كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 473-1
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 473-1
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني لأفعل ذلك، أنا وهذه، ثم نغتسل".
أخرجه مسلم.
وعن أبي موسى الأشعري أنه سأل عائشة - رضي الله عنهما - عن التقاء الختانين؛ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى الختانان - أو مس الختان الختان - وجب الغسل".
ورواية الشافعي عنها، أنها قالت: "إذا التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا".
وختان الرجل: موضع القطع من ذكره، وهو عند نهاية الحشفة.
وختان المرأة: موضع القطع منها: والمراد بالتقائهما في الخبر-: تحاذيهما، وذلك يحصل بغيبوبة الحشفة في الفرج.
قال الشافعي: يقال: التقى الفارسان، إذا تحاذيا وإن لم يتضاما، ولا يتصور أن تصادم الختانين؛ لأن ختان الرجل كما ذكرنا، وشفرا المرأة يحيطان بثلاثة أشياء: ثقبة في أسفل الفرج، هي مدخل الذكر، ومخرج الحيض والمني والولد.
وثقبة أخرى - فوقها، مثل إحليل الذكر، هي مخرج البول لا غير.
والثالث: فوق ثقبة البول، موضع ختانها؛ لأن هناك جلدة رقيقة قائمة، مثل عرف الديك.
وقطع هذه الجلدة هو ختانها.
قال: ويجب على المرأة من أربعة أشياء: من خروج المنى؛ لما روي عن أم مسلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل، إذا هي احتلمت؟ قال: "إذا رأت الماء".
أخرجه البخاري.
وفي حديث آخر: فقالت أم سلمة: يا رسول الله، وهل تحتلم المرأة؟ فقال: "تربت

يداك؛ فبم الشبه؟! ". أخرجه الشيخان.
وفي طريق لمسلم: "أن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا وسبق يكون منه الشبه".
وأم سليم هذه هي بنت ملحان، زوج أبي طلحة الأنصاري، وهي أم أنس بن مالك، كما قاله أهل الحديث، ولم يختلفوا فيه.
والغزالي قال - تبعاً لإمامه - والصيدلاني: إنها جدة أنس بن مالك.

والصحيح: الأول.
ومني المرأة رقيق أصفر، وقد يبيض؛ لفضل قوتها.
قال الإمام: وقد زعم بعض الأطباء أنه لا يخرج منها.
ولا شك في [أنها إذا هاجت] خرج منها، وهذا أغلب فيهن منه في الرجال.
وقال في موضع آخر: إنه لا يتصور الإحاطة بخروج المني منها إلا بفتور شهوتها فأثبت له خاصية واحد دون مني الرجل.
وتبعه الغزالي؛ فقال في "الوسيط": ولا يعرف في حقها إلا من الشهوة.
وقال في "الوجيز": والمرأة إذا تلذذت بخروج ماء منها - لزمها الغسل.
قال الرافعي: لكن ما ذكره الأكثرون - تصريحاً وتعريضاً - التسوية بين مني الرجل والمرأة في طرد الخواص الثلاث، ومن ذلك قول البغوي: إن مني المرأة إذا خرج بشهوة أو بغير شهوة يوجب الغسل؛ كمني الرجل.
وإذا وجب الغسل مع انتفاء الشهوة، كان الاعتماد على باقي الخواص.
قال: ومن إيلاج الحشفة في الفرج؛ لما سلف من حديث عائشة.
تنبيه: الألف واللام في "المني" للعهد؛ فإن المتبادر إلى الذهن منه في الشخص نفسه، وفائدة ذلك: أن الرجل لو أخذ منياً، فأدخله في ذكره، والمرأة إذا أخذت منياً فأدخلته في فرجها، ثم خرج لا يجب به الغسل؛ وهذا ما حكاه أبو الطيب، وقال: [إن] هذا بخلاف ما لو أخذ واحد منهما بولاً، فأدخله ثم أخرجه؛ فإنه يجب عليه الوضوء، ولا يجب الغسل بذلك كله، ولأن [البول] لا بد من أدنى بلة تظهر فيه؛ وهي موجبة للوضوء.
وليس كذلك المني؛ فإنه يخلو من مني يخرج معه.
والقاضي الحسين حكى فيما إذا استدخلت المرأة مني زوجها، أو من وطئ بشبهة فرجها: أه يتعلق به لحوق النسب بلا خلاف، وكذلك تاعدة على الظاهر، وهل يجب به الغسل؟ فيه وجهان، أصحهما في "الكافي": لا.

والخلاف يجري فيما إذا خرج مني الرجل الحاصل معها من وطئه، بعد غسلها، والأصح في "الكافي" - أيضا-: عدم وجوب الغسل به.
وقال الإمام - بعد حكاية القول بوجوبه عن بعض الأصحاب، الذي لم يحك سواه-: هذا عندي إذا قضت وطرها، فإن خرج قبل أن تقضيه، أو كانت صغيرة؛ فلا يجب.
وعليه جرى في "الوسيط".
وقال القاضي الحسين - بعد حكاية القول بعدم وجوبه عن بعض الأصحاب، الذي لم يحك غيره-: هذا عندي إذا أنزل الرجل، ونزل ماؤه منها عقيبه، فأما إذا مكث بعد ذلك ساعة، ينبغي أن يلزمها الغسل؛ لأن منيها اختاط بمني الرجل؛ فإذا خرج لا يخلو عن منيها، لا محالة.
وإذا جرينا على ما قيده الإمام والقاضي، لم يكن ذلك خارجا عن كلام الشيخ.
وكلام الشيخ يقتض أمورا: أحدهما: أن المني لو انتقل من محل إلى محل، من الرجل إلى المرأة، ولم يخرج - لا يجب الغسل.
وعليه يدل [مفهوم] قوله - عليه السلام - لعلي - كرم الله وجهه-: "إذا فضخت الماء؛ فاغتسل".
رواه أبو داود.
والفضخ: هو الظهور.
وقال الهروي: فضخ الماء، أي: دفقه، وهو المفهوم، صرح به الأصحاب.
وزاد الماوردي تفصيلا في مني المرأة، فقال: إذا وصل إلى باطن فرجها: فإن كانت ثيبا وجب عليها الغسل؛ لأن باطن الفرج في حقها كالظاهر؛ فإنه يجب عليها غسله في الاستنجاء.
وإن كانت بكرا فلا؛ لأنه لا يجب غسله في الاستنجاء.
الثاني: أنه لو خرج بقية المني، بعد الغسل، وجب الغسل ثانيا، وهو بذلك مقيس على ما لو خرج بقية البول، بعد الوضوء.
الثالث: [أنه] لا فرق في خروجه بين أن يكون حال اليقظة أو النوم، بشهوة أو

دونها؛ لمرض من الذكر، أو الفرج، أو غيرهما.
وهو المذكور في "التهذيب".
وفي "الحاوي": فيما إذا انكسر فقار ظهر الرجل؛ فخرج منه المني، في وجوب الغسل منه وجهان، من اختلاف قوليه في وجوب الوضوء مما يخرج من سبيل مستحدث غير السبيلين؛ ولذلك قال المتولي: إن حكمه إذا خرج من غير الذكر حكم الخارج المعتاد من غير المخرج المعتاد؛ فيعتبر فيه: الانتفاح والانسداد والأعلى والأسفل.
والمذكور في "تعليق القاضي أبي الطيب"، في كتاب الحجر، أنه: لا يوجب الغسل.
وهذا إذا استحكم المني، فلو خرج قبل استحكامه منيا، قال في "الحاوي": فلا غسل فيه، وجها واحدا.
فرع: إذا رأى الشخص منيا في ثوبه أو فراشه، ولم يتحقق أنه احتلم، فهل يجب عليه الغسل؟ قال صاحب "الفروع":لا، سواء نام معه فيه غيره، أو كان على غيره، أو انفرد به، والمشهور - وهو الأصح-: أن غيره، إن شاركه في لبسه - لا يجب عليه، وإن لم يشاركه [غيره] في استعماله: فإن كان المني من ظاهر الثوب - لا يجب أيضا.
قال الماوردي: لاحتمال أن يكون قد علقه به من غيره.
وإن كان من باطن الثوب، وجب، وعليه إعادة ما صلى من آخر لبسة لبسه فيها، والأولى: الإعادة من وقت الشك في حصول المني فيه.
وكلام الشيخ في إيلاج الحشفة يقتضي أمورا: أحدهما: أنه لا يجب بإدخال ما دونها غسل، وهو المشهور.
وعن ابن كج حكاية وجه: أن تغييب بعض الحشفة كتغييب كلها.
الثاني: أن [إدخال مقدار] الحشفة من ذكر مقطوع الحشفة، لا يوجب الغسل، وهو وجه حكاه الرافعي عن رواية ابن كج.
والإمام حكاه في باب: أجل العنين، عن رواية العراقيين.
وقال الماوردي: إن الشافعي نص عليه في كتاب "الإملاء"، وقال في "الروضة": إنه الراجح عند كثير من العراقيين.

وعلى هذا إذا أولج باقي الذكر وجب الغسل.
والذي جزم به القاضي الحسين، والإمام هنا، وكذا الفوراني، والمتولي: أن مقدار الحشفة من ذكر مقطوع قائم مقام الحشفة في ذلك وكل أحكامها غير الدية، وهو الأصح.
الثالث: أنه لا فرق في ذلك، بين أن يكون إيلاجها مع حائل من ثوب أو لا، وهو عند فقد الحائل مما لا خلاف فيه ومعه فيه ثلاث أوجه في "الحاوي": أحدها: أن الأمر كذلك؛ قياساً على ما لو كان الحائل القافة، وبه قطع البغوي والإمام.
والثاني: أنه لا يجب؛ لأن الحائل يمنع اللذة، وليست الخرقة من الذكر، بخلاف القلفة؛ ولهذا ينتقض بمسها الوضوء.
والثالث - قاله أبو الفياض البصري، وأبداه القاضي الحسين احتمالاً، بعد ذكره الأول

  • أن الخرقة إن كانت خفيفة لا تمنع اللذة ووصول بلل الفرج إلى الذكر وجب؛ وإلا فلا.
    الأمر الرابع: أنه لا فرق في إيجاب الغسل - بإيلاجها - على الرجل، بين أن يكون مولجاً فيه، أو هو مولجها في قبل غيره أو دبره، من ذكر أو أنثى، حي أو ميت، آدمي أو غيره، وهو كذلك بلا خلاف في الآدمي، وكذا في غيره، على المشهور.
    وفي "الحاوي"، في كتاب حد الزنى: أنا إن أوجبنا الحد بالإيلاج في فرج البهيمة وجب به الغسل؛ وإلا فوجهان، وجه المنع: أنه في حكم المباشرة في غير الفرج، وهي لا توجبه بلا خلاف؛ مالم يتصل بها الإنزال.
    وإذا أدخل ذكر البهيمة في دبره، يشبه أن يكون على الخلاف؛ لما ستعرفه.
    ولو أدخل ذكر خنثى مشكل في دبره، لم يجب عليه الغسل، ويجب عليه الوضوء، كما قاله العراقيون.

والمراوزة قالوا: فيما يجب عليه الخلاف الآتي، فيما إذا شك: هل الخارج من ذكره مني أو مذي؟ وكذا لا فرق في إيجاب الغسل - بإيلاجها - على المرأة، بين أن يكون الإيلاج: في قبلها أو دبرها، من حي أو ميت، صغير أو كبير، في يقظة أو منام، متصلاً ذكره - أي: الحشفة - أو مقطوعاً وهو كذلك، وفي"التتمة" حكاية وجه في الذكر" المقطوع: أنه لا يوجب الغسل؛ كما لا ينقض مسه الوضوء، على وجه.
والبهيمة: كلام الشيخ يقتضي إلحاقها بالآدمي في ذلك، وقد حكى الإمام عن شيخه ذلك؛ تعتباراً بالإيلاج في فرجها، ثم قال: وهذا فيه نظر - عندي - من جهة أن فرض ذلك في غاية الندور.
قلت: ويظهر مجيء ما حكيناه عن الماوردي فيها.
الخامس: أنه لا فرق قي إيجاب الغسل بإيلاجها، بين أن تكون: من ذكر صحيح أو أشل - وهو المذهب في "الروضة" - ولا بين أن يكون زائداً أو غير زائداً.
ولا شك في أنه إذا كان زائداً - بأن كان لكل شخص ذكران يبول بأحدهما - في عدم إيجاب الغسل بإيلاجه.
أما إذا كان يبول منهما؛ انتقض بإيلاج أيهما كان؛ لأنه ذكر رجل؛ وبهذا خالف ذكر الخنثى المشكل، والله أعلم.
قال: ومن الحيض والنفاس؛ لنا ستعرفه في باب الحيض.
قال: وقيل: يجب عليها أيضا من خروج الولد، أي: الذي لم يخرج بسببه نفاس؛ لأن الولادة مظنة خروج الدم، والحكم يدار على المظان؛ كما في الانتقاض بالنوم، وإيجاب الغسل بالإيلاج، وإن لم يتحقق إنزال الصغير.
والجمهور وجهوه بأن الولد مني منعقد من مائها ومائه؛ وهذا ما حكاه الماوردي في كتاب الحيض، عن ابن سريج.
وقال البندنيجي والروياني: ثم إنه المذهب، وهو الأصح في "النهاية"، و "الكافي"، والختار في "المرشد".

وقيل: لا يجب؛ لأن الولد لا يسمى منيا، والأحداث لا تثبت قياسا، وهذا قول ابن أبي هريرة.
فإذا قلنا بالأول، ففي أي وقت يصح غسلها؟ فيه وجهان في "الحاوي"؛ بناء على أن أقل النفاس مجة أو ساعة.
فعلى الأول: يصح عقيب خروج الولد، وما بعده.
وعلى الثاني: لا يصح إلا بعد مضي ساعة.
وعلى الخلاف في الأصل، يتخرج ما إذا ولدت في نهار رمضان: فعلى الأصح: يبطل صومها.
وعلى الثاني: لا.
ثم إذا أجرى الخلاف في وجوب الغسل [بخروج الولد بجريانه] بخروج المضغة والعلقة أولى، وبه صرح في "الكافي"، وصحح الوجوب.
وجزم البغوي والقاضي الحسين بوجوبه بخروج المضغة، [وقالا بالوجهين] في العلقة.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي بأنه لا يجب الغسل بما عدا ما ذكره، من خروج: المذي، والودي، والمجنون، وغسل الميت، وهو كذلك في خروج المذي والودي بلا خلاف، وفيمل عداه كلام يأتي.
وقد زاد بعضهم مع ذلك الموت؛ فعده موجبا للغسل.
ولا يرد على الشيخ؛ لأنه يتكلم فيما يجب فرض عين على المرء المغتسل، وذلك فرض كفاية على غير المغتسل.
وعدول الشيخ عن قوله: يجب على الرجل بشيئين، وعلى المرأة بأربعة أشياء، إلى ما ذكره - يعرفك [أن] اختياره: أن الغسل لا يجب بخروج ذلك، بل بإرادته القيام إلى الصلاة، بشرط تقدم ذلك، وهو وجه حكاه الأصحاب، مع آخر أنه يجب بهذه الأشياء، ولكن شرط ايجابها القيام إلى الصلاة، كما يقال: النكاح موجب لكمال المهر؛ بشرط التمكين من الوطء أو الموت، وهذا هو الصحيح في "التممة".
وإذا قلنا به ففي الحيض هل نقول: طرآنه موجب، أو انقطاعه؟ فيه وجهان: الذي صدر به أبو الطيب كلامه: الأول، فقال: يجب بظهور الدم، وإنما يصح

عند الانقطاع، وهو المذكور في تعليق "البندنيجي"، في كتاب الحيض.
وقال في "الكافي": إنه الأصح.
ونسبه الإمام إلى أبي بكر الإسماعيلي، وغلطه فيه، ونقل عن أكثر الأصحاب مقابله، وقال: إنه لا يظهر للاختلاف كله فائدة.
وبعضهم قال: فائدته في الحائض أنا إذا قلنا لها أن تقرأ القرآن؛ فأجنبت، هل يصح غسلها؟ إن قلنا: إن غسل الحيض يجب بطروئه، لم يصح.
والأصح، والمذكور في "الإبانة"، [و "التتمة"]: صحته على هذا القول.
وقد ذكرت في باب غسل الميت عند الكلام في الشهداء وجها ثالثا: في أنه يجب مجموع الأمرين، وفائدة الخلاف؛ فليطلب منه.
قال: وإن شك، هل الخارج من ذكره مني أو مذي أي: مثل أن نام، وانتبه، فرأى في ثوبه شيئاً؛ فلم يدر أنه مني، أو مذي، وتحقق أنه أحدهما، وتعارضت عنده الأمارات، وام يذكر لذة حصلت في نومه - فقد قيل: يلزمه الوضوء؛ لأن وجوبه محقق؛ فإن الخارج إن كان مذياً انتقض وضوءه فقط، وإن كان منياً فهو نلقض للوضوء موجب للغسل ألا ترى إلى قول أبي الطيب الذي حكيناه من قبل: إن جميع ما يخرج من الذكر موجب للوضوء، وإذا ثبت أنه ناقض للوضوء، على كل حال وجب تجديده، دون الغسل؛ لأن الأصل عدم وجوبه، واحتمال كونه منياً لا يوجبه؛ كما إذا شك: هل أحدث، أم لا؟ وهذا ما اقتضى كلام العراقيين القطع به؛ حيث قالوا: لو أولج خنثى مشكل آلة الرجل في دبر الرجل، لم يجب على المولج فيه الغسل، ووجب عليه الوضوء.
وهو [نظير هذه المسألة]؛ إذ يحتمل أنيكون الخنثى رجلاً؛ فيكون الواجب عليه الغسل، ويحتمل أن يكون امرأة؛ فيكون ما اولجه عضواً زائداً، يجب بولوجه االوضوء فقط.

ثم ظاهر كلام الشيخ أنه - على هذا - لا نكلفه غسل ما أصاب بدنه وثوبه من الخارج، وهو ظاهر؛ لأن الأصل عدم وجوبه، وهذا ما حكاه الماوردي في هذا الباب لا غير، وقال: إنه لو اختلط في الأمرين؛ فغسله واغتسل، كان أولى وأفضل.
وما ذكرناه، وإن صح توجيهه، فهو مشكل؛ لأنه يلزم منه القطع بفقد شرط من شرائط الصلاة؛ لأنه إن كان منياً فالواجب استيعاب البدن بالغسل فقط، ولم يوجد.
وإن كان مذياً: فالواجب [مع الوضوء] غسل ما أصابه من الخارج، فإذا لم يعم البدن بالغسل، ولا غسل ما أصابه تحقق فقد شرط منها، والقياس: عدم صحتها.
ولا جرم قال الشيخ: ويحتمل - عندي - أنه يلزمه الغسل؛ لأن خروجه أوجب شيئاً محققاً، ولا تحصل البراءة منه يقيناً إلا بالغسل؛ فوجب.
وإنما قلنا: إنها تحصل به يقيناً؛ لأن الخارج: إن كان منياً فهو واجبه، وإن كان مذياً فهو يغني عن الوضوء، في ظاهر المذهب عند الجمهور، كما قال الماوردي.
وظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا يحتاج معه إلى وضوء؛ لما ذكرناه من التقرير، ولا إلى غسل ما أصابه من الخارج؛ إذا قلنا بطهارة المنى، وهو ظاهر؛ فإن الأصل عدم وجوبه.
ولا شيء عند ملاقاته تحقق وجوبه، حتى نقول: يحتاط في البراءة عنه، لكنه قال في "المهذب": عندي [أنه] يجب أن يتوضأ مرتبا، ويغسل سائر بدنه، ويغسل الثوب منه؛ لأن جعله منياً ليس بأولى من جعله مذياً، ولا سبيل إلى إسقاط حكمهما؛ لأن الذمة قد اشتغلت بفرض الطهارة والصلاة؛ فوجب الإتيان بموجبهما؛ ليسقط الفرض بيقين.
وهذا قد حكاه الرافعي وجهاً في المذهب، ولا يمتنع أن يكون أبدى في كل كتاب احتمالاً غير الآخر.
وعن بعض الأصحاب حكاية وجه آخر: أنه يخير بين أن يجعله منياً ويجري جميع أحكامه، أو مذياً ويبني عليه؛ لأنه يحتمل الأمرين احتمالاً واحداص.
وهذا ما أطلق الإمام في باب سنة الوضوء [حكايته، وحكاه] عن شيخه هاهنا، والقاضي الحسين حكاه عن القفال، وهو الأصح في الرافعي، ولم يذكر الغزالي سواه، وقال: إنه لو راد الاقتصار على الوضوء، ولم يغسل ما أصابه من الخارج فالمذهب: أنه لا يجزئه.

وفيه وجه بعيد، ادعى الإمام أنه غلط؛ لما أسلفنا.
ومثله وجه مححكى في "النهاية" و "الوسيط": أنه يجزئه كالوضوء المنكس، وهو بالتغليط أولى.
وقد حكى القاضي الحسين والفوراني عن القفال: أنه: لو توضأ، ولم يغسل الثوب لا تصح صلاته، ولا يجب عليه الترتيب في الوضوء، وأنه رجع عن ذلك؛ لأجل ما ذكرناه.
والحكم فيما إذا شك: هل الخارج من ذكره مني أو مذي، كما في مسألة الكتاب وعليها تكلم الإمام في هذا الباب، وأبدى [وراء ما] حكاه عن شيخه احتمالا، وقال: قد صح في الأخبار والآثار تمييز المني بصفاته عن سائر الخارجات؛ فليس كالشاك في الحدث لا يجد علامة يتمسك بها؛ فإن العلامات - هاهنا - ثابتة.
فإذا غلب على القلب أنه مني؛ من جهة أنه لا يليق بصاحب الواقعة الودي، أو ربما كان تذكر حلما رآه، ووقاعا تخيله، ثم شاهد الخارج؛ فيجوز أن يقال: يستصحب يقين الطهر، ويجوز أن يحمل الأمر على غالب الظن؛ تخريجا على غلبة الظن في النجاسة؛ فإن هذا الذي انتهى الكلام إليه مما يغلب في مثله وقوع غلبة الظن.
ولو لم يغلب على الظن أنه مني، فلا يجب الغسل بلا الشك.
قال: ومن أجنب: يقال: أجنب الرجل، وجنب بفتح الجيم وضم النون أي: صار جنبا؛ بجماع أو إنزال.
والجنابة: البعد، وسمى بذلك؛ لبعده عن المسجد والقرآن.
ويقال: "جنب" للرجل والمرأة، والاثنين، والجمع، كله بلفظ واحد؛ قال الله - تعالى-: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة:6].
قال: حرم عليه الصلاة؛ للإجماع، وفي معناها: سجود التلاوة والشكر والطواف؛ لقوله عليه السلام:"الطواف بالبيت صلاة ... " الخبر.
قال: وقراءة القرآن؛ لقوله - عليه السلام-:"لا يقرأ الجنب، ولا الحائض شيئا من القرآن".

وعن عمر أنه قال: يا رسول الله، إنك تأكل وتشرب وأنت جنب؛ فقال:"إني آكل وأشرب وأنا جنب، ولا أقرأ وأنا جنب".
وقد كان منع الجنب من القراءة مشهورا بين الصحابة.
قال الرافعي: ولا يستثنى من ذلك إلا من لم يجد ماء أو ترابا؛ فإنه هل يقرأ الفاتحة في صلاة الفرض؟ فيه وجهان: أصحهما: التحريم؛ كما يحرم ما زاد عليها.

قال في "الروضة": والأصح الذي قطع به جماهير العراقيين وجوب قراءتها؛ لأنه مضطر إليها.
ولا فرق في تحريم القراءة على الجنب بين الجهر والإسرار إذا نطق به بلسانه.
وقراءته بالقلب من غير تلفظ باللسان، لا تحرم، وكذا النظر إلى المصحف؛ قاله الماوردي.
وقال: إنه لا فرق في تحريم القراءة باللسان، بين قراءة جميع القرآن، أو آية منه، أو حرف؛ لعموم الخبر.
وقال أبو الطيب: [إنه] لو كبر أو هلل، وقال كالآمر: خذ الكتاب بقوة، ونحو ذلك - إن قصد به غير القرآن جاز، وإن قصد به القرآن، لم يجز.
وسكت عن حالة الإطلاق، والظاهر التحريم؛ كما هو مقتضى كلام الماوردي.
وكلام الغزالي أصرح في المنع منه؛ فإنه قال: يستوي في التحريم الآية وبعضها، إلا أن يأتي بها على قصد الذكر، كقوله: باسم الله، والحمدلله.
وكلام القاضي الحسين، في باب صفة الغسل [يدل] على عدم التحريم؛ حيث قال: والصحيح أنه يستحب للجنب التسمية؛ لأنها تجوز له على قصد قراءة القرآن؛ وهذا قد صرح الإمام بحكايته عن شيخه، وقال: إنه مقطوع به؛ فإن القصد مراعى في

هذه الأبواب؛ فاقتصر الرافعي على إيراده.
قال: ومس المصحف، وحمله؛ لأنه إذا حرم ذلك على المحدث؛ فعلى الجنب أولى.
وفروع ذلك مذكورة فيما تقدم.
قال: واللبث في المسجد؛ لقوله عليه السلام:"لا أحل المسجد لحائض، ولا جنب".
فإن قيل: هذا الخبر يقتضي تحريم مروره فيه، ولا خلاف عندكم في جوازه؛ كما أفهمه قول الشيخ:"واللبث في المسجد".
قلنا: قوله - تعالى-: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء:43] دل

على جوازه؛ فإن المراد بالصلاة في الآية موضعها، قال الله - تعالى-: ﴿لهدمت صوامع وبيع وصلوت﴾ [الحج: 40]، والصلوات لا تهدم؛ وإنما يهدم مكانها.
وقوله - تعالى-: ﴿إلا عابري سبيل﴾ يؤيد ذلك؛ فإن العبور على فعل الصلاة، لا يصح؛ وإنما يصح على مكانها؛ وحينئذ فتقديرها: لا تقربوا مواضع الصلاة ... إلى آخرها.
قال أصحابنا: ونهيهم عن قربان مواضعها في حالة السكر الطافح؛ خشية من تلويثها.
كما نهى - عليه السلام - عن إدخال الصبيان والمجانين الذين لا يستمسكون عنها.
وقال أبو إسحاق: تقدير الآية: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوا مواضع الصلاة وأنتم جنب إلا عابري سبيل.
قال الماوردي: وهذا التأويل نقل عن علي، وابن عباس.
ولأنه مكلف أمن منه تنجس المسجد؛ فجاز له العبور فيه؛ كالمحدث.
نعم، ذلك مكروه إلا لغرض؛ كما إذا كان المسجد في طريقه إلا مقصده، أو كان أقرب الطريقين إليه.
وفي "تعليق القاضي الحسين": أنه: إذا كان في المسجد، وله طريقان أحدهما أقرب، والآخر أبعد؛ فاجتاز الأبعد، حتى لو بلغ مسافة القصر.
وفي "الرافعي" حكاية وجه، فيما إذا كان له طريق غير المسجد: أنه لا يجوز له

العبور فيه، ولا يجوز له التردد في أكنافه، بلا خلاف.
وإليه يرشد قول الشيخ:"واللبث في المسجد"؛ فإن التردد فيه لبث.
قال الإمام، قبيل باب البياعات: ولا نكلف من أجنب في المسجد بالإسراع، بل يمشي على الاعتياد، ولعل الضبط فيه: ألا يعرج في موضع تعريجا يقتضي بأن مثله يكون أقل ما يجزئ في الاعتكاف؛ إذا جرينا على أن الاعتكاف شرطه اللبث.
ثم تحريم اللبث مخصوص بما إذا لم تدع إليه ضرورة.
فإن دعت: كما إذا نام في المسجد، فاحتلم، ولم يمكنه الخروج؛ لإغلاق الباب، أو لخوف فلا تحريم.
وليتيمم في هذه الحالة تطهراً وتخفيفاً للحدث، بقدر الإمكان؛ وهذا إذا وجد تراباً غير تراب المسجد، فلو لم يجد سواه لا يتيمم به.
وفي "تعليق القاضي الحسين" وجه: أنه يتيمم به.
وهذا مخصوص بالمسلمين؛ فإن في منع الكافر الجنب من اللبث فيه خلافاً يأتي في الكتاب.
وتخصيص الشيخ الجنب بما ذكره من الأحكام، وإن كانت الحائض والنفساء تشركه فيه؛ لامتيازهما بأمر ستعرفه في بال الحيض.
وقد أفهم ذكر الشيخ ما يحرم على الجنب، وكذا ما يحرم على الحائض - إباحة ما عدا ذلك لهما من: الأكل، والشرب، والنوم، وغير ذلك، وعليه دلت الأخبار.
نعم، قال الأصحاب: يستحب للجنب: ألا يأكل، ولا يشرب، ولا يجامع، ولا ينام؛ حتى يتوضأ وضوءه للصلاة، ويغسل فرجه، ولا يستحب مثل ذلك للحائض والنفساء إلا بعد انقطاع طمهما.
قال ابن الصباغ وأبو الطيب: والفرق: أن وضوء الحائض لا يفيد شيئاً، ولا كذلك وضوء الجنب؛ فإنه يخفف الجنابة، ويزيلها عن أعضاء الوضوء، ويطهرها.
والإمام قال: إنه لا يرفع الحدث، وقضية ذلك التسوية، والله أعلم.

باب صفة الغسل

ومن أراد الغسل - أي: الواجب - نوى الغسل من الجنابة: أي إن كان جنباً، أو

الحيض، أي: إن كان حيضاً، وكذا الغسل من النفاس، إن اتصف به؛ [لأنه] الذي عليه.
ولو حملنا "أو" في كلام الشيخ على التخيير، لكان له وجه؛ لأنه حكى وجهاً فيما إذا كان عليه حدث الحيض، فنوى رفع حدث الجنابة، أو بالعكس - أنه يجزئه؛ كما لو نوى المتيمم استباحة الصلاة من الجنابة، وكان حدثه حدثاً أصغر؛ فإنه يجزئه.
والصحيح: أنه لا يجزئ، لأنه نوى غير ما عليه، والحدث الأكبر والأصغر بالنسبة إلى التيمم على حد واحد؛ لأنه لا يختلف الواجب فيه بسببهما.
وعليه يتعين حمل كلام الشيخ على ما ذكرناه.
قال: أو نوى الغسل؛ لاستباحة ما لا يستباح إلا بالغسل لتضمن نيته رفع ما عليه، ويندرج في ذلك: ما إذا نوت المرأة التي انقطع حيضها أو نفاسها استباحة الوطء.
وفي "النهاية" وجه عن رواية أبي علي: أن غسلها لا يصح بهذه النية؛ فإنها نوت ما يوجب الغسل.
والأصح: الأول.
وفي "التهذيب": أنها تستفيد بهذا الغيل حل الوطء.
وهل يباح لها الصلاة به؟ فيه وجهان: أصحهما: لا.
وقد أفهم كلام الشيخ أن النية على نحو آخر سوى ما ذكره لا تجزئ.
ولا شك في أن من نوى الغسل المفروض، أو فريضة الغسل، أجزأه، وكذا لو نوى رفع الحدث عن جميع البدن؛ صحت نيته.
ولو نوى رفع الحدث الأصغر: فإن تعمد، لم يصح غسله، في أصح الوجهين.

وإن غلط، وظن أن الأصغر حدثه، لم يرتفع الحدث عن غير أعضاء الوضوء.
وفي ارتفاعه عن المغسول من أعضاء الوضوء وجهان: أصحهما الارتفاع.
وعلى هذا: وفي ارتفاعه عن الرأس وجهان؛ لأن واجبها في الوضوء المسح، وفي الغسل الغسل، والمسح لا يقوم مقام الغسل.
قلت: وليت شعرى، القائل بارتفاعه: هل يقول بارتفاعه عن جملة الرأس، أو عن القدر المجزئ في الوضوء؟ والظاهر: الثاني، وإن صح فأي موضع هو؟ ولو نوى رفع الحدث مطلقاً، هل يجزئ؟ قال الإمام: الوجه الذي لا يتجه غيره: الإجزاء؛ لأن الحدث عبارة عن المنع من الصلاة، وهذا ما حكاه الماوردي، في باب النية في الوضوء.
وغيرهما حكى فيه الوجهين، وصحح فيه الإجزاء.
وهذا إذا لم يكن عليه غير الأكبر، فلو كان عليه معه حدث أصغر، قال في "الحاوي": إن قلنا: إن الأكبر يسقط الأصغر إذا اجتمعا، أجزأته نية رفع الحدث؛ وإلا فلا تجزئه عن واحد منهما.
ولو نوى الشخص استباحة ما يستحب له الغسل: كالأذان، والمرور في المسجد - ففي ارتفاع حدثه وجهان، والوجه الثالث المذكور في الوضوء جار هنا.
قال: ويتوضأ كما يتوضأ للصلاة؛ لما روي عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة توضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد روى بشرته [أفاض عليه الماء]، ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده".
أخرجه البخاري ومسلم.

وهذا من الشيخ يقتضي أنه يأتي بالوضوء كاملاً؛ كما هو ظاهر الخبر، وبه صرح الماوردي.
لكن قد جاء في البخاري، عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال: "توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه للصلاة، غير رجليه، وغسل رجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض الماء عليه، ثم نحى رجليه فغسلهما".
وذلك صريح في تأخير غسل الرجلين.
ولا جرم قال الإمام، ومن تبعه: إن في استحباب تقديم [غسل الرجلين] وتأخيرهما - قولين، ونسب القول المرافق لرواية ميمونة إلى "الإملاء".
والبندنيجي قال: إنه ظاهر نصه في "الويطي".
وهو الأصح في "الكافي".
قال الروياني، في "تلخيصه": إن ظاهر نصه في الجديد مقابله.
وصححه، وكذا الرافعي.
وقال القاضي الحسين: إنه يتخير - إن شاء قدم غسلهما، وإن شاء أخره - لصحة الروايتين.
ثم في الأمر بالإتيان بالوضوء الكامل [في أول] الغسل، ما يغني عن التصريح بأمرين: أحدهما: الأمر بإتيان التسمية في أوله، كما صرح بذكرها العراقيون، والماوردي واستدل بقول عائشة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله عزوجل على كل أحيانه".
وفي "التتمة" حكاية وجه آخر، أنه: يكره [له] التسمية، وهو في "تعليق القاضي" وقال: إن من أصحابنا من قال: الأولى أن يقول: باسم الله العظيم، أو الحليم، الحمد لله على الإسلام؛ حتى لا يكون على نظم القرآن.

الثاني: غسل الكفين في أوله، وقد دلت رواية عن عائشة على ذلك؛ فإنه روى عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء، فيدخا أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه" أخرجه البخاري ومسلم.
وهذا الحديث يدل على طلب غسل الفرج باليد اليسرى، قبل الوضوء للغسل.
والنص في "المختصر"، الذي جرت عليه الأصحاب: أن ذلك مطلوب؛ لإزالة ما عليه من أذى.
ومفهوم كلامهم: أنه إذا لم يكن عليه أذى لا يكون مطلوباً بخصوصه، وإذا كان كذلك لم يكن غسله من سنن الغسل؛ لأنه غير راتب فيه؛ فلذلك لم يذكره الشيخ فيه.
فائدة: هذا الوضوء هل يحتاج إلى نية تخصه أو لا؛ لأنه من سنن الغسل؛ فنيته تشمله؛ كما تشتمل نية الوضوء المضمضة والاستنشاق؟ الذي حكاه الرافعي: الثاني، وهو ظاهر ملام الأصحاب والشيخ.
وقال في "الروضة": المختار: أنه ينوي به سنة الغسل.

قال: ثم يفيض الماء على رأسه، ويخلل أصول شعره، أي: الذي في رأسه، ولحيته.
اعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي: أن تخليل الشعر، يكون بعد إفاضة الماء على الرأس والذي دل عليه الخبر: أنه قبله، وهو الذي ذكره الأصحاب، فقالوا: يستحب بعد وضوئه أن يدخل يديه في الإنلء، ثم يخرجهما، ويخلل بأصابعهما مبلولة شعره، ثم يفيض الماء على رأسه، كذا قاله أبو الطيب، والماوردي، والقاضي الحسين.
وهو صريح في أنه لا يخلله بما يفيضه.
وابن الصباغ قال: إنه يدخل أصابعه العشرة في الإناء، فيأخذ الماء بها، فيشرب به أصول شعره، من رأسه ولحيته، أي: ليسهل إيصال الماء إليه.
وعبارته في "المهذب" "المهذب": فيأخذ غرفة؛ يخلل بها لأصول شعره، من رأسه ولحيته".
وإذا أردنا أن نرد كلام الشيخ إلى ذلك قلنا: "الواو" لا تقتضي ترتيباً، وتقدير كلامه: ثم يخلل أصول شعره بغرفة أو بلل الماء، ثم يفيض الماء على رأسه، والله أعلم.

قال: ثم يفيض الماء على سائر جسده؛ للخبر.
و"سائر" - هاهنا - بمعنى الباقي، مأخوذ من "السؤر" بالهمز وهو البقية، والمراد به: ما عدا الرأس، وهذا يقتضي أنه يفيضه على ما غسله في الوضوء من يديه ورجليه.
ولا يكتفي بغسل ذلك في الوضوء، وهو ظاهر؛ لأنه غسله على وجه السنة؛ فلا يغني عن الفرض.
ولو قيل بأنه يجزئ عنه، لم يبعد؛ أخذاً مما حكيناه عن أبي الطيب آخر الباب قبله فيما إذا توضأ الجنب عند إرادة النوم، أنه يرتفع حدثه عن أعضاء وضوئه، والله أعلم.
قال: ويدلك ما وصلت إليه يده من بدنه؛ لقوله عليه السلام: "بلوا الشعر، وأنقوا البشرة".
وبه يحصل غنقاء البشرة.
قال: يفعل ذلك

-[أي: التخليل، والإفاضة، والدلك]-

ثلاثاً.
ووجهه في إفاضة الماء على الرأس: الخبر، وفي باقي الجسد القياس عليه، وعلى الوضوء.
وفي الدلك القياس على المرة الأولى.
زظاهر كلام الشيخ: أن التخليل والإفاضة على الرأس والجسد يفعل مرة ثم مرة ثم مرةة، والخبر يقتضي موالاة التخليل، وموالاة الإفاضة على الرأس، ثم غسل باقي الجسد بعد ذلك، وهو ما نص عليه في "المختصر"، والأصحاب كافة.

وقد استحب الأصحاب في الغسل أن يبدأ بشقه الأيمن، ثم اليسر؛ لما روى مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة - دعا بشيء نحو الحلاب؛ فأخذ بكفه: بدأ بشق لاأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه"، وقال البخاري: "على وسط رأسه".
والحلاب: إناء ضخم يحلب فيه.
قال: فإن كانت إمرأة تغتسل من الحيض -[أي]: أو النفاس - استحب لها أن تتبع أثر الدم - أي: في الموضع الذي يجب غسله من الفرج، كما قال البندنيجي فرصة من مسك؛ لما روي عن عائشة أنها قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن الغسل من الحيض؟ فقال:"خذي فرصة من مسك؛ فتطهري بها"، فقالت: كيف أتطهر بها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"سبحان الله! - واستتر بثوبه - تطهري بها"، واجتذبها فعرفتها الذي أراده.
وقلت لها: يعني: تتبعي بها أثر الدم، يعني: الفرج".
أخرجه البخاري ومسلم.
والفرصة: بكسر الفاء على المشهور ويقال: بالضم، والفتح - أيضا - وبالصاد المهملة: القطعة من كل شيء، ذكره ثعلب؛ مأخوذ من: فرصت الشيء؛ إذا قطعته: وعن الجوهري: أن الفرصة: قطعة من قطن، أو خرقة تمسح المرأة بها دم الحيض.
والمسك بكسر الميم: الطيب المعروف.
وكانت العرب تسميه: المشموم.

وقد قيل: إن فرصة المسك في قوله - عليه السلام - قطعة من الصوف، أو القطن يذر عليها المسك، ويتبع بها أثر الدم، وعليه [يدل] قوله - عليه السلام - لأسماء: "ثم تأخذ فرصة ممسكة؛ فتطهر بها" رواه مسلم.
وقال أبو عمرو: مراده: قطعة من السك بضم السين وهو طيب معجون بالمسك، يكون عند أهل المدينة، ولا يسمى: فرصة، إلا إذا كان فيه مسك؛ فإن لم يكن فيه مسك، سمي: سكيكة، حكاه في "الحاوي".
وعن أبي عبيد: إنما هي "قرصة" بقاف مضمومة من "مسك" بفتح الميم أي: قطعة من جلد، تحك بها موضع الدم؛ كي لا يبقى منه شيء.
والمشهور: الرواية الأولى.
قال الماوردي: وإن كانت رواية أبي عبيد محفوظة، لم يمتنع أن تجمع بين الأمرين.
وعلى المشهور قال الشيخ: فإن لم تجد؛ فطيبا غيره؛ لأن المقصود من استعمال المسك تطييب رائحة المحل؛ لتكمل لذة الزوج، وهذا المعنى موجود في غيره من الطيب، وهذا ما حكاه البندنيجي، والقاضي الحسين، والإمام [و] الغزالي، وغيرهم.
وعليه نص في "الأم" حيث قال: فإن لم يكن مسك، فطيب ما كان؛ اتباعا للسنة.
واشترط بعض الأصحاب في تأدية السنة به، أن يكون في الطيب المستعمل حرارة كالمسك؛ لاعتقاده أن المعنى في المسك: ما فيه من قطع الرائحة، يطيب المحل، مع أن فيه حرارة يتعجل العلوق بسببها.
وصحف بعض الأصحاب لفظ المزني؛ فقال: فإن لم تجد؛ "فطينا" بالنون والصحيح: الأول؛ لما ذكرناه من نصه.
نعم، لو عدم الطيب، فتتبعته بالطين، قال ابن الصباغ: فلا بأس.
وقال البندنيجي: إن المستحب المسك، فإن لم تجد، فطيبا، فإن لم تجد فطينا.
وكذا قاله الرافعي.

ثم في أي وقت تستعمل المسك، وبدله؟ فيه وجهان في "الحاوي"؛ بناء على ما ذكرناه من المعنيين: فمن قال: إن العلة طيب المحل فقط قال: تستعمله بعد كمال الغسل.
ومن قال بالآخر، قال: تستعمله قبله.
قال: فإن لم تجد، فالماء كاف؛ لأن رفع الحدث مقصور على الماء، والطيب تكميل وتزيين.
فإن قيل: أي فائدة في قوله: "فالماء كاف"، مع قوله: "استحب لها أن تتبع أثر الدم ... " كذا، وهو يدل على أن الماء كاف؟ قلت: الفائدة فيه تعريفك: أن الخبر وإن كان ظاهره الوجوب؛ فهم محمول على الاستحباب.
فإن قلت: الماء كاف، سواء وجدت الطيب أم لم تجده؛ فلا فائدة في تقييد ذلك بالفقد.
قلت: بل له فائدتان: إحداهما: تعريفك أنها لا تنتقل إلى الطين؛ كما حكيناه عن غيره.
الثانية: أنها عند عدم الطيب غير مقصرة في طهارتها، ولا كذلك عند وجوده؛ فتقدير كلامه: فالماء كاف في الخروج عن الأمر، والله أعلم.
قال: والواجب من ذلك: النية؛ للخبر المشهور.
وسكوت الشيخ عن وقتها يعرفك أنه ليس لها وقت تتعين فيه؛ بل الواجب الاتيان بها عند غسل [أول] جزء من البدن.
ومنه يفهم أنه لا ترتيب في الغسل، كما صرح به الأصحاب؛ بل أي جزء بدأ بغسله، واقترنت به النية اعتد به وبما بعده، ولا يعتد بما غسله قبل النية.
نعم، في "الحاوي" حكاية وجهين، في أن ما يتقدمه من السنن، إذا لم تقترن به النية، هل تنعطف عليه النية الطارئة؟ فيه وجهان، سلف مثلهما في الوضوء.
والمذكور في "الرافعي" وغيره: أنه لا يعتد بها، وهو الأصح.

ثم هل يحتاج في النية مع ما ذكرناه إلى الإضافة إلى الله تعالى؟ فيه وجهان في "الوسيط"، في باب صفة الوضوء.
ثم ذكر وجوب النية في الغسل يقتضي اشتراط الإسلام في صحة الغسل؛ إذ من شرط النية الإسلام، وهذا هو المشهور.
وحكى ابن الصباغ وغيره وجهاً آخر: أنه لا يشترط، [حتى] إذا اغتسل الكافر، ثم أسلم، لا يجب عليه إعادته.
وفصل الإمام، فقال: إن تعلق بغسله حق المسلم: كما إذا انقطع دم حيض المرأة أو نفاسها، وهي تحت مسلم، فاغتسلت؛ لأجل حل وطئه - فإنه يستبيح وطأها، وهل يجب عليها إعادة الغسل إذا أسلمت؟ فيه وجهان سلفا في باب الحيض: والمذكور منهما في "الحاوي"، في باب النية في الوضوء المنع.
والذي صححه الإمام [ثم]: الصحة؛ قياسا على ما إذا وجب على الكافر الكفارة، فأخرجها، ثم أسلم لا يلزمه الإعادة؛ كما نص عليه الشافعي.
قال: وكان الفرق على الوجه الآخر: أن الكفارة المؤداة بالمال لا تخلو عن غرض مرعي لآدمي: من تخليص عن رق، أو إطعام محتاج، أو كسوة عار؛ فكان أمر النية أضعف فيها.
والغسل قد لا يتعلق بحق آدمي؛ فإن المرأة إذا لم تكن ذات زوج، كان غسلها لله عز وجل.
وما صححه الإمام، إليه ميل ابن الصباغ؛ فأبداه احتمالا فيما إذا اغتسلت، ولم تنو الغسل من الحيض: أن زوجها لا يستبيح وطأها؛ كالمسلمة، وكالذمي إذا ظاهر وأعتق، ولم ينو، لا يجزئه.
وإن نوى أجزأه.
وأما إذا لم يتعلق به حق آدمي: كالخلية إذا اغتسلت [من الحيض]، والرجل إذا اغتسل من الجنابة - ففيه طريقان، أحدهما: القطع بأنه لا يجزئ، وطرد أبو بكر الفارسي الخلاف فيه.
وحكى الإمام عن المحاملي رواية وجه: أنه يصح من كل كافر كل طهر: غسلا كان أو وضوءا أو تيمما، وهذا في غاية الضعف.
قال: وإيصال الماء إلى الشعر والبشرة؛ لقوله - عليه السلام -: "تحت كل شعرة

جنابة؛ فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشرة".
رواه أبو داود.
فإن قلت: هذا يرويه ابن وجيه، وهو ضعيف.
قلنا: يعضده ما رواه أبو داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسله، فعل به كذا وكذا من النار".
وهو صحيح [الإسناد].
ولا فرق في الشعر الذي يجب غسله، بين شعر الرأس وغيره، وسواء فيه أصوله وما استرسل منه، وكذا لا فرق بين ما كثر منه أو قل، حتى لو بقيت شعرة واحدة، لم يصبها الماء لم يجزئه.
ولا يستثنى من ذلك إلا مانبت في العين؛ فإنه لا يجب غسله؛ لأن إدخال الماء في العين لا يجب.
وإذا ترك شعرة واحدة، لم يغسلها، ثم قلعها - قال الماوردي: إن كان الماء قد وصل إلى [أصلها، أجزأه؛ وإلى فيوصله إليه.
وكذا لو أوصل الماء إلى] أصول شعره، ثم جزه أجزأه.
وإن كان لم يوصله إليه، فيوصله.
وعن "فتاوى ابن الصباغ": أنه يجب غسل ما ظهر.
وفي "البيان" وجهان: أحدهما: يجب.
والثاني: لا [يجب؛ لفوات ما وجب غسله]: كمن توضأ، وترك رجله، فقطعت.
وقد أغنى ذكر هذا الواجب عن التصريح بأمور:

أحدهما: وجوب حل الذؤابة والضفائر؛ إذا كان الماء لا يصل إلى الشعر أو البشرة إلا به؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب - وبه صرح الأصحاب.
فإن قلت: قد روى مسلم عن أم سلمة، أنها قالت: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: "لا؛ إنما يكفيك أن تحتي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليه الماء؛ فتطهرين".
قلنا: هذا محمول على ما إذا كان الشعر خفيفا، والشد لا يمنع من وصول الماء إليه، ولا إلى البشرة؛ فإنه في هذه الحالة لا يجب النقد عندنا.
ولا يستثنى مما ذكرناه إلا باطن ما انعقد من الشعر، الذي لا يمكن حله؛ فإنه يسامح فيه.
وعن الروياني، حكاية وجه آخر: أنه يلزمه قطعها.
الثاني: وجوب غسل ما على الشعر أو البشرة؛ إذا كان يمنع وصول الماء إلى ذلك؛ لما ذكرناه.
نعم، لو كان لا يمنع وصوله إليه: فإن كان طاهرا، لم يجب غسله، ولكن يستحب.
وإن كان نجسا: فهل يجب إزالته قبل الغسل؟ وذلك ينبني على أن المرة الواحدة، هل تكفي في إزالة ما على المحل من نجس وحدث؟ وفيه وجهان: الظاهر من المذهب - كما [قاله الرافعي فيهما]-: أنه لا تكفي؛ وإنما يحصل إزالة النجاسة فقط، وهذا ما حكاه القاضي الحسين، في باب: النية في الوضوء، و "المتولي" عند الكلام في غسلات الكلب.
وعلى هذا، لا بد من إزالته قبل الغسل، فإن لم يزله كانت الغسلة لإزالة النجاسة؛

ولأجله عد كثير من الأصحاب إزالة النجاسة عن المحل واجباً في الغسل، ولا حاجة إليه.
وعلى مقابله، وهو ما حكاه ابن الصباغ في أثناء فرع أوله: إذا أدى اجتهاده إلى طهارة أحد الإناءين؛ فيتوضأ به، ولم يحك أبو الطيب في باب: النية في الوضوء غيره، وصححه في "الروضة"-: لا يجب ذلك، ويستحب.
الثالث: [أنه] لا فرق في إيصال الماء إلى البشرة تحت الشعر، بين أن يكون خفيفاً أو كثيفاً، وهذا بخلاف الوضوء.
والفرق: أنه يتكرر في اليوم والليلة؛ فيشق تكليفه غسل ما تحت الكثيف، بخلاف الغسل.
الرابع: أنه يجب إيصال الماء إلى ظاهر أذنيه وباطنهما، وما ظهر من صماخيه؛ لأن اسم البشرة يشملهما، ولا يجب إيصاله إلى داخل الفم، والأنف، والصماخ؛ لعدم شمول الاسم له، وهو كذلك عند العراقيين؛ لأن ذلك لا يجب في غسل الميت، ولو وجب [في] غسل الحي، لوجب في غسل الميت.
وفي "النهاية" حكاية وجه: في وجوب المضمضة، والاستنشاق.
والمشهور: الأول.
نعم، لو جدع أنفه؛ فهل يجب إيصال الماء إلى ما ظهر من جوفه؟ فيه وجهان في "التتمة"، أظهرهما في "الرافعي": الوجوب.
وعكسهما: أنه هل يجب إيصال الماء إلى ما تحت القلفة من الأقلف؟ فيه الوجهان، والمذكور منهما في فتاوى العبادي؟ أنه لا يجب، وفي "الرافعي": أن أظهرهما الوجوب.
الخامس: أنه لا يجب إيصال الماء إلى داخل الفرج، وهو ما ذكره الإمام ومن تبعه؛ قياساً على داخل الفم؛ وعلى هذا يكفي غسل ما وراء [ملتقى] الشفرين.

والجمهور على أنه يجب غسل ما يبدو في حال قعودها لقضاء الحاجة، دون ما جاوزه، وذلك يختلف باختلاف البكر والثيب، وهو مشبه في حق الثيب بما بين الأصابع، كما حكاه الماوردي، عن الشافعي.
ومنهم من قال: يجب ذلك في حق الثيب، في الغسل من الحيض والنفاس خاصة؛ لإزالة الدم.
وقال في "التتمة": إنه يجب عليها ذلك في الغسل من الحيض والنفاس.
وهل يجب في الجنابة؟ إن قلنا: رطوبة فرجها نجسة، فلا يجب؛ وإلا فوجهان.
ولفظ القاضي الحسين: "أنه: هل [يجب] إدخال الماء والأصبع في الفرج؟ فيه أوجه: أحدها: يجب؛ لأنه صار في حكم الظاهر.
الثاني: لا؛ لأنه يزيده فساداً.
الثالث: يجب ذلك في الغسل من الحيض، دون الجنابة؛ لأنها نجاسة عينية، بخلاف الجنابة.
وقال القفال: ما يبدو منها عند القعدة، يجب إيصال الماء إليه.
وهذا من القاضي يفهم أن الخلاف الأول جار فيما وراء ما يبدو عند القعد، وقد تقدم مثله وجهاً في الاستنجاء.
قال: وسننه الوضوء.
أما مشروعيته؛ فلما ذكرناه، وأما كونه غير واجب؛ فلقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فأطهروا﴾ [المائدة: 6] وإذا اغتسل من غير أن يتوضأ يقال له: متطهر، ومغتسل، وخبر أم سلمة السالف يدل على ذلك.
وقد ذهب أبو ثور إلى وجوبه؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلوة ...﴾ إلى أن قال: ﴿وإن كنتم جنباً فأطهروا﴾ [المائدة:6]، وليس جنب إلا وهو محدث؛ فوجب الجمع بينهما.
ولأنه - عليه السلام - فعله، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مخرج البيان لمجمل واجب في القرآن، كان واجباً.
ترى إلى قوله تعالى-: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: 228]، ثم

قال: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: 4] ولا يلزم الجمع بينهما.
ولا نسلم أن [كل جنب] محدث، وإن سلمنا أن كل جنب محدث، قلنا: هما عبادتان من جنس واحد، فإذا اجتمعتا دخلت الصغرى في الكبرى كالحج والعمرة.
وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم - بما ذكرناه - محمول على الاستحباب.
قال: والدلك: أما مشروعيته؛ فلما سلف، وأما كونه سنة؛ فلأنه يسمى مغتسلاً بدونه، يقال: غسل السيل الوادي، وإن فقد الدلك.
ويسمى السيل الكثير: غاسولاً، وخبر أم سلمة السالف يدل عليه.
ولأنه غسل واجب؛ فلم يجب فيه إمرار اليد؛ كما في غسل الإناء من ولوغ الكلب.
وقد أوجب المزني دلك ما وصلت إليه يده من بدنه في الغسل، وعلى أعضاء الوضوء في الوضوء؛ قياساً على التيمم؛ فإنه يجب إمرار اليد فيه بالتراب على الأعضاء.
والأصحاب قالوا: الواجب إمرار التراب عليها.
نعم، لو لم يحصل إلا بإمرار اليد وجب؛ لأجل ذلك، والماء يصل بدون اليد.
قال: والتكرار؛ كما في الوضوء.
فإن قلت: ما ذكرتم من الخبر لا يدل على تكرار غسل البدن، وتكرار إفاضة الماء على رأسها باليد ثلاثاً؛ لتحقق وصول الماء إلى شعرها وبشرتها؛ وكذلك علق الكفاية عليه في خبر أم سلمة.
والقياس على الوضوء ممتنع؛ لأن الوضوء يستحب تجديده، بلا خلاف، وفي استحباب تجديد الغسل وجهان، أصحهما: لا؛ وذلك يدل على الفرق [بينهما.
قلت:] ولأجل هذا الخيال احتاج الشيخ إلى ذكره، وإن كان في قوله: "الواجب من ذلك النية، وإيصال الماء إلى الشعر والبشرة" غنية عنه.
قال: والمستحب ألا ينقص الماء في الغسل عن صاع، ولا في الوضوء عن مد؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا من الشيخ يغني عن التوجيه، وما استدل به رواه مسلم، فقال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع".
زاد البخاري: "إلى خمسة أمداد".

وروى أيضاً عن سفينة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسله الصاع من الماء من الجنابة، ويوضئه المد".
واختلف أصحابنا في الصاع والمد: هل هو صاع الزكاة ومدها، أم لا؟ المشهور: الأول.
وقيل: إن الصاع هنا ثمانية أرطال، والمد رطلان، [وقد رواه أنس].
والتقدير بهما تقريب، لا تحديد.
ويتقص - بفتح الياء - يقال: نقص الشيء، ونقصته.
قال الله - تعالى-: ﴿ننقصها من أطرافها﴾ [الرعد: 41].
فإن نقص عن ذلك، وأسبغ أجزأه؛ لأن الله - تعالى - لم يقدر الغسل

والوضوء بشيء، وفعله - عليه السلام - محمول على الاستحباب؛ يدل عليه أنه روي: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ بثلثي مد، وكان يتوضأ بما لا يبل الثرى.
وروى مسلم عن عائشة، أنها قالت: كنت أغتسل، أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء يسع ثلاثة أمداد، أو قريباً من ذلك.
وهذا ما نص عليه الشافعي، وأيده بأنه قد يرفق بالقليل؛ فيكفي، ويخرق بالكثير؛ فلا يكفي.
وعبارة الإمام عنه: "قد يرفق الفقيه بالقليل؛ فيكفي، ويخرق الأخرق بالكثير؛ فلا يكفي".
والإسباغ: أن يعم جميعه الماء، ويجري عليه، وما دونه مسح، لا غسل.
وقد أفهم قول الشيخ: "والمستحب ألا ينقص" أن الزيادة على ذلك فيهما ليست مكروهة، وربما أنها محبوبة، وعليه تدل رواية البخاري عن عائشة قالت: "كنت أغتسل، أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، من قدح يقال له: الفرق".
قال الشافعي في "الأم": و "الفرق": ثلاثة آصع، يكون ستة عشر رطلاً.
وأما "الفرق" بسكون الراء، فمائة وعشرون رطلاً.
وكلام الأصحاب يدل على ان المستحب الاقتصار على الصاع والمد؛ لأن الرفق محبةب، وعليه يدل ما روى أنه - عليه السلام - قال: "سيأتي أقوام يستقلون هذا؛ فمن رغب [عن سنتي، فليس مني، ومن رغب] في سنتي، وتمسك بها - بعث

معي في حظيرة القدس".
قال: ومن وجب عليه وضوء وغسل، أجزأه الغسل، على ظاهر المذهب.
هذا الفصل يعرفك [أن] ما ذكره آنفاً: [من كون] الوضوء من سنن الغسل، إذا لم يكن عليه حدث أصغر ثبت مستقلاً، وصورته: أن يولج في دبر ذكر، أو فرج بهيمة؛ وكذا لو لف على ذكره خرقة، وأولج في فرج امرأة؛ على الصحيح، زبها صوره الشيخ أبو محمد.
وعدل عن التصوير بما إذا نظر بشهوة؛ فأنزل؛ لأن خروج المني - عنده - يحصل الحدثين، كما ذهب إليه القاضي أبو الطيب.
ووجه ذلك بأنه لا يتصور خروج المني وحده؛ بل يخرج معه رطوبة، يتعلق بها وجوب الوضوء.
قال الإمام: وفي هذا نظر؛ لأن المني إذا انفصل، فهو طاهر، وتلك الرطوبة التي قدرناها ينبغي أن تكون نجسة، ثم يجب الجكم بنجاسة المني.
[قلت:] وهذ قاله الإمام بناء على اعتقاد أن رطوبة [باطن الذكر كرطوبة فرج المرأة، وإنما المنع من الحكم بنجاسة رطوبة بلطن الذكر؛ لأنها لا تخرج] كرطوبة

فرج المرأة؛ كما ستعرفه في باب إزالة النجاسة.
وكلام غيره يدل على طهارتها.
والذي ذهب إليه الشيخ أبو حامد أن خروج المني لا يوجب غير الحدث الأكبر.
وألحق بها المسعودي الجماع في الفرج؛ لأن اللمس الذي يتضمنه مغمور [به]، واستشهد له بأن من جامع في الحج يلزمه بدنة لا غير، وإن كان متضمناً اللمس، ومجرد اللمس يوجب شاة.
والأكثرون على أنه يوجب الوضوء والغسل.
والفرق بين ذلك وبين خروج المني: أن سبب الحدث الأصغر - هاهنا - سبق سبب الأكبر؛ فلم يرفعه؛ كما إذا بال، أو مس ذكره، أو نام ثم أنزل، أو أنزل ثم بال، ونحوه - فإنه لا خلاف في أنه وجب عليه الوضوء والغسل، ولا كذلك في خروج المني؛ فإن سببهما وجد مقترناً؛ فدفع الأكبر الأصغر، ومسألة المحرم قد قيل بوجوب الشاة فيها مع البدنة؛ وعلى هذا لا فرق.
ومن قال بعدم وجوبها وهو الأكثرون فرقوا بأن وضع الجنايات اندراج المقدمات في المقاصد؛ ألا ترى أن مقدمات الزنى لو انفردت أو جبت التعزير، لا يجب مع الحد عند وقوعهما؟! فإذا عرفت ذلك، عدنا إلى التعليل، وقلنا: إنما أجزأه الغسل عنهما؛ لما روي أنه -

عليه السلام - قال: "أما أن فأحئي على رأسي حثيات؛ فإذا انا قد طهرت"، ولم يفصل بين الجنابة المجردة والجنابة مع الحدث، مع أن الغالب أن الجنابة لا تتجرد.
ولأنهما طهارتان؛ فوجب أن تتداخلا؛ كالجنابة والحيض.
ومقابل هذا أوجه: أحدها: أنه يجب الوضوء والغسل؛ لأنهما عبادتان مختلفتان؛ فلا تتداخلان؛ كالصلاتين، وهذا ما حكى عن نصه في "الإملاء".
وإذا قلنا به يخير في تقديم أيهما شاء.
قال في "الحاوي": والأولى: تقديم الوضوء.
والثاني: أنه يتوضأ مرتباً، ويفيض الماء على باقي جسده؛ لأن الترتيب خاصية الوضوء، والتداخل إنما يجزئ فيما يشترك المتداخلان فيه من الأفعال، دون خواصهما.
فعلى هذا: هل يحتاج مع غسل الرأس إلى مسحها، أو يكفيه غسلها؟ فيه وجهان؛ بناء على أن غسل الرأس، هل يقوم مقام مسحها في الوضوء؟ والثالث: أنه يكفيه الغسل، ولا يشترط في أعضاء الوضوء الترتيب، لكن يشترط أن ينويهما؛ كما في الحج والعمرة.
والأصح - باتفاق الأصحاب - ما ادعى الشيخ أنه ظاهر المذهب: فيكفيه الغسل من غير ترتيب، ولا نية للوضوء، وهو المنصوص عليه في "الأم" و "المختصر".
قال الرافعي: وهذه الأوجه إذا وقع الحدث الأصغر والأكبر معاً، أو سبق الأصغر، أما إذا سبق الأكبر فطريقان: أظهرهما: طرد الخلاف، وهي طريقة ابن سريج، كما قاله الماوردي.
والثانية: الاكتفاء بالغسل، قولاً واحداً، وهي التي عليها الأكثرون؛ لأن الأكبر إذا تقدم تأثر به جميع البدن؛ فلا يؤثر فيه الأصغر، بخلاف الأصغر، وبهذا يجيء وجه خامس في المسألة، وبه صرح بعضهم.
وقد رأى الإمام: أن الأظهر الإدراج، فيما إذا كان سبب اجتماعهما الجماع، وإن قلنا عند انفراد الأسباب بعد الإدراج.

واعلم أن إجراء الخلاف فيما إذا وقع الحدثان معا، يدخل فيه ما إذانظر؛ فأنزل، وقد أفهم كلام الأصحاب فيه الاتفاق على الاقتصار على الغسل؛ وحينئذ يتعين أن يكون المراد غيره.
قال: وإن اجتمع على المرأة غسل جنابة، وغسل حيض، فاغتسلت لأحدهما- أجزأها عنهما؛ لأن فرضهما واحد، فأجزأت نية أحدهما عنهما، وهذا ما رأيته للأصحاب.
فإن قيل: قد حكيتم خلافا فيما إذا بال ونام، ولمس ومس، فنوى رفع أحدهما، في أن الجميع هل يرتفع أو لا؟ فما الفرق؟ قلنا: قد عسر على بعض المتأخرين، فقال: ما ذكره الأصحاب في الغسل، تفريع على الصحيح في مسألة الأحداث.
وقد يقال في الفرق بينهما: إن تعرضه في مسألة االأحداث لرفع بعضها، مع أنه في غنية عن العرض له بأن يأتي بنية رفع الحدث ونحوها- يؤذن بتخصيصه بالرفع؛ فثار الخلاف لمنافاة مقصود الطهارة، ولا كذلك هنا؛ فإن نية الغسل المجرد لا تكفي اتفاقا؛ فاحتاج إلى تعيين لتمييزه عن الغسل المطلق؛ فلم يفهم منه التخصيص؛ فعمهما الغسل، والله أعلم.
قال: ومن نوى غسل الجمعة لم يجزئه عن الجنابة؛ لأنه لم ينوها، ولا تضمنتها نيته؛ لأن الجنابة أخص، والأخص لا يستلزم الأعم.
وقد أفهم كلام الشيخ أنه يجزئه عن الجمعة، وهو قول أو وجه حكاه أبو الطيب، وادعى البندنيجي أنه المذهب.
ومعه وجه أو قول: أنه لا يجزئ عنها - أيضاً - لأن القصد أن يلقى ربه على أكمل حال؛ فإذا لم يرتفع الحدث لم يكن على أكمل حال؛ وهذا مجموع ما حكاه العراقيون.
والقاضي الحسين قال: إذا نوى غسل الجمعة، هل يجزئه عن الجنابة؟ فيه وجهان: فإن قلنا: يجزئه عنها، فعن الجمعة أولى، وإلا فوجهان.
قال الإمام: وإنما يظهر أثرهما إذا قلنا: لو نوى غيل الجنابة، ولم ينو غسل الجمعة لا يحصل غسل الجمعة.
وإذا جمعت مافي المسألة جاءك ثلاثة أوجه؛ كما [هي] في "الحاوي":

أحدها: يحصل غسل الجنابة والجمعة به.
والثاني: لا يحصلان.
والثالث: يحصل الجمعة، دون الجنابة، وهو مذهب أبي إسحاق، وابن أبي هريرة، وجمهور البصريين.
ومثل هذا الخلاف ما إذا نوى بالتيمم استباحة صلاة النفل، كما ستعرفهه.
قال: ومن نوى غسل الجنابة لم يجزئه عن الجمعة، في أصح القولين؛ لأنه قربة مقصودة؛ فلم يندرج كسنة الظهر مع فرضه، وهذا ما حكاه الربيع.
ومقابله: أنه يجزئه؛ لأن مقصود الجمعة التنظيف، وقد حصل، وهذا ما نقله المزني في "جامعه [الكبير] "، وصححه الرافعي، وصاحب "الكافي"، وجزم به القاضي الحسين في باب "غسل الجمعة".
وعلى هذا لو نوى غسل الجنابة ونوى غسل الجمعة، قال الإمام: ففيه احتمال، جار فيما لو دخل المسجد، وصلى فريضة، ونوى تحية المسجد، والظاهر عدم حصولهما، وسبب الاحتمال أن مجرد الغسل في حق من ليس بجنب، لا يعتد به من غير نية.
وقد تلخص أن الغرض منه النظافة، وإن كانت النية مشروطة فيه.
وقد بنى الرافعي على القولين في الكتاب، ما لو نوى غسل الجنابة والجمعة، فقال: إن قلنا بالأول، لم يصح غسله؛ كما لو نوى بصلاته الفرض والنفل.
وإن قلنا بالثاني، كان فيه وجهان؛ كما لو نوى بغسله رفع الجنابة والتبرد، وأصحهما الحصول.
ومنهم من قال: إذا نوى غسل الجنابة والجمعة حصلا بلا خلاف، وهو المذكور في "تعليق القاضي الحسين"، وأبي الطيب، والبندنيجي، و"الشامل"، وعليه نص في "المختصر"، واستدل له بأن ابن عمر كان يغتسل لهما غسلاً واحداً.
والفرق على هذه الطريقة بين ذلك وبين ما إذا نوى غسل الجنابة والتبرد على الوجه الذي نقول: إنه لا يصح وإن كان خلاف [الأصح والنص] في "البويطي"-: أنه ثم أشرك بين القربة وغيرها، ولا كذلك في مسألتنا.
فرع: لو نوى بغسله الجمعة والعيد، قال في "الكافي": حصلا؛ لأن مقصودهما واحد، وكذا لو نوى [به] غسل الجنابة، والجمعة، والعيد - يحصل الكل.
[والله أعلم بالصواب].

كفاية النبيه شرح التنبيه

الجزء الثاني المحتوى تتمة كتاب الطهارة- كتاب الصلاة

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل