كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وبعد العصر؛ فنقيس باقي الأوقات عليهما.
فإن قيل: خبر عقبة بن عامر يدل على الكراهة فيها؛ لأنه نهى عن الدفن فيها، وهو عقيب الصلاة.
قلنا: الخبر محمول على توخي الدفن في هذه الأوقات على أنه لا يلزم من الدفن في الوقت المكروه الصلاة فيه.
قال: وسجود التلاوة؛ لأنه يفوت بالتأخير؛ فهو أولى من صلاة الجنازة.
قال: وقضاء الفائتة؛ لما روي أنه عليه السلام رأى قيس بن فهد يلي ركعتين بعد الصبح؛ فقال: "ما هاتان الركعتان يا قيس؟ " فقال: ركعتا الفجر لم أكن صليتهما؛ فسكت، ولم ينكر عليه.
وقوله عليه السلام: "من نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها" يدل عليه.
وروي أنه عليه السلام صلى ركعتين بعد العصر؛ فسئل عن ذلك؛ فقال: "أتاني ناس من عبد القيس بإسلام قومهم؛ فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر؛
فهما هاتان" أخرجه البخاري ومسلم بمعناه، ولما قضاهما عليه السلام بعد العصر داوم عليهما، وهل يجوز مثل ذلك لواحد منا حتى إذا قضى فائتة في الوقت المكروه يصلي مثلها في ذلك الوقت من غير سبب؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ اقتداء به.
والثاني: لا.
قال البغوي: وهو الأصح؛ لأن ذلك ليس بسبب، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان التزم أنه إذا فعل شيئاً داوم عليه، وغيره ما التزم ذلك.
وصلاة الكسوف ملحقة بصلاة الجنازة، بل هي أولى؛ فإنها معرضة للفوات.
والصلاة المنذورة ملحقة بسجود التلاوة؛ وكذا تحية المسجد؛ لأنه منشأ السبب في الكل؛ فلا يكره، اللهم إلا أن يكون دخوله؛ لأجل الصلاة، فإن في الكراهة في حقه وجهين حكاهما العراقيون والقاضي الحسين، وجزم الإمام بعدم الكراهة، وقاسه على ما إذا قصد تأخير قضاء الفائتة إلى ذلك الوقت؛ فإنه لا يكره، وهذا فيه نظر؛ لأن المتولي قال: إن الصلوات التي لها أسباب إنما لا يكره إقامتها في هذه الأوقات إذا اتفقت فيها؛ فلو قصد تأخيرها؛ ليفعلها في هذه الأوقات كره.
ومنهم من حكى الوجهين على الإطلاق عند الدخول، وبه يحصل في المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها: إن دخل ليصلي التحية لا غير، كره، وإلا فلا.
والمنع المطلق منها منسوب في "تلخيص" الروياني إلى البصريين من أصحابنا، والصيدلاني نسبه إلى أبي عبد الله الزبيري من أصحابنا، موجهاً له بأن التحية ليست مقصودة في نفسها؛ فإن قضاء الفائتة يقوم مقامها.
والوجهان جاريان فيما إذا توضأ في هذه الأوقات ليصلي ركعتي شكر.
وقد أفهم كلام الشيخ أن ركعتي الإحرام في هذه الأوقات مكروهة؛ لأنه لما حكم بكراهة الصلاة فيها، ثم قال: "ولا يكره فيها [ما] لها سبب؛ كصلاة
الجنازة .. " إلى آخره- فقوله: كصلاة الجنازة وكذا، [يقتضي] اختصاص السبب بما هو مثل ذلك، وكل ما ذكره سببه متقدم عليه، وركعتا الإحرام سببهما متأخر عنهما، [وهو الإحرام؛ فلم يكن داخلاً في قوله، وهذا ما ادعى الإمام اتفاق الطرق عليه؛ لأن سببهما متأخر عنهما]، وحصوله غيب؛ فلا يجوز الإقدام عليهما؛ ليوقع السبب، فلا تلتحقان بما تقدم سببه.
وقال الروياني: إن من أصحابنا من حكى عن الشافعي أنه قال في كتاب الحج: إنه يجوز ذلك؛ لأنها صلاة لها سبب.
وهذا ما أورده البندنيجي في كتاب الحج، وقد ورد في الخبر ما يدل عليه لو صح.
قال الروياني: وهو غلط ظاهر لا يصح عن الشافعي، وقد أشار البغوي إلى هذا الوجه بقوله: لا يجوز على الأصح.
وصلاة الاستخارة ملحقة فيما نحن فيه بركعتي الإحرام؛ كما صرح به الإمام.
فإن قلت: إن راعيت ما ذكره الشيخ من التمثيل؛ فينبغي أن تقول بكراهة صلاة الاستسقاء والعيدين في الأوقات المكروهة؛ لأن سببهما غير متقدم عليهما، بل مقارن لهما.
قلت: أما صلاة العيد، فعند الشيخ أن وقتها يدخل بعد زوال وقت الكراهة؛ كما [ستعرفه؛ فلا] يجوز فعلها قبله عنده بحال.
ولو قلت: إن وقتها يدخل بطلوع الشمس؛ كما صار إليه جماعة؛ فهي كصلاة الاستسقاء، وحينئذ فلي أن أقول بالكراهة فيهما، وهو ما جزم به ابن الصباغ في باب صلاة الكسوف؛ [موجهاً ذلك بأنهما لا يختصان بالوقت المنهي عنه، وخالفتا صلاة الكسوف]؛ لأنه يخاف انجلاؤها، لكنه قال ها هنا: إن صلاة العيد لا تكره في الوقت المكروه؛ كصلاة الكسوف، وبه جزم البندنيجي والروياني.
وقضية ذلك: أن يطرد في صلاة الاستقساء، وبه صرح الماوردي فيهما، وكذلك القاضي أبو الطيب في "تعليقه" هاهنا، وحينئذ يكون في كراهة صلاة الاستسقاء، والعيد إن قلنا بدخول وقته بطلوع الشمس في الأوقات المكروهة- وجهان، وقد حكاهما الإمام في صلاة الاستسقاء؛ موجهاً قول من قال بالكراهة- وهو ما
ذكره القاضي الحسين- بأن وقتها لا يفوت.
قال: والأكثرون على جوازها، [ويَرِدُ على [من] منع، قضاء الفوائت؛ فإن وقتها متسع، ولم يمنع ذلك جوازها] في هذه الأوقات.
قال: ولا يكره شيء من الصلوات في هذه الساعات بمكة؛ لما روى جبير بن مطعم أنه عليه السلام قال: "يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحداً يطوف بهذا البيت، ويصلي أي ساعة [شاء] من ليل أو نهار" أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقوله عليه السلام: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة.
قاله ثلاثاً" رواه الدارقطني، عن أبي ذر.
قال الماوردي: وهذا ما اختاره أبو إسحاق وجمهور أصحابنا، وهو الأصح.
ووافقه الروياني على ترجيحه.
وقيل: إنها تكره؛ لعموم الأخبار السالفة، والصلاة المذكورة في هذا الخبر المراد بها ركعتا الطواف، وهذا ما نسبه الماوردي إلى أبي بكر الشاشي، وهو القفال الكبير.
وقال الروياني: إنه اختيار ابن سريج.
قال الإمام: وهذا بعيد؛ لأن الطواف سببهما فلا حاجة إلى أن تخصص بالاستثناء، ثم الطواف بالبيت صلاة، ولو كرهت الصلاة بها، لكره.
ثم كلام الشيخ يصرح بأن مسجد مكة وبيوتها فيما ذكره على السواء، وهو المذكور في "الشامل" وغيره نصاً.
وفي "التتمة" و"الحاوي" وجه: أنه يختص بمسجدها؛ لحديث جبير بن مطعم، وحديث أبي ذر.
قال الدارقطني في رواية عبد الله الموصلي: وهو ضعيف.
قال الماوردي: والخلاف في سائر الحرم كالخلاف في بيوت مكة.
وعلى هذا يكون الشيخ قد عبر بمكة عن كل الحرم؛ كما فعله مرة أخرى؛ حيث قال: "أو يدخل مكة لحاجة"، كما ستعرفه في الحج، وهو في ذلك متبع لابن عباس؛ فإنه قال: "لا يدخل أحد مكة إلا محرماً".
قال: ولا عند الاستواء يوم الجمعة؛ لما روى أبو سعيد الخدري "أنه عليه السلام نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة" رواه أبو داود.
وظاهر كلام الشيخ هذا يفهم أمرين:
أحدهما: أن ذلك لا يختص بمن حضر الجمعة؛ [كما هو ظاهر الخبر، وهو وجه للأصحاب، ادعى في "التهذيب" و"الكافي" أنه الأصح.
وقيل: إنه يختص بمن حضر الجمعة]؛ لطرد النعاس.
قال البندنيجي: وهو الأقيس.
وقال أبو الطيب: إنه الأصح.
وقال ابن الصباغ: إنه المذهب.
وقيل: يختص بمن غلبه النعاس؛ فيصلي ركعتين يدفع بهما النعاس، حكاه في "الوسيط"، وتبعه ابن يونس، ولم أره في غيرهما.
وهل يكون حكم ركعتي الإحرام في وقت الاستواء يوم الجمعة، كغيرها؟ فيه وجهان في "الزوائد" عن المسعودي؛ لأن سببهما بعد يوم الجمعة.
الثاني: أن باقي الأوقات فيه، كهي في غيره، وهو المذهب.
وقال أبو علي في "الإفصاح": يحتمل أن يستثني جميع النهار؛ لأنه روي أن النار تسجر في هذه الأوقات [إلا] في يوم الجمعة.
ومنهم من وجهه بأن فيه ساعة الإجابة؛ فرخص في الصلاة فيها؛ لطلبها.
واعلم أن في "الحاوي" شيئاً قد يستنكر؛ فلذلك أخرته إلى آخر الباب، وهو أن صلاة الجمعة لا يكره فعلها في الأوقات المكروهة.
ووجه استنكاره: أنها لا تقضي، ووقتها يدخل بعد الزوال، ويخرج بدخول وقت العصر، وذلك ليس من أوقات الكراهة.
وجوابه: أن وقت أدائها قد يكون في وقت الكراهة، وذلك يفرض فيما إذا جوزنا الجمع بعذر المطر في وقت الثانية؛ فيصلي العصر، ثم الجمعة بعدها؛ فإنها لا تكره، وإن كانت بعد فعل العصر، والله أعلم.
باب صلاة الجماعة
الأصل في مشروعية الجماعة في الصلوات الخمس- قبل الإجماع- من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية [النساء: 102] فأمر بالجماعة في حال الخوف والشدة؛ ففي غيرها أولى.
ومن السنة ما سنذكره من الأخبار، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بمكة ثلاث عشرة سنة، لا يصلي جماعة؛ لأن أصحابه كانوا مقهورين متفرقين، فلما هاجر إلى المدينة، أقام الجماعة، وواظب عليها.
قال: والجماعة سنة في الصلوات الخمس؛ لما روى أبو هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعاً وعشرين درجة" [أخرجه مسلم].
وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" أخرجه البخاري، ومسلم.
ووجه الدلالة منهما على السنة أن لفظة "أفضل" موضوعة فيما لأحدهما مزية فيما شاركه فيه، وسأذكر من الأخبار في الباب ما يدل عليه أيضاً.
ولأن الجماعة فضيلة في الصلاة لا تبطل بتركها؛ [فلم] تكن واجبة فيها؛ كالتكبيرات والتسبيحات.
وهذا ما حكاه أبو علي في "الإفصاح" عن بعض الأصحاب؛ كما حكاه أبو الطيب.
وقال الماوردي: إن به قال ابن أبي هريرة، وسائر أصحابنا، واختاره الغزالي، والبغوي.
قال: وقيل: هي فرض على الكفاية؛ للآية؛ [فإنه أمره] بالجماعة في حال الخوف؛ ففي حال الأمن أولى، والأمر للوجوب.
وعن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يقول:] "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة، إلا [قد استحوذ] عليهم الشيطان؛ فعليك بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب القاصية" أخرجه أبو داود، [والنسائي].
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " [لقد] هممت أن آمر [ناساً أن يجمعوا] حزماً من حطب، ثم آتى قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة، فأحرقها عليهم" قلت ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف، الجمعة عني، أو غيرها؟ قال: [صمّتا] أذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكر جمعة، ولا غيرها.
أخرجه مسلم، والترمذي مختصراً.
والأخبار والآثار [الدالة] على ذلك كثير، ولا جرم صار إليه ابن سريج، وأبو إسحاق.
قال الماوردي وجماعة من أصحابنا، وهم الأكثرون؛ كما قال ابن الصباغ، كقول الشافعي- رضي الله عنه- في "المختصر" ها هنا: "ولا أرخص لمن قدر
على صلاة [الجماعة] في ترك إتيانها إلا من عذر، وإن جمع في بيته، أو مسجد وإن صغر أجزأ عنه".
قال القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والشيخ في "المهذب"، وغيرهم: قد نص عليه الشافعي- أيضاً- في كتاب الإمامة.
والقائلون به يحملون الأدلة السالفة على ما إذا كان ثم عذر من مرض أو نحوه، أو على صلاة النافلة.
[وعلى هذا] قال [الشيخ]: فإن اتفق أهل بلد على تركها من غير عذر، قوتلوا؛ لأن هذا شأن فروض الكفايات [وعلى هذا] إذا عطله من توجه عليه قوتل؛ لأنه آثم، والمقاتل لهم هو الإمام، أو نائبه دون آحاد الرعية.
أما إذا قلنا بالأول، فقد أطلق البندنيجي والماوردي وابن الصباغ وغيرهم القول بأنهم لا يأثمون، ولا يقاتلون، [وقد] تركوا خيراً كثيراً، وأجراً عظيماً.
وفي "الرافعي" حكاية وجهين في المقاتلة؛ كما سيأتي مثلهما في العيد؛ إذا قلنا: إنه سنة.
واعلم أن ما ذكرناه في حكاية لفظ الشيخ هو الموجود في أكثر النسخ، وقال النواوي: إن الذي ضبطناه عن نسخة المصنف: "وقيل: هي فرض على الكفاية؛ إن اتفق أهل بلد على تركها من غير عذر، قوتلوا"؛ بحذف الفاء، والحكم لا يختلف.
وفي "تعليق" القاضي الحسين، والتتمة: أن أبا سليمان الخطابي خرج قولاً للشافعي: أنها فرض عين من كلام له في الكبير، وذلك أنه تلا آيتين: إحداهما: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً﴾ [المائدة: 58]، والثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً﴾ الآية [الجمعة: 11]، ثم قال: ويحتمل أن اله قصد به الرد على المنافقين، وزجرهم عما هم عليه.
ويحتمل أن [الذي] قصد [به] التحذير لمن ترك الجماعة، وهذا القول قد اختاره أبو ثور، وابن المنذر، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة من أصحابنا؛ كما قال الرافعي، والصحيح أنه ليس في المسألة إلا ما ذكره الشيخ، بل ادعى الماوردي أنه لا يختلف مذهب الشافعي وسائر أصحابه: أنها ليست فرضاً على الأعيان؛ إذ لو كان كذلك، لكانت شرطاً كالجمعة.
ثم هذا الخلاف إذا فعلت الخمس في وقتها؛ فإن فعلت قضاء خارج الوقت، فلا يتأتى القول بأنها فرض عين، ولا كفاية، بل الجماعة فيها سنة قولاً واحداً؛ لأن في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه [الصبح] جماعة حين فاتتهم الصلاة في الوادي.
وما أطلقه الرافعي فيما إذا أقيمت الصلاة، وهو في قضاء فائتة، لا يقتصر على ركعتين من أن الفائتة لا تشرع فيها الجماعة محمول على أنه لا يصليها في جماعة خلف من يصلي أداء؛ لأن صلاة الفائتة عندنا لا تستحب خلف من يصلي أداء؛ كما قاله المتولي وغيره للخروج من خلال العلماء في صحة ذلك.
واحترز الشيخ بقوله: "في الصلوات الخمس" عن المنذورة؛ فإن ما ذكره لا يجري فيها، صرح به الرافعي في أثناء باب الأذان، وغيره هنا، وعلته ظاهرة؛ فإنه لا شعار يظهر في إقامتها؛ بخلاف الخمس.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أموراً:
أحده: أن بعض أهل البلد لو أقاموا الجماعة [فيه]، لم يقاتلوا، وحصل تأدية الفرض، وهو ما يفهمه كلام الصيدلاني أيضاً؛ فإن الإمام حكى عنه أنه قال: إذا فعله قوم، سقط الفرض عن الباقين، ولاشك في ذلك إذا ظهر به الشعار، وذلك يختلف باختلاف البلاد؛ فإن كان البلد صغيراً، كفى أن يظهر في موضع واحد، وإن كان كبيراً، قال القاضي أبو الطيب والبندنيجي والفوراني: وجب إقامتها في كل محلة منه، فلو تعطلت محلة، كان كتعطل البلد.
وعبارة الماوردي- فيما إذا كان البلد واسعاً-: لا تسقط بإقامتها في مسجد واحد؛ لعدم ظهورها وانتشارها حتى تقام في عدة مساجد تظهر بها
الجماعة وتنتشر؛ فيسقط الفرض عن الباقين، ويجوز أن يصلوا منفردين.
والمحكي عن الشيخ أبي حامد [أنه قال:] حد الظهور [فيها] إن كانت قرية [فيها] عشرون، أو ثلاثون رجلاً- أن تقام في مسجد واحد، وإن كانت قرية عظيمة؛ فبأن تقام في كل طرف منها، وإن كانت مثل بغداد فبأن تقام في كل محلة منها.
وكلام الإمام قريب من كلام الماوردي، وعطف عليه [أنه] لا يضر مع ظهور الشعائر تخلف معظم أهل البلد [عن] إقامتها؛ كما في الصلاة على الموتى، نعم لو كان [يحضر في كل مسجد] اثنان أو ثلاثة؛ بحيث [لا يبدون للمارِّين]؛ فلا يحصل ظهور الشعائر بهذا.
ثم قال: ولا يبعد أن [يقال: لا] يعتبر في القرى الصغيرة من البلاد إظهارها [إذا استقلت البلد بإظهارها]؛ ولهذا اختصت الجمعة بالبلاد والقرى [الكبيرة].
قلت: وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن خبر أبي ذر الذي هو دليل على هذا القول يرد عليه.
الثاني: أن إظهارها في القرى التي لا تقام بها الجمعة أولى؛ كي لا تتعطل عن إظهار شعار فيها، وهل يكفي إقامتها في البيوت؟
الأظهر- كما حكاه الروياني في "تلخيصه" عن بعض الأصحاب-: أنه يكفي؛ لأن الشافعي- رضي الله عنه- قال: "وإن جمع في بيته أجزأه"، وهذا ما حكاه القاضي الحسين.
وقال أبو إسحاق- كما حكاه البندنيجي وغيره عنه-: لا يكفي؛ إذا اتفقوا على ذلك، وألا يخرجوا إلى المساجد؛ فلا يسقط الفرض عنهم.
وظاهر هذا أنه لا فرق [فيه] بين أن يشتهر بذلك الشعار أو لا، لكن القاضي أبو الطيب حكى [وجهاً] عنه: أنه قال: [إن] هذا إذا كانت المحلة [التي] صليت
فيها الجماعة في البيوت، والأسواق، [غير ظاهرة، فإن كانت ظاهرة كفى في تحصيل السنة وإسقاط الواجب].
وهذا قريب مما حكاه ابن الصباغ، وإليه يرشد قول الماوردي: إذا كان البلد واسعاً لا يكتفي بإقامتها في المنازل والبيوت؛ لعدم ظهورها وانتشارها.
وحكى الروياني في "تلخيصه" وجهاً آخر: أنه لا يكفي في إسقاط فرضها إقامتها في البيوت، وقال: إنه الأصح.
وبالجملة فصلاة الفرض في المسجد جماعة أفضل منها في البيت؛ لقوله عليه السلام: "خير صلاة [المرء] في بيته إلا المكتوبة".
نعم لو كان إذا صلى في بيته صلى في جماعة، وإذا صلى في المسجد صلى وحده، كانت صلاته في بيته في الجماعة أولى؛ قاله الأصحاب عند الكلام في القرب من البيت في الطواف في كتاب الحج.
ولو كانت الجماعة في بيته أكثر من الجماعة في المسجد، قال في "الحاوي": الجماعة اليسيرة في المسجد أفضل منها في المنزل.
وقال القاضي أبو الطيب: الصلاة مع الجماعة الكبيرة في بيته أفضل؛ كما حكاه في كتاب الاعتكاف.
وأفضل الصلاة في المساجد [الثلاثة:] الصلاة في المسجد الحرام، ثم بعده مسجد المدينة، ثم المسجد الأقصى؛ قاله في "التتمة".
[وآكد الصلوات في الجماعة الصبح والعشاء، قال في "التتمة"]: وآكدهما صلاة الصبح؛ قاله في الروضة، وهو في يوم الجمعة آكد منه في غيره؛ لورود الأخبار الصحاح في ذلك.
الأمر الثاني: أن أهل البوادي إذا اتفقوا على تركها، لا يقاتلون، وأبدى الإمام
فيهم لنفسه احتمالين، الذي جزم به في "الكافي" منهما: أنهم كأهل القرى؛ لأنه قال: لو امتنع أهل البادية أو [قرية أو] محلة، أو قبيلة على تركها؛ قوتلوا.
وهذا [ما] يدل عليه خبر أبي ذر.
والمسافرون لا يتعرضون لهذا الفرض بلا شك، [كما] قاله الإمام.
وهذا الحكم فيما إذا قل عدد الساكنين في البلد؛ فإنهم وإن أظهروا الجماعة فلا يحصل بهم ظهور الشعار؛ لأن الإنسان في نفسه بصلاته لا يتعرض لهذا الفرض، وإنما المرعي فيه أمر كلي عائد إلى شعائر الإسلام.
الثالث: اختصاص ما ذكره من أن الجماعة سنة أو فرض كفاية بالرجال، أو فرض الكفاية الذي هو [من] الشعائر إنما يخاطب به الرجال، وهذا ما ذكره القاضي الحسين في باب [إمامة النساء]؛ حيث قال: إقامة الجماعة لا تشرع للنساء؛ حيث تشرع للرجال؛ فإنها فرض كفاية على الرجال، أو سنة مؤكدة، ليست بفريضة، ولا سنة على النساء؛ كما أن النساء لا يسن لهن الأذان، ولا يشرع لهن الإقامة.
وقال غيره: لا خلاف عندنا أنها [لا] تكون فرضاً بالنسبة إليهن، وهي مستحبة لهن في بيوتهن؛ لأنه عليه السلام أمر [أم] ورقة بنت نوفل أن تتخذ لها مؤذناً، وأن صلي في دارها، كما خرجه أبو داود، والترمذي.
وقد روى عن عائشة- رضي الله عنها- وأم سلمة أنهما أمتا نسوة، ووقفتا وسطهن.
قال الإمام في باب اختلاف نية الإمام والمأموم: فإن قيل: هلا قدمتم استحباب الجماعة فيما قدمتموه في باب الأذان في الاختلاف في أذانهن [وإقامتهن؟].
قلنا: في الأذان إظهار وترك للستر، وليس في إقامة الجماعة ذلك؛ فلو خفضت المرأة صوتها- أي: في الأذان- كان [تركا لمقصوده].
قلت: هذا فرق بين الأذان والصلاة جماعة، وبه يحصل الفرق بين الجماعة والإقامة؛ لأن السنة أن يقيم المؤذن.
ثم فضيلة جماعة النساء هل تساوي فضيلة جماعة الرجال، أو هي دونها؟
قال الماوردي: في باب إمامة النساء، ومن تبعه: فيه وجهان، أظهرهما: الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228].
والذي أورده أبو الطيب مقابله.
قلت: ويمكن أخذ الوجهين من أنها فرض كفاية أو سنة:
فإن قلنا: إنها فرض كفاية، رجحت جماعة الرجال على جماعة النساء؛ لأنها تسقط فرضاً في الجملة.
وإن قلنا: إنها سنة، فيجوز أن يقال بالاستواء، ويجوز أن يقال بالترجيح أيضاً.
وأما حضورهن المساجد، فالشواب المستحب لهن ترك ذلك، والستر، ولزوم
البيت لهن؛ لقوله عليه السلام: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" أخرجه أبو داود.
وحجرتها: صحن بيتها.
والمخدع: بضم الميم وكسرها: البيت [الذي] في جوف البيت تخبئ المرأة فيه ثيابها.
ولو خالفن، وحضرن المسجد، كره لهن، وصح اقتداؤهن بالإمام، سواء نوى الإمام بهن أو لا.
والعجائز لا يكره لهن الخروج لذلك؛ لقوله عليه السلام: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" وبالحالين يحصل الجمع بين الخبرين.
وقد روي أنه- عليه السلام- كره للنساء الخروج إلى الجماعة إلا أن تكون عجوزاً في منقلها، والمنقل: الخف.
وقيل: المندل، وهوب كسر الميم، قاله الهروي وقال في "الصحاح": إنه
بفتحها، والوجه الكسر، لولا أنها وردت في الحديث.
وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك إلى [أنها في] خروجها تكون مبتذلة، وأنها لو تشبهت بالشواب كره لها ذلك [بلا خلاف].
ثم حيث نفينا الكراهة قال الإمام: والذي رأيته للأئمة أنه لا يترجح خروجها على لزومها بيتها؛ فإنه يتعارض في حقها رعاية الستر، وإقامة الجماعة مع الرجال؛ فيخرج على تعارض الأمرين نفي الكراهة في الحضور، واستواء الأمرين.
قال: وأقل الجماعة، [أي]: التي تحصل بها السنة، وسقوط الفرض اثنان: إمام، ومأموم؛ لقوله عليه السلام: "الاثنان فما فوقهما جماعة" [رواه ابن ماجة] وروى أبو موسى الأشعري قال: جاء رجل، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أيكم يتجر على هذا؟ "؛ فقام رجل فصلى معه.
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
ولا فرق في ذلك بين أن يصلي الشخص مع زوجته، أو ولده، أو رقيقه، نص عليه في "الأم".
وفي "الزوائد" [للعمراني] أن صاحب "الفروع" ذكر أن أقل الجماعة [في الصلاة] ثلاثة يؤمهم أحدهم؛ فأما اثنان يؤم أحدهما صاحبه، فقد توقف الشافعي فيه في موضع، وقطع في آخر بأنه جماعة.
وقد حكاه الروياني في "تلخيصه" عن بعض الأصحاب، وقال: إنه غلط.
فإن قيل: المشهور من مذهب الشافعي أن أقل الجماعة ثلاثة؛ فما الفرق على هذا؟
قيل: الفرق أن الحكم [على الاثنين] بالجماعة حكم شرعي، مأخذه التوقيف الشرعي، وأقل الجمع بحث لغوي [مأخذه اللسان].
قال: ولا تصح الجماعة حتى ينوي المأموم الائتمام؛ لأن التبعية عمل؛ فافتقر إلى النية؛ لعوم قوله عليه السلام: "لا عمل إلا بنية".
ويكفيه أن يقتدي بالمتقدم من القوم، وإن لم يعرف عينه.
قال الإمام: وهو الأولى؛ فلو عين شخصاً، وكان الإمام غيره، نظرت:
فإن لم يوجد مع التعيين إشارة؛ مثل: أن نوى الصلاة خلف زيد؛ فإذا هو عمرو- لم تصح بلا خلاف، واستبعد الإمام تصوير ذلك من غير ربط بمن في المحراب، وقال: إنه في غاية العسر، أو يعلم [أنه]؛ يعني: من حضر، ومن [سيركع بركوعه ويسجد بسجوده؛].
وإن وجد مع [ذلك] التعيين إشارة؛ مثل: أن نوى الاقتداء بزيد هذا؛ فإذا هو عمرو- فالمنقول عدم الصحة أيضاً.
[و] قال الإمام: يتجه أن يتخرج فيه وجه آخر: أنه يصح؛ نظراً إلى
الإشارة؛ كما إذا قال: بعتك هذه الشاة؛ [فإذا هي] رمكة؛ فإنه يصح على وجه؛ ولأجل ذلك أثبت الغزالي في المسألة وجهين.
وهذه المسألة من المسائل التي [لا] يشترط فيها التعيين، بل أصل الشيء، وإذا عين، و [أخطأ، ضر] ومثله: ما إذا نوى التكفير عن الظهار، وكان عليه كفارة يمين، أو الصلاة على زيد؛ فإذا هو عمرو، أو الزكاة عن ماله الغائب، وكان تالفاً- لا يجزئه، ولو أطلق لأجزأه.
ويقوم مقام نية الائتمام نية الصلاة في جماعة، أو مأموماً؛ كما قاله مجلي.
وقد أفهم من كلام الشيخ أمرين:
أحدهما: صحة صلاة المأموم وإن لم ينو الائتمام، بل تابعه في الأفعال من غير نية؛ إذ لو كان عنده أنه لا يصح- لكان بالبيان أولى.
والذي جزم [به] الغزالي، و [أبو نصر] المقدسي [في "تهذيبه"]: البطلان، وحكى القاضي الحسين، والمتولي في باب النية للصلاة وجهين في البطلان.
قال الطبري في "عدته": وهما مذكوران في طريقة العراق؛ وطريقة القفال، والخراسانيين من أصحابنا: البطلان.
وقال في "الذخائر": إن هذا يحتاج إلى تفصيل؛ فيقال: إن تابعه في الأفعال، وأخل بشيء [من ترتيب صلاته الواجب عليه؛ لأجل المتابعة- بطلت، وإن أخل بسنة، أو لم يخل بشيء] [من ذلك؛] فإن انتظر في القيام، أو السجود، أو الركوع، مع ترك اشتغاله بالذكر؛ فينبغي أن يكون [على] القولين في السكوت الطويل، وأولى بالبطلان؛ لانتفاء الإخلاص، وإن انتظره مع الاشتغال بالأذكار؛ فقد أشرك في عبادته؛ فينبني على انتظار الإمام في الركوع إذا أحس بداخل.
قال: وينبغي أن يبطل هاهنا قولاً واحداً على قول الفوراني؛ لأنه لم يقصد به وجه الله تعالى.
الثاني: أن الجماعة تصح وإن لم ينو الإمام [الإمامة]، وهو ما ادعى القاضي الحسين في باب صفة الصلاة أنه المذهب؛ فإنه قال ثَمَّ: الصحيح [من المذهب] أنه لا [يلزمه نية] الجماعة؛ لأنه مستقل بالفعل؛ فلا يحتاج إلى النية؛ بخلاف المأموم؛ فإنه تابع؛ فافتقر إلى قصد الإتباع.
قال: وقال الأستاذ [الإمام] أبو إسحاق: إنه ينوي الجماعة؛ لأنه أحد ركني الجماعة؛ فيلزمه نية الجماعة؛ كالمأموم.
والفرق ما تقدم.
نعم يستحب له أن ينوي؛ للخروج من الخلاف؛ لأن الإمام أحمد يوجب ذلك [ويقول:] ولو لم ينو لبطلت [صلاة المأمومين] خلفه.
وقد حكاه العبادي في "الزيادات" وجهاً لبعض أصحابنا، وعزاه في "الحاوي"- قبيل باب صلاة الجماعة وصفة الأئمة- إلى أبي إسحاق، وهو فاسد؛ لما سنذكره من خبر ابن عباس، وجابر، وجبار بن صخر في باب صفة الأئمة.
وعلى المشهور هل يحصل له فضيلة الجماعة؛ إذا لم ينوها؟ قال الغزالي: لا.
قال مجلي: وهذا لم أره لغيره.
ويحتمل أن يقال: تحصل؛ لأن أصل نية الإمام غير واجبة، ومعنى كونه إماماً وجود القدوة [به]، وقد وجدت؛ فينبغي أن يحصل له فضيلة الجماعة، ويشهد لذلك أن المأمومين يكثر أجرهم بكثرة العدد، وليس لهم نية في ذلك.
وقد حكى في "التتمة" في حصول فضل الجماعة وجهين، وبنى عليهما ما لو لم ينو الإمامة في الجمعة، هل تصح [له]، أم لا؟ إن قلنا: يحصل له
فضيلة الجماعة، صحت له، وإلا فلا.
ولا خلاف على المذهب في أنه إذا نوى الإمامة بزيد، وكان عمراً أنه لا يضر؛ لأن [أصل النية ليست] بشرط في حقه، بخلاف نية الائتمام.
قال: وفعلها فيما كثر فيه الجمع من المساجد [أفضل]، لرواية أبي داود في أثناء حديث أنه عليه السلام قال: "وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله عز وجل".
وهذا مخصوص عندنا بما إذا لم يكن إمام الجماعة [الكثيرة] مبتدعاً، ولا حنفياً، فإن كان، وصححنا الصلاة خلفه- كما ستعرفه- فالصلاة في المسجد القليل الجماعة أفضل بالاتفاق، وهل الأفضل صلاته منفرداً، أو مع الحنفي في جماعة؟ فيه خلاف سنذكره.
ولا فرق فيما [ذكره الشيخ] بين أن يكون المسجد الكثير الجمع قريباً من الشخص، أو بعيداً منه.
وقيل: إنها في مسجد الجوار أولى، مع قلة الجماعة فيه؛ قاله المسعودي، وغيره.
قال الإمام: وهو غير سديد؛ فإن صح النقل فيه فيشبه أنه قد يحظر
قصد الجماعة الكثيرة لغيره؛ فيؤدي ذلك إلى تعطيل مسجد الجوار، ولعل ذلك في مسجد السكة
-[أي: التي يسكنها]-
فأما إذا كان على طريقه، وكان أقرب من المسجد المشهور، فلا ينقدح الوجه الضعيف في هذه الصورة.
وفي "التهذيب" أنه يصلي في مسجد الجوار، ثم يلحق بالمسجد الأكثر جماعة؛ فيصلي معهم أيضاً؛ ليحوز الفضيلتين.
والذي أورده العراقيون: الأول، وأيده أبو الطيب بأن الشافعي- رضي الله عنه- كان ببغداد بالقرب منه مسجد لا يغلس فيه، وبالبعد مسجد يغلس فيه بالصلاة، وكان يمضي إلى المسجد الذي يغلس فيه، ويترك المسجد الذي لا يغلس فيه.
قال: فإن كان [في] جواره مسجد ليس فيه جماعة، [أي]: وبصلاته فيه تحصل الجماعة، كان فعلها في مسجد الجوار أفضل؛ لما في ذلك من عمارة مسجد الجوار وإحيائه بالجماعة.
قال الروياني في "تلخيصه": وفيه وجه آخر: أن فعلها في المسجد [الأكثر] جماعة أولى بكل حال، وهو غلط.
أما إذا كان لو صلى في مسجد الجوار صلى وحده، فقد قال في "التهذيب" تبعاً للقاضي الحسين: الأولى أن يصلي منفرداً، ثم يدرك [مسجد] الجماعة؛ فيصلي معهم.
وعلى هذا يمكن إجراء لفظ الشيخ على ظاهره، ولا يعارضه ما ذكرناه من قبل من أنه إذا صلى في بيته صلى في جماعة، وإذا صلى في المسجد صلى منفرداً- أن صلاته في بيته أولى؛ لأن ذلك يمكن حمله على غير مسجد الجوار، أو على مسجد أقيمت الجماعة فيه [قبل حضوره إليه، والله أعلم.
فرع: إذا كان بجواره مسجدان استوت الجماعة فيهما، فإن كان يسمع النداء
من أحدهما فصلاته فيه أولى، وإن كان يسمعه منهما]، فإن كان أحدهما [أقرب من الآخر] إليه؛ فصلاته فيه أولى، وإلا تخير؛ قاله الروياني.
والجوار: بكسر الجيم وضمها.
قال: وإن كان للمسجد إمام راتب، كره لغيره [إقامة] الجماعة فيه- أي: بغير إذنه- لما فيه من الإيحاش وإيذاء القلوب، وهذا ما نص عليه في "الأم".
وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الإمام الراتب قد صلى فيه أو لا، وإذا لم يصل بين أن يخاف [فوات] فضيلة [أولي الوقت، أو آخره [أو لا].
وللأصحاب فيما إذا كان الإمام قد صلى [فيه في جواز إقامة جماعة ثانية- فيه]- خلاف، والمنصوص: الكراهة.
قال الشافعي- رضي الله عنه-: لأنه روي هذا عن بعض السلف.
ثم قال: وأحسب الكراهة في حق قوم يعادون الإمام الراتب؛ فكره ذلك؛ لأنه يؤدي إلى العداوة وإلى الاختلاف؛ [فيفقد] مقصود الجماعة.
وحكى الروياني في "تلخيصه" وجهاً عن أبي إسحاق: أنه يجوز من غير كراهة؛ كما لو لم يكن للمسجد إمام راتب، واختاره ابن المنذر.
وقيل: إنه يكره أيضاً في المسجد الذي لا إمام له راتب، ولا مؤذن؛ حكاه القاضي الحسين.
والوجهان ضعيفان، والمذهب: الكراهة عند وجود الإمام الراتب، وعدمها عند عدمه.
وكذا لا يكره إقامة جماعة بعد الجماعة في مسجد [في موضع] لا
يسمع [فيه] جيرانه لضيق المكان؛ قاله البندنيجي، والروياني.
ثم محل الخلاف السابق إذا كان [المسجد] في غير ممر الناس، ولم تجر العادة فيه [بتكرار الجماعات]، أما إذا كان كذلك، فلا [تكره].
قال في "المهذب": [لأنه لا يحمل التكرار فيه على الكياد].
وقال في "الذخائر": إن بعض أصحابنا استحب إقامة الجماعة ثانية فيه.
ولو كان الإمام تأخر عن الحضور وإقامة الجماعة [فيه]، قال القاضي أبو الطيب وغيره: إن كان [بيته] قريباً؛ [أي]: بحيث لو أراد الحضور لم يفتهم إذا صلى بهم فضيلة أول الوقت- كما نص عليه في "الأم"- بعثوا إليه حتى يحضر، أو يستنيب؛ وإن كان موضعه بعيداً؛ بحيث لا يدرك أن يصلي بهم في أول الوقت، أو لم يحضر: فإن لم يخافوا فتنة في صلاتهم جماعة فيه قدموا واحداً منهم، وإن خافوا الفتنة انتظروه إلى أن يخافوا فوت الصلاة، ثم يقدموا واحداً [منهم] يصلي بهم.
قيل: والأصل في ذلك أنه عليه السلام لما مضى إلى صلح بني عمرو بن عوف قدم الصحابة أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- فصلى بهم.
وروي أنه عليه السلام في غزوة تبوك تأخر عن صلاة الصبح؛ لحاجة، فتقدم عبد الرحمن بن عوف، فصلى ركعة، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وصلى خلفه الركعة الثانية، فلما سلم قال: "أحسنتم".
وجه الدلالة منه: أنهم كانوا آمنين منه صلى الله عليه وسلم.
قال: ومن صلى منفرداً، ثم أدرك جماعة يصلون، استحب له أن يصليها معهم؛ لما روى الترمذي عن يزيد بن الأسود قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [حجة الوداع]؛ فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف؛ فلما قضى صلاته وانحرف فإذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه؛ فقال: علي بهما"، فأتي بهما ترعد فرائصهما؛ فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟! " قالا: يا رسول الله [إنا] [كنا] قد صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، إن صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة؛ فصليا معهم؛ فإنها لكما نافلة".
قال: وهو حسن [صحيح].
ورواية أبي داود: "إذا صلى أحدكم [في رحله]، ثم أدرك الإمام، ولم يصل، فليصل معه؛ فإنها له نافلة".
والفرائص: جمع "الفريصة"، وهي لحمة في وسط الجنب قريبة من القلب ترتعد عند الفزع؛ قاله الخطابي.
وهذا الخبر كالمصرح بأنه لا فرق في الصلاة المعادة بين أن تكون مما يكره الصلاة بعدها، أو لا؛ لأنه نص في الصبح وهو مما تكره الصلاة بعده؛ فغيرها أولى، وهذا ما يقتضيه كلام الشيخ، وهو المذكور في "الشامل"، و"الحاوي"، و"تعليق" القاضي الحسين، وغيرها.
[و] في "المهذب" أن أبا إسحاق حكى عن بعض [الأصحاب] أنه لا يعيد صلاة الصبح والعصر، ويعيد ما سواهما؛ لأن الصلاة بعد الصبح والعصر مكروهة بغير سبب.
وحكى الإمام [عن شيخه أنه] حكى في درسه و"تعليقه" وجهاً عن بعض الأصحاب: أنه لا يعيد الصبح والعصر؛ لما ذكرناه، وكذا المغرب؛ لأنها وتر النهار، ويعيد الظهر والعشاء.
والوجهان ضعيفان باتفاق الأصحاب؛ للخبر، بل قال الإمام- فيما حكاه عن رواية شيخه: [إني] لا أعتد به.
وعلى كل حال: إذا أعاد الصلاة في جماعة؛ حيث استحببناه، فأي الصلاتين فرضه؟ فيه قولان:
الجديد- وهو الصحيح-: أنه الأولى، والثانية نفل.
والقديم- كما قال أبو إسحاق-: أن الله تعالى يتقبل أيتهما شاء.
وقال القاضي الحسين: إنه قول مخرج، وقد قيل: إنه مذكور في "الإملاء"، ولم
يورد في "الوجيز" سواه، ووراء القولين وجهان:
أحدهما حكاه الإمام عن رواية شيخه عن بعض الأصحاب-: أن الفرض الثانية؛ لأنه استحب له إعادة الفريضة؛ ليكملها بالجماعة، ولو كانت نفلاً لما حصل فيها الكمال؛ فتبين بالآخرة أن الأولى وقعت نفلاً، وبعضهم نسب هذا إلى القديم أيضاً.
قال الإمام: وهو مزيف، لا أعده من المذهب.
وبعضهم يقول: إنه ليس بشيء؛ لأجل أنه [يخالف الخبر].
وقد قال في "الذخائر": إنه موافق للخبر؛ لأن أبا داود روى عن يزيد بن عامر قال: جئت والنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، [فجلست، ولم أدخل معهم في الصلاة، فانصرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم]؛ فرأى يزيد جالساً؛ فقال: "ألم تسلم يا يزيد؟ " قلت: بلى يا رسول الله.
قال: "فما منك أن تدخل مع الناس في صلاتهم؟ " فقال: إني كنت قد صليت في منزلي، وأنا أحسب أن قد صليتم.
قال: "إذا جئت إلى الصلاة فوجدت [قوماً من الناس يصلون]؛ فصل معهم وإن كنت قد صليت، تكن لك نافلة"، وهذه مكتوبة.
والثاني- حكاه في "التتمة"، ولم أره في غيرها-: أن كلتا الصلاتين فرض؛ لأن الخطاب سقط بالأولى، وكانت فرضاً، وقد فاتت صفة الجماعة فيها، فأمرناه بإعادتها، وليس يمكن إعادة الصفة وحدها؛ فحكمنا بأن الجميع فرض.
التفريع: إن قلنا بما عدا الجديد، نوى بالثانية الفرض؛ [فلو نوى الظهر مثلاً، ولم يتعرض للفرضية- كان كمن [ترك نية الفرضية] في] الصلاة
المقامة من غير إعادة، وفي وقوعها عن الفرض وجهان:
فإن قلنا: لا تقع عن الفرض، فهل تبطل]، أو تنقلب نفلاً؟ فيه الخلاف المشهور.
وإن قلنا بالجديد، حكى الإمام عن الصيدلاني تردداً في كيفية نيته:
أحدهما: أنه ينوي بها [النفل.
والثاني: أنه ينوي] الفرض، واختاره، وادعى في التتمة أنه الصحيح.
والرافعي [قال:] إن به قال الأكثرون.
قال الإمام: وهو هفوة من الصيدلاني؛ فإن أمره بنية الفرض مع القطع بأن الصلاة [التي يقيمها] ليست فريضة محال.
وقد حكى الروياني في "تلخيصه" الوجهين، ووجهاً ثالثاً ذكره في "الإبانة" أيضاً: أنه يتخير بين أن يطلق النية وبين أن ينوي الفرض، واختار الإمام أنه ينوي الظهر، أو العصر، أو نحو ذلك؛ كما ينوي الصبي؛ فإن نية الفريضة- ولا فريضة- محال؛ كما قدمناه.
ولو نوى النفل، ولم ينو الظهر أو العصر؛ [بعد أن يصير بالجماعة] الثانية مستدركاً لما فات من الجماعة في صلاة الظهر والعصر، وقال القاضي الحسين: إنه على القول الجديد والقديم معاً ينوي إعادة ما صلى، أو نفل ما صلى؛ لأنا إن قلنا: الثانية نفل؛ فهو يريد [أن يكتسب بها فضل] الفريضة المؤداة، وهو فضيلة الجماعة؛ فكان فضيلة الجماعة منها؛ فتلحق بالأولى، وبقيت [هي] نفلاً.
قال الشيخ أبو علي: وعلى القولين يجوز أن يصلي الصلاتين بتيمم واحد.
قال مجلي: وهذا إنما يتجه على القول القديم إذا قلنا: إن من نسي صلاة من الخمس، يصليها بتيمم واحد، دون ما إذا قلنا: لابد من خمسة تيممات.
[قلت:] وعلى القول بأن الثانية هي الفرض، لا يحتاج إلى الإعادة، وعلى القول بأنهما فرض [يقرب الشبه من] صلاة من الخنمس.
قال الشيخ أبو بكر الصيدلاني: ولو كانت الصلاة [المعادة مغرباً]، وقلنا بالجديد: إن المعادة نفل زاد فيها حال الإعادة [ركعة]؛ فإن الأحب في النوافل أن تكون شفعاً.
وهذا ما حكاه القاضي الحسين لا غير، وقال الإمام: إنه حسن بالغ.
ثم قال: لكنه مع القول بأنه ينوي بالثانية الفرض- كما اختاره- خبط وخروج عن الضبط؛ فإن المغرب لا يكون أربع [ركعات].
وقد أفهم قول الشيخ: "وإن صلى منفرداً ... " إلى آخره، أنه لو صلى في جماعة، ثم أدرك جماعة يصلون-[لا يستحب له أن يصليها معهم، كيف كانت] وهو وجه حكاه الشيخ أبو محمد، وغيره، وصححه الصيدلاني، والغزالي، وصاحب المرشد؛ لأن أبا داود روي عن سليمان- يعني: مولى ميمونة- قال: أتيت ابن عمر- رضي الله عنهما-[على] البلاط، وهم يصلون؛ فقلت: [ألا] تصلي معهم؟ قال: قد صليت؛ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تصلوا صلاة [في يوم] مرتين".
والبلاط: موضع مبلط بالحجارة بين المسجد والسوق، بالمدينة، [شرفها الله تعالى].
ولأن الإعادة لتحصيل فضيلة الجماعة، [وقد حصلت له، ولو قيل بالإعادة، لقيل: إنه يعيدها في جماعة] ثانية وثالثة ورابعة، وهو مخالف لما كان عليه الأولون.
[وخبر يزيد بن الأسود مختص بحالة الانفراد؛ تدل عليه الرواية الأخرى؛ فعلى هذا: إذا [أعاد] الظهر أو العشاء، كانت نفلاً وجهاً واحداً]، وإذا أعاد الصبح، أو العصر، [كان فاعلاً] مكروهاً، وإذا أعاد المغرب، قال في "التتمة": فالصحيح أنها كإعادة الظهر، وفيه وجه: أنه يكره إعادتها.
[وعلى الصحيح يأتي قول الصيدلاني إنه يضيف إليها ركعة أخرى.
وبه صرح الرافعي وغيره، و] قال الروياني: إن القفال قال به، وإنه قيل: إنه ظاهر المذهب، وإنه لا يضم إليها شيئاً.
وقيل: إنه لا يستحب له الإعادة في الصبح والعصر [والمغرب]، أما الصبح والعصر؛ فلنهيه عليه السلام عن الصلاة بعدهما، وأما المغرب؛ فلأنها وتر النهار.
ويستحب في الظهر والعشاء؛ إذ التنفل بعدهما جائز؛ [حكاه القاضي الحسين.
وقيل: إنه لا يستحب له إعادة الصبح والعصر، واستحبوا إعادة ما سواهما]؛ حكاه ابن الصباغ، والماوردي.
وهذا والذي قبله مفرعان على المذهب [في أنه] إذا صلى منفرداً الصبح والعصر والمغرب، يستحب إعادتها [في جماعة، أما إذا قلنا في هذه الصورة: لا يعيد ذلك، فها هنا أولى.
وقيل: يستحب إعادة ما صلاها] في جماعة كيف كان؛ لأنه عليه السلام صلى في خوف الظهر؛ فصف بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو؛ فصلى
ركعتين، ثم سلم، [فانطلق الذين صلوا معه، فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه، فصلى بهم ركعتين ثم سلم]، أخرجه أبو داود، والنسائي، وقصة معاذ مشهورة، وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم التطويل دون الإعادة؛ فثبت في الظهر والعشاء استحباب ذلك، وقيس باقي الصلوات عليهما، ولا نظر إلى أن الصلاة بعد الصبح والعصر مكروهة؛ لأن ذلك إذا لم يكن ثم سبب، [وها هنا سبب]، وهو حيازة فضيلة الجماعة.
قال ابن الصباغ: وهذا [أشبه بكلام] الشافعي؛ لأنه أطلق، ولم يفصل.
وقال الرافعي: إنه الأصح عند عامة الأصحاب.
وقال القاضي الحسين: يحتمل أن يقال: إن كانت الجماعة [الثانية] أكثر، وإمامهم أروع، وأهدى لأركان الصلاة، وشرائطها، وهيئاتها- يستحب له أن يعيد الصلاة التي صلاها مع الجماعة؛ لأنه يكتسب زيادة فضيلة [الجماعة التي] لم تحصل له في الأولى، [وإن كانت الجماعة الثانية مثل الأولى] أو دونها، لا يستحب، وهذا ما صححه في "الكافي"، والله أعلم.
وقد اتفق الكلام على أن من رأى شخصاً يصلي منفرداً؛ لسبق الجماعة له استحب [له] أن يصلي معه، وإن كان قد صلى في جماعة؛ لورود الخبر بذلك.
قال: ويعذر في ترك الجماعة- أي: على [كل] قول- المريض؛ لقوله عليه السلام: "من سمع النداء، فمل يجبه؛ فلا صلاة له إلا من عذر".
قالوا: وما العذر؟ قال: "خوف، أو مرض".
ولأنه عليه السلام ترك الجماعة، واستناب أبا بكر- رضي الله عنه- لمرض حصل له.
قال في "الحاوي": وهو وفاق.
قال الرافعي: ولا "يشترط] فيه أن يبلغ مبلغاً يجوز القعود في الفريضة، ولكن المعتبر أن تلحقه مشقة؛ مثل ما يلقاه الماشي في المطر؛ قاله في "النهاية".
قال: ومن تأذى بالمطر؛ لما روى مسلم، عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمطرنا؛ فقال: "ليصل من شاء في رحله".
وروى أبو داود عن أسامة بن عمير: "أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في يوم الجمعة؛ فأصابهم مطر، لم يبتل أسفل نعالهم؛ فأمرهم أن يصلوا في رحالهم"؛ وفي تأويل النعال أربعة أوجه:
أحدها: التي يمشي فيها، والثاني: أنها وجه الأرض؛ حكاه القاضي الحسين وغيره، والثالث: أنها الأقدام.
[والرابع: أنها الحجارة الصغار تكون في الطريق، فإنها تسمى: النعال؛ حكاه والذي قبله الماوردي].
قال الصيدلاني: ويستحب أن يقول المؤذن في أذانه وقت المطر بعد الحيعلتين: "الصلاة في الرحال".
قال الإمام: وهو مشكل؛ فإنه لم يصح فيه [شيء] ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتغيير الأذان بشيء يثبت في أثنائه من غير نقل فيه صحيح بعيد عندي، وليس في ذكره بعد الأذان ما يفوت مقصود النداء.
والقاضي الحسين قال: إن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك بعد الحيعلتين موضع التثويب.
وقيل: كان يقوله بعد الفراغ من الأذان؛ فإن صح ذلك، كان حجة لما قاله الإمام، لكن في "مسلم" أن ابن عباس- رضي الله عنه- قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله؛ فلا تقل: حي على الصلاة، [لكن] قل: صلوا في بيوتكم.
قال: وكأن الناس استنكروا ذلك؛ فقال: أتعجبون من ذا؟! قد [فعل هذا] من هو خير منه.
إن الجماعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم؛ فتمشوا في الطين [والدّحض].
والدحض: من أدحضت الثوب؛ إذا غسلته؛ [كني به] عن المطر.
قال: والوحل، أي: الذي لا يؤمن معه التلويث؛ لأنه أشد من المطر [في الأذى].
وحكى المراوزة وجهاً آخر: أنه بمجرده ليس بعذر ما لم ينضم إليه المطر،
وعليه ينطبق قوله في "الوسيط": والمطر مع الوحل عذر فيها.
ومثل ذلك قاله القاضي الحسين في الجمعة.
وعلى هذا فالفرق بينه [وبين] المطر: أن الوحل [له أمد] ينتظر، ولا كذلك المطر.
والأظهر عند الإمام: الأول، وإن لم يتفاحش الوحل.
قال: والريح الباردة في الليلة المظلمة؛ لما روى البخاري ومسلم، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح؛ فقال عليه السلام: "ألا صلوا في الرحال".
أما الريح الباردة في النهار فليست بعذر في تركها عند الجمهور.
وحكى مجلي وجهاً آخر: أنها عذر فيها.
قال: ومن له مريض يخاف ضياعه؛ أي: قريباً كان، أو أجنبياً، أو قريب يخاف موته؛ لأن ذلك يسقط حضور الجمعة؛ كما ستعرفه؛ فالجماعة أولى؛ ولأن المشقة في ذلك فوق مشقة المطر، وهي تجوز الترك.
قال: ومن حضره الطعام ونفسه تتوق إليه؛ لما روى مسلم، عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قرب العشاء، وحضرت الصلاة فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم".
وروى أيضاً عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا [و] هو يدافع الأخبثين".
وهذه المسألة مصورة في الحاوي وغيره بما إذا حضر الطعام عشاء، أو غداء، ونفسه تتوق إليه، وكان [بحيث] إذا تشاغل بأكل تمرة، أو تمرتين، أو لقمة، أو لقمتين فاتته الجماعة- فإنه يعذر بذلك، ويكمل [أكله] إذا لم يخش منه فوات الوقت.
أما إذا كان لا يفوته مع تناول اللقمة واللقمتين الجماعة؛ فلا تسقط عنه؛ لأن سورة الجوع قد انكسرت بتناول ذلك؛ فلا يُتِمّ طعامه حتى يصلي.
قال الإمام: اللهم إلا أن يكون مما يستوفي في دفعة واحدة؛ كالسويق واللبن يشرب.
والحكم فيما إذا لم [يكن بحضرة] الطعام، وكانت نفسه تتوق إليه- كما لو حضره؛ لوجود المعنى، وهو [ترك] الخضوع المطلوب في الصلاة، وإنما أراد الشيخ التبرك بالخبر.
قال: أو يدافع الأخبثين؛ لخبر عائشة- رضي الله عنها- السابق، وليس
المراد أن يجتمعا، بل المراد [أنه] متى وجد أحدهما، كان عذراً، والحكم فيما لو كان يدافع الريح كذلك.
ومدافع الغائط يقال له: حاقب، ومدافع البول يقال له: حاقن؛ قاله في "الغريبين"، ومدافع الريح يقال له: حازق؛ حكاه القاضي الحسين.
قال: أو يخاف ضرراً في نفسه؛ مثل: أن يخاف من ظالم، أو [فوت] القافلة، والسير معهم، ونحو ذلك، أو ماله؛ أي: مثل: أن يكون قد نسي باب داره مفتوحاً، وإذا رجع لغلقه [فاتته] الجماعة، أو كان يحرس متاعه، ولا يتمكن أن يمضي ويتركه، أو كان له مال؛ فخرج في طلبه [ولو لم يبتدر ذلك لفات]، ونحو ذلك.
والأصل فيه: قوله عليه السلام في الحديث السابق: "خوف، أو مرض"، وقد دخل فيما ذكرناه من عليه دين، وهو معسر عن وفائه، ويخاف أن يحبس عليه، وهل يدخل في قول الشيخ: "أو يخاف ضرراً [في نفسه] " من [عليه] قصاص ويخشى أن يمسك؛ فيستوفي منه، أم لا؟ فيه كلام استوفيناه في باب صلاة الجمعة.
وقد ألحق الأصحاب بهذه الأعذار غيرها:
فمنها: ما إذا كان [قد أكل ما له] رائحة كريهة، وعجز عن دفع ذلك: كالثوم والبصل قبل الطبخ؛ لقوله عليه السلام: "من أكل من هاتين الشجرتين، فلا يقربن مصلانا" يعني: الثوم والبصل، أما إذا [كان قد] أمتهما طبخاً، وأكلهما، لم يكن ذلك عذراً في الترك.
ومنها: الحر الشديد، عده ابن الصباغ منها، وصورته: أن تقام [الجماعة]
في وقت الحر من غير إبراد.
قال في "الكافي": ولم يكن في طريقه كن يمشي فيه إليها.
والقاضي أبو الطيب جعل شدة الحر عذراً في تأخير [الجماعة]، لا في تركها؛ للخبر المشهور.
ومنها: البرد الشديد؛ كما قاله في "التهذيب"، ولم يفرق فيه بين الليل والنهار.
ومنها: أن يخاف إذا حضر وانتظر إقامة الصلاة أن يغلبه النوم؛ قاله الروياني وغيره.
ومنها: أن يكون عارياً في بيته؛ قاله الفوراني والغزالي.
قال الرافعي: ولا فرق في ذلك بين أن يجد ما يستر عورته، أو لا.
وهذا يندرج تحت قول الشيخ: "أو يخاف ضرراً في نفسه".
ومنها: حصول الزلزلة؛ كما قاله الماوردي.
واعلم أن هذه الأعذار؛ كما تنفي الحرج عن التارك تحصل له فضيلة الجماعة وإن صلى منفرداً؛ إذا كان قصده الجماعة [لولا العذر؛ للأخبار] الواردة في ذلك؛ قاله الروياني في "تلخيصه"، ويشهد له ما رواه أبو داود، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ فأحسن وضوءه، ثم راح فوجد الناس قد صلوا- أعطاه الله [مثل] أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً".
أخرجه النسائي.
ثم حصر الأصحاب الأعذار فيما ذكرناه مفهم أن الرق ليس بعذر في ترك الجماعة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين في باب كفارة [يمين] العبد بعد أن يعتق أن للسيد [أن] يمنع [عبده] من حضور الجماعات، إلا ألا يكون له معه شغل، أو يقصد تفويت الفضيلة عليه [فحينئذ] لا يجوز له منعه منها.
قال: ومن أحرم منفرداً، ثم نوى متابعة الإمام؛ أي: من غير أن يقطع صلاته- جاز في أحد القولين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بأصحابه، ثم ذكر أنه جنب؛ فقال لهم: "كونوا كما أنتم"، ودخل واغتسل، وخرج ورأسه يقطر ماء، واستأنف الإحرام، وبقي القوم على إحرامهم.
فملا سبقوه بالإحرام، ولم يأمرهم باستئنافه؛ فقد خرجوا بعلمهم بجنابته من الإمامة؛ ودل [ذلك] على صحة صلاة من سبق الإمام ببعض الصلاة.
وقال الإمام: إن وجه الاستدلال منه أنا علمنا أنهم أنشأوا اقتداء جديداً؛ فإن اقتداءهم الأول لم يكن [صحيحاً.
وفيه نظر؛ لأن ظهور الإمام محدثاً لا يقدح في كون صلاة المأمومين] جماعة على الأصح؛ كما ستعرفه.
[و] لأن أبا بكر [الصديق] صلى بالناس عند ضعف رسول الله صلى الله عليه وسلم [بأمره]؛ فلما وجد النبي صلى الله عليه وسلم خفة خرج يتهادى بين [اثنين] العباس وعلي، والقوم في الصلاة؛ فوقف عن يسار أبي بكر، وصلى بالناس، وأبو بكر يبلغ عنه.
ووجه الدلالة منه: أن أبا بكر [صار] مأموماً بعدما كان إماماً، والإمام في حكم المنفرد؛ [لأنه لا يتبع غيره.
ولأنه لما جاز أن يكون منفرداً ثم يكون إماماً بأن يأتي من يقتدي به- جاز أن يكون منفرداً]، ثم يكون مأموماً؛ لأن الجماعة تتوقف على المأموم كما تتوقف على الإمام.