كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كان الحارس في الركعتين واحدة – أحببت لها أن تعيد الركعة"، قال القفال: وفيه إشكال؛ لأن حراستها في الركعة الأولى جائزة، وحراستها في الركعة الثانية لا تخلو إما أن تبطل صلاتها أو لا، فإن أبطلت فعليها أن تقضي جميع الصلاة، وإن لم تبطل فليس عليها قضاء شيء.
قال: إلا أنه يمكن أن نجعل لهذا وجهاً، وهو: أنه إذا كان جاهلاً بأن حراستها في الثانية لا تجوز؛ فلم تبطل صلاته للجهل، ولم تصح تلك الركعة لها؛ لمخالفتها للإمام؛ فعليها أن تقضي تلك الركعة.
قال القاضي الحسين: ومن أصحابنا من قال: معناه: أن سبب بطلانها هو حراستها في الركعة الثانية، وليس لها أن تحرس في الركعتين معاً، وقد قيل: أراد بالركعة جميع الصلاة، والعرب تسمي الشيء باسم ما يشمله ويتضمنه، فيسمون الصلاة ركعة؛ لأنها تتضمن الركوع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] وأراد: الخطبة؛ لاشتمالها على القرآن.
وقوله: "أحببت أن يعيد" معناه: أوجبت، فعليه إعادة جميع الصلاة، وقيل: معناه: على طريق الاستحباب.
قال: والمستحب أن يحمل السلاح في صلاة الخوف في أحد القولين؛ لأنه غير مقاتل في الصلاة؛ فلم يجب لذلك حمله كما في سائر الصلوات، ويخشى أن يحصل له القتال؛ فلذلك استحب له، وقد وجهه القاضي بقوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ [النساء: 102] فأباح وضع السلاح بالمطر؛ فدل على أنه غير واجب، وهذا ما حكاه المزني، وقال الماوردي: إنه الجديد.
قال: ويجب في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102]، وظاهره الوجوب، وقد أكده بقوله في آخر الآية: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾؛ فدل على أن عليهم جناحاً في وضعها عند فقد ذلك، وهذا ما نص عليه في القديم، كما قال في "الحاوي"، وغيره عزاه إلى "الأم"،
ولفظه: "وأحب للمصلي أن يأخذ سلاحه في الصلاة ما لم يكن نجساً، ولا يأخذ الرمح إلا أن يكون في حاشية الناس"، ثم قال بعد ذلك: "ولا أجيز له وضع السلاح كله في صلاة الخوف"، ثم قال: "فإن وضعه لم تفسد صلاته؛ لأن معصيته في ترك السلاح ليس من الصلاة"، وقد أبدى الإمام القول بعدم البطلان فقهاً لنفسه، وكأنه لم يقف على هذا النص.
وهذه الطريقة التي ذكرها الشيخ هي طريقة أبي إسحاق المروزي وغيره، وبعضهم قطع بالقول الأول، وآخرون قطعوا بالثاني؛ فحصل في المسألة ثلاث طرق مذكورة في "النهاية".
ومنهم من قال: ليست المسألة على قولين؛ وإنما هي على اختلاف حالين: فالموضع الذي استحبه، قصد بذلك السلاح الكامل الذي يدفع به عن نفسه وعن غيره: كالرمح والنشاب ونحو ذلك، والموضع الذي أوجبه، قصد به السلاح الذي يدفع به عن نفسه خاصة: كالسيف والسكين.
والصحيح عند الشيخ وشيخه القاضي أبي الطيب طريقة أبي إسحاق التي أوردها في الكتاب، وهي التي قال بها أكثر الأصحاب، كما قال الماوردي، وأصح القولين الأول.
والجواب عن الآية الأولى: أن صلاة الخوف كان فعلها محظوراً، ثم أمر الله بها، والأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة لا الوجوب، كما في قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا﴾ [الجمعة: 10]، ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2].
وعن الثانية: أنه وضع عنهم [بها] جناح الكراهة في حال العذر، وذلك يقتضي أنها لا ترتفع عند فقده، ونحن قائلون به؛ فإن حمله مستحب، وتركه مكروه إلا في حالة العذر.
وادعى الإمام أن الذي لا بد من التنبه له: أنهم لو بعدوا الأسلحة عن أنفسهم، وظهر بهذا السبب مخالفة الحزم والتعرض للهلاك- فيجب منع هذا
قطعاً؛ فإنه في صورة الاستسلام للكفار، وإن وضع الواضع سيفه بين يديه إذا لم يكن في حال مطاردة، ولم يكن مخالفاً للحزم- فلست أرى في ذلك احتمال التردد في الجواب؛ بل الوجه القطع به؛ فإن مد اليد إلى السيف الموضوع على الأرض في اليسر كمد اليد إليه وهو يتقلد، فإذا كاني قطع به في غير الصلاة، فلأن يقطع بجوازه في الصلاة أولى وأحرى.
وإن لم يظهر في تنحية السلاح إمكان خلل، ولكن كان لا [يؤمن] أيضاً إفضاء مثل تلك التنحية إلى خلل، فلعل التردد واختلاف النص في هذا، ولكن الأصحاب ذكروا حمل السلاح في عيبته في الصلاة، وأنا أرى الوضع بين اليدين في حكم رفع السلاح وحمله.
وهذا كله في السلاح الطاهر، أما النجس فلا يجوز حمله.
قال القاضي أبو الطيب: وكذا لا يجوز حمل ما يمنعه من إكمال الصلاة، مثل: السيور التي لا يمكنه فيها الركوع والسجود، ومثل البيضة السابغة التي تمنعه من السجود، ومثل الخوذة التي لها أنف يحول بين جبهته وبين الأرض.
وهذا يؤخذ مما تقدم في الأبواب السالفة، على أن في كلام البندنيجي الذي سنذكره ما ينازع فيه.
وكذا لا يجوز أن يحمل ما يؤذي به غيره من المسلمين، مثل: الرمح يحمل في وسط الناس؛ لأنه إن حمله قائماً لم يتمكن من الركوع والسجود في تلك الحالة، وإن مده آذى المسلمين به، نعم لو كان في حاشية الناس جاز له حمله؛ لأنه لا يؤذي به أحداً إذا وضعه ممدوداً حال صلاته، وكلام البندنيجي يدل على أنه في الحال الأول مكروه؛ لأنه قال في كتاب الرمي: إن الصلاة في حال حمل السلاح جائزة، وهو على ثلاثة أضرب: حرام وهو النجس، ومكروه وهو ما يشغله عن الخشوع كالجعبة التي فيها النشاب والرمح، ومباح وهو السيف والخنجر والسكين، وقال هنا- وكذا الماوردي-: إنا إن حملنا النصين على اختلاف حالين، فحمل السلاح على خمسة أضرب: حرام، ومكروه، وواجب، ومستحب، وما اختلف حكمه باختلاف مكان حامله:
فالحرام: ما كان نجساً، قال الماوردي: أو مانعاً من الركوع والسجود، ونحوه.
والمكروه: ما كان ثقيلاً يشغله عن الصلاة كالجوشن والمغفر السابغ على الوجه، وما له أنف.
والواجب: مما يدفع به عن نفسه: كالسيف، والسكين.
والمستحب: ما يدفع به عن نفسه وعن غيره: كالقوس، ونحوه.
وما اختلف حكمه باختلاف المكان: وهو الرمح: إن كان في حاشية الناس لم يكره، وإن كان في أثناء الصف كره له ذلك.
وإن قلنا: المسألة على قولين، فالسلاح على أربعة أضرب: محرم، ومكروه، وما اختلف باخلاتف المكان- وقد تقدم بيان ذلك- وما اختلف القول فيه: وهو ما يدفع به عن نفسه، أو عن نفسه وغيره، فهل يجب حمله أو لا؟ على قولين.
وقد أفهم ما ذكرناه: أن السلاح الذي وقع الكلام فيه يشمل ما يلبس وقاية، وما يحمل للدفع.
وعن ابن كج: أن السلاح يقع على السيف والسكين والرمح والنشاب ونحوها، أما الترس.
فليس بسلاح، وكذا لو لبس الدرع لا يسمى حاملاً لسلاح، وتفصيل الإمام السابق في تنقيح محل الخلاف يرشد إليه.
[تنبيه: كلام الشيخ يفهم أن ما ذكره من استحباب حمل السلاح أو وجوبه، مختص بما ذكره من صلاتي الخوف: صلاة ذات الرقاع، وصلاة عسفان، وبه صرح] الإمام، أما صلاة شدة الخوف فذاك واجب فيها قولاً واحداً.
وصلاة بطن النخل، قد قال الرافعي: يظهر أن تكون كصلاة عسفان وذات الرقاع؛ لأن معنى الخوف يشملها، وقد أطلق الأصحاب ذلك في صلاة الخوف إطلاقاً.
قال: وإذا اشتد الخوف، أي: بحيث لا يمكن الإمام أن يقسم القوم قسمين؛ لكثرة العدو ونحو ذلك، والتحم القتال، أي: فلم يقدروا على النزول عن دوابهم، أو على الانحراف، وهم رجالة – صلوا رجالاً وركباناً؛ [لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: 239] ومعناه: إن خفتم رجالاً وركباناً]
فصلوا رجالة وركباناً؛ و"رجالاً": جمع "راجل"؛ كصاحب وصحاب، وقوله - عليه السلام- في حديث البخاري السابق في غزوة ذات الرقاع: "وإن كانوا أكثر من ذلك، فليصلوا قياماً وركباناً".
قال: إلى القبلة، وغير القبلة؛ لأنه روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ أنه قال: مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها.
كذا رواه مالك عن نافع عنه، [ثم] قال مالك: ما أراه ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال القاضي أبو الطيب: إن أبا بكر بن المنذر قال: إن موسى بن عقبة رواه عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً.
وفي "الحاوي" و"التهذيب" وغيرهما: أن القائل: "ما أراه ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم هو نافع، وهو المذكور في كتب الحديث، ثم قال الماوردي: والشافعي رواه عن محمد بن إسماعيل عن [ابن أبي ذئب] عن الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فكان ذلك نصّاً مرويًّا، ولأن الضرورة تدعو إلى الصلاة على هذه الصفة؛ إذ لا يجوز إخلاء الوقت عن الصلاة؛ فجاز ذلك للضرورة، ولا يجب عليهم في هذه الحالة أن يستقبلوا القبلة، لا في الإحرام ولا في الركوع ولا في السجود، وإن كانوا رجالة، صرح به البغوي وغيره.
ولا تجب عليهم الإعادة إذا كان الانحراف عن القبلة لأجل القتال، فلو كان لأجل جموح الدابة، وطال الزمان- بطلت صلاته، كما في غير حال الخوف، قاله الرافعي، وحكى ابن التلمساني في باب استقبال القبلة: أن العراقيين حكوا وجهاً في صلاة المسايفة إذا وقعت إلى غير القبلة: أنه يجب القضاء.
قال: فإن لم يقدروا على الركوع والسجود؛ أي: للخوف من العدو- أو مثوا؛ لقول ابن عمر في الخبر الذي ذكرناه من قبل عن رواية مسلم، عن نافع، عن ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك، فصلى راكباً أو قائماً يومئ إيماء.
ولا فرق في ذلك بين الراكب والراجل، بخلاف ما تقدم في صلاة النافلة في السفر في حق الماشي.
والإيماء: الإشارة، ويتعين عند الإتيان بها أن يكون إيماؤه بالسجود أخفض من الركوع؛ ليحصل التمييز.
ويجوز فعل هذه الصلاة [عندنا] فرادى وجماعة؛ لعموم الآية.
قال ابن الصباغ: والجماعة أفضل.
قلت: وفيه نظر؛ لأن أبا حنيفة يقول: لا تصح الصلاة جماعة في هذه الحالة، كما حكاه القاضي أبو الطيب عنه، ومن شأن الشافعي استحباب الخروج من خلاف الخصم إذا أمكن، ما لم يكن قد ورد نص يقتضي المخالفة، كما تقدم ذكره في القصر.
ثم إذا أقيمت جماعة، فلا يضر تقدم المأمومين وتأخرهم بالكر والفر؛ كما لا يضر ذلك في المستديرين حول الكعبة، بخلاف من اختلف اجتهادهم إلى أربع جهات لا يقتدي بعضهم ببعض، وفي هذه الحالة أيضاً لا يجب عليهم- إذا صلوا كذلك- الإعادة؛ لأنهم فعلوما ما أمروا به، وقد أسقط أبو حنيفة وجوب الفعل على الحاضر في هذه الحالة، ولديلنا عليه- مع الآية- أنه مكلف تصح منه الطهارة غير متخوف من القتل لأجل الصلاة؛ فوجب ألا يخلي الوقت من الصلاة، أصله: الأمن.
فرعان:
الفرع الأول: الكمين يجوز أن يصلي قاعداً؛ مخافة أن يراه العدو، وفي الإعادة قولان حكاهما الفوراني؛ بناء على المحبوس في الحُش، المذكور منهما في "التهذيب" و"الكافي": الوجوب، وكلام الإمام يقتضي الجزم بمقابله.
الفرع الثاني: لو لم يمر بالمصلي قرن، ولكن كان ترتيب القتال يقتضي أن
يقصد وإن لم يقصد- قال الإمام: فهذا أراه من الأفعال الضرورية؛ فإن من لا يقصد في القتال – هتضم ويتغشى في التقاء الصفوف.
قال: فإن اضطروا إلى الضرب المتتابع ضربوا؛ ولا إعادة عليهم، كما لو اضطروا إلى المشي فمشوا، وهذا قول ابن سريج، كما قاله البندنيجي، وحكاه الماوردي عنه وعن أبي إسحاق؛ جرياً على مذهبهما في حمل نصيه في "المختصر" و"الأم"- فيما إذا خاف فركب في أثناء الصلاة- على حالين، كما ستعرفه، وبهذا جزم البغوي والقاضي الحسين، ويقال: إن القفال قطع به، كما حكاه الروياني، وقال الرافعي: إن الأكثرين رجحوه، سواء وقع في شخص واحد أو في أشخاص.
وقيل: عليهم الإعادة؛ لأنه عذر نادر فيها، فأشبه من لم يجد ماء ولا تراباً؛ فإنا نأمره بالصلاة مع أنها باطلة لفقد شرطها، وبالإعادة، وهذا ما حكاه البندنيجي عن النص، وعبارته في حكايته: "أنها تبطل، ويمضي في صلاته، ويعيد"، وهكذا حكاه الروياني في "تلخيصه" عن "الأم" فقال: إن تابع الضرب، أو ردد الطعنة، أو عمل ما يطول- بطلت صلاته، ويمضي فيها، ثم إذا قدر أعادها، لا يجزئه غير ذلك، ولأجل ذلك ذكر البندنيجي في موضع آخر أنه المذهب.
قال الماوردي: وهو ما عليه سائر أصحابنا، ووجهه بعضهم بأن إقامة هذه الصلاة راكباً مومئاً، مستقبل القبلة وغير مستقبلها، كما فسره ابن عمر- من الرخص الظاهرة، فالزيادة على ذلك مجاوزة للنص في محل لا مجال للقياس فيه، كذا نقله صاحب "التقريب"، وفيه نظر؛ لما تقدم في الباب: أن الرخصة إذا عقل معناها ألحق بها ما هو في معناها، والقائلون بالأول حملوا النص على ما إذا فعلوا ذلك من غير ضرورة.
وقد أفهم كلام الشيخ في "المهذب" أن القول بالبطلان قول ثالث في المسألة غير القولين؛ لأنه لما حكى النص حكى بعده أن أبا حامد حكى عن ابن سريج أنه إن كان مضطراً لم تبطل صلاته؛ كالمشي، ثم قال: وحكى بعض أصحابنا أنه
إن اضطر فعل، ولكن يلزمه الإعادة؛ كما نقول فيمن لم يجد ماء ولا تراباً: إنه يصلي، ثم يعيد.
وعلى ذلك جرى ابن يونس، وكلام البندنيجي والروياني مصرح بأن هذا هو النص، وحينئذٍ فليس في المسألة معه إلا قول ابن سريج وأبي إسحاق، والله أعلم.
ولا خلاف أن الضربة الواحدة والطعنة الواحدة لا تبطل، وكذا الضرب والطعن المتفرق فيها.
والضربتان المتواليتان ونحوهما هل تبطلان؟ إن قلنا في الثلاثة: إنها تبطل، قال البندنيجي: لا نص فيها للشافعي، والذي يجيء على مذهبه أن ذلك لا يبطل؛ لأنه في حد القلة؛ لأنه لا ينطلق عليه اسم الجمع المطلق، وهذه طريقة في المسألة، وطريقة القاضي أبي الطيب التي ذكرها في "تعليقه": أن الضربة الواحدة والطعنة الواحدة لا تبطل اتفاقاً، وقال: إنه لا يختلف المذهب أن الثلاث المتواليات تبطل؛ لكون ذلك عملاً كثيراً، وأما إذا ضرب ضربتين [أو طعن طعنتين] ففي البطلان وجهان:
أحدهما: تبطل؛ لأن الشافعي نص على أن الضربة الواحدة والطعنة الواحدة لا تبطل الصلاة، ثم قال: "إن ردد الطعنة، بطلت"، وهو في الطعنة الثانية قد ردد الطعنة؛ فوجب أن تبطل صلاته.
وطريقة الإمام: أن الضرب الكثير عند عدم الحاجة مبطل، وفي معناه الزعقة والصيحة؛ فإنه لا حاجة إليها؛ لأن [الكمي] المقنع السّكوت أهيب في نفوس الأقران، وزاد الماوردي، فقال: إنه لو تكلم عند الضرورة للكلام، بطلت وجهاً واحداً؛ لأن يسير العمل مباح، ويسير الكلام غير مباح، وعند الحاجة لو كثرت ضرباته وأفعاله في أشخاص، قال: فالذي قطع به شيخي أن ذلك لا يقدح، وقياسه بين.
وذكر صاحب "التقريب" نصوصاً دالة على أن كثرة الأفعال تبطل، وأن العراقيين والشيخ أبا عل حكوا ذلك.
وقال الأصحاب: ظاهر المذهب ما ذكره شيخي، وفرعوا عليه ما إذا كرر الفعل الواحد في الشخص الواحد ثلاث مرات، وقالوا: هذا مبطل؛ لأنه في المحل الواحد نادر؛ فلا يُعد مما يظهر مسيس
الحاجة إليه، وفيه نظر؛ [فإنه] قد يعم من جهة أن القرن قد يتقي ببيضته الضرب وتمس الحاجة إلى أخرى، وقد لا تؤثر الضربات لمكان الدروع وغيرها من الملابس الواقية؛ فالحكم بأن الغالب ان تزيح الضربة دون الضربات غير ظاهر، وكلام الصيدلاني مصرح في فحواه بأن الحاجة إذا مست إلى ذلك في مضروب واحد لم تبطل الصلاة، ولا وجه له عندي إلا هذا، وما نقله عن الصيدلاني قد قال الفوراني: إنه نص عليه، وإن مقابله خرجه أبو حامد مما إذا حمل سلاحه الملطخ بالدم، كما ستعرفه.
ثم قال الإمام: والقول القريب فيه: أنا حكينا قولاً في كتاب الطهارة: أن من أمرناه بالصلاة مع اختلال صلاته بعذر نادر لا يدوم لا قضاء عليه، وهو مذهب المزني؛ فينبغي أن يتخذ هذا أصلاً، ويترتب عليه جريان الضربات في مضروب واحد، وهذا أولى بإسقاط القضاء؛ لما أشرت إليه.
وإذا جمعت ما ذكره عند الحاجة إلى الضرب واختصرته، قلت: في المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كثر في شخص واحد أوجب الإعادة، وغلا فلا، وقد حكاها في "الوسيط" أقوالاً ثلاثة.
ثم محل القول بعدم البطلان عند الأصحاب فيما إذا كانت الضربة واحدة أو أكثر، إذا لم يكن في حمل السلاح بعد الأولى ملابسة النجاسة، فإن كانت بأن تلطخ سيفه بالدم: فإن ألقاه على القرب، أو رده في قرابه تحت ركابه في قريب من زمان الإلقاء- فلا يضره ذلك، كذا قاله الإمام، وقاله الروياني في "تلخيصه": الظاهر فيما إذا رده في قرابه تحت [وركه أنها] تبطل؛ لأنه كان يمكنه أن يطرحه من يده في الحال.
ولو أمسكه، ولم يفارقه؛ للاحتياج إليه - قال الفوراني: فهل عليه الإعادة؟ فيه قولان؛ كمن صلى في الحش، والذي حكاه القاضي الحسين عن النص: أن صلاته باطلة، وهو ما حكاه الإمام عن الأصحاب، ثم قال: وفيه نظر عندي؛ [فإن تلطّخ] السلاح، والطعن [والضرب] على الولاء، وشدة الخوف من الأمور العامة في القتال، فإذا ثبت أن ما يقتضيه القتال محتمل، فليلتحق هذا به
خصوصاً، ونجاسة المستحاضة لا تبطل الصلاة، للتولي.
قال: وإن أمن وهو راكب، فنزل، أي: لم يستدبر القبلة في نزوله- بنى، [أي:] على صلاته؛ لأن النزول عمل قليل، وهو لا يبطل في حال الأمن.
وظاهر كلام الشيخ أنه [لا] فرق في البناء بين أن يكثر منه الفعل- لثقل جسمه- أو لا، وهو وجه حكاه الفوراني وصاحب "التقريب"، مع وجه آخر لم يحك القاضي الحسين غيره: أنه يستأنف، ويجب على الآمن في حال الركوب أن ينزل ليتم صلاته على الأرض؛ كما يجب على المريض القيام إذا قدر عليه في أثناء صلاته.
أما إذا استدبر القبلة في نزوله، فقد قال في "المهذب" وغيره من العراقيين: إن صلاته بطلت؛ لأنه ترك الاستقبال في الفرض من غير خوف، وهذا ما حكاه الروياني في "تلخيصه" عن النص، نعم: لو انحرف عن القبلة يميناً أو شمالاً لا تبطل، كما صرح به القاضي أبو الطيب وغيره، وقالوا: إن ذلك يكره، وكان يتجه في حال استدباره القبلة في نزوله أن يتخرج على الوجهين [فيما] إذا وجد السترة في أثناء الصلاة [وهي بقربه،] وكان في أخذها مستدبراً للقبلة، اللهم إلا أن يكون ما ذكروه ها هنا مفروضاً فيما إذا أمكنه الاستقبال في حال نزوله، وما ذكروه ثم إذا لم يمكنه في حال أخذه السترة الاستقبال.
قال: وإن كان راجلاً، أي: فخاف فركب، استأنف على المنصوص، وقيل: إن اضطر إلى الركوب، فركب، لم ييستأنف، وقيل: فيه قولان.
اعلم: أن الذي نص عليه في "المختصر" أنه إذا افتتح الصلاة آمناً، فأظله العدو؛ فخاف، فركب فرسه- أنه يستأنف الصلاة؛ لأن الركوب عمل كثير، وقال في "الأم": "بنى على صلاته".
واختلف الأصحاب في ذلك:
فمنهم من أخذ بنصه في "المختصر"؛ نظراً لما عمل، ولم يفرق بين أن يكون مضطراً إلى الركوب أو لا، وهذه [هي] الطريقة التي قدمها الشيخ،
[ولم يحك في "الكافي" غيرها].
ومنهم من قال – وهو أبو إسحاق، وابن سريج، وأكثر أصحابنا، كما قال في "الحاوي"-: إن النصين محمولان على اختلاف حالين: فحيث قال: "يستأنف"، أراد: إذا ركب مختاراً من غير ضرورة داعية، بل ركب طالباً لهم، وحيث قال: "يبني"، أراد: إذا كان قد دعته الضرورة إلى الركوب؛ إما للدفع عن نفسه، أو للهرب الجائز له من شدة الخوف وهجوم العدو؛ لأنه في هذه الحالة مضطر إليه؛ فلم تبطل كالمشي.
وهذه الطريقة هي الطريقة الثانية في الكتاب، ولم يورد القاضي الحسين غيرها عن الأصحاب، وأنهم أيدوا ذلك بقول الشافعي في "الإملاء": "إذا صلى نازلاً فركب، استأنف؛ لأنه مستغن عنه"؛ [فإن مفهومه: أنه إذا صلى نازلاً، فلحقه شدة الخوف؛ فركب- بنى؛ لأنه غير مستغن عنه]، وقد حكى الإمام هذه الطريقة عن الصيدلاني، وقال: لا شك أنها المذهب.
ومنهم من حكى في المسألة قولين:
أحدهما: يبني مطلقاً؛ لأن الركوب كالنزول، ولأن العمل الكثير في الصلاة للحاجة جائز، والحاجة موجودة.
والثاني: يستأنف مطلقاً، قال الروياني: وهو الأقرب؛ لما ذكرناه من علة الشافعي، ووجهه الفوراني بأنه التزم صلاة ليس فيها فعل مخالف لموضوعها، فإذا فعل ما يخالفها لزمه استئنافها، قال الإمام: وهذا ليس بشيء؛ فإن من التزم الصلاة قائماً، ثم اضطر إلى القعود أو إلى الإيماء بمرض، فعله ولا تبطل صلاته، وإنما يؤثر الالتزام في الرخص، كما إذا نوى الإتمام لا يقصر، بخلاف الضرورات.
[وهذه الطريقة هي الطريقة الثالثة في الكتاب، وفي "تلخيص الروياني": أن القاضي أبا الطيب قال: الذي يقتضيه كلام الشافعي في "الأم": أنه إذا فعله للحاجة يمضي في صلاته، ويعيد الصلاة قولاً واحداً؛ لأن هذا العمل يضاد الصلاة؛ فاستوى فيه حال شدة الخوف وحال الأمن؛ كالحدث].
قلت: وهو شبيه بنصه على أن الضرب المتتابع فيها يبطلها، ويمضي فيها،
والذي رأيته في "تعليقه" أنه يستأنف الصلاة ولا يبني عليها، ولم يحك غيره، وحكى الإمام طريقة أخرى: أن العمل إن كثر في الركوب أبطل الصلاة، وإلا فلا، وحمل قائلها النصين على هذين الحالين.
قال الإمام: وهذا ليس بشيء؛ لأن كثرة العمل بسبب الخوف محتمل على قاعدته، نعم: إن أكثر العمل من غير حاجة، بطلت صلاته.
قال: وإن رأوا سواداً، أو إبلاً، أو نحو ذلك، فظنوه عدوًّا؛ فصلوا صلاة شدة الخوف، أي: بالإيماء، ثم بان لهم أنه لم يكن عدواً- أجزأتهم صلاتهم في أصح القولين؛ لأن علة الجواز شدة الخوف، قال الله – تعالى-: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: 229]، وقد تحقق الخوف حال الصلاة؛ فصحت وأجزأت.
قال في "المهذب": كما لو رأى عدواً، فظن أنهم على قصده؛ فصلى بالإيماء، ثم تبين أنهم لم يكونوا على قصده.
وهذا ما نص عليه في "الإملاء"، كما قال المزني في "المختصر"، وتبعه القاضي أبو الطيب والحسين في ذلك، وتبع الشيخ في تصحيحه القاضي أبا الطيب، وتبع الشيخ في ذلك الروياني في "تلخيصه"، وقال الإمام: إنه غير سديد؛ فإن الله – تعالى – أراد الخوف في القتال القائم على تحقق، والعلم عند الله.
ومقابله: أنها لا تجزئ، فتجب الإعادة؛ لأن الله – تعالى – أجاز لهم صلاة الخوف بشرط وجود العدو، ولم يوجد؛ فلا تجزئهم وإن ظنوا الصحة؛ كمن صلى في ثوب على ظن أنه طاهر، فبان [أنه] نجس، أو من غير سترة ظاناً عجزه عنها، ثم ظهرت قدرته عليها، وهذا ما نص عليه في "الأم"، ونقله المزني أيضاً، وقال الإمام: لعله الأصح، [وصرح في "التهذيب" و"الكافي" بأنه الجديد والأصح]، وقال الماوردي والرافعي: إنه الأصح.
وعليه الجمهور.
وحكى القاضي الحسين والبغوي أنه قال في القديم: إن كان هذا في دار الإسلام، فعليهم الإعادة، وإن كان في دار الحرب، لا يعيدون.
وإذا ضممت ذلك إلى ما في الكتاب، حصل في المسألة ثلاثة أقوال، وكذا حكاها في "التهذيب"، لكن القاضي قال بعد حكاية ما ذكرناه: واختلف الأصحاب في ذلك:
فمنهم من قال: إن كان في دار الإسلام وجبت الإعادة قولاً واحداً، وإن كان في دار الحرب فقولان.
والفرق: أن الغالب في دار الحرب أن ذلك عذر، بخلاف دار الإسلام، وهذه الطريقة لم يورد الماوردي غيرها، وقال: لم أر من أصحابنا من خالف في ذلك، ولا وجدت للشافعي نصّاً يعضده أو يعارضه إلا الحجاج؛ فإنه يقتضي تسوية الحكم في الحالين.
[ثم] قال القاضي الحسين: ومنهم من قال: القولان في دار الإسلام ودار الحرب، وربما شبّه القولان بالقولين بالمعضوب إذا حج عنه، ثم برئ: هل يجزئه أم لا؟ وكذا غير المعضوب إذا استأجر من يحج عنه، ثم بان آخر الأمر عضبه: هل يجزئه أم لا؟ وبالقولين فيما إذا باع مال أبيه على ظن أنه حي، فبان ميتاً.
وفي "تعليق البندنيجي": أن ما نقله المزني عن نصه في "الإملاء" في صورة مسألة الكتاب- وهم منه، والذي نص عليه في "الإملاء" أن عليهم الإعادة أيضاً، نعم: نص فيه على أنه إذا أخبرهم ثقة أن السواد عدو؛ فصلوا صلاة شدة الخوف، فبان أن لا عدو أنه لا إعادة عليهم، فمن الأصحاب من أجرى النصوص على ظاهرها، ومنهم من خرج، وقال: الكل على قولين، قال ابن الصباغ: ومنهم من قال في مسألة الكتاب: تلزمهم الإعادة قولاً واحداً، وفيما إذا أخبرهم ثقة، ثم بان خلاف قوله: في الإعادة قولان، وبهذا يحصل في المسألة أربع طرق:
إحداها: في المسألة ثلاثة أقوال، كما هي في "التهذيب".
الثانية: إن كان ذلك في بلاد العدو، لا يعيدون قولاً واحداً، وإن كان في دار الإسلام، فقولان.
الثالثة: إن لم يخبرهم بذلك ثقة، ثم بان خلافه، أعادوا قولاً واحداً، وإن أخبرهم ثقة بذلك ففي الإعادة قولان.
الرابعة: إجراء القولين في دار الإسلام ودار الحرب فيما إذا ظنوا بذلك، أو
أخبرهم ثقة به، ثم بان خلافه.
والله أعلم.
والخلاف يجري فيما إذا هربوا؛ ظنًّا منهم أن في العدو كثرة؛ فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم تبين لهم خلافه.
قال: وإن رأوا عدوا، فخافوهم؛ فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان أنه كان بينهم خندق، أي: يمنع الوصول إليهم، وكذا ما في معناه من حائط لا ينقب، أو بحر لا يخاض- أعادوا؛ لتفريطهم في الكشف والتأمل مع إمكانه، وقيل: فيه قولان كالمسألة قبلها، وقد حكى الطريقين هكذا البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما، واختار الأخيرة منهما الشيخ أبو حامد، وصححها الروياني في "تلخيصه"، ولم يورد القاضي أبو الطيب والماوردي وكذا المراوزة غيرها؛ لأنهم جعلوا قول الشافعي بوجوب الإعادة فيها مفرعاً على أنه يجب عليه الإعادة في المسألة قبلها، وقالوا: حاصل الكلام: أن المجوِّز للصلاة بالإيماء هو حقيقة وجود العدو مع الخوف منه، أو وجود الخوف؟ فإن اعتبرنا الخوف فلا إعادة في الصورتين، وإن اعتبرنا وجود العدو حقيقة أعادوا، ولأجل ذلك طردوا الخلاف فيما لو صلوا بالإيماء؛ لظنهم: أن فيهم قلة عن العدو، فبان [أن هناك] مدداً من المسلمين قريباً منهم، أو بان لهم أن هناك حصناً يمكنهم أن يلتجئوا إليه- قال القاضي الحسين: ويقرب الوقلان من القولين فيمن نسي الماء في رحله، وصلى بالتيمم.
قال بعضهم: والصحيح الطريقة الأولى؛ لما ذكرناه.
ولو بان أن ما بينهم وبين العدو الذي رأوه كان على المصالحة والمشارطة، قال البندنيجي: فلا إعادة قولاً واحداً.
وقد أفهم كلام الشيخ أمرين:
أحدهما: أن صلاة شدة الخوف لا تجوز عند وجود الخندق بينهم وبين العدو، وهو كذلك إذا كان لا يمكن طمه قبل انقضاء الصلاة.
أما إذا أمكن ذلك، وكان العدو علم ذلك- فهو كالمعدوم، وكذا لو كان بينهم حائط وهم [على]
نقبه، فإن كان لا يمكن ذلك قبل فراغ الصلاة، لم يصلوا صلاة شدة الخوف.
الثاني: لو بان لهم أن ما رأوه من السواد ونحوه لم يكن عدواً، أو بان أنه عدو، وأن بينهم خندقاً ونحوه، وكان القوم قد صلوا صلاة الخوف لا صلاة شدة الخوف – أن الحكم لا يكون كما ذكره في صلاة شدة الخوف، [وإلا لم يكن لتقييده بشدة الخوف فائدة، وبه صرح الماوردي فقال: إذا صلوا صلاة ذات الرقاع، أو صلاة عسفان، أو صلاة بطن النخل في هاتين الحالتين، ثم بان الأمر- لا تجب عليهم الإعادة قولاً واحداً؛ لأنهم لم يسقطوا فرضاً، ولا غيروا ركناً، بخلاف صلاة شدة الخوف].
قلت: ويؤيد ذلك أنا نتساهل في المرض المجوز للقعود من قيام، ويشترط في الصلاة على جنب أزيد من ذلك، وفي الصلاة بالإيماء أشد من ذلك؛ لأجل إسقاط فرض منها.
وقال غيره: [الكلام في ذلك ينبني على أن هذه الصلوات لو صليت في حال الأمن هل تصح، أم لا؟ ولا خلاف] أن صلاة بطن النخل صحيحة؛ لأن أكثر ما فيه أن الطائفة الثانية صلت الفرض خلف متنفّل، وذلك جائز عندنا وأما صلاة ذات الرقاع [إذا فعلت كما رواه ابن خوات] فالكلام فيها يقع في الإمام والمأمومين:
أما الإمام: فصلاته صحيحة، كما حكاه البندنيجي؛ لأنه طول الصلاة بالانتظار مشتغلاً بالقراءة أو الذكر، وذلك لا يمنع صحة الصلاة، وقال القاضي أبو الطيب والماوردي: في ذلك قولان ينبنيان على ما إذا فرقهم أربع فرق؛ لأنه انتظر في غير موضع الانتظار.
وأما صلاة المأمومين: فالطائفة الأولى فارقت الإمام [بغير عذر]؛ ففي صلاتها قولان إن علمت أن ذلك لا يجوز، والطائفة الثالثة خالفته في ركعة مع بقاء القدوة؛ فتبطل صلاتها إذا علمت بأن ذلك لا يجوز قولاً واحداً، وقال ابن سريج وابن خيران: فيها قولان أيضاً؛ لأن عندهما أنها فارقت الإمام فعلاً
وحكماً، وكذلك قالا: لا يتحمل عنها السهو الذي وجد منها في حال انفرادها.
قال البندنيجي: وهذا ليس بشيء.
ولا فرق فيما ذكرناه في الطائفة الأولى بين أن نقول: [إن] صلاة الإمام باطلة، أو صحيحة، وأما في الطائفة الثانية: فإن قلنا: إن صلاة الإمام صحيحة، فالحكم كما تقدم، وإن قلنا: إنها باطلة، قال الماوردي: فصلاة الطائفة الثانية باطلة إذا علموا ببطلان صلاة الإمام؛ لأنهم ائتموا به بعد بطلان صلاته، وإن لم يعلموا صحت صلاتهمز
وإذا فعلت كما رواه ابن عمر، فإن قلنا: لا تصح في حال الخوف كذلك، ففي حال الأمن أولى، وإن قلنا: تصح في حال الخوف، فقد قال القاضي أبو الطيب: إنها لا تصح قولاً واحداً؛ لأن فيها عملاً كثيراً واستدباراً للقبلة، وهذا بالنسبة إلى المأمومين.
أما الإمام: ففي صلاته الخلاف السابق لأجل الانتظار.
ولو صلى بهم صلاة "عسفان" فصلاة الإمام صحيحة بلا خلاف، وكذا صلاة من تبعه في السجودن وأما من خالفه فحرس، فقد سبقه الإمام بالسجدتين والجلسة بينهما.
قال ابن الصباغ: فمن أصحابنا من قال: تبطل صلاتهم؛ لأنهم خالفوا الإمام بركنين.
وقال البندنيجي: لأنهم خالفوه بثلاثة أركان.
ومن اختلاف كلامهما يؤخذ أن الرفع من السجود هل هو ركن أم لا؟ وقد صرح بالخلاف فيه القاضي الحسين، كما تقدم.
وقال أبو إسحاق، وأكثر أصحابنا- كما قال الماوردي-: السجدتان تجريان مجرى الركن الواحد، والجلسة بينهما للفصل؛ فلا تبطل صلاة من لم يتبعه فيه، وهذا ما صححه الماوردي، وادعى أبو الطيب والبندنيجي أنه ظاهر المذهب؛ لأن الشافعي قال – كما حكاه القاضي الحسين-: "أحببت أن يعيد".
إذا تقرر ذلك عُدنا إلى ما نحن فيه، فحيث قلنا بالصحة في حال الأمن، ففي
هاتين الصورتين أولى، وحيث قلنا: لا تصح، فهل تصح ها هنا أم لا؟ فيه وجهان حكاهما في "الإبانة"، وقال في "التهذيب": إن صلاتهم إن كانت صلاة عسفان، فهل عليهم الإعادة؟ فيه قولان؛ كما لو صلى صلاة شدة الخوف، وكذا لو صلى بهم صلاة ذات الرقاع، وقلنا: لا تجوز مع عدم الخوف.
واعلم: أنه كما يجوز للجماعة صلاة شدة الخوف، يجوز للواحد، مثل: أن يظهر عليه ثلاثة من الكفار، وقد خاف خروج وقت الصلاة، أو قاطع طريق يريد دمه أو حريمه، وكذا لو قصد ماله على الأصح، وبه جزم العراقيون، والماوردي.
وفي "النهاية": أن الأئمة والصيدلاني نقلوا قولاً عن الشافعي: أنه لا يجوز إقامة صلاة شدة الخوف في الذبّ عن المال، مثل: أن ركبه سيل، وعلم أنه لو مر مسرعاً بماله، وصلى فارًّا مومئًا سلم وماله، ولو صلى متمكنًا أمكنه أن يهرب ويتلف [ماله] وهذا غريب، وظاهر النصوص الجديدة يخالف هذا؛ فهو إذن بعيد مزيف، وقد حكاه القاضي الحسين في المال، حيواناً كان أو غيره.
وقال الفوراني: إن الحيوان [يجوز أن] يصلي لأجله صلاة شدة الخوف، والخلاف في غيره.
ويجوز للواحد والقوم إذا غشيهم سيل، أو أظلهم سبع، أو صال عليهم فحل، أو طلبهم حريق، ولم يجدوا نجوةً عالية، أو وجدوها لكن لو صعدوها لم يجدوا طريقاً للخلاص، وخافوا على أنفسهم- أن يصلوا صلاة شدة الخوف بالإيماء، ولا إعادة عليهم.
وكذا يجوز للمعسر المديون إذا كان غريمه لا يصدقه في إعدامه، ولو أدركه لحبسه- أن يهرب، ويصلي بالإيماء إذا كان يعلم أنه لو صلى لأدركه.
وفي "الرافعي": أن الحناطي حكى عن "الإملاء" أنه إن طلب لا ليقتل، ولكن ليحبس، أو يؤخذ منه شيء- لا يصلي صلاة شدة الخوف، وغاية المحذور ها هنا هو الحبس، والمشهور الأول.
وقال الفوراني: وكذا من عليه قصاص يجوز له أن يهرب؛ لرجاء العفو،
ويصلي صلاة الخوف في حال هروبه.
قال [الإمام]: وهذا قد ذكرته في أعذار الجماعات، وهو بعيد عندي على الجملة؛ فلعله جوزه في ابتداء الأمر حيث يفرض سكون غليل الطالب قليلاً في تلك المدة، وفي مدة رجاء العفو.
قلت: وأنت إذا وقفت على ما ذكرته فيه عند الكلام في الأعذار المسوّغة لترك الجمعة، علمت أن ذلك هو المنقول.
ثم مما يستأنس به في الباب ما رواه أبو داود، عن ابن عبد الله بن أنيس، عن أبيه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو عرنة وعرفات، فقال: "اذهب فاقتله" قال: فرأيته، وحضرت صلاة العصر، فقلت: إني أخاف أن يكون [بيني وبينه] ما أن يضطرني أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟ قلت: رجل بلغني أنك تجمع لهذا الرجل، فجئتك في ذلك.
قال: إني لفي ذلك.
قال: فمشيت معه ساعة، حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد.
والله أعلم.
باب ما يكره لبسه، وما لا يكره
المراد بالكراهة ها هنا: التحريم، وإطلاق ذلك جائز لغةً وشرعاً؛ ألا ترى إلى قول الشافعي: "وأكره لبس الديباج والدروع المنسوجة بالذهب، والقباء بأزرار الذهب"، وهو من أهل اللغة، وإلى قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء: 38]؟! والمجوّز لذلك أن المحرم والمكروه اشتركا في كون الترك أرجح من الفعل؛ فجاز إطلاق أحدهما على الآخر كذلك.
قال: يحرم على الرجل استعمال ثياب الإبريسم.
استعمال الثوب يصدق على لبسه ظهارةً أو بطانة، وعلى الجلوس عليه والتدثر به والاستناد إليه، والكل حرام على الرجل، صرح به البندنيجي وأبو الطيب وغيرهما، والأصل فيه ما روى أبو داود، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: "رأى حلةً سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه لتلبسها يوم الجمعة، وللوفود إذا وفدوا عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة"، وأخرجه البخاري ومسلم.
[وعن] سالم [بن عبد الله] عن أبيه بهذه القصة، قال: "حلة استبرق" وأخرجه البخاري.
والحلة: ثوبان غير لفيقين رداء وإزار، سميا بذلك؛ لأن كل واحد منهما يحل على الآخر.
والسيراء- بكسر السين المهملة، وفتح الياء آخر الحروف وبعدها راء مهملة، وهي ممدودة-: الحرير الصلب؛ فمعناه: حلة حرير، وقيل: السيراء: نبت ذو ألوان وتخطيط سميت به بعض الثياب.
وقيل: السيراء: المضلع بالقزّ، [ويدل عليه رواية أبي داود التي أخرجها البخاري عن أنس بن مالك: أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم برداً سيراء.
قال: والسيراء: المضلع بالقز].
وقد رواه بعضهم بالتنوين على الصفة، قال الخطابي: كما قالوا: ناقة عشراء، وقيده المتقنون على الإضافة.
والوفود: جمع وافد، وهم القوم يأتون الملك ركباناً، والقوم يجتمعون ويزورون البلاد.
وما روي أنه –عليه السلام- قال: "لا تلبسوا الحرير؛ فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" أخرجه البخاري ومسلم.
فثبت بهذين الخبرين تحريم اللبس، وفيه تنبيه على تحريم ما سواه من الافتراش وغيره؛ لأن المعنى في التحريم ما في لبسه من الخنوثة التي لا تليق بشهامة الرجال.
وخبر أبي موسى الأشعري الذي سنذكره يدل عليه، وأصرح منه رواية البخاري عن حذيفة بن اليمان: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن نلبس الحرير
والديباج، وأن نجلس عليه"، وقد قال الإمم: إن ما ذكرناه من المعنى هو علة التحريم، وإن كان معنى الفخر والخيلاء مرعيًّا في الحرير ولذلك حرمنا البطانة منه.
قال الرافعي: وهذا حسن، إلا أن هذا القدر لا يقتضي التحريم عند الشافعي؛ فإنه قال في "الأم": "ولا أكره لباس اللؤلؤ إلا للأدب؛ فإنه من زي النساء".
ثم ما ذكره الشيخ هو المشهور، وألحق به الشيخ أبو حامد تعليق الستور ونحوها، موجهاً ذلك بأن كل هذا ابتذال [وسرف]، وهو ما أورده الرافعي، وعن الشيخ أبي نصر المقدسي تنجيد البيوت بالثياب المصورة وغير المصورة من الحرير وغير حرام.
قال في "الروضة" في غير الحرير والمصور: والكراهة دون التحريم.
ومثل هذا في الغرابة ما حكاه الرافعي عن أبي الفضل العراقي من أصحابنا، كما حكاه أبو عاصم العبادي عنه: أنه لا يحرم الجلوس على الحرير، كما قاله أبو حنيفة، وحديث حذيفة بن اليمان حجة عليهما.
قال: أو ما أكثره إبريسم؛ لأن الحكم يدار على الغالب، خصوصاً إذا اجتمع الحلال والحرام والحرام غالب، وغذا قلنا: إن السيراء المضلع بالقز؛ كان الخبر دالاً على التحريم أيضاً، ولا فرق في ذلك عند العراقيين بين أن يكون الحرير ظاهراً على ما خالطه، أو الظاهر المخالط، وقال القفال وطائفة: إذا كان [الظهور للمخالط لا يحرم، وهذا في الحقيقة نظر إلى معنى الخيلاء، وقد قال الإمام: إنها ليست] علة في التحريم، بدليل تحريم البطانة من الحرير.
تنبيه: احترز الشيخ بقوله: "الرجل" عن أمرين:
أحدهما: المرأة؛ فإنه لا يحرم عليها الحرير، وغن شملها ما ذكرناه من الأخبار؛ لما روى ابن ماجه عن علي بن أبي طالب قال: "إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ
حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله، ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي، حلّ لإناثهم"، وأخرج الترمذي من حديث أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حرّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم"، وقال: حسن صحيح.
ومقتضى قول الشيخ إباحة افتراش الحرير للمرأة؛ لأنه من جملة الاستعمال، وهو ما صرح به العراقيون، والمتولي موجهاً ذلك بأن الحرير في حق النساء كالقطن [في حق الرجال].
وفي "الروضة": أنه الصحيح.
وقال المراوزة: إنه يحرم عليها ذلك، ولم يحك البغوي غيره، وقال الرافعي: إنه الأصح.
قلت: ويشبه أن يكون أصل هذا الاختلاف أن المرأة أبيح لها الحرير؛ لأن خنوثتها لا تأباه، أو لأجل الزينة؟ فإن قلنا بالأول لم يحرم عليها استعماله كيف كان، وإن قلنا بالثاني لم يبح لها منه إلا ما كان زينة.
وقد أشار الأصحاب إلى المأخذ المذكور في "كتاب العدد"؛ حيث قال العراقيون: لا يحرم على من لزمها الإحداد لبس الحرير.
وقال القفال والإمام والبغوي: إنه يحرم؛ لأنه إنما أحل لها للزينة؛ فالتحقت في حال الإحداد بالرجال.
والخنثى المشكل في استعمال الحرير كالرجال، حكاه في "البيان".
قال الرافعي: ويجوز أن ينازع فيه.
والثاني: الصبي؛ فإنه لا يحرم عليه ذلك عند العراقيين، كما صرح به القاضي أبو الطيب، والبندنيجي في كتاب صلاة العيد، وكذا الفوراني؛ لأن شهامته لا تأبى ذلك، وعليه نص الشافعي؛ حيث قال في كتاب الزكاة: "ويزين الصبيان بالمصبغ والحلي"؛ فإنه لم يفصل في الحلي بين الذهب والفضة، ومن أبيح له ذلك أبيح له استعمال الحرير، وهذا ما صححه في "الروضة"، وكذا الرافعي في الحرير.
وحكى الماوردي وجهاً آخر: أنه يحرم عليه ذلك، بمعنى: أن وليه يمنعه من لبسه، أو لا يحل له أن يلبسه إياه، كما صرح به المراوزة وجهاً هكذا، ويقال: إنه اختيار القاضي الحسين؛ لأنه قال: ما لا يجوز استعماله بعد البلوغ يجب أن يكون محظوراً قبله؛ لأن الصبي وإن كان لا يعصي لصغره، فالولي مأمور بمنعه منه حتى لا يعتاده.
وفي المسألة وجه ثالث: أنه يحرم عليه ذلك بعد سنّ التمييز، ولا يحرم قبله، وهو ما صححه الرافعي في "الشرح"، وبه جزم في "التهذيب" كما قال، والذي
رأيته [فيه] جواز تلبيس الصبيان الديباج، غير أن الصبي إذا بلغ سنًّا يؤمر فيه بالصلاة نهي عن لبسه حتى لا يعتاده.
واحتزر الشيخ بقوله: "ثياب الإبريسم" عن استعمال ما ليس بثياب من الإبريسم، كما إذا اتخذ جبة من مباح وحشاها إبريسماً؛ فإنه لا يحرم عليه لبسها، كما حكاه البندنيجي والمتولي عن نصه في "الأم"، وادعى الإمام أنه لا خلاف فيه، لكنه أبدى احتمالاً فيه، وأشار في "التهذيب" إلى وجه فيه بقوله: "يجوز له لبسها على الأصح"، وجزم القول بأنه يجوز له أن يجلس فوقها، وكذا فوق الديباج، إذا وضع عليه ثوباً من قطن.
والفرق بين حشو الجبة من الحرير حيث لا يحرم، وبين بطانة الجبة إذا كان حريراً حيث يحرم: أن لابس الجبة المحشوة به لا يعد لابس حرير، بخلاف لابس ما بطانته حرير.
قال الإمام: ولا ينبغي أن يخرج هذا على ما سبق في الأواني من فرض إناء قد غُشي بالنحاس؛ فإن في هذا سرًّا ينبغي أن ننبّه عليه، وهو أن المعنى المعتبر في الأواني: الخيلاء والفخر، وهذا المعنى ليس يجري اعتباره في لبس الحرير، والدليل عليه: أنا لم اعتبرنا في الأواني الفخر أجريناه في الجواهر النفيسة على تفصيل قدمناه، وقد تتحقق النفاسة في غير الإبريسم من الأجناس، وقد ينقدح للناظر أن يقول: ما عدا الإبريسم ترتفع قيمته بالصنعة؛ فهو كالأواني التي قيمتها في صنعتها، وفيه نظر وتفصيل.
واحترز الشيخ بقوله: "أو [ما] أكثره إبريسم" عن أمرين:
أحدهما: ما أقله إبريسم: كالخز؛ فإن لحمته من صوف، وسداه إبريسم، والسدى في الغالب أقل من اللحمة، وذلك لا يحرم اتفاقاً، وقد روى أبو داود، عن عبد الله بن سعد، عن أبيه سعد قال: "رأيت رجلاً ببخاري على بغلة بيضاء، عليه عمامة من خز سوداء، فقال: كسانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم".
ولا فرق عند العراقيين فيما إذا كان الحرير أقل بين أن يكون ظاهراً كالقباء، أو لا.
وعند القفال وطائفة: أنه إن كان ظاهراً حرم أيضاً؛ لأن المعنى الذي لأجله حرم المصمت من الحرير- وهو الفخر والخيلاء، أو التشبه بالنساء- موجود في هذه الحال’، وهذا أصح عند الإمام، لكن الأصح في "الكافي" وغيره: الأول.
واتفق الفريقان على أنه لا يحرم عليه الثوب المطرز بالحرير، والمطرف به، لحاجة وغير حاجة؛ "إذ كانت جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج" كما أخرجه مسلم، وروى أبو داود عن أبي عثمان [النهدي] قال: "كتب عمر إلى عتبة بن فرقد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن الحرير، إلا ما كان هكذا وهكذا، إصبعين وثلاثة وأربعة" وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه.
وضبط الجيلي المباح من ذلك بأن يكون لو جمع جميعه لكان أقل من نصف الثوب، فلو زاد لم يجز، وإن تساوى فوجهان.
والمذكور في "الكافي" الضبط بأربع أصابع مضمومة؛ اتباعاً للخبر.
وضبطه بعضهم بالعادة، فما زاد على المعتاد كان حراماً.
قال الإمام: فلو وقع التردد في مجاوزة العادة، فهل نحكم بالتحريم؟ يحتمل أن يقال: الغالب
[في] الباب التحريم، حتى يقال في مظان الإشكال: نستديم التحريم إلى ثبوت التحليل، أو يقال: الغالب في الباب الإباحة حتى يثبت محرّم، وظاهر قوله- عليه السلام-: "هما حرام" يوضح أن الغالب التحريم.
وطوق الجبة ملحق بما ذكرناه في الإباحة، وكذا ترقيعها، كما حكاه في "الكافي".
وهل يجوز [أن يكون] في [كل] طرف من طرفي العمامة قدر أربع أصابع من حرير؟
قال في "الكافي": يحتمل وجهين، وقال: إن حكم الحكمين حكم طرفي العمامة.
وفيه نظر؛ لأن الخبر ورد بإباحته في الكمين.
الأمر الثاني: ما استوى فيه الإبريسم وغيره؛ فإن في تحريمه وجهين في "المهذب" وغيره من كتب العراقيين:
أصحهما عند الشيخ والقاضي أبي الطيب والبغوي والرافعي: الإباحة.
وقال في "الحاوي": إن الأصح التحريم؛ لأن الإباحة والحظر إذا اجتمعا غلب حكم الحظر.
قلت: وقضية هذا التوجيه أن يقضي بالتحريم عند قلة الحرير، وقد جزم فيه بالإباحة، كما تقدم، والقائلون بالإباحة- عند التساوي- تمسك بعضهم بقول ابن عباس: "إنما نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عن الثوب المصمت من الحرير، فأما العلم من الحرير، وسدى الثوب، فلا بأس" أخرجه أبو داود.
قلت: وفيه نظر؛ لأن في إسناده خصيف بن عبد الرحمن، وقد ضعفه غير واحد، ولو سلم من ذلك لكان حجة على جوازه فيما إذا كان أقل؛ لما تقدم أن السدى أقل من اللحمة، كما صرح به ابن الصباغ والمتولي وغيرهما، وطريقة الشيخ أبي محمد ومن معه لا تخفى عليك بعد معرفتك ما تقدم، والله أعلم.
وقد أفهم قول الشيخ: "ثياب الإبريسم، وما أكثره إبريسم" أن القز لا يحرم،
وإن كان حريراً مصمتاً، ولكن هو كمد اللون، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الإبريسم هو الحرير الذي حل من على الدودة بعد موتها داخله، والقز: ما قطعته الدودة، وخرجت منه حية؛ فإنه لا يمكن حله، ويغزل كالكتان، كذا رأيته في كلام بعضهم.
وما أفهمه كلام الشيخ هو وجه حكاه في "البحر" و"التتمة"؛ لأنه ليس من ثياب الزينة، لكن الصحيح- وبه جزم الجمهور، وادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه- التحريم، والإبريسم قد يطلق على الكل، وعلى ذلك جرى غير واحد من المصنفين، والشيخ اتبعهم.
والإبريسم بفتح الهمزة وكسرها والراء مفتوحة فيهما، وذكره ابن السكيت والجوهري بكسر الهمزة والراء، والله أعلم.
قال: وكذلك يحرم عليه- أي: على الرجل-[لبس] المنسوج بالذهب؛ لخبر أبي موسى الأشعري السالف؛ فإن المظهر فيه الاستعمال أو اللبس، وأيما كان فهو دال على المدعي، ومراد الشيخ بالمنسوج بالذهب: [المعمول منه كالدرع المرصدة للحرب، أي: التي جرت العادة بعملها من الحديد والجوشن، ونحو ذلك من آلة الحرب، ولفظ الشافعي الذي نقله المزني: "وأكره لبس الديباج، والحرير، والدروع المنسوجة بالذهب]، والقباء بأزرار الذهب".
وفي ذكر الشيخ ذلك تنبيه على منع الرجل من استعمال الذهب كيف كان؛ لأنه إذا حرم لبس آلة الحرب، وقد سامح الشرع في تحليتها بالفضة، فلأن يحرم لبس ما عداها من طريق الأولى.
وقد فهمت مما تقدم أن [في] معنى اللبس غيره من أنواع الاستعمال، وقد اقتضى كلام الشيخ والخبر أنه لا فرق في المعمول من الذهب بين أن يكون صغيراً أو كبيراً، ويؤيده ما جاء في "صحيح
مسلم": "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس القَسِّيِّ، والمعصفر، وعن التختم بالذهب"، والخاتم في حد القلة.
وقد يفهم كلام الشيخ أن لبس المعمول من الذهب وغيره كالحرير؛ إذ الذي صرح بتحريمه: المنسوج منه، وقد بينا أن مراده به: المعمول منه، والأصحاب مصرحون بأن [المعمول منه ومن غيره حرام، قل الذهب فيه أو كثر، حتى قال في "التتمة": إنه لو اتخذ خاتماً من فضة، وعمل أسنانه من ذهب، أو اتخذ حلقة من فضة، وجعل موضع الفص فصّاً من ذهب- حرم، وكذا جزموا بتحريم الطراز من الذهب، والتطريف] [به]، ونسب مشايخنا صاحب "الباب التهذيب" إلى السهو؛ حيث سوى بين الحرير والذهب، فقال: لا بأس [بالمطرف بالديباج، ولا] بالطراز من الذهب إن لم يزد على أربعة أصابع خصوصاً.
والمجزوم به في "التهذيب" المنع منه بكل حال، والفرق بينه وبين الحرير: أن اليسير منه يظهر فيه قصد الخيلاء والفخر، بخلاف الحرير.
نعم، قال في "الكافي": إن علم الذهب إذا كان بحيث لو أحرق لا يحصل منه شيء- كان كالإبريسم، وإن كان يحصل منه ذهب، لا يجوز، فلعل صاحب "أللباب" أراد الحالة الأولى، والله أعلم.
قال: والمموه به- أي: حرام أيضاً- لما فيه من إظهار الخيلاء.
وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في تحريم لبسه بين أن يجتمع من الذهب شيء بالنار أو لا، وهو مخالف لما ذكرناه في باب زكاة الناضّ من أن تمويه السقف بالذهب حرام، ثم إن موّه، وكان يجتمع منه شيء بالنار حرم إبقاؤه، وإلا فلا، وجاز الجلوس تحته، ولاشك في أن الصورتين من حيث المعنى واحد، فلتستويا في الإباحة- عند عدم حصول شيء من الذهب بالنار- أو في التحريم؛ ولذلك حكى المتولي في إباحة ما نحن فيه خلافاً، كما قيل بمثله في الأواني.
وقد أفهمك ما قدمناه من بيان ما احترز عنه الشيخ بكلامه في الفصل قبله، ومثله جار هاهنا، وبه صرح الأصحاب، غير أن في "الحاوي" في كتاب الزكاة أن المرأة لو اتخذت ملبوساً- لم تجر عادة النساء به مما يلبسه عظماء الفرس- كان محظوراً، وكذا لبس نعال [الفضة والذهب]، وأن في جواز لبس الثياب المثقلة بالذهب المنسوجة به لها- وجهين، ووجه المنع بأن فيه كثرة إسراف وخيلاء، وقد ذكرنا طرفاً من ذلك ثم، فليطلب منه.
قال: إلا أن يكون قد صدئ، [أي]: فلا يحرم؛ لزوال علة التحريم.
وهذا الاستثناء يجوز أن يعود إلى المموه بالذهب والمنسوج به؛ لأن الشيخ أبا حامد قال: لو كان في الثوب ذهب فصدئ، وتغير، بحيث لا يبين- لم يحرم، والمموه من طريق الأولى، ون القاضي أبي الطيب أنه قال: إن الذهب لا يصدأ، وأجيب بأنه يصدأ إذا كان مشوباً بغيره.
قال البندنيجي: وقد ألحق أصحابنا بهذا الطراز من الذهب إذا حال لونه واتسخ، وذهب حسنه.
قال الماوردي: وكذا إذا طلي الذهب بغيره حتى لم يظهر، جاز لبسه.
وصدئ: بفتح الصاد، وكسر الدال، وبعدها همزة، قال أهل اللغة: صدأ الحديد: وسخه، مهموز، وقد صدئ يصدأ، [صدأ] مهموز ومقصور.
قال النواوي: وقد رأيت من غلط فيه، فتوهمه غير مهموز.
قال: ويجوز للمحارب لبس الديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح، ولبس المنسوج بالذهب، إذا فاجأته الحرب ولم يجد غيره.
اعلم أن الشرط الذي ذكره الشيخ، وهو قوله: "إذا فاجأته الحرب ولم يجد غيره"، يجوز أن يكون الشيخ أراد عودة إلى المسألتين؛ عملاً بالقاعدة المستقرة عندنا أن الشرط إذا تعقب جملاً عاد إلى جميعها، وهو ما نقله المزني؛ حيث اعتبر في لبس الحرير أن تفاجئه الحرب، ولا يجد غيره، وكذلك في لبس المنسوج بالذهب؛ إذ بذلك تتحقق الضرورة، وعلى ذلك جرى صاحب "الحاوي"، والبغوي، ولفظ "الوسيط" هاهنا قد يفهمه؛ لأنه قال: لبس الحرير وجلد الكلب جائز عند مفاجأة القتال، وليس جائزاً في حال الاختيار.
ويجوز أن يكون الشيخ أراد عوده إلى المسألة الأخيرة فقط، وأما المسألة الأولى فلا يشترط فيها مفاجأة الحرب، وعدم وجدان غيره؛ بل يجوز لبسه ابتداء، وإن وجد غيره من آلة الحرب؛ لأن [حاجة] القتال لا تتقاعد عن حاجة القمل والحكة، وهو إذا كان به حكة أو قمل- جاز له لبس الحرير، كما ستعرف دليله، وهذا ما حكاه الرافعي عن [ابن] كج؛ حيث قال: إنه جوز اتخاذ القباء ونحوه مما يصلح في الحرب من الحرير، ولبسه فيها على الإطلاق؛ لما فيه من حسن الهيئة وزينة الإسلام؛ لتنكسر قلوب الكفار منه كتحلية السيف ونحوه.
وعبارة البندنيجي توافق ذلك؛ فإنه قال: المذهب أن الحرير مباح [حال الحرب لحاجة وغير حاجة، والذهب يباح لحاجة، وغير مباح] لغير حاجة: وهو ما ذكره ابن الصباغ أيضاً، ولم يحك غيره، وقال: المستحب ألا يلبس الحرير أيضاً؛ لقول
الشافعي في "الأم": "ولو توقى المحارب أن يلبس ديباجاً، أو قزّاً ظاهراً- كان أحب إلي، وإن لبسه؛ ليحصنه فلا بأس إن شاء الله".
والفرق على هذا بينه وبين المنسوج بالذهب: أن تحريم الحرير أخف؛ ولذلك جاز استعمال القليل منه في غير الحرب، ولا كذلك الذهب، ولأن المنسوج بالذهب ثقيل على المحارب، كثقل غيره من الحديد؛ فلا حاجة إليه مع وجود غيره، و [لا] كذلك الديباج الثخين؛ فإنه أخف من غيره من آلات الحرب: كالدرع، والجوشن، فكانت الحاجة إليه ماسة، وإن وجد غيره من آلات الحرب؛ لأن الخفة في المحارب مطلوبة، وحينئذ فيكون قول الشيخ: "الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح" بياناً لما يجوز لبسه منه في حالة الحرب، لا أنه يجوز أن يلبس فيه أي ثوب حرير كان، ومن ذلك يظهر لك أنه لا يجوز له ليس ما أكثره إبريسم في الحرب؛ لأنه لا يقوم مقام الديباج الثخين في دفع السلاح، وعليه نص في "الأم" حيث [قال]: "إن القز إذا كان غالباً، كرهته في الحرب وغير الحرب، وإن كان القز خالصاً كان مباحاً في الحرب"، وفرق بينهما بأن قال: "الخالص يحصنه، وإذا لم يكن خالصاً لم يحصنه إحصان ثياب القز".
قال البندنيجي: هذا نصه، وما رأيت أحداً من أصحابنا نقله، وأعجب من الإمام الرافعي كيف حمل قول الغزالي في باب صلاة العيد: ["و] حيث حرمنا الحرير أبحناه؛ لحاجة القتال" على حالة مفاجأة الحرب، وعدم وجدان غيره، وقال: "إن ذلك إذن تكرار"؛ لأن الغزالي قال في صلاة الخوف ذلك، مع كونه حكى عن ابن كج أن ذلك جائز مع وجود غيره، وهو المذهب، كما ذكرناه، ومع ذلك لا يحسن أن يقال: إنه تكرار؛ لأنه يجوز أن يكون اختار في موضع ما قاله المزني، وفي آخر ما نص عليه في "الأم".
والله أعلم.
قال: ويجوز شد السنّ بالذهب؛ للضرورة، ووجهه: أن ما عدا الذهب من الفضة وغيرها ينتن، بخلاف الذهب؛ فإنه لا ينتن، ويشهد لذلك ما روي "أن
عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفاً من فضة، فأنتن عليه؛ فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفاً [من] ذهب"، وقد روي أن "عثمان بن عفان شد أسنانه بالذهب" ولم ينكر عليه أحد.
وشد السن بالذهب: ربطه به، قاله البندنيجي في باب زكاة الحلي.
فإن قلت: قد حكى القاضي الحسين قبل باب الساعات التي تكره فيها الصلاة
عن نص الشافعي أنه لو اضطرب سن من أسنانه، فأثبتها بذهب، أو فضة- لم تصح صلاته؛ لأنها صارت ميتة، وهذا يدل على منع الشد.
قلت: النص محمول على ما إذا لم يبق لها ثبات في موضعها لولا الشد؛ ألا ترى إلى قوله: "صارت ميتة"؟! [وكلام] الشيخ محمول على ما إذا ضعفت مع بقائها ثابتة، والله أعلم.
وكذا يجوز أن يتخذ له أنفاً من ذهب- للخبر- وأنملة، وهل يجوز أن يتخذ إصبعاً، فيه كلام سبق في باب زكاة الناضّ، [وهو كلام متقدم عن موضعه، وسيأتي فيما بعد].
قال: ويجوز لبس الحرير للحكة، أي: إذا كان لبس غيره يؤذيه؛ لأنه- عليه السلام- "رخص للزبير بن العوام، ولعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير؛ لحِكَّةٍ كانت بهما" أخرجه البخاري ومسلم، وزاد أبو داود: "في السفر".
وفي "النهاية": أن الصيدلاني روى "أنه- عليه السلام- أرخص لحمزة في لبسه؛ لحِكَّةٍ كانت به".
وقيل: لا يجوز- أي: لبسه- عملاً بعموم خبر أبي موسى الأشعري، والرخصة يجوز أن تكون خاصة بالمذكورين لأمر آخر، وظن الراوي أن السبب الحكة، وهذا الوجه قد حكاه الرافعي في كتابه عن "التنبيه"، وهو دليل على أنه لم يجده في غيره؛ ولذلك قال بعضهم: إنه لم يره هكذا في مشاهير الكتب، بل المنقول فيها ما ذكره الشيخ أولاً، وفي بعضها حكاية وجه آخر: أنه لا يجوز لبسه لأجل ذلك في الحضر؛ لأن الرخصة [فيه] وردت في السفر، كما ذكره
أبو داود، والمقيم يقدر على تعاهد ذلك بالمداواة.
وكما يجوز لبسه للحكة يجوز لبسه، لدفع القمل؛ لأنه روي أنه- عليه السلام- "أرخص للزبير بن العوام، ولعبد الرحمن بن عوف في لبسه لذلك" رواه أنس.
قال: ويجوز أن يلبس دابته الجلد النجس، أي: إما لكون الحيوان لا يحل بالذكاة فذُكِّي أو مات، أو يَحَل بها لكنه مات من غير ذكاة، ووجهه: أنه يجوز له أن ينتفع بالنجس فيما لا يلاقي بدنه: كتسميد الأرض بالسرقين ونحوه إجماعاً؛ فإن الأثبات نقلوا ذلك عن الصحابة، كما حكاه الإمام، ولم ينكره منكر، وإذا جاز ذلك، جاز أن ينتفع به بتلبيس دابته إياه بالقياس، وقد روي أنه- عليه السلام- قال في شاة ميمونة: "هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به"، ولم يفصل بين انتفاع وانتفاع؛ فكان على عمومه.
قال: سوى جلد الكلب والخنزير، أي: وما تولد منهما؛ لأن نجاستهما أغلظ؛ فإنها لا تندفع بالدباغ، بخلاف ما عدا [ذلك، ولأنه لا يجوز له الانتفاع بالخنزير في حال الحياة مطلقاً، ولا بالكلب فيما عدا] الاصطياد ونحوه، فلألا يجوز له أن ينتفع بهما بعد الموت- مع أن الموت يقتضي الاجتناب- أولى.
نعم: لو كان له كلب: هل يجوز أن يجلّله بجلد كلب؟
قال الإمام: الظاهر جوازه.
[وفيه نظر من حيث إن التصرف فيه [واقتناءه [يخالف] ما نأمره به من اجتناب ملابسته، ولأجل ذلك حكى في "الوسيط" فيه تردداً، وقال: إن الظاهر جوازه].
ما ذكره الشيخ هو المنصوص في "المختصر"؛ فإنه قال [فيه]: ويلبس فرسه وأداته جلد ما سوى الكلب والخنزير من جلد قرد ونمر وفيل وأسد، ويجوز ذلك؛ لأنه جنة للفرس، ولا تعبد على فرس.
وكلام الشيخ والنص يفهم أنه لا يجوز له أن يلبس الجلد النجس، وهو ما حكاه القاضي الحسين وغيره، ونص الشافعي في باب الأواني على أنه لا يدّهن
في عظم فيل، دليل عليه، وكذا قوله: "ولو جبر عظمه بعظم نجس، أجبره السلطان على قلعه"، وخرج الأصحاب منه وجهاً: أنه لا يجوز أن يلبسه دابته أيضاً، والفرق بينه وبين تسميد الأرض بالسرقين: أن في ذلك حاجة ماسة قريبة من الضرورة، على أن الرافعي قال: إن في كلام الصيدلاني ما يقتضي إثبات خلاف فيه، وهو في "التتمة" كما سنذكره، والمذهب التفرقة، كما ذكرنا.
والفرق بين نفسه والدابة: ما أشار إليه الشافعي أن منعه من لبس النجاسة تعبد، والدابة لا تعبد عليها، وهذه طريقة الأصحاب.
وفي "تعليق البندنيجي": أنه يكره له أن يلبس الجلد النجس، كما يكره له لبس الثوب النجس، ويجوز له أن يلبسه دابته من غير كراهة، ومن أصحابنا من خرج إليه وجهاً: أنه يكره أيضاً.
وهكذا حكى هذه الطريقة ابن الصباغ، عن الشيخ أبي حامد، واقتصر القاضي أبو الطيب على حكاية الكراهة في لبسه الجلد النجس، وقال: إنه إذا لبسه لا يصلي فيه، فإن صلى فيه- ولو مع الضرورة- وجبت [عليه الإعادة].
ولفظ الماوردي: "أنه يجوز أن يلبسه، لكن لا يصلي فيه؛ لأن توقي النجاسة إنما يجب في الصلاة"، وهذا التعليل منه موافق لقول الإمام عند الكلام في وطء المرأة في دبرها: إنه لا يحرم على المرء التضمخ بالنجاسة.
وإن حكى في صلاة الخوف أن في كلام الصيدلاني ما يدل على أن استعمال النجاسة في البدن لا يجوز عن اختيار، وكأنه يحرم ملابسة النجاسة من غير حاجة.
وقال في "البسيط" لأجله: إن التضمخ بالنجاسة من غير حاجة منع منه الصيدلاني.
وقد تلخص لك مما ذكرناه أن جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما، لا يجوز للشخص لبسه، ولا أن يلبسه دابته، وجلد ما عدا ذلك إذا كان نجساً هل يجوز لبسه، وان يلبسه دابته، أم لا؟ فيه أربعة أوجه:
أحدها: لا يجوز ذلك.
والثاني: لا يجوز له لبسه، ويجوز أن يلبسه دابته.
والثالث: يجوز له مع الكراهة، ويلبسه دابته من غير كراهة.
والرابع: يجوز له لبسه، وأن يلبسه دابته، [لكن] مع الكراهة في الصورتين.
وقد حكى القاضي الحسين ما حكيناه عن نصوص الشافعي، ثم قال: [إن] من الأصحاب من ضرب النصوص بعضها ببعض، وجعل في الكل قولين.
وذلك منه يقتضي إثبات الخلاف الذي ذكرناه، وبه صرح المتولي، وطرده في جواز استعمال النجاسة في تسميد الأرض، والجبر بعظم نجس، والاستصباح بالنجاسة، وفي جواز عجن الشيء بماء نجس؛ ليطعمه ناضحه، وفي جواز ادّهانه بشحوم الخنزير، ووجه المنع في الكل بقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5]؛ فإنه يقتضي الاجتناب من كل وجه، ووجه الجواز بأن الطهارة إنما تعتبر في العبادات لا في العادات، بدليل عدم اشتراط الطهارة من الحدث.
واستحسن القاضي الحسين طريقة أبي بكر الفارسي، وهي: أنه لا يجوز أن يلبس الجلد النجس، ويجوز أن يلبسه لدابته، سوى جلد الكلب والخنزير، وهي طريقة الكتاب كما قررناها، وقال في "التتمة": إنها الطريقة الصحيحة.
وفي "الجيلي" أنه قال في "المقنع": يجوز أن يضع في جلد الكلب إذا كان يابساً قمحاً ونحوه.
وحكم استعمال الجلد النجس إذا كان عليه شعر، ودبغ، وقلنا: لا يؤثر الدباغ في طهارة الشعر- كما هو أحد القولين فيما ذكرناه فيه- كحكمه قبل الدباغ، صرح به البندنيجي.
واعلم أن الشيخ أفهمك بالتبويب، وبذكر ما أودعه فيه أنه لا يحرم على الرجال والنساء ما عدا ما ذكره فيه مما ليس في معناه؛ لأنا قد بينا أن مراده بالكراهة في التبويب كراهة التحريم، كما دل عليه كلامه من بعد، وحينئذ يجب علينا أن نوضح ذلك بذكر المسائل، وما قيل فيها، وهي تتنوع إلى ما الإباحة ظاهرة فيه، وإلى ما قد تخفى الإباحة [فيه]:
فمن النوع الأول: الكتان، والقطن، والصوف، والوبر، والمركب من ذلك، ولا فرق في ذلك بين أن تكثر قيمته أو تقل؛ لأن نفاسة ذلك في صنعته، وما نفاسته في صنعته لا يلتحق بما نفاسته في ذاته، دليله: الأواني المحكمة من الزجاج.
وما ذكرته في الثياب لم أر خلافه، وإن كان لا يبعد تخريج وجه في تحريم ما نفاسته في صنعته من الثياب، كما قيل بمثله في الأواني، والمذهب نقل.
وكما لا يحرم لبس الناعم من ذلك [لا يكره.
نعم، قال في "التتمة" و"البحر": لبس الخشن مكروه، لا لغرض شرعي] مع الاستغناء عنه؛ لأن في ذلك تعذيباً للنفس.
قاله في باب صلاة العيد.
ثم لا فرق فيما ذكرناه من الأنواع في الإباحة بين الباقي على أصله خلقته، والمصبوغ منه أحمر أو أخضر أو أسود؛ لورود الأخبار بذلك، روى البخاري ومسلم، عن البراء قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم له شعر يبلغ شحمة أذنيه، ورأيته في حلة حمراء لم أر شيئاً قط أحسن منه"، وقال أنس: "كان أحب اللباس وأعجبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحبرة" أخرجه البخاري ومسلم، والحبرة قد قيل:
إنها شملة اجتمع فيها بياض وحمرة.
وروى أبو داود عن أبي رمثة قال: "انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت عليه بردين أخضرين" وأخرجه الترمذي، والنسائي.
ورمثة: بكسر الراء المهملة، وسكون الميم وبعدها ثاء مثلثة مفتوحة، وتاء تأنيث.
وروى مسلم، عن جابر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح، وعليه عمامة سوداء".
وروى جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه" أخرجه مسلم أيضاً، ومن ثم كان شعار بني العباس في الخطبة: لباس الأسود، والله أعلم.
وأما المصفرُّ من الثياب، فهل يحرم؟ الذي يدل عليه الخبر الإباحة؛ فإن زيد بن أسلم روى أن "ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه من الصفرة" فقيل: لم تصبغ بالصفرة؟ فقال: "إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها، ولم يكن أحب
إليه منها، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها، حتى عمامته" أخرجه أبو داود والنسائي، لكنه وقع في إسناده اختلاف، وأخرج البخاري ومسلم من حديث عبيد ابن جريج، عن ابن عمر قال: "وأما الصفرة، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها؛ فأنا أحب أن أصبغ" واختلف الناس في ذلك: فقال بعضهم: أراد الخضاب للحية بالصفرة، وقال آخرون: أراد كان يصفر ثيابه، ويلبس ثياباً صفراً.
وبالجملة: فالمزعفر منها حرام لبسه على الرجال؛ لأنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه نهى عن المزعفر" كما أخرجه البخاري ومسلم، صرح بذلك صاحب "البيان"، ونقل البيهقي وغيره عن الشافعي أنه "نهى الرجل عن المزعفر،
وأباح له المعصفر".
قال البيهقي: والصواب: إثبات نهي الرجل عن المعصفر أيضاً، وبه قال الحليمي؛ للأحاديث الصحيحة، وقد قدمت منها شيئاً عن رواية مسلم في الباب.
قال البيهقي: ولو بلغت الأحاديث الشافعي- رحمه الله- لقال بها؛ فقد أوصى بإتباع الحديث حتى نقل عنه أنه قال: "إذا صح الحديث، فاضربوا بمذهبي عرض الحائط".
ثم ما أبحنا لبسه من المصبوغ، ظاهر كلام الأصحاب: أنه لا فرق فيه بين ما صبغ غزله، ثم نسج، أو ما صبغ بعد النسج، وفي "تعليق القاضي الحسين" في باب هيئة الجمعة: أن المصبوغ بعد النسج إذا كان صبغه ليمنع الوسخ، جاز لبسه، وإن صبغ للزينة، فلا يجوز للرجال لبسه؛ لأنه لباس النساء.
ومن النوع الأول- أيضاً- لبس خاتم الفضة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم به.
روى أبو داود عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: "أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى بعض الأعاجم، فقيل له: إنهم لا يقرءون كتاباً إلا بخاتم؛ فاتخذ خاتماً من فضة، ونقض عليه: محمد رسول الله"، وفي رواية: "فكان في يده حتى قبض، وفي [يد] أبي بكر- رضي الله عنه- حتى قبض، وفي يد عمر- رضي الله عنه- حتى قبض، وفي يد عثمان- رضي الله عنه- فبينما هو عند بئر، إذ سقط في