كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 343-382
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنايات

صفحات 343-382
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وقد حكى القاضيان أبو الطيب والحسين أن المذهب لا يختلف في ذلك.
وحكى الرافعي: أن الشيخ أبا عاصم العبادي [حكى عن] شيخه الأستاذ أبي طاهر، عن شيخه الأستاذ أبي الوليد، عن شيخه ابن سريج: أنه لا قصاص عليه؛ لانه متسبب، والمكره مباشر مأثوم بفعله، والمباشرة تقدم على السبب.
وفي "ابن يونس" حكاية ذلك قولاً، وكذلك في "الجيلي"، ونسبه إلى "البسيط" و"تعليق" الشريف، وقد رأيت فيه إشارة إليه.
قال:"وفي المكره"؛ أي: بفتح الراء – قولان: أصحهما: أنه يجب؛ لأنه قتله عمداً عدواناً؛ لاستيفاء نفسه؛ فوجب عليه القود؛ كما لو قتل المضطر إنساناً ليأكله، بل أولى؛ لأن المضطر على يقين من التلف؛ عن لم يأكل، وليس المكره على يقين من القتل إن لم يقتل.
ولأن القصاص حكم يتعلق بالقتل؛ فوجب ألا يسقط بالإكراه؛ كالمأثم.
والقول الثاني: أنه لا يجب؛ لأنه قتله دفعاً عن نفسه؛ فأشبه [قتل الصائل]، وأيضاً فإن المكرَه آلة المكرِه؛ ولذلك وجب القصاص على المكره؛ فصار كما لو ضرب به المكره على قتله فقتله، قال البغداديون: ولأن الإكراه شبهة تدرا بها الحدود.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في جريان القولين بين أن يكون المكره هو الإمام، أو نائبه، أو إمام أهل البغي، أو المتغلب باللصوصية، وذلك هو الطريقة الصحيحة في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"مجموع" المحاملي و"الشامل" وغيرها.
ومقابلها: أن محلهما إذا كان المكره هو الإمام، أو نائبه، أو من في معناه: كأمير طائفة خرجوا على الإمام بتأويل سائغ، وتغلبوا على بلده؛ كما صرح به المحاملي.
أما إذا أكرهه خلاف ذلك كإمام أهل البغي، وجب عليه القود جزماً.
والفرق: أن الإمام واجب الطاعة في الجملة؛ فأمره وإكراهه يوجب الشبهة في القصاص.

وفي "الحاوي" على هذه الطريقة: أن المكره إن كان إمام أهل البغي، وكان المكره ممن يعتقد صحة ما صار إليه – [فهو في حقه كإمام أهل العدل في حقهم، وإن كان لا يعتقد صحة ما صار إليه] فوجهان، وإن كان المكره متغلباً باللصوصية فهو محل الجزم بوجوب القود.
[وفي "الإبانة" و"العدة" حكاه عن بعض الأصحاب: أنه جزم بعدم وجوب القود] على مكره السلطان، وبوجوبه على مكره غيره، وقال: إن ذلك نص عليه الشافعي، وإن الفرق: أن مكره غير السلطان يجد مخلصاً.
من المتغلب عليه بأن يستعين بالسلطان، ولا كذلك مكره السلطان؛ فإنه لا يجد [منه] مخلصاً، ثم السلطان هل يخرج بالإكراه على القتل عن الإمامة؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي عن [ابن] أبي هريرة، وأنه أجراهما في ارتكابه [الكبائر التي] يفسق بها، وقد تقدم في كتاب الطلاق الكلام فيما يحصل به الإكراه في الطلاق، وقد قال بعض أصحابنا: إنه يحصل به الإكراه على القتل أيضاً.
وقال القاضي الحسين: الذي يحصل به الإكراه هنا هو أن يخوفه بعقوبة لو نالها من يديه مبتدئاً – وجب فيها القصاص، والصحيح الذي مال إليه المعتبرون هاهنا ورجحوه ما حكاه القاضي الحسين عن أصحابنا العراقيين، وهو في "الشامل": أن الإكراه في القتل لا يحصل إلا بالتخويف بالقتل، أو ما يخاف منه التلف كالقطع، بخلاف الطلاق، وألحق الرافعي بالقطع الضرب الشديد.
التفريع: إن أوجبنا القصاص: فإذا آل الأمر إلى الدية بالعفو فهي موزعة عليهما، وهما كالشريكين، وإن لم نوجبه على المكره ففي وجوب الدية عليه وجهان حكاهما المراوزة – وكذا الماوردي، عن البغداديين والبصريين -:

أحدهما: لا؛ تنزيلاً له منزلة الآلة، وهذا ما صححه في "التهذيب".
والثاني: يجب نصف الدية، والقصاص [إنما] يثبت للشبهة، وهذا هو المنصوص، والذي أورده المحاملي، وابن الصباغ، والقاضي أبو الطيب والأكثرون.
[وعبارة البندنيجي – في كتاب: الصيام -: أن الشافعي لم يُجْرِ الإكراه على القتل مجرى غيره؛ لأنه لم يسقط حكمه بكل حال على أحد القولين؛ لأنه أوجب نصف الدية قولاً واحداً،] فعلى هذا: إذا غرم رجع به على المكره، صرح به الغزالي، ولم أره لغيره، وتجب عليه الكفارة أيضاً، ويتعلق بقتله حرمان الميراث.
ثم من يغرم: هل الجاني، أم عاقلته؟ تردد فيه الإمام، وحكى الجيلي ذلك قولين، وعلى القول بعدم وجوب شيء من الدية هل تجب الكفارة؟ فيه وجهان، [أصحهما: الوجوب؛ لحصول الإثم المحوج إلى التكفير، فإن أوجبناها تعلق بها حرمان الميراث، وإلا فوجهان]، أظهرهما: ثبوته.
تنبيهان: أحدهما: احترز الشيخ بقوله:"رجلاً" عما إذا كان المكره صبيًّا مراهقاً؛ فإن القصاص لا يجب على المكره؛ لصباه، ووجوبه على المكره ينبني على أن عمد الصبي عمد أو خطأ: إن قلنا: عمد – وهو الأصح – فعليه القصاص، وإلا فلا؛ لأنه شريك خاطئ، وبهذا جزم القاضي الحسين.
قال الإمام: وهذا إذا فرعنا على انه يجب القصاص على المكره – بفتح الراء – وتنزيل المكرِه والمكرَه منزلة الشريكين، أما إذا قلنا: لا قصاص على المكرَه – ففي وجوب القصاص على المكره – بكسر الراء – [مع] الحكم بأن عمد الصبي خطأ، وجهان.
وقال: إن القاضي الحسين أشار إليهما، يعني به: [في] المسألة التي سأذكرها تلو هذه.

ووجه الوجوب: أن إكراهه هو الذي ولد هذا الخطأ، وهذا الوجه هو الذي رأى صاحب "التهذيب" الجواب به إذا لم نوجب الدية على المكره، ونزلناه منزلة الآلة، وقد طرد الإمام الوجه فيما لو أكرهه أن يرمي إلى طللٍ عهده المكره إنساناًن وظنه الرامي جرثومة أو صيداً، أو على أن يرمي إلى ستر وراءه إنسان عرفه المكره دون الرامي؛ كما حكاه القاضي الحسين عن المذهب، وأبدى تخريج الوجهين احتمالاً لنفسه من خلاف سبق في الوكالة فيما إذا اقتص الوكيل بعد عفو الولي، وهو جاهل بالعفو – فإن الدية هل تجب أم لا؟ فيه قولان: فإن قلنا: تجب، [فهل] في مال الوكيل [أو لا؟] فيه وجهان.
قال: فإن قلنا: تجب في مال الوكيل، فهاهنا يجب القود على المكره، ومال صاحب التهذيب إلى القطع بالوجوب هاهنا.
ولو انعكس الحال، فكان المكره مراهقاً، والقاتل بالغاً – فلا ضمان على المكره، وفي المكره القولان: إن جعلنا عمد الصبي عمداً [وجب القصاص]، وإن جعلناه خطأ فلا قصاص؛ لأنه شريك خاطئ.
الثاني: في قول الشيخ:"وإن أكره رجلاً على قتله وجب عليه القود ... " إلى آخر المسألة، ما يعرفك أن صورة المسألة إذا كان الإكراه على قتل رجل غير المكرِه والمكرَه، أما إذا كان المكرَه على قتله هو المكرَه؛ بأن قال: إن لم تقتل نفسك وإلا قتلتك، فلا يجب على المكره شيء، جزم به القاضي الحسين، وهو المشهور، وفي "التهذيب" حكاية قول آخر: أنه يجب عليه القود، وعلى هذا: إذا آل الأمر إلى الدية وجبت.
وفي "الرافعي": أنا إذا قلنا بعدم إيجاب القصاص: فإن قلنا: المكره – بفتح الراء – لا شيء عليه من الدية، وجب جميع الدية على المكره، وإلا فنصفها.
وفيما قاله [نظر]؛ لأنا إنما أسقطنا القصاص لانتفاء الإكراه، وإذا انتفى كان قضيته ألا يجب على فاعله شيء أصلاً، كما ذكرناه.
ثم إن صح ذلك فقياس

ما حكيناه عن "الوسيط" من أن المكره إذا غرم يرجع [به] على المكره – [بكسر الراء] – ألا يسقط من الدية في هذه الحالة – شيء، وإن قلنا: إن المكره – [بفتح الراء – مطالب] بالنصف؛ لأنه طريق في ذلك، لا أصل، والله أعلم.
ولو كان المكره هو المقتول؛ بان قال: إن [لم] تقتلني وإلا قتلتك، لا يجب على المكره قصاص على ظاهر المذهب؛ لإذنه، وبعضهم قطع به، [و] في وجوب الدية قولان حكاهما القاضي الحسين، وحكى عن الشيخ أبي سهل أنه خرج وجها في وجوب القصاص، وهو جار فيما لو أمره بقتله فقتله من غير إكراه، والمتولي حكى عن الصعلوكي أنه حكاه- في هذه الصورة- قولاً [عن الشافعي].
وفي "الرافعي": أنا على قول إيجاب المال يكون الواجب نصف الدية، وهذا الذي يظهر من جهة القياس، ولا يخفى أن محل الخلاف بوجوب الدية على القاتل – في هذه المسألة، أو بعضها – مفرع على القول بوجوبها على المكره؛ كما قدمنا أنه المنصوص، أما إذا قلنا بعدم وجوبها ثم، فهاهنا أولى، ومصور بما إذا أمكن دفع المكره – بكسر الراء – بغير القتل، أما إذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل – فقد حكى الأصحاب أن للمكره دفع المكره بالقتل إذا لم يندفع إلا به، وإذا كان كذلك فلا دية عليه؛ كما في الصائل.
فإن قلت: إذا كانت الصورة كما ذكرت فقد انتفى الإكراه؛ لأن المكره هو الذي لا يقدر المكره على دفعه، وإذا كان كذلك فينبغي أن يجب القصاص جزماً.
قلت: الإكراه الذي فرضناه وتضمن الإذن بالقتل، [لو تجرد] الإذن وحده لجرى الخلاف الذي ذكرناه؛ فلذلك جرى هاهنا.
قال:"وإن أمر من لا يميز"؛ [أي]: لصغر، أو جنون، أو عجمة، مثل: أن

يأمر صغيراً أو مجنوناً أو أعجمياً لا يميز في طاعة آمره بين المحظور والمباح، وسواء في ذلك عبده وعبد غيره والحر، كما صرح به المحاملي وغيره.
قال:"فقتله – وجب [القود على] الآمر، ولا شيء على المأمور؛ لأن القاتل لا تمييز له ولا قصد؛ ففعله كفعل البهيمة؛ فهو كالآلة التي يستعملها الآمر، وكالبهيمة التي يسلبها، وهذا بخلاف ما لو أمر من لا يميز بالسرقة فسرق؛ فإنه لا قطع على الآمر؛ لأن القطع في السرقة لا يجب إلا بالمباشرة؛ بدليل: ما لو أكره إنساناً على السرقة؛ فإنه لا يجب على واحد منها القطع، وحكاه القاضي الحسين، بخلاف القود؛ فإنه كما يجب بالمباشرة – يجب بالسبب، ثم إذا أفضى الأمر إلى وجوب المال في مسألتنا وجب على الآمر، دون المأمور، كما ذكره الشيخ.
قال الماوردي هنا: ولو كان المأمور عبداً للآمر لا تكون رقبته مرتهنة بالمال، بل يكون كسائر أموال السيد، وحكى في كتاب الرهن في ذلك [وجهين: أحدهما:] يتعلق برقبته عند إعسار السيد، والثاني: لا، وقال: إن ثمرة الخلاف تظهر فيما لو كان مرهوناً.
وحكى الوجهين فيما لو كان المأمور حرًّا، وكان الآمر معسراً، في أن المأمور هل [يطالب]: أحدهما- وهو قول أبي إسحاق-: نعم، ويكون ديناً له على الآمر.
والثاني- وهو قول ابن أبي هريرة -: لا، ويكون ديناً لولي القتيل على الآمر، وقد ذكرت طرفاً من ذلك في كتاب الرهن.
والغزالي هاهنا حكى الوجهين في تعلق المال برقبة العبد من غير تقييد بإعسار السيد، وصحح الرافعي وجه المنع، وحينئذ يجتمع في المسألة ثلاثة أوجه.
قال الإمام: وعلى قول التعليق: إذا بيع وفضل من الأرش [شيء] فهو متعلق بذمة السيد دون العبد.

قال: "وإن أمر السلطان رجلاً بقتل رجل بغير حق، والمأمور لا يعلم – وجب القود على السلطان"؛ لأنه ألجأه إليه شرعاً بأمره إياه بالقتل؛ لكون طاعته إما مستحبة أو واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]، وإذا كان كذلك وجب عليه القود، كالمكره؛ [و] لأن السلطان لا يقتل بيده في العادة، بل يأمر به غيره؛ فأشبه ما لو قتله بيده، وهذا معنى قول الشافعي:"وكذلك قتل الأئمة"، ولا يجب على المأمور – والحالة هذه – قود ولا دية ولا كفارة، ولا يأثم؛ لأنه معذور؛ فإن الظاهر أن الإمام إنما يأمر بحق، لكن الأولى له أن يكفر، وهذا بخلاف ما لو أمره متغلب باللصوصية بقتل رجل بغير حق، ولم يعلم به المأمور فقتله فإنه يجب عليه القود؛ كما صرح به الماوردي، والقاضي أبو الطيب؛ لأن الظاهر أنه لا يأمر بحق.
وحكم أمر إمام أهل البغي حكم أمر إمام أهل العدل فيما ذكرناه، صرح به أبو الطيب وغيره.
قال:"وإن علمن وجب القود على المأمور"؛ لأنه لا تجوز طاعته في معصية الله تعالى؛ قال صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَمَرَكُمْ مِنَ الْولاةِ بِغَيْرِ طَاعَةِ اللهِ فَلا تُطِيعُوهُ" كذا رواه الشافعي، [وروى البخاري ومسلم وغيرهما، عن علي – كرم الله وجهه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ" ورويا وغيرهما عن عبد الله – وهو ابن عمر – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ"]، وعن أبي بكر – رضي الله عنه – أنه

قال: "أَطِيعُوني مَا أَطَعْتُ اللهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَصَيتُ فَلاَ طَاعَةَ لِي عَلَيكُمْ".
وإذا كان الأمر كذلك صار كما لو قتله بغير أمره، ولا يجب على السلطان شيء، وإن كان آثماً؛ لإذنه في المعصية.
وحكى الماوردي عن بعض أصحابنا: أنه صار إلى وجوب القود عليه وعلى المأمور، [ويوافقه قول الشافعي: "وليس على الجلاد شيء".
هذا إذا لم يعلم أن الإمام ظالم، فأما إذا أخبره الإمام بأنه ظالم ضمن هو والإمام معاً.
قال القاضي الحسين ثم: فمن الأصحاب من قال: صورة ذلك إذا كان غير مكره؛ لأنه متعد بأمره بقتله ظلماً؛ وكذلك الجلاد؛ فكان النصف عليه؛ لأن الجرائم لا تحل له بأمر السلطان].
وقال المراوزة: أمر السلطان هل ينزل منزلة الإكراه؟ فيه وجهان.
وادعى القاضي الحسين في "التعليق" أن المنصوص عليه منهما أنه إكراه، وقضية هذه العبارة: أن يكون في وجوب القود على المكره – بفتح الراء – إذا فرعنا على المنصوص، قولان، وقد صرح بهما في "التهذيب"، وكذلك القاضي الحسين؛ حيث [حكى أن الشافعي] قال:"لو أمر السلطان الجلاد حتى قتل واحداً، وعند الجلاد أنه يقتله ظلماً – لا شيء عليه"، و [أن] من أصحابنا من قال: إنه أجاب بذلك على قوله: إنَّ أَمْرَ السلطان إكراه، وان المكره لا قود عليه، و [أن] منهم من قال: إن هذا الجواب صحيح، وإن قلنا: إنه ليس بإكراه؛ لأن الجلاد لا يقطع بكون السلطان مبطلاً في قتله، ولابد أن يخطر بباله أنه محق، وقد يرى كونه مبطلاً فيما هو محق فيه؛ امتحاناً لخدمه وحشمه، وهل يطيعونه أم لا؛ فانتصب ذلك شبهة في سقوط القصاص، حكى ذلك في موضعين من "التعليق":

أحدهما: في باب قتل العمد.
والثاني: قبيل باب: الحكم في الساحر.
وحكى المحاملي عن النص في "الأم" أن المأمور بالقتل لو كان يعلم أن الإمام أمر بقتله ظلماً، كان عليهما القود، وأن من الأصحاب من قال: أراد بذلك إذا اكرهه، وأجاب عن أحد القولين في المكره، وليس بصحيح؛ فإن الشافعي ذكر مسالة القولين في المكره، وذكر هذه المسألة مفردة عنها؛ فثبت أنها غيرها، وتأول أبو إسحاق المروزي وغيره ذلك تأويلاً حسناً؛ فقال: أراد بذلك ما إذا أمر بقتل المسلم بالكافر، أو الحر بالعبد، واعتقد المأمور أن الإمام رأى في ذلك رأي بعض العلماء – فالقود عليهما: أما المأمور؛ فلأنه قتل من لا يجوز قتله في زعمه، وأما الإمام؛ فلأن المأمور لما اعتقد أنه يرجع إلى تأويل صار مكرهاً من حيث الشرع، وإذا صار مكرهاً صار الإمام مكرهاً؛ فلزمه القود، وقد عكس الرافعي الحكاية عن أبي إسحاق، ونسب إليه الأول، ونسب الثاني إلى رواية أبي عليّ الطبري، وإذا تأملت ما ذكرناه ظهر لك في المسألة أوجه: أحدها – وهو المشهور-: أن القصاص على المأمور، دون الآمر.
الثاني: أنه عليهما.
الثالث: أنه على الآمر، دون المأمور.
الرابع: [أنه] لا قود على واحد منهما: أما السلطان؛ فلكونه غير مكره، وأما المأمور؛ فلكونه معذوراً، وقد تعرض الإمام لتصوير محل الخلاف؛ فقال: إن كان الإمام بحيث لو لم يمتثل أمره لظهر الخوف في إهلاك مخالفة، فهذا إكراه في الحقيقة وإن لم يظهر ذلك في الظن؛ فلست أرى للخلاف في الأمر يكون إكراهاً وجهاً أصلاً، إلا من جهة واحدة، وهي: أنه إن كان يظن به أنه يسطو بمن خالفه؛ فاعتقد ذلك منه، ولا يبلغ توقع ذلك مبلغ توقع الخوف، لو

صرح بالتوعد؛ فليقع تنزيل الخلاف على هذا.
فرع: لو كان الجلاد يعتقد أن الحر لا يقتل بالعبد، والإمام يعتقد جوازه؛ فأمره الإمام بقتله، ولم يكرهه- فهل يجب عليه القصاص؟ فيه وجهان حكاهما الإمام عن العراقيين في باب: حد الخمر، [وهما في "الحاوي"]، والمذكور منهما في "الشامل" و"تعليق" القاضي أبي الطيب ثم: الوجوب، [والذي حكاه القاضي الحسين في كتاب الحدود: أنه لا ضمان على الجلاد؛ لأن الشافعي قال في القسامة: لو قالك اقتل، فقتل – [وجب] القود على الإمام، وعلى المأمور التعزير، وهذا ما حكاه الماوردي في باب: الشهادة بالجناية، أما إذا أكره الإمام الجلاد، قال الماوردي: فلا ضمان على واحد منهما].
ثم حكى الإمام عنهم فيما لو كان [الإمام لا يرى قتل الحر بالعبد، والجلاد يراه، فأمره بقتله من غير فحص عن الحال، ولو كان] قد فحص لم يأمره به – فعلى القول بعدم الوجوب في الصورة الأولى يجب هاهنا، وعلى القول بالوجوب فيها لا يجب هنا؛ تعويلاً على عقده، وقد وجد الأمر من الإمام على الجملة، وضعفه، [وفي "الحاوي": أنه لا ضمان على الجلاد، سواء كان مكرهاً أو غير مكره؛ لأنه استوفى بإذن مطاع ما يراه مسوغاً في الاجتهاد، فأما الإمام – فإن لم يكره الجلاد- فلا ضمان عليه، وإن أكرهه، وهو عالم بالحال ضمن؛ لأنه ألجأه إلى ما لا يسوغ في اجتهاده].
قال:"وإن أمسك رجلاً حتى قتله آخر وجب القود على القاتل"؛ لما تقدم من الأدلة، ولا يجب على الممسك؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126]؛ فلو وجب عليه القصاص لكنا [قد] فعلنا به غير ما فعل؛ ولقوله -عليه السلام- "إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، حَتَّى جَاءَ آخَرُ وَقَتَلَهُ – يُحْبَسُ المُمْسِكُ، وَيُقْتَلُ القَاتِلُ"، خرجه الدارقطني.
وروى أبو عبيد

في كتابه بإسناده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُقْتَلُ الْقَاتِلُ، وَيُصْبَرُ الصَّابِرُ" ومعناه: [و] يحبس الحابس؛ للتأديب؛ ولأن هذا السبب غير ملجئ، وقد اجتمع مع المباشرة؛ فلم يتعلق به القصاص؛ كما لو حفر بئراً، فدفع رجل فيها رجلاً – فإن القصاص يجب على الدافع، دون الحافر؛ ولأنه لا يضمن خطأ بالدية؛ فلا يضمن عمداً بالقود؛ كما لو ضربه بما لا يقتل [غالباً]، وكما لا يجب القصاص لا تجب الدية والكفارة.
نعمن لو كان المقتول عبداً فلمالكه مطالبة الممسك – أيضاً – والقرار على القاتل.
قال:"وإن شهد على رجل"، أي: بقتل، أو ردة، أو زنى بعد إحصان، مع غيره – فقتل بشهادته، ثم رجع، أي: ونقص برجوعه نصاب الشهادة، وقال: "تعمدت ذلك"؛ أي: تعمدت الشهادة؛ ليقتل بها، [وكذلك من شهد معي تعمد ذلك] – "وجب عليه القود"؛ لما روي: "أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ – كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ – عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ؛ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا؛ فَقَالَ: لَو أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُ أَيْدِيَكُمَا.
وَغَرَّمَهُمَا دِيَةَ يَدِهِ"، ولأنه توصل إلى قتله بسبب يقتل غالباً؛ فوجب عليه القود؛ كما لو جرحه فمات.

قلت: ويظهر مجيء وجه آخر: أنه لا قود عليه إذا لم يرجع من شهد معه؛ لأن الأصحاب قالوا: فيما إذا شهد أربعة بالزنى فرجم، ثم رجعوا، وقال أحدهم: تعمدت قتله بالشهادة، وتعمد أصحابي؛ فقالوا: بل أخطأنا – مع وجوب القود عليه – وجهان: وجه المنع: أن أصحابه أعرف بأنفسهم منه؛ فهو شريك خاطئ، وهذا الوجه الذي أردت مجيئه في مسألة الكتاب؛ لأن رفقته يزعمون أنهم على حق، فهو أولى من اعترافهم بالخطأ، وقد حكوا في مسألة الزنى أن الراجع لو قال: تعمدت، ولا أدري حال أصحابي، وقالوا هم: تعمدنا – ففي وجوب القود عليه – وجهين حكاهما القاضي الحسين في كتاب حد الزنى، والمنقول [في "المختصر" في كتاب حد الزنى] في مسألة الكتاب ما ذكره الشيخ، وعليه اقتصر في "الكافي"، والقاضي الحسين وأبو الطيب [والبندنيجي].
وهكذا الحكم فيما لو شهد على رجل مع غيره بما يوجب القطع، فقطع، ثم رجع – فعليه القطع، وإن سرى إلى النفس فالقصاص فيها.
ولا فرق في ذلك على المذهب – كما حكاه المتولي، [وكذا صاحب "الكافي" في باب حد الزنى، والقاضي الحسين والبغوي في باب الرجوع عن الشهادة] – بين ألا يرجع سوى الشاهد، أو يرجع معه الحاكم والولي ويقولا: تعمدنا.
وفي هذه الصورة وجه حكاه أبو يعقوب الأبيوردي: أن القصاص يجب على الولي خاصة، وبه جزم في "الوسيط" [هنا]؛ لأن الشهود في هذه الحالة لم يلجئوه حسًّا ولا شرعاً؛ فصار قولهم شرطاً محضاً كالإمساك، وعلى هذا: الدية – أيضاً – على الولي، [وعلى الأول: على] الجميع، [قال في "الكافي": على الشهود ثلثها، [وعلى القاضي ثلثها]، وعلى الولي ثلثها.
وقد حكى الإمام وغيره الوجهين – أيضاً – في باب الرجوع عن الشهادة،

وكذلك الغزالي، [و] رجح الإمام الثاني]، أما إذا لم ينقص برجوعه نصاب الشهادة فسيأتي الكلام فيه في كتاب الشهادات؛ لأن الشيخ تكلم فيه [ثم، وسيعيد ذكر المسألة ثم مع زيادة فيها، عن شاء الله تعالى].
فرعان: أحدهما: المزكِّي لشاهد القتل إذا رجع، وقال: تعمدت التزكية مع علمي بالفسق؛ ليقتل المشهود عليه – فهل عليه القصاص؟ فيه وجهان في "التتمة"، [وفي "الكافي" في باب: حد الزنى، وصحح المنع؛ لأنه لم يتعرض للمشهود عليه، وإنما أثبت صفة في الشاهد، لكنه حكى عن القفال أنه قال: محل الوجهين فيما إذا قال: كنت علمت كذب الشهود، أما إذا قال: كانوا فاسقين فعدلتهم، فلا شيء عليه؛ لاحتمال أن يكونوا صادقين، فإن كانوا فاسقين] [ففي "الرافعي" في باب الرجوع عن الشهادة، بعد حكاية مثل ذلك عن البغوي: أن الأوفق لكلام أكثرهم الوجوب عليه، وهو الذي أورده أبو الحسن العبادي].
قال مجلي: ويحتمل وجهاً ثالثاً، وهو التفرقة بين أن تكون التزكية وجدت قبل الشهادة فلا ضمان، أو [بعدها فعليه الضمان]، كما قلنا في مزكي شهود الزنى، [وهذان الوجهان في "النهاية" وغيرها، في باب الرجوع عن الشهادة، مفرعان على أحد الوجهين في وجوب الغرم، أما إذا قلنا: لا يجب الغرم، فلا قصاص قولاً واحداً، وحينئذ يجتمع في المسالة – بقول مجلي – أربعة أوجه].
الثاني: إذا أشكلت الحادثة على الحاكم، وكان متوقفاً، فروى إنسان خبراً عن النبي صلى الله عليه وسلم وقتل الحاكم به الرجل، ثم رجع الراوي، وقال: كذبت وتعمدت ففي فتاوى صاحب "التهذيب": أنه ينبغي أن يجب القصاص؛ كالشاهد إذا رجع.
قال الرافعي: والذي ذكره الإمام والقفال في "الفتاوى": أنه لا يتعلق به القصاص، بخلاف الشهادة؛ فإنها تتعلق بالواقعة، والخبر لا يتعلق بها خاصة.
قال: وإن أكره رجلاً على أكل سم، [أي:] والآكل لا يعلم أنه سم، أو

فتح فاه وأوجره فيه، كما صوره العراقيون والمراوزة.
قال: "فمات [منه]- وجب عليه القود"؛ لنه قصده بآلة تقتل غالباً؛ فكان كما لو ضربه بالسيف.
قال: "وإن قال: لم أعلم أنه سم قاتل"، أي: وكذبه الولي، "ففيه قولان": وجه الوجوب، وهو الأظهر عند القاضي الروياني والنووي: القياس على ما [لو] جرحه، وقال: لم أعلم أنه يموت [من هذه] الجراحة.
ووجه المنع- وهو الأصح في "الجيلي" -: أنه مما يشتبه ويخفى؛ فجعل شبهة، بخلاف الجراحة، وعلى هذا تجب الدية، أما إذا لم يوجره السم القاتل، ولكن أكرهه عليه حتى أكله بنفسه، وهو عالم بأنه سم قاتل – ففي "النهاية" و"تعليق" القاضي الحسين و"التتمة": الجزم بأنه لا قصاص؛ كما لو أكرهه على قتل نفسه، وهذا منهم؛ بناء على انه لا قصاص إذا أكرهه على قتل نفسه، كما قلنا: إنه المشهور، وقد حكينا من قبل قولاً: أنه يجب عليه القصاص، ومقتضاه: أنه يجيء هاهنا أيضاً، وقد حكاه الداركي وغيره، وصححه في "العدة".
فرع: لو كان السم لا يقتل غالباً إلا الضعيف، [وفي] فصل – اعتبر فيما ذكرناه ضعف المكره، ووجود ذلك الفصل، وإذا لم يوجد ذلك فلا قصاص على الظاهر المشهور، وفي كتاب ابن كج و"تعليق" القاضي الحسين قول: أن السم وإن كان مما [لا] يقتل غالباً، ومات الموجر به: أنه يجب القصاص؛ لأن السموم لها نكايات في الباطن كالجراحات؛ فالموت به [كالجراحة الخفية] التي لا تقتل غالباً.
وهذا شبيه بما حكاه الشيخ، فيما إذا ألسعه حية أو عقرباً لا يقتل مثلها غالباً، وعلى ذلك جرى الإمام فجعله كغرز الإبرة، كما جعل مسألة إنهاش الحية التي لا تقتل غالباً كغرز الإبرة، والفرق – على المشهور- ما

ذكرناه من علة قول الوجوب ثم، وهو أن نهشة ذلك تشق الجلد؛ فكانت شبيهة بالجراحة، وذلك مفقود هنا.
ثم على المشهور لو ادعى المكره [أن السم لا يقتل غالباً، وقال الولي بل هو مما يقتل، ولا بينة – فالقول قول] المكره، فإن كان ثم بينة عمل بها، وأثرها في جانب المكره إذا أقامها: سقوط اليمين عنه.
قال:"وإن خلط السم بطعام"؛ أي: له [أو] لغيره، "وأطعم رجلاً"، أي: له تمييز، "أو خلطه بطعام لرجل"، أي: والطعام لا يكسر حدة السم، "فأكله فمات [منه] – ففيه قولان".
وجه المنع – وهو الذي قال الإمام: إنه الأقيس، وصححه النووي في المسألتين – أنه فعل ما هلك به باختياره، من غير إلجاء حسي ولا شرعي.
ووجه الوجوب – وهو الراجح عند الروياني وغيره في الأولى، واختاره في "المرشد" – ما روى أبو داود في حديث طويل عن أبي سلمة- وهو ابن عبد الرحمن بن عوف – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً، وَقَدْ سَمَّتْهَا، فَأَكَلَ مِنْهَا وَأَكَلَ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ: مَا حَمَلَكِ عَلَى الَّذِي صَنَعْتِ؟ قُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَنْ يَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا اسْتَرَحْنَا [مِنْهُ]؛ فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقُتِلَتْ"، ولأنه تغرير يفضي إلى الهلاك غالباً فأشبه الإكراه.
فإن قيل: هذا الخبر قال أهل الحديث: إنه مرسل، والشافعي لا يرى الاحتجاج به، وعلى تقدير اتصاله – كما خرجه البيهقي عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي هريرة، فقد روى أبو داود، عن أنس بن مالك، انه قيل

لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أَلاَ تَقْتُلُهَا؟ فَقَالَ:"لاََ"، وأخرجه مسلم والبخاري.
وروى أبو داود، عن أبي هريرة الحديث، وفيه: [قال]: "فَمَا عَرَضَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم"، وهذا يعارض لما استدل به، فجوابه ما ذكره البيهقي: أنه يحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء، ثم لما مات بشر بن البراء أمر بقتلها.
وقد حكى البندنيجي والمتولي وغيرهما من الطريقين: انه لا قود عليه في المسألة الثانية وإن وجب في الأولى.
ثم القولان في الأولى يجريان فيما إذا قال [له]: كله، وفيه شيء من السم لكنه لا يضر؛ كما حكاه في "التهذيب"، وفيما إذا حفر بئراً في ممر داره وغطاها، وأذن لإنسان بالدخول؛ فدخل ووقع في البئر، كما حكاه في "الوجيز"، وابن الصباغ عن بعض الأصحاب، وأن منهم من قطع بعدم الوجوب؛ لأنه يمكنه التوصل إلى معرفة البئر، بخلاف السم، وكذا يجريان – كما حكاه القاضي الحسين – فيما إذا حفر بئراً في طريق أعمى؛ فتردى فيها، والقولان في الصورة الثانية يجريان فيما إذا جعل السم في دَنٍّ ما على الطريق؛ فشرب منه إنسان فمات، كما حكاه المتولي والبغوي.
قال الرافعي: وليكن الفرض فيما إذا كان طريق شخص معين، إما مطلقاً أو في ذلك الوقت، وإلا فلا تتحقق العمدية.
وقد ادعى العراقيون القطع بامتناع القصاص فيما إذا خلط السم بطعام نفسهن وتركه في بيته، فدخل إنسان، وأكله من غير إذن.

وحكى الإمام طريقين فيما إذا كان [الآكل] ممن جرت عادته بدخول دار الفاعل والأكل فيها انبساطاً: أحدهما: ما ذكره العراقيون.
والثاني: طرد القولين في وجوب القصاص.
ولو كان قد صنع السم في طعام، وقدمه إليه في جملة أطعمة، وكان من الممكن ألا يتعاطى المسموم، ويكتفي بغيره – فإذا تعاطاه، قال الإمام في باب وضع الحجر: إن أمر الضمان يترتب على ما [إذا] قدم إليه طعاماً مسموماً متحداًن وهنا أولى بانتفاء الضمان، وإذا قلنا بعدم وجوب القصاص في مسألتي الكتاب، فهل تجب الدية؟ قيل: نعم.
وقيل: قولان حكاهما في الأولى القاضي في "المجرد"، وفي الثانية غيره.
وقيل: في الأولى قولان، وفي الثانية: لا تجب.
وبهذا الطريق أجاب الماوردي [في موضع]، وفرق بأنه [إذا أكل] بالإطعام فقد أكل [بأمره؛ فصار بالأمر ضامناً، وإذا أكل] طعام نفسه فهو بغير أمره فلم يضمنه.
وفي "الشامل": أن الشيخ أبا حامد قال: في الأولى تجب، وفي الثانية قولان، وهذه طريقة القاضي الحسين في "تعليقه"، ولا خلاف في وجوب قيمة ما خلط به السم من طعام الغير: لأنه أفسده عليه.
تنبيه: قول الشيخ: وأطعم رجلاً، فيه احتراز عما لو أطعمه صبيًّا لا تمييز له؛ فإنه يجب عليه القود في الأولى جزماً؛ كما لو قال له: اقتل نفسك، ففعل، وهكذا الحكم [فيما] لو كان الرجل في معنى الصغير؛ لجنون أو عجمة، واعتقد وجوب طاعة الآمر، وهذا بخلاف ما لو أمر العجمي بقتل نفسه فقتلها؛ فإنه لا يجب القود جزماً؛ لأن كل أحد لا يخفى عليه أن قتل نفسه لا يجوز،

وإن جاز أن يخفى عليه جواز قتل غيره، وأن السم يقتل إذا أكله.
قال:"وإن قتل رجلاً بسحر يقتل غالباً وجب عليه القود"؛ لأنه قتله بسبب يقتل غالباً؛ فكان كما لو قتله بسكين، وإن لم يقتل غالباً [فلا قود فيه، وسيأتي] حكمه في الكتاب، ولا يعرف كونه يقتل غالباً [أوْ لا إلا من جهة] الجاني، وقد أنكر بعض أصحابنا، وهو أبو جعفر المقرئ الأستراباذي؛ كما حكاه ابن الصباغ والمصنف، أو أبو جعفر الترمذي، كما حكاه الإمام عن رواية العراقيين عنه – أن للسحر حقيقة، وقال: إنه تخييل [لا حقيقة له و] لا أصل له، [ولا] يناط به قصاص ولا غرم.
وقال الشاشي: إن الأستراباذي [الذي] قال هذا القول، هو من أهل الظاهر.
وعلى كل حال فهذا ليس بشيء؛ لأن الله – تعالى – أمر بالاستعاذة منه؛ بقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: 4]، وقال تعالى: [﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102] وفي بعض الألفاظ أنه – عليه السلام – قال: "السحر حق".
وقد روى الشافعي بسنده عن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت:"مَكَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَيَّاماً يُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ يَاتِي النِّسَاءَ، وَلاَ يَاتِيهِنَّ، فَاسْتَيقَظَ ذَاتَ لَيلَةٍ، وَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، قَدْ أَفْتَانِي رَبِّي فِيمَا اسْتَفْتَيتُهُ، أَتَانِي رَجُلاَنِ [فِي المنَامِ]؛ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ، وَالآخَرُ عِنْدَ رَاسِي، فَقَالَ الذِي عِنْدَ رِجْلِي للِّذِي عِنْدَ رَاسِي: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ فَقَالَك مَطْبُوبٌ؛ فَقَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ فَقَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ اليَهُودِيُّ، قَالَ: فِيمَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ، تَحْتَ رَاعُوثَةِ بِئْرِ ذَرْوَانَ، قَالَ: فَأَتَيتُ البِئْرَ، فَإِذَا مَاؤُهَا كَنَقْعِ الحِنَّاءِ، فَنَزَلَ عَلِيٌّ فَأَخْرَجَهُ، فَلَمَّا حُلَّ

شَفَانِي اللهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ"، وروي: "كَأَنَّمَا أُنْشِطْتُ مِنْ عِقَالٍ".
و [قوله]: مطبوب: أي مسحور، ذكره أبو عبيد في "الغريب".
وجف الطلعة: وعاؤها، وراعوثة البئر: صخرة في أسفل [البئر] يجلس عليها المستقي.
ثم السحر قد يكون قولاً كالرقية، وقد يكون فعلاً كالتدخين، وقد اختلف العلماء في جواز [تعلم السحر: فذهب قوم إلى أن] تعلمه وتعليمه كفر، وقد عزا ابن الصباغ ذلك إلى الإمام [مالك] – رضي الله عنه – ونحن لا نقول به؛ إلا إذا اعتقد الساحر كونه حقًّا، أو يرى لنفسه قدرة على تقليب الأعيان؛ فيكفر باعتقاده كما قال القاضي الحسين والماوردي، أو يعتقد فيه ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها؛ كما حكاه ابن الصباغ.
وذهب قوم إلى أنه حرام، وهو ما حكاه أصحابنا العراقيون كابن الصباغ وغيره، وتابعهم المتولي والماوردي، وهكذا القاضي الحسين عند تعلمه ليسحر به، وادعى البندنيجي أن شخصاً لو اعتقد إباحته كان كافراً؛ لأنه اعتقد إباحة ما أجمع المسلمون على تحريمه، وذهب قوم إلى أنه مكروه إذا خلا عن فعل أو قول محرم، وبه قال بعض أصحابنا؛ كما حكاه الإمام.
وذهب قوم على نفي الكراهة فيه كما لا يكره تعلم مذاهب الكفر؛ للرد عليهم، وبهذا قال بعض أصحابنا؛ كما حكاه الإمام أيضاً، وبه جزم القاضي الحسين، والغزالي في "الوسيط".

قال: "وإن قطع أجنبي سلعة من رجل بغير إذنه، فمات – وجب عليه القود"؛ لأنه متعد بالقطع، فأشبه ما لو قطع يده أو رجله؛ فمات.
والسلعة – بكسر السين – قال أهل اللغة: هو خُراج – بتخفيف الراء – كهيئة الغدة، وقال ابن الصباغ: إنها غدد تكون بين الجلد واللحم؛ فتظهر كحمصة وكبطيخة- كما قال الجوهري – يعني: وما بينهما، وقد تكون في رأس الإنسان أو في وجهه أو في جسده.
وأما السلعة – بالفتح-: فهي الشجة، وليست مرادة هنا.
وذكر الرجل في هذا المقام؛ للتنبيه على أن سكوته، عند القطع لا يجعل رضاً بالقطع وإذناً فيه، لا لأن الحكم في الصغير مخالف له، [أما] إذا قطعها بإذنه فينظر: إن كان لا يخاف من قطعها التلف لم يجب على القاطع الضمان؛ لأن [الإذن] في قطعها – في هذه الحالة – لأجل زوال الشين؛ فكان كإذنه في الفصاد والحجامة.
وإن كان يخاف من قطعها التلف فينظر: فإن كان بقاؤها مخوفاً أيضاً، لكن خوف البقاء أغلب على الظن وأكثر- فالقطع أيضاً جائز، إلا على وجه حكاه

الإمام؛ فيجوز الإذن فيه ولا ضمان على القاطع.
وإن كان خوف القطع أكثر وأغلب على الظن فلا يجوز القطع في هذه الحالة جزماً؛ كما لو لم يكن خوف في البقاء، وكان موجوداً في القطع، فإذا أذن فيه فلا يجوز له القطع، لكنه لو فعل لا قصاص على الأصح، وسنذكر- من بعد- ما يظهر لك به جريان وجه فيه عن ابن سلمة، وفي ضمان النفس قولان حكاهما الإمام.
ولو استوى الأمران، واعتدل الخوفان – فعند الشيخ أبي محمد: لا يحل القطع.
وذهب بعض الأصحاب إلى أنه لا يعترض عليه، [قال الرافعي: وهو الأشبه].
وقريب من هذه [المسألة]: ما لو أضرمت النار في إنسان، وكان لا يطيق الصبر على لفحاتها، فأراد أن يلقي نفسه في بحر، ورأى ذلك أهون، وقد حكى الإمام عن شيخه المنع، وأن في المسألة احتمالاً؛ فإن الإحراق مُذَفِّف، وكذلك الإغراق، ثم قال: والرأي ما ذكره شيخنا، [وقال في "الوجيز": الأصح مقابله].
قال: وإن قطعها حاكم، [أو وصى] من صغير؛ [أي]: أو [من] مجنون؛ حيث يكون ترك القطع [أخوف من القطع]؛ كما قاله الماوردي، ولا ولي له سواهن فمات – ففيه قولان، [أي]: منصوصان؛ كما حكاه الماوردي في الجنايات: "أحدهما: يجب عليه القود"؛ لأنه عجل من تلفه ما كان مرجوًّا؛ فأشبه ما لو قطعها، وكان القطع أخوف، [أو كان الأب أو الجد بعد باقيا]، وهذا أصح في "الجيلي".
"والثاني: لا يجب؛ لأنه لم يقصد القتل، بل قصد الإصلاح والمداواة، وله نظر في مداواته؛ فكان ذلك شبهة في إسقاط القصاص، [وهذا [أصح عند

القاضي أبي الطيب والنواوي]؛ فعلى هذا تجب الدية مغلظة.
ولو كان القاطع في هذه الحالة الإمام الأعظم فمنهم من أجرى القولين فيه، وقيل: لا قود جزماً، وإليه أشار أبو إسحاق [المروزي]، لأنه أبعد عن التهمة؛ [وولايته أعم].
ولو كان القاطع أباً أو جداً فلا [قود ولا] دية [عليه في هذه الحالة.
نعم، لو كان – والحالة هذه – القطع أخوف] ففي إيجاب الدية وجهان [في "الحاوي"، و"التهذيب"]، وهل تكون دية عمد [تتعجل في ماله]، أو دية شبه عمد تؤخذ على عاقلته؟ فيه وجهان [في "الحاوي"، وفي] أن وصي الأب يجري مجرى الأب [على وجه.
وعن صاحب "الإفصاح": أن القولين المذكورين في الحاكم إذا كان له أب أو جَدٌّ، أما إذا لم يكن فلا قود وجهاً واحداً؛ لأنه لا يجد من يقوم بشأنه، فلا بد وأن يراعيه.
فإن قيل: هل يجوز لولي الصغير والمجنون قطع السلعة منه؟ قلنا: يحتاج في ذلك إلى تقديم الكلام في جواز ذلك للشخص نفسه؛ إذا كان بالغاً عاقلاً، وقد قال الأصحاب: إنه يجوز له ذلك، وأن يأذن فيه]، إذا كان خوف التبقية أكثر وأغلب على الظن، على الصحيح، وفيه وجه: أنه لا يجوز، [ولو كان خوف القطع أغلب فلا يجوز وفاقاً].
ولو استوى الأمران، واعتدل الخوفان: فمن منع في الحالة الأولى فهو مانع هاهنا من طريق الأولى، وقد [صرح بالمنع هنا] الشيخ أبو محمد، وبعض الأصحاب قال: لا معترض عليه في هذه الحالة أيضاً، فحيث قلنا: لا

يجوز للإنسان قطع ذلك من نفسه؛ فالولي بالمنع أولى، وحيث قلنا: يجوز، فالحاكم ومن في معناه لا يجوز له القطع في حالة كون القطع [محظوراً، والتبقية] محظرة، ومست الحاجة إلى النظر في تغليب أحد [الظنين كما نص عليه الشافعي]، [وفي حالة انتفاء حالة] الحظر في القطع واقتضاء المصلحة له يجوز؛ كما في الفصد والحجامة.
نعم، لو أدى إلى الهلاك ففي الضمان وجهان جاريان [أيضاً] في الفصد والحجامة: أحدهما: يضمن، وبه جزم القاضي الحسين؛ كالتعزير إذا أفضى إلى التلف.
وأظهرهما- وهو المذكور في "الوجيز"، وبه قال عامة الأصحاب -: المنع، [وعن "جمع الجوامع" حكاية وجه: أنه لا يجوز للسلطان الفصد والحجامة، ويختص نظره وتصرفه بالمال، والأب والجد يجوز له قطع السلعة، عند استواء الأمرين؛] فإن الشافعي [نص] على أن له قطعها.
قال الإمام: ولم يُرِد صورة المعالجة حيث لا ضرر في القطع؛ فإن ذلك يجوز للحاكم، بل مراده [ما] إذا تعارض خطران في القطع والتبقية، ورأي القطع صواباً، وجوزنا ذلك للمرء نفسه، والفرق بينهما: أن ذلك يحتاج] إلى نظر دقيق؛ فاختص به الولي الشفيق [كما في الإجبار على التزويج]:

وحكم قطع الأكلة والحُبَيْبة حكم قطع السلعة – فيما ذكرناه – صرح به الإمام وأبو الطيب وابن الصباغ في باب حد الخمر، ولا خلاف في أن الأجنبي لا يجوز له قطع ذلك من الصبي والمجنون بغير إذن وليه.
نعم، في حال عدم الولي يشبه أن يكون الحكم كما في الختان، وحيث لا يجوز له فإذا فعله أطلق الجمهور أن عليه القصاص عند هلاكه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين – في الموضع المذكور – تخريج قول في عدم إيجاب القصاص، إذا قطع اليد المتآكلة من غير إذن؛ فسرت إلى النفس؛ لأنه نص هاهنا على إيجاب القود، وقال في الخراج: إذا قطع يده من الكوع، ثم جاء آخر، وقطعها من المرفق، فمات – فعليهما القودز قال القفال: احتمل أن يجعل حكم الألم باقياً، فتكون المسألة على قولين: أحدهما: على القاطع هاهنا القود.
والثاني: لا، وعليه نصف الدية؛ لأنه مات عقيب ألمين: أحدهما: مضمون، والآخر: غير مضمون.
قال: والصحيح الفرق؛ لأن ألم الأكلة من جهة الله – تعالى- وليس لآدمي فيه صنع، فجعل الفعل والقتل كله منسوباً إلى هذا المتعدي، ونظيره مريض مذفف؛ بحيث يعلم أنه يموت غداً، فقتله رجل؛ فعليه القود، أو كمال الدية، وأما هناك مات عقيب جنايتين غير موحيتين ولا مذففتين.
قال:"وإن اشترك جماعة في قتل واحد قتلوا به"؛ أي: إذا كان فعل كل واحد منهم، لو انفرد لقتل، كما ذكره المحاملي، وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ [الإسراء: 33] والسلطان هو القصاص بلا خلاف، ولقوله صلى الله عليه وسلم:" [ثم] ثُمَّ أَنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ، قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَأَنَا – وَاللهِ – عَاقِلُةُ، فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَ هَذَا اليَومِ قَتِيلاً فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرتَيْنِ: إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا،

وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ" ولم يفصل الله – تعالى- ولا رسوله بين أن يكون القاتل واحداً، أو جماعة، [فكان له] استيفاؤه بهذا الإطلاق.
وقد روي: "أن عمر – رضي الله عنه – قتل سبعة، أو خمسة من أهل صنعاء؛ [اشتركوا في قتل رجل [واحد] قتلوه غيلة – وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء] لقتلتهم به جميعاً".
معنى "غيلة" أي: حيلة؛ لأن القتل على أنحاء غيلة، وهو أن يحتالوا [له] بالتمكين من الاستخفاء ونحوه حتى يقتلوه.
وفتكاً وهو: أن يكون آمناً فيراقب حتى يقتل.
وغدراً؛ وهو: أن يقتل بعد أمانه.
وصبراً؛ وهو: قتل الأسير مجاهرة، ومعنى تمالأ: تعاون.
وروي عن عليّ – كرم الله وجهه – أنه قال: "واللهِ مَا قَتَلْتُ عُثْمَانَ، وَلاَ مَالاتُ [عَلَى] قَتْلِهِ" أي: عاونتن وقتل عليٌّ ثلاثة برجل، وقتل المغيرة سبعة بواحد.
وقال ابن عباس: إذا قتل جماعة واحداً قتلوا به، ولو كانوا مائة، ولم ينكر عليهم أحد؛ فكان إجماعاً.
فإن قيل: [قد روي] أن معاذ بن جبل أنكر ذلك، وأن [ابن] الزبير قال: لا يقتلوا به، ولكن يقرع، فمن خرجت [القرعة عليه] قتل.
قيل: إن صح ذلك فعنه جوابان من قول الشافعي في القديم:

أحدهما: أن الصحابة إذا اختلفوا في شيء – فالأخذ بقول الطائفة التي فيها الإمام أولى.
[و] الثاني: أن الأخذ بقول الأكثر أولى؛ لأن القصاص شرع لأحد معنيين؛ إما لتشفي الغيظ، ودرك الثأر، أو للردع والزجر، وكلاهما نطق به القرآن العزيز: فالتشفي في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ [الإسراء: 33] والزجر في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] وأيهما كان يوجب قتل الجماعة بالواحد؛ إذ التشفي لا يحصل بقتل واحد منهم وقد اشتركوا في إزهاق روحه وإيصال الألم إلى قلوب الأولياء؛ وكذلك [الزجر]؛ وهذا هو الجديد.
وقد حكى القاضي الحسين، والإمام، عن القديم أن الجماعة لا تقتل بالواحد، بل لولي الدم أن يختار واحداً منهم، ويقتله قودّا؛ كمذهب مالك، رضي الله عنه.
ثم على الجديد قد اختلف الأصحاب في كيفية استحقاق قتلهم: فمذهب العامة؛ كما حكاه القاضي الحسين والإمام: أنه استحق [على] كل منهم [روحه؛ إذ الروح لا تتجزأ، ولا تتبعض، ولو استحق بعض روحه لم يقتل بحال.
وقال الحليمي: استحق على كل منهم؛] إذا كانوا عشرة – مثلاً – عشر روحه؛ بدليل: أنه لو آل الأمر إلى الدية – لم يجب عليه إلا العشر، وفي الحقيقة كل واحد منهم استوفى عشر روح المقتول؛ فاستحق عليه عشر روحه، غير أن الروح لا تتجزأ؛ فلا يمكن استيفاء المستحق إلا بغيره؛ فاستوفى لتعذره؛ كما نص الشافعي – رحمه الله-[على] أنه إذا جبر عظمه بعظم بخس، والتحم عليه الجلد واللحم، وخاف التلف – أنه ينزع.
وقد أبطل الإمام استشهاده بالدية بقتل الرجل المرأة؛ فإن دمه مستحق بجميعها، وإن كان الأمر [إذا] آل إلى المال لم يجب إلا نصف الدية.

ثم اعلم أن ما ذكرناه من التعليل تخدشه مسألة؛ وهي إذا ضرب قوم شخصاً بالسياط، أو بعصا خفيفة، كل واحد ضربة؛ فمات [بذلك] – [فإن قضية] ما ذكرناه: أن يجب عليهم القصاص؛ كي لا يصير ذلك ذريعة و [قضية ما ذكرناه] من التقييد في صدر المسألة نفيه، وقد حكى المراوزة ذلك وجهين [وثالثاً؛ وهو] عن صدر ذلك عن تواطؤ منهم وجب، وإلا فلا، وهو ما [جزم به القاضي الحسين]، وصاحب "التهذيب"، وادعى الإمام أن إيجاب القصاص من [غير تواطؤ لا وجه له] أصلاً، بل يجب القطع بأنه لا قصاص؛ لأن في [إيجابه حينئذ] إيجابه [على شريك خاطئ]، وأن في حال التواطؤ يجب أن يكون في المسألة قولان: أحدهما؛ وهو القياس: عدم الوجوب.
والثاني: الوجوب.
وعلى كل قولٍ: المال واجب على الجميع.
وقد فرع القاضي والبغوي على ما أجابا به؛ فقالا: لو ضرب واحد سوطين، أو ثلاثة، وجاء آخر وضرب خمسين، أو مائة، قبل أن يزول ألم الضرب الأول، ولاتواطؤ – فلا قصاص على واحد منهما؛ لأن الأول شبه عمد، والثاني شريك [له].
وإنه لو ضرب واحد أولا خمسين، ثم ضرب آخر سوطين، أو ثلاثة، قبل أن يزول ألم الضرب الأول -: فإن كان الثاني عالماً بضرب الأول – فعليهما القصاص؛ لظهور قصد الهلاك منهما، وإن كان جاهلاً فلا قصاص عليهما؛ لأنه لم يظهر قصد الهلاك من الثاني، ويجب [بضربي الأول نصف دية العمد، [وبضرب الثاني نصف دية شبه العمد].

وفرق بينه وبين ما إذا ضرب مريضاً ضرباً يقتل المريض، دون الصحيح، وهو جاهل بمرضه؛ حيث نوجب القصاص – على رأي – بأن هناك لم [نجد من نحيل] القتل عليه سوى الضارب.
قال: وإن جرحه واحد جراحة، وجرحه الآخر مائة جراحة؛ أي: ولم تبرأ جراحة منها؛ فمات – فهما قاتلان، أي: فيجب عليهما القود، أو الدية بينهما على السواء؛ لان الجرح له سراية في البدن، وغور لا يطلع عليه؛ فقد يموت من جرح، ولا يموت من جراحات، والهلاك حصل عقيب فعلهما، ولا يمكن إضافته إلى واحد معين، ولا إسقاطه؛ فأضيف إليهما.
ويفارق هذا ما إذا جلد في حد القذف أحداً وثمانين [سوطاً] فمات؛ فإنا على قول نضيف الهلاك على الجميع، ونوزعه على عدد الضربات.
والفرق أن محل الجلد مشاهد [يعلم] به التساوي، ولا كذلك الجراحات؛ كذا قاله الماوردي، وقضيته أن يقال: [فيما إذا تمالأ عليه قوم بالضرب]، وأفضى الأمر إلى الدية: أن توزع على عدد الضربات على قول، [وقد حكاه الرافعي] مع قول آخر: أنه كالجراحة.
أما إذا برئت منهما جراحة، فإن كانت جراحة المنفرد سقط عنه الضمان في النفس، ووجب أرشها، وإن كانت [جراحة الآخر فا] لقصاص باق بحاله.
فرع: إذا جرحه ثلاثة، وادعى [أحدهم] أن جراحته [اندملت قبل موته] وأنكر الآخران ذلك، وقالا: مات من الجراح الثلاث – فإن صدقه الولي، وكان قصده القصاص من الباقين – قبل منه، وإن أراد أخذ الدية منهما لم يقبل تصديقه؛ لأنه في هذه الحالة يأخذ من كل منهما نصف الدية، وفي حال عدم الاندمال يأخذ الثلث، فكان عليهما في تصديقه ضرر؛ فلم يقبل؛ قاله المحاملي.

قال: وإن قطع أحدهما كفه، والآخر ذراعه، [أي:] الذي كان الكف فيه؛ فمات – فهما قاتلان؛ لأن قطع الأول علق منه الألم بالأعضاء الشريفة؛ وهي الكبد والقلب والدماغ، واتصل بها من قطع الثاني مثلها؛ فتعاون الكل على الإزهاق؛ فتساويا في وجوب القود؛ كما لو قطع أحدهما يده اليمنى، والآخر اليسرى؛ فسرى إلى نفسه، وهذه العلة – كما قال القاضي أبو الطيب – صرح بها الشافعي.
قال: وإن قطع أحدهما يده، [وحز] الآخر رقبته، أو قطع حلقومه، أو مريئه، أو أخرج [حشوته]، أي: أبانها [منه]؛ كما قاله المحاملي والماوردي والقاضيان الطبري والحسين – فالأول جارح؛ أي: يجب عليه القصاص في اليد وديتها، والثاني قاتل؛ لأنه قطع بفعله سراية الأول، وأزهق فعله الروح؛ فوجب عليه القصاص؛ كما لو اندمل جرح الأول، ثم قتله الثاني.
ولا فرق في ذلك بين أن يتوقع [البرء من الجراحة الأولى، أو لا يتوقع]، ويتيقن الهلاك منها بعد يومين أو ثلاث.
نعم لو انتهى في الأولى إلى حركة المذبوحين؛ وهي [التي لا] يبقى معها الإبصار والإدراك، والنطق والحركة الاختياريان – لم يكن لحز الرقبة معنى، وهو كما لو فعل ذلك بعد الموت، فيعزَّر.
والحشوة – بكسر الحاء وضمها: لغتان مشهورتان –هي الأمعاء، وحكم شق البطن أولاً من غير إخراج الحشوة، أو خرقها من غير [إبانة] بحيث حكم أهل البصائر بأنه يموت لا محالة؛ إذا صدر من واحد، ثم صدر من غيره إخراج الحشوة [أو إبانتها] أو حز الرقبة – حكم قطع اليد أولاً، وحز الرقبة، أو ما في معناه ثانياً؛ لأن بشق الجوف لا تزول الحياة المستقرة.

وقد ألحق الأصحاب – كما قال الرافعي – بهذه الحالة المريض، إذا أشرف على الهلاك، وقالوا: يجب القصاص على قاتله، وإن انتهى إلى حالة النزع، وصار عيشه عيش المذبوحين.
ولفظ الإمام: أن المريض إذا انتهى إلى سكرات الموت بدت مخايله، وتعثرت الأنفاس في الشراسيف؛ فلا نحكم له بالموت، وإن كان يظن أنه في مثل حالة المقدودز وفرقوا بأن انتهاء المرض إلى تلك الحالة غير مقطوع بهن وقد يظن به ذلك، ثم يشفى، بخلاف المقدود ومن في معناه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين ما ينازع في ذلك؛ فإنه قال: المريض إذا أشرف على الهلاك.
فإن وقع في حراك المذبوحين لا يحل الذبح، ومن قتله لا يكون قاتلاً، ولا عبرة بسيلان الدم وعدم سيلانه.
قال: وإن اشترك الأب والأجنبي في قتل الابن وجب القود على الأجنبي؛ لان فعل الأب عفو، وسقوط القود عن أحد الشريكين لمعنى لا بغير صفة فعله، لا يسقط القصاص عن الآخر، دليله ما لو عفي عن أحد الشيريكين [في القتل].
وفي معنى ما ذكرناه: إذا شارك حر عبداً في قتل عبد، أو مسلم ذميًّا في قتل ذميّ – فلا قصاص على المسلم والحر، ويجب على الذميّ والعبد، وهذا بخلاف ما لو جرح ذميٌّ ذميًّا، ثم أسلم المجروح، فجرحه مسلم، أو جرح عبدٌ عبداً، ثم عتق المجروح، فجرحه حر، ومات منهما – فإنه يجب القصاص على المسلم، والحر؛ لان القصاص يجب على كل منهما بتقدير الانفراد؛ فكذلك عند الاجتماع.
فرع: إذا قطع حر يد عبد، ثم عتق، فقطع آخر يده الأخرى، ثم مات – فلا قصاص على الأول، وعلى الثاني القصاص في الطرف؛ وكذا في النفس، على الصحيح.

قال أبو الطيب بن سلمة: لا يجب فيها [قصاص]؛ لأن الموت حصل من فعلين: أحدهما: في حال الرق، وذلك غير موجب [للقصاص، والآخر في حال الحرية، وهو موجب للقصاص، وإذا اجتمع ما يوجب] القصاص وما [يسقطه، غلب ما يسقطه]، كما في العامد والمخطئ، حكاه القاضي أبو الطيب والبندنيجي.
قال: وإن اشترك المخطئ والعامد في القتل، أو ضربه أحدهما بعصا خفيفة، وجرحه الآخر؛ فمات، أي: منهما – لم يجب القصاص على واحد منهما: أما الأول، فلأنه فعله في الأولى خطأ، وفي الثانية شبه عمد، وقد تقدم الدليل على انتفاء القصاص عنهما.
وأما الثاني، فلان الزهوق حصل بفعلين: أحدهما: يوجبه، والآخر ينفيه، [فانتفى]؛ كما لو جرحه [واحد] جرحين بهذه الصفة.
أو نقول: قد اجتمع ما يوجب القصاص وما يسقطه؛ فوجب أن يغلب حكم الإسقاط؛ كما إذا قتل من نصفه حر ونصفه رقيق رقيقاً.
وعن المزني: أنه يجب القصاص على شريك المخطئ، وشريك الجارح عمد خطأ، وقال الإمام: وددت أن يكون هذا قولاً معدوداً من مذهب الشافعي، وقد يوجه بأن العامد لو انفرد بقتله قتل، فإذا شارك غيره وجب أن يقتل؛ كالأجنبي إذا شارك الأب.
وقد حكى الروياني في "جمع الجوامع" أنه قد قيل: إنه قول للشافعي، ذكره المزني في العقارات.
فرع: شريك الصبي المميز والمجنون [الذي له تمييز]: هل يجب عليه القصاص؟ ينبني على الخلاف في أن [عمدهما عمد] أو خطأ؟ إن قلنا بالأول [وجب]، وإلا فلا.

أما من لا تمييز له [بحال] فعمده خطأ، وشريكه شريك خاطئ [لا محالة]؛ كذا قاله القفال، وعليه جرى في "التهذيب".
قال: وإن جرح نفسه وجرحه آخر، أو جرحه سبع وجرحه آخر؛ فمات أي: من الجرحين، وكانا مما يقتلان غالباً – ففيه قولان: أحدهما: يجب القود على الجارح؛ لأنه شريك عامد، وغنما سقط ضمانه؛ لمعنى [فيه، لا لمعنى] في فعله؛ فأشبه الأب، وهذا هو الأصح في الصورة الأولى؛ كما ذكره الروياني، وغيره، وأظهر في الصورة الثانية؛ كما قاله الماوردي.
والثاني: لا يجب؛ لأنه إذا لم يجب على شريك الخاطئ، مع أن جنايته مضمونة [عليه] بالدية، فلئلاَّ يجب وجنايته غير مضمونة كان أولى، وهذا ما صححه الماوردي في الصورة الأولى عند الكلام فيما إذا اجتمع على القتل عامد ومخطئ، وبه قطع بعضهم في الثانية؛ لأنه لا تكليف على السبع؛ فكان شريكه كشريك الخاطئ؛ لان فعل السبع لا يصدر [عن] فكر وروية، ولا يوصف بالعمدية، وهذا ما صححه الغزالي وإمامه، والقاضي الحسين، والنووي.
ثم ظاهر كلام الشيخ في مسالة السبع يقتضي انه لا فرق في جريان الخلاف فيها يبن أن يكون الجرح الصادر من السبع صدر عن قصد، أو لا عن قصد؛ كما إذا وقع عليه فجرحه، وهو ما صرح به في "التهذيب"، وفي كلام الإمام ما يقتضي أن محل الخلاف إذا قصد السبع الجرح، فأما إذا وقع عليه من غير قصد فليس هو موضع الخلاف.
تنبيه: من الصورة الأولى يظهر لك أن السيد لو جرح عبده، وجرحه آخر – يجري القولان فيه كما صرح به غيره؛ لاستواء السيد وجارح نفسه في عدم وجوب الضمان للآدمي، ووجوب الكفارة عليهما على الصحيح، وبه جزم العراقيون.
وعن بعضهم القطع بالوجوب إذا اوجبنا الكفارة، وهي جارية في صورة الكتاب أيضاً؛ كما حكاها الإمام؛ تفريعاً على إيجاب الكفارة.

ومن الصورة الثانية يظهر لك فيما لو جرح حربي مسلماًن وجرحه مسلم آخر، ومات منهما، أو قطعت يد إنسان في السرقة، أو قصاصاً، ثم جرحه آخر متعدياً، أو جرح مسلم مرتدًّا، فأسلم، فجرحه آخر، أو ذميّ حربيًّا، ثم عقدت الذمة للحربي، فجرحه ذميّ آخر، أو إنسان جرح الصائل عليه، ثم جرحه آخر – [جريان القولين]، كما صرح بهما غيره؛ لأن فعل السبع لا يوجب شيئاً؛ كما أن الشريك العامد في الصور التي ذكرناها لا يوجب فعله شيئاً.
وحكى الفوراني عن بعضهم – في مسألة قطع اليد في سرقة، أو قصاصاً – القطع بالوجوب؛ لأن فعلهما في مقابلة ما سبق من جناية المقطوع؛ فهو كالمضمون به.
قال: وإن جرحه واحد، وداوى هو جرحه بسم غير موحٍ، أي: غير قاتل في الحال، ولكنه يقتل غالباً أي: وعلم المجروح حاله، أو خاط الجرح في لحم حيّ؛ أي: قصداً، وذلك مما يقتل غالباً؛ فمات – فقد قيل: لا يجب القود على الجارح؛ لأن المجروح قصد المداواة، لا الجناية، وذلك عمد خطأن وشريك قاتل عمد الخطأ لا قود عليه.
وقيل: على قولين كالمسألة قبلها، وهذه الطريقة أظهر عند ابن الصباغ.
ثم حقيقة الخلاف يرجع إلى أن الذي صدر من المجروح عمد أو عمد خطأ؟ وقد حكى الأصحاب فيه – في الصورة الأولى – وجهين، وفي الصورة الثانية أنه عمد، وقال الماوردي: عندي أنه عمد خطأ، فمن جعله عمد خطأ أسقط القصاص جزماً، ومن جعله عمداً أجرى القولين.
أما إذا لم يعلم المجروح بأن السم يقتل غالباً –فقصده التداوي – فالمجزوم به الطريقة الأولى؛ كما لو كان السم لا يقتل غالباً بل نادراً [و] كما لو قصد الخياطة في لحم ميت فصادف لحماً حيًّا، أو في الجلد فصادف اللحم.
ولو كان السم [يقتل لا محالة في ثاني الحال، فالمجزوم به الطريقة الثانية؛ صرح بذلك

الماوردي، ولو كان السم] موحياً- وهو الذي يقتل في الحال – لم يجب على الجارح قصاص، ولا دية، سواء كان المجروح عالماً بحاله أو جاهلاً بها؛ لأنه قطع سراية جرحه بفعله؛ فأشبه ما لو جرحه، فذبح نفسه.
ولو خاط الجرح في لحم ميت وجب القود قولاً واحداً؛ لأن السراية لا تحصل بالخياطة في الميت، وسواء – فيما ذكرناه – شرب السم للتداوي، أو وضعه في الجرح للتداوي، كما صرح به المحاملي وغيره.
والحكم فيما لو داواه غيره بالسم المذكور بإذنه، أو [خاط له] الجرح في لحم حيّ بإذنه؛ كالحكم فيما إذا فعل ذلك بنفسه، ولا شيء على المأذون له.
تنبيه: ظاهر إطلاق الشيخ القول بأنه لا قود على الجارح يشمل النفس والجرح، وأنه لا فرق بين أن يكون الجرح مما لا يجري فيه القصاص، أو يجري فيه، وكلام الرافعي والمحاملي وغيرهما مصرح بأن الجرح إن كان مما يجري فيه القصاص وجب؛ غذ لا مشاركة فيه، وكلام الماوردي مصرح بما اقتضاه كلام الشيخ في بعض الصور على وجه لابن سريج، وفي بعض بلا خلاف؛ فإنه قال فيما إذا كان السم يقتل لا محالة في ثاني الحال، وقلنا: لا يجب القصاص في النفس: إنا ننظر في الجرح: فإن لم يكن فيه قصاص لم يمكن الولي منه، وإن كان مما يوجب القصاص إذا انفرد: كالموضحة، وقطع اليد والرجل – ففي وجوب القصاص فيه، مع سقوطه في النفس [وجهان: أحدهما وهو قول ابن سريج-: لا يجب، ويسقط بسقوطه في النفس]؛ لأنه إذا انفرد عنها روعي فيه الاندمال، ولم يندمل.
والثاني: يجب؛ لأنه قد انتهت غايته بالموت فصار كالمندمل، فعلى هذا إن كانت ديته مثل دية نصف النفس كأحد اليدين أو الرجلين، وفعله الولي – فقد استوفى جميع حقه، وإن كانت ديته أقل من نصف دية النفس كالإصبع، فإذا اقتص منه فقد استوفى [من] حقه بقدر ديته وهي العشر، وبقي له تمام

النصف، إن كانت ديته أكثر من نصف الدية فوجهان: [أحدهما]-: وهو قياس قول الإصطخري-: يقتص منه.
والوجه الثاني –وهو عندي أشبه-: أنه لا يجوز أن يقتص بنصف الدية من الأعضاء إلا ما قابلها؛ لأنها توجد بدلاً منها، فعلى هذا: إن أمكن تبعيضه استوفى [منه بقدره]، كاليدين إذا قطعهما؛ فله أن يقتص في إحدى اليدين والتعيين إليه، وإن لم يمكن تبعيضه: كجدع الأنف، وقطع الذكر – فيسقط القود فيه؛ لما تضمنه من الزيادة على قدر المستحق من الدية.
قلت: وعندي أن مادة الخلاف في الأصل أن قطع الطرف إذا صار قتلاً؛ فاستيفاؤه هل هو مقصود في نفسه، [أم هو طريق في استيفاء النفس؟ وفيه الخلاف السابق، فإن قلنا: هو مقصود في نفسه]، استوفى هاهنا، وإلا فلا؛ لأن النفس لا يجوز استيفاؤها في هذه الحالة، لكن قضية هذا أن يطرد فيما إذا كان السم مما يقتل غالباً.
وقد قال الماوردي: إنا إذا لم نوجب القصاص في النفس، وأراد الولي القصاص في الجرح – لم يكن له ذلك وجهاً واحداً؛ لأن شريك الخاطئ في الجرح كشريكه في النفس.
ثم قال فيما إذا كان السم لا يقتل غالباً: إنه لا قصاص على الجارح في النفس والجرح، والله أعلم.
قال: وإن خاط الجرح من له عليه ولاية، أي: غير الأب والجد، كالوصي والإمام ونائبه- ففيه قولان: أحدهما: يجب القود على الولي، فيجب على الجارح؛ لأن الولي فعل ما لا يحل له فعله عامداً؛ فكان كالأجنبي، وهذا ما صححه الجيلي.
والثاني: لا يجب على الولي؛ لأنه لم يقصد الجناية، بل قصد المداواة؛ فكان [شبه عمد] في إسقاط القصاص عنه.
قال: ولا على الجارح؛ لأنه شارك من فعله عمد خطأ، وهذا ما صححه

النووي، فعلى هذا: يجب على كل واحد منهما نصف الدية في ماله، وقيل: يجب النصف المختص بالإمام في بيت المال.
وفي "ابن يونس" أنه قيل: ما يتعلق بجناية الولي يجب؛ حيث تجب دية شبه العمد، وإنه لم يذكر في "الحاوي" غيره.
انتهى.
والذي رأيته في "الحاوي" حكاية القولين كما ذكرتهما في الإمام خاصة.
نعم الذي جزم به في الحاوي وجوب القود على الجارح؛ لأنه شارك في عمد مضمون، وحكاية القولين في وجوب القصاص على الولي، أما إذا كان الولي أباً أو جدًّا فلا قود عليه، وهل يضمن؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ تغليباً لحسن النظر، قال الماوردي: وعلى هذا في وجوب القود على الجارح قولان.
والثاني: نعم، فعلى هذا يجب على الجارح قولاً واحداً؛ لأنه شارك في عمد مضمون.
قال: ومن لا يجب عليه القصاص في النفس، أي: كالصبي والمعتوه، والمبرسم – لا يجب عليه [القصاص] في الطرف، ومن وجب عليه [القصاص] في النفس؛ أي: كالمكلف والملتزم للأحكام، إذا قتل مثله حرًّا كان، أو عبداً – وجب عليه القصاص في الطرف؛ أي: مع السلامة؛ لأن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى صونه بالقصاص؛ فكان كالنفس في وجوب القصاص وعدمه، واحترزنا بـ"الملتزم للأحكام" عن الحربي.
قال: ومن لا يقاد بغيره في النفس، [أي]: كالمسلم بقتل الكافر، [و] الحر بقتل العبد، والوالد بقتل الولد، وما في معناه – لا يقاد به في الطرف؛ لأن حرمة [النفس] آكد من حرمة الطرف؛ بدليل أن الأطراف بعض النفس، ومتى صارت الأطراف نفساً دخل بدلها في دية النفس، ولا تجب بإتلافها الكفارة،

ولا تدخلها القسامة، وإذا لم يجب القود في الشريف ففيما دونه أولى.
قال: ومن أقيد بغيره في النفس، [أي]: كالكفر بالمسلم، والعبد بالحر – أقيد به في الطرف؛ لقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: 45]، ولأن حرمة النفس أولى من حرمة الطرف، وقد جرى القصاص بينهما فيها؛ فبأن [يجري] في الطرف من طريق الأولى؛ ولأن الخصم – وهو أبو حنيفة – قد وافقنا على قتل العبد بالعبد وبالحر، والرجل بالمرأة، والكافر بالمسلم، وخالفنا في [قطع] طرف العبد بالحر وبالعبد، والكافر بالمسلم؛ كما حكاه عنه المحاملي، والمرأة بالرجل، نظراً إلى أن الأطراف يعتبر فيها التساوي [بالسلامة وغيرها، فاعتبر التساوي] في ديتها، فنقول له: كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس وجب أن يجري بينهما في الأطراف السليمة؛ كالحرين والحرتين.
قال: وما لا يجب القصاص فيه في النفس من الخطأ وعمد الخطأ، لا يجب القصاص فيه في الطرف؛ لما بيناه، فكلام الشيخ الأول تعرض به لبيان الأهلية، والثاني تعرض به لبيان المانع، والثالث تعرض به لطرق التفويت.
قال: وإن اشترك جماعة في [قطع طرف] طفعة واحدة، أي: مثل أن وضعوا على يده حديدة، وتحاملوا عليها، أو أخذوا خشبة، أو حجراً كبيراً – كما ذكر القاضي الحسين – ووضعوها على يده، وحملوا عليها إلى أن حصلت الإبانة، أو جروا المنشار في ذهابه ورجوعه.
قال: قطعوا [به]؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] وقوله صلى الله عليه وسلم:"الْعَمْدُ قَوَدٌ" ولم يفصلا، وما روي: "أَنَّ رَجُلَينِ شَهِدَا عِنْدَ

عَلِيٍّ – كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ- عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ، فَقَطَعَهُ ثُمَّ إِنَّهُمَا رَجعَا، وَجَاءَا بِآخَرَ، وَقَالا: يَا أَمِيرَ المؤمِنينَ، هَذَا هُوَ السَّارِقُ، وَإِنَّمَا أَخْطَانَا، فَقَالَ عَلِي – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا" وهذا يدل على أن الاثنين يقطعان بالواحد.
ولأنهم اشتركوا في تفويت محل معصوم بالقصاص في حق المنفرد عمداً؛ فلزم كلاًّ منهم القصاص؛ كما لو اشتركوا في قتل النفس، ويخالف هذا ما لو سرق رجلان فصاعداً نصاباً واحداً لا يقطع واحد منهم؛ لأن القطع في السرقة حد لله – تعالى – [والحدود] تحال على الشبهات؛ بخلاف القصاص، الذي هو حق آدمي؛ ولذلك لو سرق نصف نصاب، ثم عاد، وكمل – لا يقطع، وهنا لو أبان العضو بقطعين فأكثر قطع.
قال: وإن تفرقت جناياتهم، أي: مثل: أن أبان كل منهم بعض الطرف، أو أبان واحد منهم بعضه، واشترك الباقون في إبانة باقيه، أو تعاونوا [على قطعه] بمنشار، وجره بعضهم [في الذهاب]، وآخرون في العود.
[قال]: لم يجب على واحد منهم القود، أي: في جملة العضو، [ولا في] بعضه.
أما الأول؛ فلان جناية كل منهم في بعض العضو؛ فلا يقتص منه في جميعه، وليس كما إذا جرحه بعضهم جراحة، ثم جرحه آخر، فإن زهوق الروح يحصل بالسرايات؛ وهي مختلطة بالقطع، [و] لا تمييز فيها، وإبانة اليد تحصل بالقطع المحسوس، والقطع يتميز عن القطع.
وأما الثاني – فلتقاوت الأعصاب في المحل والعروق، وعدم انتهائه إلى عظم.

وحكى القاضي الحسين والفوراني عن صاحب التقريب أنه إن أمكن أن يستوفي من يد كل منهم بقدر ما قطع يستوفي، والرافعي قال: إنه حكى ذلك قولاً.
وقال الإمام: إنه أخذه من قول الشافعي في أن القصاص هل يجري في المتلاحمة، ووجه الشبه: أن الموضحة يجري القصاص فيها كالإبانة، وقطع [بعض] اليد بعض الإبانة؛ كما أن المتلاحمة بعض الموضحة.
ووجه الفرق: أن جلدة الرأس وما عليها من لحم أجزاؤها متساوية؛ فإنها جلد ولحم، وليس فيها أعصاب، وعروقها جداول الدم، والعروق الرقاق لا يعتبر بها أصلاً، ومعظم اليد يشتمل على أعصاب ملتفة وعروق ساكنة وضارية، ويختلف وصفها في الأيدي؛ فلا يتأتى إجراء التماثل فيها.
وعلى الصحيح: يجب على كل منهم حكومة على قدر جنايته؛ بحيث يكون مجموعها بقدر دية اليد.
تنبيه: قول الشيخ:"في قطع طرف" يظهر أن يكون احترز به عما إذا اشتركوا في موضحة؛ بأن تحاملوا على آلة وجروها معاً، فإن في ذلك احتمالين للإمام: أحدهما: أنه يوزع عليهم، ويوضح من كل منهم قدر حصته؛ لأن الموضحة قابلة للتجزئة، والقصاص جار في أجزائها؛ فصار كما لو أتلفوا مالاً يوزع عليهم الغرم، وعلى هذا فتعيين الموضع إلى اختيار المقتص منه، وهذا ما أجاب به [في] الوجيز.
والثاني: أنه يوضح من كل منهم مثل تلك الموضحة؛ لأنه لا [جزء] إلا وكل واحد منهم جان فيه؛ فأشبه ما إذا اشتركوا في قطع يد، وبهذا أجاب في التهذيب، وقال الإمام: إنه أقرب.
قال: ويجب القصاص في الجروح والأعضاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:126]، وقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ

النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]، وقد تقدم في أول الكتاب وجه التمسك بها؛ ولأن الحاجة كما دعت إلى صيانة النفوس بالقصاص دعت إلى [صيانة] ما ذكرناه به.
قال: فأما الجروح، أي: وهي التي تشق ولا تبين – فيجب في كل ما ينتهي إلى عظم؛ كالموضحة، وجرح العضد والساق والفخذ، أما في الموضحة؛ فللإجماع، حكاه المتولي، وأما فيما عداها فللآية، ولأنه يمكن اعتبار المماثلة فيها؛ لكون نهايتها معلومة؛ فجرى القصاص فيها كالموضحة.
قال: [وقيل]: لا يجب فيما عدا الموضحة؛ لأنه لما خالفها في تقدر الأرش خالفها في غيره، فهذا ما صار إليه كثير من أصحابنا؛ كما قال الماوردي، وذكر هو والقاضي أبو الطيب أنه فاسد مذهباً وحجاجاً: أما المذهب؛ فلأنه خلاف نص الشافعي؛ فإنه قال في كتاب "الأم": إن الموضحة إذا كانت على الساق لم تصعد إلى الفخذ، ولم تنزل إلى القدم، وإن كانت على الذراع لم تصعد إلى العضد، ولم تنزل إلى الكف.
وأما الحجاج؛ قال الماوردي: فهو أنه لما كان في البدن جرح مقدر، وهو الجائفة – وجب أن يكون فيه ما يوجب القصاص وهو الموضحة [كالرأس.
وقال أبو الطيب: ولأن القصاص إنما وجب في الموضحة]؛ لأن الجناية وصلت إلى عظم يمنع السكين، وهذا المعنى موجود، وإنما وجب الأرش المقدر في الموضحة، ولم يوجد فيما نحن فيه؛ لأن الشين في الوجه والرأس أعظم منه في البدن؛ فإن تيك لا تغطيها الثياب، وهذه تغطيها الثياب.
وحكم جرح الصدر أو العين أو الأصابع، إذا انتهى إلى عظم – حكم [جرح] العضد.
تنبيهان: أحدهما: العضد مؤنثة، وتذكر.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل