كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 235-274
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنايات

صفحات 235-274
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

حالة الكفر، فتعين إيجابها في ماله، صيانة للحق عن الضياع.
وأما في الثانية، فلأنه لا يمكن إيجابها على عاقلته المسلمين؛ لوقوع القتل في الكفر، ولا على عاقلته الكفار؛ لأنه لا عاقلة له منهم كما ذكرناه؛ فتعين إيجابها في ماله، وهذا مأخذه القاعدة التي ذكرتها عن القاضي الحسين في باب من لا تجب عليه الدية بالجناية.
وهكذا الحكم على ما لاقه القاضي الحسين فيما إذا رمى من أبوه رقيق وأمه معتقة سهما، فقيل أن يصيب السهم عتق أبوه، ثم أصاب سهمه إنساناً – تجب الدية في ماله؛ لأنه لا يمكننا أن نوجبها على موالي أمه؛ لأن الولاء انجر [بعتق الأب] إلى موالي الأب؛ فالإًابة حصلت، ولا ولاء لم عليه، ولا على موالي الأب؛ لأن السبب وجدن ولا ولاء لهم عليه.
وقد ذكرنا ثم أن الرامي وهو مسلم، إذا ارتد، ثم عاد إلى الإسلام قبل الإصابة: أن العاقلة لا تحمل عنه على المذهب، وعلى قول: تجب على عاقلته المسلمين.
ولو كان الكافر قد قطع يد إنسان، ثم أسلم، ومات المقطوع – قال الماوردي والمصنف: تحمل ديته الكاملة عاقلته الكفار، دون المسلمين؛ لحدوث الجناية في الكفر وإن استقرت بعد إسلامه؛ ولذلك لم يسقط عنه القود إسلامه، بخلاف إرسال السهم، لأن هاهنا وجدت الجناية مع القطع، وثَّم حدثت بعد إرسال السهم.
قال الماوردي: وهكذا الحكم لو كان القاطع مسلما، فارتد عن الإسلام، ومات المقطوع – عقله عنه عصباته المسلمون.
وهذا ما حكاه الرافعي في الصورة الأولى وجهاً.
وحكى عن ابن الحداد أن الواجب على العاقلة نصف الدية، والباقي في ماله، وأن أكثر الأصحاب [ساعدوه.
وبهذا أجاب القاضي الحسين في باب صفة العمد، واختاره صاحب "المرشد"، وهو مطرد عند ابن الحداد والأصحاب] في حر أمه معتقة وأبوه رقيق جرح إنساناً، ثم أعتق أبوه، ثم مات المجني عليه: أنه يجب على موالي الأم مقدار أرش الجناية، والباقي يجب على الجاني؛ لأنه لا يمكن إيجابه على

معتق [الأم؛ لأنه خرج بإعتاق الأب عن استحقاق الولاء، فلا يلزمه ما يجب بعد ذلك.
ولا يمك إيجابه على معتق] الأب؛ لأنه وجب بسراية جناية وجدت قبل انجرار الولاء إليه، فلا يلزمه تحمله.
ولا يمكن إيجابه في بيت المال؛ لأنه لا يحمل عن المعتق مع وجود معتقه؛ فتعين ضربه عليه.
وقد أبدى الإمام – في هذه الصورة – احتمالاً في الضرب على بيت المال؛ لأنه إذا تعذر الضرب على المعتق كان كمن لا معتق له، وهذا الاحتمال لا يجري في مسألتي الذمي والمرتد؛ لأن بيت المال لا يحمل عنهما.
ولا شك أن وجه ابن الحداد يجري في الصورة الثانية جزما؛ إذ لا فرق بين الصورتين.
وقد قال الرافعي: إن الخلاف في الصورة الألوى ربما بني على الخلاف فيما إذا جرح ذميّ ذميا، ثم أسلم الجارح، ومات المجروح: هل يقتص منه؟ إن قلنا: نعم، اعتباراً بحالة الجرح، فجميع الدية عليهم، وإن قلنا: لا يقتص، لم يلزمهم كمال الدية.
وهذا قضية القاعدة التي ذكرناها عن القاضي الحسين من قبل، ومقتضاه: أن يكون الراجح عند الجمهور ما ذكرناه عن الماوردي، وعند الإمام والمتولي: مقابله.
وقد اتفق الفريقان على أن الذمي لوقطع في حال كفره يدي المجني عليه أو رجليه: أن جميع الدية على عاقلته الذميين، وكذلك لو كانت جناية المعتقة أمه مباشرة أو بالسراية في حال رق أبيه، أرشها قدر الدية أو أكثر، تحملها عاقلة الأم، لأن الجراحة حين كان الولاء لهم، فوجب هذا القدر، والمعتبر: ألا يزيد قدر الواجب على المتحمل في حالة الجناية الحاصلة من بعد، وهذا يضعف البناء المذكور، لأن الخلاف في جريان القصاص جار هاهنا.
فروع: الفرع الأول: إذا جنى ذمي جناية خطأ على رجل ثم أسلم الجاني، ثم جنى جناية أخرى على المجني عليه أولاً خطأ، ومات من الجنايتين –كان على عاقلته من المسلمين نصف الدية، وعلى عاقلته من أهل الذمة أرش الجناية التي وجدت في حال الكفر، فإن كان أرشها أقل من نصف الدية وجب تمام النصف من

مال الجاني، بناء على أصل ابن الحداد، وقد صرح به في "الفروع".
ولو كانت الجراحة بعد الإسلام مذففة، فقد قال الشيخ أبو عليّ: إن أرش الجراحة الواقعة في الكفر على عاقلته الكفار، والباقي إلى تمام الدية على عاقلته المسلمين.
وفي "النهاية" و"البيان": أن هذا جواب على قول ابن سريج والإصطخري: أن أرش الطرف لا يدخل في دية النفس إذا حصل تلفها بالمباشرة دون السراية.
وفي "النهاية" و"البيان": أن هذا جواب على قول ابن سريج والإصطخري: أن أرش الطرف لا يدخل في دية النفس إذا حصل تلفها بالمباشرة دون السراية.
أما إذا قلنا: تدخل، كما تدخل إذا سرت الجراحة إلى النفس – وهو المذهب كما تقدم – فجميع الدية على عاقلته المسلمين، وهو كذلك في شرح الفروع للقاضي أبي الطيب.
[الفرع الثاني:] إذا جرحه وهو مسلم، ثم ارتد، ومضى عليه في الردة زمان يسري فيه الجرح، ثم عاد إلى الإسلام، ومات المجروح – فقولان: أحدهما: أن جميع الدية على عاقلته، اعتباراً بالطرفين.
والثاني: أن على عاقلته أرش الجراحة، وما زاد [على الأرش] إلى تمام الدية في مال الجاني.
وقال في "المهذب" عوض هذا: إنه يجب عليه نصف الدية، وعلى العاقلة نصف الدية، واختاره في "المرشد".
وجزم جازمون بوجوب الجميع على العاقلة إذا قصر زمان الردة المتخللة، وخصصوا القولين بما إذا طال زمانها.
قال في "التهذيب": ويجيء وجه: أن على العاقلة ثلثي الدية، لوجود الإسلام في الأول والأخير.
ولو كان الذمّي قد حفر [ئراً عدواناً]، ثم أسلم، فتردى فيها إنسان – تجب الدية في ماله، قاله القاضي الحسين في باب صفة العمد.
[الفرع الثالث:] إذا لم يتغيرحال الرامي [لكن تغير حال المرمى] إليه قبل الإصابة، بأن رمى إليه وهو حربي، أو مرتد، ثم أسلم، ووقع به السهم، وأوجبنا ديته – ففي تحملها على العاقلة وجهان، قدمت ذكرهما، والذي ذكره القاضي أبو الطيب منهما في شرح الفروع عند الكلام فيما إذا ضرب بطن حربية

حامل، فأسلمت، ثم وضعت: أنها على العاقلة، وحكاه عن نص الشافعي، وأن أصحابنا لم يختلفوا فيه.
وكلام ابن كج يقتضي الجزم بالوجوب على الجاني؛ لانه قال فيما إذا أصاب سهمه من أسلم، وكان مرتداً عند الرمي، ولم يقصد إلى رميه -: تكون الدية في ماله، لا على عاقلته؛ لأنهم يقولون: إنك لما أرسلت السهم، كان الرمي مهدراً لا يلزمنا شيء في قتله.
ومن يوجبها في ماله إذا لم يقصد الرمي إليه، فأولى أن يوجبها فيه إذا قصد.
وهما جاريان –كما ذكرنا – فيما إذا رمى إلى شخص ظنه حربيًّا في دار الشرك، فكان مسلماً.
ولو رمى إلى شخص ظنه شجرة، أو ظبية، فكان إنساناً، فالظاهر – وبه قطع الشيخ أبو محمد -: أنه على العاقلة؛ كما لو رمى إلى صيد، فعرض له في الطريق إنسان، فأصابه.
وقربه الإمام من مسألة الرمي إلى من ظنه حربيًّا.
تنبيه: عدول الشيخ عن قوله: "وجبت الدية في ذمته" كما ذكره في "المهذب"، إلى قوله: "وجبت في ماله" – كما قاله في "التهذيب" أيضاً – لنفي توهم تعلقها بمال المرتد، [بناء] على قولنا: إن الردة تزيل ملكه، ووجوب الدية وجد بعد زواله، كما صار إليه بعض الأصحاب، كما سنذكره في باب قتل المرتد، وإلا فهي متعلقة بذمته، مؤجلة في ثلاث سنين، وإذا مات أو قتل قبل انقضائها، سقط الأجل، وأخذت من ماله، صرح به البغوي وغيره.
ويأتي فيه الوجه الذي سنذكره فيما إذا أقر الجاني بجناية الخطأ، وكذبته العاقلة، ومات: أن الأجل لا يسقط، كما حكاه في "التهذيب".
قال: ويجب على الغني نصف دينار، لأن أقل ما يواسي به الغني في زكاته نصف دينار من عشرين ديناراً، فحمل الغني نصف دينار؛ لأن الزيادة عليه تئول إلى الإجحاف، ولا تقف على مقدار.
قال: وعلى المتوسط ربع دينار؛ لأنه إذا لزم الغني نصف دينار وجب أن

يقتصر من المقل على نصفه، كما أن نفقة المعسر نصف نفقة الموسر.
ولك في الاستدلال طريق آخر، فتقول: لا يمكن إيجاب قدر تافه على المتوسط؛ لأنه لو اقتصر عليه لجاز الاقتصار على القيراط والحبة، وذلك مما لا يفي بالدية؛ فيفوت المقصود، وينهدر الدم؛ فوجب اني جب عند القتل ما ليس بتافه، وحده ما يقطع به السارق؛ لقول عائشة – رضي الله عنها-: "لَمْ تَكُنِ الْيَدُ تُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الشَّيءِ التَّافِهِ"، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ".
وإذا لزم المقل ربع دينار، وجب أنا يضاعف في حق المكثر، فيلزمه نصف دينار، كما يلزم الموسر في النفقة مِثْلا نفقة المعسر.
قال: في كل سنة – أي من السنين الثلاثة- لأنه حق تعلق بالحول يجب على سبيل المواساة؛ فتكرر بتكرر الحول كالزكاة، وهذا أصح في "الرافعي"، وأظهر عند القاضي الحسين، وبه قال أكثر الأصحاب، كما قال الماوردي، واختاره في المرشد، فيكون –حينئذ – الواجب: على الغني في السنين الثلاثة دينار ونصف، وعلى المتوسط نصف وربع دينار.
قال: وقيل: لا يجب أكثر من النصف، أي على الغني، والربع، أي: على المتوسط، في الثلاث سنين؛ لأن الأصل عدم الضرب؛ فلا يخالف إلا في هذا القدر، وهذا يحكي عن ابن سريج، وابن القاص.
قال الماوردي: فعلى هذا يكون المأخوذ من المكثر، في كل سنة سدس دينار، ومن المقل نصف سدس دينار.
وفي "ابن يونس": أن المحاملي حكى أن ابن سريج قال: يؤخذ منه هذا القدر دفعة واحدة.
وفي "تعليق" البندنيجي: أن ابن سريج قال: الدينار ونصف لا ينقص عنه الغني، وكذلك المتوسط لا ينقص عن نصف وربع دينار، لكن يستوفي من

الغني [ذلك] في تسع سنين، في كل ثلاث سنين نصف دينار، ويستوفي من المتوسط ذلك في تسع سنين في كل ثلاث سنين ربع دينار.
قال الماوردي: ثم معلوم أن قيمة كل بعير من إبل الدية أكثر من نصف دينار، ولا يمكن أن يتجزأ، فينفرد كل واحد منهم بجزور قيمته نصف دينار؛ [يجب أن يشترك في أداء البعير الواحد العدد الذي يكون قسط الواحد من ثمنه نصف دينار] إن كان مكثراً، وربع دينار إن كان مقلاً، ولا يجوز أن يدفع كل واحد منهم جزءاً، كما قاله ابن الصباغ؛ لأن في لك إضراراً بالجميع.
واعلم أن هذا الكلام من الأصحاب لا يمكن جمعه، مع ما حكيناه عنهم في أوائل الديات: أن إبل العاقلة إذا اختلفت أنواعها، وجب على كل منهم من نوع إبله حتى لو اختلفت أنواع إبل الواحد منهم يؤخذ من أغلبها، أو من الجميع بالقسط، لأن الحيوان الواحد لا يمكن أن يكون من نوعين، فضلاً عن أكثر منهما، فتأمل ذلك.
وقول القاضي الحسين: إن للإمام [أن يضرب الدية عليهم بالإبل، فيضرب على جماعة بعيرا، فإن شق وتعذر فله] أن يضرب عليهم الدنانير، ثم لا يجبر ولي الدم على قبولها، بل له أن يكلف [الإمام] حتى يصرفها إلى الإبل – لا ينفي هذا السؤال.
نعم، هذا منتظم مع ما حكيناه عن رواية الإمام عن بعض الأصحاب: أن الاعتبار يغلب إبل البلد، والله أعلم.
ثم إذا أعوزت الإبل – عدلنا إلى الدنانير أو الدراهم، إما مقدرة بألف دينار، أو باثني عشر ألف درهم على قوله [في] القديم، أو بقيمة مائة بعير على قوله [في] الجديد، ويجيء [الإشكال] في أي نوع تقوَّم: فإن قلنا بالقديم، وكان من أهل الدراهم – تحمل المكثر منها ستة دراهم، والمقل ثلاثة [دراهم]؛ لأن الدينار منها مقابل لاثني عشر درهما.
وإن

كان من أهل الذهب، فعليهما ما ذكره الشيخ.
وإن قلنا بالجديد قومت بنقد البلد، فإن كان دراهمن قال الماوردي: ففيه وجهان محتملان: أحدهما: انه يتحمل المكثر منها ستة دراهم، والمقل ثلاثة دراهم، على ما ذكرنا؛ اعتباراً بقيمة الدينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والوجه الثاني: أنه لما عدل بالإبل إلى قيمة الوقت، وجب أن يعدل بالدنانير إلى قيمة الوقت، فيحمل المكثر من الدراهم قيمة نصف دينار بسعر وقته، والمقل قيمة ربع دينار؛ لأن الدينار في وقتنا أكثر قيمة منه في وقت الرسول، صلوات الله عليه وسلامه.
واعتبار القيمة يكون وقت الدفع؛ لأنه وقت وجوب القيمة، فلو وجدت الإبل، أو شيء منها قبل الدفع، فهو الواجب، ولو وجدت بعد الدفع، لا يرد ما أخذ، ويطالب بالإبل، صرح به الماوردي والبندنيجي والقاضي أبو الطيب وغيرهم.
ثم ما ذكرناه من إيجاب نصف دينار أو ربع دينار على الشخص الواحد، مفروض فيما إذا كان المخاطب بالأداء عصبات الجاني، أو معتقه إذا كان واحداً، أو عصبات معتقه المنفرد بعتقه.
فلو اشترك جماعة في عتقه وجب على كل منهم بقدر حصته من نصف دينار، إن كان مكثراًن أو [من] ربع دينار عن كان مقلاً.
ويجب على كل من عصبات [كل من] المعتقين قدر ما كان يجب على المعتق نفسه، بحسب السعة والضيق، صرح به القاضي الحسين والإمام.
ولو كان المخاطب بالأداء الجاني، لعدم العاقلة، أو عجز بيت المال، فالدية عليه مقسطة في ثلاث سنين، كما تقسط على بيت المال، لو كان موجوداً، صرح به الإمام وغيره من العراقيين في كتاب المرتد، وغيره.
وكذا إذا كانت

العاقلة موجودين، وفضل بعد التوزيع عليهم شيء، وعجز عنه بيت المال – يوزع الباقي على ثلاث سنين، صرح به الرافعي.
وحكى الإمام فيما إذا كان الجاني ذميا، ولا عاقلة له، وقلنا: يتحمل أبوه وابنه العقل معه –أن الأصحاب اختلفوا في المقدار المضروب.
فمنهم من قال: لا يزيد ما يضربه على نصف دينار، على قياس الضرب على العواقل.
ومنهم من قال: الدية مضروبة على القاتل وأبيه وابنه أثلاثاً؛ فإن هذا ليس على قياس الضرب على العواقل.
وهذا لا يتخيلن فضلا [عن] ان يعول عليه.
قلت: وقريب منه ما حكيناه عن [رواية] القاضي الحسين، فيما إذا كان الجاني خطأ عبدا – أن دية الخطأ إنما تجب مؤجلة إذا تحملها العواقل، لا غير.
قال: ويعتبر حاله في السعة والقلة عند الحلول، يعني: في الفقر والغنى والتوسط؛ لأنه حق مالي يتعلق بالحول على سبيل المواساة، فاعتبر حاله عند الحول؛ كالزكاة، فعلى هذا: لو كان موسراً أو متوسطاً في [أول الحول، ثم أعسر في آخره – لم يجب عليه من قسط ذلك الحول شيء.
ولو انعكس الحال [فكان] فقيراً في ابتداء الحول، مكثراً أو متوسطاً في] انتهائه – وجب عليه قسط ذلك الحول.
قال في "التتمة": وهذا بخلاف ما لو كان صبياً أو معتوهاً أو رققاً في أول الحول، ثم صار عند انتهائه بالغاً أو عاقلاً أو حرًّا – لا تؤخذ منه حصة تلك السنة.
والفرق: أن الفقير مستجمع لصفات الكمال؛ فهو من أهل النصرة، وإنما اعتبر المال؛ للتمكن من الأداء؛ فاعتبر آخر الحولن وهؤلاء ليسوا من أهل الكمال.
نعم، هل يلزمه قسط السنتين الباقيتين؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأن الواجب في الأحوال واحد؛ لان سببه واحد، إلا أنه مُنجَّم، فإذا لم يكن الشخص بصفة الكمال في الابتداء لم يدخل في التوزيع.

وحكى في "التهذيب" الوجهين في قسط السنة الأولى، وصحح المنع، وقاس مقابله على اليسار بعد الإعسار، وجزم بوجوبحصة الحول الثاني والثالث.
واعلم أن الأصحاب اختلفوا فيما يضبط به اليسار، والتوسط هاهنا: فالذي أورده في "التهذيب" أن الاعتبار بالعادة، وأن ذلك يختلف بالبلدان والأزمان، ورأى الإمام: الأقرب اعتبار ذلك بالزكاة؛ كما اعتبر قدر الواجب بالزكاة، فقال: إن كان يملك عشرين ديناراً في آخر الحول فهو غني، لكن يفارق ما تجب فيه الزكاة من وجهين: أحدهما: أنه لا يشترط أن يملك النقد، أو شيئاً من الأموال الزكاتية، بل إذا ملك ما يساوي هذا القدر من سائر الأموال، كان كما لو ملك هذه الأموال.
والثاني: يشترط أن يكون ما يملكه فاضلاً عن مسكنه وثيابه وسائر ما لا يكلف في الكفارة بيعه وصرفه إلى ثمن الرقبة، وهذا لا يشترط في الزكاة.
والمتوسط هو الذي يملك [أقل من] ذلك، لكنه يفضل عن حاجته، ويشترط أن يكون فوق القدر المأخوذ وهو ربع دينار؛ كي لا يرده أخذه منه إلى حد الفقر.
قال: فإن قسط عليهم، فبقي شيء، أخذ من بيت المال؛ لانه منزل على الميراث، وهذه رتبة المال في الميراث، فلو لم يكن في بيت المال شيء، فهل يجب على الجاني؟ فيه الخلاف السابق.
قال: وإن زاد عددهم على قدر الثلث، يعني: إذا كان في درجة واحدة أشخاص، بحيث إذا قسم الواجب في تلك السنة عليهم خص الغني دون النصف دينار، والمتوسط دون الربع دينار – ففيه قولان: أحدهما: يقسط عليهم، وينقص كل واحد عن النصف والربع؛ لأنه حق يُستحق بالتعصيب، فقسم قليله وكثره بين الجميع كالميراث، ولأنهم استووا في الدرجة والتعصيب؛ فوجب أن يستووا في الحمل؛ قياساً على ما إذا كان العقل وفقهم لا يزيد عليهم، وهذا هو الأصح والمختار في "المرشد".
والثاني: يقسط الإمام على من يرى منهم؛ لأن في تقسيط القليل على الجميع مشقة.

قال الماوردي: والأولى أن نفضها على من كان أسرع إجابة إليها.
وفي "الجيلي": أن خيرة التعيين هل تثبت للمجني عليه؟ فيه وجهان.
قال: ومن مات من العاقلة قبل محل النجم، سقط ما عليه –أي: من قسط ذلك النجم – كما لا تجب الزكاة عليه قبل الحول، وهذا بخلاف ما لو مات الذمي [في أثناء] الحول؛ فإنا نأخذ منه جزية ما مضى على طريقة تأتي، لأن الجزية بدل السكن، كالأجرة، أما قسط النجم الذي قبله، فلا يسقط بموته إذا كان موسراً في آخره؛ لأنه حق استقر في حال الحياة؛ فوجب ألا يسقط بالموت كالزكاة.
قال الإمام: وهذا يخرج منه أنا لا نحكم بأن الدية تجب مؤجلة على العاقلة، بل نقضي بأن ابتداء وجوبها في آخر السنة، وهذا فيه تعقيد؛ فإن الدية إن كانت واجبة فلتجب على العاقلة، ولتكن مؤجلة عليهم، فإن لم تكن واجبة فهذا يبعد عن قياس الصول؛ فإن موجب الدية القتل، وقد وقع؛ فكان الأصل لوجوب الدية على العاقلة، وهذا أصل بدع لا نظير له.
والأوجه أن يقول: وجبت الدية بالقتل وهي متأصلة، ولكنا لا نضيف وجوبها إلى العاقلة، فإن كانوا فقراء تبينّا أن وجوبها لم يتعلق بهم، ولكنَّ متعلقةٌ ببيت المال.
والدليل عليه: أنا لا نبتدئ بضرب مدة في حق بيت المال عند افتقار العاقلة في الجزء الأخير، وكذلك إذا لم يكن في بيت المال شيء – لا يبتدئ [الأجل

للأخذ] من القاتل على أحد القولين، والله أعلم.
فرع – نختم به الباب -: إذا أقر الجاني بجناية الخطأ أو شبه العمد، فإن صدقه العاقلة فعليهم، فإن لم يكن له عاقلة، وصدقه الإمام – فهي في بيت المال، كما حكاه البغوي عن شيخه.
وإن كذبه العاقلة والإمام في أصل القتل، لم يقبل إقراره عليهم، ولا على بيت المالن ولكن تحلف العاقلة على نفي العلم، فإذا حلفوا، كانت الدية على المقر؛ لأنه لا سبيل إلى التعطيلن وقد تعذر التحمل، ويروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ تَحْمِلُ العَاقِلَةُ عَمْداً وَلاَ اعْتِرَافاً".
قال الإمام: ولم يخرج الأصحاب الوجوب على المقر، على الخلاف [في] أنه يلاقي الجاني ابتداء وتتحمله العاقلة، [أو يلاقيها] ابتداء؟ ولا يبعد عن القياس أن يقال: إذا لم يلاقِ الوجوب الجاني لا يلزمه شيء؛ لأنه إنما أقر عليهم، لا على نفسه، لأن الخطأ يلزم [عليهم الدية]، فإذا لم يقبل عليهم، وجب ألا يقبل الوجوب، ولست أحمل ترك الأصحاب لهذا إلا على ظهوره عندهمن وطلبهم أن يفرعوا على القول الآخر، وهذا ما حكاه البغوي وغيره عن المزني، والمذهب المنقول الأول.
ثم أيده الإمام باتفاق الأصحاب على وجوب [الدية] على الذمي إذا لم يكن له عاقلة.
أما إذا اعترفت العاقلة بالقتل، وأنكرت كونه خطأ، وادعى هو ذلك – فيظهر أن يقال: إن القول قوله؛ لأنه أعرف بقصده إذا لم يكذبه الظاهر.
لكن قضية ما حكيناه عن الماوردي في باب ما تجب به الدية من الجنايات، [عند] الكلام فيما إذا رمى عشرة أنفس [حجراً] بالمنجنيق – يقتضي خلافه، فتأمل ذلك.
ثم الدية تتأجل على المقر بالجناية الخطأ أو عمد خطأ، كما تتأجل على العاقلة في ثلاث سنين، وهل يحل عليه الأجل إذا مات؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا، لأن الأجل يلازم دية الخطأ شرعاً، فلم يحل عليه بموته، كما لا يحل على العاقلة بموتها، [وهذا ما ادعى القاضي الحسين في أوائل باب الشهاة بالجناية: أنه المذهب.
وفرق بين ذلك، وبين الدين عليه حيث يحل بموته: بأن الأجل إنما يثبت باستمهاله لأجل التمهل، وبالموت خرج من أن يتمهل؛ فحل.
وأما الأجل في باب الدية فثبت بأصل الشرع؛ فلا يحل بموته؛ كما لا يحل على عاقلته].
وأصحهما في "التهذيب"، وبه جزم البندنيجي، والقاضي أبو الطيب في كتاب حكم المرتد -: الحلول.
قال في "التهذيب": لأن ذلك بعد موته يتعلق بالتركة، ولا أجل في الأعيان، بخلاف العاقلة؛ لأن الوجوب عليها من طريق المواساة؛ فسقط بموته قبل الأجل الوجوب على الجاني؛ نظراً للمستحق حتى لا يضيع حقه، فإذا مات من عليه، أخذ من تركته.
وما ذكره البغوي من علة الوجه الثاني يؤيد قول من قال: إن دية الخطأ تتعلق برقبة العبد حالَّة، وهذا ما تقدم مني الوعد به.
ولو مات الجاني – والحالة هذه – معسراً ففي "التهذيب": أنه يحتمل أن تؤخذ الدية من بيت المال كمن لا عاقلة له، ويحتمل ألا تؤخذ كما لو كان معسراً في حال الحياة.
ولو غرم، ثم اعترفت العاقلة – فإن قلنا: الوجوب يلاقي الجاني، فلا يرد الولي ما أخذ، ويرجع الجاني على العاقلة.
وإن قلنا: يلاقي العاقلة ابتداء، فتغريم الجاني كتغريم الغاصب البدل، عند إباق العبد من يده، فيرد إلى الجاني ما أخذ منه؛ كما يرد للغاصب ما بذله عند عود العبد، ويبتدئ الولي مطالبة العاقلة.
واعلم أن دعوى قتل الخطأ وشبه العمد، مسموعة على العاقلة، وكذا على الجاني ابتداء، حتى قال في "التهذيب": إذا ادعى عله، فنكل وحلف المدعي عليه- فإن جعلنا اليمين المردودة كإقرار المدعي عليه، وجبت الدية على المدعي عليه إن كذبت العاقلة المدعي.
وإن قلنا: إنها كالبينة، فالدية على العاقلة، وقيل: إنها على المدعي عليه؛ لأنها إن جعلت كالبينة فذاك في حق المتداعيين دون غيرهما، والله أعلم.

باب كفارة القتل

الكفارة مأخوذة من التكفير، وهو: الستر؛ فكأنها تغطي الذنب وتستره، وقد قدمت ذلك في باب كفارة اليمين.
والأصل في وجوبها بالقتل على الجملة قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية [النساء: 92].
والاستثناء هاهنا منقطع عند بعضهم؛ فيكون بمعنى: لكن، وعند بعضهم [تكون "إلا"]، بمعنى: ولا؛ فيكون كأنه تعالى قال: [﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً﴾: أن يقتل مؤمناً ولا خطأ؛ مثل قوله تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150]. قال البندنيجي: وهذا تأويل أبي عبيدة، وعند بعضهم: أن في الآية ضميراً محذوفاً، وتقديره]: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً، ومن قتل مؤمناً فهو آثم، إلاَّ أن يكون خطأ؛ فإنه لا يأثم.
وحذف ذلك؛ لأن في الآية ما يدل عليه.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا هو الصحيح.
ومعنى قوله تعالى: ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ أي: في قوم، كما قاله الشافعي - رضي الله عنه - وقد روي ذلك عن ابن عباس، رضي الله عنهما.
وما روى وائلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله صل الله عليه وسلم في صاحب لنا أوجب النار بالقتل.
وروى: استوجب النار بالقتل - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَعْتِقُوا عَنْهُ".
وفي رواية:

"فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً يُعْتِقِ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْواً مِنْهُ مِنَ النَّارِ".
قال: إذا قتل، أي: من هو من أهل الضمان، مكلفاً كان أو غير مكلف، من يحرم قتله لحق الله – عز وجل – أي: حرًّا كان أو عبداً، مسلماً كان أو ذميًّا أو معاهداً.
قال: عمداً [كان] أو خطأ، أو فعل به شيئاً فمات به، أو ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً [ميتاً]، أي: وما في معناه- وجبت عليه الكفارة: أما في الخطأ، للآية والإجماع.
وأما في العمد؛ فللحديث السابق؛ فإن القاتل لا يستوجب النار إلا في قتل العمد.
وقد روي أن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه – قال: يا رسول الله، إني وأدت في الجاهلية؟ فقال: "أعتق عن كل موءودة رقبة".
وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تحفر تحت الحامل إذا ضربها الطلق حفرةً تسقط فيها ولدها إذا وضعته: فإن كان ذكراً أخرجوه وإن كان أنثى طموا عليه التراب حتى يموت، وهذا قتل عمد وقد أمر فيه بالكفارة، وظاهر الأمر الوجوب، ولأنه قتل آدمي محقون الدم لحرمته، فوجب أن تجب به الكفارة كما إذا كان القتل خطأ.
وقولنا: "محقون الدم"، يحترز به عن الزاني المحصن والمرتد.
وقولنا: "لحرمته"، يحترز به عن نساء أهل الشرك وذراريهم قبل ملكهم، كما احترز الشيخ عنهم بقوله:"لحق الله تعالى"؛ فإن قتلهم محرم لا لحرمتهم، بل لصيانة حق المسلمين في تملكهم، وقتل المرتد والزاني المحصن إذا قتلهما غير الإمام، [وقتل نساء أهل الذمة وذراريهم] – وإن كان حراماً – فليس لحق الله – تعالى – وإنما لما فيه من الافتيات على الإمام [وتفويت

مال على المسلمين].
قال الشافعي – رضي الله عنه-: ولأنه قتل تتعلق به الكفارة [إذا أخطأ؛ فوجب أن يتعلق به وجوب الكفارة] إذا كان عمداً، أصله: قتل الصيد.
وإذا ثبت وجوبها في قتل العمد، [وفي] الخطأ – ثبت في قتل [عمد] الخطا من طريق الأولى؛ ولهذا الأولوية لم يذكره الشيخ.
وأما إذا فعل به شيئاً [مات [به]، كما إذا شهد عليه بالزور، أو أكرهه على قتله، أو حفر بئراً فتردى فيها] فمات، أو رش الطريق، أو طرح فيه حجراً، أو قشر بطيخ، أو باقلاء، ونحو ذلك، فمات به – فلعموم الآية والخبر؛ فإنه ليس فيهما تفرقة بين القاتل بسبب وبغيرسبب، ولأنه حق مال يتعلق [بقتل المباشرة]، فتعلق بقتل السبب، أصله الدية، بل أولى؛ لأن الكفارة تجب في موضع لا تجب فيه الدية.
وأما في الجنين؛ فلما روي أن عمر – رضي الله عنه – قضى فيه بالدية والكفارة، ولا مخالف له من الصحابة فكان إجماعاً.
وقد قال ابن المنذر: ولا أعرف فيه خلافاً بين أهل العلم.
والمعنى فيه: أنه آدمي مضمون بالجناية، فوجب أن يكون مضموناً بالكفارة؛ كما لو وضعته حيًّا ثم مات.
ولا فرق في وجوب الكفارة على القاتل بين أن يستوفي منه القصاص، أَوْ لا ويعفي عنه.
نعم إذا استوفى، حكى الماوردي عن رواية أبي إسحاق وابن ابي هريرة وجهاً: أنها تسقط؛ لأنه قد سلَّم نفسه ووفى الحق الذي وجب عليه.
وقد روي أنه عليه السلام قال: "الْقَتْلُ كَفَّارَةٌ"، وقد حكاه الإمام عن رواية صاحب "التقريب" وقال: إنه غير معتد به.

والصحيح أن الكفارة تبقى على وجوبها؛ لأنها حق الله - تعالى- فلا تسقط بتأدية حق الآدمي، كما لا تسقط بأداء الدية، هذا هو المشهور.
وفي "تعليق" البندنيجي: أن المسلم إذا قتل مسلماً تترس المشركون به، ولم يكن من قتالهم بد - طريقة مجرية لقولين في وجوب الكفارة.
وحكى المراوزة وجهاً: أن الإنسان إذا قتل نفسه لا تجب عليه الكفارة، وادعى القاضي الحسين قبيل [باب عقل] الموالي: أنه الظاهر؛ لأنها [تجب] عقيب إزهاق الروح، وهو في تلك الحالة خرج عن أن يجب عليه شيء، وقضية ذلك: انه إذا حفر بئراً في حال حياته، فوقع فيها شخص بعد وفاته - أن يكون الظاهر امتناع وجوب الكفارة، وقد قال في الموضع المذكور: إن في وجوبها وجهين، والظاهر منهما الوجوب في تركته.
والأصح عند الإمام: الوجوب في الحالين كما جزم به العراقيون.
وفي"ابن يونس" [حكاية] وجه عن الخراسانيين: أن الكفارة لا تجب عليه بقتل عبده، ولم أره فيما وقفت عليه، [نعم قدمت في باب الأطعمة مباحثة تتعلق بذلك، فلتطلب منه].
قال: وإن اشترك جماعة في قتل واحد، وجب على كل واحد منهم كفارة؛ لأنه حق يتعلق بالقتل لا يتبعض، بدليل امتناع قستمها على الأطراف؛ فوجب أن تكمل في حق كل واحد من القاتلين، أصله القصاص، ولأن في الكفارة معنى العبادة، والعبادة الواحدة لا تتوزع على الجماعة.
وقيل فيه قول آخر: أنه تجب عليهم كفارة واحدة؛ لأنها مال يجب بالقتل، فوجب ألا يكمل في حق كل واحد من القائلين، أصله [الدية، و] الكفارة في قتل الصيد.
قال أبو الطيب وابن الصباغ: وهذا ما حكاه أبو علي الطبري عن نص الشافعي - رضي الله عنه - في كتاب الشاهد واليمين، وهو مذهب أبي ثور، وقال البندنيجي: إنه حكاه عن نص الشافعي - رضي الله عنه - في

الديات.
وقال الماوردي: إن هذا غلط، ولا يعرف للشافعي –رضي الله عنه- في شيء من ما كتبه، ولا نقله عنه أحد من أصحابه، ومنصوصه في جميع كتبه بخلافه.
والفرق بين الكفارة وجزاء الصيد والدية – ما أشرنا إليه -: أن الكفارة لا تتبعض على الأعضاء، بخلاف الدية وجزءا الصيد، وأيضاً فإن الدية بدل النفس.
وهي واحدة؛ فلم يلزم فيها إلا دية واحدة، والكفارة لتكفير القتل، وكل واحد منهم قاتل فلزم كلا منهم كفارة.
تنبيه: قول الشيخ: "إذا قتل من يحرم قتله وجبت عليه الكفارة"، دليل ظاهر على أن سبب وجوبها القتل، وهو خروج الروح، وأن الوجوب يكون على الفور، وحكى الرافعي في آخر كتاب الوصية عن المتولي: أنها ليست على الفور، لكن هل [يجوز] تعجيلها [قبل وجوبها؟ ينظر إن عجلها على الجرح لم يجز، وإن عجلها] بعد الجرح وقبل الموت فوجهان، أصحهما – كما حكاه المحاملي في كتاب الأيمان -: أنه يجوز.
وحكى الرافعي ثم عن أبي الطيب بن سلمة احتمالاً في جواز التعجيل قبل الجرح.
قال: والكفارة: عتق رقبة مؤمنة، أي: على من وجدها فاضلة عن كفايته على الدوام، كما قاله الماوردي والبندنيجي.
قال: فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين؛ للآية، فإن لم يستطع ففيه قولان: أحدهما: يطعم ستين مسكيناً، كل مسكين مدًّا من طعام؛ لأنها كفارة ينتقل فيها من العتق إلى الصيام؛ فوجب أن ينتقل من الصوم إلى الإطعام ككفارة الظهار، [ولأن الله – تعالى – نص على الإطعام في كفارة الظهار]، [[وأطلق ذكره في كفارة القتل، فوجب أن يحمل مطلقه في كفارة القتل على تقييده في كفارة الظهار]؛ لأن المطلق محمول على المقيد في جنسه.
وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب عن القديم، وقال الإمام: إنه غير معتد به.
والثاني: لا يطعم، أي: بل تكون باقية في ذمته كما قاله الماوردي هنا؛ لأن الأبدال في الكفارات موقوفة على النص دون القياس، ولا يجوز حمل مطلقها

على المقيد إلا في الأوصاف دون الأصل؛ كما حمل إطلاق "اليد" في التيمم على تقييدها بـ"المرافق" في الوضوء، ولم يحمل إغفال ذكر الرأس والرجلين في التيمم على ما قيد من ذكرهما في الوضوء.
وهذا هو الأصح، وقال القاضي أبو الطيب: إنه الجديد.
فعلى هذا: لو مات قبل التكفير، قال الغزالي وإمامه: يخرج من تركته لكل يوم مد، لا بطريق البدليةن بل كما تخرج الفدية إذا فات صوم رمضان.
وأجرى الإمام ذلك فيما إذا انتهى الجاني في الهرم إلى حدِّ يجوز له الإطعام عن الصيام.
وقد حكى ابن الصباغ وغيره في كتاب الصيام قولاً: أن القاتل إذا عجز عن أداء ما وجب عليه سقط عنه الوجوب، كما حكاه الشيخ في كفارة الصوم إذا عجز عنها المباشر، وقال ابن الصباغ: إنه مطرد في كفارة اليمين والظهار.
[وحكى الإمام عن صاحب "التلخيص" أنه استثنى كفارة الظهار]، وقال: لا يستحل المظاهر الإقدام على الوطء ما لم يكفر.
فعلى هذا: لا يطعم عنه إذا مات ولم يكفر.
ولا فرق فيما ذكرناه من الترتيب بين الكافر والمسلم؛ فيجب على الكافر العتق، ويتصور إجزاؤه منه بأن سلم في ملكه عبد، أو يشتري عبداً مسلماً – إذا صححنا شراء الكافر العبد المسلم -] أو يقول المسلم: أعتق عبدك المسلم عن كفارتي؛ فإنه يصح على الأصح.
فإن لم يوجد شيء من ذلك قال القاضي الحسين: فلا يجوز له التكفير بالصوم؛ لأنه ليس من أهل الصيام شرعاً، ولا يجوز له الانتقال إلى الإطعام –أيضاً – إن أوجبناه، إلاّ إذا مرض وعجز عن الصوم بنفسه، فحينئذ يجوز له التكفير بالإطعام.
وأحال الرافعي الكلام في ذلك على كتاب الظهار، وقد ذكرت أنا فيه ما فيه الكفاية وكذلك في كفارة اليمين.
وكذا لا فرق في الترتيب المذكور بين المكلف، والصبي والمجنون؛ فيجب على وليهما التكفير عنهما بالعتق من مالهما، كما يخرج الزكاة والفطرة منه، قاله القاضي الحسين في كتاب الوصية، وكذا [البندنيجي في كتاب الأيمان، [قاله]] الرافعي هاهنا، وقال حكاية عن البغوي: إن الولي لو أعتق [من مال

نفسه عنهما، فإن كان أباً او جدًّا جاز، وإن كان وصيًّا أو قيماً لم يجز، حتى يقبل القاضي التمليك، ثم يعتق عنهما القيم.
وقال في كتاب الصداق: لو وجب على صبي كفارة القتل لا يجوز لوليّه أن يعتق عنه من ماله، ولو تبرع الولي وأعتق عنه من مال نفسه لم يجز؛ لأنه لو صح لضمن دخوله في ملك الابن ثم يعتق عليه، وذلك لا يجوز.
وعلى هذا: فيظهر الفرق بينه وبين الزكاة والفطرة: أن إخراجهما على الفور، وهذا التكفير ليس على الفور؛ فلا ضرورة في التعجيل، ولو صام الصبي في حال صباه فهل يعتد به؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين وغيره من المراوزة؛ بناء على ما لو قضى الصبي الحج الذي أفسده في صغره وقلنا بوجوب القضاء عليه: هل يعتد به؟ وفيه وجهان أو قولان.
قال الرافعي: وإذا جعلنا الإطعام في هذه الكفارة مدخلاً، فيطعم الوي إن كان الصبي من أهل الإطعام، وينبغي أن يقال: إذا اعتددنا بصوم الصبي مع الصغر فلا يجوز العدول إلى الإطعام، أي: إذا كان قادراً عليه، وإلا فيجوز كما في المجنون، ولو أراد الولي أن يطعم عنه من مال نفسه، فهو كما لو أراد أن يعتق عنه إذا جوّزناه، وقد ذكرنا التفصيل فيه، [والله أعلم].

باب قتال أهل البغي

الباغي في اصطلاح الفقهاء: المخالف للإمام العادل، الخارج عن طاعته بالامتناع عن أداء ما وجب عليه بالشرائط التي سنذكرها.
ولم سمِّي باغياً؟ قيل: لمجاوزته الحد الرسوم له؛ فالبغي: مجاوزة الحد؛ يقال: بغى الجرح: إذا ترامى إلى الفساد، وبغت المرأة: إذا فجرت.
وقيل: لطلبه الاستعلاء على الإمام؛ من قولهم: بغى الشيء، إذا طلبه.
وقيل: لأنه ظالم بذلك، والبغي: الظلم والتعدي بالقوة إلى طلب ما ليس بمستحق؛ قال الله تعالى: ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [الحج: 60] أي: ظلم، وهذا يقتضي أن يكون البغاة فسقة؛ لظلمهم.
وقد أطلق الأصحاب القول بأن البغي ليس باسم ذم، وإنما عبَّرَ به الشافعي - رضي الله عنه - عن قوم اجتهدوا فأخطئوا، وما فسقوا عنده، كما أنهم ليسوا بكفرة كما دَلَّ عليه الكتاب العزيز، لكنهم مخطئون فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل.
ومنهم من يسميهم: عصاة، ولا يسميهم: فسقة.
ومنهم من قسم البغي إلى ما هو فسق، وإلى ما ليس بفسق، وسنذكره - إن شاء الله تعالى في كتاب القضاء.
وعلى الأول: فالتشديدات الواردة في الخروج عن طاعة افمام ومخالفته، كما روى [عن] عبادة بن الصامت قال: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَلا تُنَازِعَ الأَمْرَ اَهْلَهُ"، وما روى أبو داود: أنه صلى الله عيه وسلم قال:

"مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قَيدَ شِبْرٍ؛ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ عَنْ عُنُقِهِ".
ومعنى: قيد شبر، أي: قدر شبر؛ يقال: قِيدُ الشيء، وقَادُ الشيء، وقَدُّ الشيء، [أي]: قَدْره.
والرِّبْقُة: هي الحبل الذي يجعل في عنق الناقة وقت الحلب، حكاه أب الطيب.
وقوله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ".
-محمولة على من يخرج من الطاعة ويخالف الإمام بلا عذر ولا تأويل.
قال: إذا خرج على الإمام، أي: العادل أو الجائر، كما ذكره العمراني عن القفال، طائفة من المسلمين، ورامت خلعه، أي: طلبت عزله؛ بتأويل في كتاب الله – تعالى – أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قاله المتولي.
قال: أو منعت الزكاة، أي: عن الإمام، عند طلبها [بتأويل] كما ذكرناه، أو حقًّا توجه عليها، أي: بتأويل كما ذكرناه، وامتنعوا بالحرب – بعث إليهم، وسألهم: ما ينقمون؟ أي: يكرهون، فإن ذكروا شبهة أزالها، وإن ذكروا علة يمكن إزاحتها – أي: إبعادها – أزاحها، وذلك مثل أن يطلبوا قاتلاً معيناً؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فأمر بالإصلاح أولاً، وفي ذلك سعي في الإصلاح، وما روي أن عليًّا – كرم الله وجهه – بعث عبد الله بن عباس- رضي الله عنهم – إلى أهل "النهروان"، فمضى إليهم وقال: هذا

علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة، وقد عرفتم فضله، فما تنقمون منه؟ قالوا: ننقم ثلاثاً: تحكيم في الدين وقد أغنى كتاب الله وسنة رسوله عن التحكيم، وأنه قتلوما سبي، فإما أن قتل ويسبي، أو لا يقتل ولا يسبي، ومحي اسمه من الخلافة: فإن كان على حق فلم خلع؟ وإن كان على غير حقٍّ فلم دخل؟! فقال ابن عباس – رضي الله عنهما – أما التحكيم فإن الله تعالى حكَّم في الدين فقال: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35]، وقال عز من قائل: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] في أرنب قيمته درهم.
وأما أنه قتل وما سبي، فلو حصلت عائشة- رضي الله عنها – في قسم أحدكم كيف يصنع؟ وقد قال تعالى: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً﴾ [الأحزاب: 53]؛ فقالوا: رجعنا عن هذه.
وأما محوه اسمه من الخلافة حين كتب كتاب التحكيم بينه وبين معاوية، فقد محا النبي صلى الله عليه وسلم اسمه من النبوة في المفاضلة بينه وبين قريش عليُّ بن أبي طالب – رضي الله عنه- فكتب: هذا ما قاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو، فقال سهيل: لا تكتب: "رسول الله"؛ لو علمنا أنك رسول ما خالفناك، واكتب: "محمد بن عبد الله"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم [لعليٍّ]: "امحه"، فقال: لا أستطيع أن أمحو اسمك من النبوة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرنيه"، فأراه فمحاه بإصبعه.
فلما قال لهم ذلك رجع بعضهم، وأقام بعض على المخالفة، [وهم] نحو من أربعة آلاف.
ثم المبعوث ينبغي أن يكون أميناً فطناً ناصحاً كما فعل عليٍّ، كرم الله وجهه! ثم ظاهر كلام الشيخ – رضي الله عنه – يقتضي أن [يكون] هذا البعث

واجباً، وهو قضية كلام الماوردي، وكذا ابن الصباغ؛ حيث قال: لم يكن للإمام أن يقاتلهم حتى يبعث إليهم ويسألهم عن شبهتهم.
وقال البندنيجي: لم يجز قتالهم حتى تقع المراسلة.
وقال الإمام: لا يحل [له] أن يبغتهم بالقتال.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن افمام لو أراد قتالهم قبل تقديم المناظرة، قال بعض أصحابنا: يحتمل وجهين؛ بناء على استتابة المرتد: إن قلنا: لا تجب الاستتابة، فله ذلك؛ لأنهما سواء في أن الشبهة اعترضت على كل واحد منهما.
وأصح الوجهين: أنه يناظرهم؛ لأنهم ليسوا أسوأ حالاً من المشركين، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وجه سريَّةً يأمرهم أولاً بأن يدعوهم إلى كلمة الشهادة.
قال: فإن أبَوْا، أي: إما عن العود إلى الطاعة بعد إزالة ما ادعوه من الشبهة، أو عن المناظرة على ما امتنعوا لأجله، كما قال البندنيجي وغيره.
قال: وعظهم وخوفهم بالقتال؛ لأن ذلك أقرب إلى تحصل المقصود، فإن أبوا قاتلهم، أي: إذا علم الإمام أن في عَسْكره قدرةً عليهم، ويكون القصد بالقتال دفعهم عما هم عليه – كما قاله البندنيجي- دون قتلهم.
ووجهه فيمن أراد خلع الإمام قولُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] أي: ترجع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما قاله قتادة؛ فإذا أمر بقتال طائفة بغت على طائفة أخرى حتى تفيء إلى أمر الله، [فلأَنْ يقاتل الذين بغوا على الإمام إلى أن يفيئوا إلى أمر الله] أولى.
وأيضاً: فإن عليًّا – كرّم الله وجهه – لما ردَّ عليه ابن عباس – رضي الله عنهم – خبر من بقي من أهل النهروان قال لأصحابه: سيروا على اسم الله تعالى؛ فلن ينقلب منهم عشرة، ولن يتقل [منّا] عشرة.
فساروا معه إليهم، فقتلهم، وأفلت منهم ثمانية، وقتل من أصحاب علي – رضي الله عنه – تسعة.

وقاتل علي – رضي الله عنه – أيضاً أهل "البصرة" يوم الجمل، ومعاوية بـ"صفين".
ووجهه في مانعي الزكاة والحقوق: ما روي أن أبا بكر [الصديق] –رضي الله عنه – لما منعه أهل الردة الزكاةَ، وتمسكوا من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة:103] بأمرين: أحدهما: أن الله تعالى خاطب بالأخذ نبيَّه صلى الله عليه وسلم دون غيره.
والثاني: أن صلاة ابن أبي قحافة ليست سكناً لهم كصلاته صلى الله عليه وسلم.
ظهر له فساد قولهم، وأزمع على قتالهم؛ فأشار عليه جماعة بالكف عنهم، منهم عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف؛ فقال أبو بكر – [رضي الله عنه -: يا أصحاب محمد، لا فرقت بين ما جمع الله – يعني قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] – والله، لو منعوني عناقاً – أو عقالاً – مما أعطو رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلهم عليه، فقال له عمر – رضي الله عنه -: علامَ تقاتلهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَاتِلُوا النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ"؟! فوكز أبو بكر في صدر عمر – رضي الله عنهما – وقال: إليك عني، شديداً في الجاهلية، خوّاراً في الإسلام؟! وهل هذا إلا من حقها؟! قال عمر – رضي الله عنه -: فشرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر، رضي الله عنه.
فحينئذ أجمعوا معه على قتالهم مع مُقامهم على الإسلامز ولأنهم لما قوتلوا لامتناعهم من حق الإمام في الطاعة، كان قتالهام على امتناعهم من حق الله تعالى في الزكاة أولى، وقد حُكي عن الشافعي – رضي الله عنه – أنه قال: أخذ المسلمون السيرة في قتال المشركين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذوا السيرة من قتال المرتدين من أبي بكر – رضي الله عنه –وأخذوا السيرة في قتال البغاة من علي، رضي الله عنه! ثم هذا القتال هل هو واجب أم مباح؟ قال الماوردي: هو منقسم ثلاثة أقسام:

قسم يكون واجباً، وهو يؤخذ من خمسة أمور: أحدها: أن يتعرضوا لحريم أهل العدل أو لإفساد سبيلهم.
والثاني: أن يتعطل جهاد المشركين بهم.
والثالث: أن يأخذوا من حقوق بيت المال ما ليس لهم.
والرابع: أن يمتنعوا من دفع ما وجب عليهم.
والخامس: أن يتظاهروا على خلع الإمام الذي قد انعقدت بيعته ولزمت طاعته.
وقسم يكون مباحاً، وهو ما إذا انفردوا عن الجماعة، ولم يمنعوا حقاًّ، ولا تعدوا إلى ما ليس لهم؛ فيجوز للإمام قتالهم لتفريق الجماعة، ولا يجب؛ لتظاهرهم بالطاعة.
وقسم مختلف فيه هل هو مباح أو واجب؟ وهو ما إذا امتنعوا – مع انفرادهم – من دفع زكوات أموالهم الظاهرة، وأقاموا بتفريقها في أهل السُّهْمان ففيهم قولان أحدهما – وهو قياس قول الشافعي، رضي الله عنه في القديم -: أن قتالهم عليها [واجب إذا قيل بوجوب دفعها إلى الإمام.
والثاني – وهو قياس قوله في الجديد -: أن قتالهم عليها] مباح، وليس بواجب إذا قيل: إن دفعها إلى الإمام مستحب.
فإذا عرفت ذلك علمت أن كلام الشيخ منطبق على القسم الأول والأخير؛ فيكون مراده: الوجوب، وهو ظاهر اللفظ، وهذا [ما] حكاه الماوردي بعد أن قال: إن إباحة قتال البغاة على بغيهم معتبرة بثلاثة شروط متفق عليها، ورابع مختلف فيه – وكذلك هي في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الشامل"، وفي كلام الشيخ – رضي الله عنه - إشارة إلى بعضها كما نُنِّبه عليه-: أحدها: أن يكونوا في منعة بكثرة عددهم؛ بحيث لا يمكن تفريق جمعهم إلا بقتالهم، فإن كانوا آحاداً لا يمتنعون استُوفيت منهم الحقوق، ولم يقاتلوا.
وهذا يؤخذ من قول الشيخ: طائفة، ومن قوله: امتنعوا بالحرب؛ لأن من لا منعة فيه ولا قوة لا يمتنع بقتال.
والثاني: أن يعتزلوا عن إمام أهل العدل بدار ينحازون إليها ويتميزون بها

كأهل الجمل وصفين، فإن كانوا على اختلاطهم بأهل العدل ولم ينفردوا عنهم لم يقاتلوا، ولا تجري عليهم أحكام [البغاة]؛ لانتفاء المعنى الذي لأجله نثبتها.
قال الرافعي: وربما قال القائل بهذا: [و] ينبغي أن يكونوا بحيث لا يحيط بهم أجناد الإمام، بل يكونوا في طرف من الأطراف، وقد صرح الإمام بحكايته عن العراقيين، والمحققون لم يعتبروا هذا الشرط، وإنما اعتبروا استعصاءهم وخروجهم عن قبضة الإمام، حتى لو تمكنوا من [المقاومة مع] كونهم محوفين بجند الإمام – وجب الحكم بحصول الشوكة، وهذا ما اقتضاه كلام الشيخ؛ حيث لم يأت في كلامه بما يدل عليه.
والثالث: أن يخالفوه بتأويل محتمل، كالذي تأوله أهل الجمل وصفين في المطالبة بدم عثمان بن عفان – رضي الله عنه-[حيث اعتقدوا أنه يعرف قَتَلَتَهُ، ويقدر عليهم ويمنعهم منهم لرضاه بقتله، ومواطأته إيَّاهم، وكذا كل تأويل بطلانه مظنون، فإن] لم يكن لهم تأويل، أجرى عليهم حكم الحرابة وقطاع الطريق.
قال المتولي: وإنما اعتبرنا ذلك؛ لأن من خالف بغير تأويل كان معانداً، ومن تمسك بتأويل كان [طالب حق] على اعتقاده؛ فلا يكون معانداً؛ فنسب إلى نوع حرمة بسقوط الضمان وغيره كما سنذكره.
وأبدى الإمام احتمالاً فيما إذا كان لمن لا تأويل لهم شوكة في نفوذ قضاء قضاتهم.
وحكى الرافعي طريقة مجرية للقولين في ضمانهم ما يتلفونه في حال القتال كأهل البغي، وقال: إنها أظهر؛ لأن المعنى المعتمد عليه هناك موجود هنا.
وكذا حكى الإمام أن هذه الطريقة يدل عليها ظاهر النص، هذا ما قيدنا به كلام الشيخ، وليس فيه ما يمكن أن يؤخذ منه إلا قوله: فإن ذكروا شبهة

أزالها، مع قوله: بعث إليهم، وسألهم: ما تنقمون.
ولو كان بطلان التأويل مقطوعاً به ففيه وجهان: قال الرافعي: أوفقهما لما أطلقه الأكثرون: انه لا يعتبر كتأويل أهل الردة وشبهتهم الآن.
والثاني: يعتبر، ويكفي تغليطهم فيه، وقد يغلط في القطعيات غالطون.
قال الرافعي: وعلى الوجهين يخرج أن معاوية ومن تابعه مخطئون فيما اعتقده قطعاً أو ظنًّا؛ لأنهم باغون عند الأئمة بلا شك، وعليه يدل الخبر المشهور: "أَنَّ عَمَّاراً تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغيَةُ"، فإن شرطنا في البغي أن يكون بطلان التأويل مظنوناً فنقول: كان مبطلاً فيما ذهب إليه ظنًّا، وإن لم نشترطه وأثبتنا اسم البغي وحكمه، مع القطع ببطلان التأويل – فنقول: كان معاوية مبطلاً قطعاً.
وهذا الكلام لم يظهر لي توجيهه.

والرابع المختلف فيه: فهو نصب إمام لهم يجتمعون على طاعته، وينقادون لأمره، وفيه وجهان في "الحاوي"، وقولان كما حكاهما القاضي أبو الطيّب: أحدهما – وهو قول طائفة -: أنه شرط يستحق به قتالهم؛ ليستقر به تميزهم ومباينتهم، وهذا ما نسبه الرافعي إلى الجديد.
وقال الإمام: إن معظم الأئمة في الطرق اعتبروه، وبه جزم الفوراني والقاضي الحسين في "تعليقه" والماوردي في "الأحكام"، ومال إليه البغوي والمتولي.
والثاني –وهو قول الأكثرين من أصحاب الشافعي، كما قال المارودي، وهو الذي صححه ابن الصباغ والإمام -: أنه ليس بشرط في قتالهم؛ لأن عليًّا – رضي الله عنه – قاتل أهل الجمل ولم يكن لهم إمام، وأهل صفين قبل أن ينصبوا إماماً لهم.
قال الإمام: وعلى هذا فلابد وأن يكون لهم متبوع وإن لم يكن إماماً؛ لأن الشوكة لا تحصل إذا لم يكن لهم متبوع مطاع؛ فإن رجال النجدة – وإن كثروا –فلا قوة لهم ولا شوكة إذا لم يصدروا عن رأي.
وفي "الرافعي": أن في "منهاج" الشيخ أبي محمد اعتبار امرين آخرين في أهل البغي: أحدهما: أن يمتنعوا من حكم الإمام.
والثاني: أن يظهروا لأنفسهم حكماً.
وعلى هذا: لا نسلم ما ذكره الماوردي في التقسيم من منازعة في إباحة القتال في القسم الثاني والثالث، مأخذها: ما سنذكره في الخوارج، إن شاء الله تعالى.
فرع: إذا تقوى قوم قليل بحصن منيع، فهل يلتحقون بمن تقوى بالعَدَد والعُدَد حتى تثبت لهم أحكام البغاة؟ فيه وجهان حكاهما الإمام، وراى الأولى أن يُفَصَّل فيقال: إن كان الحصن على فوهة الطريق، وكانوا يستولون بسببه لى ناحية وراء الحصن – فالشوكة حاصلة، وحكم اهل البغي ثابت؛ كي لا يتضرر أهل الناحية

بتعطيل الأقضية والأحكام، وإلا فليسوا بأهل بغين ولا يبالي بما يقع من التعطيل في العدد القليل.
ثم قال: ولا خلاف أنه لو تحزَّب [من] رجال القبائل المرموقين عددٌ يسير، وكانوا يقوون بما تفضل القوى على مصادمة الجموع الكثيرة - فهم على عدة تامة.
قال الرافعي: ويحتمل أن ينازع فيه منازع؛ لقلة عددهم، وتجعل قواهم كالمكان الحصين.
قال: وإن استنظروا مدة - أي: معينة كاليوم والثلاث والشهر والشهرين، كما قاله الفوراني؛ ليُنظَروا - أنظرهم؛ لعل يتضح لهم الحق.
قال: إلا أن يخاف أنهم يقصدون الاجتماع على حربه؛ فلا ينظرهم للأمن من ذلك، ويظهر له ذلك بالبحث عن حالهم.
وهذا الذي ذكره الشيخ في هذا الكتاب هو ظاهر نص الشافعي - رضي الله عنه - في "المختصر" وما حكاه القاضيان أبو الطيب والحسين في تعليقهما وغيرهم.
وفي "المهذب" قال: إن سألوا إنظار مدة قريبة كاليوم وإلى ثلاثة أيام، فيجابون إليه، وإن طلبوا أكثر من ذلك بحث عنهم الإمام.
وذكر التفصيل المذكور وهذا ما حكاه ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد، [وبه جزم البندنيجي]، وهو كذلك في "الحاوي"، وأشار في كلامه إلى الفرق بين الحالين: بأنه في الثلاثة الأيام إذا أنظرهم كان عسكره مقيماً عليهم، ويحترز في هذه المدة منهم؛ لأن قتالهم لا يدوم، واتصاله ليلا ًونهاراً لا يمكن، ولابد من استراحة عسكره ودوابه، فيجعلها إجابة لسؤالهم إعذاراً وإنذاراً.
ثم قال - وكذلك البندنيجي [أيضاً]- فيما إذا سألوا الإنظار مدة طويلة [و] يظهر أن قصدهم بالإنظار ليجمعوا في مدته العساكر، أو ليطلبوا آلة المناكدة،

أو لينصرف عنهم العساكر -: إنا ننظر: فإن كان عسكر أهل العدل [يه قوة وصبر على قتالهم لم يُنظرهم، وإن وجد في عسكر أهل العدل] ضعفاً عنهم وعجزاً عن مطامولتهم، أنظرهم؛ ليلتمس القوة عليهم، إما بعساكر أو بأموال، ويجعل ظاهر الإنظار إجابة لسؤالهم؛ ليقيموا على الكفء الموادعة، وباطن إنظارهم لالتماس القوة عليهم، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأصحاب.
وقال القاضي أبو الطيب: إن هذه الحالة إذا كانت موجودة قبل سؤالهم لا يبتدئ بقتالهم، ويؤخره ما أمكن إلى أن تحصل له قوة؛ فإنا لا نأمن الاستئصال.
والذي استصوبه ابن الصباغ، وقال: إنه أولى – ما ذكره الشيخ في هذا الكتاب؛ لأنه يجوز أن يكون بإنظارهم يوماً يلحقهم مدد منهم؛ فيقووا.
ولا يجوز أن يُنظرهم إلا إلى غاية اتفاقاً، وحيث لا يجوز الإنظار لا نجوزه بأحد البراهين؛ لأنه لا يجوز التعرض لها.
قال: ويقاتلهم إلى أن يفيئوا إلى أمر الله تعالى؛ للآية.
قال: ولا يتبع في الحرب مُدْبرهم، ولا يذفِّف على جريحهم؛ لما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يَابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، مَا حُكْمُ مَنْ بَغَى مِنْ أُمَّتِي؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: لاَ يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ، وَلاَ يُجَارُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، ولاَ يُقْتَلث اَسِيرُهُمْ"، وقال: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاثٍ ... " الحديث.
ودخل الحسين بن علي –رضي الله عنهما – على مروان فقال له: ما رأيت أكرم من أبيكن ما عن ولينا ظهورنا يوم الجمل حتى نادى مناديه: ألا لا يُتبع مدبر، ولا يذفّف على جريح.
وفي "تعليق" القاضي الحسين وغيره: أن الشافعي – رضي الله عنه –فسر الآية، فقال: الفيء: ترك القتال بالعود إلى الطاعة، أو بالهزيمة والإعراض عن

القتال، كما قال تعالى في الإيلاء: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226]. يعني: رجع عن الإضرار إلى إيفاء حقها بالجماع.
وعلى هذا يكون الدليل على منع قتال المنهزم الآية أيضاً، ومنها استدل الشافعي بوجه آخر؛ حيث قال: الله تعالى أمر بقتال أهل البغي، ولم يأمر بقتلهم، وإنما يقال: قاتلوا، لمن يقاتل، فأما من لا يقاتل لا يقال: قاتلوه، وإنما يقال: اقتلوه.
وهذا إذا لم يكن في هزيمته متحيِّزاً إلى فئة، فإن كان فقد قال القاضي الحسين والإمام: إن كانت الفئة قريبة فيتبع، وإن كانت بعيدة منه لم يتبع، خلافاً لأبي حنيفة وأبي إسحاق المروزي حيث قالا باتباعه إذا انهزم إلى فئة مطلقاً، كما حكاه ابن الصباغ وغيره، وأنه يجوز قتله؛ لأن المتحرِّف والمتحيِّز بمنزلة المقاتل.
وكذا حكى البندنيجي في "تعليقه" والعمراني في "الزوائد" عن أبي إسحاق؛ بناء على هذا الأصل: أنه لا يطلق الأسير الذي انهزم متحيزاً إلى فئة.
وعلى الصحيح قال الجيلي: لو قتل المدبر أو ذُفِّف على الجريح؛ لم يجب على فاعل ذلك القصاص.
تنبيه: التذفيف – بالذال المعجمة -: التجهيز وتتميم القتل وتعجيله، يقال: رجل

ذفيف، أي: [سريع].
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه موالاة الجرح، وإجهاز القتل.
ويقال بالدال المهملة، والأول أكثر.
قال: ويتجنب قتل ذي رحمه، أي: محرماً كان أو غير محرم، كما صرّح به الإمام اولقاضي الحسين وغيرهما؛ لأن ذلك يقطع صلة الرحم وهي مأمور بها؛ قال الله تعالى: "أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ بِيَدِي، وَشَقَقْتُ لَهَا اسْماً مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ"، كذا قاله القاضي الحسين.
ويروي أنه – عليه السلام- كان يقول يوم دخل المدينة، وهو على بعير: "أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلاَمَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ".
وقد استدل بعضهم على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ الآية [لقمان: 15]، فأمر بصحبتهما بمعروف في حال دعائهما إلى الشرك، ففي هذه الحالة أولى.
وهذا فيه نظر؛ لأن الدعوى عامة في ذي الرحم، وما استدل به يختص ببعضهم، ولا يلزم من مَنْعِ قَتْل هذا البعض مَنْعُ قتل بقية ذوي الأرحام، كما سنذكره في قتال المشركين.
وعلى كل حال: فلو خالف وقتل ذا رحمه فقد ارتكب مكروهاً، اللهم إلا أن يقصد المَحْرم قتله؛ فلا يكره، كما إذا قصد قتله في غير القتال.

قال: وإن أسر منهم رجلاً حبسه على أن تنقضي الحرب، أي: ويتفرق جمعهم؛ لينكف شره.
ولا يجوز قتله؛ لما رويناه من خبر ابن مسعود – رضي الله عنه – ولأن سيرة علي – كرّم الله وجهه – فيهم كانت هكذا، وعليها عَمِلَ المسلمون من بعده، وهذا بخلاف أهل الحرب؛ لأن المقصود ثَمَّ: قتلهم بقتالهم، وهاهنا المقصود بقتالهم –كما ذكرنا -: دفعهم عمَّا هم عليه، وقد حصل بالحبس.
قال الماوردي والمصنف: فلو قتل أسيراً منهم ضمنه القاتل بالدية، وفي ضمانه بالقود وجهان، وجه المنع: أن أبا حنيفة تخير قتله؛ فصار ذلك شبهة يدرأ بها القصاص، وهذا ما اختاره في "المرشد".
قال: ثم يخليه؛ لحصول الأمن منه.
قال: ويأخذ عليه العهد ألا يعود إلى قتاله، احتياطاً بحسب القدرة، وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه لا يطلقه إِلاَّ بعد مبايعته على الطاعة، [أي: قبل انقضاء الحرب]، وأن من أصحابنا من خص ما ذكرناه بما إذا أمنا بعد انقضاء الحرب رجوعهم إلى طاعة الإمام وذهاب شوكتهم، فأما ما دام يخاف شرهم فلا يلزمه إطلاقهم.
والأول: هو المنصوص، فقال الإمام بعد حكاية الأول عن رواية العراقيين عن بعض الأصحاب: إن هذا [بعيد] لا أصل له.
ثم محل حبسه إلى أن تنقضي الحرب مصوَّرٌ بما إذا لم يذعن للمبايعة حال أسره، أما إذا أذعن لذلك، وأظهر الطاعة عند الأسر، وقبل انقضاء الحرب – يجب أن يخلي إذا كان حرًّا.
قال القاضي الحسين: والعبد يحبس إلى أن تنقضي الحرب؛ لأنه ليس من أهل المبايعة.
وفي "تعليق" البندنيجي و"المهذب": إلحاقه بالنساء جزماً، وهو ما حكاه الرافعي عن [بعض] الأصحاب وإن كان يقاتل، وسيأتي حكم النساء.
فرع: لا يجوز قتل من كف عن القتال من أهل البغي إذا كان واقفاً معهم في الصف؛ لأن القصد بقتاله الكف، وهو كافٌّ فصار كالأسير، وفي "الحاوي" وغيره وجه: أنه يجوز أن يعمد إلى قتله؛ لأنه رِدْءٌ لهم وعَوْن، فأجري عليه حكم مقاتليهم.

وقد روي أن شخصاً قتل محمد بن طلحة بن عبد الله، حين كان واقفاً مع أهل الجمل، فلم يأخذ على – رضي الله عنه – [قاتله] بدية، ولا زجره على قتله.
قال: وإن أسر منهم صبيًّا أو امرأة، خلاه لى المنصوص؛ إذ ليس هو من أهل القتال والمبايعة عليه، [وهذا ما] اختاره في "المرشد".
وقيل: يحبس إلى أن تنقضي الحرب؛ لأن فيه كسراً لقلوبهم، فيكون في ذلك مصلحة للحرب [وتدبير] للقتال، وهذا ما حكاه الإمام، عن رواية العراقيين، عن أبي إسحاق.
وهكذا الخلاف في المجنون، والشيخ الكبير الذي لا يقاتل مثله.
ولا فرق في الصبي بين أن يكون مراهقاً، أو غير مراهق؛ كما صرّح به البندنيجي، وحكاه الرافعي عن بعض الأصحاب، وإن كان ممن يقاتل.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: الجزم بالمنصوص [عليه]، إلا إذا خاف بإطلاقهم قوة أهل البغي؛ فإنه لا بأس بحبسهم إلى أن يأمن شرهم وتنقضي الحرب، وهذا ما حكاه الرافعي عن أبي إسحاق، وقال القاضي: إن الصبي المراهق يحبس إلى [أن تنقضي] الحرب كالبالغ، وعلى ذلك جرى الإمام، والله أعلم.
قال: ولا يقاتلهم بما يعم كالمنجنيق والنار؛ لأن القصد: [الكف، لا الهلاك]، ولأانه يصيب من [لا] يجوز قتله كالجرحى، ومن لا يدعي إلى الطاعة والبيعة على الجهاد، مثل الصبيان، والنسوان، والعبيد.
قال: إلا لضرورة، أي: مثل أن يحيطوا بأهل العدل ويخاف [الاصطلام] ولا يجدوا مخلصاً منهم إلا بذلك، أو يرميهم أهل البغي بالنار، أو ينصبوا المنجنيق عليهم، فيفعل أهل العدل مثل ذلك.
وفي معنى النار تفجير المياه عليهم ليغرقوا، وإلقاء الحيات والأسد عليهم؛ فلا يجو ذلك من غير ضرورة، صرّح به الماوردي.

فرع: لو تحصنوا ببلدة، ولم يتأت الاستيلاء عليها [إلا بهذه الأسباب [العظيمة الأثر، فإن كان فيها رعايا لا بغي منهم لم يجز توجيه هذه الأسباب] [عليها]؛ محافظة عليهم، وإن لم يكن فيها إلا الباغون المقاتلون فقد حكى الغزالي فيه تردداً.
وقال الإمام: الذي أراه المنع؛ لأن الإمام ينظر للمسلمين، وتَرْك بلدة في أيدي طائفة من المسلمين – وربما قدر على احتيال في المحاصرة والتضييق – أقربُ إلى الصلاح من اصطدام الأمم.
قال: ولا يستعين عليهم بالكفار؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 141]، ولأن المقصود كف شرهم وردهم إلى الطاعة، وهؤلاء يتديَّنون بقتل مقبلهم ومدبرهم والمجروحين والمأسورين، ويرون ذلك قربة وطاعة؛ فلا يحصل المقصود بهم.
قال: ولا بمن يرى قتلهم مدبرين، أي: وهم الحنفية؛ لما يلزم من الكف عنهم إذا انهزموا، وهكذا أطلقه المزني، وهل هذا المنع منع تحريم أو منع ندب واستحباب؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وما أطلقه المزني [والشيخ] محمول على ما إذا لم تدع الضرورة إليه، أما إذا دعت إلى ذلك؛ لعجز أهل العدل عن مقاومتهم جاز ان يستعين بهم على ثلاثة شروط: ألا يجد عوناً غيرهم، وأن يقدر على ردهم إذا انهزم أهل البغي، بأن تكون له هيبة تمنعهم من مخالفته، وهذان الشرطان اقتصر عليهما القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ، والثالث – قاله الماوردي، [وهو]-: أن يثق بما شرطه عليهم: ألا يتبعوا مدبراً، ولا يجيروا على جريح.
قال: فإن فقد شرط من هذه الثلاثة لم تجز الاستعانة بهم.
وعند غيره المعتبر في المنع فَقْد أحد الشرطين الأولين.
[قال الرافعي]: ولفظ "التهذيب" يقتضي جواز الاستعانة إذا وجد أحدهما، ولفظ القاضي الحسين يقتضي جواز الاستعانة إذا وجد الشرط الثاني؛ فإنه قال: أطلق المزني منع أهل العدل [من] الاستعانة بمن يرى قتلهم مدبرين.
ثم قال:

قال أصحابنا: الشافعي – رضي الله عنه – فصّل [فقال]: إن كان بالإمام قوة تضبطهم لم أرَ بأساً أن يستعان بهم، وإن لم يكن به قوة فلا يستعين بهم.
وذلك صحيح.
قال القاضي أبو الطيب: فإن قيل: اليس قد قلتم: إنه يجوز للحاكم أن يستخلف من يعتقد خلاف مذهبه، فيولي الشافعي مالكيًّا وحنفيًّا وغيرهما من أهل المذاهب؟ فالجواب: أن أصحابنا اختلفوا فيه على ما حكاه ابن أبي هريرة، وقال: قد نص الشافعي على المنع من ذلك، فقال: وهكذا من ولى شيئاً فينبغي ألا يوليه من يعلم أنه يعمل بخلاف الحق فيه.
فإن قلنا: لا يجوز، [سقط السؤال، وإن قلنا: يجوز] فالفرق: أن الحاكم يحكم باجتهاده فيما يسوغ فيه الاجتهاد، وهذه الأحكام يسوغ فيها الاجتهاد، وليس كذلك قتل [أهل البغي مولِّين]، والجرحى والأسرى منهم؛ فإن ذلك لا يسوغ فيه الاجتهاد.
وقد ظهر لك بما ذكره الشيخ أن أهل البغي يخالفن أهل الحرب في أشياء [: في امتناع كبسهم في ديارهم غِرَّةً وبَياتاً، و] في امتناع قتلهم مدبرين، والتذفيف على جريحهم، وقتل أسيرهمن وعدم استرقاقه.
وفي عدم قتالهم بالمنجنيق والنار وما في معناهما، وعدم الاستعانة عليهم بمن ذكرناهم.
ووراء ذلك أمور أخر، منها: أنه لا يجوز أن يحاصرهم ويمنعهم الطعام والشراب، إلا على رأي الإمام في أهل القلعة، ولا يجوز عقر خيولهم إذا قاتلوا عليها، ولا قطع أشجارهم وزرعهم، ولا الانتفاع بما يأخذه من أموالهم من مطعوم وغيره، وكذا من أسلحة وخيول، بل يحفظ لهم إلى انقضاء الحرب والأمن من قتالهم يعودهم إلى الطاعة أو تفريق شملهم، وهو وقت إطلاق الأسرى، اللهم إلا ان تقع ضرورة بألا يجد أحدنا ما يدفع به عن نس سوى سلاحهم، أو ما يركبه في وقت الهزيمة إلا خيولهم؛ فيجوز الاستعمال والركوب، كما يجوز أكل مال الغير للضرورة، وهذا بخلاف أهل الحرب، كما سيأتي بيانه، إن شاء الله – تعالى.

قال: وإن أتلف عليهم أهل العدل شيئاً، يعني من نفس ومال، دعت الحاجة إلى إتلافه بالقتال في حال الحرب-[لم يضمنوه؛ لأنهم مأمورون بقتالهم، وقتالهم يفضي إلى ذلك، فلم يلزم ضمانه، كنفس من قصد نفسه أو ماله من قطاع الطريق.
قال: وإن أتلف أهل البغي على أهل العدل شيئاً، أي: من نفس ومال في حال الحرب] مع الحاجة إلى إتلافه، ففيه قولان: أصحهما: أنهم لا يضمنون.
قال الشافعي – رضي الله عنه –: لأن الله – تعالى – أمر أن نصلح بينهم بالعدل، ولم يذكر وجوب الضمان على أهل البغي في الدماء والأموال؛ فدلَّ على أنها ساقطة الضمان، ولأن الحروب جرت في عصر الصحابة والتابعين – رضي الله عنهم – كوقعة الجمل وصفين، [ولم] ينقل أن بعضهم طالب بعضاً بضمان نفس ولا مال مع معرفة القاتل والمقتول، كما رواه ابن شهاب الزهري، ولأن الغرامة لو وجبت لم يؤمن أن ينفرهم ذلك عن العود إلى الطاعة، ويحملهم على التمادي فيما هم فيه، [ولأجل] ذلك أسقط الشرع التَّبِعات عن أهل الحرب إذا أسلموا، وهذا ما حكاه الماوردي عن الجديد، وفي "تعليق" البندنيجي: أنه الذي قال به في القديم.
والقول الثاني: أنهم يضمنون؛ لما روي أن أبا بكر – رضي الله عنه- قال للذين قاتلهم بعدما تابوا: "تَدُونَ قَتْلاَنَا، وَلاَ نَدِي قَتْلاَكُمْ"، ولأنهما فريقان من المسلمين [محق ومبطل]، فلا يستويان في سقوطالغرم؛ كقطاع الطريق

والرفقة، وهذا ما ادّعى الماوردي انه قاله في القديم، واختاره الروياني.
ويقال: إن القولين منصوصان في "البويطي"، وحكى البندنيجي: أنهما منصوصان في "الأم".
والقائلون بالأول قالوا: إن أبا بكر – رضي الله عنه- لما قال ذلك القول قال له عمر – رضي الله عنه -: "لا تأخذ لقتلانا دية؛ لأنهم عملو لله، وأجورهم على الله"، فسكت أبو بكر سكوتَ راجعٍ.
التريع: إن قلنا بالأول وكان المتلف نفساً، فهل تجب الكفارة؟ فيه وجهان: أشبههما في "الرافعي" – وهو أصح في "الحاوي" -: المنع؛ طرداً للإهدار وقطعاص للتبعات، وإن قلنا بالثاني، وكان القتل عمداً ففي وجوب القصاص وجهان، فإن أوجبناه – وهو قول أبي إسحاق قال: الأمر إلى المال – كان في مال الجاني، و [إن] لم نوجبهن فهل تجب دية شبه العمد في مال [العاقلة، او دية العمد في مال] الجاني؟ خرجه الإمام على الخلاف الذي حكيناه عن روايته فيما إذا قتل من رآه في ادر الإسلام على زي أهل الحربن ولم نوجب فيه القصاصن والذي ذكره في "الحاوي": الثاني.
أما لو أتلف [كل من] الفريقين على الآخر شيئاً في غير القتال، أو فيه مع الاستغناء عنه، كما صرح به الإمام وغيره – ضمنوه.
وجهاً واحداً، وهذا يضعف قياس عدم تضمين أهل البغي، قياساً على أهل الحرب؛ لأجل النفرة من العود.
قال الماوردي: ولو قصد أهل العدل بإتلاف أموال أهل البغي إضعافهم لم يضمنوا، وفي "تعليق" القاضيالحسين: أنهم لو أكلوا طعامهم قبل انقضاء الحرب، واستمتعوا بدوابهم وأسلحتهم، ولبسوا ثيابهم – فوجهان: أحدهما: لا شيء عليهم؛ لأنهم أتلفوا متأولين؛ فإن أبا حنيفة يبيح لهم ذلك.
والثاني: يجب عليهم الضمان كما لو حرقوه.
ثم قال: والوجهان ينبنيان على القولين في أهل البغي إذا أتلفوا في حال القتال.

ولا خلاف في وجوب رد ما أخذ من أموال كل من الفريقين، بعد انقضاء الحرب وسكون الفتنة.
فرع: لو استولى باغ على أمة أو مستولدة لأهل العدل، فوطئها – فعليه الحد، [وحكى الماوردي في "الأحكام" وجهين فيه؛ لأنه قال: إذا أتى أهلُ البغي قبل القدرة عليهم حدوداً، ففي إقامتها بعد القدرة عليهم وجهان،] وإن أولدها فالولد رقيق غير نسيب.
وهل يجب المهر إذا كانت مكرهة؟ منهم من جعله على الخلاف في ضمان المال، وقال صاحب "التهذيب": ينبغي أن يقطع بوجوبه؛ كما لو أتلف المأخوذ بعد الانهزام.
فرع: إذا استعان أهل البغي بأهل الذمة على قتالنا، وأتلفوا مالاً أو نفساً – فهل حكمهم حكم أهل البغي في الضمان؛ أم لا؟ وكذا في جواز قتلهم مقبلين لا مدبرين، [وغير ذلك]؟ قال الأصحاب: الكلام في ذلك ينبني على أنهم: [هل] ينتقض عهدهم بالقتال، أم لا؟ وفيه تفصيل سنذكره.
فإن قالوا: كنا مكرهين على القتال، قُبِلَ قولهم، [ولم يكن] ذلك نقضاً لعهدهم، وكذا لو قالوا: ظننا أنه يجوز لنا إعانة بعض المسلمين على بعض، أو أنهم يستعينون بنا على أهل الكفر، أو أنهم المحقون ولنا إعانتهم – فلا ينتقض عهدهم؛ للشبهة.
وإن لم يدعوا شيئاً من ذلك، وقاتلوا بعد إعلامهم وإنذارهم بالمراسلة والمكاتبة، فللشافعي – رضي الله عنه – فيه قولان: أحدهما: أنه يكون نقضاً لعهدهم؛ كما لو قاتلوا مع المشركين؛ ولهذا قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة لما عاونوا الأحزاب.
والثاني: لا؛ لأنهم قاتلوا مع المسلمين [وفي نصرتهم، ولا يجب عليهم معرفة المحق من المبطل من المسلمين]؛ فكان ذلك شبهة في حقهم.
هكذا ذكر القاضي أبو الطيب الحكم والتعليل، ووافقه في الحكم البندنيجي،

وكذا ابن الصباغ، لكنه صور مسألة القولين بما إذا لم يدَّعوا شيئاً مما ذكرناهن ولم تعرض لذكر المراسلة وغيرهان وقاس قول الانتقاض على ما لو انفردوا، ووجَّهَ مقابله: بأن أهل الذمة لا يعلمون المحق من المبطل؛ فيكون ذلك شبهة لهم.
وحكي أن أبا إسحاق المروزي قال: القولان فيما إذا لم يكن قد شرط عليهم الكف عن القتال في عقد الذمة نطقاً، فأما إذا شرط انتقض.
قولاً واحداً.
وهذا [ما] حكاه الماوردي والروياني، وكذا الشيخ في "المهذب"، لكنه صور مسألة القولين بما إذا كانوا عالمين غير مكرهين، واختار في "المرشد" منهما الانتقاض، وكذا الرافعي.
وفي "التهذيب" و"الإبانة" و"تعليق" القاضي الحسين: الجزم بانتقاض العهد في حالة العلم بأنه لا يجوز لهم قتالنا، ولم يكونوا مكرهين ولا جاهلين بالحال، وكذا إذا كان قد شرط عليهم [في عقد الذمة] ترك [قتالنا، وحكاية القولين في حالةدعواهم الجوازَ، ولم يكن قد شرط عليهم ترك] القتال.
ثم قال القاضي الحسين: وقال الشيخ – يعني: القفال -: لا يختلف القول في [أهل] الذمة أن قتالهم لا يكون نقضاً؛ لأن أمانهم بيدهم، [وإنما] القولان في أن للإمام نقضه مع دعواهم الجهالة، أم لا؟ وعامة أصحابنا لم يفصِّلوا هذا التفصيل، ومنقول المزني يدل على ما قاله أصحابنا.
انتهى.
وفي "الرافعي": أن أبا الطيب بن سلمة طرد القولين في حالة دعواهم الإكراه أيضاً، فإذا تقرر ذلك فحيث قلنا: لا ينتقض عهدهمن فهم كأهل البغي في أنه لا يتبع مدبرهم، ولا يذفف على جريحهم، ولا يقتل أسيرهمن ولو أتلفوا مالاً أو نفساً على أهل العدل ضمنوه، قولاً واحداً.
قال الشافعي – رضي الله نه -: إنما سقط الضمان عن المسلمين؛ للتأويل، فأما أهل الذمة فلا يسقط عنهم.
قال القاضي أبو الطيب: والدليل عليه قوله – تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية [الحجرات: 9]، ولم يأمرنا بالتبعية، وأيضاً فإنا إنما لم نغرم

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل