كتاب الأقضية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
والقاضي الحسين والإمام سواه.
وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر قال به البصريون من أصحابنا: أنه لا يجوز له قبول كتاب غيره؛ كالشهادة عند المعزول لا يحكم بها المولى بعده، وعلى هذا: فالأحوط أن يكون كتاب القاضي الأول إلى من يبلغه من قضاة المسلمين؛ فإنه إذا كان كذلك حكم به من وصل إليه.
[وعلى الأول] قال القاضي أبو الطيب: الذي يقتضيه المذهب: أنهما إذا شهدا عند قاض آخر، والمكتوب إليه حي، وهو على عمله- أنه يجوز ويحكم به، وكذا إذا ولي المكتوب إليه موضعاً آخر، فحمل الكتاب إليه فيه، وعلى ذلك ينطبق قول القاضي الحسين، الذي حكى الإمام بعضه: [إنه لو] آثر شهود الكتاب المنجز من حاكم مَرْوَرُّوذ إلى حاكم نيسابور، المقام بسرخس، أو الانعطاف إلى مروروذ، أو قالوا: لا نصحبك إلا بجُعْلٍ؛ لجواز ذلك لهما؛ لما يلحقهم في قطع تلك المسافة من المشقة العظيمة- فالمدعي بالخيار بين أن يشهد على شهادتهم جماعة يصحبونه في الطريق إلى نيسابور، ويشهدون له في مجلس قاضيها، [وليس لهم أن يقولوا: لا تشهد على شهادتنا إلا بجعل- وبين أن يثبت ذلك في مجلس قاضي سرخس]، وينجز منه كتاباً إلى قاضي نيسابور.
قال: وكذا لو استقبله الخصم في الطريق، له أن يثبت ذلك في مجلس كل قاض أمكنه.
وفي "التهذيب": أنهم لو أرادوا المقام في موضع ليس فيه قاض ولا شهود، ليس لهم ذلك، بل عليهم المضي إلى موضع فيه قاض] وشهود، وأنهم لو طلبوا الأجرة في هذه [الحالة] فليس لهم إلا نفقتهم، وكذا دوابهم، بخلاف ما لو طلبوا أكثر من ذلك عند ابتداء الخروج من بلد القاضي الكاتب؛ حيث لا يكلفون الخروج والقناعة؛ لأن هناك يمكن إشهاد غيرهم، وها هنا حامل الكتاب مضطر إليهم.
فرع: لو مات القاضي الكاتب، أو عزل وولى غيره، فرفع إليه كتاب الذي قبله- فهل يعمل به؟
قال في "الحاوي" و"البحر": إن تضمن كتابه سماع البينة دون الحكم بقبولها، فلا يجوز للثاني أن يحكم [بقبولها بسماع الأول حتى يستأنف الشهادة، وإن تضمن السماع والحكم] بقبولها وإلزام الحق الذي تضمنها، عمل به الثاني ونفذه، وإن تضمن السماع والحكم بقبولها دون الحكم بإلزام [ما تضمنه: فإن كان من شهد عنده حيّاً موجوداً، لم يكن للثاني أن يبني على حكم الأول بالقبول حتى] يستأنف سماع الشهادة والحكم؛ لأن القدرة على شهود الأصل تمنع من الحكم بشهادة شهود الفرع، وإن كان ميتاً أو غير موجود كان للثاني أن يبني على حكم الأول؛ فيحكم بالإلزام [على حكم] الأول بالقبول؛ لأن تعذر القدرة على شهود الأصل يبيع الحكم بشهادة الفرع.
قلت: وينبغي أن يتخرج على هذا ما لو ثبت عند القاضي حق ولم يحكم به، فعزل ثم ولي، هل يسوغ له الحكم به أم لا؟ وما قاله الإمام وغيره من أنه إذا أقيمت بينة في مجلس القاضي، فغاب قبل القضاء بها، وخرج عن محل ولايته، ثم عاد فهل يبني القضاء على البينة السابقة أو يستعيدها؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا.
والثاني: يستعيدها؛ كما لو عزل وولي ثانياً؛ فإنه لا خلاف أنه يستعيدها، فلعله محمول على حالة وجود الشهود كما ترشد إليه قوة الكلام، أو محمول على حالة سماع البينة [دون الحكم] بقبولها، وإليه يرشد التصوير.
على أن الإمام قال: في المسألة احتمال- وقد حكاه في "التهذيب" وجهاً في كتاب القسامة-: أنه إذا ولي المعزول ثانياً لا يستأنف البينة.
فإن قلت: ما ذكره الماوردي يظهر أنه متفرع على ما هو محكي عن عامة الأصحاب من أن سماع البينة من القاضي سبيله سبيل نقل شاهد الفرع شهادة شاهد الأصل، [أما] إذا قلنا: سبيله سبيل الحكم بقيام البينة- كما رآه الإمام الأظهر- فيظهر أن يقال ها هنا: إن للثاني أن يحكم، وإن كان من شهد عند الميت أو المعزول حاضراً؛ كما ينقل هو بنفسه ذلك إليه.
قلت: كلام الإمام الذي حكيته من قبل يأباه، بل مصرح بنفيه، لكن النص الذي وعدت به ثم لا يأباه، بل مصرح به.
واعلم أن ما ذكرناه من عمل المكتوب إليه بالكتاب عند موت الكاتب أو عزله منوط بما إذا لم يكن المكتوب إليه نائباً عن الكاتب، أما إذا كان نائباً عنه، فعمله به ينبني على أنه ينعزل بموته وعزله أم لا؟ وفيه طرق:
إحداها: إن كان الاستخلاف بغير الإذن وجوزناه انعزل، وإن كان بالإذن فوجهان، كذا حكاهما القاضي الحسين في باب ما على القاضي في الخصوم.
الثانية: ينعزل خلفاؤه إن كان خاص العمل كقاضي قرية أو صقع قد استخلف فيه من ينوب [عنه] في القضاء، وإن كان عام الولاية في جميع الأمصار كقاضي القضاة، ففي انعزال القضاة بموته وجهان:
أحدهما: لا ينعزلون؛ لعموم نظره كالإمام.
والثاني: ينعزلون بموته لخصوص نظره بالقضاء فكان كقاضي إقليم، وهذا ما أورده الماوردي.
الثالثة: وهي التي أوردها القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ- إطلاق وجهين فيه:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق وأبوي علي ابن أبي هريرة والطبري؛ كما نقله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والجمهور، كما قاله الرافعي، وجعله البندنيجي المذهب، واختاره في المرشد أنه ينعزل كالوكيل.
والثاني:- وهو ما صححه القاضي الحسين عند الكلام فيما نحن فيه، وقال في "البحر": إن القفال اختاره-: أنه لا ينعزل؛ لأنه نصبه لحكم المسلمين، لا في ملكه؛
فهو معه كالإمام الأعظم مع القضاة والأمراء، فإنهم لا ينعزلون بموته ولا عزله.
والقائلون بالأول افترقوا:
فمنهم من سوى بين الإمام والقاضي، وقال: من ولاه الإمام ينعزل بموته وعزله أيضاً؛ كما حكاه الإمام والمارودي قبله، وعلى هذا فلا فرق.
والجمهور سلموا الحكم بعدم انعزال من ولاه الإمام بموته أو عزله، وادعى القاضي [أبو الطيب] أنه لا خلاف فيه، وكذلك صاحب "التلخيص" كما نقله في "البحر"، ومنعوا كون القاضي يعقد للمسلمين، بخلاف الإمام، واستدلوا لذلك بأن الإمام ليس له أن يعزل القاضي إذا لم تتغير حاله، ولو عزله لم ينعزل، وليس كذلك نائب القاضي؛ فإن له عزله، وفرقوا بأن القضاة لو انعزلوا بموت الإمام [أو عزله]، لأدى إلى الضرر العظيم الواصل إلى كافة الأمة، بخلاف خليفة القاضي؛ كذا قاله [القاضي] أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ.
وإذا جمعت بين الطرق واختصرت قلت: في عزل من ولاه القاضي بعزله أو موته أوجه:
ثالثها: إن استخلف بالإذن لم ينعزل.
وإلا انعزل، ولم يورد الغزالي سواها.
ورابعها: إن كان المولى قاضي القضاة لم ينعزل بموته، وعزله من ولاه، وإلا انعزل.
وفي "الرافعي" عوضاً عن الوجه الثالث الذي ذكرناه، فإنه إن استخلف بغير الإذن انعزل، وإن كان بالإذن: فإن قال: استخلف عني، لم ينعزل، وإن قال: عن نفسك، أو أطلق فينعزل؛ لظهور غرض المعاونة، وبطلان المعاونة ببطلان ولايته.
وجعل هذا الوجه أظهر الوجوه، وبه يجيء في المسألة خمسة أوجه.
وهذا كله فيمن استخلف للحكم، أما من استخلف في سماع شهادة أو أمر خاص فينعزل جزماً، وأما المستخلف على الأيتام والوقوف فقد ألحقه في "الوسيط" بالمستخلف في الحكم، والذي جزم به صاحب "الحاوي" وتبعه صاحب "البحر":
أنهم لا ينعزلون، وهو ما قال الرافعي: إنه المشهور؛ كي لا تختل أبواب المصالح، وصار سبيلهم سبيل القوام المنصوبين من جهة الواقفين.
ولو كان الإمام قد نصب بنفسه نائباً عن القاضي في الحكم، فعن أبي الفرج السرخسي: أنه لا ينعزل بموت القاضي وانعزاله؛ لأنه مأذون من جهة الإمام.
قال الرافعي: ويجوز أن يقال: إذا كان الإذن مقيداً بالنيابة ولم يبق الأصل، لم يبق النائب.
قلت: قد حكيت عن الماوردي في أوائل باب ولاية القاضي أن الإمام إذا استناب شخصاً، وصرح في التولية له بأنه نائب عن القاضي المولى من جهته قبل ذلك- هل لذلك القاضي عزله أم لا؟ فيه وجهان: فإن قلنا: ليس له عزله، فكذلك ها هنا لا ينعزل بموته وعزله، وإن قلنا: له عزله، يشبه أن يخرج على الخلاف، والله أعلم.
وقد تعلق بما نحن فيه كلام تقدم الوعد به، وهو أن القاضي هل يسوغ عزله مع سلامة الحال، ونحن الآن نخوض فيه، فنقول: إن كان القاضي خليفة لقاض آخر، فقد حكينا ها هنا عن الأصحاب أن لأصله عزله.
وفي "الشامل": أنه يجيء على قول من قال: إن خليفة القاضي لا ينعزل بموته، أنه ليس له أن يعزله مع سلامة الحال، وهذا قد قاله القاضي أبو الطيب، لكن [ليس] بصيغة الاحتمال والتخريج، بل كما يحكي غيره عن المذهب.
وإن كان القاضي قد ولاه الإمام فقد حكينا ها هنا عن الأصحاب أنهم قالوا: ليس للإمام عزله مع سلامة الحال.
وقد حكاه الماوردي هنا عن الجمهور؛ بناءً على الفرق [بين القاضي] والإمام.
وقضية ما حكيناه عن بعض الأصحاب من التسوية بين من ولاه الإمام والقاضي في الانعزال بالموت والعزل: أن له عزله مع سلامة الحال، وهو الذي جزم به الماوردي في أوائل كتاب الأقضية، وجعل تولية القضاء من العقود الجائزة.
وقد حكى الوجهين صاحب "الإبانة" والعدة في غير هذا الموضع، وبناهما
القاضي أبو الطيب عند الكلام في الاستخلاف على أنه هل يجوز استخلاف القاضي فيما يقدر على مباشرته بنفسه أم لا؟
فإن قلنا: يجوز- كما قاله الإصطخري؛ لأنه صار بالولاية كالإمام- فالإمام لا يجوز له عزل القاضي [مع سلامة الحال.
وإن قلنا: يمتنع الاستخلاف كما في الوكيل، فللإمام عزل القاضي].
لكن قضية هذا البناء: أن يكون الصحيح جواز العزل؛ لأن الصحيح منع الاستخلاف عند القدرة كما تقدم، والذي حكاه جمهور الأصحاب من العراقيين: منع العزل مع سلامة الحال، وقد أشار إلى ذلك ابن الصباغ عند الكلام في الاستخلاف أيضاً.
وحكى الإمام عن [القاضي] أنه قال: له عزله إذا رابه منه أمر، ويكفي فيه غلبة الظن بذلك، ولو لم يظن غير الخير فإن لم يكن ثَمّ من يصلح للقضاء لم ينعزل، وإن كان ثَمّ من هو أصلح منه انعزل، وإن كان مثله فوجهان.
ثم قال: وإطلاق الكلام على هذا الترتيب غفلة عما يراد في هذا الباب، فنقول أولاً: حق على الإمام ألا يصدر شيئاً من أمور المسلمين إلا عن رأي ثاقب وبحث ونظر في الصلاح، وهذا مطرد في العزل والتولية، فإن عزل شخصاً وولى دونه؛ لمصلحة- وهو إن رأى أن الأصلح [أولى لشغل أولى] مما هو فيه- فهذا ينفذ ويجب القطع به، ولا يجوز تقدير خلاف فيه، وإن فرض منه عزل مطلق، فلا اعتراض عليه إذا كان يتطرق إليه إمكان النظر، ولا يجوز أن يكون فيه خلاف.
وإن رددنا الكلام إليه في نفسه وقلنا: لو لم يصدر عزله عن نظر، فهل ينفذ ذلك؟ فهذا تردد فيه بعض الناس المنتمين إلى الأصول، والذي أقطع به أنه ينفذ، ولكن يتعرض صاحب الأمر بترك الأصلح لخطر المأثم، ولو لم يقل بهذا لرددنا حكم من ولاه ثانياً، وهذا يجر خبلاً عظيماً، ولست ألتزم الخوض فيه.
والذي رأيته في "تعليق" القاضي: [أنه] إن عزله بمن هو أصلح منه انعزل، وإن
عزله بمن هو دونه لم ينعزل على المذهب.
وقال في "الوسيط"- على الأظهر-: وإن عزله بمثله فوجهان.
وبين عبارة الإمام وهذه فرق فتأمله.
وقد وافق الماوردي الإمام في بعض ما أبداه من التفصيل في أواخر كتاب الأقضية، حيث قال: إذا عزل الإمام المولى عن اجتهاد أدى إليه، إما لظهور ضعفه وإما لوجود من هو أكفأ منه- جاز، وإن عزله مع الاستقامة نفذ وإن كان غير جائز؛ لأن عزله حكم من أحكام الإمام، وأحكام الإمام إذا لم تخالف نصاً ولا إجماعاً لا ترد.
وحكى ابن أبي الدم أن الشيخ أبا علي قال في "شرحه الكبير": إذا ولى الإمام قاضياً لم يتعين عليه، فعزله بمثله أو بمن هو أصلح منه- قال القفال: لا ينعزل؛ لأنه صار قاضياً من جهة الله تعالى.
وقال بعض شيوخنا: ينعزل، وعلى هذا لو أخبر الإمام أن قاضي بلد كذا قد مات، فولى غيره، ثم بان كونه حيّاً- لم ينعزل الأول عند القفال، وعلى الوجه الثاني ينعزل، وتكون الولاية للثاني، وهو ما أورده الرافعي من غير بناء.
وهذا حكم عزله، أما عزله نفسه فقد قال في "الحاوي": إنه لا يكون قوله: عزلت نفسي، [عزلاً]؛ لأن العزل يكون من المولي، وهو لا يجوز أن يولي نفسه؛ فلم يجز أن يعزلها.
نعم، إن كان معذوراً جاز اعتزاله، وإن كان بغير عذر مع من الاعتزال، وإن لم يجبر عليه؛ لأن ولاية القضاء من العقود الجائزة؛ ولذلك نفذ فيه عزل الإمام، وإن خالف الأولى، لكن لا يجوز أن يعتزل إلا بعد إعلام الإمام واستعفائه؛ لأنه موكول إلى عمل تحرم إضاعته، وعلى الإمام أن يعفيه من النظر إذا وجد غيره؛ حتى لا يخلو العمل من ناظر، فإن أعفاه قبل ارتياد غيره جاز إن كان لا يتعذر، ولم يجز إن تعذر، ويتم عزله باستعفائه وإعفائه، ولا يتم بأحدهما، فإن نظر بين استعفائه وإعفائه صح نظره.
وصاحب "التهذيب" و"الكافي" قالا: إذا عزل نفسه [هل] ينعزل؟ حكمه
حكم الإمام إذا عزله.
وجزم في "النهاية" و"الحاوي" في أوائل كتاب الأقضية بانعزاله، وكذا الرافعي وقاسه على الوكيل، والقاضي الحسين قال بذلك عند عدم تعينه، وقال: إنه إذا كان متعيناً عليه ففيه نظر؛ لأن الحسن بن علي- رضي الله عنهما- خلع نفسه بعد أن ولي بثمانية أشهر، والتمسوا من عثمان- رضي الله عنه- أن يخلع نفسه فلم ير ذلك.
والذي حكاه ابن أبي الدم: لا ينعزل عند تعينه، وفي انعزاله إذا لم يتعين وجهان، أصحهما: الانعزال، وعلى هذا: لو أنكر القاضي كونه قاضياً، قال في "البحر": قال جدي: صار معزولاً كالوكيل، وفيه وجه ضعيف: أنه لا يصير معزولاً.
فرع: إذا عزل القاضي حيث يجوز العزل، فهل ينعزل قبل بلوغ الخبر [إليه]؟ فيه طريقان:
أحدهما: حكاية قولين فيه كالوكيل، وبهذا قال صاحب "التلخيص" وابن كج.
والثاني- وهو الأصح، وبه قطع أبو زيد-: القطع بعدم الانعزال ما لم يبلغ الخبر؛ لعظم الضرر في رد أقضيته بعد العزل، وقبل بلوغ الخبر.
قال في "الحاوي": وفرق الأصحاب بين الوكيل والقاضي بوجهين:
أحدهما: أن القاضي ناظر في حق غير المولي، والوكيل ناظر في حق المولي.
والثاني: أن موت الإمام لا يوجب عزل القاضي، وموت الموكل يوجب عزل الوكيل.
فقوي القاضي بهذين الوجهين على الوكيل؛ فصح لأجلهما أحكام القاضي، ولم تصح عقود الوكيل.
ثم هذا الخلاف المذكور فيما إذا عزله لفظاً، أو كتب إليه: إني عزلتك، أو: أنت معزول، فأمّا إذا كتب إليه: إذا أتاك كتابي فأنت معزول، فلا ينعزل قبل أن يأتيه، وإن
كتب: إذا قرأت كتابي فأنت معزول، فلا ينعزل قبل القراءة، ثم إن قرأه بنفسه انعزل، وإن قرئ عليه فوجهان:
أحدهما: لا ينعزل؛ لصورة اللفظ.
وأصحهما: الانعزال؛ لأن غرض الإمام إعلامه بصورة الحال لا قراءته بنفسه، وفي مثله في الطلاق، الأظهر: أنه لا يقع؛ لأن الطلاق قد يعلق على قراءتها خاصة فيتبع اللفظ.
قال: وإن فسق الكاتب، أي: قبل عمل المكتوب إليه بما في الكتاب، فإن كان فيما [ثبت عنده] ولم يحكم بطل كتابه؛ لأن الكاتب كشاهد الأصل، وفسق شهود الأصل قبل الحكم بشهادة الفرع يمنع الحكمب شهادتهم.
قال: وإن كان [فيما] حكم به لم يبطل؛ لأن الحكم لا يبطل بالفسق الحادث، وهذا ما حكاه الماوردي والبندنيجي والقاضي أبو الطيب والبغوي وغيرهم، وقدي طلب الفرق بينه وبين ما لو فسق الشاهد في الواقعة بعد الحكم بشهادته؛ فإن في نقض الحكم طريقين:
أحدهما: القطع بعدم النقض، وهو نظير ما قالوه ها هنا.
والثاني: حكاية قولين فيه، وعلى هذا يطلب الفرق.
لكن في "الرافعي": أن القاضي ابن كج أطلق القول بأنه لا يقبل كتابه إذا حدث الفسق من غير فرق بين كتاب وكتاب، وأنه فرق بينه وبين الموت: بأن ظهور الفسق يشعر بالحنث وقيام الفسق قبل يوم الحكم، قال: وهذا قضية إيراد الشيخ أبي حامد وابن الصباغ؛ وعلى هذا لا فرق.
أما إذا فسق الكاتب بعد عمل المكتوب إليه بالكتاب لم ينقض، وغن لم يتضمن الكتاب سوى الثبوت، صرح به الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم.
قال صاحب "الحاوي" وتبعه في "البحر": والجنون الطارئ كالفسق.
وفي "الرافعي": أن الشهود على القاضي كشهود الفرع [، وشهادة الفرع] بعد
موت الأصل مقبولة، والعزل والجنون والعمى والخرس كالموت.
تنبيه: كلام الشيخ في هذا الفصل [يعرفك] أن القاضي ينعزل بالفسق؛ كما صرح به القاضي الحسين، وأشار في "الوجيز" إلى خلاف فيه حيث قال: إن طرآن الفسق يوجب الانعزال على الأظهر.
ومقابل الأظهر أنه لا ينعزل إلا بالعزل، كما نسبه الإمام إلى بعض الأصوليين من أصحابنا، والرافعي قال: إن طرآن الفسق يمنع من نفوذ الحكم على اصح الوجهين؛ كما يمنع طرآن الجنون والإغماء والخرس والخروج عن أهلية الضبط والاجتهاد بغلبة أو نسيان.
لكن منع الحكم في الصور المذكورة [هل هو] لانعزاله حتى لو زال ما [قد] حدث فلابد من تجديد التولية، أو لكون ما حدث مانعاً لا غير حتى إذا زال استمرت التولية؟ فيه وجهان، أصحهما: الأول، ومقابله في ["الإشراف"]: الفاسق إذا تاب، ادعى في "الإشراف" أنه منصوص عليه؛ قياساً على الأب يتوب بعد الفسق، وقال الرافعي: إنه منسوب إلى تخريج صاحب "التلخيص" من قول الشافعي- رضي الله عنه- في أهل البغي: إنهم لا يقاتلون حتى يناظروا، ويسألوا عماذا ينقمون؟ فقد يسألون عزل عامل يذكرون جوره.
فلو كان العامل ينعزل بالجور لقال: يدعون انعزاله بالجور، ولم يقل: يسألون عزله.
قال الرافعي: إلا أنه لم يطرد جوابه في صورة الردة، وسلم أنه إذا تاب بعد الردة احتاج إلى عقد جديد، وقال الشيخ أبو زيد: القياس التسوية.
وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسي: القطع بأن الإغماء مانع؛ فإذا زال عادت الولاية، بخلاف الجنون.
وفي "الحاوي": أنه إذا حدث الفسق في القاضي، فإن استدامه مصرّاً عليه انعزل به، ولو عجل الإقلاع عنه: فإنك ان من غير ندم وتوبة انعزل به، وإن كان إقلاعه عن ندم وتوبة نظر: فإن كان فسقه قد ظهر قبل التوبة انعزل به، وإن لم يظهر حتى
تاب منه لم ينعزل به؛ لانتفاء العصمة عنه؛ فإن هفوات ذوي الهيئات مقالة، قل أن يسلم منها إلا من عصم، وإذا انعزل بالفسق، فحكم في حال العزل: فإن كان إلزاماً بإقرار صح، وإن كان حكماً بشهادة بطل، وعليه أن يمتنع من الحكم، ويهي حاله إلى الإمام أو إلى من ولاه؛ ليقلد غيره، ولا يغتر به الناس إن لم يعرفوه، ويقف أحكامهم إن عرفوه، وهو في إنهاء حاله بين أمرين: إما أن يظهر الاستعفاء ويكتم حاله؛ ليكون أستر [له]، وهو أولاهما، وإما أن يخبر بسبب انعزاله وإن كره له هتك ستره.
قال: وإذا وصل الكتاب، أي: الموصوف بما ذكرناه، وحضر الخصم، وقال، أي: بعد الدعوى عليه وإنكاره الحق وإقامة البينة بما في الكتاب: لست فلان بن فلان، أي: المذكور في الكتاب، وليس معروفاً بذلك- فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أخبر بنفسه، والأصل أن لا مطالبة عليه، فلو نكل عن اليمين حلف المدعي، وتوجه الحكم عليه، ولو امتنع من الحلف على نفي الاسم، وأراد الحلف على نفي الاستحقاق- فالمحكي عن الصيدلاني: أنه تقبل منه اليمين على هذا الوجه، ويندفع القضاء؛ استشهاداً بأن من ادعى عليه جهة في الاستحقاق كالقرض مثلاً، فلم يتعرض في جوابه لها، واقتصر على قوله: لا يلزمني تسليم شيء إليه- أنه تقبل منه اليمين، كذلك ها هنا.
قال الإمام: وهذا عندي خطأ؛ فإنه إنما امتنع من اليمين على نفي الاسم والنسب؛ لثبوتهما، ولو ثبتا فالحجة قائمة عليه، والقضاء [مبرم]، وليس كالدعوى المختصة بنفي الإقراض؛ فإن الدعوى ليست حجة، فأثبت الشرع للمدعى عليه مسلكاً في الخصومة يوافق الحق عنده، والمسألة محتملة مع ما ذكرناه.
ولأجل ما ذكره الإمام جزم في "الوجيز" بأنه لا يحلف كذلك، وقال ابن يونس:
إنه الصحيح.
وقد اعترض على الصيدلاني بأن وزان ما نحن فيه في مسألة [دعوى] القرض- إن سلم أن بينهما مشابهة- أن يجيب المدعى عليه بأنه [ما] اقترض، ثم يروم أن يحلف على أنه لا يستحق عليه شيئاً، وفي هذه الصورة الصحيح: أنه لا يجاب كما سيأتي، والله أعلم.
أما إذا كان معروفاً بهذا الاسم فيحكم عليه [به]، ولا يقبل ما ادعاه.
قاله الماوردي.
قال: فإن أقام المدعي بينة أنه فلان بن فلان، أي: الذي رفع نسبه في الكتاب، أو قال المدعى [عليه]: أنا فلان بن فلان، إلا أني غير المحكوم عليه- لم يقبل قوله؛ لأن الظاهر أنه المشهود عليه؛ فإن الأصل عدم مشاركة غيره له في ذلك.
قال: حتى يقيم بينة أن له من يشاركه في جميع ما وصف به في الكتاب، أي: إن لم يكن المشار إليه يعرف به كما ذكره الماوردي؛ لأن الحكم- حينئذ- يصير محتملاً له ولغيره، وقال ابن الصباغ: إنه إذا ادعى أن له من يشاركه في ذلك سأل القاضي عنه وكشف، فإن لم يظهر ذلك حكم عليه؛ لأن الظاهر أنه المحكوم عليه، فإن ظهر فالقاضي يحضر ذلك الشخص ويسأله، فإن اعترف بأنه المحكوم عليه ألزمه الحق.
قلت: وفي هذا نظر من جهة أن كتاب القاضي لو تضمن أنه حكم على فلان بن فلان، ولم يرفع في نسبه، ولا وصفه بما يتميز به عن [غيره- كان] الحكم باطلاً، حتى لو أقر رجل بأنه فلان بن فلان المعني بالكتاب، لم يلزمه شيء بالقضاء المبهم في نفسه؛ كما حكاه الغزالي، وقضية ذلك: أن يكون الحكم باطلاً- أيضاً- فيما إذا اعترف المشارك في الاسم بأنه المسمى في الكتاب والمعني به؛ لأجل
الإبهام.
لكن قد يمنع ابن الصباغ الحكم الذي ذكرناه، ويسوي بين المسألتين فيقول: إذا تضمن الكتاب أنه حكم على فلان بن فلان ولم يرفع في نسبه ولا ميزه بصنعةٍ، فقال [شخص]: إنه المعني بالكتاب- يلزمه الحق؛ كما حكاه الرافعي عن "أدب القاضي" [لابن القاص و"إيضاح" أبي علي]، والله أعلم.
وإن أنكر، قال البندنيجي وغيره: يقال للمحكوم له: ألك بينة تفرق بين الرجلين؟ فإن أتى بالبينة حكم له، وإن لم يأت بها كتب المكتوب إليه إلى الكاتب كتاباً، وعرفه ما وقع من الإشكال ليحضر شهوده، فيذكر لأحدهما صفة يتميز بها عن صاحبه: فإن وجد الحاكم مزية كتب بها وحكم عليه، وإن لم يجد مزية وقف الأمر حتى ينكشف.
هذا إذا كان حيّاً، وأما إن كان من هو بهذه الصفة ميتاً، قال الماوردي والبندنيجي: فإن لم يكن قد عاصر الحي فلا أثر لهذه المشاركة، وإن كان قد عاصره- قال البندنيجي: ويمكن أن يكون عامله-: فإن كان قد مات بعد الحكم فهو كما لو كان حيّاً، وإن كان [موته قبل الحكم] فوجهان، اختار في "المرشد" منهما: أن الإشكال واقع، ووجه إلزام الحي: أن مطلق الأحكام يتوجه في الظاهر إلى الأحياء دون الأموات.
فرع: لو أقر بأنه المحكوم عليه، لكن طلب يمين المدعي على عدم القبض أو البراءة- لم يجب إلى ذلك؛ لأن الكاتب قد حلفه، صرح بذلك أبو الطيب والبندنيجي والماوردي وغيرهم.
وفي "التهذيب" في مسألة دعوى الإبراء: أنه يحلفه على أنه لم يبرئه.
قال الرافعي: فحصل في المسألة وجهان.
ولو طلب يمين الخصم على عدالة من شهد عليه لم يلزمه اليمين، وكذا لو سأل إحلافه على أن لا عداوة بينه وبينهم.
نعم، لو سأله أن يحلف على أن لا ولادة بينه وبينهم ولا شركة، وجب إحلافه على ذلك؛ لاختصاصه بالمحكوم له دون الحاكم؛ كذا حكاه الماوردي، ونسبه الرافعي إلى "العدة".
قال: وإن حكم عليه، أي: ألزمه الخروج [من] الحق، فخرج منه، فقال: اكتب [إلي كتاباً] بأنك حكمت عليّ، أي: وبأني وفيت [ما حكمت عليَّ به]؛ حتى لا يدعي ذلك مرة [أخرى]- فقد قيل: يلزمه؛ لاحتمال ما ذكره، ولأنه لو طلب الإشهاد على الخصم بالقبض لأجل ذلك وجب قولاً واحداً؛ لأنه حق ثبت عليه ببينة؛ فكذلك يجب على القاضي.
وهذا قول الإصطخري، وصححه الجيلي.
وقيل: لا يلزمه؛ لأن الحاكم إنما يكتب بما ثبت عنده أو حكم به بعد دعوى محررة، ولم يَجْرِ واحد منهما عنده.
وهذا ما اختاره في "المرشد" والنواوي.
قال: إلا [أن يدعي] ذلك مرة أخرى؛ لأنه إذا ادعى ذلك مرة أخرى توجهت دعوى الدافع بالإقباض والقاضي يعلمه، [فساغت الكتابة] به، وهذه الزيادة لم أرها لغير الشيخ، وإن كان الفقه يقتضيها نظراً لما ذكرناه.
ولا خلاف أن الدافع لو طلب الكتاب الذي وصل بوجوب الحق عليه بعد وفاء الحق- لا يسلم إليه؛ لأن الورقة قد تكون ملك الخصم، وإن لم تكن فله غرض في إمساكه لتذكار الشهود؛ فربما احتاج إلى شهادتهم.
قال القاضي أبو الطيب وغيره: وكذا لو باع واحد [شيئاً] فلا يلزمه تسليم كتاب الأصل ولا تمزيقه؛ لأنه ملكه وحجة عند الدرك، ولم يدخل في البيع.
قال: وإن ثبت عند الحاكم حق، أي: على حاضر أو غيره، فسأله صاحب الحق أن يكتب له محضراً بما جرى- كتبه ووقع فيه، أي كتب علامته على رأسه،
مثل: الحمد لله رب العالمين، وهو بتشديد القاف، ودفعه إليه، لأن في ذلك توثقة لحقه، فشرع كالإشهاد على نفسه، لكن هذه الكتابة واجبة أم مستحبة؟ أطلق بعضهم فيها وجهين، وملخص ما ذكره في "الحاوي": أنه ينظر في ذلك: فإن كان في دين يستوفي عاجلاً لم يلزمه، وإن كان في دين مؤجل أو [في] ملك متأبد:
فإن كان في صورة يجب على الحاكم الإشهاد عليه فيها جزماً، كما إذا ثبت الحق عنده بإقرار الخصم، وقلنا: [له أن] يقضي بعلمه أولاً كما قاله البندنيجي، أو يثبت بنكول الخصم وحلف المدعي ففيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك واجب كالإشهاد، وهذا أصح في "تعليق" القاضي الحسين، والمختار في "المرشد".
والثاني: أنه لا يجب؛ لأن الشهادة بينة تغني عنه، والمرجع عندنا إلى ما يذكره الشاهد، قال الغزالي: وعلى هذا فيستحب للقاضي استحباباً مؤكداً.
وإن كان في صورة قد اختلف في وجوب الإشهاد فيها، وهي إذا ثبت الحق بشهادة عدلين، فإن قلنا: لا يجب الإشهاد؛ لأن البينة بالحق موجودة- فكتب المحضر أولى، وإن قلنا: تجب؛ لأن في إشهاده على نفسه مع البينة الموجودة تعديلاً لبينته وإثباتاً لحقه- ففي إيجاب كتب المحضر الوجهان.
وعن ابن جرير الطبري- وهو [] كما قاله الرافعي في أوائل كتاب الزكاة-: أنه لا يكتب المحضر إذا لم يعرف الخصمين، حتى لا يصير محضره الذي ثبت له حجة على ما يكون باسمهما ونسبهما.
قال القاضي أبو الطيب وصاحب "البحر": [وهذا غلط]؛ لأنهما إذا لم يكونا معروفين بعينهما، فإنه يذكر حليتهما، ولا يجوز [له] ترك ذلك، والمعول عليه الحلية؛ فصار بمنزلة معرفة العين.
ونسب الإمام ما حكيناه عن ابن جرير إلى ابن خيران، وأنه ليس بشيء، والقاضي الحسين نسبه إلى الإصطخري وأنه [قال]: إذا أقر المجهول عنده لا يقبل إقراره؛ لأني [لو] قبلت ذلك لا آمن أن يكون واطأه المدعي؛ حتى يقر له، ويستعير اسم إنسان، فيسمي به نفسه، فإذا مات ادعى على ورثته، ولا ينفع القاضي كتب الحلى؛ لأن المستعار اسمه قد مات، وهو يدعي على ورثته.
ثم قال: وهذا غلط؛ لأنه يؤدي إلى تعطيل الأحكام؛ فإنه لا يعرف جميع الخصوم.
قال: ويكتب نسخته ويودعها [في] قمطره، أي: مختومة، ويكتب على ظهرها: خصومة فلان بن فلان، وتاريخها، [ووجه ذلك]: الاحتياط؛ فإن فيها تذكاراً بالحال، و [إليها] مرجعاً عند الحاجة، ولا شك في أن ذلك غير واجب، ثم القرطاس في كل الأحوال يكون من بيت المال؛ كما تقدم ذكره.
قال: فإن لم يكن للحاكم قرطاس من بيت المال كان ذلك على صاحب الحق؛ لأنه يكتبه لحقه، وأشار القاضي الحسين إلى أنا إذا قلنا بوجوب الكتابة، ولم يكن للحاكم قرطاس من بيت المال، ولا أحضره الطالب: أنه يجب من مال القاضي على وجه، ثم قال: والصحيح: أنه لا يجب على القاضي شيء من ماله.
وهذا ما جزم به [غيره].
ثم صورة المحضر: "بسم الله الرحمن الرحيم، حضر القاضي فلان بن فلان،
ويرفع في نسبه؛ حتى يتميز، قاضي بلد كذا من قبل الإمام فلان، ويرفع في نسبه، أو من قبل القاضي فلان، ويرفع في نسبه، المولى من قبل الإمام فلان، وهو بمجلس حكمه ومحل ولايته من بلد كذا، فلان بن فلان الفلاني، ويرفع في نسبه بما يميزه عن غيره، ويكتب حليته استحباباً إن كان معروف النسب عند القاضي، وإلا كتب- كما قال ابن الصباغ وشيخه أبو الطيب والبندنيجي والإمام وغيرهم-: من ذكر أنه فلان بن فلان الفلاني- وكتب الحلية هاهنا واجب؛ كما قاله أبو الطيب- وادعى على فلان بن فلان الفلاني، ويرفع في نسبه، ويذكر حليته استحباباً إن كان معروف النسب، وإلا فيذكرها وجوباً؛ لأن المعول عليها.
ثم يذكر المدعى به وصفة الدعوى محررة، [ثم] إن كان المدعي عليه قد أقر بالحق كتب إقراره [، و] به.
قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ.
وليس يحتاج أن يذكر أنه أقر له في مجلس حكمه؛ لأن الإقرار يصح فيه وفي غيره، وهذا قد نسبه الماوردي إلى الشيخ أبي حامد، وأنه قال: إن ثبت ببينة ذكر ذلك.
وهو في "تعليق" البندنيجي.
قال الماوردي: وفرق بأن سماع [البينة] حكم، وليس في الإقرار حكم.
وهذا الفرق ليس له وجه؛ لأن الدعوى لا يسمعها القاضي إلا في مجلس حكمه؛ ولأنه يتعلق بالإقرار إلزام، والإلزام حكم.
ثم يذكر التاريخ ويوقع على رأسه بكتب العلامة؛ كما تقدم.
وإن كان المدعى [عليه] قد أنكر، وقامت [عليه] بينة كاملة بالحق، وكانت عادلة- كتب إنكاره، وأنه شهد عليه بالمدعى [به] شاهدان عدلان، ثبت بهما الحق، وأن ذلك في مجلس الحكم؛ لأن الشهادة لا تسمع في غيره، وحكم تسميتها وعدمها قد تقدم الكلام فيه.
وفي "الحاوي" و"البحر" في باب ما على القاضي في الخصوم: أن في تسمية
الشهود الذين حكم بشهادتهم في المحضر والسجل وجهين:
أحدهما- قاله الإصطخري-: أن ترك تسميتهم أولى.
والثاني- قاله ابن سريج-: أن تسميتهم أولى وأحوط للمشهود عليه؛ فلعله يقدر على جرحهم.
قال الماوردي: مع أن كل واحد من الأمرين جائز.
وإن أقام المدعي شاهداً [واحداً] وحلف معه، ذكر ذلك، وأن الشهادة واليمين وقعا في مجلس الحكم.
ويختمه بالتاريخ، ويكتب القاضي في آخره: شهدا عندي، أو: شهد عندي بذلك.
ويوقع على رأسه بالعلامة، وهذا إذا لم يكن له صك، فإن كان له صك وفيه خطوط الشهود قال القاضي أبو الطيب: فيكتب علامة توقيعه في صدره، ويكتب تحت خط الشاهدين اللذين شهدا عنده: شهدا عندي بذلك.
ويقتصر عليه.
قال: وكذلك في فصل الإقرار.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنه يكتب تحت خط كل واحد: شهد عندي بذلك في مجلس حكمي وقضائي.
وإن كان المدعى عليه قد أنكر، ولم يكن للمدعي بينة، وطلب يمينه، فنكل عنها، وحلف المدعي بطلبه- كتب ذلك: وأنه جرى في مجلس الحكم، وختمه بالتاريخ، ووقع على رأسه بالعلامة.
قال: فإن أراد، أي: المدعي- أن يسجل له، كتب له سجلاً، وحكى فيه المحضر، وأشهد على نفسه بالإنفاذ- أي بالحكم- بما ثبت في المحضر بعد الحكم به، حتى لا يكون كاذباً في إشهاده، وألفاظه: حكمت له بكذا، وألزمته الحق، وأنفذت الحكم به؛ كما قاله ابن الصباغ.
قال: وسلمه إليه، وكتب نسخته، وتركها في قمطره، وتوجيه ذلك قد تقدم.
وهذا السجل يبدأ فيه بكتابة الشهادة، كما ابتدأ في المحضر بالحضور؛ فيكون أول
السجل: هذا ما أشهد عليه القاضي فلان-[على ما] قدمناه- في محضر نسخته كذا، ويكتب نسخة المحضر، فإذا فرغ منه قال: فحكم به وأنفذه وأمضاه بعد أن سأله ذلك، واستيفاء الشرائط المعتبرة في ذلك، وأشهد على نفسه.
ولو كان السجل على ظهر كتاب أحضره، وكتب: أشهد عليه في مجلس حكمه أنه ثبت عنده مضمون الكتاب باطنه، وهو كذا، ثم بعد فراغه يكتب: وأنه حكم به.
وللناس في ذلك عرف مختلف، والمرجع في كل قطر إلى عرف أهله، على أن المحاضر والسجلات كتب، هي بما ذكرناه أحق من هذا الكتاب.
فرع: قال في "الحاوي" في باب ما على القاضي في الخصوم: إذا تحاكم الخصمان، ولم يسألا القاضي الكتبة، كان القاضي مندوباً إلى إثبات محاكمتهما في ديوانه، مشروحة بما انفصلت عليه من إلزام أو إسقاط؛ احتياطاً للمتحاكمين، ووجوب ذلك معتبر بالحكم: فإن كان مما استوفى وقبض لم يجب عليه إثباته، وإن كان إثباته مستظهراً، وإن كان مما لم يقبض ولم يستوف: فإن كانت الحالة مشهورة ولا ينسى مثلها، لم يجب إثباتها، وإن جاز أن ينسى مثلها وجب عليه إثباتها؛ ليتذكر بخطه ما حكم [به] وألزم؛ [لأنه كفيل بحفظ الحقوق على أهلها، فألزم] بذلك ما يئول إلى حفظها، والله أعلم.
قال: وما يجتمع من المحاضر [والسجلات] في كل شهر، أو في كل أسبوع، أو في كل يوم- على قدر قلته وكثرته- يضم بعضها إلى بعض، أي: فيصير قمطراً، ويختم عليه ويكتب عليه: محاضر وقت كذا، من شهر كذا، من سنة كذا؛ ليسهل عليه كشف ما يريده عند الحاجة إليه.
قال الأصحاب: وإذا اجتمعت محاضر سنة ضمها، وكتب عليها: محاضر سنة كذا.
ولو لم يفعل القاضي ذلك بنفسه، لكنه وكله إلى ثقة- جاز، والأولى: أن يكون
بحضوره [إن لم يتولاه]؛ خشية من إدراج شيء فيها.
وكلام الماوردي مشير إلى تعيين حضوره عند تولي الغير ذلك.
والأسبوع- بضم الهمزة والباء-: اسم للأيام السبعة.
قال: فإن لم يسجل له الحاكم، أي: لم يكتب له سجلاً، وقد أشهد على نفسه بالإنفاذ- جاز؛ لأن الحكم قد حصل، وكتبة ذلك لا يلزم بها شيء؛ فإن الاعتماد على ما يشهد به الشاهد، وقيل: يلزمه كالإشهاد، حكاه البندنيجي والمصنف وغيرهما.
قال الغزالي: ومن جوز للأمي أن يكون قاضياً فلا يمكنه إيجاب الكتاب وإن التمس صاحب الحق.
[فإن قيل]: هل تفصلون في وجوب الإشهاد في الحكم بين أن يكون الحكم قد ثبت بالبينة أو بالإقرار على وجه؛ كما ذكرتم ذلك في الإشهاد في الثبوت؟
قلت: قد أطلق ابن الصباغ القول بأن الإشهاد على نفسه بالحكم في هذه الصورة وغيرها واجب، وهو الذي لا يتجه غيره؛ لأن الحكم يحصل بما لم تحصله البينة، وهو الإلزام؛ فلذلك وجب، بخلاف الثبوت؛ فإنه لا يحصل أمراً زائداً على ما شهدت به البينة.
فرع: حدود الله- تعالى- هل يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي؟ فيه قولان؛ كما في الشهادة على الشهادة فيها، وسنذكرهما إن شاء الله تعالى.
قال: وإن ادعى رجل على رجل حقاً، فادعى أن له حجة في ديوان الحكم، أي: به، وذكر تاريخها، فوجدها كما ادعى، فإن كان ذلك حكماً حكم به هذا الحاكم لم يرجع إليه حتى يتذكر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]؛ ولأن الخط والختم بصدد التزوير؛ فلا يجوز اعتماد القاضي عليه في الحكم بمجرده؛ كما أن الشاهد لا يجوز له الاعتماد على خطه في أداء الشهادة،
وإن حفظ النسخة في خزائنه، ووثق بأنه لم يحرف، بل أولى؛ لأن الحكم أغلظ لما فيه من الإلزام، بخلاف الشهادة.
[فإن قيل]: قد قلتم: إن الراوي يجوز له في الرواية الاعتماد فيما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على النسخة إذا وثق بها، فهلا كان القضاء [مثله]؟
قلنا: لنا في الرواية وجهان:
أحدهما- ما صار إليه الصيدلاني، وحكاه الرافعي عن رواية المصنف-: أنه لا يحل للمحدث إلا رواية ما حفظه وتذكره؛ فليرو كذلك أو ليترك؛ وعلى هذا اندفع السؤال.
والثاني: جواز ذلك كما ادعيتم، وهو الصحيح.
وعلى هذا: فالفرق أن أمر الرواية أسهل؛ ولهذا تسمع من العبد، بخلاف القضاء والشهادة.
وقد سوى الشيخ أبو محمد بين الشهادة والرواية في الاعتماد على الخط عند الوثوق به، وحكى الرافعي عنه وعن غيره أنه طرده في القضاء، قال الغزالي: وما ذكره أقرب مما ذكره الصيدلاني.
وكما لا يجوز اعتماد القاضي فيما حكم به على الخط والختم ما لم يتذكر، لا يجوز اعتماده فيه على شهادة شاهدين شهدا عنده بأنه حكم به؛ لأنه يمكنه أن يذكر ذلك ويصل إلى اليقين؛ فلا يرجع إلى الظن؛ ولهذا لو شهد عنده شاهدان بأنه صلى لم يرجع إليهما، وإن كان حق الله- تعالى- أخف؛ لأنه مبني على المسامحة، وأيضاً فإن الشهادة أخف من الحكم ولو شهد عند الشاهد شاهدان بأنه شهد بحق، لم يجز أن يشهد به حتى يتذكر؛ فالحكم أولى.
وفي "الإشراف "والرافعي" أن ابن القاص قال: إنه يجوز له الحكم إذا شهد عنده بأنه حكم؛ لأن الشافعي- رضي الله عنه- قال: "وينظر القاضي في المحضر، فإن لم يتذكر شهدوا عليه".
والمذهب: الأول، والضمير في قول الشافعي- رضي الله عنه-:
"شهدوا عليه"، عائد إلى المحكوم عليه إذا كان قد أقر عند الحاكم بالحق؛ كما ذكره الأصحاب.
نعم، لو شهدا عند غيره بأنه حكم بذلك: فإن كان بعد تكذيبهما لم يحكم به ذلك الغير أيضاً؛ لفسقهما بقول الحاكم الأول، وكذا لو لم يكذبهما الأول، لكنه أنكر أن يكون حكم به.
قال الشافعي- رضي الله عنه-: "فإن علم غيره أنه أنكره فلا ينبغي له أن يقبله".
ووجهه القاضي أبو الطيب والماوردي وغيرهما بأن الحاكم كشاهد الأصل، وشاهد الأصل لو أنكر الشهادة لم يجز لشاهد الفرع أن يشهد بها.
ولو لم يصدر منه تكذيب ولا إنكار، لكنه توقف- ففي حكم الثاني بذلك وجهان حكاهما القاضي الحسين عن رواية أبي إسحاق، والمذكور منهما في "تعليق" البندنيجي والقاضي أبي الطيب: الجواز، وعليه يدل النص؛ حيث قال- كما ذكره في "البحر"-: إلا أن الحاكم إذا لم يتذكره لا يجوز [له أن يبطله]، ولا يجوز له أن يحقه، ولكنه يتوقف عنه، حتى لو رفع إلى حاكم آخر يمضيه وجوباً.
والمذكور في "المهذب"، وهو المختار في "المرشد": مقابله، وهو منسوب في "البحر" إلى أبي بكر الأودني؛ كما لو شهد شهود الفرع عند الحاكم، ثم قامت بينة أن شاهدي الأصل توقفا عن الشهادة- لا يحكم بشهادة الفروع.
ثم قال: وهو غلط؛ لما ذكرناه من النص.
قال الماوردي والبندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم: وإذا تذكر القاضي الحكم ألزمه إياه قولاً واحداً، ولا يتخرج على القضاء بالعلم، بل هو إمضاء ما حكم به.
وعن "أمالي" أبي الفرج الزاز حكاية طريقة أخرى إن أمضاه على القولين في القضاء بالعلم.
فرع: هل للمدعي تحليف الخصم عند توقف القاضي في الحكم، [على] أنه لا يعرف حكم القاضي؟ قال صاحب "التهذيب": يحتمل وجهين.
وهما مأخوذان مما
سنذكره في الدعاوى- إن شاء الله تعالى-: [أن] ما ليس بعين الحق، ولكنه ينفع في نفس الحق، هل تسمع الدعوى به أم لا؟
قال: وإن كان حكماً حكم به غيره لم يرجع إليه حتى يشهد به شاهدان؛ لإمكان التزوير والتحريف، وقد حكيت أن الإصطخري جوز قبول كتاب القاضي إذا عرف خطه وختمه وتكرر ورود كتبه عليه، وهذا يظهر مجيء مثله هاهنا.
قال: وإذا لم يعرف الحاكم لسان الخصم، أي: لكونه عربياً والخصم عجمي؛ فإن القاضي لا يتصور أن يكون عجمياً؛ كما قاله الإمام تبعاً للقاضي الحسين، لأن الشرط: أن يكون مجتهداً على المسلك الأصح، ومن ضرورة ذلك أن يكون عالماً بلغة العرب؛ فإن الشريعة عربية.
قال: رجع فيه إلى من يعرف، أي: ولا يشك فيه؛ للضرورة في فصل الخصومات، فإن شك الشاهد في ذلك اللسان لم يقبل منه، نص عليه في "الأم"، ولو [احتاج إلى] أجرة فهي على صاحب الحق أم في بيت المال كأجرة الحاكم؟ فيه وجهان في "الأحكام" لابن شداد، وقال: إنا إذا قلنا بالأول، فالواجب [عليه] أجرة المثل فيما يتعلق بخاصته في مثل حقه.
وفي "الرافعي" عوضاً عن الأول: أنها لا تجب في بيت المال؛ كالوكيل، ونسبه إلى تخريج [صاحب] "التلخيص"، وأنه يحكى عن أبي زيد أيضاً.
وعلى هذا: فمؤنة ما يترجم للمدعي [على المدعي] عليه؛ لأنه يبلغ كلامه، والخلاف جار في أجرة المسمع، ويكون على الوجه الأول [على] صاحب الحق؛ كما قاله في "الوسيط".
قال: ولا يقبل فيه إلا قول من تقبل شهادته، [أي: فيما يترجم فيه؛ لأنها شهادة عند الحاكم بما يقف عليه الحكم؛ فلا تقبل إلا من عدل تقبل شهادته] كالإقرار.
وعلى هذا: فلا تسمع ترجمة النساء في القصاص والحدود، وتسمع في الأموال وما في معناها مع رجل؛ كذا أطلقه البندنيجي، ولم يذكر الماوردي سواه، وقال: تسمع شهادة المرأة والرجل في الترجمة بالإقرار بالمال.
وحكاه في "التهذيب" أيضاً، ثم [قال]: قال الشيخ: وجب ألا تقبل في الأموال- أيضاً- إلا من رجلين؛ كما لا تثبت الشهادة على الشهادة بقول النساء، وإن كان الحق مما يثبت برجل وامرأتين.
وهذا ما أورده القاضي الحسين والإمام، وقاساه على الوكالة.
والوجهان مذكوران في "الكافي"، وعلى الأول: ينبغي أن تسمع الترجمة من النسوة منفردات فيما يثبت بشهادتهن على الانفراد، وهو قضية قولهم: إن ما تقبل فيه الشهادة من المرأة تسمع فيه ترجمتها.
والوالد والولد لا تقبل ترجمتهما؛ كما لا تقبل شهادتهما؛ كذا أطلقه [في] "الحاوي"، ولعله محمول على ترجمتهما بإقرار خصم قريبهما، وأما ترجمتهما بإقرار قريبهما فلا يظهر إلا سماعها.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي: أنه لا تقبل ترجمة الأعمى فيما يفتقر فيه إلى البصر، وهو وجه حكاه الرافعي والبغوي وصاحب "الكافي" والإمام عن رواية صاحب "التقريب" في منع ترجمته مطلقاً لأن الأعمى ليس من أهل نقل الأقوال، ولا نظر إلى تفاصيل الأحوال، وعليه ينطبق قول الشيخ: ولا نقبل شهادة الأعمى إلا في موضعين.
لكن الصحيح- وبه جزم الماوردي والقاضي أبو الطيب والروياني-: السماع إذا كلف القاضي المجلس السكوت؛ حتى لا يتكلم إلا المدعي والمدعى عليه؛ لأن الترجمة تفتقر إلى السماع [دون البصر، وشهادة الأعمى مقبولة فيما يتعلق بالسماع] خاصة وإن ردت فيما يتعلق بالبصر.
قال: ولا يقبل إلا من عدد يثبت به الحق المدعى [به]؛ لأن خبر من ليس بحاكم يفتقر إلى الحرية؛ فافتقر إلى العدد، أصله: الشهادة، وفيه احتراز من حكم
الحاكم؛ لأن ذلك خبر من حاكم.
وقولنا: يفتقر إلى الحرية، احترزنا به عن أخبار الديانات [و] عن الفتوى، ولأنه نقل إلى الحاكم ما غاب عنه فيما يتعلق بأمر المتخاصمين؛ فكان من شرطه العدد كالشهادة.
وفي "الذخائر" حكاية وجه: أنه [يكتفي] بالواحد كالمسمع.
وقال الإمام: فيما إذا كان الخصمان عارفين بالعربية لا يغيب عنهما مدركها، ولكنهما لا يحسنان النظم-: الوجه أن يكون هذا بمثابة ما لو كان الخصمان سميعين، والقاضي أطروش.
والحكم في الصورتين: أن القاضي إذا احتاج إلى التلقي من المتوسط بالترجمة أو الإسماع، والخصمان مدركان- فالوجه: أنهما إذا أدركا ما جرى وقررا المترجم، كفى مترجم واحد، وحق القاضي أن يعتمد تقريرهما، وإن استظهر بإشارتهما فحسن، وإطلاق الأصحاب ذكر شاهدين في هذا المقام، التفات إلى قاعدة التعبد بالعدد.
ثم على المذهب، وهو الذي ادعى القاضي الحسين نفي خلافه: لو كان الخصمان أعجميين، فهل للمترجمين عن أحدهما أن يترجما عن الآخر؟ [فيه] قولان حكاهما القاضي الحسين، وقال في "الحاوي": فيه وجهان مأخوذان من اختلاف الوجهين في الشاهدين إذا تحملا عن شاهد الأصل، هل يتحملان عن الشاهد الآخر؟ ومن اعتبار العدد في الترجمة يؤخذ أنه لابد فيها من لفظ الشهادة، [لأن ما يعتبر فيه العدد يعتبر فيه لفظ الشهادة]، وهذا ما جزم به [القاضي] أبو الطيب وغيره.
وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر: أنهما يذكران ذلك بلفظ الخبر، قال: وليس بصحيح؛ لما ذكرناه.
وهذا في الترجمة عن الخصم للقاضي، أما في [الترجمة عما] يقوله
القاضي للخصم، فإنه خبر محض، وليس بشهادة؛ لأن الشهادة لا تكون إلا عن الحاكم الملزم؛ فيجوز فيها ترجمة الواحد وإن كان عبداً، ويجوز أن يكون المترجم لأحد الخصمين هو المترجم للآخر وجهاً واحداً.
قال: فإن كانت الدعوى في زنى، ففيه قولان:
أحدهما: يقبل في الترجمة اثنان، لأن المقصود [معرفة] اللسان، وذلك يحصل بشهادة الاثنين، [وهذا أصح] في "الجيلي".
والثاني: لا تقبل إلا [من] أربعة؛ نظراً إلى الحق المدعى به؛ ألا ترى أن ما لا تقبل فيه شهادة النسوة لا تقبل ترجمتهن فيه؟ وهذا القول لو سكت الشيخ عنه لأمكن أخذه من قوله: "ولا يقبل إلا من عدد يثبت به الحق المدعى به".
وقد أجرى بعضهم هذا الخلاف في ترجمة اللعان.
والقاضي الحسين في كتاب اللعان قال: إنه يجري في نقل لعان الزوج؛ [لأنه مسوق لإثبات الزنى، فأما لعانها فيكفي فيه مترجمان؛ لأنها تنفي به الزنى].
وفي "مجموع" المحاملي ثم طريقة قاطعة بأنه يكفي في الطرفين مترجمان، وقال: إنها المذهب.
وضعف طريقة إجراء القولين بأن الزنى ما يثبت في هذا الموضع؛ لأن الزوج ينفيه، وكذلك الزوجة.
تنبيه: كلام الشيخ مصرح بأن الخلاف في ترجمة الزنى قولان، والماوردي وغيره قالوا هاهنا: إنه وجهان مبنيان على أن الإقرار بالزنى، هل يثبت بشاهدين أم لا بد من أربعة؟ وفيه قولان، فإن قلنا بالأول كفى في [الترجمة] اثنان، وإلا فلا بد من أربعة.
[وقال الماوردي في كتاب اللعان: إنا إذا قلنا في الإقرار بالزنى: لابد من أربعة]، فهاهنا [هل] لابد من أربعة- أيضاً- أو يكفي اثنان؟ فيه وجهان، أصحهما: الاكتفاء.
فرع: لو كان القاضي ثقيل السمع، [واحتاج إلى مسمع]: فهل يشترط فيه العدد كالمترجم أو يكتفي بواحد؟ حكى الغزالي فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يشترط، وهو ما اختاره الإمام، وقال: إنه يجب أن يعتقد؛ لأن كلا من المسمع والمترجم ناقل إلى القاضي: فأحدهما ينقل معنى اللفظ، والآخر ينقل اللفظ بعينه؛ فلا معنى لاشتراط العدد في الترجمان، والتردد في المسمع، وعلى هذا يشترط لفظ الشهادة على أصح الوجهين، فيقول: أشهد أنه يقول كذا وكذا.
قال الرافعي: ويشبه أن يجري الخلاف في إسماع رجل وامرأتين في المال؛ كما ذكرنا في المترجم، وأجاب في "الوسيط" بالمنع كما ذكرناه عن صاحب "التهذيب".
[ثَمَّ].
والثاني: لا يشترط، قال الغزالي: لأن المسمع لو غير عرفه الخصمان، أي إن كانا سميعين، والحاضرون، أي: إن كان الخصمان أصمين بخلاف الترجمة.
قال في "البحر": وهذا ليس بشيء.
فعلى هذا: لا يشترط لفظ الشهادة، وهل تشترط الحرية؟ فيه وجهان كما في [شهادة] هلال رمضان إذا اكتفينا فيه بالواحد.
والأصح: الاشتراط، وأنه لا يسلك به مسلك الروايت.
والثالث: أن العدد لا يشترط، إلا أن يكون الخصمان أصمين فيشترط؛ لأن القوم قد يغفلون عن تغييره، فالخصم هو الذي يعتني به، وهو عاجز عن الرد لو غير المسمع.
وقد فهم مما ذكره الغزالي [من التعليل]: أن محل الاكتفاء بمسمع واحد في حالة صمم الخصمين- على الوجه الثاني- ما إذا كان ثم حاضر غيرهم، أما إذا لم يكن [ثم] حاضر غير الخصمين والقاضي والمسمع، فلا يكتفي به.
وهو متبع في ذلك الإمام، فإنه قال فيما إذا لم يكن ثم غيرهم: الوجه القطع باشتراط العدد، وإن حكى عن الأصحاب الوجهين في هذه الحالة أيضاً.
والقاضي الحسين جزم- على القول بالاكتفاء بمسمع واحد- بأن القاضي والخصمين إذا كانوا صماً، [بأنه] لابد من اثنين.
ثم قال الإمام: إن محل الوجه الثالث إذا لم يكن الحضور مأمورين من القاضي بالإصغاء ومراقبة الحال.
ولو كان المحتاج إلى المسمع الخصم خاصة لثقل سمعه- فعن "جمع الجوامع" للقاضي الروياني: أنه لا حاجة فيه إلى العدد.
وهو معزي إلى القفال، وذلك قضية ما ذكرناه عن الماوردي [في المترجم، والله أعلم].
قال: وإذا حكم الحاكم بحكم، فوجد النص، أي من الكتاب، أو السنة المتواترة أو المنقولة بالآحاد، أو الإجماع، أو القياس الجلي، أي: على اختلاف أنواعه التي سنذكرها بخلافه نقض حكمه؛ لأن الاجتهاد إنما يسوغ إذا لم يكن هناك مخالفة نص كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس غير محتمل، فإذا حكم باجتهاده في مثل ذلك كان مردوداً كما لو حكم بطريقة لا تصح في الشرع.
وقد ادعى الماوردي في حالة قيام الإجماع: أن النقض مجمع عليه من الخصوم.
واستدل هو وغيره على النقض في حالة وجود النص بقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَدْخَلَ فِي دِيْنِنِا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدُّ" ويروى: "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ".
وبآثار وردت عن عمر- رضي الله عنه- في هذا الباب اشتهرت ولم ينكرها أحد؛ فكان إجماعاً، منها ما ذكرناه من قبل أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: "لا يَمْنَعَّكَ قَضَاءُ قَضَيْتَهُ، ثُمَّ رَاجَعْتَ فِيْهِ نَفْسَكَ فَهُدِيتَ الرُّشْدَ- أَنْ تَنْقُضَهُ، فَإِنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الحَقِّ خَيْرُ مِنَ التَّمَادِي فِي البَاطِلِ".
ولأن الكتاب والسنة أصل الإجماع؛ لأنه لا يجوز أن ينعقد على [ما] يخالفهما، فلما نقض حكمه بمخالفة الإجماع كان نقضه بمخالفة الكتاب والسنة أولى.
وفي "أدب القضاء" لابن أبي الدم: أنه [قيل:] لا ينقض القضاء إذا خالف خبر الواحد.
والصحيح: الأول؛ فينقض قضاء الحنفي في مسألة خيار المجلس [بنفيه] وفي العرايا، وذكاة الجنين والنكاح بلا ولي، وقيل: الأصح أنه لا ينقض في مسألة النكاح بلا ولي.
وينقض- أيضاً- قضاؤه إذا حكم بشهادة فاسقين على الأصح، وكذلك قضاء من قضى بصحة بيع أمهات الأولاد [ينقض] على الأصح.
ثم المراد من النص: ما لا يحتمل تأويلاً، أو يحتمل تأويلاً بعيداً ينبو عنه اللفظ.
والقياس الجلي، قال النواوي: إنه الذي يعرف به موافقة الفرع الأصل، بحيث ينتفي احتمال افتراقهما أو يبعد: كقايس غير الفأرة من الميتات إذا وقعت في السمن، عليها، وغير السمن من المائعات والجامدات، عليه وقياس الغائط على البول في الماء الراكد.
وفي "الحاوي": أن القياس الجلي ما كان معناه في الفرع زائداً على معنى الأصل، [وله ثلاثة ألقاب- كما قال البندنيجي-: جلي، وقياس في معنى الأصل] وقياس لا يحتمل إلا معنى واحداً.
ومعنى الجلي: يجلى معناه تجلية بحيث لا يفتقر إلى بحث وسبر.
[وفي معنى الأصل: [عرف] حكم فرعه كما عرف حكم أصله وصارا واحداً.
والذي] لا يحتمل إلا معنىً واحداً: معناه: لا يصلح تعليق الحكم بغير معناه.
قال الماوردي: وهو ثلاثة أضرب:
أحدها: ما عرف معناه من ظاهر النص بغير استدلال، ولا يجوز أن يرد البعيد فيه، بخلاف أصله؛ كقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]، فإن تحريم التأفيف يدل [ببديهة النص] على تحريم الضرب والشتم، ولا يجوز أن يحرم
التأفيف ويحل الضرب والشتم، ومثله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ [الزلزلة]؛ وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ [الآية] [آل عمران: 75].
وهذا الضرب من القياس أقرب وجوه القياس إلى النصوص؛ لدخول فروعها في النصوص، ولم يختلف أصحابنا في جواز تخصيص العموم [به]، وإن اختلفوا في جواز النسخ به على وجهين:
أحدهما- وهو قول الأكثرين-: أنه لا يجوز.
ومقابله منسوب إلى أبي علي بن أبي هريرة، قال الماوردي: وقد حكاه عن بعض من تقدمه.
والضرب الثاني: ما عرف معناه من ظاهر النص بغير استدلال، لكن يجوز أن يرد البعيد فيه، بخلاف أصله، وذلك كنهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء البين عورها، والعرجاء [البين عرجها؛ فكذلك العمياء والقطعاء قياساً عليهما، وإن جاز أن يرد البعيد بتحريم العوراء أو العوجاء] وإباحة العمياء والقطعاء، وكنهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يلبس المحرم ثوباً مسه ورس أو زعفران، فكان العنبر والمسك قياساً عليهما.
وهذا الضرب يجوز تخصيص العموم به، ولا يجوز به النسخ بوفاق أصحابنا، لجواز ورود البعيد في الفرع، بخلاف أصله.
وفي "تعليق" البندنيجي أن بعض أصحابنا قال: لا يجوز أن يرد الشرع في هذا بخلاف الأصل.
والضرب الثالث: ما عرف معناه من ظاهر النص باستدلال ظاهر يعرف بأدنى نظر؛ كقوله تعالى في زنى الإماء: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] فجعل حدهن نصف حد الحرائر، ولم يكن المعنى فيهن إلا نقصهن بالرق، فكان العبيد قياساً عليهن في تنصيف الحد إذا زنوا لنقصهم بالرق، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شركاً له في عبد وكان موسراً، قوم عليه"؛ فكانت
الأمة قياساً على العبد، وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]؛ فكأن معنى نهيه عن البيع أنه تشاغل عن حضور الجمعة؛ فكانت عقود المناكحات والإجارات وسائر الأعمال والصنائع قياساً على البيع؛ لأنه تشاغل عن حضور الجمعة.
وهذا الضرب لا يجوز النسخ به، ويجوز تخصيص العموم به عند أكثر أصحابنا، وإن منع منه بعضهم لخروجه عن الجلاء بالاستدلال، وليس بصحيح؛ لأنه صار بجلاء الاستدلال كالجلي بغير استدلال.
قال البندنيجي وبعض أصحابنا يعد هذا الضرب من أقسام القياس الواضح كما عد منه قوله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ"، ومعناه: أنه يغير العقل؛ فكان الجوع والجزع مثله، وكقوله صلى الله عليه وسلم] فِي الفَارَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ: "إِنْ كَانَ جَامِداً فَأَلْقُوْهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعاً فَأَرِيْقُوْهُ"، فكان العصفور مثل الفأرة، والشحم مثل السمن؛ وكقوله- تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: 32].
وخص الجلي بالضربين الأولين، وقال: كما ينقضي الحكم إذا خالف القياس الجلي، كذلك إذا خالف القياس الواضح بهذا التفسير.
ولو خالف حكم الحاكم القياس الخفي، أو قياس غلبة الشبه-[لم ينقض حكمه؛ كما صرح به البندنيجي.
والقياس الخفي: هو ما خفي معناه؛ فلم يعرف إلا باستدلال، وتكون صفاته في الفرع مساوية لمعنى الأصل.
وقياس غلبة الشبه]: بما يجاذب الأصول، فأخذ من [كل] أصل شبهاً، وأخذ كل أصل منه شبهاً.
كذا قاله الماوردي، لكنه ذكر أن القياس الخفي
[على] ثلاثة أضرب:
أحدها: ما كان معناه لائحاً يعرف باستدلال متفق عليه؛ كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] فكان عمات الآباء والأمهات في التحريم قياساً على الخالات؛ لاشتراكهن في الرحم، وقوله تعالى في نفقة الولد الصغير ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] فكان نفقة الوالد عند عجزه في كبره؛ قياساً على نفقة الولد] لعجزه [في صغره].
قال: وهذا ينقض به حكم الحاكم إذا خالفه، وفي جواز تخصيص العموم به وجهان.
والضرب الثاني: ما كان معناه غامضاً؛ للاستدلال المختلف فيه؛ فتقابلت معانيه حتى غمضت: كتعليل الربا في البر المنصوص عليه، فتقابل فيه التعليل بالأكل؛ ليقاس [عليه] كل مأكول، والتعليل بالقوت؛ ليقاس عليه كل مقتات، والتعليل بالكيل؛ ليقاس عليه كل مكيل.
والضرب الثالث: ما كان مستبهماً وهو ما احتاج نصه ومعناه إلى الاستدلال؛ كالذي قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن الخراج بالضمان"، فخرج بالاستدلال أن الخراج هو المنفعة، وأن الضمان هو [ضمان] البيع، ثم عرف معنى المنفعة بالاستدلال؛ فتقابلت المعاني بالاختلاف فيها.
فهذا والذي قبله لا ينقض بهما حكم الحاكم إذا خالفهما، ولا يجوز تخصيص العموم بهما.
وفي "الرافعي": أن ابن القاص قال: إن الضرب الثاني من هذه الأضرب من الجلي أيضاً، وقضيته النقض.
وذكر الماوردي أن قياس غلبة الشبه نوعان: قياس تحقيق يكون الشبه في أحكامه، وقياس تقريب يكون الشبه في أوصافه، وقياس التحقيق [له] ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يتردد حكم الفرع بين [أصلين: ينتقض] برده إلى أحدهما، ولا ينتقض برده إلى الآخر؛ فيرد إلى الأصل الذي [لا] ينتقض برده إليه وإن كان [أقل شبهاً، ولا يرد إلى الأصل الذي ينتقض برده إليه وإن كان] أكثر شبهاً.
مثاله: العبد هل يملك إذا ملك؟ تردد بين أصلين.
أحدها: الحر في جواز ملكه.
والثاني: البهيمة في عدم ملكه.
فلما انتقض برده إلى الحر في الميراث حين لم يملك به، وجب رده إلى التهمة؛ لسلامته من النقض، وإن كان شبهه بالأحرار أكثر من شبهه بالبهائم.
والضرب الثاني: أن يتردد الفرع بين أصلين [يسلم من النقض لو رد إلى كل واحد منهما، وهو بأحد الأصلين] أكثر شبهاً منه بالأصل الآخر، مثل: أن يشبه أحدهما من وجه، و [يشبه] الآخر من وجهين؛ فيجب رده إلى الأصل الذي هو أكثر شبهاً به.
مثاله: في الجناية على أطراف العبد تردد بين رده إلى الحر في تقدير الجناية على أطرافه، وبين رده إلى البهيمة في وجوب ما نقص من قيمته، وهو يشبه البهيمة في أنه مملوك ويورث، ويشبه الحر في أنه آدمي مخاطب مكلف، [يجب] في قتله القود والكفارة، فوجب رده إلى الحر في تقدير الجناية على أطرافه دون البهيمة؛ لكثرة شبهه بالحر، وقلة شبهه بالبهيمة.
والضرب الثالث: أن يتردد حكم الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين، ويوجد في الفرع بعض كل واحدة من الصفتين، ولا تكمل فيه إحدى الصفتين، لكن يوجد فيه الأكثر من إحداهما، والأقل من الأخرى؛ فيجب رده إلى الأصل الذي فيه أكثر صفاته.
مثاله: ثبوت الربا في الإهْلِيلَج والسَّقَمُونيا؛ لما تردد بين الخشب في الإباحة، لأنه ليس بغذاء، وبين الطعام في التحريم؛ [لأنه مأكول؛ فكان رده إلى الغذاء في التحريم
- لأنه مأكول]، وإن لم يكن غذاءً- أولى من رده إلى الخشب في الإباحة [وإن لم يكن غذاءً]؛ لأن الأكل أغلب صفاته.
وقال- أعني الماوردي- في موضع آخر: إن حكم القاضي ينتقض إذا خالف قياس التحقيق.
