كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بسم الله الرحمن الرحيم
باب الغسل المسنون
وهو اثنا عشر غسلاً:
غسل الجمعة: الأصل في مشروعيته مذكور في باب: هيئة الجمعة.
ودليل سنيته قوله عليه السلام: "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِبهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ".
00000000000000000000000000000000000000
00000000000000000000000000
00000000000000000000000000
فإن قلت: هذا الحديث، قال الترمذي: إنه مرسل، وإنه حسن، وأنتم لا ترون بالمراسيل.
قلنا: قصة عثمان مع عمر- رضي الله عنهما- التي ستعرفها في باب هيئة الجمعة، تقويه، وتدل على المدعى؛ فإنه لو كان واجباً لما تركه عثمان، ولأمره عمر بالإتيان به.
ولأنه غسل بسبب مستقبل؛ فاقتضى أن يكون سنة؛ كالغسل لدخول مكة، والوقوف بعرفة.
نعم، تركه مكروه، كما قاله أبو بكر الصيدلاني.
قال الإمام، في كتاب الجمعة: وهذا- عندي- جارٍ في كل مسنون صح الأمر به مقصوداً.
ثم قوله عليه السلام: "فَبِهَا وَنِعْمَتْ" معناه: فبهذه الطريقة الكفاية، ونعمت الكفاية هي.
وقال ابن الصباغ: معناها، فبالفريضة أخذ.
ونعمت، يعني: بالخلة الفريضة.
تنبيه: المراد من قول الشيخ: "غسل الجمعة" الغسل لصلاة الجمعة، ومنه يفهم أنه يختص بمن يريد الصلاة، دون من لم يردها، وهو المذكور في "تعليق القاضي أبي الطيب"، و"النهاية" وغيرهما، وعليه يدل من قول الشيخ- أيضاً-: المستحب لمن أراد الجمعة أن يغتسل لها".
وقد حكى بعض المراوزة وجهاً: أنه كغسل العيد، يستحب لمن يحضرها ولمن لا يحضرها، وهو منسوب في كتب العراقيين إلى أبي ثور.
وتوسط الماوردي؛ فقال: هو سنة لمن يريد الحضور، وليس بسنة لمن ليس من أهل وجوبها.
وأما من هو من أهل الوجوب، لكن تخلف لعذر، فهل هو سنة؟ له فيه وجهان.
وتقديم الشيخ غسل الجمعة على غيره من الأغسال يؤذن بأنه آكدها.
وقد اتفق جمهور الأصحاب على أنه والغسل من غسل الميت آكد الأغسال المسنونة، وأيهما آكد؟ فيه قولان.
أحدهما: غسل الجمعة؛ لاختلاف العلماء في وجوبه؛ تمسكاً بقوله- عليه السلام-: "غُسْلُ الجُمُعَةَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتلِمٍ".
رواه مسلم.
وقوله- عليه السلام-: "مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ؛ فَلْيَغْتَسِلْ".
والثاني: الغسل من غسل الميت آكد؛ لاختلاف قول الشافعي في وجوبه، وقد نسب هذا القول إلى "الأم"، وهو المنقول في "المختصر"، والأول إلى القديم، وقال في "الكافي": إنه أصح.
وقال صاحب "التلخيص": الغسل من غسل الميت لا يبلغ درجة الوكادة كباقي الأغسال.
قال الإمام: وهو غلط باتفاق الأصحاب.
قلت: ولا جرم قدمه الشيخ على الأغسال التي لا تتعلق بالصلاة؛ [كما قدم غسل الجمعة على الأغسال التي تتعلق بالصلاة] إذ الباب مشتمل عليها.
قال بعضهم: وفائدة الخلاف في أيهما آكد تظهر فيما إذا أوصى شخص بماء لغسل أولى الناس به، وحضر من يريد الجمعة، ومن غسل ميتاً.
قال: وغسل العيدين [والكسوفيين والاستسقاء]؛ لما ستعرفه في أبوابها؛ والقدر الشامل لها: أن ذلك موضع يشرع فيه الاجتماع؛ فيسن فيه الاغتسال؛ كالجمعة.
قال: والغسل من غسل الميت؛ لما روى أبو هريرة، أنه- عليه السلام- قال: "مَنْ غَسَّل مَيِّتاً فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّا".
أخرجه أبو داود، وقال الترمذي.
0000000000000000
حديث حسن.
لكن الإمام أحمد قال: إنه موقوف على أبي هريرة؛ ولأجل هذا لم يقل بوجوب ذلك.
وقد حكي أن للشافعي قولاً في القديم: أنه واجب، أعني: الغسل على من غسله، والوضوء على من مسه.
ونقل المزني عن الشافعي أنه قال: "لو صح الحديث قلت به".
واختلف الأصحاب في معنى قوله: "قلت به": فقال ابن سريج: قلت به استحباباً،
وقال أبو إسحاق: قلت به وجوباً، وهو ما صححه أبو الطيب، وعلى هذا: على ماذا يحملون وجوبه؟ فيه وجهان:
أحدهما: [أنه تعبد.
والثاني: أنه محمول] على نجاسة بدن الآدمي إذا مات- وهو وجه بعيد- لأن من غسل ميتاً يترشش الماء إلى مواضع من بدنه [لا يدري بها؛ فيجب تعميم البدن بالغسل؛ لتيقن طهارة بدنه] بعد ما علم نجاسته.
ولا وجه لإيجاب الوضوء إلا التعبد.
وقد خرج بعض أصحاب الحديث لصحته مائة وعشرين طريقاً، كما قاله الماوردي.
قال: وغسل الكافر إذا أسلم؛ لما روى النسائي: "أنه أسلم قيس بن عاصم، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يغتسل بماء وسدر] وروي أنه أمر ثمامة بن أثال الحنفي أن يغتسل حين أسلم.
ولأن في غسله تعظيماً للإسلام.
واستحب أن يكون غسله بعد حلق شعر رأسه؛ لقوله- عليه السلام-: "أَلْقِ عَنْكَ شَعَرَ الكُفْرِ".
فإن قيل: لم لا قلتم بوجوبه لأجل الخبر؟
قيل: لأن جماعة أسلموا، ولم يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك؛ فدل لسنيته، ولو كان فرضاً لأمرهم به، ولأن الإسلام توبة من معصية؛ فلم يجب الغسل لها؛ كالتوبة من سائر المعاصي.
ثم ظاهر كلام الشيخ أن غسله بعد الإسلام، وقد أبعد بعض الأصحاب، فاستحبه قبله.
قال الإمام في كتاب الجمعة: وفيه نظر؛ فإن الأمر بتأخير الإسلام محال، والمعرفة إذا ثبتت لا يمكن دفعها.
وإن كان المراد إظهار الشهادتين؛ فلا وجه لتأخيره، فإنه مما يجب على الفور.
نعم، لو قيل: لو بدت تباشير الهداية؛ فابتدر الكافر واغتسل، ثم أقبل، وهداه الله؛ فما جرى في الحال التي وصفناها: هل يعتد به؟ فيه احتمال وتردد.
ثم هذا في كافر لم يجب عليه في حال كفره الغسل، أما إذا وجب؛ فالمذهب أنه لا يسقط، ويجب عليه أن يغتسل بعد الإسلام.
وذهب الإصطخري إلى سقوطه؛ لعموم قوله- عليه السلام-: "الإِسْلامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ"، حكاه الماوردي عنه.
فإن قلنا بالمذهب، ولم يكن قد اغتسل في حال الكفر؛ فالأمر كما سلف، وإن كان قد اغتسل، فقد حكينا في الباب قبله في صحة غسله خلافاً.
قال: والمجنون إذا أفاق، أي وكذا المغمى عليه، والأصل فيه ما روي: أنه- عليه السلام- كان في مرضه الذي مات فيه يغشى عليه، فإذا أفاق قال: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ، وَكَانَ يَغْتَسِلُ".
فإذا شرع ذلك في الإغماء؛ ففي الجنون أولى.
وقد حكي عن الشافعي، أنه قال في "الأم": قلما جن إنسان إلا أنزل، وإن كان هكذا اغتسل المجنون للإنزال.
وإن شك أحببت أن يغتسل احتياطاً، ولم أوجب ذلك عليه حتى يستيقن الإنزال.
قال البندنيجي: وهذا صحيح، إن كان بزوال العقل [ينزل غالباً؛ فمتى أنزل أو لم ينزل تعلق الغسل بزوال العقل]؛ كما نقول في النائم: يجب عليه الوضوء؛ لأن النوم مظنة الحدث، وإن لم يغلب ذلك لم يجب.
والجمهور على عدم وجوبه في الحال، وفرقوا بينه وبين النوم: بأن الحدث الذي النوم مظنته لا علامة تدل عليه بعد الإفاقة، بخلاف الإنزال؛ فإنه عين يمكن الوقوف عليها.
قال: والغسل للإحرام، ولدخول مكة، وللوقوف- أي: بعرفة ومزدلفة- وللرمي- أي: إلى الجمرات الثلاث، في أيام التشريق، في كل يوم غسلاً واحداً؛ فيكون له ثلاثة أغسالٍ- وللطواف، أي: طواف الركن.
وهذه الأغسال تذكر أدلتها في الحج.
وقد حكى القاضي أبو الطيب: أن الغسل لطواف القدوم، منصوص عليه في القديم دون الجديد.
وكذا الغسل لطواف الوداع، والغسل بعد حلق رأسه، وبذلك تكمل اغتسالات الحج عشراً.
قال الأصحاب: ولا يختلف قوله: في أنه لا يستحب الغسل لرمي جمرة العقبة؛ لأنها
قريبة من الغسل للعيد والغسل للوقوف، وبهذا خالفت بقية الجمرات؛ فإن [وقتها بعيد] وأيضاً فإن وقتها يكون بعد الزوال، وهو وقت الحر، بخلاف جمرة العقبة، والناس يجتمعون في الجمرات، بخلاف جمرة العقبة؛ [فإن وقتها] أوسع.
وقد أحسن في "المرشد" فقال: إن طواف الوداع وطواف الزيارة يغتسل له؛ إن ازدحم الناس؛ كما يرشد إليه تعليله في الجديد.
وقد زاد صاحب "التلخيص" على ما ذكرناه: الغسل من الحجامة، ومن دخول الحمام، وأنكره المعظم عليه.
وحكى الإمام في كتاب الجمعة عنه: أنه استحب الغسل لدخول الكعبة أيضاً والله أعلم.
باب التيمم
التيمم في اللغة: القصد والعمد، يقال، تيممت، ويممت فلاناً، إذا: قصدته.
وفي الشرع: إيصال التراب الطاهر إلى الوجه واليدين مع النية بشرائط مخصوصة.
قال: "ويجب التيمم عن الأحداث كلها إذا عجز عن استعمال الماء".
"الأحداث": جمع "الحدث" وإن كان اسم جنس؛ لتعدد أفراد نوعيه: الأصغر والأكبر.
ونظم بقوله: "عجز" العجز بسبب فقده، والعجز بسبب مرض، قام بالمتيمم، أو خوف، كما سيأتي، ودليل وجوبه [في] حالة المرض، وفي حالة العدم في السفر قوله- تعالى-: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] إذ في الآية- كما قال زيد ابن أسلم، فيما حكاه القاضي أبو الطيب، في باب الأحداث، عن الشافعي، عنه-: تقديم وتأخير، وذلك كثير في كتاب الله تعالى، قال الله- تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا (1) قَيِّماً لِيُنذِرَ بَاساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ [الكهف: 1، 2].
وتقديرها: أنزل على عبده الكتاب قيماً، ولم يجعل له عوجاً.
وقال- تعالى-: ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ﴾ [هود: 71].
والتقدير: فبشرناها؛ فضحكت.
وقوله- تعالى-: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: 5].
والتقدير: جعله أحوى غثاء، لأن الأحوى: الأخضر، والغثاء: اليابس.
وإذا كان فيها تقديم وتأخير، فتقديرها- كما قال-: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء- فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنباً فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر، فلم تجدوا ماء؛ فتيمموا.
وإذا ثبت ذلك في الجنابة، كان الحيض مثلها؛ لأن كلاً منهما يوجب الغسل.
أو نقول: الآية تدل على وجوبه في الحدث الأصغر، وهو إجماع، ويدل عليه في الجنابة قراءة من قرأ: ﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: 6] وحملها على المجامعة، كما صار إليه علي وابن عباس.
والخبر الذي نذكره عن عمران بن الحصين يدل عليه، والحيض والنفاس في معناها.
وفي حالة العدم [في الحضر]: قوله- عليه السلام-: "الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ، وَلَوْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ، وَلَوْ إِلَي عَشْرِ حِجَجٍ" ولم يفصل.
وكذا ما روى عن عمران بن الحصين: "أنه- عليه السلام- أمر رجلاً كان جنباً أن يتمم، ثم يصلي، فإذا وجد الماء اغتسل".
أخرجه البخاري ومسلم.
وظاهر الأمر الوجوب.
قال الإمام: ومع وجوبه فهو رخصة.
وقال البندنيجي: إنه عزيمة.
فحصل فيه وجهان صرح بهما غيرهما.
وأثرهما يظهر فيما لو سافر في معصية، وعدم الماء؛ فإنه يتمم، وهل يجب عليه الإعادة؟ إن قلنا: إنه رخصة، فنعم؛ وإلا فلا.
والإمام حكى الوجهين في باب "صلاة المسافر" مع جزمه بأنه رخصة.
ووجه المنع: بأنه وجب عليه فعله؛ فخرج عن مضاهاة الرخص المحضة، وبأن وجوب القضاء يتعلق بالمآل وثاني الحال فلا تؤثر المعصية فيهما.
وقد أطلق الشيخ هنا القول بوجوب التيمم، وعبارته في "المهذب": "يجوز التيمم عن الحدث الأصغر؛ للآية، ويجوز عن الحدث الأكبر".
ولا منافاة بين قوله: ["ويجوز"، وبين قوله]: "يجب"؛ لأن الواجب جائز الفعل، وإذا كان كذلك؛ فلا حاجة إلى التأويل حتى يقال: إن ما ذكره هنا محمول على آخر الوقت، وما ذكره في "المهذب" محمول على أوله.
ولو احتاج إلى التأويل لم يكن ما ذكره شافياً؛ لأن التيمم عند وجود شرطه في أول الوقت، واجب أيضاً، لكنه واجب موسع، وهو في آخره واجب مضيق.
نعم، قد يقال: عدل في "المهذب" عن لفظ الوجوب إلى الجواز؛ لوقوع الخلاف في الجواز؛ فإن بعض الصحابة قال: لا يجوز عن الجنابة.
ولا جرم صدر كلامه بجوازه في الأصغر؛ لكونه مجمعاً عليه، ثم ثنى بالأكبر، للاختلاف فيه.
وفعل هذا في "المهذب" دون "التنبيه"؛ لأنه مبسوط يحتمل مثل ذلك، أو [لأنه لما] قرره في "المهذب"، أراد أن يبين- هنا- أمراً زائداً عليه؛ إذ لا يلزم من جوازه وجوبه، والمراد بكونه واجباً: وجوب الشرائط كاملة، حتى
يقول: يجب على الصبي والمتنفل.
والله أعلم.
قال: ولا يجوز التيمم إلا بتراب.
أما جوازه بالتراب؛ فهو إجماع، وأما عدم جوازه بما عداه: كالزرنيخ، والنورة، والكحل، وما سحق من الأحجار، أو نشر من الأخشاب- وإن شابه التراب- فدليله: أن الله- تعالى- أوجب التيمم بالصعيد، وهو- كما قال بعض أهل اللغة- يقع على التراب، وعلى وجه الأرض، وعلى الطريق؛ فهو مجمل بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "جُعِلَتِ الأَرْضُ لِي مَسْجِداً، وَجُعِلَ تُرَابُهَا لِي طَهُوراً".
هكذا حكاه [ابن التلمساني] عن رواية مسلم؛ والمشهور: "وَجُعِلَتْ تُرْبِتُهَا لَنَا طَهُوراً؛ إِذَا لَمْ نَجِدِ المَاءَ".
وقوله: "التُّرَابُ كَافِيكَ، وَإِنْ لَمْ تَجِدِ المَاءَ عَشْرَ حِجَجٍ".
ولا يقال: هذا لا حجة فيه؛ لأنه مفهوم لقب؛ لأنا نقول: قد قال بعض أصحابنا: إنه حجة.
وعلى الآخر نقول: التيمم على خلاف الدليل؛ فلا نعدل فيه عما ورد.
أو نقول: لما انتقل النبي- عليه السلام- من اسم الأرض إلى التراب، دل على التفرقة بينهما؛ إذ الانتقال من الأعم إلى الأخص لا يكون إلا لذلك.
وقد روى عن ابن عباس، أنه قال: "الصعيد هو تراب الحرث".
وعن ابن مسعود، وعلي: "أنه التراب الذي يغبر".
وقال الشافعي: "إنه كل تراب ذي غبار" وقوله حجة في اللغة.
قال ابن الصباغ: ويشهد له قول المفسرين، في قوله- تعالى-: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ [الكهف: 40]: إنه التراب الأملس، وفي قوله- تعالى-: ﴿صَعِيداً جُرُزاً﴾ [الكهف: 8]: إنه التراب الذي لا ينبت.
ولأن الطهارة تتنوع نوعين: جامد، ومائع، ثم ثبت أنها في المائع تختص بأعم المائعات وجوداً، وهو الماء؛ فكذلك في الجامد، يجب أن تختص بأعم الجامدات وجوداً، وهو التراب، وما ذكره الشيخ هو المشهور في المذهب.
وقد أغرب الحناطي، فحكى في جواز التيمم بالذريرة، والنورة، والزرنيخ- قولين، وكذا في الأحجار المدقوقة، والقوارير المسحوقة، وأشباهها.
وقد اندرج في لفظ التراب [التراب] الأحمر، والأصفر: وهو الطين الإرمني، والتراب الأسود، قال الإمام: وهو ما يستعمل في الدواء- والتراب الأبيض: وهو المأكول منه، والتراب الأعفر: وهو الذي بياضه ليس بخالص، والسبخ: وهو التراب
المالح الذي لا ينبت لا الذي يعلوه الملح، والمدر: وهو التراب الذي يصيبه المطر؛ فيجف، والبطحاء: وهو التراب الذي في مجرى الماء إذا جف واستحجر، والطين المختوم: إذا دق ذلك وصار له غبار.
وحيث نص الشافعي على أنه لا يجوز بالبطحاء؛ فمراده- باتفاق الأصحاب- إذا لم يكن له غبار.
وكما أدرج في لفظ "التراب" ما ذكرناه، يخرج ما سحق من الخزف والآجر، وإن صار له غبار؛ لأنه بالطبخ استجد له اسماً آخر، وخرج عن أن يكون تراباً، كذا نص عليه الشافعي.
وكذا الطين الإرمني، يخرج- أيضاً- إذا أحرج ظاهره وباطنه، ودق.
نعم، لو أحرق ظاهره فقط؛ ففي جواز التيمم به وجهان جاريان في الطين الخراساني، وهو المأكول، إذا دق:
أحدهما: لا؛ لأن كل واحد منهما أصابته النار؛ فأشبه إذا صار خزفاً.
والثاني: يجوز؛ لأن ذلك الإحراق لا يخرجه عن اسم الطين، [قاله أبو الطيب.
والشيخ في "المهذب" أجرى الوجهين في الطين] المحروق مطلقاً.
واختار الإمام: القطع بالجواز، وغلط مقابله.
وتراب الأرضة إن أخرجته من خشب لا يجوز التيمم به، وإن أخرجته من مدر يجوز [به] إذا دق، لأن لعابها طاهر، قاله القاضي الحسين.
قال: "طاهر"؛ لقوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ وأراد: طاهراً؛ لأن الطيب يطلق على ما تستطيبه النفس، وعلى الحلال، وعلى الطاهر.
والأولان لا يحسن وصف التراب بهما؛ فتعين الثالث.
وقوله- عليه السلام-: "وَتُرَابُهَا طَهُوراً" مصرح باعتبار الطهارة، ولا يجوز بالتراب النجس.
والحكم في تراب المقبرة كالحكم في الصلاة عليها، وستعرفه.
والقولان فيما إذا كن الغالب [نبشها يجريان] فيما لو كان على كلب تراب،
وشك في أنه لاقاه وهو مبلول، أو عرقان، أو يابس، وفي حال تيقن أنه أصابه وهو مبلول، لا يجوز، وفي حال تيقن أنه أصابه وهو جاف، يجوز.
[تنبيه]: قيد الطهارة يشعر بأمور:
أحدها: أن التراب لا يؤثر عنده في منع التيمم به الاستعمال؛ إذ لو كان يؤثر لأبدل لفظ "الطاهر" بـ"المطلق" حتى يخرج المستعمل أيضاً.
وللأصحاب في ذلك وجهان:
أصحهما في "الحاوي": أنه لا يؤثر، بخلافه في الماء؛ لأنه يرفع الحدث؛ فصار مستعملاً برفعه؛ بخلاف التراب.
وهذا منه إشارة إلى أن [علة] الاستعمال في الماء انتقال المانع إليه لا تأدي العبادة.
والأصح في غيره: مقابله، وهو المنصوص عليه، كما قاله القاضي الحسين.
والمذهب في "النهاية" والمجزوم به في "التتمة"، و"تعليق" القاضي أبي الطيب، وكذا في "المهذب"؛ لأنه قال: لا يجوز التيمم بما استعمل في العضو، فأما ما تناثر من أعضاء المتيمم، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ كما لا يجوز الوضوء بما يسقط من أعضاء المتوضئ.
والثاني: يجوز لأن المستعمل ما بقي على العضو، وما يتناثر غير مستعمل فجاز التيمم به، ويخالف الماء؛ لأنه لا يدفع بعضه بعضاً، والتراب يدفع بعضه بعضاً؛ فدفع ما أدى به الفرض في العضو ما تناثر منه؛ فرجع حاصل قوله إلى أن المستعمل في العضو، مستعمل.
[وما يتناثر عنه]: هل هو مستعمل، أم لا؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: إنه مستعمل، لا يجوز التيمم به؛ وإلا جاز.
وكذا صرح به غيره.
وصرح البندنيجي وابن الصباغ بأن المنصوص عليه: أن المستعمل ما تساقط عن العضو، وهو ما ذكره القاضي الحسين والفوراني والإمام والمتولي.
وما بقى على العضو بذلك أولى.
ولا جرم، قال في "الكافي": المستعمل [ما] أخذ من وجه المتيمم، أو يديه، أو
أخذ مما يتناثر عنه حال الاستعمال.
ولا خلاف في أنه يجوز لجماعة: التيمم من مكان واحد يضربون عليه؛ كما يجوز أن يتوضئوا من إناء واحد.
الأمر الثاني: أن التراب الممزوج بماء الورد، والخل، ونحوهما، إذا جف؛ يجوز التيمم به، ولا خلاف فيه.
الأمر الثالث: أنه يجوز بالتراب المغصوب، وهو كذلك إذا قلنا: إنه عزيمة، أما إذا قلنا: إنه رخصة؛ ففيه وجهان.
قال: له غبار يعلق بالوجه واليدين؛ لقوله- عليه السلام-: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةُ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَهُ لليَدَيْنِ" مع تقديم قوله- تعالى-: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ
مِنْهُ} [المائدة: 6] فإنه يقتضي ذلك.
إذ ما لا غبار له لا يتصور مع الضرب عليه مسح الوجه واليدين بشيء منه، وتفسير [عَلِيّ و] ابن مسعود والشافعي الصعيد يدل عليه.
وقد أخرج هذا القيد التراب الندي والمعجون، وعليه نص في "المختصر".
قال: فإن خالطه جص، أو رمل، لم يجز التيمم به؛ لأنه ربما حصل منه شيء على العضو، فمنع وصول التراب إليه؛ ومن هنا يؤخذ أن التيمم بالجص والرمل مفرداً لا يجوز، وهو المشهور في الجص، لكن في "الحاوي": أنه يجوز به إذا لم يحرق، وكذا بالإسفيداج، إذا كان لهما غبار، إلا أن يكون ذلك معدناً في الأرض، وليس منها؛ فلا يجوز التيمم به.
وأما في الرمل، فهو نصه في الجديد، و"الأم".
وعن القديم، "والإملاء": أنه يجوز؛ فحصل فيه قولان.
وبهذه الطريقة قال ابن القاص.
وقال أبو إسحاق: [ليست المسألة على قولين؛ وإنما هي على حالين: فحيث قال: لا يجوز]، أراد: إذا لم يكن في الرمل تراب.
وحيث قال: يجوز، أراد: إذا كان فيه تراب يعلق باليدين.
وهذه الطريقة صححها أبو الطيب، وجماهير الأصحاب، كما قال الإمام، وغلط في "الحاوي" من قال بالأولى، وقال: إن الرمل على ضربين: ضرب منه يكون له غبار يعلق بالوجه؛ فالتيمم به جائز؛ لأنه من جنس التراب، وطبقات الأرض.
وضرب منه لا غبار له؛ فلا يجوز التيمم به؛ لعدم غباره الذي يقع التيمم به، لا بخروجه عن جنس التراب.
وهذه الطريقة حكاها هكذا القاضي الحسين، والفوراني، والمتولي، واختارها في "الكافي"، والرافعي، وعليها الجواز بالمختلط به من التراب أولى، فحصل فيما قاله الشيخ طريقان.
وطريقة الشيخ تقتضي أنه لو خالط التراب دقيق، أو سويق، ونحوه، لا يجوز التيمم به من طريق الأولى، لأن علوقه باليد أسرع من علوق الجص والرمل بها، وهذا ما جزم به أبو الطيب، ولم يفصل بين أن يكون [التراب] غالباً أو مغلوباً، وهو المنصوص، كما ذكر البندنيجي وابن الصباغ، وينسب إلى ابن أبي هريرة.
وقال أبو إسحاق وغيره من أصحابنا: إن كان التراب غالباً جاز؛ كما لو كان الماء غالباً.
قال البندنيجي: وليس بشيء.
والغلبة تعتبر بالطهر؛ كما قال الإمام.
وقال الروياني في "تلخيصه": المعتبر في المنع أن يكثر المخالط، أو يغلب طعمه، أو لونه، أو ريحه.
قال: وإذا أراد التيمم، فإنه يسمي الله- تعالى- كما في الوضوء ويضرب يديه على التراب؛ لقوله- عليه السلام- لعمار، وقد تمعك في التراب، وصلى، حين أجنب: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ" وهذا ما حكاه المزني، عن
نص الشافعي، في موضع.
وقال في آخر: إنه يضع يديه على التراب.
ونصه الأول محمول على ما إذا كان التراب حرشاً، لا يعلق منه شيءُ بالكف بدون الضرب، [والثاني محمول على ما إذا كان ناعماً، فعلق باليد بدون الضرب]، وهذا مما لا خلاف فيه؛ فليحمل كلام الشيخ على ما حمل عليه كلام الشافعي.
تنبيه: قول الشيخ: [ويضرب يديه على التراب] يعرفك أنه لا فرق فيه بين أن يكون التراب على أرض، أو نابت فيها، أو ثوب، أو حيوان- طاهراً كان الحيوان أو نجساً- إذا كان التراب محكوماً بطهارته، وبه صرح غيره، حتى قالوا: لو كان التراب على عضو من أعضاء بدنه، غير أعضاء التيمم جاز الضرب عليه، وأخذه منه، واستعماله في التيمم.
نعم، لو كان التراب على وجهه، لا يجوز أن يضرب يديه عليه، ويمسح به الوجه، كما أطلقه القاضي الحسين.
وقال الإمام: إن شيخه قال: لا فرق في عدم إجزائه بين أن يردده على الوجه، أو ينقله إلى يديه ثم ينقله إلى الوجه.
وقال الفوراني: إذا [نقله] إلى اليد، ثم مسح به الوجه؛ ففي إجزائه وجهان.
وهو الوجه؛ فإن التراب إذا علق باليد، فقد انقطع عنه حكم الوجه؛ فهو الآن تراب على اليد، وفي جواز نقل التراب الذي على اليد إلى الوجه وجهان جاريان في نقل التراب من على الوجه إلى اليدين.
ويتصور ذلك- كما قال القاضي الحسين- بأن يمسح وجهه بتراب ثم يمسحه بخرقة، ثم تلقي عليه الريح تراباً، فينقله من عليه إلى اليدين.
والمجزوم به في "الكافي"- وهو الأصح-: الجواز.
وعلى هذا لو كان التراب على إحدى يديه، فضرب عليها؛ ليمسح به الأخرى: هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: [لا] لأن اليدين كالعضو الواحد؛ فيشبه ما لو كان على أسفل الوجه،
فضرب عليه؛ ليمسح به أعلاه.
فرع: لو كان التراب على بشرة امرأة أجنبية، فهل يجزئ الضرب عليه؟ قال القاضي الحسين: إذا كان التراب كثيراً، يمنع من التقاء البشرتين أجزأ، وإلا فلا؛ لأن الحدث بعد الضرب يبطل حكم الأخذ، وهو مقارن له- هاهنا- فهو بمنعه أولى.
وقال في "التتمة": إن أخذه للوجه، صح، وإذا أخذه لليدين، بطل مسحه على الوجه بالتقاء البشرتين؛ وهذا قاله بناء على أن الحدث بعد الضرب لا يبطل حكم الأخذ، والله أعلم.
قال: ويفرق أصابعه؛ لأن تفريقها أبلغ في إثارة الغبار من التراب الحرش وهو محل الضرب، كما ذكرنا.
وظاهر ما ذكره الشيخ هو ما نقله المزني، وبه أخذ طائفة، منهم: أبو الطيب، والماوردي، والبندنيجي.
والتفريق في الضربة الثانية أولى، وهو متفق على وجوبه فيها.
وذهب طائفة إلى تخطئة المزني فيما [نقله، وقالوا: التفريق إنما يكون في الثانية فقط، وعلى هذا] جرى الفوراني، والقاضي الحسين.
وقال ابن يونس، ومن تبعه: إن هذا هو الصحيح، وتأول كلام الشيخ على التفريق في المرة الثانية.
قلت: إن كان الشيخ ممن يرى تخطئة المزني في ذلك؛ فتأويل كلامه على التفرقة عند مسح الوجه بالضربة أولى؛ لأن كلامه يرشد إليه؛ إذ لو كان مراده: أن التفرقة تكون حال الضرب، لقال: ويفرق أصابعه ويضرب، فلما أن قال: "يضرب ويفرق أصابعه" دل على ما ذكرناه، وإن كانت الواو لا تقتضي الترتيب؛ لأن التفريق عند مسح الوجه أبلغ، خصوصاً فيمن له لحية، لكن الغالب أنه إنما يروي ما حكيناه عن شيخه أبي الطيب، وهو الأصح في "الرافعي".
والقائلون بخلافه اختلفوا في جواز التفريق في الضربة الأولى:
فذهب الأقلون ومنهم القفال إلى منعه، وأنه لا يصح تيممه إذا فعله؛ لأن الغبار الحاصل بسببه من الأصابع يمنع الغبار الواجب إيصاله بالضربة الثانية، ولا يمكن الاكتفاء بالأول؛ فإنه في حكم غبار حصل على المحل قبل فرض النقل إليه، وهو لا يجوز، كما سنذكره.
وذهب الأكثرون منهم إلى جوازه؛ لأنه إذا مسح الوجه، لم يبق على اليد كثير غبار؛ فلا يمنع من إيصال الغبار الثاني إليه.
نعم، إن بقي ما يمنع؛ وجب إزالته قبل الضربة الثانية.
والقول بالجواز وعدم الاستحباب هو الراجح عند الإمام، وقال: إن القائل بخلافه مجاوز للحد، وليس بالمرضي اتباع [شعب الفكر] ودقائق النظر في الرخص، وقد تحقق من فعل الشارع ما يشعر بالتسامح فيها، ولم يوجب أحد من أئمتنا على الذي يهم بالتيمم أن ينفض التراب عن وجهه ويديه، ثم يبتدئ بنقل التراب إليهما، مع العلم بأن المسافر في تقلباته لا يخلو عن غبار يرهقه، ولو صح ما ذكره هذا القائل، لوجب ذلك؛ ولأجل ذلك قال الغزالي: إن ما ذكره القفال بعيد؛ فإنه [تضييق للرخصة].
واعترض عليه بأنه إنما يكون تضييقاً إذا نشأ من أمر يتعذر الاحتراز منه.
وقد تلخص مما ذكرناه أن التفرقة في الضربة الثانية لابد منها، وهل تستحب في
الضربة الأولى، أو لا تجوز، أو فعلها وتركها على السواء؟ فيه ثلاثة أوجه.
والله أعلم.
قال: وينوى؛ لما ذكرناه من الآية والخبر في الوضوء، ولأنه عبادة محضة طريقها الفعل؛ فافتقرت إلى النية؛ كالصلاة والزكاة.
واحترزنا بقولنا: "محضة" عن العدة، وبقولنا: "طريقها الفعل" عن إزالة النجاسةن ورد المغصوب؛ فإن طريقهما الترك، وما طريقه الترك: الغالب عدم اشتراط النية فيه.
قال: استباحة الصلاة؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة؛ فتعين أن ينوي ذلك.
والدال على أنه لا يرفع الحدث رواية أبي داود عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك؛ فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبُ؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء: 29] فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل شيئاً.
ولأنه لو رفعه، لما عاد برؤية الماء.
وقد قيل: إن نية الاستباحة على هذا لا تتعين؛ بل يجوز أن ينوي رفع الحدث، ويستبيح الصلاة؛ [لأن المعنى المقصود برفع الحدث إنما هو استباحة الصلاة]، والتيمم يبيح الصلاة، وإن لم يرفع الحدث.
وهذا ما صححه ابن التلمساني.
والمذكور في أكثر كتب العراقيين: أن نية رفع الحدث لا تجزئ؛ وكذا نية الطهارة عن الحدث، ولم يحك في "الوسيط" غيره.
نعم، حكى عن ابن سريج: أنه يرفع الحدث في حق فريضة واحدة، وجعله ابن خيران قولاً للشافعي.
وغلط فيه؛ لأن الحدث لا يتبعض.
وقد حكى الماوردي عن رواية بعض الأصحاب، عن المزني: أنه يرفع الحدث، ولم يخصه بفريضة واحدة.
قيل: هو غلط.
قلت: ويشبه أن يكون وجهه أنه لو كان يرفع الحدث، لما عاد برؤية الماء قبل الشروع في الصلاة، كما صار إليه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وقد وافق المزني على عوده بذلك.
ولأنه لو كان يرفع الحدث، لما بطلت الصلاة برؤية الماء في أثنائها، وهو يرى بطلانها، وبمثل هذا يبطل مذهب ابن سريج؛ لأنه وافقه في البطلان، كما ستعرفه، والله أعلم.
وفي "النهاية"، في باب المسح على الخفين: أن القول بأن التيمم لا يرفع الحدث إذا لم يكن معه غسل، فإن كان التيمم مع الغسل، فهو بمثابة المسح على الخف مع غسل سائر أعضاء الوضوء.
فإذا قلنا: إن التيمم يرفع الحدث كيف كان، أجزأت نية رفع الحدث فيه بلا خلاف.
وله فائدة أخرى سلفت.
والرافعي جعل الخلاف في إجزاء نية رفع الحدث مبنياً على أنه يرفع الحدث أم لا.
والخلاف جارٍ فيما لو نوى [الجنب] بتيممه رفع الجنابة.
واعلم أن الشيخ [ذكر] من وصف النية [ما] لابد منه في كل تيمم، فرضاً كان أو نفلاً، وهو الاستباحة، وسكت عما عداه؛ لأن كلامه في مطلق التيمم، وما ذكره كافٍ فيه؛ فإنه يصح، ويستبيح به النفل، كما لو نوى استباحة صلاة النفل؛ حملاً للمطلق على أقل درجاته.
نعم، هل يستبيح عند الاقتصار على نية الاستباحة الفرض [أيضاً؟ الحكم فيه كما لو نوى استباحة صلاة النفل، هل يستبيح الفرض؟] وفيه قولان:
الجديد منهما- وهو الأصح-: لأن وهو ما حكاه البغداديون من أصحابنا: كالشيخ أبي حامد، وأبي الطيب، وكذا الماوردي، وصاحب "الكافي".
والقديم: نعم، وحكاه في "المهذب" عن رواية أبي حاتم القزويني، عن أبي يعقوب الأبيوردي عن "الإملاء".
فعلى هذا لا يحتاج المتيمم مع التعرض لاستباحة الصلاة إلى آخر، ويصلى الفرض والنفل.
وعلى الأول لابد لمن أراد فعل فريضة من التعرض إلى استباحة صلاة الفرض، وهل يشترط تعيين الفريضة: كالظهر والعصر ونحوهما أم لا؟ فيه وجهان:
اختيار أبي إسحاق، وابن أبي هريرة، والصيمري، والشيخ أبي علي: نعم؛ لأنه لما تعين التعرض للفرض، وجب التعرض للفريضة نفسها؛ كما في الصلاة.
والذي دل عليه نصه في "الأم"، والبويطي: لا؛ لأنها طهارة عن حدث؛ فلم تفتقر إلى تعيين الفريضة؛ كالوضوء.
وهذا ما قطع به المراوزة؛ كما قال الإمام، وهو الأصح عند الأكثرين؛ وعلى هذا: لو نوى استباحة صلاة الظهر جاز أن يصلي بها غيرها، وعلى الأول: لا.
فإن قلت: هل يمكن تنزل كلام الشيخ على هذا؟
قلت: نعم، بأن يضمر بعد قوله: "وينوي استباحة الصلاة": أي التي يقصد فعها، والله أعلم.
وقد اختار الإمام فيما إذا نوى استباحة الصلاة، وأطلق، أنه بمنزلة ما لو نوى استباحة الفرض والنفل، [وأن الوجه القطع به فإن الصلاة اسم للجنس يتناول الفرض والنفل] والجمع بينهما في نية التيمم ممكن.
وخالف هذا ما لو نوى المصلي الصلاة حيث نزلنا على النفل فقط؛ لأن الجمع بين الفرض والنفل لا يمكن فيها، مع عدم إمكان استيعاب كل المفروضات، [ووجوب تعيين كل فريضة، وحكى] عن شيخه [أن: نيته] محمولة على النفل فقط.
وجزم [الغزالي] في "الوجيز" بما اختاره الإمام، وجعله في "الوسيط" المذهب، واستبعد مقابله، وهو المحكي عن القفال أيضاً.
وبنى القاضي الحسين الخلاف في ذلك على أن التيمم للنفل من غير تعرض للفرض، هل يستباح به الفرض؟
فإن قلنا: نعم؛ فهنا أولى.
وإلا فجوابان بناء على [أن] مطلق نذر الصلاة يحمل على أقل واجبها، أو أقل جائزها؟
فإن حملناها على أقل الواجب، استباح بنية استباحة الصلاة الفرض؛ وإلا فلا.
وهذا البناء يقتضي أن يكون الصحيح: استباحة صلاة الفرض به؛ لأن الصحيح: أن مطلق نذر الصلاة منزل على أقل الواجب الشرعي، وهذا كله تفريع على ظاهر المذهب في أنه لا يشترط تعيين الفريضة.
فرع: قال الإمام: لو نوى أداء فرض التيمم أو فريضة التيمم، هل يكفيه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما في الوضوء.
قال الروياني في "تلخيصه": وعلى هذا يكون كما لو تيمم للنفل.
وأصحهما في "الرافعي": لا.
والفرق: أن الوضوء قربة مقصودة في نفسها؛ إذ يستحب تجديده، والتيمم لا يعنى إلا لغيره؛ ولهذا لا يستحب تجديده.
قال بعضهم: والوجهان جاريان فيما لو نوى الطهارة الواجبة.
ولو اقتصر على نية التيمم، لم يجزئه، قاله الماوردي.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أمرين:
أحدهما: أنه لا فرق في نية استباحة الصلاة بين أن يكون الناوي محدثاً الحدث الأصغر أو الأكبر، وبه صرح غيره، وقالوا: لا فرق بين أن يكون ذاكراً ما عليه من الحدث، أو ناسياً له؛ بل لو تيمم وهو يعتقد أنه جنب، فكان محدثاً، أو بالعكس أجزأه؛ لأنه [لو] ذكر لم يزد على ما نواه.
والثاني: قوله: "وينوي استباحة الصلاة" بعد قوله: "ويضرب بيديه على التراب"- ظاهره يقتضي أنه لا يشترط مقارنة النية للضرب على التراب، أو ما في معناه؛ لأن الواو كما تستعمل في المعية، تستعمل في الترتيب وعكسه على السواء، وظاهر اللفظ الترتيب.
وما اقتضاه كلام الشيخ، به صرح في "المرشد" حيث قال: ومحل النية عند أول
جزء من الوجه.
لكن المذكور في "الرافعي": أن تقديم النية على الضرب، كتقديمها في الوضوء على غسل الوجه، ولا يجوز تأخيرها عن الضرب، بل الواجب اقترانها [به] لأنه أول واجب فيه، فكانت مقارنتها مشترطة به؛ كما في الوضوء.
ومن فوائده: ما ذكره القاضي في "الفتاوى": أنه لو أحدث بعد الضرب، لا يجوز أن يتمم بما حصل من التراب بالضرب؛ لأن النقل ركن من أركانه؛ وكذلك لو أخذ التراب- أي: بكفه- قبل دخول الوقت، وتيمم به بعده- لا يجزئه؛ لأنه أوقع جزءاً منه قبل الوقت.
نعم، لو عزبت نيته قبل إيصال التراب إلى شيء من الوجه، هل يؤثر؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كما لو قارنت في الوضوء جزءاً من الوجه وعزبت.
وأظهرهما- وهو المذكور في "التهذيب"، و"الكافي" وآخر ما أجاب به القاضي-: نعم؛ لأن النقل وإن كان واجباً، إلا أنه ليس بركن مقصود في نفسه، بخلاف غسل الوجه.
وهذا كله فيما لو تيمم بنفسه، فلو يممه غيره بإذنه بحيث يجوز، قال القاضي: فينوي الضرب- أيضاً- إلا أنه لو أحدث بعد الضرب وقبل المسح، لا يضر، بخلاف ما لو أخذ التراب بنفسه، ثم أحدث؛ لأن هناك وجد القصد الحقيقي منه، والحدث منه؛ فبطل به، وهاهنا لم يوجد منه القصد حقيقة، بل أمره أقيم مقامه [حكماً] فصار هذا كالمعضوب إذا استأجر من يحج عنه، وأحرم الأجير، وجامع هو- لا يفسد حجه، وإن كان الحج واقعاً عنه.
قال: ويمسح وجهه- أي: كله- بالتراب الذي على يديه؛ لقوله- تعالى-: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6] وقوله- عليه السلام-: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةُ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةُ للذِّرَاعَيْنِ إِلَى المَرْفَقَيْنِ" كذا حكي عن رواية ابن عمر.
ورواية جابر: "التَّيَمم ضَرْبَةُ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةُ للذِّرَاعَيْنِ إِلَى المَرْفَقَيْنِ".
قال الماوردي: في كيفية مسحه وجهان:
أحدهما: من أعلاه إلى أسفله؛ كما في الوضوء، وهو الذي ذكره الرافعي.
والثاني: أنه يبدأ بأسفل وجهه، ثم يستعلي، وفارق الوضوء؛ لأن الماء إذا استعلى انحدر بطبعه؛ فعم جميع وجهه، والتراب لا يجري على الوجه إلا بإمراره باليد، فيبدأ بأسفل وجهه؛ ليقل ما يحصل في أعلاه من الغبار؛ فيكون أجمل وأسلم لعينيه.
والوجهان في الاستحباب.
وظاهر كلام الشيخ أنه لا يشرع نفخ اليدين بعد الضرب وقبل المسح للوجه بهما، وهو المحكى عن الجديد.
وحكى الزعفراني، عن الشافعي، أنه قال في القديم: إنه يستحب؛ لأن عماراً روى ذلك عنه، عليه السلام.
واختلف الأصحاب في المسألة على طريقين:
أحدهما: أنها على قولين:
والثاني- وعليه الجمهور-: أن نصه في "الجديد" محمول على ما إذا كان ما علق بيديه قليلاً، إذا نفخه لم يبق منه شيء يستعمل، ونصه في "القديم" محمول على ما إذا كان كثيراً، بل قال أبو الطيب: إن الشافعي نص في "القديم" و"الأم" على أن التراب إذا كان كثيراً خففه.
قال: ثم يضرب ضربة أخرى؛ للخبر.
والتفرقة فيها بين الأصابع مشروعة بلا خلاف، [بل] قال جمع من الأصحاب: إنه لو لم يفرق فيها لم يصح، وهو ما حكاه القاضي الحسين والمتولي، ولعل ذلك فيما إذا لم يوصل التراب إلى ما بينهما بالمسح، وبه صرح الرافعي.
قال: فيضع بطون أصابع يده اليسرى- أي: سوى الإبهام- على ظهور أصابع يده اليمنى- أي: غير الإبهام- ويكون ذلك بحيث لا تجاوز أطراف أنامل يده اليمنى المسبحة من يده اليسرى، ولا تجاوز المسبحة من يده اليمنى أطراف أنامل يده اليسرى، ويمرها على ظهر الكف، فإذا بلغ الكوع- أي: وهو العظم الناتئ الذي يلي الإبهام، والكرسوع هو العظم الناتئ الذي يلي المختصر- أمر إبهام يده
اليسرى، على إبهام يده اليمنى؛ لأنا مأمورون بتقليل التراب ندباً؛ كما دل ليه خبر [عمار] الذي سنذكره، [و] باستيعاب اليدين مع المرفقين بالتراب وجوباً، وهذه الهيئة محصلة للمقصودين، وليس فيها نص من جهة الشارع.
وقال الرافعي: وقد زعم بعض الأصحاب أنها منقولة عن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذه الهيئة لم يحك القاضي الحسين عن الشافعي غيرها.
وحكى غيره عنه هيئة أخرى، ونسبها إلى "الأم": أنه يضع ظهر أصابع يده اليمنى على باطن أصابع يده اليسرى، ويمره على ظاهر أصابع يده اليمنى، حتى ينتهي إلى الكوع، ويمر باطن إبهام يده اليسرى على إبهام يده اليمنى؛ لأن هذه الهيئة أحفظ للتراب الذي على العضو.
ولم يذكر أبو الطيب غيرها.
والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهما حكوا الهيئتين.
ثم محل استعمال الضربة الثانية في اليدين، إذا عمت الأولى الوجه، أما إذا لم تعمه؛ فيحتاج إلى تعميمه قبل مسح اليدين، لأن التعميم شرط، كما سيأتي.
وهل يشترط حالة إمرار إحدى اليدين على الأخرى، ألا يرفعها حتى يستكمل مسحها؟ فيه وجهان، حكاهما المراوزة:
أحدهما: نعم؛ لأنه إذا رفع صار التراب الباقي على اليد بالرفع مستعملاً.
والثاني: لا –وهو الأصح- لأن المستعمل هو الذي يبقى على العضو الممسوح، والباقي على اليد في حكم التراب الذي ضرب عليه اليد مرتين.
قال: ثم يمسح بيده اليمنى يده اليسرى مثل ذلك لما سلف.
قال: ثم يمسح إحدى الراحتين على الأخرى، ويخلل بين أصابعهما؛ ليحصل مسمى المسح المأمور به؛ فإن مجرد حصول ذلك على التراب، وعلوقه به حين الضرب- لا يسمى مسحاً.
قال القاضي الحسين: وهذا إذا بقي على الراحتين بعد مسح الذراعين تراب، فإن لم يبق وجب أخذ تراب جديد لهما.
قلت: وهذا بناء على وجوب مسح إحداهما بالأخرى، إذا فعلت الهيئة المذكورة.
قال: والواجب من ذلك النية؛ لما سلف.
قال: ومسح الوجه؛ للإجماع.
وظاهر كلام الشيخ أنه يجب استيعابه، وبه صرح الماوردي وغيره.
قال: إنه لو ترك موضعاً منه كان يغسله بالماء في الوضوء، فلم يمسحه بالتراب في التيمم- لم يجزئه، وإن قل.
وهذا يقتضي أنه يجب إيصاله إلى ما تحت الشعور الخفيبفة، وهو وجه حكاه في "المهذب"، وقال: [إن المذهب] أنه لا يجب.
والفرق: أن ذلك يعسر في التيمم، بخلاف الماء في الوضوء، وهذا ما ذكره البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين وغيرهم.
وادعى الإمام أنه لا خلاف فيه، بل قال القاضي الحسين: إنه ليس بسنة، وفرع عليه: أنه لو كان على يديه شعور، لا يجب [عليه] إيصال التراب إلى البشرة.
وقال: وكذلك المرأة إذا نبتت لها لحية، لا يجب عليها إيصال التراب إلى ما تحتها، على الصحيح من المذهب، وفيه وجه: أنه يجب.
وهل يجب استعمال التراب في ظاهر ما نزل من اللحية عن الذقن أو لا؟ فيه خلاف كما في الوضوء.
قال: "واليدين" أي: مع المرفقين.
أما دليل [وجوب] مسح اليدين فللآية.
وأما وجه تحديدهما بما ذكرناه؛ فلأن الله- تعالى- أطلق اليد في التيمم، وهي حقيقة إلى المنكب، ومقتضى الإطلاق الحمل على الحقيقة.
لكن ادعى الخطابي أنه خلاف الإجماع؛ فتعين استعماله في مجازه، وحملناه
على ما ذكرناه؛ لما أسلفناه من الخبر، وحملاً لمطلق اليد في التيمم على المقيد في الوضوء، ولأنه ممسوح في التيمم؛ فوجب أن يكون مسحه كغسله، قياساً على الوجه.
قال: بضربتين فصاعداً، أي: إذا لم يحصل استيعاب التراب لما ذكرناه بضربتين- زاد عليهما؛ ليحصل الاستيعاب.
وقد روى أبو ثور عن الشافعي في القديم: أن الواجب مسح الكفين إلى الكوعين.
ولم يصحح ذلك الشيخ أبو حامد وطائفة.
وقال الإمام: إن في الفصل فائدة لا بد من التنبيه عليها، وهي أن الأصحاب متفقون على أنه يجب إيصال التراب إلى جميع محل التيمم يقيناً، حتى لو تردد المتيمم في ذلك، وأشكل عليه وجب إيصال التراب إلى موضع الإشكال، حتى يتقين انبساط التراب على جميع المحل.
وقد ورد في الشرع الاقتصار على ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين.
والضربة إذا ألصقت غباراً في الكف، فالظاهر أنه يصل ما لصق بالكف إلى مثل وسعهما من الساعد، ولست أرى أن ذلك الغبار ينبسط على الساعدين ظهراً وبطناً، ثم على ظهور الكفين.
ولا ينقدح في هذا إلا مذهبان:
أحدهما: القول القديم.
والثاني: استيعاب جميع المحل بالمسح باليد المغبرة من غير ربط الفكر بانبساط الغبار.
وما عندي أن أحداً من الأصحاب يسمح بهذا.
قلت: وإذا لم يسمح به أحد، تعين ترجيح القديم، وعليه يدل ما روى: أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أجد الماء؟ فقال عمر: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين؛ إذ أنا وأنت في سرية فاحتلمنا، فلم نجد الماء: فأما
أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعتك في التراب وصليت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيدَيْكَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهِمَا، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ"؟ فقال عمر: اتق الله يا عمار، فقال: إن شئت لم أحدث به، فقال عمر: نوليك ما توليت".
أخرجه الشيخان وقد قال الشافعي في مواضع- كما حكاه الإمام عند الكلام في تحريم الطيب على المحرم-: إذا صح خبر يخالف مذهبي، فاتبعوه، واعلموا أنه مذهبي.
بل قد حكى الماوردي، عن رواية الزعفراني، عن الشافعي، أنه كان في القديم يعلق الاقتصار على اليدين إلى الكفين على صحة خبر عمار.
والقائلون بالجديد قالوا: قد ورد عن عمار أنه أفتى بخلاف ذلك، أو روى خلافه، [ودل ما ذكرناه] من الأخبار على زيادة؛ فوجب الأخذ بها، وتحمل رواية الكفين على التجوز، قال الله- وتعالى-: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: 10].
قال: وترتيب اليد على الوجه، أي: سواء كان التيمم عن حدث أكبر أو أصغر، لأنه طهارة في عضوين؛ فكان الترتيب شرطاً فيهما كما في الوضوء.
وقد أفهم قوله: "وترتيب اليد على الوجه": أن الترتيب في أخذ التراب للوجه واليدين ليس بشرط، حتى إنه لو ضرب ضربة واحدة بيديه، ومسح بإحداهما وجهه واستوعبه، ثم بالأخرى يده- يجوز، وهو أصح الوجهين.
قال: وسننه: التسمية، وتقديم اليمنى على اليسرى، كما في الوضوء.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: أن الواجب مسح الوجه واليدين بالتراب، لكن هل ذلك لأنه أقل ما يخرج به عن العهدة؛ كما دل عليه خبر عمار، والواجب إيصال الترابإلى محل التيمم كيف كان، أو لأنه متعين في الإجزاء؟ هذا ما اقتضى كلام الأصحاب فيه خلافاً؛ فإنهم حكوا أن الشافعي قال في "الأم": وإن سفت الريح عليه تراباً ناعماً، فأمر يده على وجهه لم يجز؛ لأنه لم يأخذه لوجهه، والله- تعالى- يقول: {فَتَيَمَّمُوا
صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] [أي: اقصدوا الصعيد وامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه]، وهذا لم يقصده.
واختلف الأصحاب فيه: فقال ابن القاص في "التلخيص"، وأبو على في "الإفصاح" بظاهره، وهو ما حكاه القاضي الحسين والفوراني، واختاره الإمام.
وقال القاضي أبو حامد في "جامعه": النص محمول على ما إذا لم يصمد للريح، وينوي التيمم.
فأما إذا صمد للريح، ونوى التيمم، أجزأه؛ كما يجزئ في الوضوء إذا جلس تحت ميزاب ونوى الوضوء، وهذا ما اختاره الحليمي، وقال ابن كج: إن الشافعي نص عليه.
ولا جرم قال البندنيجي: إنه المذهب.
والإمام حكاه وجهاً عن رواية صاحب "التقريب"، وقال: إنه غير معدود من المذهب.
وعلى هذا إمرار اليد على الوجه: هل هو واجب؟
قال ابن الصباغ: ظاهر ما قالوه أنه واجب.
وقال القاضي أبو الطيب: يجب أن يحمل وجوبه على ما إذا لم يتيقن حصول التراب في جميع الوجه، فأما إذا تيقن ذلك، لم يحتج إليه؛ كما نقول في الطهارة.
وابن الصباغ مال إلى وجوبه مطلقاً؛ موجهاً له بأنه إذا لم يمر يده، لا يسمى مسحاً، والأمر هو بالمسح وليس كغسل الرأس في الوضوء بدلاً عن المسح؛ لأن الدليل قام في الوضوء على قيام الغسل مقام المسح بإجزائه في الجنابة؛ فأجزأ ذلك
في الوضوء ولم يثبت مثل ذلك في التيمم.
فإذا عرفت ما قاله أبو الطيب، وما حكاه ابن الصباغ من ظاهر قول الأصحاب، واختاره عرفت أنه عين ما ذكرناه من الخلاف.
ونظير ما سلف أن غسل الرأس في الوضوء، هل يقوم مقام المسح؟ وفيه خلاف.
وكذا لو وضع يده على الرأس مبلولة، ولم يمرها، هل يجوز كما لو [أمرها؟] فيه خلاف.
والأصح فيهما: الإجزاء؛ كما هو مقتضى قول أبي الطيب في مسألتنا، وقد رأيت في "تعليقه" التصريح بذلك؛ حيث قال: الواجب أن يوصل التراب إلى وجهه ويديه، على أي صفة وجد.
ثم على ما ذكرناه من المأخذين يتخرج ما إذا معك وجهه في التراب ويديه، فوصل إلى جميع ما يجب إيصاله إليه، ونوى- فعلى رأي أبي الطيب: يجزئه، وعلى رأي غيره: لا؛ لأن الوجه ماسح وكذا اليدين، لا ممسوحين.
وقد صرح بالخلاف فيها الأصحاب، وذهب الصيدلاني إلى القطع بالإجزاء.
قلت: وهو ظاهر الآية؛ فإنها تقتضي أن يكون الوجه واليدين ماسحين.
والله أعلم.
وقد سلك الماوردي في النص الذي خرجنا منه المأخذين طريقاً آخر، فقال- بعد حكايته-: قد نص الشافعي فيما إذا وقف الجنب تحت ميزاب حتى عم الماء جميع شعره وبشرته أنه يجزئه.
واختلف الأصحاب على وجهين:
أحدهما: أن مراد الشافعي في الموضعين: إذا لم يمر يده على العضو، أجزأ في الغسل؛ لأن الماء يجري بطبعه؛ فيصل إلى البدن كله، وليس كذلك التراب،
وقوله في الغسل: "يجزئه" أراد: إذا أحضر النية عند إصابة الماء الجسد، فإن تأخرت النية، لم يجزئه.
وحاصل الوجهين يرجع إلى أنه في الغسل: إن نوى، أجزأه، قولاً واحداً؛ وإلا فلا.
وأما في التيمم: فإن لم ينو عند إصابة التراب، لا يجزئه، قولاً واحداً، وهو كذلك.
وإن نوى، وأمر يده [عليه] أجزأه، وهو ما حكيناه عن القاضي أبي حامد.
وإن لم يمر يده فوجهان:
أحدهما: يجزئ كالماء.
والثاني: لا يجزئ؛ لعدم تحقق استيعاب التراب للمحل، فلو تحقق استيعابه أجزأه، وهو ما حكيناه عن أبي الطيب.
وقال في "الكافي": إن سفت الريح التراب على وجهه ويده، ولم يقصد الخروج للتيمم لا يجزئه، قولاً واحداً، وإن اقترنت نية التيمم بهبوب الريح.
ولو وقف في مهب الريح على قصد التيمم، فسفت الريح التراب على وجهه ويديه؛ فمسحهما بنية التيمم: هل يصح؟ فيه وجهان، أظهرهما: لا؛ كما في الصورة الأولى، وما قاله من التفرقة مستمر على قاعدته في اشتراط اقتران نية التيمم بالضرب، كما سلف.
الأمر الثاني: أن الضربة الواحدة لا تجزئ- وإن حصل الاستيعاب بها- لأنه جعل الواجب ضربتين فصاعداً، وهو ما أطلقه ابن الصباغ وغيره، لكن الذي ذكره البندنيجي: أن الواجب استيعاب ما ذكرناه، سواء كان بضربة أو ضربتين أو أكثر، ويجيء بمقتضى ذلك خلاف في المسألة، وقد حكاه الرافعي، وصحح عدم الوجوب.
قلت: ولعل إطلاق من أطلق المنع محمول على ما إذا لم يحصل الاستيعاب بالضربة الواحدة، وهو الواقع، وذلك يظهر لك مما حكيناه عن الإمام، [ثم] على ما قاله البندنيجي؛ فالإتيان بالضربتين مستحب، دون الزيادة عليهما والنقص عنهما.
وقيل: إنه يستحب أن يضرب ضربة للوجه، وأخرى لليد اليمنى، وأخرى لليسرى، وهو بعيد.
الثالث: إيجاب الضرب، وقد قال الإمام: إنه ليس بشرط، حتى لو أخذ كفاً من تراب، فمسح به وجهه، ثم اخذ كفاً أو كفين، ومسح يديه، واستوعبهما جاز.