كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 124-163
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 124-163
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

باب الوصية

الوصية مأخوذة - كما قال الأزهري -: من وصيت الشيء أصيه، إذا وصلته، وسميت وصية؛ لأنه وصل ما كان في حياته بما بعد موته.
وعبارة القاضي الحسين: لأنه يصل بها خير دنياه بخير عقباه، وقربة العاجل بقربة الآجل.
والأولى أعم؛ لأنها تدخل الوصاية، وهذه لا تدخلها.
ويقال: وصى بوصية، وأوصى إيصاء.
والاسم: الوصية، والوصاة، وهي في الشرع: عبارة عن تبرع بحق، أو تفويض تصرف خاص، مضافين إلى ما بعد الموت.
وقد كانت الوصية واجبة في ابتداء الإسلام بجميع المال للأقربين؛ لقوله تعالى" ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة﴾ [البقرة:180]، نم نسخت بآية المواريث، وبقي استحبابها في حق من ليس بوارث في الثلث فما دونه.
والدليل على ذلك - قبل الإجماع - من الكتاب قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: 11] إلى آخرها، فذكر - تعالى- الوصية فيها في أربعة مواضع.
ومن السنة: ما روى أبو داود عن ابن عمر - رضى الله عنهما - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما حق امرئٍ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه".
وأخرجه البخاري ومسلم، وغيرهم.

[وفي لفظ لمسلم والنسائي: "يبيت ثلاث ليال".
وفي لفظ لمسلم: "يريد أن يوصي فيه] ". وفي لفظ لمسلم عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: "وما مرت عليَّ ليلةٌ منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال ذلك إلا وعندي وصيتي".
قال الإمام الشافعي - رضي الله عنه -: يحتمل قوله: "ما حق امرئ مسلم": ما لامرئ مسلم يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده، ويحتمل: ما المعروف من الأخلاق إلا هذا من جهة الفرض.
وقد حكى الاحتمالين القاضي الحسين.
وقد [أجمعت الأمة] على أن ذلك محثوث عليه، ومطلوب من الشرع, ومع ذلك فالصدقة في حال الحياة أفضل منها؛ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أي الصدقة أفضل، فقال: "أن تصدق وأنت صحيح حريص, تأمل البقاء وتخشى الفقر, ولا تهمل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا؛ وقد كان لفلان".

كما خرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وأراد بقوله: "بلغت الحُلقوم": المقاربة؛ لأن من بلغت نفسه الحلقوم لا يجوز له وصية ولا صدقة.
وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لأن يتصدق المرء في حياته بدرهمين, خيرٌ من أن يتصدق بمائةٍ عند موته".
وروى الترمذي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل الذي يعتق أو يتصدق عند موته, مثل الذي يهدي إذا شبع".
وقال الترمذي: إنه حديث حسن صحيح.
قال: من جاز تصرفه في ماله جازت وصيته؛ للخبر، ولا فرق في ذلك بين المسلم والذمي، ومن لا يجوز تصرفه، كالمعتوه والمبرسم لا يصح وصيته؛ لأن صحتها تتعلق بالقول، ولا قول معتبر لمن لا تمييز له ولا عقل؛ إذ البرسام والعته نوعان من اختلال العقل؛ كالجنون.
قال الجواليقي: والبرسام معرب.
وحكم الصبي غير المميز حكم المجنون.
قال: وفي الصبي المميز [والمحجور عليه بتبذيره] قولان: أحدهما: لا تصح، كهبتهما وإعتاقهما.
والثاني: تصح، أي وصيتهما بالمال.
أما في الصبي؛ فلما روي أن غلاما لابن عباس - رضي الله عنهما – حضرته الوفاة [وله عشر سنين]، فأوصى لبنت عم له، وله وارث، فرفعت القصة إلى عمر - رضي الله عنه - فأجاز وصيته، ولم ينكر عليه.

وعن عثمان - رضي الله عنه - أنه أجاز وصية غلام ابن إحدى عشرة سنة.
ولأن الوصية لا تزيل الملك في الحال، وتفيد الثواب بعد الموت؛ فصحت كسائر القربات.
وأما في السفيه فبالقياس عليه، بل من طريق الأولى؛ لأنه صحيح العبارة؛ ولهذا جزم البندنيجى بصحة وصيته، وكذلك المراوزة هنا، وهو الذي صححه الرافعي.
وحكى الغزالي [في كتاب] التدبير في صحته خلافاً.
ولا فرق بينهما، وفي الحاوي أنا إذا لم نصحح وصية الصبي، ففي المبذر وجهان: والصحيح من القولين في الصبي عند الأكثرين: البطلان، وعند الأستاذ أبي منصور وصاحب المرشد مقابله.
وعلى هذا قال في الحاوي: في صحة محاباته وهبته وعتقه في مرض موته وجهان: وجه الصحة: أن ذلك وصية تعتبر من الثلث.
ووجه المنع: أن الوصية يقدر على الرجوع فيها إن شفي، والهبة والعتق لا يقدر على ردهما.
والعبد إذا أوصى ثم مات على الرق؛ بان فساد وصيته، وإن عتق وترك مالا فوجهان: أصحهما في الرافعي: البطلان؛ لأنه لم يكن أهلا حينئذ.
والمفلس إذا أوصى، فإذ رد الغرماء وصيته بطلت، وإن أمضوها جازت، إن قلنا: حجره حجز المرض، وإن قلنا: حجر السفه كان على الخلاف.
والمرتد إذا أوصى، وقلنا ببقاء ملكه، ففي صحة وصيته وجهان: أصحهما في البحر: الجواز.

قال: ولا تصح الوصية – أي: بالتصرف في المال وعلى الأولاد – إلا إلى حر مسلم بالغ عاقل عدل؛ لأنها تقتضي أمانة وولاية صرفة, وذلك لا يصح إلا ممن جمع هذه الشروط؛ ولأن العبد مشغول بخدمة سيده, والصبي والمجنون مولى عليهما؛ فكيف تصح توليتهما على غيرهما؟! [وفي تعليق القاضي الحسين في باب عدد الشهود: أن لو أوصى إلى عبد غيره على أطفاله جاز] , وفي تفويض الكافر وصيته إلى كافر رشيد في دينه وجه حكاه العراقيون عن ابن أبي هريرة أنه يجوز, قال ابن الصباغ: لأنه يجوز أن يلي بالنسب؛ فجاز أن يلي بالوصية كالمسلم العدل, وهذا منه بناء على أنه يلي بالنسب, وقد حكينا في باب الحجر عن بعضهم المنع, وخرجه الإمام والغزالي على أن الكافر ولي في النكاح؛ ولذلك جعله الرافعي الأظهر, ويجيء في الأظهر على هذا ما ستعرفه في كتاب النكاح, ويمكن أن يكون مأخذ الخلاف في أن الكافر هل تثبت له ولاية المال على ولده الكافر؟ وقد قدمت الكلام فيه في باب الحجر.
ثم اعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي الاكتفاء بهذه الصفات؛ حتى لا يعتبر شيء وراءها, وهو موافق لما [حكاه في البحر] عن الأصحاب؛ حيث قال: [ولا تصح الوصية إلا لمن جمع شرائط, وذكر ما ذكره الشيخ, ثم قال: وقال] القاضي الطبري: إنها سبع.
والسادس: ألا يكون مغفلًا.
والسابع: ألا يكون بينه وبين المولى عليه عداوة وخصومة؛ بأن يكون من أهل الشهادة على المولى عليه.
وعن القاضي الطبري أنه عبر عن السادس بأن يكون فيه كفاية التصرف.
قال: وإن وصى إليه وهو على غير هذه الصفات فصار عند الموت على هذه الصفات – جاز؛ لأنها حالة نفوذ التصرف؛ فاعتبرت الشرائط عندها, كما أن الاعتبار في صفات الشاهد عند الأداء, وهذا هو الصحيح, وبه قال ابن سريج, وأبو إسحاق, وبه جزم المراوزة, كما حكاه الإمام, وعلى هذا يجوز أن يوصي

إلى أم ولده ومدبره، وقيل: لا يجوز؛ لأنه عقد لم يوجد أهلية قابلة عند إيجابه، فلم يصح، كفقدها عند قبوله.
وقيل: يعتبر أن يكون على هذه الصفات من حين الإيجاب إلى حين الموت؛ لأن ما من وقت إلا ويجوز أن يموت فيه ويستحق فيه التصرف؛ فاعتبر الشرط في الجميع، حكاه ابن الصباغ وغيره.
وقال في البحر؛ إنه المذهب الصحيح؛ لما نص عليه الشافعي - رضي الله عنه - في الأم، من أنه إذا أوصى لأم ولده لا يجوز.
قال: وإن أوصى إلى أعمى، فقد قيل: يجوز؛ لأنه من أهل الشهادة؛ فأشبه البصير، وهذا هو الأظهر في الرافعي، وقيل: لا يجوز؛ لأنه لا يقدر على البيع والشراء لنفسه؛ فلا يحسن أن يفوض أمره لغيره.
وهذا أصح في تعليق القاضي الحسين.
تنبيه: سكوت الشيخ عن اعتبار الذكورة، يعرفك أنه تجوز الوصاية للمرأة كما تجوز للرجل، روي أن عمر - رضي الله عنه- أوصى إلى حفصة، وقال - عليه السلام- لهند: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
وقد قال الأئمة: الأولى أن يفوض الوصاية إليها في أمر الأطفال، إذا وجدت فيها الأهلية.
وعن الحناطي وجه: أنه لا تجوز الوصاية إليها، إذا قلنا: إنها لا تلي، قال الرافعي: وهذا غير بعيد من جهة المعنى؛ نظراً إلى أن في الوصاية ولاية، وأن حقه أن يطرد في جميع النساء.
وقد تكلم الشيخ - رضي الله عنه - في صفات الموصي بالمال، وسكت عن صفات الموصي بالتصرف إلى شخص، وقد قال الأصحاب: إن كانت الوصاية في أمر الأولاد فشرطه: أن يكون له ولاية عليهم في الابتداء من الشرع لا