وعد في "النهاية" مما ينقض به قضاء القاضي: ما إذا تردد مذهبان بين موافقة قاعدة كلية وبين مجانبتها والتزام حرمها، كمسألة المثقل، ومعظم مسائل الحدود والغصوب.
ثم المعنى بنقض الحكم- كما قال الإمام في أول باب علم القاضي بحال من قضى [عليه]-: التبين، وإلا فليس القضاء أمراً يعقد ويحل.
وحكى الماوردي في باب شهادة النساء: أن الحكم إذا وقع بأضعف المذهبين أصلاً مما ينقضه عليه غيره من القضاة فهو باطل في الظاهر والباطن، لكن هل يفتقر بطلانه إلى حكم الحاكم أم لا؟ [فيه وجهان].
[فروع]: من حكم بالتفرقة بين الزوجين بلعان ثلاث مرات، ينقض حكمه؛ لأنه خلاف الكتاب.
وكذلك من حكم برضاع الكبير بعد أن كان المرضع ابن سنتين وخمسة أشهر، ففرق بين الزوجين- نقض حكمه، وردها على الزوج.
ومن أجاز نكاحاً عقد بشهادة فاسقين بلا إعلان ولا إظهار، نقض حكمه.
وكذا لو حكم بقتل مؤمن بكافر أو توريث أحدهما من صاحبه، أو حكم بإبطال قطع يد المرأة بيد الرجل، أو قتلها به حتى يغرم وليها نصف الدية؛ كذا حكاه القاضي حسين.
وفي "الرافعي": أن من الأصحاب من منع النقض وقال: هي مسائل اجتهادية، والأدلة فيها متفاوتة.
قال القاضي الروياني: وهو الصحيح.
وكذلك ذكره القاضي ابن كج
في الحكم ببطلان خيار المجلس.
قال: وإن اختلف رجلان، فقال أحدهما: [قد] حكم لي الحاكم [بكذا]، وأنكر الآخر، فقال الحاكم: حكمت، أي: وهو في محل ولايته باق عليها- قبل قوله وحده؛ لأنه قادر على الإنشاء، [ومن قدر على الإنشاء قدر] على الإقرار كالزوج لما قدر على إنشاء الطلاق قدر على الإقرار به.
قال القاضي حسين: [حتى] لو قال: قضيت على أهل [هذه] البلدة بأن نساءهم طوالق وعبيدهم أحرار، قبل قوله ونفذ حكمه.
وهذا إذا صرح بأن الحكم وقع بالبينة، أو بإقرار الخصم، أو بنكوله واليمين، [أو أطلق] الحكم.
ولا يحوج القاضي إلى إثبات ما قام عنده من حجة بينة، وإن منعنا القضاء بالعلم، وهذا متفق عليه.
ولو أحوج إلى البينة، فعند من يقيمها؟
نعم، [لو] قال: حكمت عليه بعلمي، فذاك ينبني على أن القضاء بالعلم هل يسوغ؟ فإن قلنا: نعم، فالحكم كما تقدم، وإلا فلا يقبل إقراره، ولا يلزم المقضي عليه ما قضى به، كذا صرح به القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم.
[فإن] قيل: قد قلتم: [إن ما يسوغ فيه الاجتهاد إذا اتصل بحكم الحاكم لا ينقض، والقضاء بالعلم] مما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فينبغي إذا اتصل بالحكم ألا ينقض.
قيل: من يقول بأنه يسوغ له أن يقضي بعلمه، لم يجعل العلم حجة؛ فصار كما لو قال: حكمت من غير مستند وبغير حجة.
لا ينفذ وإن كان في [محل] الاجتهاد، بخلاف المواضع المختلف فيها.
فرع: لو ادعى أحد الخصمين على القاضي المولى، وهو [في] محل ولايته، [عند قاض آخر في محل ولايته] أيضاً؛ إما لكون أحدهما نائباً عن الآخرن أو لكونهما أصلين، وجوزنا ذلك: أنك حكمت لي بكذا على خصمي، وأنكر [القاضي]- فهل له طلب يمينه؟
الذي حكاه الأصحاب: أنه ليس له ذلك.
وعن القاضي الحسين أنه [قال]: ينبني ذلك على أن النكول مع يمين الرد يجري مجرى البينة أو الإقرار؟
إن قلنا: يجري مجرى البينة، فلا حكم لها؛ لأن البينة لو قامت لم يقع بها حكم.
وإن قلنا: يجري مجرى الإقرار، فيحلف، قال الإمام: وتكون اليمين على نفي التذكر، فإذا نكل ردت اليمين على المدعي، وتنزل منزلة إقرار القاضي.
قال الإمام: وهذا بعيد، والوجه ما ذكره الأصحاب.
أما إذا قال الحاكم بعد العزل، [أو] وهو خارج عن محل ولايته: قضيت بكذا حالة نفوذ قضائي- لم يقبل [الحاكم] منه [ذلك].
نعم، لو شهد به، فهل تقبل شهادته؟ فيه خلاف يأتي في الشهادات، إن شاء الله تعالى.
ولو قال بعد العزل: المال الذي في يد هذا الأمين لزيد دفعته [له] أيام قضائي، وقال الأمين: إنه لعمرو، وما قبضته منك- فالقول قول الأمين.
نعم، لو سلم القبض منه فالقول قول القاضي، وهل يغرم الأمين لليتيم الذي [أقر له]؟ فيه وجهان في تعليق القاضي الحسين في باب ما على القاضي في الخصوم.
والله سبحانه أعلم.
باب القسمة
القسمة- بكسر القاف-: الاسم من قولك: قسم المال، يقسمه قسماً- بالفتح وقاسمه، [و] تقاسما واقتسموا وتقاسموا.
وهي في اصطلاح العراقيين نوعان:
قسمة رد.
وقسمة لا رد فيها.
وفي اصطلاح المراوزة: ثلاثة أنواع:
قسمة رد.
وقسمة إفراز.
وقسمة تعديل.
قال: تجوز قسمة الأملاك؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية [النساء: 8]، وقوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: 28] يريد: بين الناقة وبين قوم ثمود؛ فيكون لهم يوم، وللناقة يوم.
وقوله- عليه السلام-: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، وَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ".
وَقَدْ قَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم غَنَائِمَ بَدْرٍ قَرِيْباً مِنْهَا بِشِعْبٍ مِنْ شِعَابِ الصَّفْرَاءِ، وَغَنَائِمَ خَيْبَرَ بَأَوْطَاسٍ، وَقِيْلَ: بِالْجِعْرَانَةِ.
وقد كان للخلفاء الراشدين قسام، وكان علي يعطي رزق قاسمه من بيت المال، ولم ينكره أحد؛ فكان إجماعاً.
وقد صرح البغوي وصاحب "البحر" وغيرهما بأن القسمة مجمع عليها، مقتصرين على ذلك؛ لأن بالناس إلى قسمة المشترك حاجة داعية إليها؛ ولأجل هذا قال الأصحاب- كما حكاه صاحب "التهذيب"، و"الكافي"، وغيرهما-: إنه لا يجوز للإمام أن يخلي نواحي الإسلام من قسام تحصل بهم الكفاية؛ كالحكام.
وفي "تعليق" أبي الطيب: أنه يستحب للحاكم أن يتخذ قاسماً، وهذا إذا كان رزقه من بيت المال، فلو لم يكن، فلا ينبغي أن يجعل له قاسماً معيناً، بل يدع الناس يستأجرون من يختارونه.
وهل هذا على وجه الوجوب أو الندب؟
الكلام فيه كما قدمناه في اتخاذ الكاتب؛ كذا صرح به الأصحاب.
قال: فإن كان فيها رد، أي: مثل: أن يترك شخص لولديه دارين، أو عبدين، قيمة أحدهما ستمائة درهم، و [قيمة] الآخر ألف؛ فيجعلان النفيس بينهما والخسيسس بينهما على أن من يحصل له النفيس يرد مائتين للآخر حتى يعتدل.
أو يكون بينهما أرض في أحد جانبيها بئر، أو بناء، أو شجر لا يمكن قسمته، فتنضبط قيمة ما اختص بذلك الجانب، وتقسم الأرض بذلك، على أن يرد من يأخذ الجانب الذي في البئر أو البناء أو الشجر بذلك القيمة.
قال: فهو بيع، أي: إذا اتفقا على أن من يأخذ الأكثر قيمة يدفع [المائتين] للآخر في المثال الأول؛ لأنه يأخذ عما يؤخذ من ماله عوضاً هو مال، وذلك حقيقة البيع.
وهذه القسمة تسمى: قسمة الرد، وإن كانت بيعاً ولا إجبار فيها على المشهور؛
إذ البيع لا يدخل الإجبار فيه بطلب أحد الشريكين.
وعن "أمالي" أبي الفرج: أن من أصحابنا من خرج في الإجبار قولاً مأخوذاً من خلاف سنذكره فيما لو كان بينهما عبدان، قيمة أحدهما ألف، وقيمة الآخر ستمائة، فأراد أحدهما أن يقسما، على أن يجعل الخسيس وخمس النفيس سهماً وأربعة أخماس النفيس سهماً وفيها طريقان.
قال الرافعي: لكن إطلاق القول بالتخريج بعيد؛ لأنه لا رد في تلك الصورة، ولا تصرف إلا في المشترك، بخلاف ما نحن فيه.
قال: فما لا يجوز في البيع، قال الجيلي: كما إذا كان بينهما أرض فيها بذر مبذور، لا يجوز في هذه القسمة، لكونه تبعاً.
وفيما قاله الجيلي من تصوير المسألة نظر يظهر لك مما ذكرته في البيع.
وما ثبت في البيع من غير شرط وهو خيار المجلس يثبت في هذه القسمة ما لم يتفرقا.
ولو شرطا في حال الرضا خيار الثلاث، كان لهما؛ [كما قال] الماوردي.
أما إذا لم يتفقا على من يأخذ الأكثر قيمة، لكن تراضيا بإخراج القرعة فسيأتي الكلام فيه.
قال: وإن لم يكن فيها رد، أي: سواء كانت قسمة تعديل، أو لا تعديل فيها: كالأرض المتساوية الأجزاء، أو قسمة ذوات الأمثال- ففيه قولان:
أحدهما: أنه تمييز للحقين، أي: يبين أن [ما] حصل لكل واحد منهما هو الذي ملكه، كالمال الثابت في الذمة يتعين بالقبض، وإن لم تكن العين المقبوضة ديناً، ولا نجعلها عوضاً عن الدين؛ إذ لو قدرنا ذلك لما صح قبض المسلم فيه من جهة امتناع الاعتياض عنه.