاق عامة فقد خصصتها السنة؛ روى عطية عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تَطْلِيقُ الْعَبْدِ بِطَلْقَتَيْنِ، وتَعْتَدُّ الأَمَةُ حَيضَتَينِ".

وذكر الحيض؛ لأنه لا يعرف استكمال الطهر إلا به.
وروى مظاهر بن أسلم عن القاسم بن محمد، عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "طَلَاقُ الأَمَةِ طَلْقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ".
قال الماوردي: وحديث ابن عمر أثبت؛ لأن في مظاهر التواء.
ولأن الأمة على النصف من الحرة في القسم والحد؛ فكذلك هاهنا، إلا أنه لا يمكن أن يجعل قرءاً ونصفاً؛ فكمل النصف قرءاً؛ كما كملنا طلاق العبد كذلك.
ولأن الاستبراء موضوع فيما يجري بحسب التفاضل في المستبرأة؛ ألا ترى أن الأمة في الملك تستبرأ بحيضة واحدة؛ لنقصانها بالرق، وعدم العقد؟ واستبراء الحرة بثلاثة أقراء؛ لكمالها بالحرية والعقد؟ ونكاح الأمة منزل بينهما؛ لأنها قد ساوت الحرة في العقد وساوت الأمة في الرق؟ فوجب أن تكون بين منزلتيهما.
قال: وإن كانت من ذوات الشهور- أي: كما ذكرنا- ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: ثلاثة أشهر؛ لعموم قوله- تعالى-: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4]، ولأنه أقل زمان يظهر فيه استبراء الرحم؛ قال- عليه السلام-: "يَكُونُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِيْنَ يَوْماً نُطْفَةً، ثُمَّ أَرْبَعِينَ يَوْماً عَلَقَةً، ثُمَّ أَرْبَعِينَ يَوْماً مُضْغَةً"، [وهو في حال المضغة] يتخلق ويتصور وتظهر أماراته في الحركة وغلظ الجوف، وذلك عند انقضاء الشهر الثالث.
وهذا القول هو الصحيح عند المحاملي، واختاره الروياني، وقال القاضي الحسين: ربما يخرج من أحد قولي الشافعي في المستولدة إذا عتقت: أنها تعتد بثلاثة أشهر، وعلى ذلك جرى الإمام وصاحب "التهذيب" تصريحاً بالتخريج.

قال: والثاني: شهران، بدلاً عن قرأين؛ كما كانت الأشهر الثلاثة في حق الحرة بدلاً عن ثلاثة أقراء وقد روي عن عمر أنه قال: "تعتد الأمة بحيضتين؛ فإن لم تحض فبشهرين، أو شهر ونصف"، فمنهم من قال: هو شك من الراوي، ومنهم من قال: هو ترديد قول من عمر، وهو ظاهر الرواية.
قال الإمام وغيره: وهو شاهد بين في أن ترديد القول ليس بدعاً.
قال: والثالث: شهر ونصف؛ ليجري ذلك على الصحة؛ كالعدة من الموت، وهذا هو الأقيس عند الماوردي والروياني، وظاهر المذهب على ما حكاه الروياني، وقال: إن عليه جمهور أهل خراسان من أصحابنا.
وحكم المكاتبة وأم الولد فيما ذكرناه حكم القنة، وكذا من بعضها حر وبعضها رقيق، والله أعلم.
قال: وإن أعتقت في أثناء العدة، أي: وكان الزوج حراً أو عبداً، ولم يفسخ النكاح: فإن كانت رجعية أتمت عدة حرة، وهذا هو الجديد، وأحد قولي القديم، ومقابله: أنها تتم عدة أمة.
وإن كانت بائنة ففيه قولان، أي: مذكوران في الجديد- والمذكور منهما في القديم: أنها تتم عدة أمة.
وقد تحصل من مجموعهما ثلاثة أقوال: أحدها- وهو اختيار المزني، والأصح عند المحاملي وصاحب "الحلية"، وغيرهما-: أنها تتم عدة حرة؛ لأن ما اختلفت به العدة، المعتبر فيه [الانتهاء دون الابتداء؛ كالشهور والأقراء، ولأن الاحتياط للعدة] أولى من الاحتياط للمعتدة المستريبة.
الثاني: أنها تعتد عدة الإماء؛ لأن الاستبراء في الرق لا يتغير بحدوث

العتق؛ كأم الولد؛ فكذلك هنا.
ولأن ما يتبعض المعتبر فيه حال الوجوب؛ بدليل الحدوث.
الثالث- وهو الأصح عند القاضي الحسين، والبغوي وجماعة-: أنها تتم عدة حرة في الطلاق الرجعي، وعدة أمة في الطلاق البائن؛ لأن البائن كالأجنبية، لقطع الميراث، وسقوط النفقة؛ والرجعية كالزوجة، لاستحقاق التوارث، ووجوب النفقة؛ فافترقتا في العدة لافتراقهما في الزوجية، ولأن الرجعية لما انتقلت من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة، ولم تنتقل إليها البائن- وجب أن تنتقل الرجعية من عدة الإماء إلى عدة الحرائر، ولا تنتقل إليها البائن.
أما إذا [اختارت الفسخ، فهذا ينبني على أنها هل تبني على العدة أو تستأنف؟ وفيه وجهان، وعن أبي إسحاق القطع بأنها تبني.
ويجري الخلاف فيما إذا] أخرت الفسخ حتى راجعها الزوج، ثم فسخت قبل الدخول، قال في "التتمة": والمذهب: أنها تستأنف؛ لأنها فسخت وهي زوجة، وهذا ما حكاه البندنيجي طريقة قاطعة، ووجهها بأن الفسخ من غير جنس الطلاق.
وهو جار في المسألة الأولى، وسنذكره من بعد.
فإن قلنا: تستأنف، فتستأنف عدة الحرائر، وإن قلنا: تبني، فتكمل عدة الحرائر، أو تقتصر على عدة الإماء؟ فيه الخلاف السابق، وعن أبي إسحاق القطع بأنها تكمل عدة الحرائر.
واعلم أن الذي يوجد في النسخ: "وإن كانت بائنة"، كما ذكرناه، وهو المضبوط عن نسخة المصنف، وهي لغة، والأفصح بائن.
فرع: لو حصل العتق والطلاق معاً، اعتدت عدة الحرائر وجهاً واحداً، وذلك يتصور بأن يعلق السيد عتقها والزوج طلاقها على شيء واحد، وبأن يقول

الزوج: إذا عتقت فأنت طالق، بأن يقول السيد: إذا طلقت فأنت حرة، كذا قاله الموردي.
قلت: وفي المثالين الأخيرين نظر إذا فرعنا على أن المعلق يترتب في الوقوع على وجود الصفة؛ كما اقتضاه تفريع الشيخ أبي حامد فيما حكيناه من قبل؛ لأنه يلزم تقدم الطلاق على العتق؛ [والعتق على الطلاق، وإذا كان كذلك يظهر أن يكون الحكم فيما إذا تقدم الطلاق على العتق] كما تقدم، والله أعلم.
قال: ومن وطئت بشبهة- أي: شبهة نكاح – وجب عليها عدة المطلقة، أي: فإن كانت حرة وظنها الواطئ زوجته الحرة اعتدت بثلاثة أقراء، وإن كانت أمة فظنها الواطئ زوجته الأمة اعتدت بقرأين؛ لأن الوطء بالشبهة كالوطء في النكاح الصحيح بالنسبة إلى النسب؛ فكان مثله في إيجاب العدة، وفيه وجه: أنه إذا وطئ الأمة ظاناً [أنها زوجته الأمة لا يلزمها إلا قرء واحد؛ نظراً إلى حالها، حكاه المتولي والماوردي، ولو وطئ حرة ظاناً أنها زوجته الأمة أو أمة ظاناً] أنها زوجته الحرة، فهل تعتد كل واحدة منهما بقرأين أو بثلاثة أقراء؟ فيه وجهان وفي "التتمة" و"الحاوي" حكاية وجه ثالث في الأخيرة: أنها تعتد بقرء واحد.
[أما لو كانت الشبهة شبهة ملك يمين بأن وطئ حرة أو أمة ظاناً أنها أمته- ففي "التتمة" في الصورة الثانية: يلزمها أن تعتد بقرء واحد]، وفي الأولى وجهان: أحدهما: تعتد بثلاثة أقراء، وهو ما قطع به قاطعون.
والثاني: تعتد بقرء واحد.
وحاصل ما ذكره المتولي في المسائل كلها من الخلاف يرجع إلى أن الاعتبار بحالها أو بظنه، والله أعلم.

فرع: المعتدة عن وطء الشبهة إذا أراد الواطئ نكاحها في عدته جاز.
وحكى الجيلي عن بعض أصحابنا: أنه لا يجوز.
وهو موافق لما سنذكره من مذهب المزني في المختلعة.
قال: ومن مات زوجها وهي حامل، اعتدت بوضع الحمل، أي حرة كانت أو أمة؛ لما روى سعيد بن المسيب عن أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله، هذه الآية مشتركة؟ قال: "أي آية"؟ قلت ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] المطلقة والمتوفى عنها زوجها؟ قال: "نعم" وقد روى الشافعي: أن سبيعة الأسلمية وضعت حملها بعد قتل زوجها بنحو من نصف شهر؛ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَدْ حَلَلْتِ؛ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ".
قيل: وكانت هذه القصة بعد حجة الوداع التي لم يعش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها إلا شهوراً، على ما رواه الماوردي.
ولفظ مسلم في حديث سبيعة: "أَنَّهَا وَلَدَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ"، وقال البخاري: "بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً".
ثم المعتبر في انفصال الحمل وصفته ما ذكرناه من قبل.
قال: وإن كانت حائلاً، أو حاملاً بحمل لا يجوز أن يكون منه، أي: بأن يكون الزوج عمره دون عشر سنين، ومن في معناه على النعت المذكور في باب ما يلحق من النسب.
قال: اعتدت بأربعة أشهر وعشر، أي: إذا كانت حرة؛ لعموم قوله- تعالى-:

﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: 234]، ولا يرد علينا ما إذا كانت حاملاً بحمل يجوز أن يكون منه؛ لأن ذلك خرج بدليل؛ فبقينا فيما عداه على مقتضى الدليل الأول.
وقد استدل الشيخ في "المهذب" على عدة الحائل بالأربعة أشهر والعشر بالآية، وعلى عدة الحامل بحمل لا يجوز أن يكون من المتوفى: بأنه حمل لا يجوز أن يكون منه [فلم تعتد] به؛ كامرأة الكبير إذا طلقها، وأتت بولد لدون ستة أشهر من حين العقد.
وما قاله فيه نظر من حيث إن المنقول عن أصحاب أبي حنيفة- على ما حكاه الإمام والقاضي الحسين-: أن العدة تنقضي عندهم في الصورة المقيس عليها بوضع الحمل، وأبو حنيفة هو المخالف في انقضاء عدة الوفاة به؛ فكيف يحسن القياس عليه؟ نعم، حكى الماوردي عنه: أنه وافقنا على أن الحمل لو ظهر بعد وفاة الصبي لا تعتد به عنه، بخلاف ما إذا ظهر قبل وفاته، فنقول: ولد لا يمكن أن يكون منه؛ فلم يقع الاعتداد به؛ كما لو ظهر بعد موته.
واعلم أن إطلاق الشيخ القول بأن الحائل تعتد بأربعة أشهر وعشر، يعرفك أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون من ذوات الأشهر أو من ذوات الأقراء، ولا بين أن تكون الوفاة بعد الدخول أو قبله؛ كما دل عليه إطلاق الآية، مع العلم بأن حال الزوجات في ذلك مختلف، وعدم التفصيل بين المدخول بها وغيرها، بخلاف الطلاق؛ فإن الله -تعالى- فصل فيه بين أن تكون المطلقة مدخولاً بها أو غير مدخول بها، ولا يمكن إلحاق عدة الوفاة بعدة الطلاق؛ لأمور: منها: أن عدة الوفاة لو شرط فيها الدخول لم يؤمن أن تنكره؛ حرصاً على الأزواج مع عدم المنازع، وفي الطلاق صاحب الحق ينازع؛ فلا تتجاسر على الإنكار.
ومنها: أن فرقة الموت لا اختيار فيها؛ فأمرت بالتفجع وإظهار الحزن لفراق

الزوج؛ ولذلك وجب فيه الإحداد، وفرقة الطلاق تتعلق باختيار المطلق؛ فلم يكن عليها إظهار التفجع والحزن.
ومنها: أن المقصود الأعظم في عدة الطلاق: تعرف براءة الرحم؛ فلذلك اعتبرت الأقراء، وفي عدة الوفاة المقصود الأعظم: حق الزوج ورعاية حرمة النكاح؛ ولذلك اعتدت بالشهور التي لا تقوى دلالتها على البراءة، وأبدى القاضي الحسين في ذلك معنى آخر، وهو: أن الشرع جعل الموت في تقدير المهر بمنزلة الدخول؛ لكون النكاح يقصد به الدوام مدة العمر، والوطء في الحياة يدل عليه تقرر المهر بكل واحد منهما من الوطء أو الموت؛ فإذا مات قبل الدخول فقد اتصل بالمقصود لما استغرق مدة العمر، واستعقب الأثر وهو العدة، وإذا طلقها قبل الدخول لم يفض إلى مقصود ما؛ فلم يعقب أثراً، نظيره: لما دخل بها ثم طلقها، لما اتصل بالمقصود أعقب الأثر.
تنبيه: المراد بالعشر في الآية، وفي الكتاب: عشر ليال بأيامها، وغلب التأنيث؛ من حيث إنه لم يأت فيها بالهاء الدالة على التذكير؛ لأن العرب تغلب التأنيث في اسم العدد إذا أرادت الليالي والأيام؛ فتقول: سرت عشراً، وهي تريد الليالي والأيام، وقد نطق الشافعي بمثل ذلك في أشهر الحج؛ حيث قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وتسع من ذي الحجة وليلة.
[تنبيه] آخر: الحامل بحمل لا يجوز أن يكون منه متى يعتبر ابتداء المدة في حقها؟ ينظر: إن كان الحمل من وطء شبهة أو نكاح فاسد، اعتبرت من حين الوضع وإن كان من زنى، اعتبرت أربعة من حين الوفاة كالحائل.
ثم ينظر: إن كانت الوفاة مع آخر جزء من شهر، اعتبرنا أربعة أشهر بالأهلة، وعشرة أيام بعدها.
وإن كانت في أثناء الشهر: فإن كان قد بقي منه عشرة أيام بلياليها لا غير، اعتبرنا بعد العشر أربعة أشهر بالأهلة أيضاً، وكذلك إن كان قد بقي من الشهر أقل من عشرة أيام اعتبرنا بعده أربعة أشهر بالأهلة، ثم تكمل العشر من الشهر السادس.
فإن كان الباقي من شهر الوفاة أكثر من العشر، اعتبرنا بعده ثلاثة أشهر بالأهلة، ثم تكمل الشهر الرابع من الخامس، وتلي ذلك بالعشر، هكذا قاله

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل