كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[قلت: والطريقان يمكن تخريجهما على أن ذلك يعينها أم لا؟ فإن قلنا: يعينها] تبعها الولد قطعاً، وهي الطريقة الثانية.
وإن قلنا: لا تتعين، كان كولد المدبرة، فيجيء فيه الوجهان.
وقد حكى الماوردي، وابن الصباغ، وغيرهما فيما إذا التزم هدي شاة في الذمة، ثم عينه في شاة- تعينت، وإذا ولدت، فهل يلزمه سوق الولد أم لا؟ فيه وجهان:
وجه المنع: أن التعيين غير مستقر؛ إذ قد تعينت؛ فلا يسقط الوجوب بها؛ فلم يكن النتاج تابعاً لها، ومن هذا يؤخذ أنه إذا عين معيبة للضحية ابتداء، وولدت- لا يذبح ولدها معها.
وقياس النص في أن ملكه قد زال عنها يقتضي ذبحه معها.
ولو ماتت الأم في مسألة الكتاب قبل الزكاة، وبقي الولد- لزمه ذبحه، إن كان قد قال: "جعلت هذه أضحية".
وإن كان قد قال: "لله علي أن أضحي بشاة"، أو "أهدي شاة"، ثم عين شاة، وقلنا بالتعين، فهل يلزمه ذبحه أم لا إذا قلنا: بتبعيته لها مع البقاء؟ فيه وجهان في "الشامل" وغيره، ذكرناهما في باب النذر:
والأصح: لزوم ذبحه.
فرع: إذا ذبح معها الولد، وقلنا: يجوز الأكل منها، كما سيأتي، وأنه لا يجوز أن يأكل الكل، فهل يجب عليه التصدق منها، أو يكفيه التصدق من أحدهما خاصة؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها المراوزة، والماوردي: ثالثها: إن تصدق من "الأم" جاز، وإن تصدق من الولد لا يجزئه؛ قاله الرافعي.
والوجهان الآخران مشتركان في جواز أكل جميع الولد، والذي أورده الغزالي أصح.
وذكر الروياني: أن المذهب الأول.
قال الرافعي: وإذا ضحى بشاة، فوجد في بطنها جنيناً، فيمكن أن يطرد فيه هذا الخلاف، ويمكن أن تقطع بأنه بعضها.
قال: وله أن يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها، لقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ ....﴾ الآية [الحج: 33].
وقد رأى عليُّ رجلاً يسوق بدنة معها ولدها، فقال: "لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، وإذا كان يوم النحر، فانحرها وولدها"، وليس يعرف له مخالف.
نعم: قال الشافعي: "لو تصدق به على المساكين، كان أحبَّ إليَّ".
فلو لم يفعل، قال في "الحاوي": فالأفضل أن يسلك فيه مسلك اللحم، فيشرب منه، ويسقي غيره، فإن [لم يفعل و] شرب جميعه جاز، وإن كرهناه.
فإن قيل: اللبن من نمائها، كالولد؛ فلم أجزتم [له] شربه دون التصرف في الولد؟
قلنا: قد حكى ابن كج عن تخريج أبي الطيب بن سلمة منعه من ذلك.
[لكن] الذي حكاه [العراقيون، و] القاضي الحسين- هنا- عن النص الأول، وفرقوا- كما قال ابن الصباغ، وأبو الطيب في باب الهدي- بثلاثة فروق:
أحدها: أن بقاء اللبن معها يضر بها ويؤذيها، وبقاء الولد لا ضرر فيه؛ فلهذا جوز له أخذ اللبن وإتلافه.
والثاني: أن اللبن يستخلف مع الأوقات، فما يتلفه يعود غيره؛ فجرت فيه المسامحة.
والثالث: أن اللبن لو جمعه لفسد، وبطلت منفعته، فجوز له شربه.
وأما المراوزة فاختلفوا فيه:
فجزم الفوراني بمنع الشرب من الهدي الواجب، وقال في المتطوع به: إن كان يضر [به]، لم يجز أيضاً، وإلا فطريقان:
منهم من قال: يجوز كلحكمه.
ومنهم من جعله كالركوب على وجهين.
والقاضي الحسين قال في المنذور: إن قلنا: لا يجوز ركوبه، فشرب لبنه أولى، وإلا فوجهان.
والفرق: أن الركوب لو ترك تتعطل المنافع، ولا يصل إليهم شيء بدله، ولو ترك شرب اللبن انتفع الفقراء بتركه.
وقال في "التتمة": شرب اللبن ينبني على أكل اللحم، فإن لم نجوزه، لم يشرب اللبن، وينقل لبن الهدي إلى مكة إن تيسر، وأمكن تحقيقه، وإلا تصدق به على الفقراء.
وإن جوزنا الأكل، فيشرب اللبن.
وقضية بناء شرب اللبن على اللحم أن يقال: إذا جوزنا له شرب اللبن، لا يستوعبه، بل يترك بعضه، كما سيأتي في اللحم، وقد صرح به القاضي الحسين في هذا الكتاب عن بعض الأصحاب، وعليه جرى الإمام، فقال: لبن الشاة المعينة بمثابة لحمها [لو ضحيت]، ولعل الظاهر جواز استيعاب اللبن بالتعاطي إذا جوزنا الأكل من لحمها.
أما إذا كان لبنها لا يفضل عن ولدها، فلا يجوز له شرب شيء منه بحال؛ لأثر علي، كرم الله وجهه.
ولأنه غذاء الولد، والولد كالأم، فكما لا يجوز أن تمنع الأم علفها، لم يجز أن يمنع الولد غذاءه، بل قال الأصحاب: لو كان لبنها دون غذاء الولد، وجب عليه تكميل غذائه من غيرها، حكاه الماوردي.
وحكم جميع اللبن بعد فقد الابن أو غناه عنه حكم الفاضل عنه.
قال: وإن كان صوفها يضر بها إلى وقت الذبح، جاز له أن يجزه؛ لانتفاعها به، وينتفع به، قياساً على اللبن.
والأفضل- كما قال الأصحاب- أن يتصدق به.
وقد أطلق الشافعي- رضي الله عنه- القول بأنه لا يجز صوفها، وهو محمول على ما إذا كان بقاؤه غير مضر بها، أو ينتفع به في دفع حر أو برد.
وقال القاضي الحسين: إن حكمه حكم اللبن، وإن الصحيح أنه يتخذه لبداً، ويتصدق به على الفقراء.
قال: ولا يأكل من لحمها شيئاً؛ لأنه إراقة دم واجب؛ فلم يجز الأكل منه، كالدم
الواجب في الإحرام بسبب قران، أو تمتع، أو جزاء صيد، أو جبران، وهذا قول أبي إسحاق.
[قال القاضي أبو الطيب في تعليقه] في باب دخول مكة: وعليه نص الشافعي، رضي الله عنه [في مختصر الحج].
فعلى هذا: لو أكل منه شيئاً، ضمنه، وفيما يضمن به ثلاثة أوجه، حكاها ابن الصباغ وغيره:
أظهرها عند الرافعي، ويحكى عن نصه في القديم: أنه يضمن قيمة ما أكل.
والثاني: يشارك به في ذبيحه أخرى.
والثالث: يضمنه بمثله من اللحم، واختاره في "المرشد".
[قال]: وقيل يجوز؛ لأن النذر يحمل على المعهود في الشرع، والمعهود شرعاً في الأضحية جواز الأكل منها، وهذا قول أبي إسحاق المروزي، كما قال أبو الطيب في باب دخول مكة، وأنه تأول كلام الشافعي.
فعلى هذا يكون الحكم في قدر ما يأكله كالأضحية المتطوع بها، قاله البندنيجي، والبغوي، وغيرهما.
وهذا الخلاف جار في الهدي المنذور أيضاً، صرح به الماوردي، وأبو الطيب.
ومنهم من قال: لا يجوز الأكل من الهدي، ويجوز من الأضحية؛ حملاً لكل [واحد] منهما على المعهود شرعاً، وهذا قول الخضري، كما قال القاضي الحسين، ويوافقه قطع الشيخ أبي حامد والبندنيجي بأنه لا يجوز الأكل من الهدي المنذور.
[فإن قيل]: ما محل الخلاف المذكور؟ وما الصحيح منه؟
قلنا: أما محله، فقد اختلف فيه الأئمة:
فمنهم من أطلقه، كما فعل الشيخ، وظاهر إطلاقه يقتضي التسوية بين المنذورة على سيل المجازاة، أو على وجه التبرر؛ إذا ألزمناه، وبين الملتتزم المعين والمرسل.
وممن جرى على الإطلاق المذكور الغزالي، والبندنيجي، والماوردي في باب دخول مكة، وكذا هنا، وقال: إنه إذا قال: جعلت هذه الشاة أضحية، أو هدياً؛ فله أن يأكل منها، ولم يحك غيره، وهو الذي حكاه الفوراني في الهدي.
وقال الرافعي: إن كثيراً من معتبري الأصحاب فصَّلوا [فقالوا:] محل الخلاف إذا قال: "جعلت هذه الشاة- مثلاً- أضحية"، أو كان نذر تبرر، وهو الذي لم يعلق على شيء وألزمناه به ما نذر، أما إذا كان نذراً معلقاً على أمر يطلبه: كشفاء المريض، ووجد شرطه، فلا يجوز أن يأكل منها، وجهاً واحداً، كما لا يجوز أن يأكل من جزاء الصيد، وهذا ما صرح به القاضي أبو الطيب في باب الهدي في نذر التبرر والمجازاة، واقتضاه كلامه في قوله: "جعلت هذه الشاة أضحية"، كما صرح به في باب دخول مكة، وأنهم قالوا: لو التزم في الذمة التضحية على وجه التبرر، ثم عين [في] واةحدة عما عليه، فهل يجوز الأكل منها إذا ذبحها؟ ينبني ذلك على جواز الأكل من المعينة ابتداء، فإن لم نجوزه [ثَمَّ] فهاهنا أولى، وإن جوزناه فوجهان، أو قولان.
والفرق: أن ما في الذمة آكد، ألا ترى أنه إذا عين [عنه] شاة، فهلكت، لم تبرأ ذمته، والمعينة ابتداء إذا هلكت، برئت ذمته.
وأيضاً: فإن ما ثبت في الذمة، ثبت لغيره، وما لا يتعلق بالذمة لا يبعد أن يكون هو فيه كغيره.
قلت: وقضية هذا البناء أن يكون في الأكل من المعينة ابتداء على وجه التبرر، وجهان، وفي المعينة بعد الالتزام في الذمة طريقان:
إحداهما: القطع بالمنع.
والثانية: إجراء الوجهين فيه.
وقد عكس الفوراني [ذلك]، فقال: إذا قال: "لله علي أن أهدي شاة فذبح شاة"، فهل له أن يأكل منها؟ فيه وجهان.
وإن قال: "لله علي أن أهدي هذه الشاة"، فهل له أن يأكل [منها]؟ فيه طريقان:
منهم من خرجه على الوجهين في الصورة قبلها.
ومنهم من قطع بالأكل، كما لو قال: "جعلتها هدياً".
وأما الصحيح منهما، فقد قال في "المرشد": إنه الأول، وادعى المحاملي في صورة نذر التبرر: أنه المذهب.
وقال الماوردي في باب الهدي: إنه أقرب إلى منصوص الشافعي، رضي الله عنه.
والذي رجحه القفال، والإمام، وقال في "العدة" فيها- أيضاً-: إنه المذهب الثاني، ونسبه الماوردي في باب الهدي إلى أبي إسحاق، وفي باب دخول مكة إلى كثير من أصحابنا.
وقال الرافعي: يشبه أن يتوسط، فيرجح في المعين الجواز، وفي المرسل المنع، سواء عين عنه ثم ذبح المعين، أو ذبح بلا تعيين؛ لأنه عن دين في الذمة كجبرانات الحج.
قال: وإلى هذا ذهب الماوردي، وعليه ينطبق كلام الشيخ أبي علي، وما ذكره عن الماوردي قد رأيته في "الحاوي".
قال: فإن تلفت- أي: قبل إمكان ذبحها من غير تفريط- لم يضمنها؛ لأنها وديعة عنده.
وفي "الحاوي" في كتاب النذر حكاية وجه آخر: أنه يضمنها.
والمشهور: عدم الضمان.
وهكذا الحكم فيما إذا ضلت من غير تفريط منه قبل أيام النحر من طريق الأولى؛ لإمكان وجودها، ولا يجب عليه في هذه الحالة طلبها إن كان لتحصيلها مؤنة، وإلا وجب.
وكذا لا يضمنها إذا تعيبت من غير تفريط، وقد روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قلت: يا رسول الله، إني أوجبت أضحية، فأصابها العوار، فقال: "ضح بها".
نعم: اختلف أصحابنا في أنه إذا ذبحها تكون أضحية، أم لا؟
فقال أبو جعفر الإستراباذي: لا تكون أضحية شرعية، لأنه لو تعذر أن تصل إلى محلها، نحرها في موضعها، ولا تكون أضحية، لذلك العيب.
قال البندنيجي: والمذهب الأول، وما ذكره أبو جعفر، فقد غلط فيه؛ فإنه لا فرق بين أن تتعيب أو لا تبلغ محلها، فإنه ينحرها على صفتها، وتكون [أضحية] شرعية.
وعلى هذا يختص ذبحها بأيام النحر، فلو خالف، وذبحها قبله، تصدق باللحم، وعليه التصدق بقيمتها أيضاً، ولا يجب أن يشتري بها أضحية أخرى، قاله في "التهذيب".
وهكذا [الحكم] فيما إذا لم يذبحها حتى مضت أيام النحر مع إمكان الذبح [فيها]، قاله القاضي الحسين.
أما إذا تلفت بتفريط منه، ضمنها، كما لو أتلفها.
ولو ضلت بتفريط منه في حفظها قبل أيام النحر، [فعليه طلبها، فإن فاتت ضمنها.
ولو علم أنه يجدها بعد أيام النحر]، لزمه بدلها في أيام النحر، ولم يجز أن ينتظرها بعد فوات زمانها، فإذا وجدها بعد فوات الزمان، لزمه أن يضحي بها [أيضاً]، فيصير التفريط ملزماً للأضحيتين؛ كذا قاله الماوردي وغيره.
وفي "الوسيط": أنا إذا أوجبنا عليه البدل، وقد ضحاه ففي انفكاك الضالة قولان، حكاهما القاضي الحسين وجهين:
أحدهما: تنفك؛ إذ لا وجه للتضعيف، وقد ضحى بالبدل، وهذا ما صححه في "التهذيب".
والثاني: أنه يضحي بها أيضاً؛ لأنها الأصل.
وإن لم يكن قد ضحى بالبدل، اقتصر على الأصل إلا أن يكون قد عين البدل بلفظه، فأي الشاتين يذبح؟ فيه أربعة أوجه: أحدها: الأصل، وهو الذي أورده الماوردي.
والثاني: البدل.
والثالث: كلاهما.
والرابع: يتخير أيهما شاء.
وهذا الكلام ظاهره أنه مفروض فيما إذا كانت الضالة معينة ابتداء.
والإمام أورده فيما إذا كانت الضالة معينة ابتداء.
والإمام أورده فيما إذا نذر شيئاً في الذمة، ثم عينه في شاة، وقلنا بالتعيين، فضلت، فهو كما لو تلفت، وفي وجوب البدل وجهان:
فإن أوجبنا البدل، وضحاه، [ثم وجد] الأصل، فهل يلزمه ذبحه؟ فيه قولان، حكاهما الفوراني- والصورة هذه- وجهين.
ولو لم يضح بالبدل، لكنه عينه، وهو بعد باق، ثم وجد الضالة، ففيه الأوجه الأربعة.
ولو وجد الأصل قبل أن يعين البدل، لم يلزمه غيره؛ قاله الفوراني.
ولو لم يوجد منه تفريط في ذبحها حتى ضلت، لكنه أخرَّ ذبحها عن يوم النحر، وضلت في أيام التشريق، فهل يكون ذلك تفريطاً منه في حفظها حتى يضمنها، ويلزمه مؤنة طلبها أم لا؟ فيه وجهان في "الحاوي".
ولو قصر في الذبح حتى عابت ذبحها، وتصدق بلحمها، وعليه ذبح بدلها.
قال: وإن أتلفها ضمنها، كالمودع إذا أتلف الوديعة، ويخالف ما إذا قال: "لله علي أن أعتق هذا العبد، فأتلفه، لا يضمنه؛ لأن الحق في عتق العبد له، فإذا فات لم يبق له مستحق، والأضحية للفقراء، وهم باقون بعد تلفها.
وأيضاً: فإن العبد لم يزل الملك فيه بالنذر- كما تقدم- بخلاف الأضحية.
قال القاضي الحسين: وقد قال القفال: يحتمل في مسألة العبد أن تكون على وجهين، إذا قتله الناذر أو غيره:
أحدهما: عليه، وعلى غيره القيمة.
والثاني: لا شيء عليه، وإذا أتلفه غيره فالقيمة للناذر.
قلت: ويمكن تخريج ذلك على أنه يزول الملك عنه بالنذر أم لا، كما سبق.
قال: بأكثر الأمرين من قيمتها- أي: وقت الإتلاف- أو أضحية مثلها-
أي: وقت الذبح؛ لأن الأكثر إن كان القيمة، فضمانها ظاهر؛ لأنه لا يتقاعد عن الأجنبي، وإن كان المثل؛ فلأنه قد التزم الإراقة والتفرقة، وقد [فوتهما فضمنهما].
وقيل: يلزمه القيمة بكل حال، كالأجنبي، حكاه المراوزة.
والصحيح الأول، والفرق ما ذكره.
تنبيه: قوله: "بأكثر الأمرين من قيمتها، أو أضحية مثلها" كذا وقع في "التنبيه"، وسائر كتب الفقه مثل هذه الصيغة، والأجود حذف الألف، وتبقية الواو؛ لأنها على تقدير إثبات الألف، يكون معناه: أكثر الأمرين من قيمتها أو أكثر الأمرين من أضحية [مثلها]، ومعلوم أن هذا ليس بمنتظم؛ فوجب حذف الألف.
قال: فإن زادت القيمة على مثلها، أي: ولم يمكن أن يشتري بها أضحية كاملة، تصدق بالفاضل- أي: نقداً- لأن الأضحية لها مقصودان، فإذا تعذر أحدهما، سقط اعتبار الآخر، كالمعلق بشرطين، إذا فقد أحدهما، كان بمنزلة فقدهما جميعاً، وهذا قول أبي إسحاق، واختاره في "المرشد".
وقبل: يشتري به اللحم، ويتصدق به؛ لأن إراقة الدم واللحم مقصودان، والإراقة تشق؛ فتسقط، وتفرقة اللحم لا تشق؛ فتجب.
وقبل: يشارك به في ذبيحة أخرى، أي: وإن كان ذلك الجزء لا يجزئ في الأضحية، كما إذا كانت الذبيحة شاة؛ كما صرح به الإمام، وسيأتي في كلام غيره؛ لأن الإراقة مستحقة، فإذا أمكنت، لم تسقط؛ وهذا ما قال البندنيجي: إنه المذهب.
وهذه الأوجه قد حكاها القاضي أبو حامد في جامعه.
أما إذا أمكن أن يشتري بالزائد عن القيمة هدياً كاملاً، لزمه ذلك وجهاً واحداً، ولا فرق بين أن يكون من جنس ذلك، أو من غير جنسه، كما صرح به أبو الطيب وغيره.
ولو تعذر شراء جزء من ذبيحة، قال في "الشامل": فينبغي أن يكون فيه وجهان:
أحدهما: يتصدق به نقداً.
والثاني: يشتري به اللحم.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا يناله من الفاضل شيء، وهو المذكور في "البحر" عن العراقيين، وإن صاحب "الإفصاح" وجهه بأنه قد تعدى فيه.
والأصحاب قالوا: هو كما لو عطب عليه بدنة من الهدي ذبحها، ولم يأكل منها شيئاً، وإن كانت لو سلمت حل له أكلها؛ حسماً للتهمة، كذلك هذه الزيادة، وهذا قد حكاه الرافعي وجهاً عن رواية أبي علي الطبري بعد أن قال: إن الشافعي استحب أن يتصدق بالفاضل الذي لا يفي بشاة أخرى، ولا يأكل منه شيئاً، وفي معناه البدل الذي يذبحه.
وقال في "الحاوي": إن قلنا: إنه يصرف ذلك في سهم من أضحية، كان في ذلك السهم كأهل الضحايا، وإن قلنا: إنه يشتري به لحماً، أو يصرفه نقداً، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يسلك به مسلك الضحايا- أيضاً- فيكون فيه بمثابتهم.
والثاني: يختص به الفقراء.
وحكى القاضي الحسين وغيره من المراوزة وجهاً: أنه يجوز له أن يمسك.
الفاضل، ويتخذ منه خاتماً أو غيره، كما له أن يمسك جلد الضحية ينتفع به.
ولو كان المتلف لها أو للهدي أجنبياً بغير الذبح، لم يلزمه غير القيمة وجهاً واحداً، ثم إن كانت القيمة غير زائدة ولا ناقصة عن المثل، اشتراه، لكنه إن اشتراه بعين المأخوذ، صار أضحية [وهدياً] بنفس الشراء، [وهذا] إن لم ينو [به] الأضحية والهدي، وإن اشتراه في الذمة، نوى بالشراء: أنه أضحية، أو هدي، ولا يحتاج بعد ذلك إلى إيجاب، قاله الماوردي.
وإن كانت القيمة أزيد من المثل، فالحكم فيه كما لو أتلفها الناذر؛ فتجيء الأوجه.
وإن كانت أنقص من المثل؛ لارتفاع الأسعار، فإن أمكن أن يشتري بها ما يجزئ في الأضحية ولو من غير جنسها، فعل، ولا يجزئه غيره.
فإن لم يمكن ذلك، فقد نقل الرافعي في كتاب الوقف: أنه لا يضحي به.
وقال القاضي أبو الطيب، وتبعه المصنف، وابن الصباغ: إن فيه الأوجه السابق.
وفي كتاب النذب من "الحاوي".
حكاية وجهين:
أحدهما: أنه يلزم الناذر تمام قيمة مثلها.
والثاني: لا يلزمه.
وعلى هذا ففيما [يفعل] بالمأخوذ وجهان:
أحدهما: يتصدق به نقداً.
والثاني: يشارك به في ذبيحة أخرى.
وحكى هنا الوجهين في ضمانة تمام القيمة، وقال: إذا [قلنا:] لا يضمنه، فحال القيمة المأخوذة، لا يخلو من خمسة أحوال: إحداها: أن يمكن أن يشتري بها من جنس تلك الأضحية ما يجوز أن يكون أضحية، وإن كان دون التالفة، مثل أن يكون قد أتلف ثنية من الضأن، ويمكن أن يشتري بالمأخوذ جذعة من الضأن، فعليه ذلك ولا يجوز أن يشتري بها ثنية من المعز.
والثانية: أن يكون ثمناً لدون الجذعة من الضأن، [وثمناً لثنية] من المعز، فعليه أن يشتري بها ثنية من المعز
والثالثة: أن يمكن أن يشتري بها دون الجذعة مما لا يكون أضحية، أو سهماً شائعا في أضحية، فعليه أن يشتري بها ما كمل [دون الجذعة]، وهو أولى من [سهم من أضحية].
والرابعة: أن يمكن أن يشتري بها سهماً شائعاً في أضحية، أو لحماً، فيشتري سهماً يف أضحية، ويخالف الزيادة؛ حيث يشتري بها في أحد الوجوه لحماً؛ لأن الزيادة بعد إراقة الدم، وهذه لم يحصل فيها إراقة دم.
والخامسة: ألا يمكن أن يشتري [بها] سهماً من حيوان، وأمكن أن يشتري بها لحماً، أو يفرقها ورقاً، فيجب أن يشتري اللحم، بخلاف الزيادة على أحد الوجوه؛ لأن اللحم هو مقصود الأضحية، وقد وجد في الزيادة مقصودها فجاز أن تفرق ورقاً، ولم يوجد في النقصان مقصودها فوجب أن يفرق لحماً.
أما إذا أتلفها بالذبح بدون إذن الناذر، نظر:
فإن كان قبل وقت الذبح، فالحكم كما إذا ذبحها في الوقت، وقلنا: لا تقع
الموقع، كما سنذكره.
وإن كان في وقته، فالمشهور الذي أورده العراقيون: أنها تقع الموقع.
وادعى القاضي الحسين: أنه لا خلاف في ذلك.
وقال الرافعي: إنه حكى عن القديم قولاً: أن لصاحب الأضحية، أن يجعلها عن الذابح، ويغرمه القيمة بتمامها؛ بناءً على وقف العقود، وهذا القول حكاه القاضي الحسين فيما إذا كان قد شراها بنية الأضحية.
وقال الإمام: إن وقوعها الموقع ينبني على اشتراط النية عند الذبح في المعينة، فإن اشترطت، لم تقع الموقع، ووجب على الذابح أرش ما بين قيمتها حية ومذبوحة، وفيما يصنع باللحم وجهان:
أحدهما: يصرف في مصارف الضحايا وإن لم تقع ضحية.
والثاني: أنه يصير ملكاً للناذر.
وإن لم تشترط النية؛ اكتفاء بالتعيين السابق، وقعت الموقع، وإن كان لا يجوز له الإقدام على الذبح بدون الإذن، وفي لزوم الأرش له قولان حكاهما القاضي الحسين أيضاً:
أصحهما- وهو المنصوص، والذي أورده المعظم-: نعم؛ لأن إراقة الدم مقصودة وقد فوتها.
والثاني: لا؛ لوقوعها موقعها، وهو ما ادعى الإمام أنه الأقيس.
وقال الماوردي: عندي أنه إن ذبحها وفي الوقت سعة، فعليه الأرش؛ لأنه لم يتعين ذبحه حينئذٍ، فإن ضاق الوقت، ولم يبق إلا ما يسع الذبح، فذبحها، فلا أرش عليه؛ لتعين الوقت.
وهذا الذي أبداه الماوردي لنفسه قد سبقه به صاحب "التلخيص"؛ فإن الرافعي حكى عنه في آخر [باب] اللقيط: أن الشخص إذا وجد بعيراً في الصحراء في أيام منى مقلداً، وخشي فوات وقت الذبح، جاز له ذبحه، ولا فرق بين الأضحية والهدي.
وإذا أوجبناه، ففيم يصرف؟ فيه وجوزه حكاها الماوردي:
أحدها: أنه للمضحي.
وثانيها: أنه للمساكين خاصة؛ لأنه بدل بعض الأضحية، وليس للمضحي من الأضحية إلا الأكل، وهذا ما أورده القاضي الحسين.
وأظهرها، وهو ما أورده ابن الصباغ، والمصنف؛ تبعاً للقاضي أبي الطيب: أن حكمه حكم الزائد من القيمة على المثل، [وقد تقدم].
وهذا إذا كان اللحم باقياً بحاله، أما لو كان الذابح قد أكله، أو صرفه مصرف الضحايا، فهو كما لو أتلفها فيضمنها، لكن بماذا يضمنها؟ فيه وجهان:
أحدهما: بالقيم، كما في صورة الإتلاف.
والثاني- وهو الذي رجحه الماوردي، وبه قال ابن أبي هريرة: أنه يضمنها بأكثر الأمرين من قيمتها وقيمة اللحم.
وروى بعضهم بدل الثاني: أنه يغرم أرش الذبح، وقيمة اللحم.
وعلى هذا جرى الإمام ومن تبعه، وقال: إن هاذ مما لا خلاف فيه، وإن أجرينا الخلاف في ضمان الأرش إذا لم يفرق اللحم، وإنما القولان فيه إذا اقتصر على الذبح، وترك اللحم [لصاحب الضحية].
قال: وليس يبعد عن القياس طرد القولين في ضمان الأرش في صورة تفرقة اللحم، فإن الضحية بالذبح وقعت موقعها، وتفرقته جناية على ضحية قد بلغت محلها.
وعن كتاب ابن كج: أنه تقع التفرقة عن المالك، كالذبح.
وما ذكرناه في الأضحية [يجري مثله] في الهدي.
والحكم في الأضحية والهدي المنذور في الذمة إذا عين شاة فذبحها أجنبي في يوم النحر، أو في الحرم، في وقوعها [موقعها] عن صاحبها، وفي أخذ اللحم، وتصدقه به، وفي غرامة الذابح أرش ما نقص بالذبح، على ما ذكرناه فيما إذا [كانت] معينة في الابتداء.
فإن كان اللحم تالفاً، قال صاحب "التهذيب": يأخذ القيمة، ويملكها، والأصل في ذمته.
قلت: وهذا يظهر أنه مفرع على أنَّ ما عينه عما في الذمة إذا تلف يعود الحق إلى ذمته، كما أورده الجمهور.
أما إذا قلنا: إنه إذا تلف، لم يلزمه شيء؛ فينبغي أن يكون حكمه حكم المعينة في هذا- أيضاً- ولا يكون في ذمته شيء.
ولو كان الذابح للأضحية المعينة مشتريها من الناذر، نظر:
فإن كان عالماً بفساد البيع، فالحكم كما تقدم.
وإن كان ظاناً صحته، قال القاضي الحسين: فلا خلاف أنه لا يقع عن المشتري، وهل يقع عن الناذر؟ فيه جوابان؛ بناء على ما [لو] باع المكاتب، وقلنا بعدم الصحة، فأدى النجوم إلى المشتري، فهل يعتق؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ لأن البائع الذي سلطه عليه، فصار نائباً من جهته كالوكيل.
والثاني: لا يعتق؛ لأنه يقبض لنفسه، بخلاف الوكيل.
فإن قلنا: يعتق المكاتب، وقعت الأضحية موقعها عن الناذر، [وإلا فلا.
والفوراني أطلق القول بوقوع الذبح عن الناذر البائع] وهل يغرم أرش النقص؛ فيه قولان ينبنيان على الأصل المذكور في المكاتب.
فإن قلنا: يعتق المكاتب، لم يغرم الذابح الأرش، وإلا غرمه.
قلت: ويظهر أن يكون هذا بناء على أنه لو ذبح بغير الإذن، يضمن الأرش.
وفي هذه الصورة إذا قلنا: لا تقع الضحية موقعها؛ إما على أحد الوجهين- كما ذكره القاضي- أو لكون الذبح وجد قبل وقته، إذا لم تف القيمة بمثلها، ضمن الناذر تمام قيمة المثل؛ لعدوانه بالبيع والتسليم والله أعلمز
قال: فإن لم يذبحها حتى فات الوقت، لزمه أن يذبحها؛ لما ذكرناه في أول الباب.
فإن قلت: لم كرر الشيخ هذه المسألة، وفيما ذكره [في] أول الباب غنية؟
قلت: يجوز أن يكون أراد بما ذكره [أولاً: ما إذا التزم التضحية بشاة في الذمة، وما ذكره] هنا إذا كانت معينة، كما هو ظاهر لفظه، فلا تكرار.
ويجوز أن تكون الصورة المذكورة أولاً وآخراً واحدة، [و] لكنه ذكرها أولاً لمعنى، وهو أن هذه العبادة مما يقضي الواجب منها دون التطوع، وذكرها آخراً؛ للاحتراز عن مذهب أبي حنيفة؛ فإنه يرى [أنه] إذا لم يذبح الناذر الضحية المعينة حتى فات الوقت، لا يجوز [له] ذبحها، بل يسلمها للفقراء حية، حتى لو ذبحها، ضمن أرش نقصها، وكثيراً ما يكرر البخاري الأحاديث لمثل ذلك؛ فكان له فيه أسوة.
وقد نجز شرح مسائل الباب ولنختمه بذكر فرعين:
أحدهما: هل يجوز صرف نصيب الفقراء من الأضحية إلى المكاتب؟ فيه وجهان:
الثاني: هل يتعين فقراء بلد الذبح للتفرقة؟
فيه وجهان، والله سبحانه أعلم.
باب العقيقة
العقيقة: قال الأصمعي: إنها في اللغة اسم للشعر الذي يوكن على رأس المولود.
قال أبو عبيد: وكذلك كل مولود من البهائم؛ فإن الشعر الذي يكون عليه حين يولد [يكون] عقيقة، وعِقَّة، والجمع: أَعِقَّة، وعقائق.
وأما في الشرع: فهي اسم لما يذبح يوم حلاق [رأس المولود] في السابع، وعبر عنها بالشعر؛ لأن العرب عادتها أن تعبر عن الشيء باسم ما يجاوره؛ كالغائط فإنه اسم للمطمئن من الأرض.
والعذرة: اسم لفناء البيوت، وأطلق ذلك على الفضلة المستقذرة؛ لأن العادة إخراجها في الغائط وفناء البيوت؛ فسموه باسمها.
وقد قيل: سميت بذلك؛ أخذاً من العق: وهو الشق والقطع؛ لأنه يشق رأس الشاة.
ويقال: عق عن ولده يَعُقُّ ويَعِقُّ.
قال: والمستحب لمن ولد له ولد أن يحلق رأسه ذكراً كان أو أنثى؛ لما روى الشافعي بسنده عن الحسين بن علي- رضي الله عنهما-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر فاطمة لما ولدت الحسن والحسين: أن تحلق شعورهما، وتتصدق بوزنه فضة، ففعلت ذلك.
وفعلته في سائر أولادها [الإناث].
قال: يوم السابع؛ لما روى الترمذي والنسائي وابن ماجه عن سمرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم السابع، وتحلق رأسه [ويسمى" وهذه الرواية هي الصحيحة كما قال أبو داود، وقد جاء في رواية أخرى "ويحلق رأسه] ويدمى"، وأن قتادة كان إذا سئل عن الدم: كيف يصنع به؟ قال: إذا ذبحت العقيقة، أخذت منها صوفة، واستقبلت بها أوداجها، ثم توضع على نافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد ويحلق، وهذا
مكروه عند الشافعي- رضي الله عنه- لقوله- عليه السلام-: "أميطوا عنه الأذى"، كما أخرجه البخاري موقوفاً ومسنداً تعليقاً، والترمذي مسنداً، وقال: إنه صحيح، والدم من أكبر الأذى، وحديث سمرة على هذا النحو ضعيف عند أهل الحديث، وإن صح فهو محمول- كما قال الماوردي- على ختانه في السابع إن قوى على ذلك، نعم: قال بعض الأصحاب: لو لطخ رأسه بزعفران ونحوه، فلا بأس، وبعضهم استحبه، وهو المذكور في "المهذب"؛ لما روى أبو داود [في سننه] عن [بريدة] قال: "كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام، ذبح شاة، ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الإسلام، كنا نذبح شاة، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران".
واستحبوا- أيضاً-: أن يتصدق بزنة شعره فضة؛ للحديث السابق.
وقال في "البحر": لو تصدق بالذهب فهو أحب إليَّ، وقال الغزالي وغيره: إنه يستحب أن يتصدق بزنته ذهباً.
واستحبوا- أيضاً- أن يسمى في السابع؛ للخبر السابق، وأن تكون تسميته بأحب الأسماء إلى الله تعالى، وهو: عبد الله، وعبد الرحمن؛ لما روى مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن"، ويكره أن يسمى: مانعاً، ويساراً، ونجاحاً، وفلاحاً؛ لورود النهي عن
ذلك، وكذا يكره تسميته باسم قبيح، فإن سمي به غيره.
ويكره الجمع بين التسمية باسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكنيته.
وحكى في "الروضة" عن الشافعي- رضي الله عنه- أنه لا يجوز التنكي بأبي القاسم، سواء كان اسمه: محمداً، أو غيره؛ للحديث الصحيح في ذلك.
ثم ابتداء السبع من يوم الولادة في قول الأكثرين؛ فيكون معدوداً من السبعة، وهو ظاهر النص.
وقال أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا: إنه من بعد يوم الولادة، وليس يوم الولادة معدوداً منها، وقد حكاه النواوي في "الروضة" عن نصه في "البويطي"، وأنه إذا ولد ليلاً حسب اليوم الذي يلي تلك الليلة قطعاً؛ نص عليه في البويطي أيضاً، والله أعلم.
قال: فإن كان غلاماً ذبح عنه شاتين، أي: في السابع- أيضاً- استحباباً، وإن كان جارية ذبح عنها شاة، أي: في السابع – أيضاً- استحباباً، والأصل في اعتبار العدد والإفراد ما روى أبو داود عن أم كرز الكعبية قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عن الغلام شاتان مثلان، وعن الجارية شاة"، وأخرجه ابن ماجه وكذا الترمذي.
.....................................
مختصراً، وقال: إنه صحيح، وهذا الخبر محمول على الندب والاستحباب دون الوجوب؛ لرواية أبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة [فقال]: "لا يحب الله العقوق"، كأنه كره الاسم، وقال: "من ولد له ولد، فأحب أن ينسك عنه، فلينسك عن الغلام شاتين مكافئتين]، وعن الجارية شاة"، فعلقها بمحبته.
والأصل في اعتبار ذلك في السابع الخبر السابق، وهذا في الأفضل، وأما الجواز فالشاة الواحدة يتأدى بها سنة العقيقة في الجارية والغلام؛ لأنه- عليه السلام- عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً.
كذا رواه أبو داود عن ابن عباس، وادعى
الغزالي الاتفاق على الإجزاء.
ويجوز الذبح بعد يوم الولادة وقبل السابع، وكذا بعد السابع كما قاله ابن الصباغ وغيره، وقال في "العدة" و"الحاوي": إنه لو أخرها عن السابع كانت قضاء مجزئة عن سببها، ويختار ألا يتجاوز بها مدة [النفاس، فإن تجاوز ذلك، فيختار ألا يتجاوز بها مدة الرضاع، فإن تجاوز ذلك فيختار ألا يتجاوز بها مدة] الحضانة باستكمال سبع سنين، فإن أخرها فيختار ألا يتجاوز بها مدة البلوغ، فإن أخرها حتى بلغ، سقط حكمها في حق غيره، وكان الولد مخيراً في العقيقة عن نفسه، وليس يمتنع أن يعق الكبير عن نفسه، روى الشافعي بسنده أنه- عليه السلام- عق عن نفسه بعدما نزلت عليه سورة البقرة.
قال في "البحر": وحكى بعض أصحابنا أن الشافعي قال في "البويطي": "إذا بلغ قبل أن يعق عنه، لم يعق عن نفسه"، وهو غريب.
وقال في "الروضة": إنه رأي النص فيه، ولفظاً: "ولا يعق عن كبير"، وليس مخالفاً لما سبق؛ فإن معناه: لا يعق عنه غيره، وليس فيه نفي عقه عن نفسه.
وفي الرافعي: أن أبا عبد الله البوشنجي من أصحابنا قال: إن لم يذبح في السابع يذبح في الرابع عشر، وإلا ففي الحادي والعشرين.
وقيل: إذا [فاتت الأيام الإحدى والعشرين] فات وقت الاختيار.
ثم الشاة المجزئة في العقيقة هي الشاة المجزئة في الأضحية في السن والسلامة من العيوب التي تنقص اللحم، ولا فرق فيها بين الذكر والأنثى؛ لأنه جاء في رواية لأبي داود عن أم كرز عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يضركم ذكراناً كن أو إناثاً".
وفي "العدة" ما يشعر بوجه آخر: أنه يسامح فيها بالعيب.
وفي "الحاوي": أن في تأدية سنة العقيقة بما دون الجذع من الضأن والثنية من المعز وجهان: أحدهما: [لا] كما في الأضحية، وتكون ذبيحة لحم؛ لأنهما مستويتان، وقد قيد الشرع سن أحدهما؛ فيقدر به السن فيهما.
قال: وعلى هذا لو عين العقيقة في شاة، وأوجبها، وجبت كالأضحية، ولم يكن له أن يبدلها بغيرها.
والثاني: نعم، بخلاف الأضحية، لأن الأضحية آكد منها، لتعلقها بسبب راتب وأمرٍ عام؛ فجاز أن تكون في السن أغلظ منها، وعلى هذا لو عين العقيقة في شاة وأوجبها، لم تتعين، وكان على خياره بين ذبحها وذبح غيرها.
وهل تقوم البقرة والبدنة في ذلك مقام الشاتين؟ قال بعض الأصحاب كما حكاه في "البحر": [لا]، والأفضل فيها الغنم؛ لظاهر السنة.
ويقرب منه وجه حكاه- أيضاً- أن الزيادة على الشاتين في الغلام لا تستحب.
والأصح في "البحر" أن الإبل والبقر أفضل من الغنم فيها أيضاً، وهو المذكور في "الحاوي".
فرع: يستحب أن يقول عند ذبح العقيقة: "بسم الله، اللهم منك وإليك عقيقة فلان".
قال في "البحر": [وهذا إذا كان قد جعلها عقيقة قبل الذبح، أما إذ لم يجعلها عقيقة] [فقد] قال أصحابنا: لا بد أن ينوي عند الذبح: أنها عقيقة فلان.
فرع آخر: قال في "البحر": يستحب أن يكون الذبح صدر النهار عند طلوع الشمس.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين:
أحدهما: أن حلق رأس المولود يكون قبل الذبح عنه وهو الذي أورده البندنيجي، وحكاه في "البحر" عن النص وإن من الأصحاب من قال: يذبح، ثم يحلق، وهو المذكور في "المهذب" وقوة لفظ الخبر تعطيه، لكنه خلاف النص.
الثاني: أن المخاطب بالذبح عن المولود [وغيره الوالد] وهو في الاصطلاح الأب، لكن المراد من تنسب إليه الولادة، وهو من يلزمه نفقته في الجملة؛ كما صرح به غيره.
وقولنا: "في الجملة" احترزنا به عن الولد إذا كان غنياً؛ فإن نفقته لا تجب على غيره، ومع هذا لا تسقط سنة العقيقة عمن تجب عليه نفقته لو كان معسراً؛ كما صرح به الماوردي، بل تستحب في حقه.
نعم: يعتبر فيمن يجب عليه نفقته على الجملة اليسار وقت استحبابها وهو السابع، فلو كان معسراً في ذلك الوقت، ثم أيسر بعده، فإن كان بعد مدة النفاس سقطت عنه، وإن كان في مدة النفاس، قال الماوردي: احتمل وجهين:
أحدهما: يكون مخاطباً بسنة العقيقة؛ لبقاء أحكام الولادة.
والثاني: لا؛ كما لو أيسر بعد النفاس.
قال: ويستحب أن ينزع اللحم من غير أن يكسر العظم؛ تفاؤلاً بسلامة أعضاء المولود؛ فإنها أول ذبيحة تذبح عنه.
وقد قال- عليه السلام-: "إن الله يحب التفاؤل، ويكره التطاير"، فلو كسر
العظم، فهل يكون مرتكباً للمكروه؟ فيه وجهان في "العدة" والمذهب المنع.
ولو فصل العظم، لم يكن مرتكباً لمكروه بل فعل مستحباً؛ قاله ابن الصباغ.
قال: ويفرق على الفقراء؛ لأن المقصود بالذبح عود البركة إلى المولود، وذلك يحصل بالتفرقة على الفقراء، وفي معناهم المساكين؛ لأنهم فقراء بالنسبة إلى تتمة ما يحتاجونه.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين:
أحدهما: أن المستحب تفريق جميع اللحم على الفقراء إن كان قوله: "ويفرق على الفقراء" معطوفاً على قوله: "ويستحب أن ينزع اللحم".
وقد قال الأصحاب: إن حكم العقيقة في الأكل والتصدق حكم الأضحية؛ صرح به الماوردي في موضع من هذا الكتاب وغيره.
وقضية ذلك: أن يجب التصدق بشيء منها على المذهب، ويستحب أكل شيء منها على المذهب، ويأتي الخلاف فيما هو المستحب، هل هو الثلث أو النصف؟ ويؤيده قول الشافعي- رضي الله عنه- كما حكاه في "البحر": "ويأكل منها أهلها، ويتصدقون، ويهدون يعني: للأغنياء".
وعلى ما ذكرناه أنه مقتضى كلام الأصحاب ينطبق قول الإمام، ويتعين القطع بإجراء العقيقة مجرى الأضحية في: الأكل من اللحم، والتصدق، وامتناع البيع والاستبدال، واشتراط السلامة المؤثرة في إجزاء الأضحية، ولا فرق إلا أن الأضحية تتأقت بالأيام الأربعة، والعقيقة يدخل وقتها بولادة المولود.
وإن كان قوله: "ويفرق على الفقراء" كلاماً مبتدأ، اقتضى ظاهره إيجاب تفرقة الكل، ولم يصر إليه أحد؛ فتعين أن المراد الأول؛ وحينئذ فيكون الجواب: أنا قدمنا عن الغزالي وإمامه: أنه لو تصدق بجميع الأضحية، كان أحب إلا أن شعار الصالحين الأكل من كبد الأضحية وهذا لم يرد مثله هنا؛ فكان على عمومه.
الثاني: أنه يفرق اللحم نيئاً، ولا يطبخه، وهو الأولى، لأن آخذه يتمكن من الانتفاع به كيف شاء وأحب، لكن في "المهذب": أنه يستحب أن يطبخ.
وقال: في "التهذيب": إن المستحب ألا يتصدق به لحماً بل يطبخه، لكن بماذا يطبخ؟ حكى فيه وجهين:
أحدهما- وعزاه إلى النص-: أنه يطبخ بحموضة قال: وكأن الشافعي- رضي الله عنه- أخذه من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نعم الإدام الخل".
وهذا الوجه لم يحك القاضي الحسين عن الأصحاب غيره، لكنه قال: إذا أراد أن يطبخه طبخه بحموضة، فأشعر كلامه أنه مخير بين طبخه وتفرقته [على الفقراء لحماً].
والثاني: يطبخ بشيء حلو؛ تفاؤلاً بحلاوة أخلاق المولود، وهو الأظهر، ولم يورد ابن الصباغ وغيره سواه، وعلى هذا، فهل يكره طبخه بالحامض؟ فيه وجهان، وعن القاضي الطبري: أنه قال: العادة طبخه بالماء والملح، وعادة أهل "طبرستان" طبخه بالأرز، وهو حسن.
وفي "الحاوي": أن إيجاب التصدق من العقيقة، وجواز تفرقته مطبوخاً مبني على أنه: هل تتأدى سنة العقيقة بذبح ما دون الجذع من الضأن والثني من المعز؟ فإن قلنا بعدم تأدية السنة بذلك، وجب التصدق بشيء منها على الفقراء لحماً نيئاً، ولا يخص بها الأغنياء.
وإن قلنا: تتأدى بها السنة لا يلزمه أن يتصدق بشيء منها، ويجوز أن يخص بها الأغنياء، وإن أعطاه مطبوخاً، [جاز].
وسلك الإمام طريقاً آخر، فحكى عن الصيدلاني: أنه أطلق في مجموعه: أن الشاة تذبح وتطبخ ويفرق اللحم طبيخاً مع المرق، ثم قال: وهذا سديد إذا لم نوجب التصدق، وهو مستقيم فيما لا نوجب التصدق به، فأما المقدار الذي يجب التصدق به، فلا وجه إلا ما ذكرته، يعني: أنه لا يجوز إلا لحماً طرياً؛ كما في الأضحية.
وفي "الوسيط": أن الصيدلاني قال: يجوز التصدق بالمرق، ثم قال: وهذا إن أراد به أنه يكفي عن التصدق بمقدار من اللحم إذا قلنا: لابد منه- ففيه نظر.
وقال الرافعي: إن الذي رآه في مجموع الصيدلاني ما نقله الإمام [عنه].
وعلى كل حال، فإذا طبخ، فلا يتخذ عليه دعوة، بل يطبخ، ويبعث به إلى الفقراء؛ كما حكاه القاضي الحسين عن النص.
وفي "البحر": أن بعض أصحابنا بـ"خراسان" قال: إذا طبخ، ودعا عليه القوم، فلا بأس؛ وهذا ما ذكره الفوراني، وقد نجز شرح مسائل الباب، ولنختمه بفروع تتعلق به، منها:
لو مات المولود قبل أن يعق عنه، نظر: فإن كان موته بعد سبعة أيام وإمكان الذبح يذبح عنه؛ حكاه في "البحر" عن الأصحاب؛ لأنه استقر سببها بمضي وقتها.
وقال الرافعي: وقيل: إنها تسقط بالموت.
وإن كان موته قبل السابع، سقط حكمها؛ وهذا بخلاف التسمية؛ فإنه لو مات قبلها، استحبت بعده وإن كان موته قبل السابع، وكذلك يستحب تسمية السقط، لقوله- عليه السلام-: "سموا السقط".
ومنها: يستحب أن يحنك المولود بشيء حلو؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - "كان يحنك أولاد الأنصار بالتمر".
وقد روى أنس بن مالك أن أم سليم تلقت مولوداً، فبعثت به معي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدفعته إليه، فقال: أمعك شيء من التمر، فدفعت إليه تمرات، فأخذهن، فجعلهن في فيه، ولاكهن، ثم فغر فاه، فجعلهن فيه [ثم حنكه] بها فتلمظ الصبي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حبب للأنصار التمر"، وسماه: عبد الله، فكان أنجب غلام نشأ في الأنصار.
ومنها: يستحب أن يؤذن في أذنه اليمنى، ويقيم في اليسرى؛ لأنه روي ذلك عن بعض الصحابة، وقد روى أبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن في أذن الحسن، قال الترمذي: وهو حسن صحيح.
وقال في "البحر": إنه يستحب مع ذلك أن يقرأ في أذنه: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: 36]، [وهو المذكور] في "الإبانة" أيضاً، والله أعلم.
باب الصيد والذبائح
والأصل في حل ذلك من الكتاب قبل الإجماع آيات منها قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: 96]؛ فدل منطوقها على حل صيد البحر، ومفهومها على حل صيد البر في حالة عدم الإحرام؛ كما دل عليه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 1] وقد صرح به في أخرى، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2].
ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4] والمزكى من الطيبات، ومن السنة ما سنذكره.
قال: ولا يحل من الحيوان المأكول شيء من غير ذكاة؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3].
قال الماوردي: وفي الذكاة في اللغة ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها التطييب من قولهم: "رائحة ذكية"، أي: طيبة، فسمي به ذبح الحيوان؛ لما فيه من تطييب أكله.
والثاني: أنها القطع، فسمي بها ذبح الحيوان؛ لقطعه.
والثالث: أنها القتل، فسمي بها ذبح الحيوان؛ لقتله.
وقال في موضع آخر: في الذكاة في اللغة ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها التطييب، لكنها في الشرع: تطييب الذبيحة بالإباحة.
والثاني: أنها القطع، لكنها في الشرع: قطع على صفة [مخصوصة] [فصارت في الشرع قطعاً خاصاً، وفي اللغة قطعاً عاماً].
والثالث- وإليه أشار الشافعي- رضي الله عنه-: أنها القتل؛ لأنها لا تستعمل إلا في النفوس، لكنها في الشرع قتل في محل مخصوص فصارت أخص منها في اللغة.
قال الشافعي- رضي الله عنه-: وجماع ما قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾
[المائدة: 3]: قتلتم، ولكن كان مجوزاً أن يكون ببعض القتل دون بعض، فلما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67] دل على أن الزكاة المأمور بها الذبح دون غيره، وكان النحر في [معنى الذبح].
وقال النواوي: إن الذكاة والذكية معناهما عند أهل اللغة: التتميم، فإذا قيل: ذكى الشاة، فمعناها: ذبحها الذبح التام المبيح للأكل.
وإذا قيل: فلان ذكي، فمعناه: تام الفهم، وذكت النار تذكو؛ إذا استحكم وقودها، وأذكيتها أنا، والتذكية: بلوغ غاية الشباب والقوة؛ كذا نقله الواحدي وابن الأنباري وغيرهما.
قال: إلا السمك والجراد؛ لما روى ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان: الميتتان: الحوت، والجراد، والدمان: الكبد، والطحال"، ولا فرق في ذلك [في السمك] بين الصغير منه الذي يسرع موته بعد خروجه من الماء، أو يتأخر، لكبره، نعم: لو ذكى الكبير منه، قال الشافعي: لا أكره ذلك.
وقال الأصحاب: هل يستحب؟ فيه وجهان، والأصح في "الروضة" الاستحباب.
ولو ذكى غير الكبير، كره كما أفهمه النص، وصرح به في "الروضة".
وكذا لا فرق فيه بين ما مات في الماء أو خارج عنه بسبب أو غير سببن كما سنذكره في الأطعمة، نعم: هل يحل للشخص ابتلاع سمكة حية أو قليها؟ فيه وجهان: المنسوب لصاحب "التلخيص" الجواز، وهو المذكور في الوجيز والأظهر عند الرافعي؛ لأنه ليس فيه أكثر من قتلها، وهو جائز، وقد قيل: إنه ينفع من بعض العلل.
ومقابله: ينسب للشيخ أبي حامد، وهو "المختار" في "المرشد"، والأصح في "تعليق القاضي الحسين" و"النهاية"، لما فيه من التعذيب.
والوجهان مفرعان على أن السمك لا يخرج بهذا الفعل عن أن يكون حلالاً؛ كما هو المذهب في "النهاية"، والذي أورده الجمهور.
أما إذا قلنا بعدم الحل؛ كما قاله بعض الأصحاب؛ لأن الموت في السمك بمثابة
[الذكاة في المذكاة] من الحيوانات البرية، فلا يحل ابتلاعها جزماً من غير حاجة؛ كذا أشار إليه الإمام.
وكذا لا فرق بين أن يصطاده من يحل ذكاته أو لا: [كالمجوسي ونحوه].
فإن قلت: يرد على حصر الشيخ الجنين الذي يوجد في بطن الحيوان المأكول بعد الذبح ميتاً أو فيه حياة غير مستقرة؛ فإنه يحل من غير ذكاة؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] وهي الأجنة التي ذكرناها؛ كما قال ابن عباس؛ لأنها أبهمت عن الأمر والنهي، ولم يبينه الشيخ.
قلت: [بل] ما حلَّ إلا بالذكاة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، كما أخرجه [الإمام] أحمد في المسند عن أبي سعيد الخدري، وهو يوقع الذكاة فيهما كما هو المحفوظ عن أئمة هذا الشأن؛ فتكون ذكاة الأم ذكاة الجنين.
ويؤيده أنه جاء في رواية عن مسدد أنه قال: قلنا يا رسول الله، [إنَّا] ننحر الناقة، ونذبح البقرة أو الشاة [فنجد] في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: "كلوا إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه"؛ وهذا يدحض تأويل من قال: إن الحديث
بنصب "الذكاة" الثانية، وإن تقديره: ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه؛ فيجب ذبحه إن أمكن، وإلا فلا يحل.
وقد حكى الإمام في باب الأطعمة أن شيخه كان يقول: لو كان الجنين لا يحل [بذكاة الأم]، لما جازت ذكاة الأم مع ظهور الحمل؛ كما لا تقتل المرأة قصاصاً [و] في بطنها ولد، فألزم ذبح رمكة وفي بطنها بغلة فمنع ذبحها، وهو محتمل، وما ذكره ظاهر.
نعم: يرد على الحصر ما لو خرجت رأس الجنين ميتاً، فذبحت الأم قبل انفصاله؛ فإنه يحل كما قاله البغوي؛ فإنا تحققنا: ألا ذكاة فيه.
على أن حله قد يمنع؛ كما سنذكره في الباب.
واليد الشلاء من الحيوان المأكول إذا ذبح هل تحل؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي في باب القصاص في الأطراف.
فإن قلنا بالحل، فذاك، لأنَّا لم نجرها مجرى الميتة؛ فحلت بالذكاة.
وإن قلنا بالتحريم نجعلها كالميتة؛ فلا ترد علينا، والله أعلم.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أمرين:
أحدهما: أن غير السمك من حيوانات البحر تشترط ذكاته؛ إذا قلنا: يحل أكله،
وهو وجه حكاه المراوزة.
والذي حكاه العراقيون- كما ستعرفه في باب الأطعمة- الجزم بالحل بدونها كالسمك.
والثاني: أن بعض السمكة إذا انفصل في حال حياتها حلال أيضاً؛ لأن ما أبين من حي، فهو ميت؛ كما نطق به الخبر، وميتة السمك حلال، وهو أحد الوجهين في المسألة، وسيستقصى الكلام فيها في باب الأطعمة قال: ولا تحل ذكاة المجوسي والمرتد ونصارى العرب وعبدة الأوثان.
اعلم أن كلام الشيخ يقتضي تحريم ذبائح المذكورين بمنطوقه، وحل ذبائح من عداهم، وهم المسلمون، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى من بني إسرائيل ونصارى العجم- بمفهومه، وسواء فيه ما هو حلال عندنا وعندهم [أو] عندنا وحرام عندهم: كالشحم، والإبل، كما صرح به غيره.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3]، وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: 5].
قال المفسرون: والمراد بالطعام في الآيتين الذبائح، وقد خرج أبو داود عن ابن عباس أنه قال: "فكلوا مما ذكر اسم الله عليه، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه"؛ فنسخ، واستثنى فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: 5] فقد دلت الآيتان على حل ذبائح المسلمين وأهل الكتاب، وتحريم ذبائح من عداهم.
وقد ورد النص بتحريم ذبائح المجوس؛ قال- عليه السلام-: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير آكلي ذبائحهم، وناكحي نسائهم".
و [أما] المرتدون ممن لا كتاب لهم قطعاً، فاستفدنا [تحريم] ذبائحهم من الكتاب، ولأنهم أسوأ حالاً من المجوس؛ فإن المجوسي تعقد له الذمة بخلاف المرتد.
ونصارى العرب- وهم "بهراء" "وتنوخ" "وتغلب"، كما سنذكرهم في باب ما يحرم من النكاح، وباب عقد الذمة- قد روى شهر بن حوشب "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذبح نصارى العرب".
وروى عن عمر أنه قال: "ما نصارى العرب بأهل كتاب، لا تحل لنا ذبائحهم".
وعن علي أنه قال: "لا تحل لنا ذبائح بني تغلب؛ لأنهم لم يأخذوا من دين أهل الكتاب إلا شرب الخمر وأكل الخنازير".
واختلف أصحابنا في علة تحريم ذبائحهم:
فقال قومُ: للشك في أنهم دخلوا في دين أهل الكتاب: أم لا؟ وعليه يدل قول علي.
وقال قوم: للشك في أنهم دخلوا في الدين بعد نزول الفرقان أم لا؟ وهذان أوردهما القاضي الحسين.
وقال ابن الصباغ والبندنيجي: لأنهم دخلوا في دين أهل الكتاب قبل النسخ وبعد التبديل، ولا نعلم هل دخلوا في غير المبدل؛ فيكون حكم حكمهم، أو فيه فلا، لأنهم دخلوا في دين لا حرمة له؛ فلم يتحقق الشرط في حقهم، والأصل التحريم؛ وبهذا فارقوا نصارى العجم.
وعبدة الأوثان أسوأ حالاً من المجوس، فمنع ذبائحهم من طريق الأولى، والزنادقة ملحقون بهم.
وقد حكى الفوراني وجهاً في حل ذبائح المجوس ونسائهم؛ بناء على أن لهم كتاباً ونسخ؛ كما سنذكر في باب ما يحرم من النكاح وغيره.
فروع: أحدها من أبوه وثني أو مجوسي، وأمه كتابية، لا تحل ذكاته، ولو كان أبوه كتابياً وأمه وثنية أو مجوسية، ففي الحل قولان كما في النكاح.
قال الإمام: والقول في تحليل الذبيحة يجاري القول في تحليل المناكحة لا يفترقان إلا في الأمة الكتابية؛ فإن نكاحها حرام، وذبحها حلال؛ لأنه لا أثر للرق في الذبيحة أصلاً؛ فهي كالحرة؛ بخلاف النكاح؛ فإن للرق فيه أثراً؛ فأثر انضمامه إلى الكفر.
ثم ما ذكرناه فيما إذا كانت الأم كتابية والأب وثنياً إذا لم يبلغ الولد، أما إذا بلغ ودان بدين أمه، فهل يكون حكمه حكم الأم أو حكم الأب؟ فيه وجهان حكاهما الإمام هنا وقال: الأصح الثاني.
[الثاني] من يقول من اليهود: عزير ابن الله، ومن النصارى: المسيح ابن الله، هل تحل ذكاته؟ فيه وجهان:
الأكثرون على الحل.
وقال الماوردي: الأظهر عندي مقابله، وبه أقول؛ لأن هؤلاء كالمرتدين فيما بين اليهود والنصارى، وليس هذا من أصل دينهم الحق.
[الثالث] إذا أكره مجوسي مسلماً على الذبح حل، وكذا لو أكره المحرم حلالاً على ذبح الصيد؛ قاله في "الروضة" عن إبراهيم المروزي.
وقال الرافعي: لو أكره مسلم مسلماً على الذبح، يمكن أن يقال: إن اعتبرنا فعله وعلقنا به القصاص، حلت الذبيحة.
وإن جعلناه كالآلة فكذلك هنا أيضاً؛ لأن المكره [كأنه] ذبح [قلت: وعلى هذا يظهر في مسألة إكراه المجوسي ألا يحل، وفيما لو أكره المسلم مجوسياً على الذبح أن يحل].
قال: وتكره ذكاة المجنون والسكران؛ لأنه يخاف من عدولهما عن محل الذبح ومبالغتهما في القطع إلى محل الكراهة، وهي مع الكراهة حلال؛ لأنهما من المسلمين، والقصد في الزكاة غير معتبر، دليله: ما لو قطع حلق شاة، وهو يظن: أنه خشبة؛ فإنه [يحل على] النص، وإن كان كلام البغوي يفهم حكاية وجه فيه، [وسنذكره]، ولفظ الشافعي- رضي الله عنه- في ذلك في كتاب الأضحية: وأكره ذبيحة السكران والمجنون في حال جنونه، ولا يتبين أنه حرام".
قال في "الحاوي": ووهم بعض أصحابنا، فخرج وجهاً أنه: لا تصح ذكاتهما: أما في المجنون فمن عمده في القتل، وأما في السكران فمن قوله في القديم: "إن طلاقه لا يقع".
وحكى القاضي الحسين الخلاف في المجنون قولين كما حكاهما في "الشامل" وغيره عن رواية القاضي أبي حامد والإمام في كتاب الأضحية عن رواية الصيدلاني بعد أن قال في هذا الباب: الوجه القطع بتحريم ذبيحته؛ لسقوط قصده، وإن في بعض التصانيف: أن المجنون إذا نظم الذبح على وجهه كان ذبحه مبيحاً، وهذا لم أره إلا في هذا الكتاب.
ثم قال القاضي: والأصح الحل، فإن قلنا به فذبيحة السكران بالحل أولى؛ لأنه مخاطب.
وإن قلنا بمقابله، ففي السكران قولان؛ بناء على طلاقه.
وكلام القاضي أبي حامد مشير إلى هذا الترتيب أيضاً.
وعن القفال: أن في ذبيحة المجنون قولين، وذبيحة السكران تحل قولاً واحداً.
ثم ما محل الخلاف الذي ذكره البغوي؟ إن محله إذا لم يكن لهما تمييز، فإن كان حلَّ، ولم يحك سواه.
وقال الإمام: إن المجنون إذا لم يكن له تمييز، فلا يحل، وإن كان له تمييز بحيث يتصور منه نظم الفعل، ففيه الخلاف السابق، ولعل الأصح المنع أيضاً.
ويقرب منه قول الفوراني، لكنه قال: الأصح الحل.
وقال في "البحر": وقيل الصحيح في المجنون إن كان له تمييز قليل، ويحسن إيراد الفعل وإصداره- تجوز ذبيحته؛ كالصبي الذي يعقل [عقل] مثله، وإن لم يكن له تمييز أصلاً، ولا يحسن الفعل؛ لمبالغة جنونه- لم يجز كالطفل.
[قال:] ويحتمل التفصيل في السكران على هذا الوجه، وهذا منه مشعر بأن الخلاف السابق في المجنون والسكران جارٍ، سواء كان له تمييز أو لا.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أن ذكاة المرأة جائزة من غير كراهة، وكذلك ذكاة الصبي والكتابي والأعمى والأخرس؛ لأنه لما ذكر من لا تحل ذكاته [ومن تكره] دل على حل ذكاة من عداهم من غير كراهة، وهذا في المرأة مما لا شك فيه، وقد استدل الأصحاب على حل ذكاتها بما رواه الشافعي- رضي الله عنه- مسنداً، وهو في البخاري: أن جارية لآل كعب كانت ترعى غنماً لهم، فمرضت منها شاة، فكسرت مروة وذبحتها، فسأل مولاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأجاز لهم أكلها.
وفي هذا الحديث مع ذلك أربع فوائد:
إحداها: أن الحائض يجوز ذكاتها؛ لأنه- عليه السلام- لم يستفصل.
الثانية: أن الشاة المريضة إذا خيف عليها يجوز ذبحها.
الثالثة: [أنه] إذا ذبح شاة غيره بغير إذنه، حلت.
الرابعة: أن الذبح بالمروة جائز، والمروة هي الحجر الأبيض؛ قاله أبو الطيب.
وفي "البحر": أن الأصمعي قال: إنه الذي تقدح به النار.
و [يستدل] على أنه لا كراهة في ذبحها بما روي أنه- عليه السلام- أمر نساءه أن يلين ذبح هديهن.
وفي "الحاوي" حكاية وجه في كراهة ذبحها للأضحية.
وأما الصبي فالمشهور حل ذكاته؛ استدلالاً بما روي عن جابر أنه قال: "تؤكل ذبيحة الصبي"، ولأنه محكوم بإسلامه، وإنما فقد قصده، وذلك لا يؤثر في الذكاة؛ فكان كالبالغ.
قال الماوردي: ووهم بعض أصحابنا، فخرج في ذكاته وجهاً: أنها لا تؤكل؛ من اختلاف قول الشافعي- رضي الله عنه- في قتله عمداً: هل يجري مجرى الخطأ؟ فإن جعل عمده خطأ، لم تحل ذكاته.
وفي "الشامل" و"البحر" حكاية ذلك قولاً عن رواية القاضي أبي حامد، لكن الذي
دلَّ عليه ظاهر النص كما سنذكره، وبه جزم القاضي الحسين في كتاب الأضحية- الأول وإن كان لا قصد له، وفرق بينه وبين المجنون على أحد القولين بأن الصبي من أهل القرية، بخلاف المجنون، وكذلك فرق بينهما في الحج.
وجزم في "البحر" عند الكلام في الأحبولة بأن الصبي الطفل الذي لا تتأتى منه إرادة الفعل، ولكن اتفق أنه أمر السكين على الحلق، فحصل به الذبح- لم يحل.
والمذكور في الرافعي التسوية بين الصبي الذي لا تمييز له والمجنون والسكران، وإجراء القولين في الجميع، وسلك الإمام طريقاً آخر في هذا الباب، فقال: إن لم يكن له تمييز، فلا حكم لفعله، وذلك ميتة، وإن كان مراهقاً فالأصل تحليل ذبحه.
وفي بعض التصانيف ذكر خلاف فيه، ويمكن تقريبه من الخلاف في أن عمده عمد أم لا؟
وإذا قلنا: تحل ذكاته، فقد جزم الماوردي بكراهتها في الضحايا وغيرها؛ لضعفه عن مباشرة الذبح، ولقصوره عن التكليف، وهي في غير المراهق أشد.
وأما الكتابي، فقد قال الماوردي: إن ذبيحة الصبي أحب إلينا من ذبيحته، وهذا يدل على أنها مكروهة- أيضاً- لكن قد حكى البندنيجي وابن الصباغ عن الشافعي- رضي الله عنه- أنه قال في "الأم": "وأحب أن يكون المذكي بالغاً مسلماً فقيهاً"، أي: بأحكام الذبح؛ لأنه أعرف بحكم الذبح، فإن لم يكن رجلاً فالنساء، فإن لم يكن فالصبيان، فإن لم يكن فأهل الكتاب، فإن لم يكن فالمغلوب على عقله من المسلمين؛ وهذا يدل على أن المراد بالكراهة ترك الأولى.
وأما الأعمى فقد أطلق صاحب "البحر" القول بكراهة ذبحه وإن حلت؛ خوفاً من أن يخطئ محل الذبح، وهو ما ذكره في "التهذيب".
وأما الأخرس، فقد أطلق العراقيون حل ذكاته، وقال القاضي الحسين وتبعه البغوي: إن ذلك فيما إذا كانت له إشارة مفهمة، فإن لم يكن فهو كالمجنون.
قال النواوي في "الروضة": والأصح الجزم بحل ذبيحته وإن كان لا يفهم، وبه قطع الأكثرون.
[قال:] ويجوز الذبح بكل ما له حد يقطع، أي: من حديد ونحاس وصفر
وزجاج وخشب وحجر وذهب [وفضة] وقصب وغير ذلك، إلا السن والظفر [فإن ذبح] بهما لم يحل؛ لما روى أبو داود عن رافع بن خديج قال: "أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، إنا نلقى العدو غداً، وليس معنا مدى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أرن أو أعجل ما أنهر الدم، واذكر اسم الله عليه، وكلوا ما لم يكن سناً أو ظفراً، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة"، وأخرجه البخاري ومسلم في حديث طويل، سنذكر بقيته إن شاء الله تعالى؛ وهذا ما نص عليه الشافعي- رضي الله عنه- سواء كان السن والظفر متصلاً أو منفصلاً، وسواء كان ذلك من الإنسان أو من غيره؛ كما قاله البندنيجي، ولا يستثنى من ذلك إلا ما قتله الكلب [ونحوه] بظفره أو نابه؛ فإنه يحل للحاجة العامة.
وفي "تعليق القاضي الحسين": أن هذا في سن الآدمي أما سن ما يؤكل لحمه فيحتمل وجهين؟
أحدهما: يجوز، وبه قال أبو إسحاق المروزي؛ لأن له حداً يقطع، والخبر محمول على بني آدم.
قلت: ويعضده رواية الشافعي بسنده هذا الخبر؛ فإنه قال فيه: "فإن السن عظم