كتاب الصداق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عرضاً، فكيف يسلم إليها مع الحكم بانفساخ عقد الصداق في الظاهر، مع اختلاف الأغراض بأعيان الأموال والله أعلم.
فرعان:
أحدهما: لو مات الزوجان، واختلف الوارثان في الصداق، أو أحدهما ووارث الآخر- تحالفا، ويحلف الوارث في النفي على نفي العلم، وفي الإثبات على البت.
وأحسن بعض الشارحين، فقال: عندي يحلف على البت في النفي والإثبات جميعاً؛ لأن القطع بأن النكاح جرى بخمسمائة، قَطْعٌ بأنه ما جرى بألف؛ فلا معنى لقوله: "لا أعلم بأنه نكحها بألف".
ولو ادعت على الوارث أن الزوج سمى لها ألفاً، فقال الوارث: لا أعلم كم سمى؟ فلا يتحالفان، ولكن يحلف الوارث على نفي العلم، ويقضي لها بمهر المثل؛ على ما حكاه المتولي.
الثاني: لو وقع الاختلاف في قدر المهر، [أو] صفته بين ولي الصغيرة أو المجنونة، وبين الزوج، فوجهان:
أظهرهما- وبه قال ابن سريج، وابو إسحاق-: أنهما لا يتحالفان، ولكن يوقف إلى البلوغ، أو الإفاقة، ويجوز أن يحلف الزوج، ويوقف يمينها إلى زمن الإمكان.
والثاني: أنهما يتحالفان، وهو الأصح في المهذب، وذلك مصور فيما
إذا ادعى الوَلِيُّ زيادة على مهر المثل، وادعى الزوج قدر مهر المثل، [أما إذا ادعى الزوج أن المسمى أنقص من مهر المثل]، فلا حاجة إلى التحالف، ويجب مهر المثل.
ولو ذكر الزوج قدراً زائداً على مهر المثل، وادعى الولي زيادة عليه، فلا يتحالفان؛ كي لا يرجع إلى مهر المثل.
وما ذكرناه يجري في اختلاف الزوجة وولي الصغير والمجنون وبين وليَّيْ الزوجين، وفي الوصي، والقيم والوكيل.
قال: ومن وطئ امرأة بشبهة، أو في نكاح فاسد، أو أكره امرأة على الزنى- وجب عليه مهر المثل، أي: باعتبار وقت الوطء.
أما في النكاح الفاسد؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ مَسَّهَا، فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا".
وأما في الباقي؛ فبالقياس عليه؛ بجامع ما اشتركا فيه من استيفاء منفعة البضع.
ولا فرق في الشبهة بين شبهة المحل، والطريق، والملك، والاعتبارُ في الاشتباه جانب المرأة بالنسبة إلى المهر؛ كما تقدم في باب: "ما يحرم من النكاح".
فروع:
[أحدها] إذا وطئ المرتهن الجارية [المرهونة] بإذن الراهن، وهو جاهل [بالتحريم]، ففي وجوب المهر قولان، وفي قيمة الولد طريقان:
أحدهما: طرد القولين.
والثاني: القطع بالوجوب.
[الفرع الثاني] إذا كانت الموطوءة بكراً، هل يعتبر مهر ثيب، ويجب معه أرش البكارة، أو يجب مهر بكر؟ فيه وجهان:
أظهرهما- وهو ما أورده الغزالي في [باب] الديات، وينسب إلى النص-: [الثاني؛ لأن] المهر يجب للاستمتاع واستيفاء منفعة البضع، والأرض يجب لإزالة [تلك] [البكارة، وهي] الجلدة، والجهتان مختلفتان؛ فينفرد [موجب] كل واحد منهما عن موجب الآخر.
وفي ابن يونس حكاية وجه [ثالث]: أنه يجب مهر بكر، وأرش البكارة؛ [وهو] محكي في الديات.
[الفرع الثالث:] إذا تكرر منه الوطء، فهل يجب بكل وطأة مهر، أم يتحد المهر؟ ينظر:
إن كان الوطء في نكاح فاسد، فلا يجب إلا مهر واحد، وادعى الإمام في ذلك الإجماع عند الفروع المذكورة قبل "القسم".
وإن كان وطء شبهة، فينظر:
إن تعددت الشبهة؛ بأن وطئ بشبهة، ثم زالت، ووطئ بشبهة أخرى- وجب مهران.
وإن كانت الشبهة واحدة، نظر:
إن كانت شبهة محل أو طريق، لم يجب إلا مهر واحد؛ كما [يجب] في النكاح الفاسد.
وفي الإبانة: أن مشتري الجارية المغصوبة من الغاصب إذا تكرر منه وطؤها، مع جهله بكونها مغصوبة: أن في تكرر المهر وجهين، وهذه شبهة محل؛ إذ هو
يظن أنها ملكه، ومقتضى ذلك جريان الوجهين [فيها].
وإن كانت شبهة ملك: كالأب إذا وطئ جارية الابن، وأحد الشريكين إذا وطئ الجارية المشتركة، والسيد مكاتبته- ففي التعدد وجهان:
أشبههما: أنه لا يجب إلا مهر واحد؛ لأن الشبهة، وهي وجوب الإعفاف، [وعلقة الملك]- شاملة.
وفي التهذيب: أن محل الوجهين ما إذا اتحد المجلس، أما إذا اختلف، تعدد المهر.
وقضية هذا: أن يطرد في شبهة المحل أيضاً.
[أما إذا] أكرهت على الزنى، وجب بكل وطأة مهر؛ لأن الوجوب هنا؛ لإتلاف منفعة البضع، وقد تعدد.
وفي "الوسيط" في كتاب "الغصب" حكاية تردد فيه عن الشيخ أبي محمد، حكاه الرافعي وجهين، الأصح منهما: التعدد؛ كما جزم [به] هنا، وقضية توجيهه الحكم بالتعدد في صورة الجهل أيضاً؛ لأن الإتلاف الذي هو سبب الوجوب حاصل؛ فلا معنى للإحالة على الشبهة؛ أورد هذا الإمام، وقال: هذه لطيفة يقتضي بها العجب.
وإذا قلنا بوجوب مهر واحد، فينظر فيه إلى أعلى الأحوال، ويكون الواجب مهر تلك الحالة.
قال: وإن طاوعته على الزنى- أي: حرة كانت أو أمة- وهي عالمة بتحريمه، لم يجب لها- أي: ولا لسيد الأمة- المهرُ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ مَهْرِ البَغِيِّ"، ولأ، منافع البضع تقوم بالشرع، وهي محترمة، ولا حرمة مع البغي.
أما إذا كانت جاهلة بتحريمه؛ لكونها حديثة عهد بالإسلام، فمنهم من أوجبه؛ كما في الوطء بالشبهة، ومنهم من تردد في وجوبه، وإن قطع بسقوط الحد؛
لضعف هذه الشبهة؛ حكاه الغزالي في كتاب "الرهن"، ونقل عن القاضي أنا إذا اكتفينا بهذا القدر في إثبات الأحكام؛ فينبغي أن نقول: المجنون إذا زنى، فحكمه حكم الوطء بالشبهة.
قال: [وقيل]: إن كانت أمة، وجب؛ لأن المهر حق للسيد؛ فلا يؤثر فيه رضاها؛ كما لو أَذِنَت في قطع يدها؛ كذا علله الرافعي وغيره.
وفي "التتمة" في كتاب "الجنايات": لو أن عبداً قال لعبد آخر: اقطع يدي، ففعل، هل يجب القصاص أم لا؟ فعلى وجهين:
فإن قلنا: لا يجب، ففي وجوب الدية وجهان ينبنيان على أن الأمة إذا طاوعت في الزنى، هل يجب المهر أم لا؟ وفيه قولان.
وإذا كان هذا فرعاً لمسألة الباب، كيف يحسن قياس مسألة الباب [عليه]؟
قال: والمذهب أنه لا يجب؛ لعموم الخبر، وكون المهر حقّاً للسيد لا يمنع سقوطهب فعلها؛ كما إذا ارتدت قبل [دخول الزوج] بها، أو أُرضِعت إرضاعاً مفسداً للنكاح.
قال الإمام: وفيه لطيفة من جهة المعنى، وهي أنها مشاركة في العمل، وليس الزاني منفرداً بإتلاف المنفعة، ولا [تمييز، ولا تشطير]، والشرع لا يتقاضى إثبات البدل لحق الحرمة؛ ذكره في كتاب "الرهن" في ضمن فصل: "كل تصرف [يمنع نفوذه لحق] المرتهن".
فرع: وإذا قلنا بسقوطه، فلو كانت بكراً، فإذا قلنا: إنها إذا كانت مكرهة يجب مهر ثيب وأرش البكارة، [أو مهر بكر وأرش البكارة]- وجب أرش البكارة.
وعلى مقتضى ما قاله في "التتمة" ينبغي ألَّا يجب.
وإن قلنا: يجب عليه مهر بكر، فهل يجب عليه زيادة على مهر مثلها، وهي ثيب؟ فيه وجهان، حكاهما الرافعي في كتاب "الغصب".
[فرع] آخر: لو اختلفا في الطواعية، فادعاها الواطئ، وادعت الإكراه، فمن القول قوله؟ فيه قولان؛ لتقابل الأصلين؛ حكاهما في الغصب.
ومن الصور التي يجب فيها مهر المثل، التي تقدم الوعد بذكرها: الرضاع: إذا أرضعت زوجته الكبيرة الصغيرة، أو أم الكبيرة.
وفي الشهادة بالطلاق مع الرجوع؛ على الأصح.
والشفعة إذا جعل الشقص المشفوع صداقاً.
وإذا جاءت امرأة في أيام الهدنة على ما سيتضح في موضعه، إن شاء الله تعالى.
والخلع.
وفيه صور تستنبط من الصور المذكورة في النكاح التي قدمناها، والله أعلم.
باب المتعة
المتعة: من التمتع، وهو الانتفاع.
والمراد بها هنا: المال الذي يدفعه الرجل إلى امرأته؛ لمفارقته إياها.
قال: إذا فوضت المرأة بضعها، وطلقت قبل الفرض والمسيس، وجب لها المتعة؛ لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236]، وهل هي واجبة بالعقد أو بالطلاق؟ فيه وجهان:
أصحهما- وهو الجديد-: الثاني، وادعى الإمام أن من قال بخلافه كان رادّاً للإجماع، وقد صرح بذكر الخلاف مجلي وغيره.
والمراد بالمسيس: الوطء.
قال: وإن سمَّى لها مهراً صحيحاً أو وجب لها مهر المثل، أي: بأن كان المسمى فاسداً، أو سكت عن ذكر المهر، وطلقت قبل المسيس، وجب لها نصف المهر دون المتعة؛ لمفهوم الآية، ولأنه لم يستوف منفعة بضعها، وتشطير المهر كان لما لحقها من الابتذال؛ فلا حاجة إلى شيء آخر.
وعن ابن سريج وغيره من الخراسانيين إثبات قول آخر: أن لها متعة؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241].
قال: وإن طلقت بعد المسيس- أي: سواء سمي لها مهر صحيح، أو وجب لها مهر المثل، أو كانت مفوضة، ولم يفرض لها- فهل لها المتعة مع المهر؟ فيه قولان:
القديم: أنه لا متعة لها؛ لأنها لا تجب عند وجوب شطر المهر؛ فعند وجوب جميعه أولى.
والجديد الصحيح: أن لها المتعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241].
وأيضاً: فقد قال تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: 28] وكان صلى الله عليه وسلم قد دخل بهن.
ولأن المهر في مقابلة الوطء؛ فيبقى الابتذال بالعقد خالياً عن البدل؛ فوجبت المتعة؛ كما قبل الفرض والمسيس.
وفي التتمة عن بعض الأصحاب [إشارة] إلى فرق بين المفوضة والتي استحقت المهر بالعقد:
فالمفوضة تستحق المتعة بعد الدخول؛ لأنها ما استحقت مالاً بالعقد، بخلاف غيرها؛ لأنها ملكت المال بالعقد.
ويستوي في المتعة: المسلم والذمي، والحر والعبد، وهي من كسب الزوج الرقيق ولسيد الأمة كالمهر.
قال: وكل فرقة وردت من جهة [الزوج بإسلام]، أو ردة، أو لعان، أو خلع- أي: معها أو مع أجنبي- أو من جهة أجنبي: كالرضاع- أي: كرضاع أم الزوجة [الكبيرة الصغيرة]- فحكمه حكم الطلاق في إيجاب المتعة- أي: في الأحوال الثلاثة- كما دل [عليه] كلامه في المهذب؛ كما أن حكمه حكم الطلاق في التشطير.
[وفي الوسيط حكاية تردد عن الأصحاب في الخلع معها، وهو مشابه لما حكيناه في التشطير].
ولو فوض الطلاق إليها، فطلقت، أو آلى عنها، وطلقها بعد المدة بطلبها، أو علق طلاقها بفعلها، ففعلت- فحكمه حكم الطلاق.
وحكى الحناطي في الأخيرتين وجهاً: [أنها لا تجب].
قال: وكل فرقة وردت من جهة المرأة بإسلام، أو ردة، أو رضاع، أو فسخ بالعيب- أي: إما فيها أو فيه- أو بالإعسار، وكذا بعتقها والزوج رقيق، أو بالغرور- لم يجب لها المتعة؛ لأن المهر يسقط بذلك، ووجوبه [آكد من] وجوب المتعة.
وفي الفسخ بالعنة حكاية قول: أن لها المتعة، وهو مشابه لما حكيناه في باب الخيار في النكاح: أنه [يشطر الصداق] على رأي.
وفي الجيلي حكاية عن الماوردي: أن الفسخ إن كان [بعيب] مقارن للعقد، فلا مهر، ولا متعة.
وإن كان حادثاً بعد العقد، فلا يسقط به نصف المهر، وتجب المتعة.
[قال]: وهو غريب لم يذكره غيره.
والمحكوم بإسلامه من الزوجين تبعاً لأحد أبويه، هل تحال الفرقة عليه بالنسبة إلى تشطر الصداق؟ فيه خلاف تقدم، ويتجه جريانه في المتعة.
فرع: لو ارتد الزوجان معاً، ففي وجوب المتعة وجهان؛ كما في التشطير.
والفرقة الحاصلة بالموت لا توجب المتعة بالإجماع؛ لأن النكاح قد بلغ منتهاه؛ فلم يلحقها الابتذال الذي لأجله وجبت المتعة.
قال: وإن كانت [الزوجة] أمة فباعها المولى من الزوج؛ فانفسخ النكاح- فالمذهب أنه لا متعة لها، وهو ما جزم به في التهذيب؛ لأن المتعة تجب بالفرقة، فتكون للمشتري، فلو أوجبناها، لأوجبناها له على نفسه، فلم تجب؛ بخلاف المهر؛ فإنه يجب بالعقد؛ فوجب للبائع.
قال: وقيل: يجب، وهو المنقول عن الإملاء؛ لأن سبب الفرقة حصل من الزوج وغيره؛ فأشبه الخلع.
قلت: ويمكن بناؤهما على أن المتعة تجب بالعقد، أو بالطلاق؟ فإن قلنا: تجب بالعقد، وجبت للسيد، وإلا فلا.
قال: وقيل: إن كان السيد طلب البيع، لم تجب، وإن كان الزوج طلب، وجبت؛ وهو المحكي عن أبي إسحاق؛ لاستوائهما في العقد المقتضي للفراق؛ فيرجح بالاستدعاء.
قال في الشامل: [قال أصحابنا]: وهذا يفسد بالخلع.
قال الإمام: والضابط: أن كل ما [لو] جرى قبل المسيس لم يسقط المهر، بل يشطره، فهو موجب للمتعة، وكل ما يتضمن سقوط جميع المهر، فلا يتعلق به المتعة، ولا استثناء إلا في مسألة شراء الزوجة.
واعلم أن قول الشيخ: "فانفسخ النكاح" محترز به عما إذا لم ينفسخ، بأن فسخ العقد في زمن الخيار، وفرعنا على أن الملك ما انتقل [أو] موقوف أو قلنا: إنه انتقل على أحد الوجهين، وقد تقدم ذكر ذلك في باب ما يحرم من النكاح.
ويحترز [به] أيضاً عما إذا كان الزوج وكيلاً في شرائها.
قال: وتقدير المتعة إلى الحاكم-[أي: عند عدم توافقهما على شيء-] يقدرها على حسب ما يراه: على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره؛ للآية.
والمقتر: من القتر، والتقتير، والإقتار، ثلاث لغات، وهوض يق العيش.
وفيه وجه: أنه يجب لها أقل ما يتمول، ويكون ذلك متعة؛ كما أنه يجوز أن يكون صداقاً.
قال: وقيل: يختلف باختلاف حال المرأة؛ لأن المتعة كالبدل عن شطر المهر؛ بدليل انتفائها عند وجوبه، والمهر يعتبر بحالها؛ فعلى هذا تعتبر متعة من هي مثلها في الجمال والشرف.
وفيه وجه: أنه يعتبر بحال قماشها وجهازها.
وقيل: ننظر إلى حالهما جميعاً.
قال في الوسيط: وهو الصحيح، ورجحه غيره، وهو ظاهر لفظ المختصر.
ويجوز أن تزيد المتعة على نصف مهر المثل؛ على أظهر الوجوه، وهو ما أورده في التهذيب.
ولا تزيد على الثاني، وهو محكي عن صاحب التقريب؛ لأنها بدل عنه.
وتنقص عنه في الثالث؛ كما يحط التعزير عن الحد؛ حكاه الحناطي، ونقل الإمام اتفاق المحققين عليه، فإن كان في العقد مسمى فينقص عن نصفه، وإلا فينقص عن نصف مهر المثل.
وإن كان في العقد مسمى، وفرعنا على أن المدخول بها تستحق المتعة، فينظر في المتعة ونصف مهر المثل، أو ينظر في المتعة ونصف المسمى.
[و] أبدى الإمام احتمالين، ورجح الأول.
أما إذا تراضيا على شيء فذاك.
وحكى الحناطي وجهاً: أنه ينبغي أن يُملِّك كل منهما صاحبه، فإن لم يفعلا، لم تبرأ ذمة الزوج، ولها رفع الأمر إلى الحاكم؛ ليقدر متعة، والظاهر الأول، وهذا كله في القدر الواجب.
أما المسنون، فأقله ثلاثون درهماً [أو ما قيمته] ذلك؛ كما ذهب إليه ابن عمر، وابن عباس.
وفي التتمة: أن المستحب أن يمتعها بخادم، فإن لم يكن فَمِقْنَعة أو ثلاثين درهماً.
وفي بعض الشروح حكاية قول: أنه يمتعها بخادم إن كان موسراً، وإن كان معسراً فَمِقْنَعة وإن كان متوسطاً [فبقدر] ثلاثين درهماً والله أعلم.
باب الوليمة والنثر
الوليمة: الطعام المتخذ للعرس، مشتقة من الولم، وهو الجمع؛ لأن الزوجين يجتمعان؛ قاله الأزهري وغيره.
قال ابن الأعرابي: وأصلها تمام الشيء واجتماعه، والفعل منها: أَوْلَمَ.
وقيل: الوليمة كل طعام يتخذ لحادث سرور من إملاك، وعرس وسلامة المرأة عن الطلق، وحلق رأس المولود، وختانه، وقدوم المسافر، والبناء.
وتسمى: مأدبة، لكنه غلب استعمال لفظ الوليمة على الطعام المتخذ لأجل العرس؛ لما ذكرناه، وما عداه اشتهر له اسم يختص به، فطعام الإملاك يسمى: الشُّندخي: بشين معجمة تضم وتفتح، ونون بعدها، ودال غير معجمة [تضم وتفتح]، وخاء بعدها، اشتق من قولهم: "فرس شندخ"، وهو الذي يتقدم الخيل، وسمي هذا الطعام بذلك؛ لأنه يتقدم العرس.
والطعام المتخذ عند سلامة المرأة من الطلق: الخرس [والخرص] بضم [الخاء] وبالسين وبالصاد.
و [الطعام المتخذ] عند حلق رأس المولود في السابع: العقيقة.
وعند الختان: الإعذار، بالعين المهملة، والذال المعجمة.
والطعام المتخذ عند قدوم المسافر: النقيعة، مأخوذ من النقع، وهو الغبار.
ثم قيل: إن المسافر يصنع الطعام، وقيل: يصنعه غيره له.
والطعام المتخذ عند البناء: الوكيرة.
وعند المصيبة: الوضيمة، بفتح الواو، وكسر الضاد المعجمة.
وإذا كان الطعام لغير سبب سمى: مأدبة، بضم الدال وفتحها.
قال: الوليمة على العرس [واجبة على] ظاهر النص:
العرس: مؤنثة ومذكرة، والراء ساكنة ومضمونة، والجمع: أعراس.
والدليل على ظاهر النص، وهو ما ذهب [إليه] ابن خيران قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف وقد تزوج: "أولم ولو بشاة".
ولأنه صلى الله عليه وسلم ما تركها في سفر ولا حضر.
قال: وقيل: لا تجب، وهو الأصح، ويحكى عن القفال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ فِي المَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ".
ولأنها لا تختص بالمحتاجين؛ فأشبهت الأضحية، والحديث [الأول] محمول على تأكد الاستحباب.
وقيل: هي فرض على الكفاية إذا فعلها واحد أو اثنان في الناحية أو القبيل، وشاع، وظهر، سقط الفرض عن الباقين.
أما سائر الولائم غير وليمة العرس، فلا تجب لكي يستحب إظهارها؛ لما في ذلك من إظهار نعمة الله- تعالى- عليه والشكر عليها.
وفي التتمة: أن من الأصحاب من خرج وجوبها قولاً.
قال: والسنة أن يولم بشاة؛ لأنه صلى الله عليه وسمل أولم على [زينب بنت جحش بشاة، وبأي شيء أولم من الطعام جاز؛ لأنه- عليه السلام- أولم على] صفية بسويق وتمر.
وقال في الشامل والتتمة: أقل الوليمة للمتمكن شاة؛ لحديث عبد الرحمن؛ فإن لم يتمكن من ذلك، اقتصر على ما يقدر عليه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم [حيث] أولم بالسويق
والتمر، كان في حرب خيبر، وهو مظنة العجز.
قال: والنثر مكروه، والنثر: مصدر نثر يَنثُر ويَنثِر نثراً ونثاراً، ومعناه: رماه متفرقاً.
وإنما كره كما حكاه الشيخ وابن الصباغ والمتولي؛ لأن التقاطه دناءة ويؤخذ بتزاحم، وقد يؤدي إلى الوحشة والعداوة، وربما أخذه من يكره صاحبه أن يأخذه؛ لقوته، وشدته، والنثر سبب ذلك.
وفيه وجه: أنه غير مكروه، وهو ما أجاب به الغزالي، ورجحه الرافعي، لكن الأولى تركه؛ لما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حضر في إملاك، فأتى بأطباق عليها جوز ولوز وتمر، ونثرت، فقبضنا أيدينا، فقال: "مَا لَكُمْ لَا تَاكُلُونَ؟ " فقالوا: لأنك نهيت عن النهبي، فقال: إنما نهيتكم عن نهبى العساكر، خذوا على اسم الله تعالى؛ فجاذبنا وجاذبناه، ورد في التتمة هذا الحديث، لكنه لم يثبت عند أهل الحديث.
وقال الصيمري: النثر سنة؛ لأنه- عليه الصلاة والسلام- نثر لما زوج ابنته فاطمة؛ فتحصل في المسألة ثلاثة أوجه: يستحب، يكره، لا هذا ولا ذاك.
أما أخذ النثار من الهواء وتلقيه بالإزار فمكروه، والتقاطه جائز، لكن تركه أولى، إلا إذا عرف أن الناثر لا يُؤْثِرُ بعضهم على بعض، ولم يقدح الالتقاط في المروءة.
وقال الصيمري: إنه مكروه من غير تفصيل.
ومن التقطه هل يملكه؟ فيه وجهان، أصلهما على ما رواه المتولي الخلاف
في المعاطاة، لكن الأئمة إلى ثبوت الملك هنا أميل.
فإن قلنا بعدم الملك، فللناثر الاسترجاع، وبه أجاب ابن كج، ولكن قيده بما [إذا] لم يخرج من الدار، وعليه الغرم إذا كان أتلفه.
وإن قلنا بالملك فليس له استرجاعه.
ويخرج عن ملك الناثر بالنثر، أو بأخذ الملتقط، أو بإتلافه؟ فيه ثلاثة أوجه.
فروع:
لو وقع في حجر إنسان من النثار شيء، فإن بسطه لذلك، فهو كالأخذ بالأيدي، فلو سقط كما وقع، فهل يبطل حقه؟ فيه وجهان، وأجراهما الإمام فيما إذا وقع الصيد في الشبكة، وانفلت في الحال، وقال: الظاهر أن حقه يبقى.
وإن لم يبسط حجره لذلك، فلا يملكه، ولكنه أولى به من غيره، فإن أخذه غيره، فهل يملكه؟ فيه وجهان:
الأظهر: عدم الملك.
ولو سقط من حجره قبل أن يأخذه، أو قام فسقط، بطل اختصاصه، وهذه الأولوية إنما تثبت إذا كان من وقع في حجره ممن يأخذ، فأما من يعلم أنه لا يأخذه، ولا يرغب فيه، فلا اختصاص له به.
قال: ومن دعي إلى وليمة، لزمته الإجابة، أي: سواء كان المدعو مفطراً، أو صائماً؛ لما روي ابن عمر- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَاتِهَا"، وروى: "مَنْ دُعِيَ [فَلَمْ يُجِبْ، فَقَدْ عَصَى] اللهَ وَرَسُولَهُ".
قال: وقيل: هي فرض على الكفاية؛ لأن المقصود أن يظهر الحال، ويُشتهَر، وذلك حاصل بحضور البعض.
قال: وقيل: لا تجب-[أي]: بل تستحب- لأن الحضور للأكل، وهو محصل للملك والإتلاف للمأكول، وذلك لا يجب على الإنسان، والخبر محمول على تأكيد الاستحباب وكراهية الترك.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق بين وليمة النكاح وغيرها، وهو ما أشار إليه [الشيخ] أبو حامد.
وفضل بعض الأصحاب فقال: أما وليمة العرس فإن قلنا بوجوبها، وجبت الإجابة إليها، [وهل الإجابة] فرض عين أو فرض كفاية؟ فيه مثل الخلاف السابق.
وإن قلنا بعدم وجوبها، ففي الإجابة قولان.
وأما غيرها ففي الوجوب طريقان:
أحدهما: طرد القولين.
والثاني: القطع بعدم الوجوب، ولا خلاف على قول عدم الوجوب: أنه يتأكد الاستحباب؛ إذ عليه يحمل الحديث.
فروع:
أحدها: لو اعتذر المدعو إلى صاحب الوليمة، فرضي بتخلفه، سقط الوجوب إن قلنا به، وارتفعت [الكراهية في التخلف] على القول الآخر.
الثاني: لو علم المدعو بقرينة لاحال أنه لا يعز على الداعي امتناعه، ففي سقوط الوجوب تردد للأصحاب حكاه في الذخائر.
الثالث: لو دعاه اثنان فصاعداً، أجاب الأسبق، فإن جاءا معاً، أجاب الأقرب رحماً، ثم الأقرب داراً؛ كما في الصدقة.
تنبيه: حيث قلنا بوجوب الإجابة، أو استحبابها فذاك عند وجود شرائط.
منها: أن يعم صاحب الدعوة الدعوة بأن يدعو جميع عشيرته، أو إخوانه أو أهل حرفته: أغنياءهم وفقراءهم دون ما إذا خصص الأغنياء بالإحضار.
ومنها: أن يخصه بالدعوة بنفسه أو برسوله، فأما إذا فتح باب الدار، ونادى:
ليحضر من يريد، أو بعث رسوله ليحضر من شاء- فلا تجب الإجابة، ولا تستحب.
ومنها: ألَّا تكون دعوته لخوف منه، أو لطمع في جاهه، أو تعاونه على باطل، بل تكون للتقرب، وللتودد.
ومنها: ألا يكون قد دعا مع السفلة [والأرذال]، والمدعو له شرف وثروة على أظهر الوجهين، وبقية الشروط مذكورة في الباب.
قال: ومن دعي في اليوم الثاني، استحب له [ألَّا يجيب]، أي: ولا يكون كالاستحباب في [اليوم] الأول إذا قلنا به، ومن دعي في [اليوم] الثالث فالأولى ألا يجيب.
وجعله بعضهم مكروهاً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الوَلِيمَةُ فِي اليَوْمِ الْأَوَّلِ حَقٌّ، وَفِي الثَّانِي مَعْرُوفٌ، وَفِي الثَّالِثِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ".
قال: وإن دعي مسلم إلى وليمة كافر- أي: ذمي لم يلزمه الإجابة، [أي]: ولا يكون الاستحباب في إجابة دعوته كالاستحباب في إجابة المسلم؛ لأن ذلك على طريق الكرامة والموالاة؛ فلم يلزم المسلم للكافر؛ كرد السلام.
ولأنه قد يعاف طعامه، ولا يأمن فيه النجاسة كذا علله ابن الصباغ.
قال: وقيل: يلزمه؛ لعموم الخبر.
وقيل: إنه مكروه، والخبر محمول على المسلم.
ولو دعا مسلم ذميّاً، فلا يلزمه الإجابة قولاً واحداً؛ قاله الجيلي.
قال: ومن دعي وهو صائم صوم تطوع، استحب له أن يفطر؛ لما روي
أن النبي صلى الله عليه وسلم حضر دار بعضهم، فلما قدم الطعام أمسك بعضُ القوم، وقال: إني صائم، فقال صلى الله عليه وسلم: "يَتَكَلَّفُ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ، وَتَقُولُ: إِنِّي صَائِمٌ؟! أَفْطِرْ، ثُمَّ اقْضِ يَوْماً مَكَانَهُ".
ولأنه يدخل السرور على من دعاه، ولا يجب ذلك، والحديث محمول على الاستحباب، ويدل عليه [ما روي] أنه صلى الله عليه سولم قال: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعَمْ وَإِنْ كَانَ صَائِماً فَلْيُصَلِّ"، أي: فَلْيَدَعْ.
وقال مجلي: يحتمل أن تبنى هذه المسألة على أنه لو كان مفطراً، هل يجب الأكل أم لا؟ فإن قلنا بعدم وجوبه، [فكذلك ها هنا،] وإن قلنا بالوجوب، وجب عليه الإفطار، ويحمل قوله صلى الله عليه وسلم: " [وَإِنْ] كَانَ صَائِماً فَلْيُصَلِّ" على الصوم المفروض، ولا فرق بين أن يكون عدم الأكل يشق على الداعي أو لا.
وقال الخراسانيون: إن كان يثقل على الداعي ترك الأكل، أو ألح عليه في الإفطار، استحب له ذلك، وإلا لم يستحب.
أما إذا كان صائماً عن فرض، فإن كان الوقت ضيقاً، فلا يجوز له الفطر، وإن لم يكن: كالنذر المطلق وقضاء رمضان، فإن لم نجوّز له الخروج منه- وهو المذهب في التتمة- فهو كالمضيق.
وإن جوزنا الخروج منه، فقد قيل: هو كصوم النفل.
وعن القاضي الحسين: أنه يكره الخروج منه.
قال: وإن كان مفطراً، لزمه الأكل، وأقله لقمة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "فَلْيَطْعَمْ"، ولأن المقصود من الدعوة التناول، وترك الأكل يورث الوحشة.
وقيل: لا يلزمه، وهو الأصح؛ لما روى [جابر] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ"، وعلى هذا يكون مستحبّاً؛ وهذا في وليمة العرس.
ولفظ صاحب التتمة يقتضي تعميم الوجهين في جميع الضيافات، وهو منقاس على أصل من يوجب الإجابة فيها.
فرع: هل يملك المضيف ما يأكله؟ قال القفال: لا، بل هو إتلاف بإباحة المالك، وللمالك أن يرجع ما لم يأكل؛ وهذا ما اختاره ابن الصباغ عند الكلام في كفارة الظهار، وضعف ما عداه، وقال الإمام في كتاب الغصب: إنه ظاهر المذهب، وقبيل [كتاب] الإجارة: إنه الأصح.
وقال أكثرهم: يملك، وبم يملك؟ فيه وجوه:
قيل: بالوضع بين يديه.
وقيل: بالأخذ.
وقيل: بوضعه في الفم.
وقيل: [عند المضغ].
وقيل: بالازدراد يتبين حصول الملك قبيله.
وزيف المتولي ما سوى الوجه الأخير.
والمذكور في الشامل ما عدا الأول والرابع؛ كما حكاه في الظهار.
وعلى الوجوه ينبني التمكن من الرجوع، وليس له أن يعطيه غيره، ولا أن ينقله وإن قلنا: [يملك].
[وحكى ابن الصباغ في الظهار عن القاضي أبي الطيب: أنا إذا قلنا: إنه] يملكه بالتناول، كان له التصرف فيه بغير الأكل؛ لأنه قد ملكه بالإذن والقبض، وكذلك عن الشيخ أبي حامد.
ولا يحتاج الضيف في الأكل بعد تقديم الطعام إلى لفظ إلا إذا كان ينتظر حضور غيره؛ فلا يأكل إلى أن يحضر، أو يأذن المضيف لفظاً.
وفي الوسيط وجه: أنه لابد من لفظ.
وفي التتمة: أن تقديم الطعام إنما يكفي إذا كان قد دعاه إلى بيته، فأما إذا لم تسبق الدعوة، فلابد من الإذن لفظاً إلا إذا جعلنا المعاطاة بيعاً.
قال: وإن دعي إلى موضع فيه معاصٍ من زمر، أو خمر، ولم يقدر على إزالتها، فالأولى ألَّا يحضر، فإن حضر، فالأولى أن ينصرف؛ كي لا يشاهد المنكر، وربما تدعوه نفسه إلى تعاطي ذلك.
قال: فإن [قعد واشتغل] بالحديث والأكل جاز- أي: مع إنكاره بقلبه- كما لو كان يضرب المنكر في جواره، فإنه لا يلزمه التحول، وإن كان يبلغه الضرب؛ وهذا ما أشار إليه الشيخ أبو حامد حكاية عن المذهب، ولم يحكِ سواه على ما حكاه مجلي عن تعليق البندنيجي.
وفي طريقة المراوزة: أنه لا يجوز الحضور فضلاً عن القعود، [وهو الصحيح]، وإليه ذهب القاضيان: ابن كج، والروياني، وجزم به في التتمة.
ووجهه [ما روي] أنه- صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الْآخِرِ فَلَا
يَقْعُدْ عَلَى مَائِدَةٍ تُدَارُ عَلَيْهَا الخَمْرُ".
ولأنه كالراضي بالمنكر، والمقر له.
نعم: إن لم يعلم بذلك، فدخل؛ فلينههم، فإن لم ينتهوا؛ فليخرج إن أمكنه، فإن لم يمكنه كما في الليل مع الخوف؛ فليقعد كارهاً، ولا يستمع.
أما إذا كان حضوره يدفع المنكر، فليحضر؛ إجابة للدعوة، وإزالة للمنكر.
فرع: لو كان في الموضع نبيذ فلا ينكر، قال: [القاضي] ابن كج: لأنه في موضع الاجتهاد، والأولى أن يكون الحضور في حق من يعتقد التحريم؛ كما في المنكر المجمع على تحريمه.
وقيل بخلافه؛ كذا قاله الرافعي.
قال: وإن حضر في موضع فيه صورة حيوان، فإن كان على بساط يداس أو مخاد توطأ- أي: صغار يُتَّكأ [عليها]- جلس.
قال الرافعي: وليكن في معناها الخوان والقصعة، وإن كانت على الحائط أو ستر معلق، لم يجلس؛ وكذا على السقوف، والثياب الملبوسة، والوسائد الكبار المنصوبة؛ لما روي عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم من سفر، وقد سترت على صفة لها ستراً فيه الخيل ذوات الأجنحة، فأمر بنزعها، وقطعنا منها وسادة أو وسادتين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتفق بهما".
ولا فرق في ذلك بين أن يكون ذلك للزينة أو للانتفاع.
وحكي عن الشيخ أبي حامد: أنها إن استعملت للزينة، حرم، وإن كان للانتفاع لم يحرم.
وقال بعض الأصحاب: التحريم مخصوص [بصورة الحيوان المألوفة]، أما إذا لم يشاهد مثله: كصورة إنسان له جناح طائر، فلا يحرم.
وقال بعضهم: إن التحريم ثابت إذا كانت صورة الحيوان بارزة، أما إذا لم تكن بارزة، فلا يحرم؛ حكاه الجيلي.
ولو كانت صورة الحيوانات مقطوعة الرءوس، فلا بأس على الظاهر.
وفي التتمة التسوية بينها وبين غيرها.
وقال الإصطخري: تحريم اتخاذ صورة الحيوان كان في ابتداء الإسلام؛ قطعاً لهم عن عبادتها.
وفيما علق عن الإمام الإشارة إلى تخصيص المنع بالسقوف والجدر، ويرخص فيما على الستور والوسائط المنصوبة.
والظاهر الأول.
والمعنى: أن ما يوطأ ويطرح مهان مبتذل، والمنصوب يشابه الأصنام.
ولو كانت الصور في الممر دون موضع الجلوس، فلا بأس بالدخول والجلوس، وهل المنع من الجلوس- حيث قلنا به- منعُ تحريمٍ أو كراهةٍ؟ فيه وجهان:
أحدهما- وبه كان يجيب الشيخ أبو محمد-: الأول، ونظم الغزالي في الوجيز يقتضي ترجيحه، وادعى في الذخائر: أنه الذي عليه الأكثرون، وهو ظاهر النص.
والثاني: الكراهة، ويحكي عن صاحب التقريب والصيدلاني، ورجحه الإمام والغزالي في الوسيط، وهو ما جزم به في التتمة، وبه قال ابن الصباغ؛ لأنه ليس
بأكثر من المنكر: كالخمر، والملاهي.
أما إذا كان المتخذ صور أشجار، أو الشمس، أو القمر- فلا بأس بالحضور.
وفي شرح الجويني وجه: أن [صور] الأشجار مكروهة؛ لأن منهم من يعبد الأشجار.
فروع:
إذا دعاه من أكثر ماله حرام، كرهت إجابته، والمرأة إذا دعت النساء، فالحكم كما ذكرنا في الرجال، وإن دعت رجالاً أو رجلاً فتجاب إذا لم تكن خلوة محرمة.
وتصوير الحيوان على الأرض والفرش هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: التحريم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لعن المصور؛ كما رواه البخاري في حديث جحيفة، وبالقياس على التصوير على السقوف.
والثاني: الجواز؛ لأنه ينتفع بها.
فعلى الأول: لو استؤجر على ذلك، لم يستحق الأجرة.
وفي الجيلي عن الحاوي: أن للمرأة [خيار] فسخ النكاح؛ إذا كان كسب زوجها من الصور، والله أعلم.
باب عشرة النساء والقسم والنشوز
المعاشرة، والتعاشر: المخالطة، والعشرة: الاسم منه، والعشير: المخالط.
والقَسم: بفتح القاف، [وسكون السين، مصدر: قسمت الشيء أقسمه قسماً، والقِسم: بكسر القاف]: النصيب، وبفتح القاف والسين معاً: اليمين، والمراد هنا الأول؛ لأن الزوج يقسم الزمن الذي جرت العادة فيه بالسكون إلى الزوجة بين سائر نسائه.
والنشوز، [والنشز: من] الارتفاع، ونشزت المرأة، ونشصت، ونشز الرجل ونشص؛ إذا ارتفع على صاحبه، وخرج عن حسن المعاشرة؛ ذكره الأزهري، وقال: هو مأخوذ من النشز، وهو المرتفع من الأرض، يقال بفتح الشين وإسكانها.
قال: يجب على كل واحد من الزوجين معاشرة صاحبه بالمعروف، وبذل ما يجب عليه من غير مطل ولا إظهار كراهة، أي: بل يؤديه وهو طلق الوجه.
والمطل: مدافعة الحق مع القدرة على التأدية.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]، وأراد تماثلهما في وجوب الأداء، [لا أن] الحقين متماثلان في الكيفية والصفة.
وقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وفسره الشافعي، فقال: وجماع المعروف بين الزوجين: الكف عن المكروه، وإعفاء صاحب الحق عن المؤنة في طلبه، من غير إظهار كراهية في تأديته؛ فإنها مطل، ومطل الغني ظلم.
ولتعلم أن عقد النكاح عقد معاوضة، تملك به المرأة المهر، وتستحق بسببه النفقة والكسوة، وغير ذلك مما يذكر في هذا الباب، وفي "النفقات": وللزوج استباحة البضع على التأبيد واللزوم- ما لم يطرأ عليه قاطع- ولزوم مسكنه، وغير ذلك [مما ذكر] بعضه في كتاب "النفقات"، وبعضه في هذا الباب، وإلى
ذلك وقعت الإشارة بقول الشيخ: "وبذل ما يجب عليه من غير مطل ولا إظهار كراهة".
قال: ولا يجوز أن يجمع بين امرأتين في مسكن واحد؛ لأن اجتماعهن في مسكن واحد مع تأكد الوحشة بينهن يولد كثرة المخاصمة والخروج عن الطاعة، وليس ذلك بالمعاشرة بالمعروف.
ولأن كل واحدة منهما قد استحقت السكنى؛ فلا يلزمها الاشتراك فيها، كما لا يلزمها في كسوة واحدة يتناوبانها، وهذا إذا لم تنفصل المرافق، أما إذا انفصلت المرافق، وكان ذلك يليق بالحال فيجوز؛ لأنه كالمسكنين.
قال: إلا برضاهما؛ لأن الحق لهما، ولا يعدوهما.
قال: ويكره أن يطأ إحداهما بحضرة الأخرى-[أي]: إذا رضيتا بالبيت الواحد- لأنه دناءة، وسوء عشرة.
وأيضاً: فإنها ربما تنكشف، فتظهر عورتها لصاحبتها.
فلو طلب الزوج ذلك، وامتنعت لا يلزمها الإجابة، ولا تصير ناشزة بالامتناع.
قال: وله أن يمنع زوجته من الخروج من منزله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ: أَلَّا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ"، وادعى الإمام فيه الإجماع؛ وهذا إذا كانت مواصلة بالنفقة، فلو كان الزوج معسراً بالنفقة، فإن لم نثبت لها حق الفسخ، فليس له منعها من الخروج؛ للتكسب، وكذا لو كانت مستغنية عن التكسب على الأصح.
وإن أثبتنا لها حق الفسخ، قال في المهذب: فإذا لم تفسخ، واختارت [المقام]؛ فلها أن تخرج من منزله.
وقال غيره: لها الخروج في مدة الإمهال؛ لتحصيل النفقة، وليس له منعها على الأصح.
فلو كانت تقدر على التكسب في المنزل، أو مستغنية عنه، فهل له منعها؟ فيه وجهان:
والأصح: أنه ليس له [منعها]، نعم عليها أن ترجع بالليل إلى منزل الزوج؛ لأنه وقت الدعة؛ كذا قاله الروياني في "البحر".
وله- أيضاً- أن يمنع أبويها من الدخول إليها، لكن الأولى ألَّا يفعل؛ نص عليه الغزالي وغيره في كتاب النفقات، والحق بالوالد الولد في ذلك.
قال: فإن مات لها قريب، استحب له أن يأذن لها في الخروج؛ لأن منعها يؤدي إلى النفور.
قال: ولا يجب عليه أن يقسم لنسائه- أي: ابتداء؛ لأن المبيت حقه، فجاز له تركه؛ كسكنى الدار المستأجرة.
ولأن في داعية الطبع ما يغني عن إيجابه، نعم: يتسحب له القسم وألا يعطلهن؛ لأن فيه إضراراً بهن، وقد يفضي إلى الجور.
وقال الإمام: ولست أبعد [إطلاق] لفظ كراهة في التعطيل.
وفي الرافعي حكاية وجه: أنه ليس له الإعراض عنهن.
أما إذا أراد أن [يبيت عند واحدة]، وجب عليه القسم.
ولو لم يكن له إلَّا زوجة واحدة، فيستحب [له] أن يبيت عندها؛ لما ذكرناه÷، وأدناه ألا يخلي كل أربع ليال عن ليلة.
قال: فإن أراد القسم، لم يبدأ بواحدة منهن إلا بالقرعة أو بإذن الباقيات؛ لأنه أعدل وأسلم عن الميل المنهي عنه.
وفيه وجه: أن له أن يبدأ بمن شاء [منهن].
وقال في التتمة: إنه مكروه، وإنه لو أراد أن يقدم غير من خرجت عليها القرعة، لم يجز.
وعلى الأول- وهو الأصح-: إذا بدأ بواحدة بالقرعة، وهن أربع، فإذا وفَّى نوبتها، أقرع بين الباقيات، ثم يقرع [بين] الأخريين، فإذا تمت النوبة،
ورغب الزوج في استمرار القسم يراعي الترتيب، ولا حاجة إلى إعادة القرعة.
ولو بدأ بواحدة بغير قرعة، فقد ظلم، ويقرع بين الثلاث الباقيات، فإذا تمت النوبة لا يعود إلى التي بدأ بها ظلماً، بل يقرع، وكأنه ابتداء القسم.
قال: ويقسم للحائض والنفساء والمريضة والرتقاء، وكذا المجنونة التي [لا] يخاف منها، والمحرمة، والتي آلى عنها، أو ظاهر.
قال الغزالي: وكل من بها عذر طبعي أو شرعي؛ لأن هذه المعاني إنما تمنع الوطء، والمقصود من القسم الأنس والسكن، والتحرز عن التخصيص الموحش، وذلك يحصل لهؤلاء.
أما إذا خيف من المجنونة، فلا قسم لها.
وفي التتمة: أن المعتدة عن وطء الشبهة لا قسم لها؛ لأنه لا يجوز له الخلوة [معها]؛ وهذا يقع مستثنى من كلام الغزالي.
فرع: لو كان له امرأتان ببلدين، كان عليه أن يقسم لهما، إما بأن يحضرهما إليه، أو يمشي إليهما.
قال: ويقسم للحرة ليلتين [وللأمة ليلة]- أي: مسلمة كانت أو كتابية- وللأمة ليلة- أي: سواء كان الزوج عبداً أو حرّاً- ويتصور فيما إذا نكح أمة عند وجود شرائطه، ثم نكح حرة، أو كان عبداً، ثم عتق، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ، وَلِلْحُرَّةِ ثُلُثَا القَسْمِ"، وهذا الحديث وإن كان مرسلاً فيؤيده ما روي عن علي- كرم الله وجهه- أنه قال: "إِذَا نُكِحَتِ الْحُرَّةُ عَلَى الأَمَةِ، [فَلِهَذِهِ الثُّلُثَانِ، وَلِهَذِهِ الثُّلُثُ"، وهذا إذا استحقت الأَمَةُ النفقةَ؛ إما بأن] يسلمها السيد ليلاً ونهاراً، أو يسلمها ليلاً، وقلنا باستحقاقها النفقة.
أما إذا قلنا بعدم الاستحقاق عند وجود التسليم في الليل خاصة، فلا [قسم لها على ما ذكره القاضي ابن كج، والشيخ أبو حامد، وغيرهما.
قال الرافعي:] وفي نص الشافعي إشارة إليه.
واعلم أن أقل القسم أن يقسم ليلة ليلة، فلا يجوز تبعيض الليلة.
وفيه وجه: أنه يجوز.
وحكى الإمام وجهاً فارقاً بين أن يقسم لكل واحدة بعض ليلة فلا يجوز، وبين أن يقسم ليلة وبعض ليلة فيجوز؛ لحصول الأنس إذا انضم البعض إلى الليلة الكاملة.
والظاهر الأول.
والأولى ألَّا يزيد على ليلة واحدة؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو قسم ليلتين ليلتين، أو ثلاثاً ثلاثاً، جاز.
وفيه وجه: أنه لا تجوز الزيادة على الليلة إلا برضاهن، وهل تجوز الزيادة على الثلاث؟ فيه قولان:
أصحهما: أنه لا يجوز.
والثاني: يجوز إذا رضين.
وإذا قلنا بالجواز فكم يجوز؟ قال صاحب التقريب: يجوز أن يقسم سبعاً [سبعاً]، وقال الشيخ أبو محمد وغيره: يجوز أن يزيد ما لم يبلغ مدة التربص في الإيلاء.
وإذا فهم مجموع ذلك، علم أن قول الشيخ- رضيا لله عنه-: "ويقسم للحرة ليلتين، وللأمة ليلة" للحصر على الصحيح؛ إذ الزيادة على ذلك تفضي إلى الزيادة على الثلاث أو تبعيض الليلة، وذلك لا يجوز على الصحيح، والنقصان [عنه يفضي إلى تبعيض الليلة]، وذلك لا يجوز على الصحيح.
قال: ولا يجب عليه إذا قسم أن يطأ؛ لأنه يتعلق بالنشاط والشهوة، وهي لا تتأتى في كل وقت.
ولأنها غير داخلة تحت القدرة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ".
نعم: لو لم يكن قد دخل بهن، فهل يطالب لكل واحدة بوطأة؟ فيه الخلاف السابق.
قال: غير أن المستحب أن يسوي بينهن في ذلك، أي: إذا أمكنه؛ وكذا في سائر الاستمتاعات؛ لأنه أكمل في العدل.
قال: وإن سافرت المرأة بغير إذنه- أي: في حاجتها، أو في حاجته- سقط حقها من القسم؛ لنشوزها؛ كما تسقط نفقتها، وكذلك إذا خرجت إلى دار قومها بغير إذنه، ويستثنى من ذلك ما إذا كانت الزوجة أمة، فسافر بها السيد بعد أن بات عند الحرة ليلتين، فإنه لا يسقط حق الأمة من القسم، بل على الزوج قضاء ما فات عند التمكن؛ لأن الفوات حصل بغير اختيارها؛ كذا حكاه في التتمة.
قال: وإن سافرت بإذنه- أي: في حاجتها- سقط حقها من القسم في أحد القولين، وهو الجديد؛ لأن القسم للأنس، وقد عدم؛ فسقط ما يتعلق به، وإن لم تكن مَاثُومة؛ [كالثمن] لما وجب في مقابلة المبيع، سقط بعدمه وإن كان معذوراً في العدم.
ولا يسقط في الآخر؛ لأنها سافرت بإذنه، فأشبه ما إذا سافرت معه، وما إذا سافرت بإذنه في حاجته، وحكم النفقة حكم القسم.
قال: وإن متنعت من السفر مع الزوج، سقط حقها من القسم؛ لنشوزها.
قال: وإن أراد أن يسافر بامرأة، لم يجز إلا بقرعة؛ لما روت عائشة- رضي الله عنها-: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَراً أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا [خَرَجَ بِهَا] ". وأشار الحناطي إلى خلاف في [أن] ذلك
مخصوص بما إذا كان يقسم لهن أو مطلق، والظاهر الإطلاق.
قال: فإن سافر بواحدة بغير فرعه، قضى؛ لأنه خص بعض نسائه بمدة على وجه تلحقه فيه التهمة؛ فلزمه القضاء؛ كما لو كان حاضراً.
[ثم في المدة الواجب] قضاؤها وجهان:
أظهرهما: أنه يقضي ما بين إنشاء السفر إلى أن يرجع إليهن.
والثاني: أنه يستثني مدة الرجوع؛ لأنه خروج عن المعصية.
وفيه وجه: أنه لا يقضي من وقت العزم على الرجوع، وإن لم ينهض بعد.
والوجهان الأخيران حكاهما الرافعي.
ولا فرق [بين] أن يبيت عندها أو لا يبيت، إلا إذا تركها في بلدة، وفارقها؛ قاله البغوي في فتاويه.
قال الرافعي: ويحتمل أن يقال: لا يقضي إلا ما بات عندها.
ويحتمل أن يقال: يقضي وإن خلفها في بلدة.
قال: وإن سافر بالقرعة- أي: غير سفر النُّقْلة- لم يقض، [أي:] مدة الذهاب والرجوع والمقام في البلد الذي سافر [بها] إليها إذا لم ينو المقام بها مدة تزيد على مدة المسافرين، ولا امتد مقامه، وسواء كان السفر مما تقصر فيه الصلاة أو لا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سافر بعائشة، ولم ينقل عنه أنه كان إذا عاد يقضي، بل ظهر أنه كان إذا عاد يدور على النوبة.
وحكى أبو الفرج الزاز: أنه روي عن عائشة أنه ما كان يقضي.
ولأن المصاحبة في السفر قد تحملت مشاق بإزاء [ما] حصل لها من مقام الزوج، والمقيمة لم تتحمل مثل ذلك، ولم يوجد من الرجل قصد الميل إليها حتى يصير مفرطاً، فلو أوجبنا القضاء للباقيات، كان حظهن أوفر، وفي ذلك إثبات تفاوت بينهن، [والشرع أمر بالتسوية].
أما إذا وصل إلى مقصده، فعزم على المقام، وأقام مدة، أو أقام أربعة أيام من
غير عزم على الإقامة- قضى مدة مقامه.
ومن أصحابنا من قال: لا يقضي، [وجعله الفوراني المذهب، والآخر وجهاً.
فإن قلنا: يقضي] فلو أقام يوماً واحداً، فظاهر النص: أنه يقضي.
وقال الغزالي: [إنه] لا قضاء عليه؛ لأن هذا تابع للسفر، فلو زادت [مدة] إقامته على يوم واحد، ففي كلام الإمام ما يفهم وجوب القضاء.
قال الرافعي: والأقرب ما أورده صاحب التهذيب.
قال: ولو حمل بعضهن بالقرعة، وزاد مقامه على مقام المسافرين، يجب عليه أن يقضي ما زاد على مقام المسافرين؛ هذا آخر كلامه.
ولو أقام في البلد مدة على تنجيز حاجة، ولم يعزم على الإقامة، ففي [وجوب] القضاء خلاف كما في الترخص.
قال المتولي: فإن قلنا: لا يترخص، قضى ما زاد على مدة المسافرين، وإذا عاد إلى أهله، فهل يقضي مدة العود؟ فيه وجهان:
أشبههما عند الرافعي: أنه لا يقضي.
وفي "التتمة": أنه إن كان مقيماً على عزم السفر، إلا أنه لم ينجز حاجته، فلا يلزمه القضاء، وإن عزم على مقام مدة فوجهان.
قال: وقيل: إن كان إلى مسافة لا تقصر فيها الصلاة، قضى؛ لأنه في حكم الحضر، وليس للمقيم أن [يخص] بعضهن بالصحبة؛ ولأن المشقة فيه لا تعظم؛ وهذا ما أجاب به الغزالي.
والأول أصح عند صاحب التهذيب، والمتولي، وغيرهما، وجعله الغزالي احتمالاً للشيخ أبي محمد.
وعلله في التتمة بأن السفر الطويل والقصير سواء في تعذر القسم بين النساء بسببه؛ فسوينا بينهن في سقوط القضاء.
فرع: إذا سافر بامرأة بقرعة إلى بلد، ثم عنَّ له السفر إلى بلد أبعد منه، لم يلزمه القضاء؛ لأنه سفر واحد، وقد أقرع.
فرع: لو استصحب واحدة بالقرعة، ثم عزم على الإقامة في بلد، وكتب إلى
الباقيات؛ يستحضرهن- ففي وجوب القضاء من وقت ما كتب إليهن وجهان محكيان في التهذيب.
قال: وإن أراد الانتقال من بلد إلى بلد، فسافر بواحدة، وبعث البواقي مع غيره، فقد قيل: يقضي لهن، وهو الأظهر، وبه قال أبو إسحاق؛ لأنه لابد من المسافرة بهن؛ فيكون تخصيص واحدة منهن، بأن تكون معه، كتخصيص واحدة بالمقام عندها في الحضر.
قال: وقيل: لا يقضي إذا كان السفر بالقرعة لغير سفر النقلة.
ولو سافر بواحدة، وأخذ في الرجوع إلى الباقيات، ففي قضاء مدة الرجوع الوجهان السابقان.
فرع: لا يجوز للرجل أن يسافر سفر نقلة، ويخلف نساءه، بل ينقلهن بنفسه، أو بوكيله، أو يطلقهن؛ لما في التخلف من الإضرار.
وفيما علق عن الإمام أن ذلك أدب، وليس بأمر لازم.
قال: ومن وهبت حقها من القسم لبعض ضرائرها برضا الزوج، جاز.
الضرة: امرأة زوجها؛ لأنها تتضرر بها، [و] قيل: من المضارة؛ لأنهما يتضاران.
وإنما صحت هذه الهبة؛ لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "هَمَّ بِطَلَاقِ سَوْدَةَ؛ فَقَالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي، وَدَعْنِي حَتَّى يَحْشُرَنِي اللهُ فِي نِسَائِكَ، وَقَدْ وَهَبْتُ يَوْمِي وَلَيْلَتِي لِعَائِشَةَ"، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت ليلتها عند عائشة؛ وهذا مما اتفق عليه العلماء.
وفي النهاية أنه صلى الله عليه سولم طلق سودة، فقالت: راجعني؛ وقد وهبت ليلتي لعائشة؛ فراجعها.
ولا يشترط في هذه الهبة رضا الموهوب لها وقبولها، بل يكفي قبول الزوج،
فلو أبت، كان للزوج أن يبيت عندها رغماً.
وحكى الحناطي وجهاً في اشتراط رضاها، وهو ما جزم به في التتمة.
ولا يجوز للزوج [أن يجعل الليلة] لغير الموهوب لها، ويقول: أنت أسقطت حقك، فأنا أصرف الليلة إلى من شئت؛ لأن هذه هبة بشرط؛ فيجب فيه الإتباع، وكذلك فعلت سودة.
فإن قيل: هذه الهبة ليست هبة على الحقيقة، وإنما هي إسقاط حق لها على الزوج، تركته لمعينة؛ فكان يتجه ألَّا يختص بها، ويكون لجميع الزوجات؛ كما لو أسقط أحد الشركاء شفعته وجعلها لشريك آخر؛ فإنها تسقط، وتثبت لجميع الشركاء؛ هكذا أورده مجلي.
قلت: وحديث سودة واقعة حال يتطرق إليها احتمال: أن بقية أزواجه صلى الله عليه وسلم رضين بذلك، فيسقط الاستدلال [به.
وأجيب: بأن ضرر الشفعة لا يتبعض؛ فلذلك ثبت حق الأخذ] [للباقين]، وهنا كل واحدة منهن متميزة عن الأخرى؛ فصح التخصيص بها؛ إذ لا ضرر على الباقيات؛ وهذا كما نقول في المتحجر إذا نقل ما تحجره إلى غيره: كان أحق به ممن سواه؛ لما ذكرناه من عدم الضرر، بخلاف الشفعة.
أما إذا لم يرض الزوج، وأراد أن يبيت عند الواهبة، فله ذلك؛ لأنها لا تملك إسقاط حق مُسْتَمْتَعِهِ.
ولا فرق بين أن تكون الواهبة حرة، أو أمة، أذن لها السيد، أو لم يأذن؛ لأن الحق لها دون السيد.
وإذا تمت الهبة فإن كانت ليلة الواهبة تلي ليلة الموهوبة، بات عندها ليلتين متواليتين، وإن لم تكن تليها، فوجهان:
أحدهما: أنه يضم ليلة الواهبة إلى ليلة الموهوب لها، ولا يفرق بينهما؛ لأنه أسهل عليه، والمقدار لا يختلف.
قال الرافعي: وقياس هذا: أنه إذا كانت ليلة [الواهبة] أسبق، وبات فيها عند
الموهوبة، يجوز أن يقدم ليلتها، ويبيت عندها الليلة الثانية أيضاً.
وأصحهما- وهو المذكور في التهذيب-: أنه يبيت عند الموهوبة الليلة التي كانت للواهبة.
قلت: وهذا إنما يتجه إذا كانت نوبة الواهبة متأخرة، أما إذا كانت متقدمة، وأراد أن يؤخرها؛ ليجمع بين الليلتين؛ فيتجه القطع بالجواز، وإليه يرشد ما علل به صاحب الشامل والتتمة؛ حيث قالا في الرد على صاحب الوجه الأول: لأن ذلك يتضمن تأخير حق غيرها.
قال: وإن وهبت للزوج، جعله لمن شاء منهن؛ لأنها جعلت الحق له؛ فيجعله لمن شاء، فإذا جعله لواحدة؛ نظر: هل كانت ليلتها تلي ليلة الواهبة [أم لا تليها]؟، ويكون الحكم كما تقدم.
وقيل: ليس له التخصيص، وهو ما أجاب به أبو الحسن العبادي، وبه قطع الصيدلاني جوابه؛ نقلاً عن القفال؛ لما في ذلك من إظهار الميل المورث للوحشة، والحقد؛ فيجعل الواهبة كالمعدومة، ويسوي بين الباقيات، فإن كن أربعاً، فوهبت واحدة حقهامنه- قسم بين الثلاث، وأخرجت الواهبة عن الاعتبار.
وفي التتمة على هذا الوجه: أنه يقسم الليلة عليهن، فيبيت عند كل واحدة منهن ساعة، أو لا يبيت عند واحدة [منهن] أصلاً، أو يختص بها في كل دور واحدة منهن.
وأشار الإمام والغزالي إلى أن محل الخلاف فيما إذا قالت: وهبت [منك؛ فخصص من شئت، وأن الظاهر أنه ليس له التخصيص.
أما إذا قالت: وهبت منك] مطلقاً، فقد صارت كالمعدومة؛ فيسوي بين الباقيات.
قال: فإن رجعت في الهبة؛ عادت إلى الدور من يوم الرجوع- أي: إذا علم الزوج برجوعها- ولا ترجع فيما مضى؛ لأن ما مضى قد اتصل به القبض، وما يتجدد لم يتصل به القبض.
أما إذا لم يعلم الزوج بالرجوع، ومضت نوبٌ، فلا تستحق قضاء ما فات
من نوبها قبل العلم؛ كما لو أباح إنسان ثمار بستانه لإنسان، ثم رجع، فما أتلفه بعد الرجوع، وقبل العلم، لا ضمان عليه فيه؛ فكذلك ها هنا.
وقال الشيخ أبو محمد: يخرج على القولين في عزل الوكيل قبل أن يبلغه العزل.
قال الإمام: واشتراط ظهور الخبر أغوص وأفقه.
واعلم: أن المراد من قول الشيخ: "يوم الرجوع"، أي: وقت الرجوع، ليلاً كان أو نهاراً.
قال: وعماد القسم الليل لمن معيشته بالنهار؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً﴾ [النبأ: 10] قيل في تفسيرها: الإيواء إلى المساكن، ويكون النهار تابعاً لليل؛ لأن سودة وهبت يومها لعائشة، واليوم اسم للنهار، ويتبع الليلة الماضية، فإن جعل النهار مضافاً إلى الليل الذي يتعقبه، جاز.
وأما من معيشته بالليل: كالأَتُونِيِّ والحارس، فإن عماد القسم في حقه النهار، ويكون الليل تابعاً له؛ لأن نهار كَليْل غيره.
وهذا كله في المقيم.
أما المسافر الذي معه زوجاته: فعماد القسم في حقه وقت النزول ليلاً كان أو نهاراً، قليلاً كان أو كثيراً؛ لأن الخلوة حينئذ تتأتى؛ قاله في التهذيب.
فرع: لو كان الرجل يعمل تارة بالليل، ويستريح بالنهار، ويعمل أخرى بالنهار، ويستريح بالليل، فقد حكى الحناطي فيه وجهين في أنه هل يجوز أن يبدل الليل بالنهار؛ بأن يكون لواحدة ليلة تابعة ونهار متبوع، ولأخرى ليلة متبوعة ونهار تابع؟
قال: فإن دخل بالنهار- أي: من عمادُ القسمِ في حقه الليلُ- إلى غير المقسوم لها؛ لحاجة- جاز؛ لما روى عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: "مَا كَانَ يَوْمٌ أَوْ أَقَلُّ إِلَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعاً، فَيُقَبِّلُ وَيَلْمِسُ، فَإِذَا جَاءَ إِلَى الَّتِي هِيَ نَوْبَتُهَا أَقَامَ عِنْدَهَا".
والحاجة مثل الزيارة، وتعهد الخبر، وتسليم النفقة، ووضع المتاع وأخذه.
وينبغي ألَّا يطيل المقام، ولا يعتاد الدخول على واحدة في نوبة الأخريات؛ هكذا حكاه الرافعي، ومقتضاه: أنه إذا فعله لا إثم عليه فيه، ولا قضاء.
وفي المهذب: أنه يجب [عليه] القضاء إذا أطال؛ لأنه يزيل الإيواء المقصود.
وفي الذخائر: أن من أصحابنا من قال: حكم النهار حمك الليل؛ فلا يجوز الدخول إلا لضرورة؛ لأنها استحقته بالقسم.
والأول هو الظاهر من لفظ الشافعي؛ للحديث.
ولا يجوز في أوقات الدخول للحاجة أن يجامع، وفي سائر الاستمتاع وجهان:
أظهرهما- وهو ما جزم به في المهذب-: أنه يجوز؛ للحديث.
وفي كتاب ابن كج وجه: أنه يجوز الجماع أيضاً.
والمذهب الأول.
فلو وطئ، فهل يجب عليه القضاء؟ فيه وجهان:
أحدهما: [أنه] يجب عليه أن يخرج في نهار الموطوءة، ويطأها؛ [لأنه العدل].
قال: وإن دخل لغير حاجة، لم يجز؛ لما فيه من إبطال حق صاحبة القسم من غير حاجة.
وفي الذخائر: أن من أصحابنا من قال: إنه يجوز، والحرج مرفوع، إلا أنه لا يطيل القعود، واستدل بحديث عائشة.
قال: فإن خالف، وأقام عندها يوماً، أو بعض يوم، لزمه قضاؤه للمقسوم لها؛ لأنه ترك الإيواء المقصود.
وقيل: لا يقضي؛ لأن النهار تابع.
قال: وإن دخل بالليل، لم يجز إلا لضرورة؛ لأن ذلك هو حق صاحبة القسم.
ومن الأصحاب من جوز الدخول [للحاجة]، والظاهر الأول.
والضرورة مثل أن تكون منزولاً بها؛ فتحتاج إلى أن يحضرها، أو توصي إليه، أو تموت فتحتاج [إلى تجهيزها]؛ كذا حكاه ابن الصباغ.
ومثَّل الشيخ أبو حامد [الضرورة] بالمرض الشديد، ويقرب منه ما نقله الغزالي في "الوجيز" أنه لا يدخل على الضرة إلا لمرض مخوف.
وقال في "الوسيط": "أما المرض الذي يمكن أن يكون مخوفاً، فيدخل؛ ليتبين الحال".
وفي وجه: لا يدخل إلا إذا تحقق أنه مخوف.
وفي ابن يونس: "أن الضرورة: كما إذا أكرهه السلطان، أو مرض، وخاف أن يموت بغير وصية".
وكل ذلك متقارب.
قال: فإن دخل- أي: لغير ضرورة- وأطال، قضى؛ لما بيناه.
وهل يقضي إذا كان الدخول طويلاً؛ لضرورة؟ فيه وجهان:
المذكور منهما في المهذب والشامل والتتمة: [وجوب] القضاء من نوبة المدخول إليها.
أما إذا لم يطل، فلا قضاء؛ لأنه لا فائدة لصاحبة القسم في دخوله الزمان اليسير، لكنه يعصي.
وقدر القاضي الحسين تقدير القدر المقضي بثلث الليل، والصحيح أنه لا يتقدر.
قال: وإن دخل، وجامعها، وخرج- أي: في لحظة يسيرة- فقد قيل: لا يقضي؛ لأن الوطء غير مستحق، وقدره من الزمان لا يضبط؛ فسقط، وإن ضبط فيسير.
قال: وقيل: يقضي بليلة؛ لأن الجماع معظم المقصود، وقد أفسده؛ لأنه يلحقه بعده فتور؛ فلم يكمل السكن والاستمتاع المقصود [بالقسم].
قال: وقيل: يقضي، بأن يدخل في نوبة الموطوءة فيجامع كما جامعها؛ تسوية بينهما.
فرع: إذا مرضت واحدة من النسوة، أو ضربها الطلق، فإن كان لها متعهد لم يبت عندها إلا في نوبتها، ويراعى القسم، وإن لم يكن لها متعهد، فله أن يبيت عندها، ويمرضها، وله أن يديم البيتوتة عندها [ليالي]، بحسب الحاجة،
ثم يقضي للباقيات إن برأت، وإن ماتت، تعذر القضاء، وفي القضاء لا يبيت عند كل واحدة من الأخريات جميع تلك الليالي ولاء، بل لا يزيد على ثلاث ليال؛ وهكذا يدور حتى يتم القضاء؛ كذا نقله صاحب التهذيب.
وفي الذخائر حكاية وجه: أنه لا قضاء؛ لأنها إقامة بعذر؛ فهي كالسفر، وأنه إذا كان المرض مخوفاً، [ووجدت ممرضاً، أو غير مخوف] ولم تجد ممرضاً، فهل يجوز الخروج إليها بسبب ذلك؟ فيه وجهان.
وقد تقدم الكلام في [زمن القسم] أما مكانه، فإن لم ينفرد الزوج بمسكن واحد، ودار عليهن [في مساكنهن] فذاك، وإن انفرد بمسكن، فيتخير بين المضي وبين أن يدعوهن إلى مسكنه في بيوتهن، وعليهن الإجابة، فمن امتنعت منهن فهي ناشزة، والأول أولى؛ كي لا يحوجهن إلى الخروج.
وهل له أن يدعو بعضهن إلى مسكنه، ويمضي إلى مسكن بعضهن؟ فيه وجهان، وقيل: قولان:
أحدهما: [نعم، وبه أجاب] الشيخ أبو حامد وغيره من العراقيين.
وأقواهما- وبه أجاب في التهذيب، وأبو الفرج-: المنع؛ لما فيه من التخصيص والتفضيل.
ثم الوجهان فيما إذا لم يكن للتخصيص عذر، فإن كان؛ كما إذا كان مسكن إحداهما أقرب إليه؛ [فيمضي إليها] ويدعو الأخرى؛ ليخفف عن نفسه مؤنة السير، فعليها الإجابة؛ وكذا لو كانت تحته عجوز وشابة، فخص بيت الشابة؛ لكراهة خروجها، ودعا العجوز- يلزمها [الإجابة، وإن أبت، بطل حقها.
ولو أقام عند واحدة، ودعا الباقيات إلى بيتها، لم يلزمهن الإجابة].
وأما من يستحق عليه القسم، فهو كل زوج عاقل، مراهقاً [كان] أو بالغاً، رشيداً كان أو سفيهاً، فإن وقع جور من المراهق أو السفيه، فالإثم في المراهق على الولي، وفي السفيه عليه.
وأما المجنون، فإن كان لا يؤمن منه، فلا قسم، وإن أمن منه، فإن كان قد قسم لبعض نسائه، ثم جن، فعلى الولي أن يطوف به على الباقيات.
قال في "التتمة": وذلك [إذا] طلبن، فإن أردن التأخير إلى أن يفيق، فلهن ذلك.
وإن لم يكن عليه شيءمن القسم؛ بأن كان مُعْرِضاً عنهن، أو جُنَّ بعد النوبة، فإن رُئي منه الميل إلى النساء، أو قال أهل الخبرة: إن غشيان النساء ينفعه؛ [فعلى الولي] أني طوف [به عليهن، أو يدعوهن إلى منزله]، أو يطوف على بعضهن، ويدعو [بعضهن] كما يرى.
وإن لم ير منه ميلاً؛ فليس عليه أن يطوف [به].
وفي "الإبانة" وجه: أن حق القسم يبطل بالجنون؛ هذا كله في المجنون المطبق.
فإن كان يجن ويفيق؛ فإن انضبط، فَيُسرَّح أيام الجنون، ويقسم في أيام الإفاقة.
ولو أقام في مدة الجنون عند واحدة، فلا قضاء، ولا اعتداد به؛ هكذا ذكره في التهذيب.
وحكى أبو الفرج وجهاً: أنه إن أقام في الجنون عند بعضهن، قضى للباقيات.
وفي التتمة: أنه يراعى القسم في أيام الإفاقة، والولي يراعيه في أيام الجنون، ويكون لكل واحدة نوبة من هذه، ونوبة من هذه، فإن لم ينضبط وقسم الولي لواحدة في الجنون، وأفاق في نوبة الأخرى، قال الإمام والغزاليك يقضي ما جرى في الجنون؛ لما كان فيه من النقصان.
قال الإمام: ويجوز أن يقال: إن لم ترض بإقامته عندها، وانتظرت الإفاقة، فلها ذلك، وإن أقامت عنده فهو بمثابة الرضا بالعيب.
قال: وإن تزوج امرأة، وعنده امرأتان قد قسم لهما، قطع الدور للجديدة؛ إذ لا يمكن تخصيص القديمتين بالمعاشرة، فإن كانت بكراً أقام عندها سبعاً، ولا يقضي؛ لما روي عن أنس أنه قال: "مِنَ السُّنَّةِ: أَنْ يَقْسِمَ عِنْدَ الْبِكْرِ، إِذَا تَزَوَّجَهَا