بتفويض، وهو الأب ثم الجد ثم جده، وكذا الأم على رأي الإصطخري.
وسواء كان الولد صغيرا، أو بالغا مجنونا أو سفيها، كما صرح به القاضي أبو الطيب وغيره في المجنون، ومجلي في السفيه، وقول الغزالي في الوسيط: لا يجوز نصب الوصي على الأولاد البالغين؛ إذ لا ولاية له عليهم؛ مشيرٌ إليه.
وفي البحر: أن الابن إذا كان بالغا عاقلا فلا، لكن حجر عليه لسفه لا يصح من الأب أن يوصي بالولاية عليه؛ لأن حجره بالحاكم، وهذا يشير إلى حالة بلوغه رشيدًا ثم طرأ السفه.
وإن كانت الوصاية في قضاء الديون وتنفيذ الوصايا، فشرطه أن يكون حرا مكلفا.
فرع: طريان ما يمنع الوصاية على الوصي بعد موت الموصي، يقتضي العزل [قطعا]، وفي المجرد للحناطي وجه: أنها تبطل بفسق الوصي حتى يعزله القاضي، والمشهور الأول.
ولا تنفعه التوبة بعد الفسق في عوده إلى وصيته، وفيه وجه غريب.
وإن أفاق بعد جنونه، ففيه وجهان مشهوران، كما في عود ولاية القاضي، والأصح في "الرافعي": عدم العود، وفي القاضي وجه إذا فسق: أنه لا ينعزل، كما قيل في الإمام على رأي الأصوليين، وقال الإمام فيه: إني لو قلت: إنه الأظهر، لكان مستقيمًا؛ لأن استمرار العصمة للإمام بعيد، وعلى ذلك جرى الرافعي فجعله الراجح، وحكى خلافه حكاية الوجوه، وأن الماوردي لم يورد سواه في الأحكام السلطانية، وفي تعليق القاضي أبي الطيب الجزم بانعزال الإمام بفسقه؛ فما دونه من طريق الأولى، وحكم أمين الحاكم فيما ذكرناه حكم الوصي.
واعلم أن قبول الوصاية ممن علم من نفسه الأمانة والقدرة عليها مختار، كما قاله في البحر؛ لأنه روي أنه أوصى إلى الزبير سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم: عثمان، والمقداد، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وكان ينفق على أيتامهم من ماله ويحفظ عليهم أموالهم.
وإن كان ممن علم من نفه خلاف

ذلك، فالمختار أن يردها؛ لما روى أبو داود عن أبى ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر, إني أراك ضعيفًا, وإني أحب لك ما أحب لنفسي؛ فلا تأمرن على اثنين, ولا تلين مال يتيم".
وأخرجه مسلم والنسائي.
قال: ويجوز أن يوصي إلى نفسين، كما يجوز أن يوكل إلى نفسين، فإن أشرك بينهما في النظر، لم يجز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف؛ لأن تصرفه بالإذن من الموصي، ولم يوجد رضاه بنظره وتصرفه وحده.
وصورة الإشراك في التصرف - كما قال القاضي أبو الطيب-: أن يقول: "ولا ينفرد أحدهما بالتصرف"، أو يقول: "أوصيت إليكما باجتماعكما".
وعلى هذا: إذا أذن أحدهما للآخر في التصرف، أو أذنا لشخص فيه - جاز، وإن انفرد أحدهما به، لم ينفذ، وضمن، سواء كان التصرف موقوفا على اجتهاد أم لا؛ كما هو ظاهر كلام الشيخ وغيره.
وقال الرافعي: إنك ستجد في كلام الأصحاب ما هو كالتصريح به.
وقال البغوي وغيره: إذا كانت الوصية مما لا يفتقر إلى اجتهاد: كرد وديعة، أو عارية، أو مغصوب، أو وصية بشيء معين، أو قضاء دين اشتملت التركة على جنسه - فإن لكل منهما أن يتفرد به؛ لأن صاحب الحق مستقل بالأخذ في هذه الصورة؛ فلا يضير الانفراد، وعلى ذلك جرى الماوردي في مسألة الوصية، وقضاء الدين، وهو في غيرهما من طريق الأولى.
وقد اعترض معترض على ذلك بأن الوصاية في رد الوديعة والمغصوب، ودفع الموصى به إذا كان معينا - قد اختلف في صحتها: فرأى بعضهم جوازها.
وعليه يدل ما ذكرناه في كتاب الوديعة، ورأى الإمام وطائفة أنها لا تصح؛ لأنها مستحقة بأعيانها، فيأخذها أصحابها، وإنما يوصى فيما يحتاج إلى نظر واجتهاد كما سنذكره.
فمن قال بهذا استغنى عن الاستثناء.
ومن قال بالأول - وهو قضية صاحب التهذيب - يجب ألا يصح التصرف

إلا على الوجه المأذون فيه، وقد صرحوا بالاستقلال عند المنع منه، فهو في الحقيقة عائد إلى قول الإمام؛ فالوجه ما اقتضاه كلام الشيخ والأصحاب.
وكما لا يجوز لأحد الوصيين - إذا أشرك بينهما في النظر - أن ينفرد بالتصرف، كذا لا يجوز إذا جعل عليه مشرفا أن ينفرد به؛ لأن للمشرف أن يتعاطى التصرف؛ كما صرح به في البحر.
ثم اعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي جواز انفراد كل واحد منهما بالتصرف عند عدم الإشراك في النظر، وذلك يكون في صورتين: إحداهما: أن يصرح بالاستقلال، مثل أن يقول: "يتصرف كل منهما على الانفراد [أو] مع الآخر"، ولا شك في جواز ذلك، ويأتي فيه بعض ما أبداه الإمام من الإشكالات في مقارضة رجلين، كما ذكرناه في باب القراض، وقد ألحق أبو الفرج الزاز بهذه الصورة ما إذا قال: أنتما وصياي بكذا.
وألحق بهما البغوي ما إذا قال: ["أوصيت إلى زيد" ثم بعد ذلك]: "أوصيت إلى عمرو" مقتصرا على ذلك، والمتولي والغزالي والماوردي ألحقوا الصورة الثانية بالصورة التي سنذكرها.
وقال الرافعي: إنه الذي عليه عامة الاعتماد.
الثانية: أن يطلق الوصاية، وقد قال القاضي أبو الطيب وغيره من الأصحاب: إن الحكم فيها كالحكم في حالة الإشراك في النظر؛ قياسا على ما إذا أطلق التوكيل بين شخصين.
فرعان: أحدهما: إذا خرج أحد المستقلين بالتصرف عن أهليته؛ لا ينصب الحاكم مع الثاني غيره، بل يتفرد بالتصرف.
ولو ضعف أحدهما، ولم يخرج عن الأهلية بالكلية، ضم إليه من يساعده، وكذا في المنفرد إذا ضعف.

ولو خرج أحد المشتركين في التصرف عن الأهلية، نصب الحاكم مع الثاني من يقوم مقام الخارج.
فلو أذن الحاكم للباقي في الاستقلال، فهل يكفي؟ فيه وجهان؛ حكاهما العراقيون والإمام عنهم، وأصحهما في الرافعي؛ لا، وبه جزم الماوردي؛ لأن الموصي لم يرض بنظره وحده.
ولو مات الوصيان معا، فهل للحاكم نصب قيم واحد أم لا بد من اثنين؛ اتباعاً لرأيه في التفويض إلى اثنين؟ فيه الوجهان، واستبعد الإمام جريان وجه المنع هنا؛ لأن الوصاية قد زالت بالكلية؛ فصار كما لو لم يرض.
الثاني: إذا اختلف الوصيان، فإن كان في الحفظ، قال الشافعي - رضي الله عنه-: قسم المال بينهما نصفين.
فحمل أبو إسحاق ذلك على الوصيين اللذين يتصرفان مجتمعين ومفترقين، وأن القسمة تكون بالتقريب؛ ليتصرف كل منهما في شيء، لا قسمة الأملاك كل شيء نصفين، وينفذ تصرف كل منهما في النصفين.
وأما المشتركان في النظر فلا ينفرد أحدهما بحفظ شيء، وهذا أظهر في البحر.
وقال ابن أبي هريرة وغيره من أصحابنا - وهم الأكثرون-: قول الشافعي - رضي الله عنه-: يرجع إلى حالة الاستقلال وحالة الإشراك في النظر، وقد ذكرت في باب الوكالة شيئاً يتعلق بما نحن فيه، فليطلب منه.
ثم على كل حال، لو اختلفا بعد القسمة في عين النصف المحفوظ، فوجهان: أحدهما: يقرع.
والثاني: يرجع إلى تعيين القاضي.
ولو كان المال مما لا يقسم، ترك في موضع، ويقفلان عليه، أو يجعلانه تحت يد ثالث.
وهكذا الحكم إذا كان مما يقسم، ومنعنا القسمة، على رأى أبي إسحاق.
ولو امتنعا من ذلك، فعل الحاكم رأيه، وهل يضعه تحت يد أمين أو اثنين؟ فيه وجهان: أصحهما في النهاية: الأول.
وإن كان الاختلاف في التصرف، فإن كانا مستقلين، قال الشيخ أبو حامد:

يقسم بينهما، ويتصرف كل منهما في نصفه، فإذا كان الشيء مما لا يقسم، ترك في أيديهما حتى يتصرفا فيه.
وقال غيره: لا حاصل لهذا الاختلاف، ومن سبق نفذ تصرفه.
نعم لو اختلفا في تعيين من يصرف إليه من الفقراء فماذا يصنع؟ فيه وجهان في النهاية: أحدهما: يقرع.، واستبعده.
والثاني: يضعه الحاكم فيمن يراه أهلاً على وفق الوصية.
وإن كانا غير مستقلين، أمرهما الحاكم بما يرى فيه المصلحة، فإن امتنع أحدهما، ضم القاضي إلى الآخر أمينا، وإن امتنعا أقام الحاكم مقامهما آخرين، ولا ينعزلان بالاختلاف.
ولو اختلفا في تعيين من يصرف إليه من الفقراء، عين القاضي من يراه.
قال: وإن أوصى إليه في شيء لم يصر وصيا في غيره، كما في الوكيل والحاكم.
وإذا أطلق الوصية في مال الأطفال، استفاد الوصي بها حفظ المال، وهل يستفيد التصرف؟ فيه وجهان: المذهب منهما في التتمة: نعم؛ اعتمادًا على العرف.
وذكر بدل الوجه الأول وجها: أن الوصاية لا تصح حتى يتبين ما فوضه إليه؛ فحمل في المسألة ثلاثة أوجه.
ولا نزاع في أنه لو قال: "أوصيت إليك" مقتصرا على ذلك، فهو لغو.
قال: وللوصي أن يوكل فيما لا يتولى مثله بنفسه؛ كالوكيل، ومفهوم هذا منع التوكيل فيما يتولى مثله بنفسه، وهو وجه حكاه القاضي أبو الطيب هنا.
وحكى الشيخ أبو حامد عن المذهب: أنه يجوز فيه أيضاً؛ لأنه يتصرف فيما لم ينص عليه؛ فأشبه الأب، وبهذا جزم المحاملي في أواخر كتاب الوكالة، وقال: إنه يجوز أن يوكل عن نفسه وعن الموصى عليه.
قال: وليس له أن يوصي؛ لأن تصرفه مستفاد من جهة آدمي؛ فلم يجز له أن يوصي؛ كالوكيل وأمين الحاكم.
قال: جعل إليه أن يوصي، أي: عن نفسه، أو عن الموصي، ولم يعين من يوصى إليه - ففيه قولان: أحدهما: يجوز؛ لأن نظر الوصي أقوى من نظر الوكيل، وقد جاز للوكيل أن يوكل

بالإذن، فيجوز للوصي أن يوصي بالإذن من طريق الأولى، وهذا ما نص عليه في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، واختاره أبو إسحاق، وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ، وكذلك الروياني في كتاب الوكالة: إنه الصحيح.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه ليس بكامل الشفقة؛ فلم يجز له أن يختار ناظرا بعد الموت؛ كأمين الحاكم ويخالف الوكيل؛ لأن إذن موكله باق؛ لكونه حيا؛ فلذلك عمل بموجبه، وليس كذلك الوصي؛ فإن استنابه بالتصرف في وقت ليس للمستنيب التصرف فيه، ولا أن يأذن فافترقا، وهذا ظاهر نصه في المختصر، واختاره المزني.
أما إذا جعل له أن يوصي عن الموصي صح؛ كذا حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وصاحب البحر في الصورتين في كتاب الوكالة، وإن أطلقوا الكلام هنا.
وكلام الرافعي مصرح بأن الخلاف في الصورة الثانية.
وحكى طريقة أخرى جازمة بالصحة.
ولو عين له من يوصيه؛ بأن قال: "أوصيت لك، فإن أوصيت إلى زيد فقد أوصيت إليه وهو وصيي" - فمنهم من خرجه على القولين السابقين، ومنهم من قطع بالصحة، وهذا الطريق لم يذكر الماوردي سواه، وقال: لو مات الوصي قبل أن يوصي، لم يكن زيد وصيًا ما لم ينصبه الحاكم، وهل يجوز للحاكم أن يفوض الأمر إلى غيره؟ فيه وجهان.
ولو قال له: أوص إلى من شئت، إلى فلان أو فلان، ولم يضف إلى نفسه،

ولا إلى الموصي، قال في التهذيب: فيحمل على الوصاية عنه حتى يجيء فيه الخلاف السابق، أو يقطع بأنه لا يوصى عنه، فيه خلاف للأصحاب والأصح الثاني، وقياس ما حكيته عن أبي الطيب وابن الصباغ أن يقال: هل يحمل على الوصاية عن الموصي حتى يصح أو عن الوصي حتى يجيء فيه القولان؟ فيه خلاف، وقد تقدم مثله في الوكالة فيما إذا أذن له في التوكيل وأطلق.
قال: فإن وصى إلى رجل، نم من بعده إلى آخر، جاز؛ لأن عمر - رضي الله عنه - أوصى إلى حفصة في أمر الوقف، ثم من بعدها إلى ذوي الرأي من أهلها، وكذلك فاطمة أوصت في وقفها إلى علي - رضي الله عنهما - فإن حدث فيه حادث، فإلى ابنها.
وبالقياس على ما لو قال: أوصيت إلى سنة، أو إلى أن يقدم فلان فيكون وصيي، أو إلى أن يكبر ولدي فيكون وصيي، فإنه يصح في هاتين الصورتين الأولى والأخيرة؛ [فكذلك هاهنا].
وفي الحاوي: أن الشافعي - رضي الله عنه - أوصى سنة إلى شخص، ثم من بعده إلى غيره.
وقال الرافعي: إن هذا ظاهر المذهب.
وتحتمل الوصية التعليق كما تحتمل الجهالات.
وحكى أبو عبد الله الحناطي وآخرون خلافا؛ أخذا من الخلاف في تعليق الوكالة.
وأن بالمنع أجاب الروياني، فقال: "إذا مت فقد أوصيت إليك" لا يجوز، بخلاف قوله: "أوصيت لك إذا مت"، وقد استدل بعضهم على الجواز في مسألة الكتاب بما روي أنه - عليه السلام - بعث جيشا، وقال: "أميركم زيد بن حارثة، فإن أصيب فجعفر بن أبى طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب

فليرض المسلمون رجلا".
وأصيب من عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الترتيب، فارتضى المسلمون خالد بن الوليد، وفي الدلالة به نظر؛ لأن المستنيب هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو [باق إذ ذاك]، وهو بالوكالة أشبه، والكلام هنا في صحة الاستتابة به بعد الموت.
قال؛ ولا تتم الوصية إلا بالقبول؛ لأنها عقد على تصرف، فافتقر إلى القبول؛ كالوكالة، ومن هذا يؤخذ أنه لا بد من الإيجاب، لأن القبول بدونه لا يعقل، وحكى الإمام عن بعضهم إشارة إلى خلاف في اشتراط القبول.
ثم صريح الإيجاب أن يقول: أوصيت إليك في كذا، أو فوضت، أو أقمتك مقامي، وما أشبه ذلك، وهل ينعقد بلفظ الولاية؛ بأن يقول: وليتك كذا بعد موتي؟ فيه وجهان عن جرجانيات الروياني.
ولا خلاف أنه إذا اعتقل لسانه، وأشار إشارة مفهمة أن ذلك كاف.
ولو قرئ عليه كتاب الوصية، وأشار برأسه - أي: نعم - صحت؛ لأنه بالعجز صار كالأخرس، وهذا مطرد في الوصية بالمال أيضاً، والقبول لا يخفى لفظه.
وحكى الأستاذ أبو منصور وجهين في أن عمل الوصي هل يقوم مقام لفظ القبول؟ قال؛ وله أن يقبل في الحال، وله أن يقبل في الثاني؛ لأنه [إذن في] تصرف لا يفوت؛ فجاز قبوله في الحال والثاني؛ كما في الوكالة.
والمراد بـ"الثاني": بعد الموت، وهذا ما جزم به أبو الطيب، وذهب ابن سريج إلى أن القبول قبل الموت لا يعتد به؛ كما لو قبل الوصية بالمال قبل الموت، وهذا أظهر في الرافعي.
وعلى الخلاف خرج ما لو رد الوصية قبل الموت، هل يؤثر؟ فعلى الأول: نعم، وعلى الثاني: لا.
وفي البحر حكاية وجه: أنا إذا اشترطنا أن يكون القبول بعد الموت أنه يشترط

فيه الفورية.
قال: وللموصى أن يعزله متى شاء، وللوصي أن يعزل نفسه متى شاء، أي: قبل الموت وبعده؛ لأنه تصرف بالإذن، فجاز لكل من الآذن والمأذون له قطعه، كالوكالة.
قال: ولا تجوز الوصية إلا في معروف: من قضاء دين، وأداء حج - أي: سواء كان الموصى إليه قريبا آو أجنبيًا - والنظر في أمر الصغار، وتفرقة الثلث، وما أشبه ذلك: كبناء المساجد، وقبور الأنبياء، والعلماء والصالحين، لما فيها من إحياء الزيارة والتبرك بها، وكذا افتكاك أسارى المسلمين [وبالعكس] كما صرح به القاضي أبو الطيب، وهو في الصورة الأولى بناء على الصحيح في جواز الوصية للحربي، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى، وكذا رد الودائع والعواري والغصوب، كما ذكرناه.
ووجه الجواز في أمر الأطفال، ما ذكرناه من إسناد بعض الصحابة وصيتهم إلى الزبير، مع اشتهار ذلك وعدم الإنكار.
وأما فيما عداها؛ فلأن في ذلك إعانة على واجب أو مندوب، فاندرج في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى﴾ [المائدة: 2].
ثم الوصية في أمر الأطفال معتبرة إذا لم يكن ثم جد لأب صالح [للولاية]، أما إذا كان فالصحيح: أنه الولي، ولا تنفذ وصية الأب.
وفيه وجه: أن الوصية تنفذ، ويقدم الوصي على الجد.
ولا خلاف في جواز الوصية مع وجود الجد في قضاء الديون وتنفيذ الوصايا، وكذا إذا لم يكن في الورثة صغير، جاز له الوصاية في ذلك، نعم لا يقدر الوصي على بيع العقار؛ لوفاء الدين، إلا إذا امتنع الورثة من توفيته.
قال الرافعي: هذا إذا أطلق الوصاية لقضاء الدين، فإن قال: أدفع هذا القدر إليه

عوضا عن دينه، فينبغي ألا يكون للورثة إمساكه؛ لأن في أعيان الأموال أغراضا.
وكذلك قيل: لو أوصى بأن تباع عين ماله من فلان، نفذت.
وهذا ما أورده في البحر وجها وصححه.
ولو قال؛ بعه، واقض ديني من ثمنه، قال الرافعي: فيجوز ألا يكون لهم الإمساك؛ لأنه قد يكون أبعد عن الشبهات، وهذا ما حكاه البندنيجى.
وحكى في البحر ذلك وجهاً.
وعن القاضي الطبري: أنه لا يقضى منه بلا خلاف، ثم حكى عن أبي عبد الله الحناطي؛ تفريعا على المذهب في اعتقاده: أنه لو باع ما عينه الموصي لوفاء الدين قبل إذن الورثة وقبل ظهور التمرد منهم عن وفاء الدين - ففي البيع وجهان: أحدهما: أنه باطل.
والثاني: أنه موقوف.
فإن أوفوا الدين، فلهم أن ينقضوا ذلك، وإلا انبرم.
ثم قال: وكذلك إذا أوصى لرجل بقضاء دينه ولم يعينه في مال، فقبل إعلام القاضي الورثة، باع متاع البيت؛ ليصرفه في ديونه - فيه وجهان، والأظهر: أن البيع باطل ولو لم ينصب وصيا.
قال في التهذيب: فأبوه أولى بقضاء الدين وأمر الأطفال، والحاكم أولى بتنفيذ الوصايا.
وفي كلام القاضي الحسين أمر يخالف ذلك؛ فإنه قال: لو أوصى بثلث ماله للفقراء وله في ذمة رجل مال، فدفع الغريم المال إلى الوارث، فإن سلم الوارث الثلث إلى الفقراء فذاك، وإن لم يسلم الثلث إليهم، فإن الغريم لا يبرأ عن ثلث الفقراء.
بخلاف ما نقول إذا كان للميت على رجل دين، ولرجل على الميت دين، فجاء الوارث فأخذ المال من الغريم وأتلفه - برئت ذمة الغريم، ويجب الحق على الوارث.
والفرق: أن حق الفقراء متعين في ماله، ليس له أن يستبد بذلك المال، ويدفع

بقدره إلى الفقراء، بخلاف الدين.
وأيضاً: فإن الوارث له قضاء الدين وإن لم يكن وصيا [من جهة الموروث، وليس له صرف المال إلى الفقراء؛ إذا لم يكن وصياً]، بل الحاكم يصرف المال إليهم.
فعلى هذا صرف المال إليهم يكون تبرعا من جهته، وحق الفقراء باقٍ في مال الموروث.
وحكى عقيب ذلك فيما إذا مات وعليه دين وله على رجل دين، فجاء من عليه الدين بمال ودفعه إلى الوارث - فإن [الغريم له مطالبة الوارث] بالمال، والقابض له هو الحاكم، فإذا غرم رجع بما غرمه على الوارث.
ثم قال: وهذا إنما يصح على قولنا: إن الرجل إذا مات وعليه دين وله على رجل دين، فجاء الوارث، وأقام شاهدا على ذلك الحق، ولم يحلف الوارث، أن الغريم يدعي ويحلف على قول.
وذكر أيضاً في الموضع المذكور؛ أنه إذا كان على الميت دين، وله وديعة عند رجل، ومات: أنه ليس للمودع أن يدفع المال إلى الوارث، ولو أنه [دفع المال] إلى الوارث وأتلفه، وجب على المودع الضمان، والغريم يطالبه بالمال، وهو يرجع بالغرم على الوارث.
انتهى.
وهذا يدل على أن الوارث لا يسوغ له قبض مال [اليتيم] عند وجود الدين؛ إذا لم يكن له وصية بذلك.
أما إذا كانت له وصية بذلك.
قال القاضي الحسين: إن الدفع للموصى مبرئ، وكذلك القاضي.
قال؛ وإن أوصى بمعصية: كبناء كنيسة، أو كتب توراة، أو بما لا قربة فيه، كالبيع من غير محاباة - لم يصح؛ لأن الشرع إنما شرعها اجتلاباً للحسنات، ولاستدراك ما فرط وفات؛ قال عليه السلام: "إن الله أعطاكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم؛ زيادة في أعمالكم".

وقال صلى الله عليه وسلم: "ما حق امرئٍ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه".
وقد اتتفى المعنيان فيما ذكر، وفي الأولى والثانية ارتكاب معصية - كما صرح به الأصحاب في كتاب الجزية - فهو ضد المطلوب.
ولا فرق في ذلك بين المسلم وغيره، ولا بين أن ينفذ قاضي الكفار وقف الكنيسة؛ إذا كان الواقف ذميا، أم لا، على الصحيح.
وحكى الإمام عن صاحب التقريب احتمالا في عدم نقضه؛ إقامة لحكمه مقام التقابض فيما لو اشترى واحد منهم خمرًا وقبضه.
وألحق الماوردي بالمنع فيما ذكرناه في كتاب الجزية الوصية بكتاب [شريعة أحكام] اليهود والنصارى وحقيقة دينهم وكتب النجوم والفلسفة.
وألحق القاضي الحسين بذلك كتابة الغزل؛ لأنه محرم.
وقيل: إن أوصى بالبيع من معين صح؛ لأنه قصد تخصيصه بتلك العين، وهذا ما جزم به الغزالي، وحكى في المهذب، والشاشي في المعتمد الوجهين، وكذلك المتولي، لكنه بناهما على خلاف سنذكره فيما إذا أوصى لكل وارث بعين قدر حصته من الإرث، هل يحتاج إلى الإجازة أم لا؟ إن قلنا بالاحتياج صحت الوصية هنا، وإلا فلا، ومقتضاه: أن يكون الظاهر: [الصحة]؛ كما صرح به في البحر.

ثم ظاهر الكلام في الكنيسة إذا بنيت لقصد التعبد، أما إذا أوصى ببنيانها؛ لنزول المارة من أهل الذمة فيها، صحت الوصية؛ كما نص عليه الشافعي - رضي الله عنه - في كتاب الجزية، ونقله الأصحاب.
ثم حكى الماوردي وجها آخر: أنه لا تجوز الوصية إذا خصص بالنزول أهل الذمة، وإن جازت الوصية لهم؛ لأن في ذلك جمعا لهم؛ فيؤدي إلى التعبد.
وقال: إن محل الجزم بالصحة: إذا أوصى ببنائها؛ لينزلها أهل الذمة والمسلمون.
وإن أوصى ببنائها؛ لنزول المارة والتعبد، فوجهان: أحدهما: تبطل فيما أسند للتعبد، وتصح فيما أسند للمارة، فيبنى بنصف الموضع الموصى به موضع للنزول خاصة.
والثاني: يبنى بجميع الموصى به موضع للنزول خاصة.
ومن هذا: ما إذا أوصى بمال يسرج في البيع والكنائس، إن قصد به تعظيما لم يجز، وإن قصد به الضوء على من يأوى إليها خاصة، قال الشيخ أبو حامد، وهو ما حكاه البندنيجي وصاحب العدة والنووي في كتاب الجزية-: صحت الوصية؛ لأن قصده منفعة الذين يأوون إليها؛ فتصح كالوصية لهم ابتداء.
قلت: وقد ذكر في الوقف أنه لو وقف على كنيسة على هذا النحو لم يصح، وإن كان الوقف يجوز على أهل الذمة، لأن في الصرف على هذا الوجه تعظيما لهم، ولا يبعد أن يجيء مثله هاهنا ويعضده الوجه الذي حكاه الماوردي.
واعلم أن هذا الفصل وإن كان دالا على امتناع الوصية في مثله، فهو أيضاً دال على امتناع صرف المال إلى مثل ذلك.
وإن كان كذلك حسن أن تضاف الفروع المتعلقة بهذا إلى هذا الموضع: فمنها: إذا أوصى لذمي بصحف، فقد نص الشافعي - رضي الله عنه - على أن الوصية باطلة.
وقد قال القاضي أبو الطيب: قال أصحابنا: ينبغي أن يكون فيه قول آخر: آن الوصية صحيحة، ويؤمر بإزالة الملك عنه [ويعضده أنهم حكوا فيما إذا أوصى له بعبد مسلم، هل يصح، ويوم بإزالة الملك عنه] أو لا يصح؟ قولين.

قال: وإن أوصى لوارث عند الموت، لم تصح الوصية في أحد القولين؛ لما روى أبو داود عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه, فلا وصية لوارثٍ".
وهذا في إسناده إسماعيل بن عياش، وقد اختلف في الاحتجاج بحديثه، لكن قد خرجه النسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن خارجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قال: وتصح قي الآخر، وتقف على الإجازة، وهو الأصح.
قال الماوردي: وهو المنصوص عليه في عامة كتبه؛ لما روى الدارقطني عن ابن عباس - رضى الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجوز الوصية لوارثٍ, إلا أن يشاء الورثة".
وهذا [ما] قال عبد الحق; إنه حديث مقطوع،

وإن يونس بن راشد وصله، والمقطوع هو المشهور، وقد جزم القاضي أبو الطيب بهذا القول في أول هذا الباب، وحكى عن المزني وابن أبى هريرة طريقة قاطعة بالقول الأول؛ لما في الإجازة من تغيير الفروض التي قدرها الله تعالى للورثة واعتبار ما نسخ.
وفي "رفع التمويه": أن من أصحابنا من قال: القولان في الوصية له إذا جاوزت الثلث، أما إذا لم تجاوزه، فتصح قولا واحدا، كما في الأجنبي.
قال: وهو ضعيف.
ثم على الأصح - وهو المنصوص - إذا أجاز الورثة، فهل هي تنفيذ لما فعله الوارث أو ابتداء عطية؟ فيه قولان في "الحاوي"، وفيه أنه لا يشترط على هذين القولين الإتيان ببذل وإيجاب، بخلاف ما إذا فرعنا على القول الأول.
نص عليهما في الأم، وسنعيد الكلام فيهما فيما إذا أوصى بأكثر من الثلث وأجاز الورثة.
وحكم البيع من الوارث [بالمحاباة] وفي مرض الموت بالمحاباة، وكذا الهبة - حكم الوصية وكذا ضمان الدين عنه لأجنبي، كما حكاه الإمام، وهل يكون الضمان عن الأجنبي للوارث كذلك؟ فيه وجهان ذكرهما صاحب التقريب.
وأطلق القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين أن الوصية لغير الوارث كالوصية للوارث، وسنذكر [تفصيل] ما قيل فيه من بعد، إن شاء الله تعالى.
ثم لا فرق في جريان القولين بين أن يوصى إليه وهو غير وارث، ثم صار وارثا، كما إذا أوصى لأجنبية، ثم تزوجها، أو لأخ وله ابن [فمات الابن]؛ أو يوصي إليه وهو وارث، ثم يستمر على الصفة إلى موت الموصي، كما صرح به البندنيجي.
نعم، لو أوصى إليه وهو وارث، ثم صار عند الموت غير وارث، فالوصية نافذة.

ولا يتخرج على الخلاف المذكور في الإقرار للوارث في أن الاعتبار بالوارث بيوم الإقرار أو بيوم الموت؛ لأن استقرار الوصية بالموت، ولا ثبات لها قبله، بخلاف الإقرار.
وفي الجيلي تخريجه على ذلك ولم أره لغيره.
فروع: إذا أوصى لكل من الورثة بقدر حصته من التركة لغت الوصية.
قال الرافعي: ويجيء فيه وجه آخر؛ لأن صاحب التتمة حكى وجهين فيما إذا لم يكن إلا وارث واحد، فأوصى له بماله.
المذهب منهما: أنه تلغو الوصية، ويأخذ التركة بالإرث.
والثاني: أنه يأخذه بالوصية إذا لم ينقصها.
وفائدة: الخلاف تظهر فيما إذا ظهر دين إن قلنا: يأخذ التركة إرثا، فله إمساكها، وقضاء الدين من موضع آخر.
وإن قلنا: إنه يأخذ بالوصية، قضاه منها، ولصاحب الدين الامتناع لو قضاه من غيرها.
ومعلوم أنه لا فرق بين [أن] يتحد الوارث أو يتعدد.
ولو أوصى لكل منهم بعين هي قدر حصته من ثوب وعبد وغيرهما، فهل تحتاج هذه الوصية [إلى الإجازة] أو لا، ويختص كل منهم بما عينه؟ فيه وجهان: أظهرهما: الأول؛ لأن الأغراض تفاوت بأعيان الأموال والمنافع الحاصلة منها.
ووجه الثاني: أن حق الورثة يتعلق بقيمة التركة لا بعينها؛ ألا ترى لو باع المريض أعيان التركة بأثمان أمثالها، صح، وحقوقهم في القيمة موفاة، مع أنه لو باع في مرض موته من وارثه عينا بثمن مثلها لم يعترض عليه؟! مسألة: إذا وقف دارًا في مرض موته على ابنه الحائز لتركته: فإن أبطلنا الوصية لوارث، فالوقف على الابن باطل، وإن اعتبرناها موقوفة على الإجازة، فعن ابن الحداد - وهو المشهور، وقال الإمام: إنه لم يرو في الطرق ما يخالفه - أنه ينظر:

فإن احتملها الثلث، لم يكن للوارث إبطال الوقف في شيء منها؛ لأن تصرف الوارث في ثلث المال نافذ، فإذا تمكن من قطع حق الوارث في الثلث، فلأن يتمكن من وقفه عليه وتعلق حق الفقراء به، كان أولى.
وإن زاد على الثلث، صح في الثلث، وما زاد عليه: إن رده بطل الوقف فيه، وإن أجازه انبنى على أن الإجازة تنفيذ أو ابتداء عطية؟ فعلى الأول: يصح، وعلى الثاني: يتخرج على الوقف على نفسه.
وعن القفال: أن للوارث رد كل الوقف؛ لأن الثلث في حق الوارث كالزائد على الثلث في حق الأجنبي؛ ألا ترى أنه لو أوصى لأحد وارثيه بأقل من الثلث، كان للآخر الرد، فإن أجاز كان الحكم كما ذكرنا في الزائد على الثلث؟! وأجاب الشيخ أبو علي عما وجه [به] القفال بأنا إنما جوزنا لأحد الوارثين الرد؛ لأن الموروث فضله عليه، ونقص حقه عن عطية الله تعالى، وهنا لا تفضيل.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يقبل الابن [الوقف] في حياة والده أو يقبل له لصغرٍ - أو لا؛ لأن الرد والإجازة إنما يعتبران في الوصية بعد الموت.

ثم لا يخفى أنا إذا أبطلنا الوقف على الوارث: إما ابتداء، أو بالرد، وكان الموقوف يخرج من الثلث - أنه يتخرج إبطاله على من بعده على الوقف المنقطع الأول.
وكذا إذا زاد على الثلث وقدر الثلث.
وقد أشار إلى ذلك الشيخ أبو علي، كما حكاه الإمام في كتاب الوقف.
ولو كان الوقف على ابن وبنت، على أن للابن الثلثين وللبنت الثلث، ولا وارث له سواهما، وخرجت الدار من الثلث - فلا رد لهما على مذهب ابن الحداد.
وإن زادت على الثلث فلهما رد الزائد، وفي الإجازة ما تقدم.
وإن وقفها عليهما نصفين، والثلث يحتملها، فإن رضي الابن كانت عليهما وقفا نصفين، وإن رد قال الرافعي: فظاهر جواب ابن الحداد: أن له رد الوقف في ربع الدار؛ لأنه لما رد من عليه النصف، كان من حقه أن يقف على البنت الربع، فما زاد كان للابن رده.
ثم يكون الربع المردود مطلقا بينهما على الفريضة، أي: إذا فرعنا على بطلان الوقف المنثني الابتداء.
وقال الشيخ أبو علي: إن له رد الوقف في ثلثي الربع – وهو السدس - من الدار؛ لأنه معلق في حقه، وأما في حصتها منه - وهو نصف السدس - فلا، بل الخيرة في الرد والإجازة إليهما كما تقدم.
وهذا ما استحسنه الإمام، وقال الرافعي: إن كلام ابن الحداد في الوارث في هذا الباب يمكن تنزيله على ذلك؛ فيرتفع الخلاف، لكنه يحتاج إلى ضرب تعسفٍ.
قال: وإن أوصى للقاتل، أي: وهو حر، بطلت الوصية في أحد القولين؛ لعموم

قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس لقاتل وصيةٌ"؛ كما خرجه الدارقطني عن رواية علي.
ولأنه مال يملك بالموت؛ فاقتضى أن يمنع منه كالميراث، على أن الميراث أقوى التمليكات، فلما منع منه القتل كان أولى أن يمنع من الوصية.
وصحت في الآخر، وهو الأصح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 14]، ولم يفرق بين القاتل وغيره.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارثٍ"؛ فإنه يدل على أن الوصية للأجنبي صحيحة، وسواء كان قاتلا أو غيره.
ولأنه تمليك يفتقر إلى القبول، فلم يمنع منه القتل؛ كالبيع والإجارة.
وما ذكر من الخبر، فقد قال أهل الحديث - ومنهم عبد الحق-: "وإنه ضعيف"، فيه مبشر بن عييد وغيره.
ثم إن صح، حملناه كما قال القاضي أبو الطب على الميراث؛ لأن اسم الوصية يقع عليه؛ قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11] وأراد به: الميراث.
والجواب عن القياس على الميراث؛ بعلة استحقاقه بالموت، وهو منتقض بعتق أم الولد إذا قتلت سيدها، وحلول الدين إذا قتل رب الدين المدين، وأما الجواب عن قولهم بأن الميراث أقوى من الوصية، فممنوع؛ لأن الوصية ثبتت فيما لا يثبت فيه الميراث؛ لأنها تصح من المسلم للذمي، ولا يرث الذمي من المسلم.
وفي "رفع التمويه": أن الأستاذ أبا منصور البغدادي قال في "الناسخ والمنسوخ": إنه ينظر: إن كان قتله بحق من قصاص أو غيره، صحت الوصية له، وإن كان قتله ظلما فهو محل القولين.
وهذه الطريقة حكاها الرافعي عن صاحب التلخيص.

وعن القفال: أنه إذا رد الوصية على الإرث، فقال؛ إن ورثنا القاتل بحق، جوزنا الوصية له، وإلا ففيها الخلاف.
أما إذا أوصى للقاتل وهو رقيق، صحت وجها واحدا؛ لأن المستحق لذلك غيره وهو السيد.
واعلم أن المسألة مصورة في تعليق القاضي أبي الطيب بما إذا جرح إنسان إنسانا، فأوصى المجروح للجارح، ثم مات المجروح، وبما إذا أوصى لإنسان، فجرح الموصى له الموصي، ومات من جراحته.
والأحسن: ما في تعليق البندنيجي، وهو تصويرها بالصورة الأولى.
وفي الحكم بالصورة الثانية؛ أنها هل تبطل [بعد] صحتها أم لا؟ على قولين.
وحكى الإمام طريقين آخرين: أحدهما: أن الوصية في الأولى صحيحة قولا واحدا، ومحل الخلاف الصورة الثانية.
والثاني: أن الوصية في الثانية تبطل قولا واحدا، ومحل الخلاف في الأولى.
ثم إذا قلنا بالبطلان، فهل تنفذ [بإجازة الورثة؟ فيه وجهان، على قولنا: إن إجازة الورثة تتفيذ].
أما إذا قلنا: ابتداء عطية، صحت جزما، كذا قاله الإمام.
وقال عند الكلام في الوصية للوارث: إن الأصح عدم النفوذ.
وبنى الماوردي الوجهين على أن الوصية للوارث تنفذ بالإجازة أم لا؟ فإن نفذناها، نفذنا الوصية للقاتل بالإجازة، وإلا فلا.
ثم قال: والأصح هنا عدم التنفيذ، وإن كان الأصح ثم: التنفيذ.
ولا خلاف في أنه إذا أوصى لمن يقتله: أن الوصية باطلة؛ لأنها معصية، وقيها إغراء بقتله.
فرع: إذا قتلت المدبرة سيدها: إن قلنا: إن التدبير عتق بصفة فهو باق بحاله، وإن قلنا: وصية، كان في البطلان القولان.

قال الإمام: ومنهم من أجرى القولين - وإن قلنا: إنه عتق بصفة - لكونه يخرج من الثلث وعلى هذا جرى في التهذيب.
ويعضد هذه الطريقة أن الماوردي قال فيما لو وهب في مرضه لقاتله، أو حاباه في بيع، أو أبرأه من حق-: إن ذلك مخرج على القولين؛ لأن ذلك يخرج من الثلث، ولأنهما جاريان فيما لو أعتق في مرضه عبدا، فقتله العبد حتى يكون في نفوذ عتقه قولان.
فرع: إذا أوصى لمن جرحه، ثم قتل المجروح أجنبي، استحق الموصى له قولا واحدا؛ لأنه لم يمت بجرحه.
قال: وإن [أوصى] لحري أي: بغير سلاح، فقد قيل: تصح، كما تصح الهبة منه.
وهذا ما جزم به الماوردي، وهو منصوص في عيون المسائل.
وقيل: لا تصح؛ لأن القصد يقع للموصى له، ونحن مأمورون بقتله واستئصال ماله، فأي معنى في قصد نفعه؟! وهذا ما نقله صاحب التلخيص عن نص الشافعي رضي الله عنه، وهو الظاهر عند الأستاذ أبي منصور، والشيخ في "المهذب" نسبه إلى قول صاحب التلخيص نفسه.
قال: والأول أصح؛ لأنه تمليك يصح من الذمي فصح من الحربي؛ كالبيع، ولأنه إذا لم يمنع [الشركُ الحربي الوصية] إليه كالنكاح، وقد وافق الشيخ على تصحيح الأول الأكثرون، وفرقوا بينه وبين الوقف على الحربي، حيث كان الصحيح فيه المنع: بأن الوقف صدقة جارية، فاعتبر في الموقوف عليه الدوام، كما اعتبر في الوقف، وبأن معنى التمليك في الوصية أظهر منه في الوقف؛ لأن الموصى له يملك التصرف في رقبة الموصى به ومنفعته، ولا كذلك في الوقف.
وهذا الخلاف يجري مثله فيما لو أوصى لشخص وهو مرتد، كما صرح به الماوردي.
ومنهم من بنى صحة الوقف عليه على أن المرتد هل يملك أو لا؟ ثم لا فرق في

الوصية للحربي بين أن يكون في دار الكفر أو دار الإسلام عند القاضي أبي الطيب.
وغيره قيد المسلم بدار الحرب.
أما إذا كان الموصى به للحربي آلة الحرب، فهو كما لو باع منه سلاحا، وقد تقدم ذكره في البيع، صرح به الإمام.
قال: ولو أوصى لقبيلة كبيرة، أو لمواليه وله موالٍ من أعلى وموالٍ من أسفل - فعلى ما ذكرناه في الوقف، وقد تقدم، والمنصوص في البويطي في مسألة الموالي: الإشراك، وقد جمع الماوردي مسائل من تصح الوصية له بقوله: تجوز الوصية لكل من جاز الوقف عليه من صغير، وكبير، وعاقل، ومجنون، وموجود، ومعدوم، إذا لم [يكن وارثا ولا قاتلا]، وهذا يقتضي أن الوصية لعبد الغير تخرج عن القولين في الوقف عليه نفسه هل يصح أم لا؟ فإن صح كان للسيد أن ينزعه منه، وكذا يقتضي أن الوصية للدابة تخرج على الوجهين في أن الوقف عليها هل يصح أم لا؟ فإذا صح كانت وصية للمالك وينفق عليها، إن كان يعتقد جريان الخلاف فيها، وسيأتي الكلام في ذلك، إن شاء الله تعالى.
قال: وإن أوصى لما تحمل هذه المرأة، فقد قيل: يصح.
كما لو أوصى لمن يدخل البلد من الحجيج أو من الغرباء، كذا قاله ابن الخل والقاضي أبو الطيب.
ولأنه لو أوصى بحمل سيحدث صح، مع أنه تمليك ما لم يوجد؛ فلذلك يجوز تمليك عن لم يوجد، وهذا ما اختاره أبو إسحاق، وأورده الأستاذ أبو منصور.
وقيل: لا يصح؛ لأنه تمليك، وتمليك من لم يوجد ممتنع، ولأنه لا متعلق للعقد في الحال؛ فأشبه ما إذا وقف على مسجد سيبنى، وهذا أظهر عند الأكثرين من الأصحاب منهم المصنف، وبه جزم الماوردي.
وقد حكى القاضي الحسين أن الوجهين يبنيان على ما لو وقف داره على ولد سيحدث، أو على مسجد سيبنى، هل يصح؟

فيه قولان، وفيه وجه ثالث: وهو النظر إلى حال الموت: فإن كان [الحمل] موجودا حينئذ، صحت الوصية، وإلا فلا، وهذا ما أبداه ابن الصباغ احتمالًا لنفسه، وأيده بأن الوصية تصح للحمل في حال كونه نطفة، وإن كان لا يملك.
فرع: لو أوصى لأحد الرجلين لم يصح على أظهر الوجهين، كما في سائر التمليكات، ومحل الخلاف: إذا قال: أوصيت لأحد الرجلين، أما إذا قال: أعطوا هذا العبد أحد [الرجلين، ففي] المهذب والتهذيب وغيرهما: أنه جائز؛ تشبيها بما إذا قال لوكيله: بع من أحد الرجلين.
قال: ويستحق الوصية بالموت؛ إن كانت لغير معين: [كالفقراء، والمساكين، والعلماء، ونحوهم؛ لأنه لا يمكن اعتبار القبول منهم.
وإن كانت لمعين، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: تملك بالموت، أي: شاء أو أبى، كما ذكره القاضي أبو الطيب والبندنيجي؛ لأنه استحقاق بالوفاة، ولم يكن من شرطه القبول، كالميراث، ولأن التدبير وصية كسائر الوصايا، [يجب] أن ينجز بالموت؛ وهذا ما حكاه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وأبو ثور عن الشافعي.
ورأيت في نسخة من تعليق البندنيجي أن المزني نقله مع ابن عبد الحكم، فلعل ذلك غلط من الناسخ؛ فإن بعض الأصحاب قالوا: إن ابن عبد الحكم وأبا ثور تفردا بنقله عنه، وامتنع أبو إسحاق المروزي وأكثر المتقدمين من أصحابنا من إثباته قولا، ولم يثبتوا للشافعي سوى القولين الاثنين؛ لأنهما منصوصان في كتبه، وحملوا هذه الرواية على معنى أن بالقبول يحكم بدخوله بالموت في ملكه.
وابن أبي هريرة وأكثر المتأخرين من أصحابنا -كما قال الماوردي - أثبتوه قولا للشافعي.
والقائلون به يقولون: له رده، ويدخل في ملك الوارث من جهة الموصى له من حين الرد؛ كما ذكره أبو الطيب والبندنيجي.

قال: والثاني: بالموت والقبول؛ لأنه تمليك بعقد؛ فيوقف الملك فيه على القبول؛ كما في البيع ونحوه.
ووجهه ابن الصباغ والشيخ في المهذب بأنه تمليك يفتقر إلى القبول، فلم يقع الملك قبله كالهبة.
وهذا التعليل يفهم: أنا على القول الأول نعتبر الإتيان بالقبول، وإلا لكان مصادر، وعلى هذا ينطبق قول الغزالي: أما القبول فلا بد منه، وكذلك قول الإمام: لا خلاف أن القبول لا بد منه.
وقد يظهر هذا تناقضا، وليس كذلك؛ بل المراد: أن القبول لا بد منه: إما في حصول الملك على القولين الآخرين، أو في لزومه على هذا القول، كما صرح به الإمام.
فرع: لمن يكون الملك بعد الموت، وقبل القبول؟ فيه وجهان: أصحهما - وبه قال ابن سريج وأكثر البصريين-: أنه للوارث.
والثاني - وبه قال أبو إسحاق وأكثر البغداديين-: أنه مستبقى على ملك الميت، وعليهما يخرج ما إذا كان الموصى به زوجة الوارث.
فإن قلنا بالأول انفسخ النكاح، وإن قلنا بالثاني لم ينفسخ، قاله ابن الصباغ قبيل باب التعريض بالخطبة بورقة وشيء، بعد أن حكى في صدر المسألة عن ابن الحداد إطلاق القول بعدم انفساخ النكاح؛ إذا قبل الموصى له.
قال: والثالث - وهو الأصح-: أنه موقوف، فإن قبل حكم له بالملك، أي: يقينا، من حين الموت، وإن رد حكم بأنها ملك للوارث؛ لأنه لا يملك جعله بعد الموت للموصي؛ لأنه جماد والجماد لا يملك، ولا للورثة؛ لأنهم لا يملكون إلا بعد الدين والوصية؛ للنص، ولأنه يؤدي إلى أن ينتقل الملك إلى الموصى له منهم، وذلك خلاف وضع الوصية، ولا للموصى له، وإلا لما صح رده له كالميراث، فتعين الوقف مراعاة.
قال القاضي الحسين والمتولي: وهذا الخلاف كالخلاف المذكور في حصول الملك في البيع، وعليه تتفرع مسائل:

منها: كسب العبد، وثمرة الشجرة، وسائر زوائد الموصى به إذا حصلت قبل الموت، فهي له ولورثته من بعده، وإن حصلت بعد القبول، فهي للموصى له، وإن حصلت بعد الموت، وقبل القبول فعلى الأول والثالث: هي للموصى له.
وعلى الثاني: هي للورثة على الصحيح.
وقيل: للميت حتى يقضى منها ديونه.
وقيل: للموصى له.
وإن رد، وقلنا: ملك بالموت فهي له أيضاً، وبه جزم البندنيجي، وقيل: لا، وحكمها كما إذا قلنا: إنه لا يملك إلا بالقبول؛ فتكون للورثة على الصحيح، وقيل: للميت.
وحكم الحمل الحادث بعد الوصية بالجارية، حكم الزوائد الحادثة؛ فلا يدخل في الوصية، إذا كان قبل موت الموصى.
وحكى الإمام في كتاب التدبير عن شيخه إبداء احتمال في إجراء القولين في ولد المدبرة فيه، والظاهر القطع بالأول.
ومنها: نفقة الموصى به، إذا احتاج إلى نفقة، وكذا زكاة الفطر تبنى على الأقوال.
وفي الوسيط: أنها على الموصى له إن قبل على كل حال، وعلى الوارث أن يرد على كل قول، ولا يعود فيها الوجه المذكور في الزيادات، وإن كان يحتمل أن يقال: الغرم في مقابلة الغنم، لكن إدخال شيء في المال [فهذا] أهون من التزام مؤنه قهرا، وهذه طريقة الإمام؛ فإنه قال: ولا أحد من الأصحاب يستجيز إلزام الموصى له المؤن بين الموت والرد.
فإن هذا هجوم عظيم على القواعد.
ومنها: إذا كان قد زوج أمته من حر، وأوصى له بها، فإن رد الوصية استمر النكاح، إلا إذا قلنا: إنه يملك بالموت؛ فينفسخ من يوم الموت على الأصح، وفيه وجه حكاه المتولي.
وإن قبل انفسخ النكاح، ويكون من وقت الموت على قول، ومن وقت القبول على آخر.
وإن كان قد زوجها من وارثه، ثم أوصى بها لغيره، فإن قبل الموصى له الوصية استمر النكاح، إلا إذا قلنا: إن الملك يحصل بالقبول وأنه قل الموت

للوارث، ففيه وجهان: أظهرهما: الانفساخ.
ووجه الثاني: أن الملك ضعيف يتعلق باختيار الغير.
وإن رد انفسخ النكاح، وفي استناده إلى حالة الموت هذا الخلاف.
وهذا إذا خرجت من الثلث، فإن لم تخرج ولم يجز الورثة، انفسخ أيضاً؛ لوجود شيء منها في ملكه.
وإن أجازوا وقلنا بحصول الملك بالموت أو بالتوقف، فهل ينفسخ؟ إن قلنا: إن إجازتهم تنفيذ، وإلا فقد انفسخ.
ومنها: إذا أوصى له بمن يعتق عليه، فإن قلنا: إنه يملك بالموت، عتق عليه من غير قبول، فإن رد فهل يرتد العتق؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ كما لو اشترى من يعتق عليه بشرط الخيار، كان له فسخ العقد.
والثاني لا، وبه جزم المتولي، بخلاف الخيار في البيع.
قال القاضي الحسين: لأن الخيار شرع؛ لاستدراك الظلامة، فلو قلنا: ليس له الفسخ لرفعنا معنى الخيار، بخلاف ما نحن فيه.
وحكى الإمام الوجهين في أن العتق هل ينفذ قبل القبول أم لا؟ تفريعا على أنه ملك بالموت، وشبه الخلاف بما إذا أنشأ المشتري العتق في زمن الخيار، مع قولنا: إن الملك له، وأبدى بينهما فرقا ظاهرا؛ وعلى ذلك جرى الرافعي حيث قال: المذهب أن العتق لا ينفذ قبل القبول.
وإن قلنا: لا يملك إلا بالقبول إذا قلنا بالوقف، فلم يقبل، لم يعتق، والأولى له أن يقبل، وسيأتي في كتاب العتق حكاية وجه في وجوب القبول إذا لم يلزمه نفقته.
فرع: إذا أوصى بعتق عبده بعد موته، ثم مات، فلمن يكون الملك قبل اتفاق العتق؟

قال الرافعي والمتولي: إنه للوارث قولا واحدا، ومساق هذا أن العبد إذا اكتسب مالا قبل: العتق يكون للوارث؛ كما لو اكتسب الموصى به مالا قبل القبول، وقلنا بحصول الملك به لا قبله.
وقد حكى الروياني في "البحر" - في باب الإقراع بين العبيد - في كسبه قولين: أحدهما: أنه للوارث.
والثاني: للعبد المعتق.
وهذا كالعبد الموصى به لإنسان إذا اكتسب العبد مالًا بعد موت سيده، وقبل القبول، لمن يكون كسبه؟ وفيه قولان: أحدهما: للوارث.
والثاني: للموصى له.
وإن منهم من قال: يكون للعبد قولا واحدا، وهو الصحيح.
والفرق أن العبد استحق العتق بموت السيد استحقاقا مستقرًّا لا يسقط بوجه من الوجوه، وليس كذلك الموصى له؛ فإنه بالخيار: إن شاء قبل، وإن شاء رد.
قال: فإن لم يقبل ولم يرد وطالب الورثة، أي: على القولين الآخرين – خيره الحاكم بين القبول والرد، فإن لم يفعل حكم عليه بالإبطال؛ لأن الملك متردد بينه وبين الوارث؛ فأشبه المتحجر إذا امتنع من الإحياء.
وعلى هذا؛ عليه النفقة إلى أن يختار، وهذا الكلام من الشيخ يفهم أن القبول لا يشترط أن يكون على الفور.
وقد فصل الماوردي فقال: إن لم يعلم الموصى له بحقه في القبول إلى أن يعلم، [فإن كان علمه] عند انعقاد الوصايا وقسمة التركة، فقبوله على الفور، فإن قبل وإلا بطل حقه في الوصية.
فأما بعد علمه وقبل إنفاذ الوصايا وقسمة التركة، فمذهب الشافعي، وجمهور أصحابه: أن القبول فيه على التراخي؛ فيكون ممتدًّا ما لم يصرح بالرد، حتى تنفذ الوصايا وتقسم التركة.
وحكى أبو القاسم بن كج عن بعض أصحابنا: أن القبول بعد علمه على الفور؛ كالهبة.

وحكى في البحر: أن منهم من جعل نهايته ثلاثة أيام.
وهل يقوم رهن الموصى له الموصى به مقام قبوله؟ فيه ثلاثة أوجه حكاها الإمام في كتاب الرهن: أحدها: نعم، ويصح الرهن.
والثاني: لا، فلا يصح الرهن.
والثالث: يكون قبولا، ولا يصح الرهن.
ويظهر جريان هذا الخلاف في كل تصرف في معنى الرهن أو أقوى منه؛ كالبيع ونحوه، ولا خلاف في أن القبول في هذه الوصية لا يعتد به قبل الموت، وكذا الرد فيها.
قال: وإن قبل الوصية وقبض ثم رد، لم يصح الرد؛ لأن ملكه قد استقر؛ فلم يملك إبطاله؛ كالملك بعد القبض في الهبة.
قال: وإن رد بعد القبول وقبل القبض، فقد قيل: يبطل - أي عقد الوصية - وهو ظاهر النص في الأم والمذهب في تعليق البندنيجي، والأصح في غيره، قياسا على الغانمين؛ فإنهم يملكون الغنيمة بالاستيلاء، ولو أعرضوا سقط حقهم لأهل الخمس؛ كذا قاله المتولي.
ولأنه تمليك من جهة آدمي من غير بدل؛ فصح رده بعد القبول وقبل القبض؛ كالوقف إذا رده بعد القبول وقبل القبض فإنه يرتد، وإن كان مالكا.
[كذا] قاله الماوردي، والظاهر: أنه يرتد بالنسبة إلى الريع لا بالنسبة إلى إبطال الوقف.
وقيل: لا يبطل؛ لأن المعقود عليه ليس من شرط الملك فيه القبض؛ فلم يملك رده بعد القبول؛ كالبيع، وهذا ما قطع به المراوزة، كما حكاه الإمام قبيل باب نكاح المريض، وأن العراقيين ارتضوه، وحكوا معه وجها آخر.
وأشار إلى الأول ثم قال: وهو ضعيف لا مستند له من أثر [الرد]، ولا معنى، فلست أعتد به.
ثم على القول الثاني، إذا قبل الوارث الرد، فهل يصح الرد؟ فيه وجهان:

أحدهما: نعم، ويكون كالإقالة؛ فيعود المال إلى التركة.
والثاني: لا، إلا أن يأتي الموصى له بإيجاب وقبول وشروط الهبة، وحينئذ يكون ملكا للوارث لا للتركة؛ [كذا] حكاه الماوردي.
واعلم أن الوصية بالمال تنعقد بالإيجاب الصريح، وهو قوله: أوصيت لك بكذا، أو أعطيتك كذا، أو أعطوه، أو جعلت هذه الدار ملكه بعد الموت.
ولو قال: "عينت هذا له"، فهو كناية تنعقد بها الوصية عند النية.
ولو قال: "وهبت هذا منه"، ففى كونه كناية وجهان: أصحهما: لا، فلو قال: "هذه لفلان"، ثم قال: أردت الوصية، لم يقبل إلا أن يقول: "هذا من مالي لفلان".
ولو قال له إنسان: أوصيت لفلان بكذا؟ فقال: نعم.
قال المتولي: لا نجعل ذلك وصية؛ لأنه لم يأت بلفظ عقد.
فهذا يشكك بما حكيناه عنه في نظر المسألة من البيع.
ولا يكفي في الوصية الكتابة، نعم لو كتب، ثم قال للشهود: [اشهدوا] أن مضمونها وصيتي، وختمها فهو ختمى - فهل يعمل به؟ فيه وجهان: المشهور: لا.
وحكى في التتمة عن محمد بن نصر المروزي من أصحابنا أنه قال: يكفي، وتثبت الوصية بالشهادة على ذلك، وهو نظير وجه حكاه الغزالي في الباب الثالث في القضاء على الغائب، فيما إذا أسلم المقر [له] الضالة إلى الشهود، وقال: اشهدوا بما فيها؛ فإني عالم به، وقال: لعله الأصح، لكنه علله بأنه مقر على نفسه بما لا يتعلق [بحق] الغير، والإقرار بالمجهول صحيح، وهنا قد يقال: إن ذلك يتعلق بحق الغير.
وعن بعض أصحابنا فيما رواه أبو الحسن العبادي: أنه تكفي الكتابة من غير إشهاد؛ لقوله - عليه السلام-: "إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه".

قال: وإن مات الموصى له قبل الموت، بطلت الوصية؛ لأنها قبل الموت غير لازمة، فبطلت بالموت؛ كما لو مات أحد المتعاقدين في البيع قبل القبول.
قال: وإن مات بعد موته - أي: وقبل القبول والرد - قام الوارث مقامه في القبول والرد؛ لأنه حق يملك ثبت للوارث بغير اختيار من له العين، فقام الوارث فيه مقام الموروث؛ كالآخذ بالشفعة.
قال الأصحاب: وليس لنا قبول يبقى بعد موت الموجب له [والموجب]، إلا هذا.
ووراء ذلك أمران آخران: أحدهما: حكى الشاشي قولاً: أن الوصية تبطل بموت الموصى له قبل القبول.
الثاني: حكى الإمام وجها عن رواية الشيخ أبي علي: أن الموصى به إذا كان ممن يعتق على الموصى له: كأبيه، وابنه، لا يجوز للوارث القبول؛ فإنا لو صححنا القبول، لعتق على الميت، ولثبت له الولاء عليه، ولا سبيل لإثبات الولاء للميت، بغير إذنه؛ وهذا بناء منه على أنه يعتق على الميت.
وستعرف الخلاف فيه.
ثم على الصحيح: إذا قبل الوارث، فلمن يحصل الملك في الموصى به ابتداء؟ قال الأصحاب: ذلك ينبني على أقوال الملك: فإن قلنا: يملك بالقبول، ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول ابن أبى هريرة وأبى حامد المروروزي؛ كما حكاه الماوردي: أنه حاصل للورثة ابتداء، وبهذا أجاب ابن الصباغ وأبو الطيب وآخرون.
وعلى هذا: فهل تقضى منه ديون الميت، وتنفذ وصاياه؟ فيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب في المجرد، ووجه القضاء وهو المذهب في البحر، والذي حكاه ابن الصباغ عن الأصحاب: أنهم ملكوه بما ورثوه عنه من القبول، فهو موروث بسبب من جهته؛ كما يملكون الدية إذا قتل وتقضى منها ديونه، وإن قلنا: إنها ثبتت للوارث ابتداء.

ومقابله اختيار أبي حامد، ولم يحك في البحر والحاوي في كتاب الأقضية واليمين مع الشاهد سواه، وقالا: إن الموصى به يكون بين الورثة على السواء؛ تفريعا على هذا وإن تفاوتوا في الميراث، دون ما إذا قلنا: إن الملك حاصل للميت.
[والثاني]- وهو الظاهر من مذهب الشافعي كما قاله الماوردي، وبه قال أكثر البصريين، وحكاه ابن كج عن شيوخه: أنه يثبت ابتداء للميت؛ لأن الموصى إنما أثبت الملك للموصى له؛ فلا يثبت لغيره، وقبول الوارث نيابة عنه، وعلى هذا قال الغزالي: يستند الملك إلى ألطف حين قبل موت الموصى له.
وإن قلنا بقول الوقف أو بقول انتقال الملك بنفس الموت - فالملك حاصل للموصى له.
وعلى ما ذكرناه ينبني ما إذا كانت الوصية بمن يعتق على الموصى له، فحيث قلنا؛ إن الملك يحصل ابتداء للوارث، فإن كان ممن يعتق عليه الموصى به أيضاً، كما إذا كان وارث الموصى له أباه والموصى به ابنه - عتق على الوارث أيضاً، وولاؤه له.
وإن كان ممن لا يعتق عليه، فلا يعتق.
وحيث قلنا: يحصل الملك للموصى له ابتداء عتق عليه، ولكن هل يرث منه؟ ينظر: إن حكمنا بحريته عند القبول، فلا.
وإن حكمنا بحريته عند الموت: فإن كان ممن يحجب الوارث القابل كما إذا كان القابل أخا للموصى له أو عمه، والموصى به ولده - فلا يرث؛ لأن ثبوته يؤدي إلى نفيه.
وأبدى ابن الصباغ في هذه الصورة احتمالا موافقا لما ذكر أنه أبداه في الإقرار من توريث الابن الذي أقر به عمه.
وإن كان الوارث القابل ابنا، والموصى به ابنا آخر، فوجهان حكاهما القاضي في المجرد.
أحدهما: أنه يرث؛ لأنه ليس في إرثه سقوط إرث أخيه الذي قبل الوصية؛ فلا يؤدي توريثه إلى نفيه، وهذا ما جزم به الماوردي.
والثاني: لا يرث، وهو من تخريج ابن سريج، وصححه الروياني والغزالي.

وكذا هو عند الإمام كما حكاه في نفوذ نكاح العبد, ووجهه: أنا لو ورثناه لاعتبرنا قبوله, ولا يعتبر قبوله في حال رقه, ولا فائدة فيه بعد العتق.
وعلى الأول قال الداركي: محله إذا كان القبول قد ثبت للموصى له وهو صحيح, أما إذا ثبت له وهو مريض, ثم مات قبل القبول – لم يرث الموصى به؛ لأن قبول الوارث يقوم مقام قبول الموروث.
ولو قبل الموروث في حال مرضه, لكانت وصية للموصى به الذي يعتق عليه ولم يرثه؛ فكذلك هاهنا؛ ألا ترى أنه إذا أوصى له بولده, فقبل الوصية وهو مريض, فإنه يعتق عليه ولا يرثه؟ وهذا منه تفريع على ما استشهد به كما هو ظاهر النص في التتمة في هذا الباب, وإلا ففي مسألة الاستشهاد وجه يأتي في العتق – إن شاء الله تعالى – أنه لا يحسب عليه من الثلث ويرثه.
ولو كان وارث الموصى له ابنان, فقبل أحدهما, ورد الثاني, قال الإمام: فالذي ذكره الأصحاب: أن القدر الذي قبله يعتق على الميت ثم إن كان نصيب القابل من التركة التي في يده تفي بالسراية, سرى, ويكون العتق عن الميت ابتداء وسراية والولاء له, ويرث الابن القابل وكذا الراد على أصح الوجهين.
وإن لم يكن في يده من التركة شيء أصلا فلا يسري.
وجواب الشيخ أبي على: أنه لا يسري في الصورة الأولى أيضاً؛ فإنه لو سرى لسرى عن الميت, والعتق لا يسري على ميت؛ لأن حكمه حكم المعسرين.
قال الإمام: ولا وجه إلا ما ذكره الشيخ, وما سواه غلط في القياس.
قلت: وفيما قالاه نظر؛ لأنا نفرع على قولنا الوقف, فإذا حصل القبول من الوارث, تبينا حصول العتق عند موت الموصي, وذلك في حياة الموصى له, فإذا أسرينا العتق لم نسره على ميت, بل [نسره] على حي.
قال: وتجوز الوصية بثلث المال, أي: الفاضل عن وفاء الدين؛ لما روى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل المدينة سأل عن البراء بن معرور, فقالوا: هلك وأوصى لك بثلث ماله, فقبله ورده على ورثته.

وقيل: إنه كان أول من أوصى بالثلث, وأول من أوصى بأن يدفن إلى القبلة, ثم صارا جميعاً سنة مشروعة.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون الموصي جاهلا بقدر ثلثه أو عالما.
ثم الاعتبار بثلث ماله حال الوصية أو حال الموت؟ فيه وجهان: [الذي ذهب إليه أكثر البغداديين منهما: الأول؛ حتى لا يدخل فيه ما حدث له من بعد].
والذي ذهب إليه أكثر البصريين: الثاني, وهو الذي صححه البندنيجي والرافعي.
وحكي عن بعضهم الجزم به.
ومساق هذا الخلاف أنه لو كان ثلث ماله عند الوصية مائة, وصار عند الموت ألفا: أن الوصية هل تكون بثلث المائة أو بثلث الألف؟ وقد حكى الإمام عند الكلام فيما إذا قال: [أعطوه] رأسا من رقيقي عن الشيخ أبي علي في شرح التلخيص, أن الأصحاب لم يختلفوا في صرف ثلث ما خلفه, وإنما اعتبرنا كون ذلك فاضلا عن الدين.
وإن كانت الوصية في الآية مقدمة تلاوة, وبها عمل أبو ثور؛ فقدم الوصية على الدين؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال: "إنكم تقرءون الوصية قبل الدين, والدين مقدم عليها", ولا يقول هذا إلا توفيقا.
ولأن الدين آكد من الوصية؛ فإنه لو استغرق جميع التركة لم يكن للورثة اعتراض بخلاف الوصية.
وإذا كان أقوى وجب أن يكون مقدما على الأضعف, وعلى هذا لا نقول بأن الوصية مع وجود الدين لا تصح؛ لأنه لو حصل إبراء من الدين أو تبرع أحد فقضاه من غير التركة, نفذت الوصية في التركة.
قال: فإن كان ورثته أغنياء, أي: بمال لهم, أو بما يحصل من ثلثي التركة كما قاله القاضي أبو الطيب والبندنيجي وصاحب البحر – استحب أن يستوفى الثلث, وإن كانوا فقراء, أي: لا يغنيهم الثلثان كما قال [القاضي] أبو الطيب وغيره – استحب ألا يستوفى الثلث؛ لما روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال:

عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع [من وجع] أشفيت منه على الموت, قلت: يا رسول الله, بلغ منى الوجع ما ترى, وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة, أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا", قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: "لا", قلت: فالثلث؟ قال: "الثلث, والثلث كثيرٌ؛ إنك أن تذر ورثتك أغنياء, خير لك من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس.
ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله, إلا أثبت عليها, حتى اللقمة تجعلها في فِي امرأتك".
وأراد سعد بأنه ليس من يرثه, [أي: من ذوي] الأنصباء, أو من [بني] الأولاد, وإلا فبنو عمه من بني زهرة, وفيهم كثرة.
ومعنى قوله – عليه السلام -: "عالة" أي: فقراء, كما قاله الأزهري, وقال الجوهري: العيلة والعالة: الفاقة.
ويتكففون الناس: أي: يسألون الصدقة بأكفهم.
وقد قال ابن الصباغ: في هذه الحالة التي ذكرها الشيخ يكون الاستحباب [في الوصية] بالربع فما دونه.
وقال القاضي أبو الطيب: إن كان ورثته لا يفضل ماله عن غيابهم, فالأفضل ألا يوصي.
وفي الرافعي إطلاق القول بأن المستحب ألا يستوفي الثلث؛ للخبر, ولما روى عن علي – رضي الله عنه – أنه قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلى من أن أوصي بالربع, ولأن أوصي بالربع أحب إلى من أن أوصي بالثلث, فمن أوصى بالثلث فلم يترك.
وهذا ما حكاه الروياني عن بعض أصحابنا بخراسان.
قال: وإن أوصى بأكثر من الثلث ولا وارث له, بطلت الوصية فيما زاد على الثلث, أي: وصحت في الثلث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أعطاكم عند وفاتكم ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم"؛ فدل على عدم ملكه لما زاد على الثلث.
ولأن

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل