كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 271-310
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 271-310
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

للأعرابي: "فإذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ كذا، ثم كذا" فذكر واجبات الصلاة بصيغة "الفاء" أولاً، ثم عقبها بصيغة "ثم" ومقتضاهما الترتيب.
وقد ادعى الإمام أن التعويل في وجوبه علىلإجماع.
أما الترتيب في السنن؛ فليس بركن فيها.
نعم، هو شرط في الاعتداد بها؛ كما تقدم.
وقد يقال: إنه في بعضها شرط؛ أخذاً مما سنذكره في باب: ما يفسد الصلاة، وسجود السهو.
وقد عبر الإمام عن الترتيب بين الفروض بأنه واجب في الصالة، ولم يذكر أنه فرض، وعلى ذلك جرى كثيرون، ومنهم من قال يه كما ذكر الشيخ، وعليه جرى المتولي، وزاد؛ فقال: إن الموالاة في الأفعال فرض.
وفيه نظر؛ لأن التفريق على وجه السهو [لا يقدح؛ كما سنذكره، والركن لا يغتفر فهي السهو]، نعم التفريق من باب المنهيات؛ فيختص بحالة الذكر؛ ولذلك لم يعده الشيخ من الفروض.
وقد أفهم كلام الإمام أن المراد بالموالاة عدم تطويل الركن القصير؛ كما ستعرفه في باب: سجود السهو.
وقد عد بعض الأصحاب الفروض أربعة عشر، وأسقط الطمأنينة من العدد، وقال: إنها بعض الركن، وعليه جرى القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والشيخ في "المهذب"، وغيرهم.
وإسقاط الطمأنينة [من الأركان] هو ما حكاه القاضي الحسين عن صاحب "التلخيص" بعد [أن] صدر كلامه بعدها في [كل] محل ذكرناه ركناً.
ثم كلام الشيخ كالمصرح بأن السجدة الأولى والثانية في الركعة الواحدة ركن [واحد] وهو الصحيح؛ كما قال ابن يونس، ومنهم من جعل الأولى ركناً والثانية ركناً آخر، وعليه جرى القاضي الحسين، وحكاه أيضاً عن صاحب "التلخيص"،وبه تكمل الفروض خمسة عشر؛ لأن قائله لا يعد الطمأنينة ركناً، ويظهر [أثر] الخلاف فيما إذا سبق الإمام بذلك؛ كما سيأتي.

ثم هذه الفروض لا تخلو صلاة ما عنها، فرضا ًكانت أو نفلاً، إلا ما نبهنا عليه.
ولا فرق بين أن تكون الصلاة ركعة أو أكثر.
نعم إذا كانت ركعة واحدة لا يتكرر فيها شيء مما مضى، وإن كانت أكثر؛ فإن كانت ركعتين تكرر جملتها ما خلا النية، وتكبيرة الإحرام، ويزيد التكرار بزيادة الركعات.
قال: وسنن أربع وثلاثون: هذه السنن قد تقدم الدليل على مشروعيتها في الباب قبله، ودليل عدم فرضيتها سنذكره، وبه يتعين أنها سنة، ثم منهم من يعبر عنها؛ كما ذكر الشيخ، ومنهم من يقول: ما عدا الفرائض والشروط في الصلاة مما هو مطلوب فيها تنقسم إلى أبعاض، وسنن، وهيئات: فالأبعاض: ما يتعلق بتركه سجود السهو؛ وهي خمسة على الصحيح؛ كما سيأتي في بابه.
والسنن: ثمان وهي: رفع الدين في تكبيرة الإحرام، والركوع، والرفع، ودعاء الاستفتاح، والتعوذ، والتأمين، وقراءة السورة، ووضع اليمين على الشمال، وتكبيرات الانتقالات، والتسبيح في الركوع، والسجود.
والهيئات: باقيها؛ لأنها تابعة لغيرها.
وقال الروياني في "تلخيصه": والصحيح أن ما عدا الأبعاض هيئات، ثم لماذا سمي ما يتعلق السجود بتركه أبعاضاً؟ قال الإمام: لست أرى فيه توقيفاً شرعياً، ولعل معناها: أن الأبعاض تنطلق على الأقل، وما يتعلق به سجود السهو من السنن اقل مما لا يتعلق به؛ فلذلك سماها الفقهاء: أبعاضاً، ثم قال: ويتم على مذهبنا في غير القنوت شيء، وهو أن كل سنة ذهب إلى وجوبها طائفة من الأئمة فهي من الأبعاض، وأحمد بن حنبل أوجب الجلوس الأول، والتشهد، والصلاة؛ فجرى ما ذكرناه، والقنوت في صلاة الصبح لم يبلغني فيه خلاف في الوجوب؛ فلعل المتبع فيه الآثار.

وقال بعضهم: إن ما ذكره لا يتجه طرداً وعكساً: أما الطرد؛ فلأن طائفة ذهبت إلى أن قراءة ثلاث آيات مع الفاتحة واجبة.
وطائفة قالوا بوجوب التحميد والتسبيح، والتكبير، وليس ذلك بعضاً.
وأما عكساً؛ فبالقنوت؛ كما ذكر.
نعم يحسن أن يقال: إنما سميت: أبعاضاً مجازاً؛ لشبهها ببعض أجزاء الصلاة من حيث إن صورة الصلاة تنتقص بتركها [من] حيث كانت [شبيهاً بها] عمل البدن، وهو معنى قول الغزالي في تمييزها بأن تركها [يؤدي إلى تغيير شعار ظاهر خاص بالصلاة.
ثم مجموع هذه السنن لا يكون] في كل صلاة، بل في بعضها، وأنت إذا تأملت ذلك، لم يخف عليك.
قال: رفع اليدين، أي: إلى حذو المنكبين مفرقة الأصابع في تكبيرة الإحرام والركوع والرفع، [أي: ورفعهما في الركوع والرفع] منه، ومنهم من يضيف إلى ذلك: [وحين] يرفع الرأس من السجدة الثانية إلى القيام، ومن التشهد الأول إلى القيام.
قال: ووضع اليمين على الشمال، والنظر إلى موضع السجود، ودعاء الاستفتاح والتعوذ والتأمين؛ لأنه-عليه السلام- لم يأمر بذلك المسيء في صلاته؛ حين سأله عن تعليم ما يجزئه، ولو كانت فروضاً، لبينها؛ إذ لا يجوز مع ذلك تأخير البيان.
قال: وقراءة السورة؛ لقوله -عليه السلام-:"أم القرآن عوض من غيرها، وليس غيرها منها عوضاً".

ومفهوم ما قدمناه من الأحاديث، يدل على ذلك أيضاً.
ولأن ما لم يتعين من القراءة لم يجب في الصلاة؛ كسائر السور.
فإن قيل: قد روي عن أبي هريرة أنه قال: "قال [لي] رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اخرج فناد في المدينة أنه لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب، فما زاد".
وعنه قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة الفاتحة؛ فما زاد".
وعن عبادة بن الصامت يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة [الكتاب] فصاعدا" أخرجها أبو داود.
وأخرج البخاري ومسل وغيرهما حديث عبادة، لكنه ليس في حديث بعضهم: "فصاعداً".
قلنا: هذه الأحاديث تدل على أنه لا يجوز ترك الفاتحة، لا على أنه تجب قراءة ما زاد عليها؛ كقول القائل لوكيله: بع بعشرة فما زاد؛ فإنه أذن في البيع بعشرة، وبما فوقها، ونهى عن البيع بما دونهاز نعم ما رواه الشافعي في قصة المسيء في صلاته، يدل على الوجوب؛ فإنه قال: "ثم اقرأ بأم القرآن، وما شاء الله أن تقرأ"؛ [وقد] أخرجه أبو داود.
قال: والجهر، والإسرار، أي: في القراءة، ودعاء الاستفتاح والتعوذ والتأمين، ونحو ذلك؛ لأنه -عليه السلام- لم يذكره للمسيء في صلاته.
[قال: والتكبيرات؛ أي: على الصفة] [التي ذكرناها؛ لأنه –عليه

السلام- لم يذكر سواها في قصة المسيء في صلاته]؛ [كما] ذكرناها عن رواية أبي هريرة.
قال: والتسميع، والتحميد في الرفع من الركوع؛ لأنه-عليه السلام- لم يذكره للمسيء في صلاته في خبر أبي هريرة.
فإن قيل: قد ورد في هذه القصة ما يدل على وجوب ذلك، وهو ما رواه أبو داود، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه أن رجلاً دخل المسجد فذكر نحواً مما قاله أبو هريرة؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لاتتم صلاة لأحدكم حتى يتوضأ؛ فيضع الوضوء-يعني: مواضعه-ثم يكبر ويحمد الله-تعالى- ويثني عليه، ويقرأ بما شاء الله من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: [سمع الله لمن حمده]، حتى يستوي قائماً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه؛ فيكبر؛ فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته".
قيل: المحفوظ في هذا على بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع، وهو حسن، والأول صحيح فكان العمل به أولى.
قال: والتسبيح في الركوع، والتسبيح في السجود؛ لما ذكرناه في خبر المسيء في صلاته؛ ولأنهما هيئتان مخالفتان للهيئة المعتادة؛ فلذلك لم يشترط فيهما ذكر؛ بخلاف القيام والقعود؛ فإنه واقع في الاعتياد؛ فخصص بقراءة في العبادة.
فإن قيل: قد روي أنه -عليه السلام- لما نزل قوله تعالى: [﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74] قال: "اجعلوها في ركوعكم" ولما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:1] قال: "اجعلوها في

سجودكم"، وهذه صيغة أمر؛ فكانت مقتضية للوجوب.
قلنا: نحمله على الاستحباب؛ لما ذكرناه.
قال: ووضع اليد على الركبة في الركوع، ومد الظهر، والعنق فيه؛ لأنه -عليه السلام- لم يذكره للمسيء في صلاته في خبر أبي هريرة، وهو مجمع على عدم وجوبه، وبه يعلم أن ما جاء في رواية عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة بن رافع في قصة المسيء في صلاته أنه -عليه السلام- قال: "إذا قمت فتوجهت إلى القبلة، فكبر، ثم اقرأ أم القرآن، وما شاء الله أن تقرأ، فإذا ركعت؛ فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، وإذا سجدت، فمكن سجودك؛ فإذا رفعت، فاقعد على فخذك اليسرى"-بيان للاستحباب، لا للوجوب.

قال: والبداءة بالركبة، ثم باليد في السجود؛ [لأنه- عليه السلام- لم يذكره للمسيء في صلاته.
قال: ووضع الأنف على الأرض في السجود]؛ لأن اسم "السجود" يصدق بدونه، وقد تقدم في وجوبه وجه.
قال: ومجافاة المرفق عن الجنب في الركوع والسجود -أي: في حق الذكور- والدعاء في الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة- أي: على الصحيح- لأنه عليه السلام لم يذكر ذلك للمسيء في صلاته.
قال: والافتراض في سائر الجلسات؛ لأنه لم يذكره للمسيء في صلاته [في خبر أبي هريرة، ولم يقل أحد بوجوبه، وبه يعلم أن ما جاء في رواية علي بن يحيى بن خلاد في قصة المسيء في صلاته]: "فإذا جلست في وسط الصلاة، فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد" –بيان للاستحباب.
قال: والتورك في آخر الصلاة؛ لأنه لم يقل أحد بوجوبه، نعم، اختلفوا في استحبابه.
قال: ووضع اليد اليمنى على الفخذ [اليمنى] مقبوضة، والإشارة بالمسبحة، ووضع اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة؛ لقوله -عليه السلام- لابن مسعود لما علمه التشهد: "فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك"، ولم يأمره بذلك؛ فدل على أنه غير واجب، وهو مما لا خلاف فيه.
قال: والتشهد الأول- أي: والجلوس له- لأنه عليه السلام جبره بالسجود،

ولو كان ركناً لما جبر به؛ كغيره من الأركان.
قال: والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ لأنها تبع للتشهد؛ فإذا لم يجب، فالتابع أولى، وقد تقدم [قول]: أنها لا تستحب.
قال: والصلاة على آله في التشهد الأخير، [أي: على الصحيح]، لما ذكرناه في الباب قبله.
قال: والدعاء في آخر الصلاة، والقنوت في الصبح-أي: والقيام له-لأن الإجماع على أنه لا يجب؛ فتعين أن يكون سنة.
وما ذكرناه من الجلوس للتشهد، والقيام للقنوت يظهر لك معناه من بعد.
قال: والتسليمة الثانية -أي: على الجديد- لما ذكرناه، وبه يقع الرد على الإمام أحمد بن حنبل؛ حيث قال بوجوبها.
قال: ونية السلام على الحاضرين؛ لأنه لا يجب في غر الصلاة؛ في الصلاة أولى، وقد ذكر في "المهذب"سنة أخرى، وهي الاعتماد على الأرض عند القيام، ولم يعدها هنا، وإن كان قد ذكرها في الباب قبله، وكذا ذكر فيه ترتيل القراءة، ولم يعده هنا؛ لأنه لا يختص بالصلاة.
قال: وإن ترك فرضاً ساهياً، وهو في الصلاة- أي: وتذكره وهو في الصلاة-لم يعتد بما فعله بعد المتروك حتى يأتي بما تركه، ثم يأتي بما بعده؛ أي: فيعتد به؛ لما قدمناه من وجوب الترتيب، وقد قال -عليه السالم-: "لا صلاة لمن عليه صلاة".

ولنضرب لذلك مثالاً؛ وهو: إذا تذكر في الركعة الثانية أنه ترك سجدة من الركعة الأولى -حسبت له ركعة إلا سجدة، ثم ينظر: إن تذكر قبل أن يسجد في الثانية فالمذهب: أنه يسجد من قيام، وقال أبو إسحاق: بل يجلس، ثم يسجد من قعود؛ لأن السجدة هكذا تجب، وهذا يشبه ما قاله ابن سريج فيما إذا قام إلى خامسة ناسياً بعد تشهده: إنه يقعد، ويعيد التشهد، ويحكي عن النص، وأن المعنى في رعاية الموالاة بين التشهد والسالم؛ فإن تشهده في الرابعة قد انقطع بالركعة الزائدة؛ فلابد من إعادته؛ ليليه السلام؛ فكذا هنا لابد من إعادة الجلوس ليليه السجود، وهذا مطرد في سائر الأركان، حتى لو ترك الركوع، [ثم تذكر] في السجود، يجب عليه أن يعود إلى القيام، ويركع منه.
ومنهم من قال: معنى النص في مسألة ابن سريج: أنه لو لمي عد التشهد، لبقي السلام فرداص غير متصل بركن، لا قبله ولا بعده، وهذا المعنى لا يوجد في مسألتنا.
وقضية من قال به ألا يوجب في مسألتنا العود إلى الجلوس، وإن قال به في مسألة ابن سريج، وهو [المذهب كما ذكرناه، وقد قيل بمثله في مسألة ابن سريج وهو] الذي قال به معظم الأصحاب؛ فيجلس، ويسلم من غير تشهد.
قال ابن الصباغ: وما قاله أبو إسحاق في مسألتنا ليس بصحيح؛ لأنه قد أتى بالجلوس بين السجدتين؛ فلا يبطل بما حصل من السهو بعده، بل يعفي عنه، ويكون كأنه سجد عقيبها.
وأيضاً فقد سلم أنه لو نسي أربع سجدات من أربع ركعات؛ ثم تذكر، تحسب له ركعتان؛ وإن كانت السجدة الأخيرة من كل ركع منها إنما حصلت

عن قيام، نعم، لو كان [لم] يجلس بين السجدتين، وجب عليه الجلوس مطمئناً، ثم يسجد عقيبه، على أصح الوجهين.
وقيل: إن القيام يقوم عند السهو مقام الجلوس بين السجدتين.
قال الإمام: وهذا الخلاف يئول إلى أن الجلسة بين السجدتين هل المقصود منها الفصل؛ فيكفي القيام فاصلاً مع النسيان، وأما مع العلم فلا، أو هي مقصودة في نفسها؛ كالسجود؛ فلا ينوب عنها القيام.
ولو كان قد ظن أنه سجد السجدتين؛ فجلس للاستراحة، ثم ظهر له أنه لم يسجد غير واحدة؛ وأنه لم يجلس جلسة الفصل بعد الأولى-قال القاضي الحسين: فمنهم من رتب الخلاف على الخلاف في المسألة قبلها، وهاهنا أولى بألا تقوم جلسة الاستراحة مقام جلسة الفصل؛ لان القيام ركن؛ فجاز أن يقوم مقام ركن آخر، وجلسة الاستراحة سنة؛ فلا تقوم مقام فرض.
ومنهم من قال: إن قلنا: يقوم القيام مقامها، فهاهنا أولى، وألا فوجهان؛ لأن الجلوس من جنس الجلوس؛ وهذه الطريقة هي المشهورة التي ذكرها العراقيون، ونسبوا المنع إلى ابن سريج، وانه وجهه بأنه اعتقدها نافلة؛ فلا تجزئه عن فرضه؛ كما قلنا فيمن عليه سجدة من صلاة؛ فسجد للتلاوة: لا تجزئه عنها.
وقال في "التهذيب": إن قول ابن سريج هو المذهب، والصحيح عند العراقيين: الإجزاء؛ لأن هذه الجلسة وقعت في محلها؛ فلا يضر اعتقاد سنيتها؛ كما لو جلس في التشهد الأخير وهو يظن أنه الأول، ثم تذكر عقيب التشهد؛ فإنه يحسب له عما عليه، وإن أتى به على وجه السنة، وهذا منهم يدل على أنه لا خلاف في المسألة المستشهد بها.
لكن الرافعي حكى عند الكلام فيما إذا قام إلى خامسة-الخلاف فيها أيضاً؛ وحينئذ يتعين أن يكون قياسهم عليها، إما لأن المخالف هنا -وهو ابن سريج- قد وافق عليها، وإن خالف غيره، أو لأن الشافعي نص عليها؛ فيحسن الرد على ابن سريج [به.

قال الشيخ أبو حامد: وما استشهد به ابن سريج] من أن من عليه سجود لا تجزئه عنه سجدة التلاوة ليس للشافعي فيه نص، ويحتمل أن يقال: تجزئه.
قلت: وابن الصباغ قد حكاه في باب النية في الوضوء وجهاً في المسألة مع الوجه الآخر.
قال الشيخ أبو حامد: ثم إن سلمناه، فالفرق: أن سجود التلاوة من غير جنس سجود الصلاة؛ لأنه ليس براتب فيها؛ فلم يقع عما هو راتب فيها، وجلسة الاستراحة راتبة في الصلاة؛ كجلسة الفصل؛ فحسبت عنها، وبهذا فرق الماوردي أيضاً، وأيده في موضع بأنه لو ترك سجدتين من آخر صلاته سهواً، ثم سجد في آخر الصلاة؛ للسهو، لا تحسبان له؛ لأنه غير راتب فيها.
قال ابن الصباغ: وما قاله أبو حامد: من أنه لا نص للشافعي في المسألة المستهشد بها، سهو؛ فإن الشافعي نص على أن ذلك لايجزئه، والفرق: أن سجود التلاوة وقع في موضعه؛ فلا يقع عن غيره؛ بخلاف جلسة الاستراحة؛ فإنها لم تقع في موضعها؛ لأنه لا يعتد بها قبل تمام المتروك؛ فوقعت عنه، ولا يقال: إن القراءة أيضاً لا تقع موقعها؛ فلا تقتضي سجوداً؛ لأن السجود منوط بالقراءة التي ليست بمكروهة، سواء اعتد بها، أم لا، وهذه كذلك.
واحترزنا بقولنا: "ليست بمكروهة" عن القراءة في الركوع والسجود؛ فإنها لا تقتضي سجوداً؛ كما ستعرفه.
وقد شبه الخلاف في المسألة بما لو أغفل المتوضئ لمعة في المرة الأولى، وغسلها في الثانية، أو الثالثة، والأصح -عند العراقيين-: الإجزاء، بخلاف ما إذا انغسلت في تجديد الوضوء؛ لأن قضية نيته في ابتداء الوضوء: ألا يقع شيء عن السنة حتى يرتفع الحدث؛ كذلك ها هنا قضية نيته السابقة، ألا يكون الجلوس عن الاستراحة إلا بعد الفراغ من السجدتين.
ولو كان تذكره ترك السجدة الثانية من الأولى بعد سجوده في الثانية، كملت الركعة الأولى بسجدة من سجدتي الثانية، وأبطلنا بقية الثانية، لكن بأي السجدتين

يكمل؟ هي على ما مضى.
فإن قلنا بقول أبي إسحاق، كان التكميل بالسجدة الثانية.
وكذا إن قلنا بمقابله، ولم يكن قد جلس بين السجدتين، و [قلنا]: إن القيام [لا] يقوم مقامها، [وإن كان قد جلس بين السجدتين، وقلنا: إن القيام يقوم مقامها] فالذي حصلت به التكملة السجدة الأولى، ولا فرق في ذلك بين أن يقصد الساهي بسجوده في الثاني السجود للركعة الثانية، أو لا.
وقال أبو إسحاق: إنما تتم الركعة الأولى بالسجود في الثانية؛ إذا لم يقصد به السجود فيها؛ فإن قصد به السجود للثانية، فلا تتم به؛ لأن نية الصلاة مستدامة، وقد حدثت نية أخرى حقيقة تخالف تلك النية؛ فكانت الحقيقة مغلبة، وهذا في "تعليق" القاضي الحسين و"تلخيص" الروياني منسوب إلى ابن سريج، وانه استشهد له بنص الشافعي، على أنه لو هوى إلى السجود؛ فسقط على الأرض؛ إن نوى الاعتماد على الأرض، لا يحسب له عن فرض السجود.
قال الروياني: وهو صحيح، والذي عليه الجمهور: الأول.
قالوا: ونظيره ما لو نوى التنظيف في أثناء الوضوء بعد عزوب النية حقيقة، لا حكماً، وذلك لا يؤثر، لكن لأبي إسحاق أن يمنع في مسالة الوضوء أيضاً، ويتمسك فيها بظاهر ما نقله المزني؛ فإنه قال: يجزئه ما لم يحدث نية أن يتبرد، أو يتنظف.
فإن قيل: إذا حصل التذكر لترك سجدة من الأولى، وهو في سجود الثانية: [لم] لا أبطلتم الأولى، وجعلتم السجود لثلانية؛ كما قلتم فيما إذا زوحم عن السجود في الجمعة في الأولى حتى ركع الإمام في الثانية؛ فإنه يتابعه على قول، ويحسب الركوع عن الركعة الثانية، لا عن الأولى، على قول؟ قلنا: إنما حسبنا الركوع عن الركعة الثانية في مسألة الزحام؛ لحاجته إليه حتى

لا تكون الركعة ملفقة؛ فلا يدرك بها الجمعة، ولا حاجة به هاهنا، وقد صحت الأولى؛ فكيف تلغي؟! مع أنا ثم نأمره بالركوع قصداً، وفيه إبطال لما سلف، وهاهنا ركع وسجد في الثانية وهو غير عالم بأن عليه شيئاً؛ فكان فعله سهواً؛ فصح ما يلي فعله على وجه الصحة، وهو السجود.
ثم الحكم فيما لو تذكر أنه ترك ركوعاً؛ كما ذكرناه في السجود، ولو تذكر أنه ترك القراءة، فسيأتي الخلاف فيه.
فإن قلنا: لا تسقط بالنسيان، كان الحكم كما في الركوع والسجود.
فرع: لو تذكر [وهو] في الركوع أنه ترك قراءة الفاتحة؛ فعليه أن يعود في الحال؛ فإن تأخر ساعة، بطلت صلاته.
ولو تذكر وهو قائم أنه تركها؛ فتباطأ ساعة، لا تبطل؛ لأن القيام محل القراءة؛ بخلاف الركوع؛ قاله القاضي الحسين في باب: سجود السهو.
قال: فن لم يعرف معوضه، بني الأمر على أسوأ الأحوال موجباً لطلب اليقين الذي دل على اعتباره الخبر الذي سنذكره في أول سجود السهو.
قال: فإن كان المتروك سجدة من أربع ركعات، جعلها –أي: قدر أنها- من غير الأخيرة، ويأتي بركعة؛ لأنه الأحوط؛ فإنه لو جعلها من الخيرة، لم يلزمه إلا سجدة [واحدة]، ويعيد التشهد وما بعده، وإذا جعلها من غير الأخيرة، لزمه ركعة؛ كما ذكر؛ لأنها إن كانت من الأولى، انجبرت بسجدة من الثانية [إما الأولى، أو الثانية؛ على الخلاف السابق، وبطل باقي الثانية]، وصح ما بعدها؛ فحصلت له الركعة الأولى؛ وصارت الثالثة ثانية، والرابعة ثالثة، وبقي عليه ركعة فيأتي بها.
وإن كانت السجدة من الثانية، انجبرت بسجدة [من الثالثة وبطلت، فصارت الرابعة ثالثة، يأتي برابعة.
وإن كانت السجدة من الثالثة، انجبرت بسجدة] من الرابعة، وبطلت؛ فيأتي برابعة.

قال: [ويسجد للسهو]؛ لخبر ابن مسعود، وغيره، الذي سنذكره في باب سجود السهو.
قال: وإن كان سجدتين، جعل واحدة من الأولى، وواحدة من الثاثلة، ويأتي بركعتين؛ لأن الأولى تنجبر بسجدة من الثانية، ويبطل باقي الثانية، وتنجبر الثالثة بسجدة من الرابعة، وتبطل الرابعة، وحينئذ تكمل له ركعتان؛ فيبقى عليه ركعتان؛ فيأتي بهما.
نعم، لو علم أن السجدتين من ركعة واحدة، جعلهما من غير الأخيرة، وأتى بركعة؛ لأن هذا أسوأ الأحوال، ولو علم أنهما من ركعتين متواليتين؛ فالأحوال كلها في حقه سواء، ويلزمه ركعة كيف جعلها، وهو مما لا خلاف فيه.
قال: [ويسجد للسهو]؛ لما ستعرفه.

قال: وإن كان ثلاث سجدات، جعل سجدة من الأولى، وسجدة من الثالثة، وسجدة من الرابعة، ويأتي بركعتين؛ لأن الأولى تنجبر بسجدة من الثانية، ويبطل ما بقي منها، وتنجبر الثالثة بالسجدة التي في الرابعة، ويبطل ما أتى به بعدها، وحينئذ تكمل له ركعتان [فيبقى عليه ركعتان]، فيأتي بهما، ويسجد للسهو.
ولو جعل واحدة من الأولى، واثنتين من الثالثة، كان الحكم كذلك، وكذا لو جعل واحدة من الأولى، [وواحدة من الثانية]، وواحدة من الثالثة- كان الحكم كذلك.
قال: وإن كان أربع سجدات، جعل سجدة من الأولى، وسجدة من الثالثة، وسجدتين من الرابعة، ويأتي بسجدة، وركعتين؛ لأن الأولى تنجبر بسجدة من الثانية، ويبطل باقيها، ومعه قيام الثالثة، وركوعها، والرفع منه؛ فيأتي بسجدتين تتم بهما، وتكون ثانية له؛ فيبقى عليه ركعتان، وهذا تفريع على المذهب في أنه لا يعيد الركن الذي قبل المتروك.
أما إذا قلنا: إنه يعيده-كما هو وجه مفرع على ما اختاره ابن سريج من أنه

إذا قام إلى خامسة بعد التشهد الأخير يعيد التشهد-فهاهنا يلزمه أن يركع، ثم يسجد سجدتين، ويأتي بركعتين.
وما ذكره الشيخ من أنه يجعل واحدة من الأولى، وواحدة من الثالثة، وثنتين من الرابعة- لا يتعين في كونه أسوء الأحوال، بل لو جعل واحدة من الأولى، وثنتين من الثالثة، وواحدة من الرابعة-كان كذلك، وكذا لو جعل واحدة من الأولى، وثنتين من الثانية، وواحدة من الرابعة، أوجعل ثنتين من الأولى، وواحدة من الثانية، وواحدة من الرابعة.
وحكى الإمام عن الشيخ أبي محمد أنه كان يقول: يلزمه-إذا كان المتروك أربع سجدات من أربع ركعات-أن يسجد سجدتين، ثم يقوم إلى ركعتين أخريين؛ لاحتمال أنه ترك ثنتين من الثانية، وثنتين من الرابعة، ولو كانكذلك، لكان عليه أنيسجد سجدتين، ثم يقوم إلى ركعة أخرى؛ فيجب أن يسجد سجدتين؛ لجواز أن يكون المتروك على وجه يقتضي ذلك، ثم لا يجزئه إلا ركعتان؛ لجواز أن يكون الترك على وجه آخر؛ فيصلي ركعتين أخريين؛ ليكون آتياً بكل ما قدر وجوبه.
قال الإمام: وهذا عندي غير سديد؛ فإن السجدة الثانية التي أمر بها لا تقع وقع الاعتداد، ويعارض ما ذكره أن السجدة الثانية قد تكون زائدة، والإتيان بسجدة في غير أوانها يبطل الصلاة؛ فإذا تعارضا، تعين صرف الأمر عند الإشكال إلى ما يقدر وقوعه معتداً به.
قال العجلي: ويمكن أن يجاب عن هذا: بأنا لا نعلم كون هذه السجدة زائدة [وهو المبطل بدليل أن السجدة الواحدة يجب الإتيان بها، ويحتمل أنها زائدة].
قال: ويرد على هذا: أن فيما ذكره الشيخ أبو محمد زيادة قطعاً: إما سجدة، وإما ركعة.
[قال]: ويجاب عنه: بأن الزائد غير متعين، ولا يمكن ترك واحد منهما؛ كي لايكون إخلالاً بالواجب، وقد اتبع الشيخ في اقتصاره على ذكر هذه الصور الشيخ أبا حامد، والماوردي.

وغيرهم ذكرها، وزاد عليها؛ فقال: ولو كان المتروك خمس سجدات من أربع ركعات، فقد قيل: الحاصل له ركعتان إلا سجدتين؛ فإن أقل أحواله أنه أتى بواحدة في الأولى وثنتين في الثانية؛ فتتم الأولى بالانية، ولم يأت للثالثة ولا للرابعة بسجود؛ فيلزمه سجدتان وركعتان.
قال بعضهم: قال صاحب "الشامل": هكذا ذكره أصحابنا.
ويحتمل أنه أتى بسجدة في الأولى، وسجدتين في الرابعة؛ فتتم الأولى بالرابعة، ولا يعتد فيها بقيام ولا قراءة ولا ركوع! والحاصل له- على هذا التقدير- ركعة واحدة؛ فيلزمه ثلاث ركعات.
وهذا ما حكاه القاضيان: أبو الطيب، والحسين، وغيرهما، وهو المذكور في "المرشد"، وإن كان المذكور في "المهذب" الأول.
ولو ترك ست سجدات لزمه ثلاث ركعات أيضاً.
ولو ترك سبع سجدات لزمه سجدة، وثلاث ركعات.
ولو ترك ثماني سجدات؛ بأن كان بين جبهته والمصلى حائل، لزمه سجدتان، وثلاث ركعات.
ولو ترك الجلوس بين السجدتين في الأربع؛ فإن لم يكن جلس للتشهد، ولا للاستراحة.
فإن قلنا: إن القيام يقوم مقامها، كان الحكم كما لو ترك من كل ركعة سجدة.
وإن قلنا: لا يقوم، فقد حصل له قيام، وركوع، ورفع منه، وسجدة واحدة، وحينئذ ينظر إن كان جالساً، سجد الثانية، وتمت له ركعة، وإن كان قائماً، جلس وسجد وتمت له ركعة، ثم يأتي بثلاث ركعات، وإن كان قد أتى بالتشهد الأول، أو جلس للاستراحة مرة، أو أكثر-فلا يخفى تفريعه مما تقدم.
فرعان: لو كان يصلي المغرب، فصلى أربعاً ناسياً، ثم تذكر أنه ترك من كل ركعة سجدة-حصلت له ركعتان؛ فيأتي بركعة أخرى؛ قاله في "الحاوي".
ولو كان يصلي الظهر قصراً؛ فصلاها أربعاً سهواً، وتذكر أنه ترك من كل ركعة.

سجدة-حصلت له ركعتان، وأجزأته؛ قاله في "التتمة".
قال: وإن ذكر ذلك بعد السلام، ففيه قولان: أحدهما: [أنه] يبني على صلته ما لم يتطاول الفصل؛ لأنه -عليه السلام- "سلم من اثنتين، وقام ومشى إلى مقدم المجلس، وجلس متفكراً؛ فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فقال: "كل ذلك لم يكن"، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم [أصحابه] عن ذلك؛ فأخبروه به؛ فعاد، وأتم صلاته".
ولأنه إذا لم يطل الفصل، كان في حريم الصلاة؛ فألحق بها، وهذا ما حكاه الماوردي وغيره، وعليه نص في "المختصر"، ولم يورد الجمهور غيره.
وعلى هذا فلا فرق فيه بين أن يقوم من المجلس، أو لا، ولا بين أن يستدبر القبلة ويتكلم، أو لا، نعم، يشترط ألا يدوس نجاسة على المذهب في "التتمة"، وهو ما أورده القاضي الحسين؛ فإن مشى عليها، لم يبن.
والفرق بين ذلكن ويبن ترك الاستقبال، والكلام: أن القبلة يجوز تركها في النافلة في السفر، ولا تبطل الصلاة بالكلام ناسياً، وتبطل على الصحيح إذا كان عليه نجاسة لم [يعلم بها] قبل الدخول في الصلاة.
وليس له العود عن تذكره إلى موضع صلاته أولاً؛ لأن عوده ليس من الصلاة.
قال: والثاني: يبني ما لم يقم من المجلس.
هذا القول لا يوجد في الكتب المشهورة في هذه المسألة، بل هو مذكرو في سجود السهو؛ كما ستعرفه.
[قال بعضهم: فيجوز أن يكون الشيخ قد أخذه من ثم؛ لما ستعرفه]، ومجلي قد حكاه في هذه المسألة، عن رواية العراقيين، عن القديم.
قال: فإن ذكر بعد ذلك، استأنف؛ لأن الفصل الطويل مغير لنظم الصلاة، ثم

الإشارة بـ"ذلك" يجوز أن تكون إلى المجلس، وحينئذ فلا فرق بين أن يكون الفصل قد طال، أو لم يطل؛ كما قلنا بمثله في سجود السهو.
ويحتمل أن يكون عائداً إلى ما ذكر أنه حد التدارك: إما التدارك: إما قرب الفصل، أو المجلس، وهو الأقرب.
وقد حكى القاضي الحسين طريقة أخرى، حاكية لقول آخر: أنه يبني [وإن تطاول] الفصل؛ كما قلنا بمثله في سجود السهو.
ومنهم من يجعله قولاً مخرجاً من ثم، وبه يظهر صحة القول الذي ذكره الشيخ في اعتبار المجلس.
ومنهم من قطع بأنه إذا طال الفصل لا يبني، وإن بنى في سجود السهو، والفرق: أن سجود السهو تتمة لفضيلة، لو حذف لم يضر؛ فتساهلنا فيه، ولا كذلك ما نحن فيه، والصحيح- وإن ثبت الخلاف-الأول، والوجه للثاني أصلاً، مع ما صح في مسلم أنه-عليه السلام-: "قام فدخل حجرته، ثم صلى ما نسبه"، وعلى هذا بماذا يعتبر قصر الفصل وطوله؟ فيه أقوال: أحدها-وعليه نص في "مختصر" البويطي-: أن القصير قدر ركعة معتدلة، لا طويلة ولا قصيرة.
والثاني- وعليه نص في "الإملاء" كما قال أبو الطيب-: أن القصير ما دون ركعة تامة، والطويل بمقدار فعل ركعة كاملة.
وعبارة البغوي: أن الشافعي قدر طول الفصل بقدر ركعة لا طويلة، ولا قصيرة.
والثالث- وهو ظاهر نصه في "الأم"-: أنه يرجع فيه إلى العرف، وهو المختار في "الحاوي" و"المرشد" و"تلخيص" الروياني.
وقال: إن ما نص عليه في "مختصر" البويطي تقريبٌ، لا تحديدٌ؛ وكذا نقول فيما ذكره في "الإملاء" أيضاً، ووراء ذلك أوجه: أحدها: أن حد القريب ما بين الخطبة والشروع في صلاة الجمعة، أو ما بين

الصلاتين إذا أراد الجمع؛ قاله القاضي الحسين.
ويقابله ما حكى عن ابن أبي هريرة: أن القصير قدر الصلاة المتروك منها ما ذكر؛ كذا حكاه ابن الصباغ عنه.
والثالث -قاله المتولي، واختاره-: أن قدر ما صدر من النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ذي اليدين قصير، وما زاد عليه طويل.
قال بعضهم: وفي هذا رد إلى جهالة؛ فإنا لانعلم قدر ذلك، وهذا الفصل هو الذي احترز عنه الشيخ بقوله أولاً: "وهو في الصلاة"، ومنه يؤخذ أن كلامه فيما إذا لم يكن المتروك تكبيرة الإحرام، ولا النية؛ إذ عند فقد واحد منهما لا يكون في صلاة، ولا بعدها، وبه صرح الأصحاب؛ حيث قالوا: لو كان الذي تذكره النية، أو تكبيرة الإحرام، استأنف قولاً واحداً.
وألحق الروياني به ما إذا تذكر أنه ترك ركناً من [صلاته، ولم يعرف عينه، ومثله: ما لو تذكر أنه ترك ركناً من] ركعته، ولم يعرف [عينه، يقدر] أنه أول ركن منها، وهو الفاتحة، حتى يلزمه إعادة ما بعدها؛ قاله في "التتمة".
قال: وإن ترك سنة-أي: ولم يفت محلها-فإن ذكر [ذلك] قبل التلبس بفرض، عاد إليه؛ أي: إلى ما تذكره [ندبا].
قال: وإن تلبس بفرض، لم يعد إليه؛ أي: وجوباً؛ مثاله: إذا ترك التشهد الأول، وتذكره قبل أن ينتصب قائماً، يعود إليه، وإن تلبس بالقيام، لم يعد إليه؛ لقوله عليه السلام: "إذا قام الإمام في الركعتين؛ فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً، فليجلس، وإن استوى قائماً، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو" رواه أبو داود.

أما إذا تذكرها بعد فوات محلها؛ كما إذا تذكر أنه ترك رفع اليدين في تكبيرة

الإحرام بعد فراغها.
ثم ظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في الفرض الذي شرع فيه بين أن يكون فعلياً، أو قولياً، والفعلي شهد له الخبر، والقولي إن قلنا: إن تكرره مبطل كالفعلي كان في معناه، وألا فينبغي أن يعود إلى المتروك، وبه صرح القاضي أبو الطيب وغيره في صلاة العيد؛ حيث قالوا: إذا تذكر تكبيرات العيد بعد شروعه في الفاتحة، كان له العود إليها؛ على القديم.
وحكى الغزالي ثم: أن من الأصحاب من طرده فيما إذا تذكر أنه ترك دعاء الاستفتاح بعد شروعه في الفاتحة، وهو بعيد، وستعرف وجه بعده.
وقد أفهم كلام الشيخ أنه إذا تذكر بعد أن تلبس بسنة، يعود إليها، وهو يقتضي أنه إذا تذكر دعاء الاستفتاح بعد التلبس بالتعوذ: أنه يعود إليه.
وقد صرح القاضي أبو الطيب بأنه لا يعود إليه، وعليه ينطبق قوله في "المهذب": إنه إذا ذكر قبل التلبس بغيره، عاد إليه، وإن تلبس [بغيره لم يعد إليه].
والمنع في مسألة دعاء الاستفتاح يؤخذ مما أسلفناه؛ لأن محله أول الصلاة، وقد فات، والله أعلم.

باب صلاة التطوع

التطوع من الطاعة، والشافعي يطلقه-كما قال القاضي الحسين-على ما عدا الفرائض من الصلوات.
وقال بعضهم: إنه في اصطلاح الفقهاء: فعل ما هو قربة غير واجبة.
قال في "التهذيب" و"الكافي": وكذلك النافلة.
وقضية الاشتقاق: أن يكون موضوعاً لما يكسبه الإنسان باختياره من الوظائف والأوراد، وهو ما حكاه القاضي الحسين، وقال: إن السنة تطلق على ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن المستحب: ما فعله مرة أو مرتين، وتبعه صاحب "التهذيب"، و"الكافي".
ثم الشيخ عقب باب فروض الصلاة وسننها به؛ لأنه متمم للفرائض؛ كما جاء في الخبر عنه عليه السلام؛ فكان كالسنة فيها، وحينئذ حسن منه أن يذكر بعده [باب] ما يفسد الصلاة وما لا يفسدها؛ مما هو مكروه فيها أو غير مكروه.
قال: أفضل عبادات البدن: [الصلاة؛ أي: بعد الشهادتين].
وهذه عبارة "التهذيب" أيضاً.
ووجهه قوله -عليه السلام-: "استقيموا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة".
رواية أبو داود، [وغيره].
ورأيت في كلام بعضهم: "استقيموا، ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم

الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن".
ولأنها تلو الإيمان الذي هو أفضل القرب، وأشبه به؛ لاشتمالها على نطق باللسان، وعمل بالجنان، واعتقاد بالقلب؛ كما هي فيه؛ ولذلك سماها الله -تعالى-: "إيماناً، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: الآية 143] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس.
قال العلماء: ولأنها تجمع من القرب ما تفرق في غيرها من ذكر الله -تعالى- ورسوله صلى الله عليه وسلم والإمساك عن الأكل والكلام، والإتيان بالقراءة والتسبيح، واللبث، والاستقبال، والطهارة، والستارة إلى غير ذلك، مما لا يخفى أنه من القرب، مع اختصاصها بمقاصد تشتمل عليها: كالركوع والسجود.

واحترز الشيخ بـ "البدن" عن عبادة القلب؛ وهي: الإيمان؛ فإنه أفضل العبادات، ولا يقال في العرف: إنه من عمل البدن؛ ولذلك قال بعض الحكماء لما قيل له: أيما أصعب: تعب القلب، أو تعب البدن؟ فقال: "إنما يتعب البدن إذا تعب القلب"؛ فجعل القلب قسيماً للبدن.
وقد ادعى بعضهم أنه احترز بذلك -أيضاً- عن العبادة المالية؛ فإنها أفضل من الصلاة؛ لتعدي نفعها، وفيه شيء سأذكره، وإن صح ما قاله فمنه نأخذ أن العبادة المشتملة على عمل البدن والمال أفضل من المتمحضة؛ وهي: الحج؛ لجمعها بين الأمرين، وبه صرح القاضي الحسين في أول كتاب الحج.
ولأنا دعينا إليه في أصلاب الآباء؛ فكان كالإيمان الذي فعل فيه كذلك، وهذه العلة تقتضي أن الجهاد لا يلحق بالحج في هذا المعنى، والأول يقتضي أنه كهو؛ لأنه يشتمل على عمل بدن ومال، وحينئذ يكون أفضل من الصلاة.
بل أقول: الخبر يدل على أنه مقدم عليه؛ روى أبو هريرة أنه-عليه السلام-سئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم جهاد في سبيل الله".قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم حج مبرور".

وقد ادعى الماوردي في كتاب الحج: أن الطواف أفضل من الصلاة، واستدل له بأخبار ستعرفها فيه- إن شاء الله تعالى- وفي كتاب الصوم: أن الصوم أفضل أعمال القرب.
وبعضهم حكى قولاً: أنه أفضل من الصلاة؛ لقوله -عليه السلام-: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، يقول الله -عز وجل-: " [إلا الصوم؛ فإنه لي] وأنا أجزي به؛ يدع شهوته وطعامه من أجلي" رواه مسلم.
قال بعضهم: ومن بديع التأويل في هذه الإضافة: أنه أراد بها التنبيه على أن كل عمل ابن آدم من القرب مما يليق ببشريته، إلا ترك الأكل والاستغناء عنه؛ فإنه إنما يليق بالله سبحانه وتعالى.
والمشهور: أن المراد: أن كل الأعمال قد يدخلها الرياء إلا الصوم.
وقد قيل: إن الصلاة بمكة أفضل، والصوم بالمدينة أفضل.
والصحيح ما أورده الشيخ؛ لما ذكرناه، وخبر أبي هريرة معارض بما رواه عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أيٌّ الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة لأول وقتها".
قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين".
قلت: ثم أي؟ قال: "ثم

الجهاد في سبيل الله" فجعل الجهاد مؤخراً عن بر الوالدين الذي هو مؤخر عن الصلاة، وهو في الحديث السالف مقدم على الحج؛ فكان تقديم الصلاة على الحج من طريق الأولى، وتركه -عليه السلام- ذكر الصلاة فيه يحتمل أن يكون لعلمه بمحافظة السائل عليها أو علمه بفضلها، وحاجته لبيان ما سواها.
ولأن الحج والجهاد، وإن اشتمل كل منهما على نوعين من العبادة فالصلاة تشتمل على أنواع-كما ذكرنا- فكان تقديمها أولى، وبهذا يقع الجواب عن الصوم أيضاً.
قال: وتطوعها أفضل التطوع؛ لعموم قوله -عليه السلام-: "واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة".
ولأن نسبة نفل كل عبادة إلى فرضها كنسبة نفل الصلاة إلى فرضها في تحصيل المقصود الذي شرعا له، وهو ترك اللوم أو العقاب عليه، ويؤكده أن النوافل تكمل الفرائض، وقد ثبت أن الصلاة أفضل العبادات البدنية؛ فكان تطوعها أفضل التطوعات.
وإطلاق الشيخ القول بأن تطوعها أفضل التطوعات يعرفك أنه لم يحترز عن

العبادة المالية؛ إذ لو كان كذلك، لقال: وتطوعها أفضل التطوعات البدنية؛ ليخرج التطوع بالمال.
والإيمان لا يكون إلا واجباً؛ فلا يدخل فيما ذكره حتى يحتاج [إلى] أن يحترز عنه.
قال: وأفضل التطوع ما شرع له الجماعة -[أي: تثبت له الجماعة-] لأن الشرع شبهه بالفرائض، والفرائض أفضل من التطوعات؛ لقوله –عليه السلام-: "لن يتقرب إليَّ متقرب بمثل أداء افترضته عليه" فكان ما شبه بها أقرب إليها من غيره.
قال الأصحاب: ولأن الفرائض لما كانت على ضربين: ضرب فرض في جماعة وهو الجمعة، وضرب لم يفرض في جماعة وهو ما عداها، ثم وجدنا ما هو فرض في جماعة أوكد وأفضل مما لم يسن يه [الجماعة، وجب أن يكون ما سن فيه الجماعة أوكد وأفضل مما لم تسن فيه].
فإن قيل: قد روى أبو هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" رواه مسلم.
فجوابه: أنه محمول على النافلة المطلقة؛ لقيام الإجماع، على أن رواتب

الفرائض أفضل منها [وما سن فيه] الجماعة قد دللنا على أنه أفضل منها؛ فتعين ما ذكرناه.
قال: وهو العيد، والكسوف، والاستسقاء: في هذا الفصل تنبيه على أمور: أحدها: مشروعية الجماعة فيما ذكره، ودليله يأتي في محله.
والثاني: أن ذلك تطوع، وليس بفرض عين، ولا كفاية، وهو المشهور في الكسوف والاستسقاء، وأما العيد، ففيه خلاف يأتي في الكتاب، وستعرف ما فيه.
وقد ادعى الماوردي هاهنا أن الخلاف في الجميع.
ووجه كونها فرض كفاية بقوة سببها، وظهور قوة شرائع الإسلام فيها.
قال: وعلى هذا لا يكون بعضها أفضل من بعض، وعلى الثاني وهو أنها سنة مؤكدة، وهو ما ادعي أنه مذهب الشافعي والصحيح، فهل بعضها أفضل من بعض؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لاستواء أمره صلى الله عليه وسلم بها، وفعله لها وحثه عليها.
والثاني -وهو الأظهر-: أن بعضها آكد من بعض؛ فعلى هذا أوكدها صلاة العيدين؛ لأن لها وقتاً راتباً في السنة معيناً في اليوم؛ فشابهت الفرائض، ثم تليها صلاة كسوف الشمس، ثم خسوف القمر؛ لورود القرآن بهما، وهما مجمع على سُنَّيّتهما، ثم يلي ذلك صلاة الاستسقاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها مرة، واقتصر مرة أخرى على الدعاء، وقد اختلف في سببها؛ ولأجل هذا جرى الشيخ في التبويب على تقديم الأفضل فالأفضل، وقدم كلامه في الكسوف على الكلام في الخسوف لما جمعهما في باب واحد، وبه نبه على ما ذكره في هذا الباب كذلك.
والثالث: أن قيام رمضان، وهو التراويح، وإن قيل: إنه يفعل في جماعة؛ كما

سيأتي، فليست أفضل من كل النوافل التابعة للفرائض؛ كصلاة العيد ونحوها، بل الوتر وركعتا الفجر أفضل منها، وهذا ما يعزى إلى ابن سريج وأبي إسحاق وغيرهما؛ كما قال ابن الصباغ، وستعرفه، وإليه مال ابن الصباغ، ووجهه: بأنه -عليه السلام- داوم على الوتر وركعتي الفجر، وترك قيام رمضان بعد أن فعله ليلتين أو ثلاثاً.
والإمام قال: إن جميع النوافل التابعة للفرائض أفضل منه على الأصح، ولم يحك صاحب "العدة" غيره.
وتشبث بعض أئمتنا بتفضيلها؛ لأن الجماعة أقوى معتبراً في التفضيل؛ كما تقدم ذكره، وعلى ذلك ينطبق ما قاله القاضي أبو الطيب: إن صلاة التراويح أفضل من جميع ما [لم] يشرع فيه الجماعة من الرواتب وغيرها.
وقد أفهم كلام صاحب "الذخائر" حكاية وجه: أن صلاة التراويح أفضل من توابع الفرائض، وإن قلنا: لا يشرع فيها الجماعة، ولم أره في غيرها.
قال: وفي الوتر ركعتي الفجر قولان: أصحهما: أن الوتر أفضل؛ لأن أبا حنيفة يرى وجوبه، ولم يختلف أحد في عدم وجوب ركعتي الفجر، وما اختلف في وجوبه آكد مما لم يختلف فيه، وهذا هو الجديد.
ومقابله -وهو القديم، وإلخ ترجيحه يميل كلام الماوردي-: أن ركعتي الفجر أفضل؛ لقول عائشة: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن على شيء من النوافل أسرع منه إلى ركعتين قبل الصبح" أخرجه البخاري، ومسلم.
وقال -عليه السلام-:"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" أخرجه مسلم.

قال بعض أهل المعاني: أراد النبي صلى الله عليه وسلم: أن الناس عند قيامهم من منامهم يبتدرون إلى معاشهم وأسباب اكتسابهم؛ فأعلمهم أن هاتين الركعتين خير من الدنيا وكل ما فيها، فضلاً عما عساه [أن] يحصل لكم منهما؛ فلا تتركوهما وتشتغلوا به.
ولأنها صلاة مشهودة ومحضورة، في عدد لا يزيد ولا ينقص؛ فأشبهت الفرائض.
قال الماوردي: ولأنها تتقدم على متبوعها، والوتر متأخر عن متبوعه، وما يتقدم متبوعه أولى.
ولأنها تبع لصلاة الصبح، والوتر تبع للعشاء، والصبح آكد من العشاء؛ [لأنه الصلاة الوسطى عند الشافعي؛ فوجب أن يكون متبوعها أوكد من متبوع العشاء.
وعن البيان] أن بعض الأصحاب قال: إن الوتر وركعتي الفجر مستويات في الفضيلة.
وهو بعيد، والكل متفقون على أن الوتر وركعتي الفجر أفضل مما سواهما مما يتبع الفرائض، وعليه نص الشافعي؛ حيث قال: ولا أرخص لمسلم في ترك واحد منهما، وإن لم أوجبهما، ومن تك واحدة منهما كان أسوأ حالاً ممن ترك جميع النوافل.
ثم ما يتبع الفرائض يليه في الفضل صلاة الضحى؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره؛ ولهذا ذكره الشيخ تلوها.
وعن الشيخ أبي محمد: أن صلاة الضحى أفضل من توابع الفرائض؛ لاستقلالها بوقت.
وهو ضعيف؛ إذ لم تنقل مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها كمواظبته على تبع الفرائض.

ثم يلي صلاة الضحى في الفضل ركعتا الطواف إذا لم نقل بوجوبهما، وركعتا الإحرام، وتحية المسجد.
وترتيب الشيخ مؤذن بأن الذي يلي الضحى قيام رمضان، ثم التهجد.
بل حكى ابن الصباغ وغيره عن رواية أبي إسحاق، عن بعض الأصحاب: أنا إذا قلنا: إن الوتر أفضل، فالتهجد بعده، ثم ركعتا الفجر؛ لأن الشافعي قال: "الوتر، ويشبه أن يكون التهجد، ثم ركعتا الفجر"؛ فإن معناه: ويشبه أن يكون الذي يتبع الوتر في التأكيد صلاة التهجد، ثم ركعتا الفجر.
والمحققون قالوا: هذا لايصح، ومراد الشافعي: أن الوتر نفسه يشبه أن يكون التهجد، وقد صرح به في "الأم"؛ كما حكاه البندنيجي، وقصد به أن التهجد الذي أمر الله -سبحانه وتعالى- به نبيه يشبه أن يكون هو الوتر نفسه؛ لأن الوتر كان واجباً عليه، يشهد له قوله -عليه السلام-: "كتب عليَّ الوتر، وهو لكم تطوع"، ولا يقدح في ذلك قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79] لأن معناه-كما قال المفسرون-: أنها تكون زيادة لك على حسناتك؛ فإن نوافل غيره تقع جبراناً لنقصان الفرائض، وكانت فرائضه-عليه السلام-مبرأة عن النقص؛ ولأجل هذا قال بعض أصحابنا: إن المراد بالتهجد في الآية: الوتر.
وقال غيره: بله هو غيره.
وهو ما يفهمه كلام الغزالي في "الوسيط" في كتاب النكاح؛ حيث قال: إنه-عليه السلام- اختص بواجبات: كالضحى، والأضحى، والوتر، والتهجد ... إلى آخره.
ومن العجب أن الرافعي [قال]: ولك أن تعلم قول الغزالي: "ويشبه أن

يكون الوتر هو التهجد" بالواو؛ لأن القاضي الروياني حكى أن بعضهم قال: بأن الوتر غير التهجد، وأول كلام الشافعي؛ فجعل كلام غيره سبباً لإعلام كلامه، مع أنه [هو] حكاه؛ فكان إعلامه لأجل كلامه أولى.
واعلم أن الأصحاب أطلقوا القول بأن ركعتي الفجر أفضل من الوتر، أو الوتر أفضل منهما، ولم يبينوا ما أرادوا من الوتر: هل أقله، أو أكثره، أو أدنى الكمال منه؟ والذي يظهر من كلامهم أنهم أرادوا مقابلة الجنس [بالجنس]، وقد كان يقع لي أنه يختص بأدنى الكمال منه؛ لأنهم جعلوا علة ترجيح الوتر على ركعتي الفجر أنه مما اختلف في وجوبه، والذي اختلف في وجوبه ليس الأقل، ولا الأكمل؛ فإن أبا حنيفة هو القائل بوجوبه، وهو عنده ثلاث ركعات لا تجوز الزيادة عليها، ولا النقص منها: [فتعين أن يكون ذلك] محل الاختلاف في الترجيح.
ثم وقع لي أنه لو كان الأمر كذلك، لاختص محله بالثلاثة الموصولة؛ كما صار إليه أبو حنيفة، وهو لا يختص؛ فظهر من ذلك أن المراد مقابلة الجنس بالجنس، ولا يبعد أن يجعل الشرع العدد القليل أفضل من العدد الكثير، مع اتحاد النوع؛ دليله القصر في السفر؛ فمع اختلافه أولى، والله اعلم.
قال: والسنة أن يواظب

-[أي: يداوم]-

على السنن الراتبة مع الفرائض.
قد تقدم أن السنة إذا أطلقت تناولت ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب عليه، وفي ذلك كفاية عن ذكر دليل آخر، وسيأتي تفاصيل ذلك، ولا فرق في ذلك- عندنا- بين المقيم، والمسافر، قصر، أو أتم.
قال: وهي ركعتا الفجر؛ لما تقدم.
قال الأصحاب: ومن السنة تخفيفهما؛ لما روي عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتي الفجر، فيخفف فيهما، حتى أقول: [هل]

قرأ فيهما بأم القرآن" رواه البخاري، ومسلم.
واستحب المحاملي أن يقرأ فيهما ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لرواية مسلم، عن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر صلى الله عليه وسلم و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
وقد روى مسلم أيضاً عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ ...﴾ الآية، وفي الأخرى منهما ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ﴾ [آل عمران: 52].
وهذا يدل على فتح الباب، وكذا يستحب أن يتكئ بعدهما، وقبل صلاة الصبح، أو يتكلم؛ لأنه-عليه السلام-كان يفعل ذلك؛ [كما ثبت] في الصحيح.
ويدخل وقتهما بطلوع الفجر.
[قال الشيخ أبو حامد: ووقت الاختيار من [حين] طلوع الفجر] إلى أن يصلي الفريضة؛ فإذا صلى الفريضة، يعقبها وقت الجواز إلى طلوع الشمس، وليس بوقت اختيار لها؛ فإذا طلعت الشمس، خرج الوقت.
وكلام الغزالي يوافقه؛ لأنه تكلم في أن النوافل إذا فاتت، هل تقضي، أم لا؟ ثم قال: أما ركعتا الفجر فتؤدي بعد صلاة الصبح، ولا تكون قضاء؛ فإن تقديمها أدب.
وهذه عبارة الشيخ أبي محمد، واستحسنها الإمام، وأيد ذلك بأن الأئمة متفقون على أنها تفعل بعدها، ولو كانت تفوت بصلاة الصبح لاختلفوا فيها؛ كما اختلفوا في قضاء الفوائت، وهذا منهم مؤذن بأن غير ركعتي الفجر مما سن تقديمه على الفريضة [يفوت بفعل الفريضة حتى يكون في قضائه بعد الفريضة] ما سيأتي من الخلاف، وسنذكر ما قاله الأصحاب فيه.

وقد حكى في "المهذب" وغيره وجهاً ادعوا أنه ظاهر النص: أن وقت ركعتي الفجر يستمر إلى الزوال؛ لأجل قول الشافعي- رضي الله عنه-: "وإن فاتت ركعتا الفجر حتى فعل الظهر، لم تقض".
وعكس هذا وجه حكاه في "التتمة" وصححه: أن وقتها يفوت بفعل الصبح؛ لأنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخيرها عن الفرض، وهذا قد يؤخذ مما حكاه البندنيجي عن نصه في "الأم": أنه إذا دخل المسجد، وأحرم بركعتي الفجر؛ فأقيمت الصلاة، وعلم أن تفوته الجماعة [لو] أتمها، قطعها، ودخل معه، وقضاهما بعد الفريضة.
قال: وأربع قبل الظهر، [وركعتان بعدها]؛ لما روى مسلم عن عبد الله [ابن شقيق] قال: "سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تطوعه؟ فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصل ركعتين؛ [وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء؛ فيدخل [بيتي] يصلي ركعتين"].
وروى النسائي، عن علي بن أبي طالب قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس، صلى أربع ركعات قبل الظهر حين تزول الشمس؛ فإذا صلى الظهر، صلى بعدها ركعتين، وقبل العصر أربع ركعات، يفصل بين كل ركعتين".
قال: وأربع قبل العصر؛ لحديث علي -كرم الله وجهه- وروى أبو داود، عن ابن عمر قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً".

قال: وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء؛ لحديث عائشة.
ويستحب أن يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب؛ لرواية أبي داود، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد".
وإذا عددت ما ذكره الشيخ من الركعات إلى هنا بلغت ست عشرة ركعة، وهي أكثر ما حكاه في "الوسيط" عن الأصحاب، وهو وجه في المسألة لم يذكره في "المهذب"، وعزاه القاضي أبو الطيب إلى ابن القاص، والبندنيجي عزاه إلى بعض الناس، ووراءه أوجه: أحدها: أنها ثماني عشرة؛ فتضيف إلى ما ذكره الشيخ ركعتين بعد الظهر؛ فيكمل ما بعده أربعاً؛ لقوله-عليه السلام-: "من حافظ على أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، حرمه الله على النار" رواه أبو داود والترمذي.
وهذا ما حاكه ابن الصباغ، والقاضي أبو الطيب، عن أبي علي في "الإفصاح"، وقال في "المهذب": إنه الأكمل.
والثاني: أنها أربع عشرة ركعة: ركعتا الفجر، وأربع قبل الظهر، وأربع بعده، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء؛ حكاه أبو الفتح نصر في "تهذيبه"،

وهو كالذي قبله إلا فيما قبل العصر.
وهذا القائل وإن لم يثبت الأربع قبل العصر سنة؛ فهو قائل بأنها مستحبة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاها مرتين، أو ثلاثاً؛ قاله القاضي الحسين، و [إليه] أشار في "الوسيط" بقوله: ولم يواظب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قبل العصر حسب مواظبته على ركعتين قبل الظهر.
والثالث: أنها اثنتا عشرة ركعة: ما ذكره الشيخ إلا الأربع قبل العصر؛ وهذا حكاه الشيخ أبو حامد في "التعليق" وغيره.
والرابع: أنها عشر ركعات: ما ذكرناه قبله إلى ركعتين مما قبل الظهر، وهذا ما صدر به البندنيجي والغزالي كلامهما، وقال الرافعي: إنه قول الأكثرين، وإن صاحب "العدة" قال: إنه ظاهر المذهب.
وقد حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه عن رواية البويطي في "مختصره".
وقال في "المهذب" وجماعة: إنه أدنى الكمال.
والخامس: أنها ثماني ركعات؛ ما ذكرناه قبله، إلا ركعتين بعد العشاء، وهذا ما رواه البويطي عن الشافعي؛ كما قاله ابن الصباغ، وعزاه الإمام وغيره إلى [أبي] عبد الله الخضري.
وأنت إذا تأملت ما ذكرناه من أدلة ما ذكره الشيخ [عرفت أن ما قاله الشيخ] هو السنة؛ عملاً بما قدمناه من حقيقتها.
وقول من قال: إن الأربع قبل العصر ليست بسنة؛ لأنه-عليه السلام-لم يصلها إلا مرتين أو ثلاثاً-يعارضه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عمله ديمة، وإذا عمل عملاً أثبته".
وأيضاً: فهو إذا أتى بما ذكره الشيخ، وركعة الوتر، كان ما أتى به من الركعات بعدد ما يأتي به من عدد الركعات المفروضة، والنوافل مكملة لما ينقص من

الفرائض؛ فكان أشبه.
قال الإمام: وقد استحب بعض الأصحاب ركعتين قبل المغرب؛ لرواية أبي داود عن عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلوا قبل المغرب ركعتين"، ثم قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين، [صلوا قبل المغرب ركعتين] لمن شاء؛ خشية أن يتخذها الناس سنة" وأخرجه البخاري بنحوه.
ولمسلم: أن أنس بن مالك قال: "كنا بالمدينة؛ فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب، ابتدروا السواري؛ فركعوا ركعتين؛ حتى إن الرجل الغريب ليدخل [المسجد]؛ فيحسب أن الصلاة صليت؛ لكثرة من يصليهما".
وجاء في "صحيح" مسلم عن انس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرانا نصلي ركعتين بعد غروب الشمس، قبل صلاة المغرب؛ فلم يأمرنا، ولم ينهنا".
قال الرافعي: ومن الأصحاب من قال: [إنهما] لا تستحبان؛ لما روي عن ابن عمر: أنه سئل عنهما؟ فقال: "ما رأيت أحداً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما".

وعن عمر -رضي الله عنه-: "أنه كان يضرب عليهما".
تنبيهات: الأول: الأربع قبل الظهر، وكذا بعده-إن أثبتناها- والأربع قبل العصر، قال النواوي في "فتاويه": تجوز بتشهد واحد، وتشهدين، والأفضل تسليمتان.
قلت: ويشهد له حديث على السالف.
وأيضاً ففي ذلك جمع بين ما ورد من استحباب ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وبين الحديث الآخر.
الثاني: سنة الجمعة كسنة الظهر-على الصحيح- الذي لم يحك القاضي الحسين هنا غيره، ولا جرم لم يفردها الشيخ، والجمهور بالذكر؛ وعلى هذا يكون في عدد ركعاتها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها أربع: ركعتان قبلها، وركعتان بعدها.
والثاني: أنها ست: أربع قبلها، وركعتان بعدها.
والثالث: أنها ثمان: أربع قبلها، وأربع بعدها وهذا ما حكاه ابن القاص وغيره؛ لما روى ابن ماجه في "سننه" أنه -عليه السلام-: "كان يصلي قبلها أربعاً"، وهذا ظاهر، إذا قلنا: إن الجمعة ظهر مقصور.
أما إذا قلنا: إنها صلاة مستقلة بنفسها، فهو محل النظر، وقد جزم المحاملي في "اللباب" بأنها ربع بعدها بتسليمتين؛ لقوله -عليه السلام-: "إذا صليتم الجمعة، فصلوا بعدها أربعاً" أخرجه مسلم.
ويشبه أن يكون هذا تفريعاً على أنها صلاة مستقلة؛ كما هو الصحيح، والخبر الذي رواه ابن ماجه إسناده ضعيف جداً.

الثالث: ما يفعل من السنن قبل الفرض يدخل وقته بدخول وقت الفريضة، ويبقى إلى ذهابه، وما يفعل بعد الفريضة يدخل وقته بفعل الفريضة، ويدوم إلى أن يخرج وقتها؛ فإذا خرج كان في قضائها ما سيأتي؛ كذا حكاه في "المهذب" و"التتمة"، وهو يقتضي أن في آخر وقت سنة المغرب قولين؛ كما في صلاة المغرب، وبه صرح البندنيجي؛ حيث قال: إن وقتها يخرج بخروج وقت المغرب.
وقال القاضي أبو الطيب: إن وقتها يخرج بدخول وقت العشاء، ولم يحك سواءه.
وفي التتمة حكاية وجه آخر مع ما حكاه القاضي: أنه يخرج بفعل العشاء، ثم كلام البندنيجي يقتضي أن سنة الظهر [التي قبلها وبعدها يدخل [وقتها] بدخول وقت الظهر، ويخرج بخروج وقته؛ لأنه قال: ووقت سنة الظهر] دخل بالزوال، ويخرج بصيرورة ظل كل شيء مثله، وبه صرح القاضي أبو الطيب.
قال: والوتر- أي: سنة راتبة تفعل بعد العشاء أيضاً-لقوله عليه السلام:"يا أهل القرآن أو تروا؛ فإن الله وتر يحب الوتر" أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن.
وعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة المغرب وتر النهار؛ فأوتروا صلاة الليل".
فإن قيل: هذا أمر؛ وظاهره الوجوب؛ فينبغي أن يجب.
ويؤيده ما رواه أبو داود والإمام أحمد أنه-عليه السلام-قال: "الوتر حق؛ فمن لم يوتر، فليس منا".

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل