كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[فعل] بنية النفل؛ فلا يجزئه عن الفرض، وإذا لم يجزئه صار كما لو بلغ مفطراً، لا يلزمه الإمساك.
وقد ادعى الماوردي أن مذهب الشافعي وما عليه جمهور أصحابه: أنه يتم صومه واجباً، ولا إعادة عليه، ولا يمتنع أن يكون متنفلاً بالصيام في أوله مفترضاً في آخره؛ كالصائم المتطوع إذا نذر إتمام صومه إن قدم زيد، فإذا قدم زيد لزمه إتمامه وإن كان متطوعاً في ابتدائه.
قال: ومن نوى الخروج من الصوم، أي: مثل: أن قال: أبطلت الصوم، أو قطعت النية – بطل صومه؛ لأن النية شرط في جميعه، فإذا قطعها في أثنائه، بقي الباقي بغير نية؛ فبطل، وإذا بطل البعض، بطل الكل.
قال القاضي الحسين: وللشافعي ماي دل عليه في صوم المظاهر؛ فإنه قال: "إن صام فيها يوماً تطوعاً، أو غير النية إلى التطوع – فعليه أن ستأنف" وهذا ما أورده البندنيجي.
وقيل: لا يبطل؛ لأنها عبادة تتعلق الكفارة بجنسها؛ فلم تبطل بنية الخروج؛ كالحج.
وهذا ما ادعى الرافعي في كتاب الاعتكاف أنه أظهر، وحكاه ابن الصباغ عن القاضي أبي الطيب والشيخ أبي حامد، واقتصر على حكايته، [وقد رأيت في تعليق القاضي أبي الطيب [قبل باب الاعتكاف حكاية الوجهين، وفرق على الأول – وهو الذي صححه البغوي] وصاحب البحر في باب صوم التطوع وغيرهما – بينه وبين الحج بأن الحج لا يخرج منه بما يفسده، والصوم يخرج منه بما يفسده؛ فكان كالصلاة.
وقد جعل الماوردي محل الوجهين ما إذا قصد الأكل والجماع، ولم يفعل، والمذكور منهما في تعليق القاضي الحسين - والصورة هذه – عدم البطلان.
قال الماوردي: وإذا قلنا بالبطلان ففي زمان فطره وجهان:
أحدهما: في الحال.
والثاني: حتى يمضي عليه من الزمان قدر الأكل والجماع.
وحكى الشيخ أبو حامد الوجهين فيما إذا شك هل [يخرج] من صومه أم لا؟
كما قال ابن الصباغ.
والمختار في "المرشد": الإبطال، وبه جزم الماوردي والقاضي الحسين؛ فإنه إذا نوى أن يفطر بعد ساعة، [لا يكون مفطراً، وكان على صومه؛ وهذا بخلاف الصلاة على أحد الوجهين إذا نوى أن يكون بعد ساعة] غير مصل.
[و] قال في التهذيب: إذا نوى أن يخرج إذا قدم زيد، فهل يخرج إذا قدم؟ فيه وجهان كالصلاة.
فرع: لو كان صائماً عن فرض غير رمضان، فنوى أن يقلبه نذراً، وقلنا: إن نية الخروج مبطلة – لم يحصل له النذر، وهل يبقى تطوعاً؟ فيه وجهان، قال في "التهذيب": وهما جاريان فيما لو رفض نية الفرضية فقط، ولو كان ذلك في صوم رمضان، لم ينقلب نفلاً؛ لأنه لا يقبله كما تقدم.
قال: وإن أكل أو شرب، أي: ما يعتاد أكله وشربه أولاً، وصل إلى جوفه أو لا؛ كما إذا وصل إلى حلقه، ثم ذرعه القيء؛ كما قاله في "التهذيب"، وحكى عن ابن القاص، وأشار إليه الإمام بقوله: فإذا جاوز الشيء الحلقوم، أفطر.
[أو] استعط، أي: وهو [أخذ] الدواء وغيره من أنفه، حتى يصل دماغه، أو احتقن، أي: وهو جعل الدواء ونحوه في الدبر، أو صب الماء في أذنه، فوصل إلى دماغه، أو طعن جوفه، أي: فنفذت الطعنة إليه، أو طعن بأذنه، أو داوى جرحه؛ فوصل الدواء إلى جوفه، أي: فنفذت الطعنة إليه، أو طعن بأذنه، أو داوى جرحه؛ فوصل الدواء إلى جوفه، أو استقاء، أي الطعام او الشراب وإن لم يصل إلى الأمعاء كما صرح به الإمام، وسواء في ذلك رجع من فيه إلى جوفه أو لا؛ بأن تحفظ عن ذلك، أو جامع؛ أي: في قبل أو دبر، ولو من بهيمة أنزل أو لم ينزل، أو باشر فيما دون الفرج، أي: بالمضاجعة والمعانقة، أو المفاخذة، أو التقبيل؛ فأنزل، أو استمنى فأنزل، ذاكراً للصوم، عالماً بالتحريم – بطل صومه:
أما في الأكل والشرب والجماع؛ فلأن الله تعالى أباح ذلك إلى الفجر بقوله: {مِنْ
الْفَجْرِ} [البقرة:187] فعنى إباحة ذلك [إلى الفجر]؛ فالحكم بعد الغاية مخالف لما قبلها، وسنذكر من حديث أبي هريرة في الأكل والشرب ناسياً ما يدل على الفطر بهما إذا تعمدهما.
وفي قصة الأعرابي ما يدل على فطره بالجماع.
وأما في الاستعاط؛ فلما روى أبو داود عن لقيط بن صبرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً"،قال الترمذي: وهو حسن صحيح.
وجه الدلالة منه: أنه نهى عن المبالغة فيه، فلولا أن الوصول [إلى أعلى] الدماغ ينافي الصوم، لما نهاه عن ذلك.
وأما في الاستقاء فلما روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ذرعه القيء وهو صائم، فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقض"، قال الترمذي وهو حسن غريب.
واختلف الأصحاب في علة الفطر:
فقيل: لكونه خروج خارج غير معتاد.
وقال ابن سريج لأنه يرجع شيء منه إلى الجوف؛ فيكون من قبيل دخول داخل.
قال الإمام: فإن قيل: الغالب أنه لا يرجع شيء إذا استقاء المرء والرجوع نادر فكيف يعلل الفطر به؟ قلنا: ليس كذلك؛ فإنه يمتزج بالريق [بما يمتزج ثم لأن الماء يمتزج بالريق] عند المضمضة من غير مبالغة؛ فينبغي أن يكون مفطراً؛ لأن الريق بطبعه لا يمازج الماء؛ لغلظه ولزوجته، والذي يمج الماء من فيه لا يجد للماء أثراً، إلا البرد الذي برده؛ لطبيعة تمازج الريق للمجانسة في الغلظ واللزوجة.
وأما في الإنزال عند المباشرة؛ فللإجماع؛ كما قال الماوردي.
وغيره استدل لذلك بأن المجامعة تبطل الصوم وإن لم يحصل بها المقصود، وهو الإنزال، فلأن يبطله تحصيل المقصود منه أولى.
وغيرهما استدل بما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب: هششت فقبلت وأنا صائم، [فقلت]: يا رسولا لله، صنعت اليوم أمراً عظيماً، قبلت وأنا صائم، قال: "أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس [قال]: "فمه".
فشبه القبلة بالمضمضة، وهو إذا تمضمض، فوصل الماء إلى
جوفه، أفطرن وإن لم يصل لم يفطر.
وهذا فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن النسائي خرجه، وقال: هذا حديث منكر.
والثاني: ما سنعرضه في وصول الماء إلى الجوف عند الاستنشاق.
وأما في الباقي فبالقياس على ما نص عليه؛ لاشتراكهما في الوصول إلى الجوف بحيلة.
ووراء ما ذكره الشيخ في بعض الصور وجوه:
أحدها: فيما إذا احتقن: أنه لا يفطر كما حكاه الرافعي عن القاضي الحسين، وهو غريب.
والثاني: فيما إذا صب في أذنه شيئا ًفوصل إلى دماغه، كما سنذكره.
والثالث: فيما إذا استقاء وتحفظ، فلم يرجع منه شيء إلى جوفه، لا يفطر، بناء على علة ابن سريج.
ولو نزل إلى جوفه بعد التحفظ، قال الإمام: فهو كوصول الماء إلى الجوف عند المبالغة في المضمضة.
والرابع: أن إتيان البهيمة إذا لم يتصل به الإنزال، لا يفسد الصوم؛ إذا قلنا: الواجب فيه التعزير فقط؛ حكاه القاضي الحسين.
والخامس: إذا أنزل، وقد باشر من غير حائل: أنه كما إذا وصل الماء إلى جوفه عند المبالغة في المضمضة، وسنكمل الكلام فيه.
ثم [في] معنى الأكل سفُّ الأعيان ويلعها، سواء كان مما يعتاد فيها ذلك [أو لا] كالنرد والحصا والزجاج، ونحو ذلك، وكذا الخيط وإن بقي بعضه خارجاً؛ لأنه ممنوع من ذلك إجماعاً، ولولا أنه يفطر لما منع منه؛ قاله الماوردي.
وقال ابن الصباغ: إن الفطر بذلك مما أجمع عليه أهل العصر، وإن كان قد سبق خلاف العلماء فيه.
ولا يلتحق بذلك التصدي لحصول غربلة الدقيق وغبار الطريق في جوفه، مثل: أن يفتح فاه لأجل ذلك، على أصح الوجهين في "التهذيب"، كما لا يفطر به إذا حصل من غير قصد اتفاقاً.
قال الرافعي: وقد شبهوا هذا الخلاف بالخلاف فيما إذا قتل البراغيث عمداً أو تلوث بدمائها: هل يقع عفواً؟ وهو المذكور في "التتمة".
وهل يلتحق به ابتلاغ النُّخامة وهو ما يستنزله من رأسه؛ فيحصل [في] فيه؟؟ فيه خلاف، وادعى البندنيجي: أن ظاهر المذهب الفطر، وبه وقال الماوردي بعد حكاية الوجهين في الفطر بالنخامة: والصحيح: أنه إن أخرجها من صدره، ثم ابتلعها، فقد أفطر؛ كالقيء، وإن أخرجها من حلقه أو دماغه، لم يفطر كالريق.
وحكى الإمام عن شيخه أنه كان يقول: ما يجري من النخامة من الدماغ إلى الحلقوم، فلا مؤاخذة به، ولا يكلف صرفه عن سير الحلق إلى فضاء الفم، ثم أراد رده، فهذا يفطر.
قال: والوجه أن تقول: ما لا يشعر الصائم به، فهو محطوط عنه، وما يجري منه وهو على علم وخبر: فإن لم يقدر على رده، فلا فطر، وإن قدر على صرفه ومجه، فلم يفعل، ففيه خلاف بين الأصحاب:
منهم من لم يؤاخذه به، وحسم الباب ما لم يتكلف صرفه من مجراه إلى الفم.
ومنهم من حكم بالفطر إذا تركه في مجراه مع القدرة على مجه؛ وهذا ما أورده القاضيان الحسين وأبو الطيب.
قال الرافعي: وهو الذي أجاب به الحناطي وكثير من الأئمة، ولم يذكروا غيره.
وفي معنى الشرب بلع ما جمعه من ريقه في كفه أو خرج على ظاهر شفتيه؛ كما حكاه القاضي أبو الطيب والإمام، وكذا ما اتصل بالخيط المحروز بالفم كما يفعله الخياطون ولا أثر للقلة في ذلك.
وللشيخ أبي محمد احتمال فيه؛ لأن القدر النادر منه أقل مما يبقى من أجزاء الماء في داخل الفم بعد المضمضة.
قال الإمام: وللاحتمال في هذا مجال.
قال الرافعي: وخص في "التتمة" الوجهين بما إذا كان جاهلاً بأن ذلك لا يجوز، [و] قال فيما إذا كان عالماً: يبطل صومه بلا خلاف، ولا يلتحق به بلع ما اجتمع في فيه من غير قصد؛ فإنه لا يفطر [به]؛ لتعذر التحرز منه، وكذا لو جمعه في فيه قصداً وابتلعه على أحد الوجهين في "تعليق" البندنيجي وغيره.
ومقابله مأخوذ – كما قال الإمام – من قول الشافعي: "وأكره العلك؛ لأنه يجمع الريق في الفم".
والأصح في "النهاية": الأول.
نعم: لو كان ريقه متغيراً بطاهر كما إذا أدخل
خيطاً مصبوغاً بطاهر، فتغير ريقه به وابتلعه – أفطر به، ومن طريق الأولى إذا تغير بنجس، ولو حكم بنجاسته من غير تغير كما إذا دميت لثته، فبصق حتى صار الريق أبيض ولم يغسل فاه، وابتلع ريقه بعد ذلك- فهل يفطر؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين، اختيار الحناطي والروياني منهما: عدم الفطر؛ لأن ابتلاع الريق مباح، وليس فيه عين أخرى وإن كان نجساً.
وقال في "التهذيب": إنه لا يجوز له ابتلاعه، ولو ابتلعه، فالمذهب بطلان صومه.
وهو المذكور في "التتمة"، قال الرافعي: وهو الأظهر عند الأكثرين.
ولو أخرج الريق على طرف لسانه، ثم ابتلعه، قال الإمام حكاية عن الأئمة: فلا بأس؛ لأن اللسان معتبر بداخل الفم.
وفي "التهذيب" حكاية وجه في الفطر به.
وفي معنى الاستعاط: [ما] إذا وصل الموضوع في الأنف إلى الجوف؛ كما قال الماوردي.
وفي معنى الاحتقان: ما إذا أدخل إصبعه في دبره، أو فعل غيره به ذلك بإذنه.
قال القاضي الحسين: وإذا أخرجه بطل وضوءه.
قال: وينبغي للصائم أن يحفظ إصبعه حالة يستنجي، وخاصة رأس الأنملة من مسربته؛ فإنه لو دخل هي أدنى شيء من رأس أنملته لبطل صومه، والاحتياط أن يتغوط بالليل قبل الفجر، ويبول بالنهار، وكذا في معناها ما إذا قطر في إحليله شيئاً أو أدخل فيه مبضعاً؛ فوصل إلى مثانته.
وفي "الرافعي": أن أبا حنيفة لم يجعل المثانة مما يفطر الواصل إليها.
وفي "المعتمد" حكاية [وجه] يوافقه في المثانة، والذي رأيته في "تعليق" أبي الطيب: أن أبا حنيفة قال: إذا أدخل مروداً [في إحليله، فوصل] إلى المثانة، أفطر دون ما إذا لم يصل إليها.
وهو ما حكاه غيره عن [بعض] الأصحاب، وقال الإمام: إنه لا أصل له.
وطريق الجمع بين النقلين عن أبي حنيفة: أن يقال: له في المسألة روايتان [كما] حكاهما القاضي الحسين: فالرافعي نقل أحداهما، وكذلك ابن الصباغ والفوراني، وأبو الطيب نقل الأخرى.
والمنقول في "تعليق" البندنيجي في حالة عدم الوصول إلى المثانة عن نص الشافعي في البويطي "والأم"-: الإفطار، وقاسه في "التهذيب" على ما إذا وصل الماء إلى حلقه، ولم يصل إلى معدته، وهل يلتحق بها ما إذا كان به ناسور، فرده إلى معدته بإصبعه أو لا؟ فيه وجهان، أصحهما في "التهذيب": لا؛ كما لو ردَّت بنفسها.
وفي معنى طعن الجوف المتبادر إليه الذهن عند الإطلاق- وهو جوف البدن – طعن ما عداه من الأجواف التي فيها قوة محيلة؛ كما قلنا: إن وصول الطعام وغيره إليها بفطر، وهكذا هي كالجوف في الفطر عند وصول ما تداوى به إليها.
قال الإمام: ومنه ما إذا وصل الدواء من شجة أمّةٍ إلى وراء القحف؛ فإنه يفطر به، ولا يتوقف الفطر على الوصول إلى ما وراء خريطة الدماغ، ولا يلتحق بذلك ما إذا طعن الساق والفخذ، وانتهى طرف السكين إلى مكان المخ؛ فإنه لا يفطر بذلك؛ إذ العضو لا يعد مجوفاً.
وفي معنى الاستقاء إذا قلنا: [إنه] يفطر به وإن لم يرجع منه شيء إلى جوفه عند التحفظ – كما هو الصحيح –ما لو اقتلع نخامة من صدره، ولفظها على أحد الوجهين في "النهاية"، وهو الذي يقتضيه كلام [القاضي] أبي الطيب، ولم يورد
القاضي الحسين سواه.
نعم، قال: لو كان في حلقه حين أخرجه لم يفطر.
واحترز الشيخ بقوله: "فوصل إلى دماغه" عما إذا صب في أذنه، فلم ينته إلى الدماغ؛ فإنه لا يفطر بذلك؛ كما قطع به الشيخ أبو علي وطوائف من علماء المذهب؛ كما قال الإمام؛ فإن المفطر الوصول إلى باطنٍ فيه قوةٌ تحيل الواصل إليه غذاء أو دواء، وداخل الأذن ليس فيه ذلك.
وعن الشيخ أبي محمد: القطع بأنه يفطر.
وفي "التهذيب": أنه قيل: إذا صب في أذنه شيئا، لا يفسد صومه، وإن ظهر أثره في الدماغ؛ لأنه لا منفذ من الدماغ إلى الأذن، وإنما يصل إليه من المسام كما لو اكتحل لا يبطل صومه وإن وجد طعمه، وهذا ما أورده في "الإبانة" نقلاً وتوجيهاً.
قال الإمام: والتردد في داخل الإحليل فوق المثانة قريب من هذا التردد.
ولا خلاف عندنا في أن ما وصل إلى الجوف والدماغ والمثانة من المسام لا يفطر [به]، ومنه الكحل الحاد يجد الإنسان طعمه في الفم، ولا يفطر به، وكذا شم الروائح الزكيَّة، وألحق به إدراك الذوق مع مجٍّ جرم المذوق؛ قاله الإمام والمتولي وغيرهما.
واحترز الشيخ بقوله: "فوصل الدواء إلى جوفه" عما إذا جاوز الدواء سطح البشرة، ولم ينته إلى فضاء البطن؛ فإن الوجه القطع – كما قال الإمام – بأنه لا يفطر؛ فإن الوصول إلى هذا المكان لو كان يفطر لأفطر وصول السكين إليه في ابتداء الأمر بالجروح.
وفي بعض التصانيف غلط ظاهر بالحكم بالفطر بمجاوزة الدواء البشرة.
قال: وهذا محمول على [تدبيج] العبارة وسوء الإيراد، والمراد الوصول إلى الباطن كما وصفنا.
قلت: إن كان لا مأخذ للتغليط إلا ما ذكره الإمام من علة عدم الفطر فهي تندفع
بفرض المسألة في صورة وجد الجرح بغير إذنه.
وتقييد الشيخ الفطر بخروج المني بما إذا كان سببه المباشرة فيما دون الفرج أو الاستمناء يفهمك أنه لو خرج بغير هذين السببين، لا يفطر به، سواء كان على وجه الشبق أو عقيب النظر بالشهوة مرة واحدة أو مراراً، وإن كان بتكرار النظر آثماً كما صرح به الأصحاب.
وكذا يفهم أنه لو كان ذكره؛ لعارض؛ فأنزل: أنه لا يفطر، وقد حكى صاحب "البيان" عن الصيمري وجهين:
قال: ويشبه أن يكون ذلك بناء على القولين في سبق الماء إلى حلقه في المضمضة والاستنشاق.
ولفظ المباشرة يخرج ما [إذا] لمس الشعر؛ فأنزل - عن الفطر به أيضاً؛ لأن المباشرة مأخوذة من التقاء البشرة.
وفي "التتمة" في هذه الصورة وجهان؛ بناء على انتقاض الوضوء بلمسه، ومن طريق الأولى إخراج ما إذا قبل من وراء حائل؛ فأنزل - عن بطلان الصوم به، وهو موافق لقوله في "التتمة": لو قبل فوق خمار؛ فأنزل، لا يبطل صومه.
لكن ظاهر كلام الشافعي - كما قال بعضهم، وادعى أنه المذهب - أنه [يفطر] فيما إذا وقعت القبلة ونحوها من غر حائل أو معه، وإن منهم من قال: إذا كان من غير حائل، واتصل بها الإنزال، فهو كوصول الماء إلى الجوف عند المبالغة في المضمضة، [وإن كان مع الحائل فكالمضمضة] وهو المذكور في "الوسيط"، وهو من تخريج الإمام؛ فإنه حكى عن شيخه رواية وجهين فيما إذا ضم امرأته إلى نفسه وبينهما حائل، ثم قال: وهو عندي كسبق الماء في صورة [المضمضة].
فإن ضاجعها متجرداً، فالتقت السرتان، فهو كصورة المبالغة في المضمضة، والذي عليه الجمهور الأول.
قال: وعليه القضاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم "وإن استقاء فليقض"؛ فنص عليه عند الفطر بالاستقاء، فنقيس الباقي عله، ولأنه واجب بالكتاب والسنة مع العذر – وهو السر والمرض والحيض فلأن يجب عند فقده من طريق الأولى.
ولأن فيه استدراكاً لمصلحة الأداء بقدر الإمكان.
وقيل: إن كان فطره بالجماع، فلا يجب؛ لما سنذكره، وفيه وجه آخر يأتي.
قال: وإمساك بقيه النهار تشبهاً بالصائمين بقدر الإمكان، هل يجب مع ذلك شيء آخر؟ ينظر:
إن كان فطره بالجماع، فنعم: وهو الكفارة لا غيرن كما سيأتي.
ون كان بغيره، فالتعزير، وهل يجب عليه مدُّ من طعام أو لا؟ فيه وجهان في كتب المراوزة:
وجه الوجوب: إلحاقه بالحامل، والمرضع إذا أفطرت؛ خوفاً على ولدها، بل أولى، وهو ما صححه النواوي والبغوي.
ووجه مقابله- وهو الذي أورده العراقيون لا غير، وقال الإمام: إنه أصح الوجهين، والرافعي: إنه أظهر الوجهين – أن المد لا يكفر عصيانه.
وقد جعله المزني أصلاً، وقاس عليه عدم وجوب الفدية عند فطر الحامل والمرضع؛ للخوف على ولدها.
وقرب الإمام الوجهين [من الخلاف] فيمن ترك التشهد عمداً، هل يسجد؟
ووجه التقريب: أن الساهي بالترك أثبت له الشرع مستدركاً وجابراً، والمتعمد لا يستحق ذلك؛ فاستمر نقض الصلاة عليه.
وحكى القاضي الحسين وجهاً آخر، نسبه الماوردي إلى ابن أبي هريرة: أنه يجب
عليه فدية غير مقدرة: فوق كفارة الحامل والمرضع، ودون كفارة المجامع.
قال الماوردي: وهذا لا يدل عليه خبر ولا أثر ولا قياس.
وقيل: يجب عليه كفارة المجامع، كما سنذكره.
قال: وإن فعل ذلك ناسياً – أي: لرمضان –أو جاهلاً، أو فعل به شيء من ذلك مكرهاً – أي: بأن أوجر الطعام والشراب، أو شدت المرأة ووطئت، أو استدخلت المرأة ذكر رجل وهو نائم، أو عطن بغير إذنه – لم يبطل:
أما في النسيان؛ فلما روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه".
ورواية أبي داود عنه أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني أكلت وشربت ناسياً، وأنا صائم، فقال: "الله أطعمك وسقاك".
قال في "مختصر السنن": وقد أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
فنص على أنه لا يفطر بالأكل والشرب، ونبه به على أنه لا يفطر بما عداه من طريق الأولى.
وأما في الجهل والإكراه؛ فلأنهما ملحقان بالنسيان في وضع الإثم؛ قال – عليه السلام-:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"؛ فكذلك في عدم الفطر.
ولأن الناسي جاهل بتحريم الصوم، وقد علل النبي صلى الله عليه وسلم عدم فطره بكون الله أطعمه وسقاه؛ فكان فيه دليل على أن الفطر لا يحصل بغير فعل الصائم.
ثم صورة الجهل المؤثر في عدم بطلان الصوم: أن يقدم على ذلك؛ لأنه حديث عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة؛ كما قال البغوي [وتبعه]
الرافعي.
وبعض المتأخرين صوره بما إذا أكل ناسياً أو اغتاب؛ فظن أنه أفطر بذلك؛ فتعاطى المفطرات عامداً؛ بناء على ذلك، ثم بان له أنه لم يفطر، وداعيه إلى ذلك: أن من شرط الصوم النية، وشرط المنوي: أن يعلم حقيقته، وحقيقة الصوم شرعاً – كما تقدم – الإمساك عن المفطرات، فمن لا يعلم المفطرات لا يعلم حقيقته، وإذا لم يعلم حقيقته؛ فلا [تصح نيته]؛ ولذلك لم يتعرض كثير من المصنفين إلى مسألة الجاهل، بل تكلموا في مسألة النسيان وهذه المسألة، ومنهم البندنيجي، وقاس عدم الفطر فيها على من سلم في الظهر من اثنتين [ناسيا]، فتكلم معتقداً أنه خرج من الصلاة، لم تبطل صلاته.
قال: وكذلك الحكم فيمن احتجم أو قبَّل؛ فلم ينزل، واعتقد أنه قد أفطر، الباب واحد، وقد طرده فيما إذا أكل ناسياً؛ فظن الفطر به؛ فجامع عامداً: أنه لا يبطل صومه، وحكاه [عن الشيخ] أبي حامد.
قال: وكذلك لو احتجم، أو اغتاب، أو اعتقد أنه قد نسي النية، فوطئ، ثم بان أنه ما كان كذلك – فالحكم في الكل واحد، لا كفارة ولا قضاء، وهو الذي حكاه الجرجاني في "المعاياة".
[و] لكن الذي جزم به الماوردي والفوراني والبغوي وشيخه فيما إذا أكل
ناسياً، فاعتقد أنه أفطرن فجامع عامداً -: وجوب القضاء دون الكفارة.
[وعدم وجوب الكفارة] قد حكاه البندنيجي عن النص، ويعزى إلى "الأم"، وقضية ذلك: أن يطردوا قولهم بالفطر في الأكل وغيره عامداً إن لم نقل بأن جماع الناسي يبطله، كما [لا] يبطله الأكل ناسياً.
وقد اقتضى كلام الشيخ: أنه لا فرق فيما فعله ناسياً [بين القليل والكثير.
وقد حكى المتولي والبغوي في الفطر بالأكل الكثير ناسياً] وجهين.
وقال الإمام هاهنا: إن المذهب لم يختلف في أن من نسي صومه، وأكل، لم يفطر، سواء استقل أو استكثر، وسواء وجد ذلك مرة أو مراراً؛ لأنه روي في مأثور الأخبار أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أنه أكل ناسياً، فلم يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بفطره، فعاد مرة أخرى أو مرتين، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحكم بفطره، وقال: "إنك بعيد العهد بالصوم".
والقاضي أبو الطيب حكى هذا أثراً عن أبي هريرة.
وتبع الغزالي هاهنا الإمام في الجزم بعدم الفطر، وإن كان قد حكى وجهين في كتاب الصلاة.
[وقال الإمام ثم: إن الأكل القليل لا يبطل الصوم، وفي الكثير وجهان مرتبان على الكلام الكثير في الصلاة ناسياً، فإن قلنا: لا تبطل الصلاة]، فالصوم أولى، وألا ففي الصوم وجهان؛ لأن الناسي يعذر؛ لأنه فعل ليس بنادر، فأما الكثير فيبعد وقوع النسيان فيه؛ فإنه ينتبه وينَّبه، وما يقع نادراً لا يعتد به.
و [قد] حكى هو والمتولي وغيرهما من المراوزة في جماع الناسي قولاً آخر: أنه يبطل الصوم؛ كما قيل: إنه يفسد الحج.
والذي أورده العراقيون: أنه لا يبطله.
وقال البندنيجي: ليس للشافعي في المسألة نص، والذي يجيء على قوله: أن الواطئ كالآكل سواء، لا يفطر، ولا كفارة.
ثم إذا قلنا بالفطر، فهل تجب الكفارة؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين وغيره، وأصلهما في "التتمة": الوجوب، وعلى مقابله – وهو الظاهر في "الوسيط" والرافعي – فالفرق بينه وبين الحج المقيس عليه الأصل من وجهين، ذكرهما القاضي الحسين وغيره:
أحدهما: أن الحاج معه علامة كونه حاجًّا؛ فيكون في نسيانه مفرطاً، وعلامة الصائم لا تظهر؛ فلا يكون مفرطاً كل التفريط.
والثاني- وهو المشهور-: أن الجماع في الحج دائر بين الاستمتاع والاستهلاك، ولا يفرق فيهما بين [العامد والساهي]، [ومحظورات الصوم لا يستوي فيها العامد والساهي]؛ ولهذين الفرقين كان الصحيح عدم الفطر [أيضاً] كما ذكره الشيخ.
وكذا مقتضى كلام الشيخ: أنه لا رق فيمن فعل به شيء من ذلك مكرهاً بين أن يكون قد فعل لمصلحته أو لا لمصلحته؛ كما إذا أغمي عليه، وقلنا: لا يبطل صومه، فأوجر في فيه دواء، وهو الأصح في "التهذيب" وغيره.
وفي الحالة الثانية وجه أو قول: أنه يفطر [به]، كما سيأتي مثله في لزوم الفدية له إذا طيب لمصلحته وهو محرم.
قال: وإن أكره حتى فعل بنفسه، ففيه قولان:
أصحهما: [أنه] لا يبطل؛ لما ذكرناه.
ومقابله: أنه يبطل؛ لأنه حصل بفعله مع علمه بالحال؛ لدفع الضرر عن نفسه؛ فبطل كما لو فعله لدفع المرض وشدة الجوع والحر فدل على عدم المأثم، ولا يلزم من نفيه عدم إيجاب القضاء، ولولا الخبر الآخر في حق الناسي، لما حكمنا بصحة صومه، وهذا ما صححه في "الوجيز"؛ كما قاله الرافعي.
والذي رأيته في بعض النسخ تصحيح الأول؛ موجهاً له بأنه غير آثم.
وقال الرافعي: هذه علة الفطر، ومعنى قوله: "ليس بآثم": أن الإكراه إنما يؤثر في [دفع الإثم] على ما اقتضاه الخبر، [و] حصول الفطر لا يتعلق به إثم؛ وعلى هذا [هل] يجب عليه مع القضاء شيء؟
إن كان فطره بالجماع ففيه ما سنذكره.
وقد قال بعض أصحابنا بإجراء القولين في مسألة الكتاب فيما إذا فعل به شيء من ذلك مكرهاً كما قيل بمثل ذلك في الحنث؛ حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه، وكذا الرافعي وقال: إنه غريب.
وقال الماوردي: إن أكره على الوطء فشدت يداه، وأدخل ذكره في الفرج بغير اختياره: فإن لم ينزل فهو على صومه، وإن أنزل، ففي صومه وجهان:
أحدهما: أنه على صومه، ولا قضاء، ولا كفارة.
والثاني: أنه أفطر، ويلزمه القضاء؛ لأن الإنزال لا يحدث إلا عن اختيار، وعلى هذا ففي وجوب الكفارة عليه وجهان.
فرع: لو ابتلع خيطاً في الليل، وبقي بعضه خارجاً حتى أصبح، قال الأصحاب: فإن أخرجه، وابتلعه، بطل صومه، وإن أبقاه [صح صومه] ولم تصح صلاته؛ لاتصال
الظاهر بالباطن، وهو نجس؛ فالطريق في صحة عبادتيه: أن يقلع وهو نائم أو بغير اختياره، فإن لم يفعل ذلك، قال في "التهذيب": فالأولى أن يخرجه أو يبلعه؛ ليصلي، ويقضي الصوم.
وذكر في التتمة وجهين فيما يراعيه منهما:
أحدهما: يخرجه ويصلي؛ لأن حرمة الصلاة أعظم، ولأن بالإخراج لا يفوت إلا عبادة واحدة، وهي الصوم، وفي الإبقاء تفويت ثلاث صلوات.
والثاني: يترك على حاله، ويؤمر أن يصلي على حسب حاله، ويعيد؛ لأنه حصل شارعاً في الصوم، ولم يشرع في الصلاة، ومراعاة عبادة شرع فيها أولى من مراعاة عبادة لم يشرع فيها؛ وهذا الخلاف مذكور في تعليق القاضي الحسين في باب الأحداث، واختار القاضي الثاني.
قال: وإن تمضمض أو استنشق – أي: وهو عالم بصومه، غير قاصد إيصال الماء إلى جوفه ودماغه- فوصل الماء إلى جوفه – أي: أو دماغه – بطل صومه في أحد القولين؛ لما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب – [رضي الله عنه]- ... [الحديث] السابق.
وجه الدلالة منه: أنه شبه القبلة بالمضمضة، وهو إذا قبل؛ فأنزل، بطل صومه فكذلك إذا تمضمض؛ فوصل إلى جوفه، ويقاس الاستنشاق عليها.
والهش: الارتياح إلى الشيء.
وهذا ما نص عليه في "المختصر"، واختاره المزني؛ كما قال الماوردي.
وقال البندنيجي وأبو الطيب: إنه نص عليه في القديم و"الأم".
قال: دون الآخر؛ لأنه وصل بغير اختياره فهو كغبار الطريق؛ وهذا ما حكاه الماوردي وغيره عن نصه في اختلاف أبي حنيفة و"ابن أبي ليلى" و"البويطي" و"الإملاء"؛ كما قال البندنيجي.
قال أبو الطيب: وهو اختيار الربيع، والصحيح.
ووافقه المتولي على تصحيحه.
ومنهم من قطع به، واختلفوا في النص الذي نقله المزني، واختاره:
فمنهم من حمله على ما إذا بالغ فيهما، ونفي الخلاف في الحالين، وقد [حكاه
الفوراني.
ومنهم من حمله على ما إذا تعمد الازدراد، وقد قال في "الإبانة": إن القولين في الكتاب] حكاهما المزني، ولا فرق في جريانهما عندنا بين أن يكون قد فعل المضمضة والاستنشاق في وضوء واجب أو سنة؛ لأنه غير مضطر إليهما في الحالين.
قال: وإن بالغ، بطل؛ لحديث لقيط بن صبرة؛ فإن ذلك لو لم يفطر، لما نهى عنه.
ولأنه تولد [من فعل منهي عنه؛ فكان] كالمباشرة؛ بدليل أنه لو جرح إنساناً فمات؛ فإنه كالمباشرة؛ وهذا ما أورده البندنيجي لا غير.
وقيل: على قولين؛ كالمسألة قبلها، ووجههما ما تقدم؛ وهذه الطريقة حكاها القاضي أبو الطيب والماوردي عن بعض أصحابنا البغداديين.
والطريقة الأولى: أصح باتفاق الأصحاب، والفرق: أنه في الأولى لم يصدر منه فعل منهي عنه، بخلاف الثانية، وقد ألحق الأصحاب بالمضمضة مسألتين:
أحداهما: لو دمي فمه فغسله، فوصل الماء في جوفه، فهو كما لو وصل في المضمضة؛ قاله البغوي.
وقال القاضي الحسين: لا يفطر.
ولو غسل فمه؛ تبرداً، أو تمضمض أربعاً، فوصل إلى جوفه في المرة الرابعة – قال البغوي: فإن بالغ بطل، وإن لم يبالغ ترتب على المضمضة، وهذا أولى بوجوب القضاء؛ لأنه غير مأمور به.
وأطلق القاضي الحسين احتمال تخريج وجهين في المسألة من غير تفصيل بين المبالغة وعدمها.
وكذلك قال في "التتمة" فيما إذا أدخل الماء [في] فيه: إن من أصحابنا من قال: حكم هذه المسألة حكم من يتمضمض، فسبق إلى جوفه؛ لأنه لم يقصد ارتكاب محظور الصوم.
ومنهم من قال هنا: بطل؛ لأنه أقدم على ما لا حاجة به إلى فعله، بخلاف من تمضمض؛ فإنه يكره له تركها.
الثانية: بقية الطعام في خلل الأسنان، هل تبطل الصوم؟
الذي نص عليه الشافعي فيما نقله المزني: إن كان بين أسنانه ما يجري به الريق، فلا قضاء عليه.
ونقل الربيع عنه أنه يفطر به، واختلف الأصحاب في ذلك على طرق:
إحداها: أن المسألة على قولين، بناء على ما [إذا] سبق الماء في المضمضة؛ فإنه على قولين:
والثانية: أنه لا يفطر قولاً واحداً؛ لأن الأكل يباح له فإذا وصل بسببه بعد ما حرم الأكل [شيء إلى جوفه] عذر فيه، ولم يحكم بفطره.
قال الفوراني: وقائلها قال في المضمضة: إذا لم بالغ، فسبق الماء إلى جوفه، لم يفطر وإذا بالغ فذاك منهي عنه؛ فيفطر، وحمل نص الربيع في مسألتنا على ما إذا أراد ذلك عامداً.
وهذان [الطريقان حكاهما الفوراني والبغوي.
والثالثة: حكاها المتولي مع الأولى، وهي تنزيل] النصين على حالين [كما] نص عليهما في "الأم"، وهما: إن كان يتميز ما في فيه عن الريق أبطل، وإن كان لا يتميز عنه، لم يبطل، واختارها في "المرشد"، وهي التي أورد مثلهما الماوردي والبندنيجي والقاضي [أبو الطيب والحسين].
وقال المتولي: وعلى هذا لو وضع قطعة ذهب أو فضة، فنزلت في حلقه – فالحكم على ما ذكرناه.
والرابعة – قالها الغزالي تبعاً لإمامه -: إن قصر في تخليل الأسنان، فهو كصورة المبالغة، وإن لم يقصر، فهو كغبار الطريق قال الرافعي: ولك أن تقول: ترك التخليل إما أن يكون مكروهاً، أو لا، فإن لم يكن مكروهاً، فلا يتوجه إلحاقه بصورة المبالغة؛ لأن الوصول هنا [لم] يتولد من أمر مكروه، وإن كان مكروهاً، فالفرق ثابت
أيضاً؛ لأن ما بين الأسنان [أقرب] إلى الظاهر من الماء عند المبالغة، وربما ثبت في خلالها فلا ينفصل، وبتقدير أن ينفصل، فالتمكن من أخذه ومجه مما لايتعذر، والماء سباق إذا وجد منحدراً أسرع في النفوذ، وكان وصوله إلى الجوف أقرب.
قال: وإن أكل معتقداً أنه ليل، [أي:] إما لاعتقاده أن الشمس قد غربت، أو أن الفجر لم يطلع، فبان أنه نهار – لزمه القضاء:
أما في الأولى؛ فلما روى أبو داود عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: "أفطرنا يوماً في رمضان في غيم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس"، قال أبو أسامة – وهو حماد بن أسامة – قلت لهشام – وهو ابن عروة: أمروا بالقضاء؟ قال: وبدٌّ من ذلك؟! وأخرجه البخاري وروت أم سلمة، قالت: جاء قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا ظننا أن الليل قد دخل، فأكلنا، ثم علمنا أنه كان نهاراً، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة يوم مكانه.
ولأنه مقصر بالفطر حيث لم يتثبت، وقد تعين له يقين الخطأ فيما يؤمن مثله في القضاء؛ فلزمه؛ كما لو صلى بالاجتهاد قبل الزوال، ثم تبين له ذلك، وكما لو أكل يوم الشك؛ معتقداً أنه من شعبان، ثم تبين أنه من رمضان.
واحترزنا بقولنا "تعين له يقين الخطأ" عمن اشتبهت عليه القبلة، فصلى مجتهداً إلى أربع جهات فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه لم يتعين له الخطأ في جهة بعينها.
وقولنا: "فيما يؤمن مثله في "القضاء"، احتراز عن الناسي والغالط بالنسبة إلى الوقوف في اليوم العاشر.
وأما في الثانية فلأنه تعين له يقين الخطأ فيما يؤمن مثله في القضاء؛ فلزمه كما في المسألة قبلها؛ وهذا ما نص عليه في "المختصر"؛ حيث قال: "وإن كان يرى [أن]
الفجر لم يجب، وقد وجب، أو يرى أن الليل قد وجب، ولم يجب – أعاد"؛ ولأجله قال الإمام في كتاب الأيمان عند الكلام في الناسي والجاهل: إنه ظاهر المذهب.
وقد حكى [عن] المزني أنه قال: لا قضاء في الصورتين.
وبه قال محمد بن إسحاق بن خزيمة من أصحابنا.
والذي حكاه القاضي الحسين عن المزني: أنه لا قضاء في الثانية، [ثم] حكى مثله هو وغيره عن بعض الأصحاب؛ لأنه معذور في استصحاب حكم الليل، وهو في "الحاوي" معزو إلى أبي إسحاق قال الإمام: والوجه القطع به وقائله غلط المزني فيما نقله عن الشافعي، [وقال: مذهب الشافعي]: أنه لا قضاء، وعبارته في الكبير: "وأحب تأخير السحور، فإذا صار إلى وقت يخشى طلوع الفجر، أمسك، وأحب تعجيل الفطر، فإن خاف بقاء النهار أمسك، فإن أفطر، وبان بقاء النهار، فعليه القضاء".
والفرق بين أوله وآخره أنه معذور في أوله؛ لما ذكرناه، عكسه آخره.
قال القاضي الحسين بعد حكاية ذلك: والمذهب: الأول؛ ولذلك صححه الرافعي وغيره.
قال: وإن أكل شاكًّا في طلوع الفجر، أي: ولم يبن له الحال بعد ذلك، لم يلزمه القضاء؛ لأن الأصل بقاء الليل؛ كما لو وقف بعرفة وهوي شك هل طلع الفجر أم لا، صح وقوفه؛ لأن الأصل بقاء الليل، ومن طريق الأولى إذا أكل ظاناًّ أن الفجر لم يطلع؛ لأمارة دلته حين اجتهد على ذلك، وفي هذه الحالة يجوز له الإقدام على الأكل بلا خلاف، وأما في [حالة] الشك فالذي قاله البندنيجي والقاضي الحسني في موضع: إنه يستحب له الإمساك عن الأكل.
[وقال البغوي: يكره له الأكل].
وقال غيرهم من المراوزة: نه لا يحل له الإقدام على الأكل هجوماً.
قال: وإن أكل شاكًّا في غروب الشمس، أي: ولم يتبين له الحال بعد ذلك – لزمه
القضاء؛ لأن الأصل بقاء النهار، ولا يلزمه مع القضاء الكفارة وإن كان فطره بالجماع، قال القاضي الحسين: لأنها تسقط بالشبهة.
أما لو تبين أنه أكل بعد الغروب، فلا قضاء عليه؛ لأنه يفطر بدخول الليل وإن لم يعلم، لكنه حال إقدامه على الأكل كان آثماً.
قال القاضي الحسين: لأنه لا يجوز الهجوم على الفطر مع أن الأصل بقاء النهار.
ولو أكل ظانًّا أن الشمس قد غربت، قال البندنيجي: ينظر: فإن كان ذلك عن دليل، فالمستحب له ألاَّ يأكل حتى لا يضر بالصوم، فإن أكل وبقي الأمر على ذلك، فلا قضاء عليه، وهو الذي أورده المتولي، وادعى القاضي الحسين: أنه لا خلاف فيه.
وإن غلب على ظنه بغير دليل فأكل، وبقي الأمر على الشك، فعليه القضاء؛ لأن الأصل بقاء النهار، ولا دليل يعارضه.
قال الإمام: وحكى شيخي عن [شيخه] أبي إسحاق الإسفراييني النهي عن الاجتهاد والاعتماد عليه في هذا وفي وقت الصلاة؛ إذا أمكن الوصول إلى درك اليقين، أنه إن أفطر في آخر النهار مجتهداً، فعليه القضاء، وإن لم يبن الخطأ.
ويرد على أبي إسحاق فعل عمر – رضي الله عنه – والناس؛ فإنهم أفطروا، ثم طلعت الشمس، ولو كان الفطر لا يجوز إلا بيقين لما ما وقع في زمان عمر، رضي الله عنه.
قال: وإن طلع [عليه] الفجر، وفي فيه طعام، فلفظه أو كان مجامعاً فنزع – [صح] صومه، أي: وإن أنزل عقيبه:
أما في الأولى فلأنه لو وضع الطعام في فيه في أثناء النهار قصداً، ولم يصل منه شيء إلى حلقه – لم يفطر وإن وصل طعمه إليه، فأولى إذا كان الوضع في الليل، نعم، قال الماوردي: لو سبقه الطعام، ودخل إلى جوفه من غير اختياره؛ لازدراده،
وهو ذاكر للصوم – ففي إفطاره وجهان مخرجان من المضمضة والاستنشاق، وأصحهما: أن عليه القضاء.
وأما في الثانية: فلقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187]؛ فاقتضت الإباحة إلى الفجر فإذا نزع مع طلوع الفجر فقد فعل ما أباحه الله تعالى له؛ وذلك يقتضي ألا يفسد صومه.
[وعن المزني: أنه يفسد صومه]، لأنه يلتذ بالإخراج كما يلتذ بالإيلاج.
قال الأصحاب: وهو غلط؛ لما ذكرناه.
ولأن الإخراج ترك الجماع، وضد الإيلاج؛ فوجب أن يختلف الحكم فيهما؛ ألا ترى أنه لو قال: لادخلت هذه الدار، وهو داخلها، أو: لا لبست ثوباً، وهو لابسه، فبادر إلى الخروج والنزع – لم يحنث؟ وكذا لو تطيب المحرم ناسياً، ثم تذكر، وأزال الطيب بيده – لا يجب عليه الكفارة؛ لأنه غير متطيب؛ وهذا ما نص عليه في "المختصر" حيث قال: "وإن كان مجامعاً، أخرج مكانه، فإن مكث شيئاً، أو تحرك لغير إخراجه، فسد، وقضى".
واختلف الأصحاب في مراده بقوله: "أخرج مكانه":
فقال القاضي أبو الطيب: ليس المراد إجراءه على ظاهره؛ لأنه إذا جامع وقد طلع الفجر، فصومه باطل، سواء نزع عن الجماع أو استدامه، بل تقدير السألة: أن يكون قد أولج قبل طلوع الفجر، ثم نزع مع طلوعه.
وعن أبي إسحاق أنه قال: هو محمول على ما إذا أحس بتباشير الصبح، فنزع بحيث يوافق ابتداء طلوع الفجر آخر النزع، أما إذا طلع الفجر، وهو مجامع، وعلم بالطلوع لما طلع، ونزع لما علم – فسد صومه.
قال الرافعي: والحكم بالفساد في هذه الحالة مستبعد، لامبالاة به، بل قضية نقل كلام [الأئمة] نقلاً وتوجيهاً: أن المراد من مسألة النص الذي حكوا فيها خلاف المزني وغيره ما سنذكره.
قلت: لكن كلام البندنيجي والقاضي الحسين يقتضي تصوير محل خلاف المزني بما قاله أبو إسحاق:
أما البندنيجي فإنه قال: إذا وقع النزع والطلوع معاً؛ بأن جعل الفجر يطلع، وجعل هذا ينزع – لم يقدح ذلك في صومه.
وقال المزني: فسد صومه، وعليه القضاء.
وأما القاضي الحسين فإنه قال: إذ طلع الفجر، وهو على الجماع، لم يصح صومه.
قال أصحابنا: وتأويل المسألة: أنه أولج قبل الفجر، ثم ابتدأ في النزع مع الطلوع؛ فلم يصادفه حالة الطلوع وهو على الجماع؛ بأن يكون على موضع عالٍ فرأى أمارات الفجر، ونزع، فصادف نزعه حالة الطلوع؛ فإنه صومه لا يفسد، وهو قول الكافة إلا المزني وزفر؛ فإنهما قالا: يفسد صومه، وعليه القضاء.
[و] في شرح ابن التلمساني: أن الإمام قال في "النهاية": إن محل عدم الفطر إذا خالط [بالسحر] على ظن المهلة، فأدركه الفجر وهو كذلك، ثم نزع، أما إذا خالط قريباً من الفجر، بحيث يدركه الفجر، وهو كذلك، ثم نزع، أما إذا خالط قريباً من الفجر، بحيث يدركه الفجر، وهو على حاله، فإذا وجد النزع مع الطلوع، أفطر؛ لأن ما حصل من النزع بسبب ما ورط فيه نفسه بتفريطه.
فإن قيل: أول الفجر لا ينضبط، فلابد أن يتقدم الطلوع على علمه؛ فيكون قد وجد منه الجماع نهاراً.
قلنا: قال الشيخ أبو محمد: في ذلك احتمالان:
أحدهما: أن هذا تقدير قدره الفقهاء، ولا يتصور تحقيقه عرفاً.
والثاني: أن الحكم تعلق بالمحسوس الذي يتعلق العلم به، وما يتقدم عليه وإن كان معلوماً بالفعل فلا اعتبار [به] كما نعلم أن الزوال يتقدم على ما يبدو للناظر من تحول الظل، ولكن يرتبط التكليف بما يظهر حساً.
وإذا علمت أنه [لا يبطل صومه إذا نزع مع الفجر أو كان آخر نزعه، علمت أن الجنابة] لا تنافي الصوم، بخلاف الحيض، وقد دل على ذلك قول عائشة وأم سلمة زوجتي النبي صلى الله عليه وسلم: " [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم] يصبح جنباً [في رمضان] من جماع غير احتلام، ثم يصوم" أخرجه أبو داود، [وكذلك البخاري ومسلم وغيرهما مختصراً ومطولاً، وقال أبو داود:] "ما أقل من يقول هذه الكلمة"، يعني: "يصبح جنباً في رمضان" وأن الحديث: "كان يصبح جنباً وهو صائم"، وقد وقعت هذه الكلمة في صحيح مسلم، وما قال يعني به أبا هريرة من أن من أدركه الفجر جنباً، فلا صوم له – أحسن ما قيل في جوابه؛ كما قال الخطابي: أنه ظن أن ما كان من تحريم الجماع والأكل والشرب على الصائم بعد النوم أو صلاة العشاء غير منسوخ، [وقد ثبت نسخه] فارتفع [ما] ظنه.
قال: وإن استدام –أي: الأكل والجماع – [بطل؛ لتحقق الأكل والجماع] منه قصداً، ويجب عليه في الثانية مع القضاء الكفارة؛ لأنه آثم بالوطء، ومن هتك حرمة يوم من رمضان بالوطء مبتدئاً، وجبت عليه؛ فكذلك هاهنا، وبالقياس على القضاء؛ لأن كلاًّ منهما متعلق به عند الابتداء، فكذا في الدوام.
وقال المزني: لا كفارة؛ لأن الصوم لم ينعقد؛ لمصادفة ما ينافيه – وهو الجماع – فأشبه منترك النية ناسياً، ثم جامع: عليه القضاء، ولا كفارة.
والمذهب: الأول؛ لما ذكرناه.
وأما قوله: "إن الصوم لم ينعقد"، فقد يمنع، ويقال: بل هو منعقد؛ كما قال القاضي الحسين وشرذمة كما قال الإمام؛ ويدل عليه: أنه لو نز صح صومه، وليس كمن أحرم بالحج مجامعاً؛ فإنه لا ينعقد حجه على أحد الوجهين؛ لأن ذلك منسوب إلى اختياره، بخلاف من أرهقه الفجر مجامعاً.
نعم، يجيء علىقول أبي إسحاق في حمل النص على ما ذكره: ألاَّ تجب الكفارة؛ لأن الصوم لم ينعقد على زعمه؛ كما حكاه الحناطي وجهاً، ولم يورد البندنيجي غيره لكنه جزم [بوجوب الكفارة] وقال: إنها وجبت لمنع الانعقاد، [لا] بالإفساد.
[ومن قال: إنه انعقد صومه، ثم فسد] لا يعرف مذهب الشافعي، وهو في ذلك متبع للشيخ أبي حامد فإنه هكذا، قال في التعليق، وإنه أفسد قول من قال: إنه منعقد؛ تمسكاً بأنه إذا نزع، صح صومه، فإن الشرع إنما يحكم فيه بصحة الصوم إذا كان عازماً على الترك، فأما ونيته العود فلا؛ وهذا ما حكاه الإمام عن الأئمة، وقال بعضهم تفريعاً عليه: إنه لو مكث على حاله، ولم ينزع، ومضى زمان يمكنه النزع لم ينعقد وجهاً واحداً.
وقد حكى الرافعي وغيره عدم وجوب الكفارة؛ كما قاله المزني قولاً مخرجاً؛ لأن الشافعي نص في "المختصر" في هذه المسألة على وجوب الكفارة، وأشار في كتاب الإيلاء فيما إذا قال لزوجته: "إن وطئتك، فأنت طالق ثلاثاً" فغيب الحشفة – طلقت ثلاثاً إلا أنه لا يجب المهر، وإشارته – كما قال أبو الطيب-: سكوته عن ذكر إيجابه.
واختلف الأصحاب على طريقين في المسألتين، جاريتين – كما قال الرافعي- فيما لو جامع ناسياً، وقلنا: لا تجب الكفارة، ثم تذكر الصوم، واستدام:
أحداهما: أن فيهما قولين؛ نقلاً وتخريجاً.
وأصحهما: تقرير النصين.
والفرق أن ابتداء [الفعل] لم تتعلق به الكفارة؛ فتعلقت بانتهائه، حتى لا
يخلو الجماع في نهار رمضان عمداً عن الكفارة والوطء، ثم [غير] خال عن المقابلة بالمهر؛ لأن المهر في النكاح يقابل جميع الوطآت.
والبندنيجي والقاضي أبو الطيب جزماً القول في مسألتنا بالنص، وحكوا الخلاف في وجوب المهر.
وفرق القاضي على أحد القولين بأن المهر لا يجب إلا في زمان مخصوص، والكفارة تجب في كل وطء؛ فلم يصح اعتبار أحدهما بالآخر.
ولو طلع عليه الفجر وهو مجامع، فلم يعلم بطلوعه حتى فرغ من جماعه، ثم علم، وقلنا: يجب عليه القضاء؛ كما هو المذهب فيمن أكل معتقداً بقاء الليل، ثم بان أنه نهار – فلا كفارة هنا؛ لأنه لم يقصد هتك الحرمة، وأيضاً: فهي تسقط بالشبهة.
وكذا لو طلع [عليه] الفجر وهو مجامع؛ فظن أن صومه قد بطل ولو نزع، فمكث ساعة ممسكاً عن إخراجه – فعليه القضاء، ولا كفارة؛ لأنه غير قاصد لهتك الحرمة؛ قاله الماوردي والبغوي.
واعلم أن الفجر الذي يتعلق به ما ذكرنا هو الفجر المستطير لا المستطيل، روى مسلم عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال، و [لا] بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا"، وحكاه حماد بيديه، قال: يعني: معترضاً: وقد كان الرجل حين نزل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: 187]، إذا أراد الصوم ربط أحدهم خيطين [في رجليه]: [الخيط] الأبيض، والخيط الأسود، [ولا]
يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له أيهما فأنزل الله تعالى بعد ذلك: ﴿مِنْ الْفَجْرِ﴾؛ فعلموا أنه إنما يعني بذلك: الليل والنهار.
أخرجه مسلم.
وقد روي عن عدي بن حاتم أنه قال: "لما نزلت هذه الآية أخذت عقالاً أبيض وعقالاً أسود، ووضعتهما تحت وسادتي، فنظرت، فلم أتبين ذلك، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فضحك، [فقال]: "إن وسادك إذاً لعريض طويل؛ إنما هو الليل والنهار"، وقال عثمان -وهو ابن أبي شيبة -:"إنما هو سواد الليل وبياض النهار"، وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
قال: وإن جامع - أي: [من] هو من أهل التكليف بالصوم وقد نواه من الليل -[امرأته]، أي: مختارة في قبلها، في نهار رمضان، من غير عذر - لزمهما القضاء؛ كما تقدم، وهو نصه في "المختصر".
وقيل: لا يلزمه؛ لأنه - عليه السلام - لم يأمر الأعرابي في القصة التي سنذكرها به، ولو كان واجباً لذكره كالكفارة، وهذا ما أومأ إليه في "الأم" مع الأول؛ كما قال البندنيجي، وهو الذي حكاه ابن الصباغ عنه.
وإذا كفر الواطئ احتمل ألاَّ يكون عليه القضاء؛ [فإن القضاء داخل في الكفارة، واحتمل أن يكون عليه القضاء].
ولا فرق على هذين القولين بين أن يكفر بالصوم أو غيره كما قال البندنيجي، وكذا القاضي [الحسين]، ثم قال: ومن أصحابنا من قال: لم يختلف قوله: أن
القضاء واجب، وهو أصح، وسكوته؛ لعلمه بأنهم يعلمون أن القضاء لازم عليه.
والذي سمعته في الدرس: أنه إن كفر بغير الصيام، فعليه القضاء، وإن كفر بالصيام؛ فحينئذ فيه طريقان على ما بينا؛ ولأجل هذا حكى بعضهم قولاً ثالثاً في المسألة [أنه] إن كفر بالصوم اندرج فيه، وإلا فلا.
والصحيح: الأول؛ لما رواه أبو داود عن أبي سلمة بن عبد الرحمن [عن أبي هريرة] قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في رمضان ... وساق الحديث، قال: فأتي بعرق تمر - قدر خمسة عشر صاعاً- وقال فيه: "كله أنت وأهل بيتك، وصم يوماً، واستغفر الله"، وهذا في حق الرجل.
أما [في حق] المرأة، إن قلنا بوجوب الكفارة عليها؛ فيظهر أن تكون كالرجل، وإن قلنا: لا يلاقيها الوجوب، او يلاقيها ويتحمله الزوج- فقد قال الإمام: لم يختلف الأصحاب في لزوم القضاء لها؛ لأن الكفارة إذا كانت صوماً، لم تتحمل، فما الظن بالقضاء؟! قال: وهذا مما لا شك [فيه].
قال: وفي الكفارة ثلاثة أقوال:
أحدها: يجب على كل واحد منها كفارة:
أما الرجل؛ فلما روى مسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: هلكت يا رسول الله، قال: "وما أهلكك؟ " قال: وقعت على امرأتي في رمضان [وأنا صائم]، قال: "هل تجد ما تعتق رقبة؟ " قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا، قال: اجلس، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، فقال: "تصدق بهذا" قال: على أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا؛ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال:
"اذهب فأطعمه أهلك".
ولأن الصوم عبادة يتعلق المال بجبرانها في حق الشيخ الهم والمرضع والحامل، ومن أخر القضاء إلى رمضان [آخر]؛ فتعلقت الكفارة بفسادها، أصله: الحج.
وأما المرأة؛ فبالقياس على الرجل؛ لأن الكفارة عقوبة، وقد تساويا في سبب الحكم بوجوبها؛ فوجب أن يستويا في الحكم؛ كما إذا زنى بها؛ فإن الحد يجب عليهما [جميعا]؛ لتساويهما في سببه، وقد روي أنه – عليه السلام – قال: "من أفطر في رمضان، فعليه ما على المظاهر" والمرأة قد أفطرت في رمضان، فوجب أني جب عليها الكفارة؛ وهذا ما نص عليه في "الإملاء".
قال الماوردي: والإيجاب على المرأة ليس بصحيح، ونسبه الغزالي إلى نصه في القديم، قال الرافعي: وليس ذلك؛ لأن "الإملاء" من الكتب القديمة؛ فإن "الإملاء" محسوب من الكتب الجديدة؛ ولكن رأيت لبعض الأئمة رواية عن القديم و"الإملاء" معاً.
ويشبه أن يكون له في القديم قولان؛ لما ستعرفه.
والثاني: يجب عليه دونها لأن النبي صلى الله عليه ولم [لم] يأمر زوجة الأعرابي بالكفارة مع مشاركتها له في السبب؛ فإنه جاء في بعض طرق قصة الأرابي فيما روته عائشة – رضي الله عنها -: هلكت، وأهلكت"، كما ذكره الشيخ زكي الدين في
"حواشي المختصر"، ولو كانت تجب عليها لبين ذلك كما بينه في حق الرجل؛ ألا ترى أنه في قصة العسيف الذي زنى قال: "واعد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها".
فإن قيل: قد سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن إيجاب القضاء فيه، وأوجبتموه.
قلنا: قد جاء في بعض طرق الحديث التعرض له، وعلى الرواية المشهورة، فإنما لم يتعرض له لأنه منصوص عليه في القرآن؛ فلذلك لم يذكره.
ولأنه حق مالي يتعلق بالوطء من بني جنسه؛ فكان على الرجل كالمهر، ويخالف الأصل؛ فإن صوم المرأة ناقص؛ فإنه معترض لأن يبطل بطروء الحيض، وإذا كان كذلك، لم تكن كاملة الحرمة؛ فلم تتعلق بها الكفارة؛ كذا قاله الكرابيسي؛ وهذا القول هو الذي نص عليه في "اختلاف مالك وأبي حنيفة"، وصححه في "الوجيز" و"التهذيب"، وبه قال الحناطي وآخرون، ومنهم القاضي أبو الطيب؛ تفريعاً على ما نص عليه في عامة كتبه؛ كما سنذكره.
والثالث: يجب عليه كفارة عنه وعنها؛ لأن الأعرابي لما ذكر القصة ومشاركتها له في السبب، أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة؛ فدل على أنها وجبت بسبب المجموع.
وقاس البغوي والمتولي الكفارة على ماء الاغتسال، وكأنهما قدراه متفقاً عليه بأنه عليه، لكن الحناطي حكى طريقاً آخر قاطعاً بأن ثمن ماء الاغتسال عليها لا عليه، وأشار إلى ترجيحه، وسنذكره في كتاب الحج عن غيره.
وهذا القول نص عليه في "المختصر" حيث قال: فعليه القضاء، والكفارة واحدة
عنه وعنها.
وقال القاضي أبو الطيب: إنه الذي نص عليه في كتبه القديمة والجديدة.
وادعى الإمام أنه ظاهر المذهب، واختاره في المرشد.
قال الرافعي: لكن الذين قالوا بالذي قبله حملوا قوله في "المختصر" على أنها تجب على الفعلين جميعاً، وردوا ماسبق من العلة؛ فإنه – عليه السلام – أمره بصوم الشهرين، ولو كانت الكفارة عنهما جميعاً، لبعث إليها من يأمرها بالصيام؛ لأن الصوم لايتحمل.
وسيظهر لك حقيقة القول الثالث في التفريع، إن شاء الله تعالى.
والقوال الثلاثة متفقة على أن الزوج مخاطب بإخراج كفارة واحدة، وأن الخلاف في [أن] المرأة مخاطبة بها أم لا؟ وسلك الجمهور في إيراده طريقاً آخر، فقالوا: نص في "الإملاء" على أن [على] المرأة الكفارة، ونص في عامة كتبه على أنها لا تجب عليها الكفارة، وهي عبارة أبي الطيب والماوردي، لكن لأن الوجوب لا يلاقيها أصلاً، أو لأنه لاقاها، وتحمله الزوج عنها؟ قيه قولان:
المذكور في "اختلاف أبي حنيفة ومالك": الأول.
وفي كتبه القديمة والجديدة: الثاني.
وذلك عند الاختصار يرجع إلى ثلاثة أقوال كما ذكر الشيخ، وقد صحح القاضي أبو الطيب ما نص عليه في "الإملاء"، وهو الذي صدر به الشيخ كلامه، وقال الإمام:
إنه الأقيس عند أئمة المذهب؛ فإنه لا حجة في قصة الأعرابي على عدم إيجاب القضاء عليها؛ فإنه – عليه السلام – يجوز أن يكون قد علم أنها مكرهة، أو [كانت] نائمة؛ فلذلك لم يأمرها بالكفارة، ولفظة "أهلكت" قد قال الخطابي: إنها غير موجودة في شيء من رواية هذا الحديث، وأصحاب سفيان راوي الحديث لم يرووها عنه وإن كان بعض أصحابنا حدثني: أن معلى بن منصور روى هذا الحديث عن سفيان، وذكر هذا الحرف فيه، وهو غير محفوظ، والمعلى ليس بذاك في الحفظ.
وقال البيهقي: وقوله: "أهلكت" ليس بمحفوظ.
ونقل عن شيخه الحافظ أبي عبد الله تضعيف هذه اللفظة.
قلت: ولو صحت كان احتمال كونها مكرهة أظهر؛ لأنه نسب إهلاكها إليه، ولا يكون منسوباً إليه إلا إذا كانت مكرهة؛ فإنها لو كانت مطاوعة لكانت هي المهلكة لنفسها، لا هو، ولايجوز أن يحمل على أنه السبب في إهلاكها نفسها؛ إذ كل منهما متسبب في إهلاك الآخر.
نعم، يكون في هذا الخبر دليل على أن المكره على الوطء يفطر كما هو أحد القولين لنا، ولا يجب عليه الكفارة وإن كان فطره بالجماع.
والذي اقتضاه إيراده في "الوسيط" ترجيح القول المنسوب لنصه في عامة كتبه؛ موجهاً له بأنها أفطرت قبل الجماع بوصول أول جزء من الحشفة إلى باطنها ولقصة الأعرابي.
وأراد بذلك الاستدلال على القولين المذكورين فيمن المراد بهذا القول، هل أنه لا يلاقيها الوجوب أصلاً أو يلاقيها ويتحملها الزوج عنها؟ فقوله: "لأنها أفطرت" ساقه لتوجيه القول بأن الوجوب لا يلاقيها أصلاً، وهذه العلة هي التي حكاها الإمام في كتاب أجل العنين عن أبي طاهر الزيادي، وأن القاضي وافقه في القطع بفطرها قبل غيبوبة الحشفة، وقال: إنه لا ينقدح عندنا غير ذلك؛ لأنه لو فرض إيصال أصبع إلى وراء ملتقى الشفرين على قدر نصف الحشفة، لكان مفطراً.
قال: وكان شيخي يقطع بأن [فطر] المرأة يحصل بتغييب الحشفة، ولا يقيم لما
يغيب من الحشفة حكماً، وسفه الزيادي فيما علل به عدم إيجاب الكفارة، وقول الزيادي مشكل؛ إذ لم يختلف أئمة المذهب في أن أقيس القولين: وجوب الكفارة عليها، عبارة الرافعي: أن الأكثرين زيفوه بأن قالوا: يتصور فساد صومها بالجماع، بأن يولج وهي نائمة، أو ناسية، أو مكرهة، ثم تستيقظ أو تتذكر، ثم تطاوع بعد الإيلاج وتستديمه والحكم لا يختلف على القولين.
قال بعض الفضلاء: وهذا لا يتوجه به فساد قول الزيادي، وأنا أقول: فساد قول الزيادي ظاهر بما حكاه القاضي الحسين عنه؛ فإنه قال في التعليق: وكان الزيادي يقول: لا يتصور الخلاف في هذه المسألة؛ لما ذكرناه من العلة.
[قال القاضي]: إلا أنهم يصورونه فيما لو جومعت مكرهة فطاوعت في أثنائه، أو ناسية فتذكرت في خلاله، فأصرت على ذلك؛ ففطرها حصل بالجماع لا محالة.
قلت: لكن كلام الأصحاب يقتضي عدم الاقتصار في إجراء الخلاف على هاتين الحالتين؛ فإنهم جزموا بإجراء الخلاف فيما لو نزلت عليه وهو نائم، فقالوا: إن
قلنا بقوله في "الإملاء"، فيجب عليها وكذا لو قلنا: إنها تجب على الزوج [بطريق التحمل عنها، وإن قلنا: جانبها خلو عنها، فلا شيء عليها ولا على الزوج] وهذا يعضد الشيخ أبا محمد في قوله، وقد قال الإمام في تقريره: وأيضاً: إن الممكن في الفرق بين الإصبع وبعض الحشفة: أن بعض الحشفة وإن كان يغيب ويصل إلى الباطن؛ فحكم الجماع أغلب [فلا اكتراث] بالتغييب الذي يتعلق به وصول واصل من الظاهر إلى الباطن، وكان الحكم للوقاع.
وقول الغزالي: "ولقصة الأعرابي" أراد به توجيه القول بأن الوجوب يلاقيها، ثم يتحمله الزوج؛ لأنه لما قال: "هلكت وأهلكت" وجب عليه الكفارة؛ فدل على أنها عنهما.
ويجوز أن يكون ذكر ذلك تنزيلاً، وكأنه قال: ولو قلنا: إن المرأة لا تفطر بما دون الحشفة؛ فلا تجب الكفارة لقصة الأعرابي؛ وحينئذ يكون هذا استدلالاً على أنها لا تبج عليها أصلاً، كما ذكرنا: أنه الذي صححه في "الوجيز"، والله أعلم.
أما إذا كان الوطء في الموضع المكروه، فالحكم في القضاء كما تقدم، وكذا الكفارة في حق الرجل، [وأما المرأة، فلا يجب عليها وفاقاً؛ كما قال [القاضي] أبو الطيب والبندنيجي، وكذا حكم إتيان الرجل] في الدبر.
وفي كلام الغزالي إشارة إلى عدم وجوب الكفارة بالإتيان في غير المأتي؛ لأنه قال: والظاهر من المذهب تعلقها بوطء البهيمة والإتيان في غير المأتي.
وعبارة الفوراني أبلغ في حكايته؛ لأنه قال: لو تلوط [أو] أتى بهيمة، فالصحيح
أن عليه الكفارة.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان كالقولين في وجوب الحد.
[وعلى ذلك ينطبق قول الإمام.
وذهب بعض أصحابنا إلى اتباع الكفارة الحد فكل وطء يتعلق الحد بجنسه تتعلق الكفارة به، وكل وطء اختلف القول في تعلق الحد به: كإتيان البهيمة، ففي وجوب الكفارة به ذلك الخلاف.
وهذا رديء مزيف، والذي أورده العراقيون: الأول.
نعم، قالوا فيما لو أتى بهيمة: إن قلنا: إن الواجب عليه القتل أو الحد، فالأمر كذلك، وإن قلنا: إن واجبه التعزير، ففي وجوب الكفارة وجهان.
وقد احترز الشيخ بقوله: "إذا جامع" عما إذا باشر فيما دون الفرج بشهوة، أو استمنى؛ فأنزل [ونحو ذلك]؛ فإنه لا يجب عليه الكفارة العظمى عندنا، وهل يجب غيرها؟ فيه ما تقدم.
وحكى الرافعي عن الحناطي [أن] ابن [عبد] الحكم حكى عن الشافعي إيجاب الكفارة فيما إذا جامع فيما دون الفرج، وأنزل، وأن أبا خلف الطبري – وهو من تلامذة القفال- اختار وجوب الكفارة لكل ما يأثم بالإفطار به.
و [احترز] بقوله: "امرأته"، عما إذا زنى بامرأة في قبل أو دبر في نهار رمضان، أو وطئها بشبهة؛ فإن القول الثالث لا يجري، بل لا يكون في المسألة في حقها إن كانت مطاوعة إلا قولان: الوجوب، أو عدمه، وأما في حقه، فالكفارة عليه لا محالة.
وقال الماوردي: إن القاضي أبا حامد كان يزعم أنه يجب على كل واحد منهما كفارة، لا يختلف.
يعني: وإن قلنا: لا يجب على الزوجة؛ لأن الخبر لم يأت فيما زنى، ولأن الزاني في معناه.
ولو كانت مكرهة، فسنذكر حكمها.
وأمته في حكم زوجته المعسرة، لكن يمتنع التحمل؛ لأن واجبها الصوم، وهو لا
يقبل التحمل إلا على وجه سنذكره.
ثم كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في الخلاف الذي ذكره- فيما إذا كانت زوجة - بين أن يكون قد وطئها وهي ناشز، أو لا.
وفي "البحر" فيما إذا وطئها وهي ناشز: أن والده كان يقول: إن قلنا بقول التحمل لو لم تكن ناشزاً، فهل يتحمل عنها والحالة هذه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا كزكاة الفطر والنفقة.
والثاني: نعم، والفرق: أن ذلك يلزمه [في مقابلة التمكين، وبالنشوز زال التمكين، والكفارة تلزمه] بالجماع، لا بالتمكين.
قال الروياني: وهذا أشبه بكلام أصحابنا والأول أقيس.
قلت: وعندي في تصوير المسألة نظر؛ لأنه إذا وطئها مكرهة أو نائمة، فقد استوفى حقه في تلك الحالة؛ فزال النشوز بالنسبة إليها، وإنما لم تستحق النفقة؛ لأنها في مقابلة التمكين في اليوم، ولم يوجد في جملته، والفطرة تتبعها.
واحترز بقوله: "في نهار رمضان" عما إذا جامع وهو صائم عن قضاء أو نذر أو كفارة أو تطوع؛ فإنها لاتجب عندنا الكفارة العظمى؛ لفقد حرمة الوقت التي وجبت لأجله، وهل يجب غيرها؟ المذهب: لا.
وحكى البندنيجي عن ابن أبي هريرة أنه قال: يكفر عن كل يوم بالكفارة الصغرى.
واحترز بقوله: "من غير عذر" عما إذا كان له عذر يسوغ له الإقدام على الوطء، وهو على مراتب:
الأولى: الجهل؛ كما إذا جامع معتقداً أنه ليل، ثم بان أنه نهار، يلزمه القضاء دون الكفارة؛ وكذا إن أكل ناسياً؛ فظن أنه أفطر؛ فجامع عامداً – لا تجب عليه الكفارة وإن أوجبنا القضاء؛ كما نص عليه في "الأم"، وفيما إذا جامع ظاناً أن الفجر لم يطلع، وكان قد طلع – وجه: أنها تجب؛ بناء على وجوبها بجماع الناسي، كما سنذكره حكاه الإمام عن طوائف من أصحابنا.
وقال الرافعي: إن ما أطلقه صاحب "التهذيب" من أنه لا كفارة على من ظن أن الشمس قد غربت؛ فجامع، ثم تبين خلافه – ينبغي أن يكون مفرعاً على تجويز الإفطار والحالة هذه، وإلا فتجب الكفارة؛ وفاء بالضابط المذكور؛ لما يوجب الكفارة.
وفيما إذا أكل ناسياً؛ فظن أنه أفطر؛ فجامع عامداً – احتمال للقاضي أبي الطيب في وجوب الكفارة؛ لأن فطره بالنسيان لا يبيح له الأكل عامداً؛ حكاه [عنه] في "المهذب" و"البيان".
الثانية: النسيان، فإذا جامع ناسياً، قد قلنا: إنه لا يفطر على المشهور، وفيه قول مخرج: أنه يفطر به؛ فيلزمه القضاء، وإذا قلنا به، فهل يلزمه الكفارة؟ فيه وجهان تقدم ذكرهما أيضاً.
والذي يظهر: عدم الوجوب كما رجحه الرافعي وغيره؛ لأنه لم يقصد [هتك] حرمة الصوم، ويشهد لذلك ما حكيناه عن النص في الصورة قبلها.
والإكراه إذا قلنا: إنه لا يمنع الفطر، فهو من الأعذار المسقطة للمأثم؛ كالنسيان؛