كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 13-52
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنايات

صفحات 13-52
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

والماوردي أبو الطيب حكيا الوجهين في حالة التحقيق، ونسبا الإباحة إلى قول أبي إسحاق كما حكيناه عنه، وقال الماوردي: إنه ظاهر المذهب، [وحكى في موضع آخر بعده أن من] ادعى أن له كتابا غير التوراة والإنجيل فله ثلاثة أحوال: أحدها: [أن يتحقق دينهم ويعلم كتابهم؛ فهم كاليهود والنصارى في كل شيء].
والثاني: أن يتحقق كذب قولهم، وأنه لا كتاب لهم؛ فيكونون كعبدة الأوثان.
والثالث: أن يحتمل ما قالوه الصدق والكذب؛ فلا يقبل قول كفارهم، فإن أسلم منهم عدد يكون خبرهم مستفيضا حكم بقولهم في ثبوت كتابهم، وإقرارهم بالجزية، واستباحة مناكحتهم، وحل ذبائحهم.
وإن لم يسلم منهم من يكون خبرهم مستفيضا متواترا فهؤلاء لا يعلم خبرهم [إلا] منهم في حال كفرهم، فيقرون بالجزية؛ لأن ما يبذلونه لا يحرم علينا أخذه، وأصل دمائهم محظور؛ فلا يحل لنا قتلهم بالشك، ولا تحل مناكحتهم وذبائحهم.
قال: ولا يعقد لمن ولد بين وثني وكتابية؛ لأن الولد من قبل الأب؛ ولهذا يشرف بشرفه، والأب ممن لا يعقد له الجزية؛ فكذلك الولد.
[وهذا إذا لم يدن بعد بلوغه بدين أهل الكتاب، فلو كان يدين به فهل يكون حكمه حكم أمه، فيه وجهان في "النهاية" في باب الصيد والذبائح، والأصح: لا].
قال: وفيمن ولد بين كتابي ووثنية قولان: أصحهما: أنه يعقد له؛ تغليبا لجانب الأب.
ووجه مقابله: أنه لم يتمحض كتابيا؛ فأشبه المتولد بين الوثني والكتابية، وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي وصاحب "التقريب" في الصورتين؛ إلحاقا لعقد الذمة بحل المناكحة وحل الذبيحة.
وحكى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي في الصورة الثانية طريقة

قاطعة بالقول [الأول؛ لأنا في الذبيحة والمناكحة غلبنا حكم التحريم، عملا بالأصل] فيهما؛ فكذلك ها هنا يجب أن يغلب حكم التحريم في حقن الدم؛ لأنه الأصل.
وقضية هذا [التعليل]: أن تطرد هذه الطريقة في الصورة الأولى، وقد حكى ذلك الرافعي عن رواية الشيخ أبي حامد، [وهي المذكورة] في "التهذيب"، و"تعليق" القاضي الحسين و"الإبانة" في الصورتين، وصححها الإمام وقال: الوجه القطع بها.
بعد أن حكى طريقة أبي إسحاق.
وجمع في "الحاوي" بين الصورتين، وحكى فيهما أربعة أوجه: أحدها: أنه ملحق بأبيه [كيفما كان دون أمه].
والثاني: أنه ملحق بأنه كيفما كانت.
والثالث: أنه ملحق بأتمهما دينا؛ كما يلحق به في قدر الدية، ويلحق بالمسلم منهما؛ فعلى هذا: إن كان أبوه وثنيا وأمه كتابية ألحق بها، وإن كان أبوه كتابيا وأمه وثنية ألحق به.
والرابع: أنه يلحق بأغلظهما كفرا؛ لأن التخفيف رخصة مستثناة، فعلى هذا: أيهما كان وثنيا ألحق به، ولا يقر بالجزية.
ولا يجري هذا الخلاف فيما إذا كان أحدهما مجوسيا والآخر كتابيا لأن الفريقين من أهل عقد الذمة.
فرع: إذا حاصرنا قلعة، فبذل أهلها الجزية، وزعموا أنهم أهل كتاب – وجبت إجابتهم على الشرط [الذي ذكرناه] في باب قتال المشركين، ولا نطالبهم بإقامة بينة على دينهم؛ لعدم إمكان ذلك.
قال ابن الصباغ: لكن يشترط عليهم أنه متى بان أنهم عبدة أوثان، أو دخل آباؤهم في الدين الذي ادعوه بعد نزول القرآن –نبذ إليهم عهدهم وقاتلهم.
وإذا عقد لهم ثم أسلم منهم اثنان، وظهرت عدالتهما، وشهدا بأنهم ليسوا كما زعموا،

وأنما هم عبدة أوثان – نبذ إليهم عهدهم، قال البندنيجي والمصنف وغيرهما، وقال الإمام إنا نتبين أن الذمة غير منعقدة، ونعاملهم معاملة عبدة الأوثان، لكن هل نغتالهم أو نلحقهم بدار الحرب؟ فيه تردد، والظاهر: الأول، وبه جزم القاضي الحسين في "تعليقه"؛ لأنهم دخلوا على بصيرة بفساد الأمان فلا يعذروا.
وهكذا الحكم فيما إذا اعترفوا كلهم بأنهم أهل وثن، ولو اعترفوا بعضهم دون بعض عومل كل منهم بمقتضى قوله.
قال: ولا يصح عقد الذمة إلا بشرطين: التزام أحكام الملة، أي: يلزموا أن تجري أحكام ملة الإسلام عليهم من غير تصريح بحكم حكم منها، كما صرح به البندنيجي.
قال: [وبذل الجزية]، أي: التزام بذل الجزية في كل سنة.
وذلك بأن يقول الإمام أو نائبه.
أقررتكم، أو: أذنت لكم في الإقامة في دار الإسلام، على أن تنقادوا لأحكام الإسلام، وتبذلوا في كل سنة كذا وكذا، ويقول الذمي: قبلت، أو: رضيت [بذلك]، أو يبتدئ الكافر فيقول: أقررني بكذا على شرط كذا، فيقول له الإمام أو نائبه: أقررتك.
ووجه اعتبار الشرطين قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: 29] أي: يلتزموها كما تقدم بيانه، ﴿عن يد﴾ أي: عن قوة وبطش، أو: عن منة لكم عليهم بإبقائهم وحقن دمائهم؛ لأن "اليد" يعبر بها عن القدرة والمنة جميعاً، ﴿وهم صاغرون﴾ أي: بالتزام أحكام الإسلام، كما فسره الشافعي – رضي الله عنه – في "الأم" وغيرها، وقال الأصحاب: أنه أصح الأقوال في التفسير؛ لأن الحكم على الشخص بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله أشد صغارا، وهذا كما يقال: آخذ حقي منك وأنت صاغر.
ومن جهة المعنى: أن الجزية مع الانقياد والاستسلام كالعوض عن التقرير، فيجب التعرض له كالثمن في البيع، والأجرة في الإجارة، وهذا هو الصحيح، وقال القاضي الحسين بعد حكاية أنه لا بد من [ذكر] الشرطين كما ذكره

الشيخ – رحمه الله -: إن فيه إشكالا؛ لأن جريان أحكام الإسلام عليهم من مقتضيات العقد، والتصريح بمقتضى العقد لا يشترط في صحة العقد؛ كما لا يشترك في صحته ألا ينتصب للقتال مع المسلمين وإن كان من جملة الشرائط، فلو قيل: يكتفي بمطلق العقد، لم يبعد؟ وقد أقام بعضهم هذا جها، ووراءه وجوه [أخر]: أحدها: أنه لا يشترط تعيين مقدار الجزية، بل ينزل المطلق من العقد على الأقل، قال الإمام: وهذا غير سديد.
الثاني - حكاه الرافعي وغيره عن أبي إسحاق -: أنه يشترط التصريح في العقد بكف اللسان عن الله تعالى وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم ودينه؛ إذ به تحصل المسالمة وترك التعرض من الجانبين.
وفي "الإشراف": أن أبا إسحاق طرد مذهبه في اشتراط عدم الزنى بمسلمة وإصابتهم باسم نكاح، وافتتان المسلمين عن دينهم، وقطع الطريق عليهم، والدلالة على عورات المسلمين.
والفرق بين هذا وبين الشرط الأول من وجهين: أحدهما: أنا على الأول لا نشترط التصريح، وعلى هذا نشترطه.
والثاني: أنه ثم التزم أنا نجري عليه أحكامنا، فالملتزم فعلنا، وهذا من فعله، كذا أشار إليه البندنيجي.
واستغنى المراوزة باشتراطهم في العقد الانقياد والاستسلام عن اشتراط [الانكفاف عن هذه الأشياء]، فقالوا: الأصح: أنه لا يشترط؛ لأن في شرط الانقياد والاستسلام غنية عنه.
الثالث: حكى الماوردي أن للشافعي – رضي الله عنه – في المراد بالأحكام التي فسر [بها الصغار] قولين:

أحدهما: التحكم بالقوة والاستطالة.
والثاني: [التحكم] بالأحكام الشرعية.
فعلى الأول: لا تلزمهم أحكامنا، وعلى الثاني: تلزمهم أحكامنا.
فرع: هل يجوز عقد الذمة مؤقتا؟ فيه طريقان: أحداهما: أن فيه قولين، ومنهم من أوردهما وجهين: أصحهما في "تعليق" القاضي الحسين: الجواز، وفي "الرافعي": المنع؛ لأنه [بدل عن] الإسلام، والإسلام لا يصح مؤقتا؛ فكذلك عقد الذمة.
والثاني: القطع به.
وهذا في التأقيت بوقت معلوم، أما لو قال الإمام أو نائبه: أقركم ما شئت، قال الإمام: فمن لم يمنع التأقيت بالوقت المعلوم لم يمنع هذا، ومن منع ذلك، اختلفوا في هذا، وسبب الاختلاف ما روي أنه – عليه السلام – قال لأهل الكتاب في جزيرة العرب: "أقركم ما أقركم الله تعالى"، والوجه: منع هذا منا، وحمل قوله صلى الله عليه وسلم على توقع النسخ وانتظار الوحي.
وأجاب آخرون عن الخبر بأنه جرى في المهادنة حين وادع يهود خيبر، لا في عقد الذمة، وجزموا بمنع ذلك من غيره صلى الله عليه وسلم.
ولو قال: أقركم ما شئتم، جاز اتفاقا؛ لأن لهم أن ينبذوا العهد متى شاءوا، فليس فيه إلا التصريح بمقتضى العقد.
قال: والأولى أن يقسم الجزية على الطبقات، أي: على القوم المتباينين.
و"الطبقات" جمع: طبقة.
قال: فيجعل على الفقير المعتمل، أي الكسوب، دينار، وعلى المتوسط ديناران، وعلى الغني أربعة دنانير؛ اقتداء بعمر، رضي الله عنه.
أشار الشيخ بذلك إلى فعل عمر – رضي الله عنه – بأهل الكوفة لما بعث إليهم عثمان بن حنيف؛ فإنه جعل على الغني ثمانية وأربعين [درهما]، وعلى

المتوسط أربعة وعشرين [درهما]، وعلى الفقير اثني عشر درهما، والاثنا عشر هي قيمة الدينار كما تقدم في باب الديات.
ولأن في ذلك الخروج من الخلاف؛ فإن أبا حنيفة – رحمه الله – يرى أن القسمة على هذا النحو واجبة كما حكاه الإمام، وكذا القاضي الحسين عنه، وأنه مخير بين [أن يدفع] الذهب أو الدراهم كما نص عليهما عمر – رضي الله عنه – وإن كان من أصله: أن يقابل الدينار بعشرة دراهم، ودليلنا عليه: ما سنذكره.
والاعتبار في [الغني والفقر والتوسط] بوقت الأخذ، لا بوقت العقد.
ولو ادعى أحدهم بعد الضرب [عليهم] كما ذكرنا: أنه فقير أو متوسط، قبل قوله، إلا أن تقوم بينة على خلافه.
قال: وأقل ما يؤخذ دينار؛ لما روى [أبو داود] عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم يعني: محتلما – دينارا أو عدله من المعافر – وهي ثياب تكون باليمن -. وأخرجه

الترمذي وقال: إنه حسن.
وعن بعضهم: أنه روي مرسلا، وأنه أصح.
ومعنى "عدله": أي بدله؛ كما في قوله تعالى: ﴿أو عدل ذلك صياما﴾ [المائدة: 95]، وقيل: إن "العدل" و"العدل" لغتان، وهما المثل.
والثياب منسوبة إلى قبيلة من اليمن، وقيل: إلى موضع باليمن يقال له: معافر.
وروي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه صلى الله عليه وسلم [كتب إلى أهل اليمن: "أن يأخذ من أهل الكتاب من كل محتلم دينارا"، ولم يفرق بين الغني والمتوسط، مع العلم بأن أحوالهم مختلفة في ذلك، وكذا روي أنه صلى الله عليه وسلم:] ضرب على أيلة ثلاثمائة [دينار، وكانوا ثلاثمائة] نفر، وهم متفاوتون في اليسار والإعسار لا محالة.
ومن جهة المعنى: أن الجزية تؤخذ لحقن الدم وسكنى الدار، وذلك يستوي فيه المكثر والمقل.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ – رحمه الله – وغيره [يقتضي] أن الواجب هو الذهب، حتى لو أراد أن يأخذ عنه دراهم كان الواجب قدر قيمته كما دل عليه ظاهر الخبر، وهذا ما قال الإمام: إنه رأى في كلام الأصحاب ما يدل عليه، لكنه ذكر ذلك بعد أن جزم بأن الأقل الدينار أو الاثنا عشر درهما مسكوكة من

النقرة الخالصة، وأن للإمام الخيار في أخذ أيهما شاء.
قال: وأكثره ما يقع التراضي عليه؛ لأنه عقد يعتبر فيه التراضي فجاز بما وقع الاتفاق عليه مما لم يرد الشرع بخلافه؛ كالبيع والإجارة.
قال الأصحاب: ولا يجوز للعاقد إذا قدر على العقد بمائة دينار أن ينقص منها دانقا، لكنه لا يجبر الكافر على الزيادة عن الدينار، فمتى طلب زائدا عليه، وامتنع الكافر من بذل الزائد – وجب قبول الدينار منه.
فرع: إذا بذل الكافر أكثر من دينار وهو جاهل بأن أقل الواجب دينار، لا يجوز للإمام أن يعرفه: إن [أقل] الواجب عليك دينار، وإنك لو امتنعت من بذل الزائد عليه، لم ألزمك سواه.
بخلاف ما إذا بذل واحد من المسلمين زائدا عما وجب عليه من الزكاة؛ فإن الإمام يعرفه: إن الواجب عليك كذا، قال القاضي الحسين وغيره: والفرق: أن الزكاة وجبت بالشرع؛ [فروعي فيها إيجاب الشرع]، وأما الجزية فتجب بالمعاقدة والتراضي؛ فروعي فيها ما يقع به التراضي.
قال: ويجوز أن يضرب الجزية على الرقاب، أي: بأن يجعل على كل رقبة شيئا معلوما، للخبر المتقدم.
قال: ويجوز أن يضرب على الأراضي، أي: على ما يخرج من الأراضي مما تجب فيه الزكاة من [تمر] وزرع، ويجوز أن يضرب على مواشيهم كما فعل عمر – رضي الله عنه – في نصارى العرب.
أشار الشيخ بما ذكره إلى أن للإمام أن يضرب [الجزية] على من يعقدها معهم، على ما تجب في جنسه الزكاة من أموال الكفار كالثمار والزروع والمواشي باسم الصدقة، عربا كانوا أو غير عرب؛ اقتداء بعمر – رضي الله عنه –

فإن من تنصر من الأعراب قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهم بهراء وتنوخ وبنو تغلب، لما طلب عمر منهم الجزية أبوا من دفعها؛ أنفة من ذل الجزية، وقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما تؤدي العجم! خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض.
وعنوا به الصدقة، فقال عمر – رضي الله عنه – لا آخذ من مشرك صدقة فرضها الله – تعالى – على المسلمين طهرة، فقالوا: [خذ] منا ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية، فأبى؛ فارتحلوا، وأرادوا أن يلتحقوا بالروم؛ فصالحهم عمر – رضي الله عنه – على أن يضعف عليهم الصدقة ويأخذها جزية باسم الصدقة، وكان بمحضر من الصحابة – رضي الله عنهم – فلم ينكره منكر.
وحكى الإمام والرافعي وجها: أن هذا العقد يختص بالعرب؛ اقتصارا على ما نقل عن عمر – رضي الله عنه – ولا يبعد تخصيص العرب بمزية، وهذا كما أن الرق يجري على العجم بلا خلاف، وفي جريانه على العرب الخلاف السابق.
ثم إذا فعل الإمام أو نائبه ذلك لمصلحة اقتضاها رأيه، فقال: ضعفت عليكم الصدقة، أخذ من الداخلين في العقد الملتزمين الجزية من [كل من] ملك خمسا من الإبل شاتين، ومن [كل من] ملك أربعين من الغنم شاتين، ومن كل من ملك من البقر ثلاثين تبيعين، ومن كل من ملك عشرين مثقالا من الذهب دينارا، ومن [كل من] ملك مائتي درهم عشرة دراهم، ومن كل من ملك وسقا من الحبوب أو الثمار الخمس إن كان قد سقاه بماء السماء، والعشر إن كان قد سقاه بنضح أو دالية، ومن كل من ملك ركازا أو استخرج من معدن شيئا الخمس على الشرط المعتبر [فيه]، وهذا مما [لم] يختلف فيه الأصحاب، واقتدوا فيه بفعل عمر – رضي الله عنه – نعم، اختلفوا في أمور: منها: [أنا هل] ننصف النصاب كما ضعفنا المأخوذ؟ فيه قولان في "تعليق" القاضي الحسين وغيره: أحدهما - رواه الربيع -: أن ما كان عفوا في المسلمين من وقص أو دون

النصاب فهو عفو منهم، [وهذا] أصح في "النهاية" و"الرافعي"، وبه جزم الماوردي.
والثاني - رواه البويطي -: أنه يجعل كالنصاب على النصف؛ فيكون في عشرين شاه [شاة]، وفي مائة درهم خمسة دراهم، وكذلك ينصف الوقص، فمتى بلغت مائة شاة ونصف شاة فقد زاد نصف الوقص؛ فتجب ثلاث شياة، وتجب في البعيرين نصف شاة، وفي سبعة أبعرة ونصف ثلاث شياة، وفي الزرع إذا بلغ وسقين ونصفاً العشر أو نصفه.
قال الإمام: والقائل بهذا يوجب فيما زاد على النصاب من الوقص ولم يبلغ نصابا بحساب التضعيف.
وحكى الإمام في الوقص وجها ثالثا نسبة إلى القفال: أن كل ما يؤدي إلى [التشقيص مع] التضعيف فلا يؤخذ، وإن كان لا يؤدي إليه أخذ من الوقص.
فعلى هذا: إذا ملك سبعا ونصفا من الإبل فعليه ثلاث شياة؛ إذ لا تشقيص على حساب التضعيف، ولو ملك من الإبل ثلاثين ونصفا فعليه بنت مخاض وبنت لبون، وفي خمس وثلاثين [من البقر] تبيع ومسنة، وقال: هذا ما يقتضيه حساب التضعيف، مع الأخذ من الوقص واجتناب التشقيص، وبيان ذلك: أنه إذا ملك ثلاثين [ونصفا فيقدر تضعيف ما يزيد على الخمس والعشرين وهو خمس ونصف]، فإذا ضعف الزائد بلغ أحد عشر، وبه يبلغ المال ستا وثلاثين، وواجبها بنت لبون؛ فتؤخذ بنت مخاض في خمس وعشرين، وتؤخذ بنت لبون بتقدير بلوغ المال ستا وثلاثين بتضعيفه.
ومن لم يبال بالتشقيص يقول: من ملك ثلاثين ونصفا من الإبل فيجب في الخمس والعشرين بنتا مخاض، ويجب في الخمس والنصف ما يجب في الأحد عشر من أجزاء بنت لبون إذا أضيف إلى ست وثلاثين.

ومنها: الجبران هل يضاعف؟ فيه وجهان، والصحيح – كما قال الإمام والقاضي الحسين وغيرهما-: لا؛ فلا يجب إلا شاتان وعشرون درهما إذا وجب عليه سن ولم يكن عنده إلا دونه؛ لأنا لو ضعفنا [الجبران لكان ضعف المضعف، والزيادة على المضعف لا وجه بها، مع أنه لا خلاف في أنا لو دفعنا جبرانا] لم ندفع إلا جبرانا واحدا.
ومنها: النصاب المعتبر في حقهم هل يشترط وجوده من أول الحول [إلى آخره؛ كالزكاة، أو لا يعتبر وجوده إلا في رأس الحول] [عند الوجوب؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وتظهر فائدتهما فيما لو كان موجودا في آخر الحول] دون أوله، فعلى الأول: لا شيء فيها، وعلى الثاني يؤخذ الضعف، ولو كان موجودا في أول الحول دون آخره، قال: ينظر: فإن كان عدمه بالتلف فلا شيء فيه، وإن عدم بنقله إلى مال غير زكائي أخذ منهم؛ لأنهم مهتمون ولا يتدينون بأدائها فأخذت منهم، والمسلمون لا يتهمون؛ لأنهم يتدينون بأدائها.
قال: ولا يجوز أن ينقص ما يأخذ من أراضيهم ومواشيهم عن دينار.
أراد الشيخ بهذا الكلام بيان أن محل جواز الضرب على الأراضي والمواشي إذا لم ينقص ما يؤخذ من كل [واحد] عن دينار؛ لأن المأخوذ جزية كما ذكرنا، لكن باسم الصدقة؛ لرعونة المأخوذ منه، روي عن عمر – رضي الله عنه – أنه قال: "هؤلاء – يعني: نصارى العرب – قوم حمقى، أبوا الاسم ورضوا بالمعنى"؛ ولهذا يصرف مصارف الجزية، وإذا كان جزية لم يجز أن ينقص عن دينار؛ لما ذكرناه.
ثم حالة عدم النقص تتحقق بأن يشترط عليهم أن ما ينقص من المأخوذ من

كل [واحد] منهم عن الدينار يكمله، وأن من لا مال له مما يجب فيه الزكاة [يعطي الدينار] كما أشار إليه الشافعي – رحمه الله -[في] كتاب الجزية من "الأم" حيث قال: إنما يجوز أن يصالحوا على ذلك بأن يقال [لهم]: من كان منكم له مال [أخذ منه ما شرط على نفسه إذا كانت قيمته ديناراً فأكثر؛ [فأما إذا] لم يكن له مال] يجب فيه ما شرط، [أو كان له مال] يجب فيه إلا أنه [أقل] من قيمة دينار، فعليه تمام دينار.
قال [الشافعي – رضي الله عنه]، كما حكاه القاضي أبو الطيب -: وعلى هذا يحمل فعل عمر – رضي الله عنه – وإن لم يحك عنه.
وقال أبو إسحاق المروزي [في "الشرح"]: الأشبه بفعل عمر – رضي الله عنه – أنه [لم] يشترط ذلك عليهم، وإنما كان كذلك؛ لأن أموالهم كانت الحرث والماشية، وعلم أنها تفي بالجزية أو تزيد عليها؛ فحمل الأمر على الغالب؛ ولأجل ذلك قال أبو إسحاق: إذا كان الغالب يوفيه ما لهم بالدينار جاز العقد من غير شرط، فإن عرض في أموالهم عارض، فنقص ما يؤخذ منها على الدينار من كل شخص – طولبوا [بتكميله، وهذا] ما اختاره [في "المرشد"]، وظاهر النص كما [قال] البندنيجي: الأول.
ثم قال: ولو لم يغلب على الظن أن ما لهم من أموال الزكاة لا يفي المأخوذ منه بالدينار، فلا يجوز هذا العقد، ولا يجري الوجهان.
وهذا هو الصحيح في "تعليق" القاضي [الحسين]، وظاهر المذهب في "الحاوي"، ووراءه وجوه: أحدها: حكى القاضي الحسين فيما إذا عقد الصلح، ولم يكن يبلغ

المأخوذ منهم قدر الدينار – أنه يطالبهم بالزيادة؛ حتى يتم ما يكون قدر دينار.
والثاني والثالث – حكاهما الماوردي –: أحدهما: أن جواز ذلك لا يتقيد بحالة حصول الدينار من كل واحد؛ بل يجوز وإن نقص عن الدينار، [بل] وإن عدم أخذ شيء من بعضهم كما إذا كان فيهم من لم يبلغ [ماله] نصابا، ومن لم [يملك مالا] يزكى.
قال: وهو الظاهر من فعل عمر – رضي الله عنه – ووجهه: أنه يجوز أن يزيد المال في وقت آخر، أو يتجدد فيحصل جبر الفائت بما أخذ منه.
والثاني: أن ذلك يجوز إذا علم أن المأخوذ من أرباب الأموال لو وزع على الجميع أن تنقص حصة كل واحد [منهم] عن دينار، ولا يضر كون المأخوذ من بعضهم لا يفي بالدينار، ولا عدم الأخذ من آخر؛ لعدم مال زكائي له.
وقال: إن فعل عمر – رضي الله عنه – محمول على ذلك، وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الشافعي – رضي الله عنه – نص على عدم جواز هذا العقد في هذه الحالة، إلا أن يقول في الصلح: إن الأغنياء منهم يؤدون عن الفقراء، أو عن نفر من عشيرته، فأما إذا قال: أنا أعطي كذا على ألا يجب على الفقير منا شيء، [فلا يجوز؛ لأنه] لا يقر أحدا في ديارنا [من غير] جزية، [و] هذا قد قاله البندنيجي أيضا.
قال القاضي [الحسين]: وعلى هذا: لو أن حصنا أو بلدة مشتملة على مائة نفر، فقال شخص: أنا أعطي مائة دينار عني وعن أهل البلد – جاز.
ولو قال: أنا أؤدي المائة على أن لا جزية عليهم، لم يجز.

وحكى الماوردي وجها آخر: أنه يجوز؛ بناء على جوازه في المسألة السالفة.
واعلم أن ما ذكرناه [من] تضعيف الصدقة ليس بمتعين حتى ولا يجوز غيره، بل قال الأصحاب: إذا رأى الإمام أن يربع ويخمس على وجه المصلحة [فعل]، صرح به القاضي الحسين وغيره، إذا كان المأخوذ من كل [واحد] منهم قدر الدينار، وأوجب الشيخ أبو حامد عقد الذمة [لهم] بهذا الاسم إذا طلبوا في هذه الحالة، ورأى الإمام المنع منه]؛ لما فيه من تشبيههم بالمسلمين في المأخوذ منهم، وحط الصغار من غير عوض [مالي].
ولو نقص المأخوذ من كل منهم عن دينار، لم يجز العقد؛ كما تقدم.
نعم، لو كان المأخوذ من بعضهم يوفي بالدينار عن كل واحد منهم مع ما يأخذ منهم، ففيه وجهان في "الحاوي".
[فرعان: إذا قال] من بدل اسم الصدقة؛ أنفة من اسم الجزية: قد أسقطت اسم الصدقة عني ورضيت باسم الجزية؛ ففيه وجهان: أحدهما – وهو المشهور، وبه جزم المصنف، وابن الصباغ -: [أنه يسقط] مضاعفة الصدقة عنه؛ لأنها في مقابلة ما أسقطه.
والثاني – وهو الأصح في "الحاوي" -: أنها لا تسقط؛ لأن حكم الجزية موجود في الحالين؛ فلم يكن لاختلاف الاسم تأثير، [وهذا يوافق ما] ذهب إليه الشيخ أبو حامد من وجوب العقد بهذا الاسم عند بذل الدينار.
[الثاني]: إذا باع صاحب الأرض [الأرض] التي ضربت الجزية عليها

صح البيع، وتحول المضروب عليها إلى رقبته، قاله في "المهذب" و"المرشد".
[وفي "الرافعي"]: أنه إن بقي مع البائع ما يفي الحاصل منه بالمشروط عليه فذاك، وإلا انقلبت الجزية إلى رقبته، ولو أسلم سقط المضروب [عليها]؛ لأنها جزية [فسقطت] بالإسلام.
فائدة: إذا لم يصح عقد الذمة من الإمام؛ لفقد شرط مما ذكرناه أو غيره – فلا يثبت القدر المسمى، وإنما الرجوع إلى دينار على كل حالم في السنة، قاله الإمام، وصرح به القاضي الحسين عن نص الشافعي – رضي الله عنه – حيث قال: قال الشافعي – رضي الله عنه –: فإن شرط ألا يجري الحكم عليهم فالصلح فاسد ولهم أخذ ما صولحوا عليه في المدة التي كف عن قتالهم، وعليهم أن ينبذ إليهم؛ حتى يصالحوه على ما يجوز، ومن صالحهم على شيء مما زعم أنه لا يجوز الصلح عليه، وأخذ عليهم جزية أكثر من دينار في السنة – رد الفضل عن الدينار.
نعم، لو صالحهم الإمام على المقام بالحجاز فالعقد فاسد.
قال المصنف والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم: ويجب عليهم في هذه الحالة المسمى؛ لأنهم إذا أقاموا به مع فساد العقد فلا بد من بدل، ولا شيء مضبوط يرجع إليه.
قال: ويجوز أن يشترط عليهم [بعد الدينار] ضيافة من يمر بهم من المسلمين، أي: المجاهدين وغيرهم، كما صرح به البندنيجي وغيره إذا رضوا بذلك؛ لما روي أنه ?: "ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة دينار [في كل سنة]، وكانوا ثلاثمائة نفس، وأن يضيفوا من يمر بهم من المسلمين ثلاثا، ولا يغشوا مسلما".
وقد روي أن عمر – رضي الله عنه – "ضرب الجزية على

[أهل] الشام، على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق ثمانية وأربعين درهما، وضيافة ثلاثة أيام".
والمعنى [في ذلك: أنه فيه] مصلحة الأغنياء والفقراء من المسلمين: أما الأغنياء فإنهم قد يتأبون من البيع منهم [إذا مروا بهم] فيلحقهم الضرر، فإذا علموا أن ضيافتهم عليهم باعوا منهم، كذا قاله أبو الطيب.
وأما الفقراء فإنهم يضطرون إلى المرور بهم لقضاء حوائجهم وإصلاح أشغالهم، وهم لا يتصدقون عليهم؛ فيلحقهم الضرر، فشرعت دفعا [له]، وهذا على وجه الاستحباب كما ذكره الرافعي.
وهل يدخل أهل الذمة في استحقاق الضيافة عند الطروق، إذا كان الشرط مطلقا؟ فيه تردد حكاه الإمام.
وقد أفهم كلام الشيخ [أنه لا يجوز جعل] الضيافة من الدينار، وهذا ما صار إليه أبو إسحاق وابن أبي هريرة، وجزم به القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وجمهور البغداديين، وصححه القاضي الحسين والرافعي.
وحكى وجه آخر: أنه يجوز [أن يكون] من الدينار؛ لأنه ليس على أهل الذمة إلا الجزية، وهذا ما قال به أكثر البصريين؛ حيث جوزوا [أن يجعل بدلا عن الدينار كله إذا كان مبلغ ما في السنة معلوما يبلغ] قدر الدينار فما زاد، وإيراده في "الوسيط" و"الوجيز" يقتضي ترجيحه، وهو خلاف نص الشافعي – رضي الله عنه – فإن القاضي الحسين قال عند قوله: ولا بأس أن يصالحهم على خراج أراضيهم: قال الشافعي – رضي الله عنه –: لو صالحهم على الضيافة وحدها،

لم يجز؛ لأن المسلمين ربما لا يدخلون، وربما لا يأكلون من طعامهم؛ فهو مجهول.
وعلى القول بالجواز، قال القاضي الحسين والغزالي: يحسب كل منهم [في آخر] الحول ما أنفقه، فإن بلغ دينارا فذاك، وإلا [طولب بإتمام] الدينار، ومفهوم هذا: أنا على القول الأول لا نفعل ذلك.
وقد صرح المارودي بما ذكره القاضي تفريعا على القول الثاني، وبما أفمه لفظة تفريعاً على القول الأول، وتبعه فيه الروياني، فيه نظر؛ لأن الضيافة لا تثبت إلا بالشرط، وحينئذ فالإمام إما أن يكون قد صرح في العقد بالدينار و [اشتراط] الضيافة معه [بأن الضيافة هي نفس الجزية، أو بأنها محسوبة من الجزية التي قدرها عليهم، أو ذكر الضيافة وسكت عن الدينار.
فإن كان قد صرح بالدينار والضيافة معه] فيجب أن يطلبوا بالباقي من الضيافة عن القدر المشروط؛ لأنها زيادة التزموها على أقل الواجب، فكملت كالزيادة من الذهب.
وإن كان قد جعل نفس الضيافة الجزية، أو جعلها بعض الدينار كما يفهمه لفظ الغزالي – رحمه الله – فعلى القول الثاني ما ذكروه صحيح، وعلى القول الأول العقد باطل؛ فيكون الواجب كما ذكرنا دينارا والمنفق في الضيافة محسوبا منه إن [كان الطارقون مستحقين للجزية، [و] لا زائد عليه، وتفريعهم يقتضي خلافه.
و] إن كان قد ذكر الضيافة وسكت عن الدينار؛ فالتفريع على القول الثاني كما في الحالة قبله، وعلى القول الأول العقد باطل؛ بناء على أن ذكر الجزية في العقد شرط كما هو الصحيح، وحينئذ فيكون الحكم كما تقدم.
نعم، قال يقال: إن مراد الماوردي الحالة الأولى، وكلامه يرشد إليها، وإنما لم

يلزموا على القول الأول بإتمام المشروط من الضيافة؛ لأن عقده [على] هذا القول لا يجب بيان عدد الضيفان، [فإذا لم يعينوا] فلا شيء [عليه] بعد من إضافة [يمكن] المطالبة به.
نعم، لو شرط ضيافة قوم محصورين فقد يقول: يلزم الإتمام، والله أعلم.
ومما فرعه المارودي على القول الثاني: أنه لا يكون لغير أهل الفيء من الضيافة حظ، وهل يختص بها المجتازون من جيش المجاهدين، أو يكون لهم [ولغيرهم؟] فيه قولان؛ بناء على [أن] [مصروف مال] الفيء هل يختص بالجيش، أو يعم جميع [أهل الفيء، وصرح بأنها على القول الأول، يعم جميع] المجتازين من المسلمين، ولا يختص بها قوم دون قوم، وفي هذا الإطلاق أيضاً نظر؛ فإن المسألة إن كانت مصورة بما إذا شرط كون الضيافة [زائدة على الدينار فينبغي ألا يختلف الحكم فيها على القولين، وإن كانت الضيافة] هي الدينار من غير زيادة فيجب أن يقال على القول الأول بالبطلان وبعدم الصرف إلى جميع المجتازين من المسلمين؛ لما تقدم من التقرير.
فإن قلت: نلتزم الصورة الأولى، [ونقول] إذا جوزنا جعل الضيافة بدلا عن الدينار عند الانفراد، فإذا شرطت مع الدينار فكأنا شرطنا عليهم دينارين، وجعلنا الضيافة أصلا؛ كما أن أخذ الدينارين أصل فلا يجوز الصرف لغير مستحقي الفيء، وإذا لم يجعل الضيافة قائمة مقام الدينار فكأنها تابعة له، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.
قلت: إن صح الجواب على هذا التقرير فسد به [ما حصل به] الجواب

في الصورة السابقة فتأمله، والله أعلم.
قال: ويبين أيام الضيافة في كل سنة، أي: بأن يقول: أقررتكم على أن عليكم عن كل مكلف منكم دينارا، وعليكم ضيافة ألف نفس في السنة أو أكثر منها أو أقل، كما حكى عن الروياني، وهو في "الحاوي" ويقتضيه كلام الشيخ والبندنيجي وغيرهما الآتي من بعد، أو يقول: على أن كل [منكم ضيافة] مائة نفس أو أكثر أو أقل، كما ذكره غيرهم.
قال: ويذكر قدر من يضاف من الفرسان أو الرجالة، أي: في كل يوم، مثل أن يقول: ويقوموا [بضيافة] عشرة [أنفس] في كل يوم [منهم] فرسان ستة، ورجالة أربعة.
قال: ومقدار الضيافة من يوم أو يومين أو ثلاثة، أي: بالنسبة إلى كل شخص؛ لأن ذلك كله أنفى للغرر، وأقطع المنازعة، وهذا البيان صرح [به] البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما: بأنه على وجه الوجوب؛ فلا يصح العقد بدونه.
وحكى الرافعي [أن] في "البحر": أنه لو لم يذكر عدد أيام الضيافة في الحول، واقتصر على ذكر ثلاثة أيام مثلا عند قدوم كل قوم – كان فيه وجهان: إن جعلناها أصلا كالدينار فلا يجوز، وإلا فيجوز، وهما كذلك في "الحاوي"، والمراد: أن الضيافة إن جعلت [بدلا] عن الدينار وجوزناها فلا يجوز، وإن لم تجعل الضيافة بدلا عن الدينار فيجوز، وهذا يقتضي الجزم بأنه لا يشترط ذكر عدد الضيافة تفريغا على مذهب العراقيين وأكثر البغداديين، وبه يجتمع مع ما ذكرناه عن البندنيجي وغيره في الاشتراط وجهان، وكذا الحكم في اشتراط عدد الضيفان يجتمع فيه وجهان؛ لأن الماوردي قال: إذا شرطت الضيافة وراء أقل الجزية، فلا يشترط التعرض للعدد، وإنما يشترط إذا جعلت من [نفس] الجزية.

قال: ولا يزاد على ثلاثة أيام؛ لما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "الضيافة ثلاث، وما زاد عنها صدقة"، وفي رواية "مكرمة"، وفي رواية " [لا يحل] لأحد أن يثوي عند صاحبه حتى يجرحه"، وروي أنه قال: "الضيافة ثلاثة [أيام]، والإجازة: يوم وليلة".
وأراد بالإجازة: إعطاء الجائزة، من قولهم: أجازه يجيزه، إذا أعطاه الجائزة، ومعناه: أنهم يزودونه ليوم وليلة إذا رحل، وتضيفه في المقام ثلاثة أيام، ولأن الضيافة مختصة بالمسافرين، ومن قصد إقامة أكثر من ثلاثة أيام انقطع سفره.
وعن ابن كج: أنه يشترط على المتوسط ثلاثة أيام، وعلى الغني ستة أيام.
وقال الإمام: إذا حصل التوافق على الزيادة في الليالي فلا معترض.
تنبيه: "الضيافة" من: ضاف، إذا مال؛ لأن الضيف يميل إلى المضيف.
قال أهل اللغة: يقال: أضفت الرجل، وضيفته: إذا أنزلته ضيفا، وضفته وتضيفته: إذا نزلت عليه ضيفا.
و"الضيف" يكون واحدا وجمعا، ويجمع أيضا على: أضياف، وضيفان، وضيوف، والمرأة ضيف وضيفة.
قال: ويبين قدر الطعام والأدم، والعلف وأصنافها؛ نفيا لجهالة العوض، والأعدل في تقدير الطعام ثلاثة أرطال من الخبز في كل يوم، ومن الأدم ما يكفي ذلك، كما ذكرناه في النفقات.
وفي علف الدواب يرجع إلى العادة الغالبة، وهي تختلف بالخيل والجمال

والحمير، وظاهر كلام الشافعي – رضي الله عنه – يدل على أن بيان العلف لا يشترط؛ فإنه قال – كما حكاه ابن الصباغ وأبو الطيب-: إنه لو أطلق ذكر العلف لا يدخل فيه الشعير، وإنما هو التبن والحشيش.
ولم يورد الماوردي غير المنصوص عليه، وقال: هو وغيره: إنه عند اشتراط الشعير يجب القيام به، قال: ويكون ذلك من جنس طعامهم وإدامهم؛ نفيا للمشقة عليهم.
قال الماوردي: فإن كانوا يقتاتون الحنطة ويتأدمون باللحم، كان عليهم أن يضيفوهم بذلك، وإن كانوا يتاتون الشغير ويتأدمون بالألبان، أضافوهم بذلك [وأما ما سواه] من الثمار والفواكه فإن كانوا يأكلون ذلك غالبا في كل يوم شرط عليهم في زمانها، وليس للأضياف أن يكلفوهم ما ليس بغالب لأقواتهم ودوابهم، ولا ذبح جمالهم ودجاجهم، ولا الفواكه النادرة والحلوى، ولا ما [لا] يتضمنه شرط صلحهم.
قال: ويقسم ذلك على عددهم، أي: إن استوت جزاهم وتنازعوا، كما صرح به البندنيجي والماوردي وغيرهما، وعلى قدر جزاهم، أي: إن اختلفت وتنازعوا؛ لأن هذا هو اللائق بالحال.
وهذا بناه الماوردي على الصحيح في أن الضيافة تكون وراء الدينار، وحكى وجها آخر: أنهم متساوون في الضيافة، إن تفاضلوا في الجزية إذا جعلت الضيافة أصلا وجوزناه.
واعلم أن كلام الشيخ – رحمه الله تعالى – يقتضي أمرين: أحدهما: جواز ضرب الضيافة على عددهم من غير بيان ما على كل واحد منهم في الابتداء كما حكيناه من قبل، وفي كلام القاضي الحسين ما يتنازع في ذلك؛ فإنه قال: وعلى الإمام أن يبين لكل واحد [منهم] عددا معلوما يضيفه في كل شهر أو جميع السنة، وعلى هذا ينبغي أن ينزل كلام الشيخ أيضا بأن يقرأ: ويقسم – بفتح الياء وإسكان القاف – ويكون الضمير عائدا إلى عاقد الذمة لكن الظاهر الأول.
الثاني: أنها تضرب على الغني والمتوسط [والفقير] المعتمل الذي تقدم

ذكره، وهذا هو المحكي عن الشيخ أبي حامد، ولم يورد البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين والإمام والغزالي سواه، وهو محكي عن الشيخ أبي محمد.
قال القاضي الحسين: فيوظف على الغني عشرة مثلا، وعلى المتوسط خمسة، وعلى الفقير ثلاثة، على ما يؤدي إليه اجتهاده، ولا تفاوت بينهم في صفة الطعام والإدام، كي لا يؤدي إلى إضرار الأغنياء؛ لأن الضيف يميل إليهم [رغبة في] أطعمتهم الناعمة.
وتبعه في هذا الإيراد الإمام.
وفي "الرافعي": أنه يجعل على الغني عشرين، وعلى المتوسط عشرة، وعلى الفقير خمسة.
وفي "المهذب" و"الحاوي": أن الفقير لا يشترط عليه الضيافة؛ لأنها تتكرر فلا يسهل عليه القيام بها.
وهذا ظاهر نص الشافعي – رضي الله عنه – كما سنذكره من بعد، واعتبر الماوردي في جواز ضرب الضيافة أن يكون بالمضروب [عليه] قوة بها، إما لخصب بلادهم وإما لكثرة أموالهم، فإن ضعفوا عنها لم يؤخذوا بها.
وفي "الرافعي" – بعد نسبة ما حكيناه عن المذهب إلى الروياني وقوله: إنه الأشبه – أن الأحسن ما ذكره صاحب "التهذيب"، وهو الاشتراط على المعتمل دون غير المعتمل.
وهذا ما نبهت على أنه ظاهر كلام الشيخ هنا، ويمكن حمل كلامه في "المهذب" على الفقير [غير المعتمل، وإليه يرشد قوله: ولا تجب على الفقير [وإن وجبت عليه الجزية]، يعني]: وإن وجبت عليه الجزية على قول.
قال الرافعي: ويمكن أن يبنى الخلاف على أن الضيافة تحسب من الجزية أو وراء الجزية، فإن قلنا بالأول يشترط عليه، ولا يزاد فيما ينفقه على الدينار، وإن قلنا بالثاني فلا.

[قلت: ولو صح ما ذكره لم يكن ذلك خلافا مبنيا؛ بل هو منزل على حاله، فإن شرطت مع الدينار جازت، وإلا فلا].
قال: وعليهم أن يسكنوهم في فضول مساكنهم وكنائسهم، [أي: في مدة الضيافة؛ لأن الضيافة تستلزمها عادة، وقد روي: "أن عمر – رضي الله عنه كتب إلى الشام: [أن يؤخذ أهل الذمة] بتوسيع أبواب كنائسهم]؛ ليدخلها الراكب إذا نزلها".
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الإسكان يلزمهم من غير تنصيص عليه، وكلام غيره من الأصحاب مصرح باشتراطه كما يشترط غيره، وقالوا: إنه يجوز شرطه على الفقراء الذين لا يضيفون في بيوتهم.
تنبيه: "فضول المنازل": [جمع"فضل"، وهو ما زاد على الحاجة؛ فلا يجوز إخراج أرباب المنازل] منها إذا ضاقت ولم يسعهم الفضول، وهذا ما حكاه البندنيجي عن النص؛ حيث قال: قال الشافعي – رضي الله عنه – في "الأم": وإن لم تسعهم فضول منازل الأغنياء نزلوا في فضول منازل الفقراء وذوي الحاجة، ولا ضيافة عليهم، فإن لم يسعهم فضول منازلهم لم يكن لهم إخراج أربابها منها ونزولهم فيها، ويجب أن يكون الفضل الذي ينزل فيه الضيف يقيه من الحر في وقته [والبرد في وقته].
وكذا يجب أن يهيئوا موضعا للدواب.
قال الماوردي: ولو شرط عليهم أن انقطع مركوبه حملوه إلى طرف بلاد الضيافة جاز، وإن لم يشترط عليهم لم يلزمهم.
فروع: حكاها الماوردي وغيره: إذا ضرب الإمام الضيافة عليهم، ثم أراد نقل المؤن إلى الدينار، وأخذه منهم – ففيه وجهان، أحدهما: لا يجوز ذلك إلا برضاهم، قال الإمام: والصحيح

عندي: أن الضيافة إن رأيناها محسوبة من الدينار الذي هو الأصل، فللإمام ردها إلى الدينار، وإن كانت الضيافة زائدة على الدينار فالوجه: القطع بعدم قدرته على ذلك بدون رضاهم.
[ثم] إذا قلنا بجواز رجوعه إلى الدينار فهل يبقى الدينار لعموم المصالح كالضيافة، أم يختص بأهل الفيء؟ فيه وجهان، أظهرهما في "الرافعي": الثاني؛ لأن القياس في الضيافة – أيضا – الاختصاص، إلا أن الحاجة اقتضت التعميم، وإذا ردت إلى الأصل ثبت الاختصاص كما في الدينار المضروب ابتداء.
إذا طلب الضيف [ثمن] الطعام لم يلزمهم ذلك، ولو أراد أخذ الطعام ليذهب به ولا يأكله عندهم، فله ذلك، بخلاف طعام الوليمة لا يجوز إخراجه؛ لأن هذه معارضة وتلك مكرمة.
ليس للضيف طلب طعام الأيام الثلاثة في اليوم الأول، وإذا امتنعوا من الإتيان بالطعام في وقته فهل للضيف المطالبة به في الغد؟ إن قلنا بأنه زائد على الدنيا فلا يجوز، وإلا فيجوز.
[لا يلزم] أهل الذمة أجرة الطبيب والحمام وثمن الدواء.
إذا تنازعوا في إنزال الضيف فالخيار إليه، [وإن تزاحم] الضيفان على واحد فالخيار [إليه، وإن لم يزاحم الضيفان على واحد فالخيار] للذمي، وإن كثر عددهم وقل المضيفون فالسابق أحق، وعند التساوي الرجوع إلى القرعة.
قال الشافعي:- رضي الله عنه -: فإن غلب بعضهم بعضا ودخل المنزل كان أحق [به]، حكاه البندنيجي.
قال: ومن بلغ من أولادهم، أي: في دارنا، واختار المقام – واستؤنف له عقد الذمة على ظاهر النص؛ لأن عقد الأب وقع لنفسه دونه، وقد ثبت له حكم الاستقلال؛ فعومل معاملة من لا أب له، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب

[وابن الصباغ]، واختاره في "المرشد"، وقال الإمام: إنه الأشبه.
وقيل: تؤخذ منه جزية أبيه، أي: من غير استئناف عقد؛ لأنه لما تبعه في النسب والأمان تبعه في الذمة.
ولا تؤخذ منه على هذا جزية قوم أمه إذا كانت أكثر من جزية أبيه؛ لأن الأم لا جزية عليها، [وهذا بخلاف الدية]، وهذا القول أصح في "تعليق" القاضي الحسين، وبه جزم الفوراني، وقال الإمام: إن ظاهر النص يدل عليه.
ولذلك قال الماوردي: إنه ظاهر مذهب الشافعي – رضي الله عنه – ونسب الأول إلى قول الشيخ أبي حامد، [وقال]: إنه فاسد؛ لأن الشافعي – رضي الله عنه – جعل جزية الولد إذا اختلفت جزية أبويه جزية [أبيه دون] أمه ولم يستأنف أحد من الأئمة العقد للأولاد عند بلوغهم.
ثم لا فرق في جريان القولين عندنا بين أن يكون الأب قد قال: التزمت في حق ابني إذا بلغ مثل ما التزمت في حق نفسي، أو لا، قاله الإمام وغيره.
التفريع: [إن قلنا بالأول:] ضرب عليه من الجزية ما يقع به التراضي، والأولى أن يتلطف به إلى أن يقبل جزية أبيه إذا كانت أكثر من أقل ما رضي به، فإن أبي إلا بذل أقل الجزية – وجب العقد له.
وإن قلنا بالثاني: قيل له إن رضيت بجزية أبيك تركناك، وإن أبيت فقد نقضت العهد؛ فنعاملك معاملة ناقض العهد، فإن أبى رد إلى مأمنه كما جزم به أبو الطيب والبندنيجي والقاضي الحسين، فإن عاد وبذل أقل الجزية عقد له.
وفي "الرافعي": حكاية طريقين فيه عند الامتناع من بذل [جزية] أبيه: أحدهما: أنه على الخلاف الآتي فيما إذا امتنع المستقل بالعقد من بذل الزيادة.
[والثاني: أنا نقبل منه عند الامتناع من بذل الزيادة] على أقل الجزية ما بذله في الحال؛ لأنه لم يقبل بنفسه حتى يجعل بالامتناع ناقضا للعهد.

تنبيه: ظاهر قول الشيخ يقتضي أنه لا فرق فيما ذكره بين أن يبلغ الولد رشيدا أو سفيها، والأمر كذلك، لكن إذا قلنا: إنه تؤخذ منه جزية أبيه، أخذت من مال السفيه وإن كانت أقل [من] الجزى، وإن قلنا باستئناف عقد الذمة فللسفيه الاستقلال به؛ لحقن دمه بأقل الجزى، وهل يجوز العقد بأكثر منه؟ قال القاضي الحسين في "تعليقه": سئل عن ذلك – يعني القفال- فقال: يلزمه، أذن الولي [أو لم يأذن]؛ كما لو صالح عن دم العمد على أكثر من الدية، وهذا ما أورده في "الوسيط" فقها وتوجيها.
[ثم] قال القاضي: وفي لزوم الزيادة دون إذنه نظر؛ لأنه يمكنه حقن دمه دونها؛ إذ الإمام يلزمه حقن الدم بالدينار الواحد، بخلاف ما لو وجب عليه قصاص، فصالح على أكثر من الدية – يلزمه الزيادة؛ لأنه لا يتوصل إلى [حقن دمه] بدونها إذا لم يرض المستحق إلا بها.
وفي "النهاية" نسبة التجويز إلى القاضي وتضعيفه بما أبداه القاضي احتمالا، وقد أبدى ابن الصباغ هذا الاحتمال أيضا، وحكى عن الروياني مثله؛ ولأجل ذلك جزم في "التهذيب" بعدم أخذ الزيادة.
ولو امتنع السفيه من بذل الجزية، ورام اللحوق بدار الحرب – فليس للولي عقدها، صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والروياني وغيرهم، وكلام الغزالي في "الوسيط" يفهم خلافه؛ لأنه قال: ولو عقد الولي الزيادة لم يكن للسفيه المنع كما يشتري له الطعام في المخمصة قهرا؛ لصيانة روحه.
والأشبه الأول، وكلام الغزالي يمكن عوده إلى مسألة القصاص التي قاس عليها ما نحن فيه، كما صرح به الإمام فيها، لا إلى مسألة الجزية، لكن كلامه في

"الوجيز" مصرح بالأول؛ فلعله أخذه من ظاهر كلامه في "الوسيط" من غير مراجعة غيره في ذلك الوقت، والله أعلم.
قال: وتؤخذ الجزية في آخر الحول؛ لأنه حق مالي يتكرر بتكرر السنين؛ فكان وقت أخذه آخر الحول كالزكاة والدية، وحكى الأصحاب قولين تظهر فائدتهما من بعد في أن الحول هل هو مضروب [للوجوب كالزكاة]، أو يتعلق الوجوب بأول الحول، والمدة مضروبة للأداء.
وفي "النهاية": أن عبارات الأصحاب قد اختلفت في إضافة الوجوب إلى أول السنة: فمن قائل: يجب الجميع بأول السنة ثم الاستقرار على التدريج، ومن قائل إنها تجب شيئا فشيئا، وعلى هذا يتخرج أن الإمام هل له أن يطالب بقسط ما مضى أم لا؟ وفيه وجهان حكاهما الإمام أيضا، والظاهر المنع؛ إتباعا لسير الأولين، وأنه هل يجوز للإمام أن يشترط تعجيل الجزية؟ فيه وجهان في "التهذيب"، ووجه الجواز إلحاقها بالأجرة.
فرع: إذا بلغ الصبي في أثناء الحول، واختار المقام عندنا – خير بين ثلاثة أشياء: بين أن يدفع عند تمام الحول قسط الماضي؛ ليكون حوله [مع] حول أصحابه، وبين أن يؤخر قسط بعض الحول إلى تمام الحول الثاني فيعطيه معه، وبين أن يصبر إلى أن يتم حول من [حين] بلوغه فيعطي ما عليه.
قال: ويؤخذ ذلك منهم برفق، كما تؤخذ سائر الديون [؛ لما روى أبو داود عن عروة بن الزبير: أن هشام بن حكيم بن حزام وجد رجلا – وهو على حمص – يشمس ناسا من النبط في أداء الجزية، فقال: ما هذا؟! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا"، وأخرجه مسلم.

و] لأنها عوض عن حقن دمائهم وسكناهم في دار الإسلام فكانت كالأجرة في الإجارة والثمن في البيع، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب في أواخر كتاب الجزية عن نص الشافعي – رضي الله عنه – في "الأم"، وكذلك البندنيجي حكاه عن النص قبيل باب الهدنة، وذكر أن الشافعي – رضي الله عنه – قال: يكفي في الصغار أن يجري عليهم الحكم، لا أن يضربوا ولا يؤذوا بكلام قبيح.
وقد حكى تفسير الصغار في الآية بهذا عنه – أيضا – المراوزة وقالوا هنا: إنها تؤخذ منهم على وجه الإهانة فيطأطئ الذمي رأسه عند التسليم، ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في لهزمته – وهي من اللحيين مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن، فيقول: يا عدو الله، أد حق الله.
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾ [التوبة: 29]، لكنهم اختلفوا في أن ذلك واجب أو مستحب، على وجهين، أصحهما في "الوسيط" و"الرافعي": الثاني؛ لأنها تسقط بتضعيف الصدقة، وبنوا على الوجهين جواز توكيل المسلم في أدائها، والحولة عليه بها، وضمان المسلم بها.
وقال الإمام: الأصح عندي تصحيح الضمان؛ فإن ذلك لا يقطع إمكان توجيه الطلب على المضمون عنه ونفي الضمان – حتى يقال: لا يلزم الضامن شيء – بعيد.
ثم قال: ويتجه عندنا طرد الخلاف فيما إذا وكل الذمي ذميا فإن كل ملتزم للذمة معني بالصغار في نفسه، ولا خلاف في جواز توكيل المسلم [في] عقد الذمة؛ لأنه ليس في صغار.
تنبيه: الرفض ضد العنف، وقد رفق به، يرفق – بالضم – وأرفقته، وترفقت به.
قال: ولا يؤخذ من امرأة؛ لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ الآية [التوبة: 29.] [وهذا خطاب للذكور].
وروي عن عمر – رضي الله عنه – أنه كتب إلى أمراء الأجناد: أن اضربوا

الجزية، ولا تضربوها على النساء، والصبيان إلا من جرت عليه المواسي.
ولأن الجزية تؤخذ في مقابلة حقن الدم وسكني الدار، [والمرأة] محقونة الدم، وهي مال بدليل ملكها بنفس الأسر؛ فلم تجب عليها جزية لسكني الدار كسائر الأموال.
والخنثى فيما نحن فيه ملحق بالمرأة.
نعم، لو بانت ذكورته فهل تؤخذ منه جزية الأحوال الماضية؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج، رحمه الله تعالى.
ثم لا فرق في المرأة بين أن تكون زوجة لذمي استتبعها معه في العقد [كما سنذكره] أو لا، وذلك في صورتين: إحداهما: أن تولد في دارنا.
والثاني: أن تكون في دار الحرب، وقد طلبت أن يعقد لها الذمة؛ لتخرج إلى دار الإسلام وتقيم، وفي هذه الحالة يجوز أن يأذن لها بشرط أن يجري عليها أحكام [الإسلام] من غير جزية وهذا [مما] لا خلاف فيه وإن كان للشافعي – رضي الله عنه – قولان معزيان [إلى "الأم"] حكاهما أبو حامد الإسفراييني، وأشار إليهما ابن أبي هريرة فيما إذا حاصرنا قلعة لا رجل فيها، وسأل من فيها من النسوان عقد الذمة لهن، فشرط أن يجري عليهن أحكام الإسلام ويبذلن الجزية: أحدهما: لا [يجير] ويتوصل إلى فتح القلعة وسبيهن، وهذا ما نقله أبو بكر الفاسي في "عيون المسائل" عن نصه؛ معللا بأن الجزية تؤخذ لقطع الحرب، ولا حرب في النساء، وهن غنيمة، وصححه الغزالي وإمامه بعد روايته [وجها]، واختاره في "المرشد"، وفرق بينه وبين الصورة قبلها بأنها ثم تصير

تبعا للمسلمين، وربما حملها ذلك على الإسلام، وهنا بخلاف ذلك [مع أنه] لا مصلحة [في إقرارهن] في قلعة منفردات.
والثاني: يلزم عقد الذمة بالشرط المذكور ولا يأخذ منهن شيئا باسم الجزية، فإن أخذ رد عليهن إلا [أن] يعلمن عدم [وجوب ذلك فيكون هبة تملك بالقبض، [ولهن الامتناع قبل القبض]، وكلام الفوراني مصرح بأنا على هذا القول نأخذ منهم الجزية، وقد حكاها الماوردي وجها عن ابن أبي هريرة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين تفريعا على هذا القول: أنها تؤخذ في سنة واحدة، ولا تتكرر بتكرر السنين، وحكاه الإمام عمن يوثق به، وقال: إنه كلام مضطرب.
قال: ولا عبد؛ لأنه روي عن عمر – رضي الله عنه – أنه قال: لا جزية على مملوك.
وفي "الحاوي" أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا جزية على عبد"؛ ولأنه لا يملك وهو مال، والمال لا جزية عليه.
والمدبر والمكاتب [وولد أم الولد] كتابع لها؛ كالقن، وكذا من [بعضه حر وبعضه رقيق على المذهب كما قال الرافعي، وإيراد المصنف والماوردي يقتضي ترجيحه.

وقيل: إنه يؤدي من الجزية بقدر ما فيه من الحرية؛ لأنه يملك بها، وهذا ما اختاره في "المرشد".
وكما لا تجب على العبد لا تجب على سيده.
نعم، لو عتق العبد، فإن كان ممن لا يعقد لهم الذمة ألحق بدار الحرب، [وإن كان ممن يعقد لهم الذمة فإن بذل الجزية أقر بدار الإسلام، وإلا ألحق بدار الحرب] وفي قدر جزيته إذا كان سيده ذميا ثلاثة أوجه حكاها الماوردي: أحدها: قدر جزية معتقدة؛ لأنها لزمته بعتقه.
والثاني: جزية حر من عصبته؛ لأنه أخص بميراثه ونصرته.
والثالث: ما يقع به التراضي لتفرده بها دون غيره، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وهو مع الأول، مذكوران في "المهذب".
والتفريع على الأوجه كما تقدم في الصغير [إذا بلغ]، ولو كان معتقه مسلما فالاعتبار بما يقع به التراضي، ويتجه أن يجيء الوجه الثاني.
قال: ولا صبي ولا مجنون؛ لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ الآية [التوبة: 29].
والصبي والمجنون ليسا من أهل القتال قال – عليه السلام –: "رفع القلم عن ثلاث"، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل: "خذ من كل حالم دينارا" أي: محتلم؛ فدل بمفهومه على عدم الوجوب على الصبي ومن طريق الأولى [على] المجنون.
وعن "البيان" حكاية وجه: أنها تؤخذ من المجنون؛ تنزيلا للجنون بمنزلة المرض، ونسبه بعض الشارحين إلى بعض الخراسانيين.
قال الرافعي: ولا عبرة [به].
فرع لو شرط على الرجال أن يؤدوا عن أبنائهم ونسائهم غير ما يؤدون عن

أنفسهم، قال الشافعي – رضي الله عنه – في "الأم": جاز ذلك إذا كان من أموالهم، ولزم كما يلزم ما اتفقوا [على زيادته عن] أقل الجزى، ولو كان الملتزم من أموال الصبيان والنسوان، لم يجز.
قال: وفي الشيخ الفاني والراهب قولان.
القولان في المذكورين ومن [في] معناهما – كما تقدم في باب قتال المشركين – مبنيان كما قال [القاضي أبو الطبيب و [القاضي] الحسين] وابن الصباغ وغيرهم على جواز قتلهم: فإن قلنا بجوازه أخذت منهم [الجزية] إذا بذلوها، وهو ظاهر النص وصححه النووي، واختاره في "المرشد" وغيره، وحكى القاضي الحسين والفوراني وغيرهما طريقة جازمة به؛ لأنهم كانوا من أهل القتال.
وإن قلنا بمنع قتلهم جاز إقرارهم في دار الإسلام من غير جزية كالنساء والصبيان، قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ.
وقال القاضي الحسين: إنهم يلحقون بمأمنهم.
قال: وفي الفقير الذي لا كسب له قولان: أحدهما: لا تجب عليه؛ لما روي أن عمر – رضي الله عنه – جعل أهل السواد ثلاث طوائف: الغني، والمتوسط، والمعتمل، ولو كانت تجب على من لا صنعة له لكانوا أربع طوائف، [ولأنها حق مالي تجب في كل حول؛ فوجب ألا تجب على الفقير الذي [لا] صنعة له]؛ كالزكاة، والدية على العاقلة، وهذا [ما] نص عليه في "سير" الواقدي.
فعلى هذا: تعقد له الذمة على أن يكون في دار الإسلام، فإذا أيسر وقدر على العمل استؤنف له الحول من ذلك الوقت.
والثاني: تجب عليه؛ لقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا

الكتاب حتى يعطوا الجزية} الآية [التوبة: 29].
والقتال يعم الموسر والمعسر [الفقير]؛ فكذلك الجزية، وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "خذ من كل حالم دينارا"، مع علمه بأن فيهم الفقراء، ولأن الجزية في مقابلة حقن الدم وسكني الدار، والغني والفقير فيهما سواء؛ فكذلك في وجوبها مع أن ما حقن به الدم لا يسقط بالإعسار [؛ كالدية، وما استحق به المقام في مكان لا يسقط بالإعسار] كالأجرة، وهذا ما نص عليه في سائر كتبه، واختاره [المزني و] النووي.
وعلى هذا قال: ويطالب بها إذا أيسر، أي: تعقد له الذمة، ويطالب بالجزية إذا أيسر كما يعامل في حالة الإعسار، ويطالب بالبذل عند يساره.
قال البندنيجي: فإذن على القولين تعقد له الذمة.
وحكى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ عن أبوي علي؛ ابن أبي هريرة وصاحب الإفصاح احتمال وجه آخر على هذا القول: أنه لا يقر إلا بإعطاء الجزية فإن تمحل وحصل قدر الجزية في كل سنة وأداها؛ أقر، وإلا أخرج من دار الإسلام.
وحكى [القاضي] الحسين والفوراني أن من أصحابنا من قال: لا يترك في دار الإسلام مجانا قولا واحدا، وإنما القولان في أنه هل يضرب عليه، ثم يمهل إلى أن يوسر أو يلحق بالمأمن، وهذا ما اختاره في "المرشد".
قال: وإن كان فيهم من يجن يوما ويفيق يوما، فالمنصوص – أي: في باب "ما يرفع الجزية"-: أنه تؤخذ منه الجزية – أي: كاملة – في آخر الحول، ولا ينظر إلى الجنون المتقطع؛ تغليبا لحكم الأهلية ووجوب الجزية، وهذه طريقة الشيخ أبي حامد كما نقلها العمراني [في "زوائده" عنه]، والقائل بها يوجب

تمام [الجزية] من طريق الأولى إذا كان زمن الإفاقة أكثر، وأما إذا [كان] أقل فقد حكى الإمام عنه: أنه [لا أثر للإفاقة]؛ فغلب الأكثر.
قال: وقيل: يلفق أيام الإفاقة، فإذا بلغ قدرها حولا، أي: مثل أن مضى عليه حولان؛ [وجبت] عليه الجزية؛ لأنه لو كان في جميع الحول مجنونا لم تجب، ولو كان في جميعه مفيقا وجبت؛ فوجب – إذا كان في نصفه مفيقا وفي نصفه مجنونا – أن تسقط بقدر الجنون وتجب بقدر الإفاقة.
قال: وهو الأظهر؛ لما ذكرناه، وهو الذي أورده في "المهذب" والماوردي، ونص عليه الشافعي – رضي الله عنه – في موضع آخر والقائلون به حملوا قول الشافعي – رضي الله عنه -: لا ترفع عنه الجزية بجنونه، على أيام الإفاقة.
وعلى هذا جرى القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ.
وحكى الإمام عن رواية الشيخ أبي علي: أن من يجن ويفيق لا يجب عليه جزية أصلا، وإن كان زمن الإفاقة أكثر، إلا أن يكون الجنون في حكم العارض كيوم في شهر؛ فيكون الاعتبار بالإفاقة، ولا نظر للجنون في هذه الحالة.
وحكى الفوراني وغيره عن القفال: أنه إن كان في آخر الحول مفيقا طولب بالجزية، وإلا فلا.
وهذا القائل لا يفصل بين أن يكون من الجنون مساويا لزمن الإفاقة، أو أحدهما أكثر من الآخر؛ كما صرح به الإمام عنه.
ولو كان يجن نصف الحول ويفيق نصفه، قال البندنيجي: إن كانت الإفاقة في النصف الأخير واستمرت، فإذا حال الحول وجبت [عليه] لهذه البقية قولا واحدا.
وكيف تؤخذ؟ الكلام فيها كما ذكرنا في الصبي إذا بلغ في أثناء الحول، وإن كانت في النصف الأول، فهل عليه جزية ما مضى؟ على قولين؛ كما لو أسلم في أثناء الحول، وهما في "المهذب" أيضا.

فرع: لو وقع في الأسر من [يجن ويفيق]، قال الإمام: إن غلبنا حكم الجنون فيرق ولا يقتل، وإن غلبنا حكم الإفاقة فلا يرق بالأسر، والظاهر: الحقن.
قال: والإشكال فيه أن الجنون والإفاقة لا يجتمعان حتى يقال: اجتمع في الشخص الواحد الحاظر والمبيح؛ فيغلب الحاظر، ويتجه أن يعتبر وقت الأسر، وهو الذي اقتصر عليه الغزالي في ["الوجيز، وقال] في "الوسيط": إنه الصحيح.
قال الرافعي: وهو في الحقيقة كوجه التلفيق في مسألة الجزية.
قال: ومن مات منهم أو أسلم بعد الحول أخذت منه جزية ما مضى، أي قلت أم كثرت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الزعيم غارم"، وهو قد ضمنها بالعقد وتمام الحول فوجب عليه الغرم، لعموم الخبر، ولأن الجزية دين يجب استيفاؤه والمطالبة به في حالة الكفر؛ فوجب ألا [يسقط بالإسلام]، أصله: الجراح وسائر الديون.
فرع: إذا كان على الميت دين آخر، وضاق المال عن وفاء الجميع – فهل يضارب بقدرها مع الغرماء، أو تقدم الجزية على حقوق الآدميين؟ أو تقدم ديون الآدميين على الجزية؟ فيه الأقوال الثلاثة المذكورة في الزكاة، وهي جارية فيما إذا أفلس بعد الحول؛ كما ذكره البغوي وغيره.
والذي أورده البندنيجي وغيره من العراقيين في الأولى: المضاربة، وهو ظاهر النص في المختصر، وبذلك يحصل في المسألة طريقان، وهما مبنيان على اختلاف نقله الإمام عن الأصحاب في أن الجزية ينحى بها نحو حقوق الله تعالى كالزكاة، أو نحو حقوق الآدميين؛ لأنها ليست من القرب، ومصرفها المرتزقة.
وفي "الوسيط" حكاية الطريقين على غير هذا النحو: أحدهما: القطع بالتقديم.

والثاني: إثبات الأقوال.
قال الرافعي: وهذا من سبق القلم، ولا صائر إلى القطع بتقديم الجزية.
قال: ومن مات أو أسلم في أثناء الحول، فقد قيل: يؤخذ منه لما مضي؛ لأن الجزية في مقابلة حقن الدم والمساكنة، وقد حصل بعض ذلك؛ فوجب أن يجب بقسط ما مضى كما في أجرة الدار، وهذه طريقة أبي إسحاق، ورأي القاضي ابن كج تخصيصها بصورة الموت.
قال: وقيل فيه قولان: أحدهما: لا يجب [عليه] شيء؛ لأنه حق مالي يتكرر بتكرر الحول فلم يجب ببعض الحول شيء منه؛ كما في الزكاة؛ لأن المستأمن يقيم بعض الحول بلا جزية، ولو كانت تجب بسقطه لما جاز؛ [كما لا يجوز] أن يقيم حولا بغير جزية، وقد قطع بهذا القول بعض الأصحاب.
والثاني: يجب لما مضى بقسطه وهو الأصح؛ [لما ذكرناه].
وقد وافق الشيخ في التصحيح الرافعي والقاضي الحسين وغيرهما.
وقيل: الفرق بين الجزية والزكاة: أن الزكاة يتعلق وجوبها بالحول، والجزية تجب بالعقد ويتحتم أداؤها بالحول، والمستأمن لم تجب عليه الجزية بعقده، وهذا قد وجبت عليه الجزية، وإنما تحتمت؛ فافترقا، وقد تبين لك بما ذكرناه أن في المسألة ثلاث طرق، وأظهرها: طريقة القولين، وهي التي اقتصر على إيرادها القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي وكذا الماوردي، وقال: إنهما مأخوذان من اختلاف قول الشافعي – رضي الله عنه – في حول الجزية هل هو مضروب للوجوب، أو للأداء؟ فعلى الأول: لا يجب، وعلى الثاني: يجب.
وقال القاضي الحسين: إن الجزية [هل تجب بأول الحول وتستقر جزءا فجزءا

إلى أن يتم الحول]؛ كالأجرة، أو تجب بآخر الحول؟ فيه جوابان مستنبطان من القولين في مسالة الكتاب.
ثم في محل الخلاف طريقان: أحدهما: محله إذا مات وقد مضى أكثر من أربعة أشهر، أما إذا مضت أربعة أشهر أو أقل منها؛ فلا يلزمه شيء.
والثاني - وهو الصحيح -: أنه لا فرق في [جريان القولين] بين أن يموت وقد مضت أربعة أشهر أو [أقل منها أو أكثر].
حكاهما الإمام والرافعي في باب عقد الهدنة.
فرع: إذا غاب الذمي ثم عاد، وقال: أسلمت من وقت كذا، فلا جزية علي، وأنكر الإمام ذلك – حكى صاحب "الإشراف" فيه قولين: أحدهما: القول قول الإمام؛ لأن الأصل بقاء الكفر.
والثاني: القول قول الذمي؛ لأن الأصل عدم [وجوب الجزية]؛ إذ الجزية تجب عند حولان الحول.
وحكى في وضع آخر: أنه إذا ادعى ذلك فاتهمه الإمام حلفه؛ واليمين واجبة أو مستحبة؟ فيه وجهان.
وإذا نكل على وجه الوجوب حكم القاضي بالجزية؛ للعقد السابق على طريق ابن القاص، بخلاف مذهب ابن سريج، وحكى غيره وجها: أنه يحبس إلى أن يحلف أو يقر.
آخر: يهود خيبر كغيرهم في ضرب الجزية عليهم، وسئل ابن سريج عما يدعونه من أن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – كتب [لهم] كتابا بإسقاطها، فقال: لم ينقل أحد من المسلمين ذلك.

قال ابن الصباغ: وفي زماننا [قد أظهروا] كتابا، وذكروا أنه بخط علي، [وأنه كتبه عن النبي صلى الله عليه وسلم وبأن تزويدهم وكذبهم فيه؛ فإن فيه شهادة سعد بن معاذ ومعاوية – رضي الله عنهما – وتاريخه بعد موت سع وقبل إسلام معاوية.
وعن "البحر": أن ابن أبي هريرة أسقط الجزية عنهم؛ لأنه عليه السلام ساقاهم وجعلهم بذلك حولا؛ ولأنه قال: "أقركم ما أقركم الله تعالى" فأبهم.
قال الماوردي: وهذا شيء تفرد به ابن أبي هريرة، ولا أعرف له [منه] موافقا، وأحسبه لما رأى الولاة [على] هذا خرج لفعلهم وجها.
قال: وإن مات الإمام، أو عزل وولي غيره، ولم يعرف مقدار الجزية؛ أي: لعدم من يخبره بذلك من المسلمين، ولا وجد في الديوان شيئا يدل عليه – رجع [فيه] إلى قولهم؛ لتعذر معرفته من غيرهم، وطريقة – كمال قال الماوردي -: أن يسألهم فرادى فإن توافقوا على قدر يجوز العقد به أقرهم عليه بعد أحلافهم، قال: واليمين واجبة.
[وقال] القاضي أبو الطيب و [القاضي] الحسين وابن الصباغ والبندنيجي: إنها مستحبة؛ لأنها لا تخالف الظاهر، بخلاف ما لو اعترفوا بدينارين، وقالوا: الدينار جزية والآخر هدية؛ فإن اليمين هنا واجبة.
قال البندنيجي وابن الصباغ: لأنها تخالف الظاهر، وتخالف الزكاة على

أحد الوجهين؛ فإنها مواساة، وهذه معاوضة، وإن اختلفوا: فذكر بعضهم أنه أقرهم بدينار، وآخرون أنه أقرهم بأكثر منه – ألزم كلا منهم بما أقر به، ولا تقبل شهادة بعضهم على بعض، ويكتب الإمام في ديوان الجزية: أنه رجع فيه إلى قولهم حين أشكل عليه أمرهم فاعترفوا بكذا؛ لجواز أن يجد بينة عادلة تشهد بخلاف ما ذكروه فيرجع عليهم بالتفاوت، أما إذا عرف مقدار الجزية بأن استفاضت بها الأخبار، وانتشر ذكرها في الأمصار، أو شهد بها عدلان من المسلمين – اعتمد على ذلك، وهل يقوم مقام ذلك كونها في ديوان الجزية مكتوبة مع عدم الريبة لكونها تحت ختم؟ فيه وجهان في "الحاوي".
قال: ويأخذهم الإمام بأحكام المسلمين من ضمان المال والنفس والعرض، أي: بالنسبة إلى المسلمين؛ لأنهم يعتقدون وجوب ذلك، وقد التزموا إجراء حكم الإسلام عليهم بعقد الذمة؛ كما تقدم.
وأما بالنسبة إلى أهل الذمة وغيرهم فسيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى.
قال: وإن أتوا ما يوجب الحد بما يعتقدون تحريمه: كالزنى والسرقة، أقام عليهم الحد؛ لما روى مسلم عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فأمر [بهما] رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال عبد الله بن عمر: فكنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها الحجارة بنفسه.
وفي رواية أبي داود: "يجنأ عليها يقيها الحجارة"، وخرجه البخاري.

ويجنأ – بفتح الياء آخر الحروف، وسكون الجيم وبعدها نون مفتوحة وهمزة – يقال: جنئ، [يجنأ] على الشيء: إذا أكب عليه.
فثبت هذا الحكم على الزنى بالنص، وقيس الباقي عليه.
فإن قيل: هذا الفعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدل على المدعي؛ لأمرين: أحدهما: أن الكلام في أهل الذمة، واليهوديان لم يكونا من أهل الذمة كما نقله الإمام في نكاح المشركات عند الكلام في وجوب الحكم بين أهل الذمة.
الثاني: أن كلام الشيخ يقتضي إقامة الحد، سواء رضوا بحكمنا أو لم يرضوا،

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل