كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الصباغ والروياني-: "وميقات أهل تهامة اليمن يلملم".
قال الروياني: والغور يسمى: تهامة.
وقد تلخص من ذلك أن الحجاز مشتمل على نجد وغور: فالنجد: بلاد فيها ارتفاع، والغور: بطونها، والنجد أغلب؛ وكذلك اليمن تشتمل على نجد وغور، وميقات النجدين: قرن، ولكل تهامة ميقات يخصها.
قرن: بفتح القاف، وإسكان الراء، بلا خلاف، وغلطوا الجوهري في فتحها، وفي زعمه: أن أويساً القرني منسوب إليها، وإنما هو من بني قرن: بطن من مراد، وهو على مرحلتين من مكة.
وفي "شرح" ابن التلمساني: أنه تلقاء مكة على يوم وليلة منها، وأصله: الجبل المستطيل الصغير المنقطع عن الجبل الكبير.
الشأم: مهموز مقصور، ويجوز تخفيف الهمزة، ويجوز الشام -بفتح الشين والمد- وهي [ضعيفة]، وإن كانت مشهورة، قال صاحب "المطالع": أنكرها أكثرهم.
وهو مذكر على المشهور، وقال الجوهري: يذكر ويؤنث.
وهو من العريش إلى الفرات طولاً، وقيل: إلى بالِس.
والجحفة: بجيم مضمومة، ثم حاء مهملة ساكنة، كانت [قرية] كبيرة، وهي على نحو سبع مراحل من المدينة، وثلاث من مكة، وسميت بذلك؛ لأن السيل أجحفها، وحمل أهلها، ويقال [لها] مهيعة: بفتح الميم وإسكان [الهاء].
العراق: بكسر العين، مذكر على المشهور، وحكي جماعة تأنيثه، وفي سبب تسميته عشرة أقوال، أشهرها: لكثرة أشجاره.
ذات عرق: يكسر العين، وإسكان الراء، على مرحلتين من مكة، وعرق: [هو الجبل المشرف على العقيق].
الإهلال: بالإحرام، وأصله رفع الصوت، ومنه: استهلال الولد، فسمي الإحرام: إهلالاً؛ لرفع صوته بالتلبية.
العقيق: واد تدفق ماؤه في غوري تهامة؛ ذكره الأزهري في "التهذيب"، وهو
أبعد من ذات عرق بقليل، وهذا [قد] حكاه القاضي الحسين وجهاً بعدما قال: إنه لا يعرف الآن عقيق إلا عقيق هو من المدينة على قدر فرسخين، فأما العقيق الذي أقته رسول الله صلى الله عليه وسلم هو لأهل العراق، فقد خفي الآن.
وقال الماوردي: إنه موضع من يسار الذاهب من ناحية العراق إلى مكة مما يلي قرن من وراء المقابر ومسيل الوادي عند النخلات المتفرقة، وقد قال قوم: إن حده ما بين بريد التقاء إلى تَمْرة.
قال: وهذه المواقيت لأهلها، ولكل من مر بها من غير أهلها؛ لخبر ابن عباس السابق.
قال الفوراني: ولا يستثنى من ذلك إلا مسألة واحدة، وهي الأجير، فإن عليه أن يحرم من ميقات الميت أو المستأجر الذي يحج عنه، فإن مر بغير ذلك الميقات أحرم من موضع بإزائه إذا كان أبعد عن ذلك الميقات من مكة، وإذا مات ميت فإن الحاج يحرم عنه من ميقات ذلك الميت.
قال: ومن كان أهله دون الميقات أو في الحرم، فميقاته موضعه؛ للخبر السابق [أيضاً]، والأفضل أن يحرم من الجانب الأبعد من موضعه إلى مكة، سواء كان في بناء أو خيام، والواجب عليه ألا يتعدى بناء موضعه [من جهة مكة] وخيام قومه إلا محرماً؛ كما تقدم مثل ذلك في الميقات، وقد نص عليه في "الأم" حيث قال: "وأقل ما يلزمه ألا يخرج من بيوتها حنى يحرم، وأحب [إلي] أن يحرم من أقصى بيوتها"، وحكي عنه أنه قال [في "الإملاء": "يحرم من ييته ومن مسجد قريته" قال] في "البحر": وهذا لا بأس به.
والمكي: المستحب في حقه أن يحرم من باب داره، [أو من] المسجد قريباً من البيت؟ فيه اختلاف نص.
قال: ومن سلك طريقاً لا ميقات فيه، أحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه؛ لأن عمر لما اجتهد في ميقات أهل العراق، اعتبر ما ذكرناه، ولم ينكر عليه أحد.
وهذه المسألة مصورة بما إذا كان يحاذي ميقاتين فى طريقه، أحدهما بعد الآخر، [و]، يحاذي الأول وهو أبعد من مكة- وجب عليه أن يحرم، وليس له أن يؤخره عن محاذاة الأول منتظراً محاذاة الثاني؛ كما ليس للذي يأتي مكة [من المدينة]، أن يجاوز ذا الحليفة؛ ليحرم من الجحفة؛ وهذا ما جزم به الإمام والروياني، وعزاه الرافعي إلى اختيار القفال، وحكى وجهاً آخر لم يحك النوراني سواه: أن له أن يؤخره إلى أن يحاذي الأقرب إلى مكة، وهو غريب.
نعم:، الخلاف المشهور فيما إذا كان حذو طريقه ميقاتان، أحدهما أقرب من الآخر إلى مكة، وهو بينهما، فإنه يجب عليه أن يحرم، ثم إن كان بينهما على قدر واحد، فهل ينسب إحرامه إلى الأبعد من مكة أو إلى الأقرب؟ فيه وجهان حكاهما الإمام، ويظهر أثرهما فيما إذا جاوز ذلك، وكلفناه العود إليه، وعسر عليه الرجوع إلى موقفه يين الميقاتين، وتعذر معرفة قدره؛ فإلى قدر أي الميقاتين يرجع؟ ولا يظهر فيما إذا عرف مسافة موقفه؛ فإن الواجب عليه أن يرجع إلى مثل تلك المسافة؛ كذا قاله الإمام.
ولو كان موقفه من أحدهما أقرب فالاعتبار به جزماً، قريباً كان من مكة أو بعيداً.
وقال العراقيون: إذا كان بين ميقاتين على نسبة واحدة، حاذى أي الميقاتين شاء، وأحرم منه، والأفضل أن يحرم من أبعدهما إلى مكة، وهو الذي حكاه الماوردي [عن الجمهور]، وصححه، وحكى وجهاً [آخر أنه] من [الأبعد].
فرع: الغريب إذا أتى من جانب، ولم يمر بميقات ولا حاذاه، فيحرم على مرحلتين من مكة؛ نزولاً على قضاء عمر- رضي الله عنه - في تأقيت ذات عرق والتفاتاً إلى حد المذهب في حاضري المسجد الحرام؛ قاله في "الوسيط": وهو من تخريج الإمام.
قال: ومن كان داره فوق الميقات، فالأفضل ألا يحرم إلا من الميقات قي أصح
القولين؛ لما روي عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "استمتع بأهلك حتى تأتي الميقات، فتحرم منه".
ولأنه - عليه السلام - حج مرة واعتمر ثلاثاً، وأحرم في جميعها من الميقات، ولم يحرم في شيء منها قبل الميقات، ولو كان الإحرام قبل الميقات أفضل لاختاره صلى الله عليه وسلم لنفسه، وفعله ولو مرة؛ لينبه الناس على فضله؛ ولأنه أقل تغريراً بالعبادة؛ وهذا ما رواه البويطي والمزني في "جامعه الكبير"، ونسب إلى الجديد؛ وعلى هذا فلو أحرم من دويرة أهله، فقد ترك الأولى.
وقال الإمام: إن بعض الأصحاب أطلق الكراهة في التقديم، ولست أرى ذلك.
[وقد] عزا في "الإبانة" الكراهة على هذا إلى الجديد، وكلام "الوسيط" مشير إليه.
ولو نذر أن يحرم بالحج من دويرة أهله، فقياس من أطلق الكراهة: ألا ينعقد نذره، وقياس من قال: إنه إذا فعل ذلك فقد ترك الأولى، أن يكون الحكم كما لو نذر الحج ماشياً، وقلنا: إنه راكباً أفضل؛ فإن له أن يحج راكباً- ألا يلزمه هنا الإحرام من دويرة أهله، ويجوز له تأخيره إلى الميقات، وقد صرح في "المهذب" بأنه يلزمه من دويرة أهله إذا نذر ذلك، وأنه إذا جاوزه غير محرم، كان كمن جاوز الميقات وأحرم دونه في وجوب العود والدم.
قال: ومن دويرة أهله في القول الآخر؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، وقد تقدم تفسيره.
وفي "الإبانة": أنه روي عنه - عليه السلام - أنه قال: "من تمام الحج والعمرة أن
تحرم بهما من دويرة أهلك".
وقال في "النهاية": إنه ورد في ذلك أخبار صحيحة، منها: ما روي أنه - عليه السلام – قال: "أفضل الأعمال حج الرجل من دويرة أهله يؤمُّ هذا البيت العتيق".
وقد روى أبو داود بسنده عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" أو "وجبت له الجنة".
[شك] عبد الله.
ولأنه إذا أحرم من دويرة أهله، كان أكثر عملاً؛ وهذا ما نص عليه في "الإملاء"، ونسب إلى القديم، واقتضى كلام ابن الصباغ ترجيحه، وحكى الإمام والقاضي الحسين طريقة قاطعة [به]، وهي التي صححها الفوراني، واختارها القفال، ولم يحك في "الوسيط" و"الوجيز" غيرها، [والقائلون بها حملوا] ما حكي عن الجديد من الكراهة على أنه لا يتشبه بالمحرمين في التجرد عن الثياب من غير أن يحرم كما يعتاده الشيعة فإن ذلك مكروه.
وقال الفوراني: وقد دل عليه قول الشافعي - رضي الله عنه -: "ولا يتجرد عن الثياب قبل الإحرام، بل يلبسه، ويفعل ما يفعل سائر الناس".
قال الرافعي: ويخرج من فحوى كلام الأئمة طريقة ثالثة، وهي حمل نصه في "البويطي" على ما إذا لم يأمن على نفسه من ارتكاب محظورات الإحرام، وتنزيل نصه في "الإملاء" على ما إذا أمن عليها.
ثم نسبة ما عزي إلى "الإملاء" إلى القديم، لم أره إلا للغزالي، و"الإملاء" معدود من الجديد.
وقد فهمت مما ذكرناه: أنه لا خلاف أنه إذا قدم الإحرام على الميقات المكاني انعقد.
قال الجرجاني: ويخالف ما إذا قدم الإحرام بالحج على الميقات الزماني؛ فإنه لا ينعقد، والفرق: أن ميقات المكان مبني على الاختلاف في حق الناس؛ فأبيح فيه
التقديم، بخلاف ميقات الزمان؛ فإنه لا يختلف في حق أحد؛ فلم يجز فيه التقديم.
قال: ومن جاوز الميقات غير مريد للنسك، أي: لا قصداً، ولا [فى] ضمن قصده كمن يريد قضاء شغل فيما دون الحرم.
قال: ثم أراد أن يحرم - أهلَّ من موضعه؛ لما روي عن ابن عمر: أنه أهل من الفرع وهو دون الميقات إلى مكة.
قال الشافعي: وهذا عندنا: أنه مر بميقاته لا يريد إحراماً، ثم بدا له؛ [فأهل منه، أو جاء إلى الفرع، من مكة أو غيرها، ثم بدا له] فأحرم.
قال الأصحاب: ولا يجب عليه العود إلى الميقات؛ لأن العود إليه إنما يجب على من لزمه الإحرام منه لإرادته النسك؛ عملاً بقوله - عليه السلام-: "هن لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد [الحج والعمرة"، وقد فقد ذلك في حق هذا؛ فلم يلزمه العود.
نعم، لو جاوز موضح إرادة] الإحرام غير محرم، كان وجوب العود إليه ولزومه له على ما سنذكره فيما إذا جاوز الميقات مريداً للنسك.
قال: ومن جاوزه مريداً للنسك، أي: قصداً، أو في ضمن قصده؛ لكونه قصد دخول الحرم، وقلنا: لا يجوز دخوله بغير إحرام.
قال: وأحرم دونه، فعليه دم؛ لأنه وجب عليه الإحرام من الميقات؛ لحديث ابن عباس: "فإذا تركه وجب الدم"، كما روي عن ابن عباس موقوفاً ومرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "من ترك نسكاً، فعليه دم".
وقال في "المهذب" وغيره؛ ويجب عليه أن يرجع إلى الميقات إلا أن يتحقق له عذر من خوف الطريق أو فوات الحج، ولا فرق في ذلك بين أن يكون قد ترك الإحرام عامداً أو ساهياً.
قال الأصحاب من الفريقين: ويخالف ما لو لبس أو تطيب ساهيًا؛ فإنه لا يلزمه الدم؛ لأن الطيب واللباس طريقهما طريق الترك؛ فلذلك اختلف حكم عمدهما وسهوهما والإحرام طريقه طريق إيجاب الفعل، وما طريقه الإيجاب يستوي فيه العمد والسهو؛ يدل على ذلك أن الركوع والسجود في الصلاة لما كان طريقهما الإيجاب، استوى حكم العمد والسهو فيهما، ولما كان الكلام في الصلاة طريقه طريق الترك، اختلف [حكم] عمده وسهوه.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في وجوب الدم على من مر بالميقات [مريداً للنسك، ثم أحرم دونه - بين أن يكون من أهل العبادة حال مروره بالميقات] أو لا؛ كالكافر إذا مر به مريداً للنسك، ثم أسلم، وأحرم دونه، وقد صرح به في "المهذب" وغيره، ومنع المزني إيجاب الدم على الكافر، والمذهب: خلافه.
فرع: إذا مر بالميقات، وأحرم منه بأحد النسكين، ثم بعد الميقات أدخل عليه النسك الآخر: أما الحج على العمرة، أو العمرة على الحج، وجوزناه، هل يلزمه الدم؟ فيه وجهان في "التهذيب":
أحدهما: نعم؛ لأنه جاوز الميقات مريداً للنسك، وأحرم بعده.
والثاني: لا؛ لأنه جاوزه محرماً؛ فصار كما لو أحرم مبهماً من الميقات، فلما جاوزه صرفه إلى الحج، والله أعلم.
قال: فإن عاد إلى الميقات قبل التلبس بالنسك، أي: قبل التلبس بشيء من [أعمال] ما أحرم به غير الإحرام من ركن أو سنة: كطواف القدوم في الحج، وإلا فهو بمجرد الإحرام قد تلبس بالنسك.
قال: سقط عنه الدم؛ كما إذا عاد الدا فع عن عرفة قبل الغروب إليها [بعد الغروب]، وهذا عن الشيخ تصريح بأن الدم وجب ثم سقط، وهو وجه حكاه الماوردي، وحكى وجها آخر وصححه: أن الدم إنما يجب بفوات العود، ولا نقول: إنه وجب بالإحرام، وسقط بالعود.
والمذكور في "تعليق" البندنيجي: أنه إذا جاوز الميقات مريداً للنسك، وأحرم دونه، فقد أساء، وكان أمره مراعى: فإن عاد إلى الميقات قبل التلبس بشيء من أفعال نسكه تبينا أنه لم يجب عليه دم، وإن لم يعد تبينا أنه كان قد وجب عليه؛ وهذا وجه ثالث، والكل متفقون على أنه بعد العود لا شيء عليه، وهو [ظاهر المذهب] في "الشامل"، وغيره.
وحكى القاضي أبو الطيب قولاً ثانياً في المسألة: أنه لا يسقط عنه الدم بالعود إلى الميقات محرماً؛ كما لو رجع بعد ما تلبس بالنسك، ورواه الشيخ أبو حامد وجهاً، وتبعه ابن الصباغ وغيره.
قال القاضي أبو الطيب: والصحيح: أنه قول، والصحيح عدم الوجوب؛ لأنه حصل محرماً في ميقاته قبل التلبس بشيء من أفعال عبادته؛ فوجب ألا يلزمه [دم] لأجل عدم إحرامه منه؛ قياساً على ما إذا ابتدأ إحرامه من دويرة أهله؛ وعلى هذا قال في "البحر": وعلى هذا يكون عن أراد النسك مخيراً بين ثلاثة أشياء: بين أن يحرم قبل الميقات، وبين أن يحرم من الميقات، وبين أن يحرم دونه ثم يعود إليه، ولا يكون مسيئًا في واحد منها.
وعلى قول من قال: لا يسقط الدم، [لا يخرج عن الإساءة]
بذلك.
فجعل كونه مسيئًا وغير مسيء مبنياً على الوجهين.
وفي "ابن يونس" - تفريعاً على قول السقوط -: أنه هل يكون مسيئًا أم لا؟ فيه وجهان.
ولعله أخذهما من إطلاق صاحب "الفروع" القول بأنه إذا مر بالميقات مريداً للنسك، وجاوزه، ولم يحرم، ثم أحرم دونه، وعاد إليه - فظاهر المذهب: أنه لا يكون مسيئاً، وقيل: هو مسيء بأصل المجاوزة؛ وهذا الإطلاق يمكن حمله على ما قاله في "البحر"؛ فلا تمسك به.
[و] الوجهان – أو القولان - في سقوط الدم عند العود إلى الميقات جاريان – كما حكاه البندنيجي وغيره، في باب العمرة إذا جمعت، إلى غيرها - في المتمتع والقارن إذا أحرم الحج من جوف مكة، ثم عاد إلى الميقات محرماً قبل الوقوف، هل يسقط عنه دم التمتع والقران أم لا؟ وقد تقدم فرق بينهما عند بعضهم.
ثم ظاهر كلام الشيخ وغيره من العراقيين يقتضي أنه لا فرق في محقوط الدم بعد
العود وقبل التلبس [النسك] وعدمه، بين أن يكون بعد مجاوزته مسافة القصر أو لا، وهو ما ذكره في "التهذيب"، ولا بين وصوله إلى مكة أو لا.
والفوراني جعل محل الخلاف في السقوط [إذا عاد بعد أن بلغ مسافة القصر من الميقات، وجزم القول به] إذا عاد قبل انتهائه إلى مسافة القصر.
والإمام حكى الخلاف فيما إذا عاد قبل انتهائه إلى مسافة القصر، وقال فيما إذا عاد بعد انتهائه إلى مسافة القصر؛ إن الخلاف مرتب على المسألة قبلها، وهنا أولى بعدم السقوط، وجزم القول بأنه لو عاد بعد ما دخل مكة لا ينفعه العود.
أما إذا عاد إلى الميقات بعد التلبس [بشيء] من أفعال النسك- ولو بطواف القدوم في الحج - لم يسقط عنه الدم، كما أفهمه كلام الشيخ؛ قياساً على ما لو دفع قبل الغروب يوم عرفة، ثم عاد بعد فوات الليل، لا يسقط الدم.
وفي "التهذيب" [حكاية وجه:]، أنه لا أثر للتلبس بطواف القدوم.
ولو مر بالميقات مريداً للنسك، وجاوزه غير محرم، ثم عاد إليه، وأحرم منه - فلا خلاف عند الماوردي والروياني وغيرهما من العراقيين؛ أنه لا يجب الدم.
وفي "الوسيط" تبعاً لـ"النهاية": أنه إن عاد قبل انتهائه إلى مسافة القصر، فالأمر كذلك، وإن عاد بعد مجاوزته مسافة القصر من الميقات، ففي السقوط وجهان، وإن عاد بعد وصوله إلى مكة، لم ينفعه العود، وعليه الدم قولاً واحداً.
قال الإمام: لأن المحذور أن يدخل مكة غير محرم مع انطواء عقده على قصد النسك وقد حصل ذلك، بخلاف المتمتع إذا عاد إلى ميقاته للإحرام بالحج؛ فإنه لا شيء عليه؛ لأنه ليس مسيئاً؛ إذ قد أحيا الميقات الذي انتهى إليه بإحرام العمرة؛ فباين بذلك رتبة المسيء، وإنما كنَّا نلزمه دم التمتع لربح أحد السفرين، فإذا عاد، فقد سقط المعنى.
وهل يلتحق عود المريد للنسك إلى الميقات غير محرم بعد دخوله الحرم دون مكة، [بعوده إليه بعد دخول مكة] حتى لا يسقط عنه الدم قولاً واحداً، أو لا يلتحق
به حتى يأتي فيه الخلاف؟ فيه خلاف حكاه الإمام من بعد.
ولو مر بالميقات مريداً للنسك، ولم يحرم حتى دخل مكة، ولم يرجع - قال في "الحاوي": لا يلزمه الدم لأجل مجاوزته الميقات؛ لأن الدم إنما يجبر [به] نقص النسك، ولا يجب بدلاً من ترك النسك.
وهذا منه يفهم أن ما قاله مخصوص بما إذا لم يحرم، أما إذا أحرم بعد دخوله مكة فلا.
وقد أفصح عنه القاضي الحسين، وتبعه في "التهذيب"؛ فقال: إن أحرم بالحج في سنته، وجب عليه الدم؛ لأنه [بان أن] الحج في هذه السنة كان إحرامه واجباً من الميقات، وإن حج في السنة الثانية، لم يلزمه الدم؛ لأن إحرام هذه السنة لا يصلح لحج سنة قابلة، ولو اعتمر يلزمه الدم، سواء اعتمر في هذه السنة أو في السنة القابلة؛ لأن العمرة لا يتأقت وقت إحرامها.
فروع:
[أحدها]: الولي إذا نوى أن [يعقد الإحرام] للصبي، فاجتاز به الميقات، ولم يعقده له، ثم عقده بعد ذلك - هل يلزمه فدية في ذلك؟ [فيه] وجهان في "تعليق" القاضي أيي الطيب عند الكلام في كيفية إحرام الولي [عنه]:
أحدهما: تلزمه، وتكون [في مال] الولي؛ كما لو أحرم بالصبي، ثم فوته الحج، كانت الفدية في مال الولي.
والثاني: لا تجب على الولي، ولا في مال الصبي: أما الصبي؛ فلأنه لم يقصد الحج، وأما الولي؛ فلأنه غير محرم، ولم يرد الإحرام.
[الثاني]: الأجير على الحج إذا فعله، ثم اعتمر لنفسه، لزمه الدم، قال القاضي أبو الطيب: لأن حجه لما أوقعه عن الغير، صار كأن الغير فعله، وصار هو بمثابة من دخل مكة مريداً للنسك وهو غير محرم، وأحرم بالعمرة.
قال البندنيجي: وهكذا الحكم وإن كان [لم] يعن له أن يعتمر إلا بعد
فراغه من الحج عن الغير.
ولو كان أجيراً عن الغير في العمرة، فاعتمر عنه، وأحرم من الميقات، ثم أحرم بالحج عن نفسه من مكة – لزمه الدم؛ للعلة التي ذكرناها.
وقد حكى البغوي ذلك، ثم قال: وقال الشيخ - يعني القاضي الحسين-: [القياس] ألا يجب عليه دم الإساءة؛ لأنه لم يجاوز الميقات غير محرم.
[الثالث]: المكي ومن هو بمكة من متمتع وغيره إذا خرج إلى الحرم، فأحرم بالحج، ولم يعد إلى مكة - فهل يجب عليه الدم؟ فيه وجهان في "المهذب"، وقولان في "الإبانة" و"النهاية"، والصحيح: الوجوب؛ لأن مكة ميقاته؛ قال- عليه السلام-: "حتى أهل مكة يهلون منها".
ولو أحرم به من الحل، ولم يعد إلى الحرم، ولا إلى مكة - لزمه الدم جزماً، ولو عاد إلى مكة فحكمه كما إذا عاد من تعدى الميقات غير محرم إليه محرماً.
ولو عاد إلى الحرم دون مكة، فهل يكون كعدم عوده أو كعوده إلى مكة؟ فيه وجهان حكاهما الفورانى وغيره، ومأخذهما القولان السابقان، والله - سبحانه وتعالى - أعلم وأعز وأحكم.
باب الإحرام وما يحرم فيه
الإحرام - كما قال النواوي-: نية الدخول في حج أو عمرة، سمي: إحراماً؛ لأنه يمنعه من المحظورات.
قلت: وهذا التفسير يخرج الإحرام المطلق عن أن يكون إحراماً، وابن الصباغ حصره في المطلق؛ فإنه قال: لو نوى الإحرام، ولم ينو حجًّا ولا عمرة، [انعقد إحراماً مطلقاً، وله صرفه إلى أيهما شاء، وإن لم ينو حجًّا ولا عمرة] ولا [إحراماً]، فليس بشيء.
وكأن الذي أحوج النواوي إلى حصره في نية الحج والعمرة قوله في "المختصر": "وإن لم يرد حجًّا ولا عمرة، فليس بشيء"، [وهذا النص [اختلف فيه الأصحاب:]
فمنهم من خطأ المزني في قوله: "فليس بشيء"]؛ لأن الإحرام المطلق ينعقد.
ومنهم من صوبه، وحمل ذلك على [ما] إذا لم ينو حجًّا ولا عمرة ولا إحراماً مطلقاً.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا أشبه بالصواب.
ومنهم من حمله على حالة أخرى سنذكرها.
والأوجه في تفسير الإحرام أن يقال: هو نية حج، أو عمرة، أو هما، أو ما يصلح لهما أو لأحدهما، وهو المطلق، وعليه ينطبق قول البندنيجى فى حده: إنه النية والاعتقاد.
فإن قلت: يشكل على هذا قول الشيخ من بعد: "وينوي الإحرام [بقلبه] "، وقوله في "المهذب": "ولا يصح الإحرام إلا بالنية"؛ فإنه يقتضي أن يكون غيرها.
قلت: سأذكر ثم- إن شاء الله تعالى - ما يدفع ذلك.
وقول الشيخ: "وما يحرم فيه"، هو بفتح [الياء]، ومجموعه عشرة أشياء اللباس؛ وستر الرأس [أو الوجه]، والتطيب، والادهان - كما سنبينه - وتقليم الأظفار، وحلق الشعر، والنكاح والوطء في الفرج ودونه، والمباشرة فيما دون الفرج بشهوة، والاستمناء والصيد.
قال: إذا أراد أن يحرم، اغتسل؛ لما روى الترمذي بسنده عن زيد بن ثابت: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله، واغتسل"، وسنذكر من رواية مسلم ما يؤيده.
وهذا الغسل مستحب؛ [لأنه] لأمر مستقبل؛ فكان كغسل الجمعة والعيد، ولا يلزم عليه غسل الجنابة؛ لأنه لأمر ماض، وقد حث الشافعي - رضي الله عنه - على فعله بقوله: تبعت جماعة من أهل العلم، فلم أرهم تركوا الغسل للإحرام؛ فما تركته عند الإحرام، وقد كان تلحقني المشقة لأجله.
والصبي والمرأة الطاهرة والحائض والنفساء في استحباب الغسل كالرجل؛ نص
عليه في "الأم"، واستدل له الأصحاب برواية مسلم عن جابر: أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي، واستثفري بثوب وأحرمي".
وحكى القاضي الحسين: أن الشافعي - رضي الله عنه - نص في موضع آخر [على] أن الحائض والنفساء تؤخران الإحرام إلى أن تطهرا، وأن الأصحاب اختلفوا:
فمنهم من جعل في المسألة قولين:
أحدهما: تغتسلان في الحال وتحرمان مع القوم.
والثاني: تؤخران إلى أن تطهرا؛ إذ الاغتال على الحيض والنفاس لا والثاني: تؤخران إلى أن تطهرا؛ إذ الاغتسال على الحيض والنفاس لا معنى له؛ فحل وجوده محل عدمه، وقد حكى هذا القول إبراهيم المروزي أيضاً.
قال القاضي: والقولان قريبان من القولين في العادم للماء في أول الوقت إذا كان يرجوه في آخره هل يتيمم؟
ومنهم من قال: المسألة على حالين:
فحيث قال: "تغتسلان"، أراد: إذا كان يخاف عليهما في التأخير و [المقام بالميقات].
وحيث قال: "تؤخران"، أراد: إذا كان لا يخاف عليهما.
قلت: ويمكن حملهما على ما نص عليه في "الأم"؛ فإنه قال: وإذا كانت الحائض والنفساء من أهل المواقيت، وكان الوقت واسعاً، أحببت لكل واحدة منهما أن تقيم، حتى إذا طهرت، اغتسلت، وأحرمت؛ لتكون على أكمل حالها، وإن ضاق الوقت، اغتسلت حائضاً، وأحرمت".
قال الإمام: وفي [صحته من الحائض] والنفساء دليل على أنه لا يحتاج إلى نية؛
لأن المقصود منه التنظف.
ويحتمل ألا ينصرف إلى جهة العبادة إلا بالنية؛ كغسل الجمعة، وقوي هذا الاحتمال.
قال مجلي: ويحتمل الفرق؛ لأن غسل الإحرام من سننه، والإحرام ركن من أركان الحج، ونية الحج مشتملة على جمح أفعاله فرضها ونفلها؛ فلا يحتاج إلى تجديد تية، بخلاف غسل الجمعة؛ فإنه سنة مستقلة بنفسها، ليست جزءاً من الصلاة.
قلت: وفي هذا نظر؛ لأن نظير المسألة ما إذا تمضمض واستنشق من غير نية، ثم نوى عند غسل الوجه، وقد قال الأصحاب: لا يحصل له إذا فعل ذلك فضيلتهما؛ لخلوهما عن النية.
فإن قلت: هلا قيل بانعطاف النية عليه؛ كما قيل بانعطافها على أول النهار في صوم التطوع إذا وقعت في أثنائه؟
قلت: من عطفها في الصوم على الماضي من اليوم، لاحظ أن صوم بعض يوم لا يمكن؛ فلا بد من أن يقدره صائماً من أول النهار؛ فاضطر إلى تقدير انعطاف النية على أوله؛ لأن الصوم بغير نية لا يصح، ولا كذلك هنا، وفي مسألة المضمضة فإن الإحرام والوضوء ممكن بدونهما؛ فلا ضرورة في التقدير، مع أنه على خلاف الأصل.
قال: فإن لم يجد الماء تيمم؛ لأن الغسل يراد للقربة والنظافة، فإذا تعذر أحد الأمرين الذي هو النظافة، فعل ما يحصل به الأمر الآخر، وهو القربة.
قال في "التهذيب": كما في غسل الجمعة والعيد، وهذا نصه في "الأم".
والحكم كذلك في جمح الاغتسالات المسنونة في الحج.
قال الرافعي: لكنا قد ذكرنا في غسل الجمعة: أن الإمام أبدى احتمالاً في أنه لا يتيمم، وجعله الغزالي وجهاً، واختاره، وهو عائد هنا بلا شك.
قلت: قد يفرق بينهما بأن الغسل هنا مخالف لغيره؛ بدليل صحته من
الحائض والنفساء؛ فكذلك بدله.
ولو وجد الماء، لكن عجز عن الاغتسال به، قال في الحاوي: اخترنا له أن يتوضأ، فإن تعذر الوضوء اخترنا له التيمم.
ولو وجد من الماء ما يكفيه للوضوء، توضأ يه؛ قاله المحاملي، والبغوي، والروياني.
وقال في "الروضة": إن أريد أنه يتوضأ، ثم يتيمم، فحسن؛ وإن أريد الاقتصار على الوضوء، فليس بجيد؛ لأن المطلوب هو الغسل، والتيمم يقوم مقامه دون الوضوء والصبي والمرأة فيما ذكرناه كالرجل.
فإن قلت: ما المحوج إلى حمل قول الشيخ: "إذا أراد أن يحرم اغتسل، فإن لم يجد الماء تيمم"، على الرجل حتى ألحقت به الصبي والمرأة، [ولم لا] حملته على الشخص حتى يشمل الدم والأنثى؟
قلت: أمران:
أحدهما: جعل الشيخ متبعاً للشافعي -رضي الله عنه - فإنه قال في "المختصر": إذا أراد الرجل الإحرام، اغتسل من ميقاته".
والثاني: قوله: "وتجرد عن المحيط في إزار ورداء"؛ فإن ذلك لا يشرع في حق المرأة.
لكن لك أن تقول قوله: "ويرفع صوته بالتلبية، والمرأة تخفض صوتها"، وقوله: "ويجوز للمرأة لبس القميص والسراويل ... " إلى آخره - يدل على أن ما ذكره في الباب كله مشترك بين الرجل والمرأة [سوى هذا، وإلا لم يكن لتخصيص هذا بالذكر معنى، وسكوته عن التفرقة بين الرجل والمرأة] في التجرد عن المحيط، كان لوضوحه، ويؤيد ذلك أن البندنيجي وغيره من الأصحاب قالوا: المرأة كالرجل إلا في ثلاث صور: رفع الصوت بالتلبية، وحكم اللباس؛ كما سنذكره، وستر اليدين؛ على أحد القولين، والله أعلم.
قال: وتجرد عن المنعيط؛ لرواية زيد بن ثابت السابقة.
والمنعيط: بفتح الميم، وكسر الخاء.
قال: في إزار ورداء؛ لما روى ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه عليه السلام قال: "ليحرم أحدكم في رداء وإزار ونعلين".
قال: أبيضين؛ لقوله - عليه السلام-: "البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنه أطهر وأطيب، وكفنوا فيه موتاكم"، أخرجه الترمذي.
فلو أحرم في مصبوغ، قال في "التهذيب": كره؛ لأن عمر رأى [على] طلحة ثويين مصبوغين وهو حرام، فقال: "أيها الرهط، [إنكم] أئمة يقتدى بكم؛ فلا يلبس أحدكم من هذه الثياب المصبوغة في الإحرام شيئاً".
وفي "الحاوي" و"البحر": أن ما صبغ قبل نسجه يجوز لبسه؛ لأنه بالرجال أشبه، وما صبغ بعد النسج إذا لبسه الرجل، كان عادلاً عن الاختيار، وأجزأ.
قال: جديدين؛ لأن الجديد أبعد من الدنس، وأنقى من المغسول.
قال: أو نظيفين، أي: من الوسخ والنجاسة؛ لأن ذلك يحصل المقصود.
قال في "الحاوي": فلو لبس ثوباً نجساً، كان [بذلك] مسيئاً، وكان إحرامه منعقداً، وكذا لو أحرم وهو جنب؛ لأن الإحرام لا يفتقر إلى طهارة من حدث ونجس.
قال: ويتنظف، أي: بإزالة الأوساخ، وتقليم الأظفار، والأخذ من شعره، وبالسواك؛ كما يفعل عند الرواح إلى الجمعة؛ لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بأشْنَانٍ
وخطمي".
وروى جابر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يتأهبوا للإحرام بحلق شعر العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب والأظفار وغسل الرأس".
وقد استحب الأصحاب له - أيضاً - أن يلبد شعره قبل الإحرام، وهو أن يعقص شعره ويضرب عليه الخطمي أو الصمغ أو غيرهما؛ لدفع القمل وغيره؛ فإنه قد صح في استحباب ذلك أحاديث.
قال: ويتطيب؛ لقول عائشة - رضي الله عنها -: "طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي لحرمه حين أحرم، ولحله حين حل قبل أن يطوف بالبيت"، أخرجه مسلم
[والبخاري].
والمرأة في هذا كالرجل إن لم يكن مراد الشيخ: الشخص - كما تقدم – لقول عائشة - رضي الله عنها-: "كنا نخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمخ جباهنا بالمسك [و] الطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينهانا"، رواه أبو داود.
وعن الداركي رواية قول: أنه لا يستحب لها التطيب بحال، فإن فعلت كان جائزاً، كما أنها إذا حضرت الجمعة [لا يستحب لها الطيب.
وليس بشيء؛ فإن الحديث حجة عليه.
وعلى الأول قال الأصحاب: لا فرق فيه يين العجوز والشابة، والمزوجة والخلية، بخلاف الجمعة]؛ فإن حكمها ووضعها أضيق.
وقد استحب الشافعي لها - أيضاً - أن تخضب للإحرام وجهها ويديها، سواء كان لها زوج أو لم يكن؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: "من السنة أن تدلك المرأة يديها بالحناء".
والمعنى فيه: أنه يصير ساتراً لبشرتها؛ إذ قد تمس حاجتها إلى كفها، [وكذا استحب لها خضاب وجهها به]، ويكره لها التطرف، ولا يكره إلى الكوع.
فإن قيل: ما ذكرتموه من الحديث، الدال على مشروعية التطيب يعارضه ما روي "أن أعرابياً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه جبة متضمخة بالحلوق، فقادت [يا] رسول الله: أحرمت بالحج، وعليَّ هذه، فما أصنع؟ فلم يرد عليه شيئاً، حتى نزل عليه الوحي، فلما سُرِّيَ عنه قال: وأين السائل آنفاً؟ "فقال الأعرابي: هأنا يا رسول الله، فقال: "انزع الجبة واغتسل"، كما أخرجه مسلم بمعناه، وهذا يدل على منع التطيب.
فجوابه من وجهين قالهما أبو الطيب وغيره:
أحدهما: أن الجية أصابها الخلوق وفيه زعفران، والزعفران محرم على الرجال في حال الحل والإحرام؛ قال الماوردي: لنهيه - عليه السلام - الرجال عن التزعفر؛ فلذلك أمره بغسله.
والثاني: أن هذا الخبر منسوخ؛ لأنه كان بالجعرانة سنة ثمان، وخبرنا في حجة الوداع سنة عشر.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في التطيب بين ما يبقى جِرْمُهُ بعد الإحرام؛ كالمسك والغالية، وما لا يبقى إلا ريحه: كالبخور بالعود ونحوه، وهو المذهب، وبه جزم الإمام؛ لخبر عائشة السابق، ورواية مسلم عنها [أنها] قالت: "كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم" ووبيص المسك: بريقه.
لكن التطيب بما تبقى عينه، هل يكون مستحباً أو مباحًا؟ حكى الماوردي فيه وجهين، وقال: إن الثاني أشبه بمذهب الشافعي، رضي الله عنه.
والذي أورده ابن الصباغ وغيره الأول.
ومقابل المذهب وجه: أنه لا يجوز التطيب بما يبقى أثره بعد الإحرام؛ لأنه في معنى التطيب بعد الإحرام، وهو جار في المرأة، ومنهم من خصه بها دون الرجل؛ حكاه أبو الطيب وغيره، وقال: إنه باطل؛ لأنه خلاف السنة؛ وعلى هذا لو فعل، لزمه غسله، وعلى المذهب: لا يجب غسله.
قال في "التهذيب"- تبعاً لشيخه ويخالف المرأة إذا تطيبت، ثم لزمتها العدة، يجب عليها إزالته على وجه؛ لأن تنبه حق آدمي.
ولو عرق فسال الطيب إلى موضع آخر، فلا فدية عليه؛ لأنه في حكم المغلوب عليه.
وفيه وجه؛ أنها تجب؛ [لأنه حصل بسبب فعله.
قال ابن الصباغ وغيره؛ وليس بشيء.
ولا خلاف عند الجمهور] فى أنه لو مسه بيده عمدًا وهو مما يعلق بها، أو نقله من موضعه إلى موضع آخر، أو أعاده إلى موضعه - في لزوم الفدية.
وحكى الحناطي قولين فيما إذا نقله، ثم رده إلى موضعه، أو موضع آخر.
أما التطيب في ثوبه، فقد قال في القديم: "وأحب أن يجمر ثيابه ورحله"، فمنهم من أجراه على ظاهره، وقال: له أن يطيب ثياب بدنه للإحرام كما يطيب بدنه، ويكون مستحباً؛ كما حكاه القاضي الحسين، وهو الذي صححه الإمام.
ومنهم من قال: إنما أراد ثياب غير البدن، فأما ثياب البدن فلا يطيبها للإحرام؛ لأن العادة فيها النزع، والإعادة؛ فيؤدي إلى ابتداء التطيب عند الإعادة؛ وعلى هذا لو فعل، فهل يكون فعله مكروهًا أو محرماً؟ فيه وجهان:
المذكور منهما في طريق العراقيين: الأول.
والثاني حكاه الإمام والفرق عليه بين البدن والثوب: أن الطيب [في الثوب يبقى، وفي البدن ينمحق].
وحكى وجهاً آخر: أن الطيب إن لم يكن عيناً، فلا بأس به؛ وإن كان عيناً، لم يجز،
وكان بمثابة ما لو ربط مسكاً على طرف إزاره وكان يستنشقه؛ فإنه ممنوع [منه] وفاقاً.
[ثم]، إذا قلنا بجواز لبس الثوب مطيباً، فلبسه، [ثم أحرم، ثم نزعه]، ورام لبسه محرماً - فهل يجوز؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين.
وغيره من المراوزة [قال: إنه إذا] لبسه ثانياً وهو محرم، هل تجب عليه الفدية؟ فيه وجهان، قربهما الإمام عن الوجهين في إيجاب الفدية بسيلان الطيب، وقضية هذا "التقريب": أن يكون الصحيح المنع، لكن الصحيح في "التهذيب"- وهو المذكور في "الشامل" و"تعليق" أبي الطيب - الوجوب، ونسبه في "البحر" إلى قول أبي الحسن الماسرجسى.
قال: ويصلى ركعتين؛ لرواية جابر وابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى ذا الحليفة، فصلى ركعتين بعد العصر ببطحائها، ثم ركب"؛ كذا أورده الماوردي، والذي رواه أبو داود عن ابن عباس: "أنه - عليه السلام - صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتين"، ولم يعين الوقت.
وروى عن أنس قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعاً، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح، فلما ركب راحلته، واستوت به، أهل"، وأخرجه البخاري ومسلم؛ وهذا يدل على أن إحرامه كان قبل الزوال.
ثم استحباب صلاة الركعتين مفروض عند الماوردي وغيره بما إذا لم يكن الإحرام في وقت صلاة مفروضة أو سنة أو راتبة؛ كما قال القاضي الحسين، فإن [كان] في وقت صلاة مفروضة أو سنة راتبة، صلى ذلك؛ ثم أحرم عقيبه، وحاز فضيلة الإحرام بعد الصلاة.
ثم استحبابهما - أيضاً - مفروض عن القاضي الحسين فيما إذا لم يكن الإحرام في الأوقات المكروهة؛ فإن كان لم يفعل، بل يحرم من غير صلاة؛ لأن سببهما الإحرام، وهو [يتأخر عنهما] وقد لا يأتي به؛ فتجرد الصلاة في الوقت المنهي عن الصلاة فيه عن السبب.
قال: ولهذه العلة لا يجوز صلاة الاستخارة، وصلاة الاستسقاء في هذه الأوقات.
والمذكور في "تعليق"، اليندنيجي جواز فعلهما في الأوقات المكروهة؛ لأن لهما سبباً؛ وبذلك يحصل في المسألة وجهان، وقد حكاهما الرافعي، وصحح الأول؛ لما ذكرناه.
لكن ما ذكره الماوردي من أنه - عليه السلام - صلى الركعتين بعد العصر لو صح، دفعه، والله أعلم.
قال: فإذا بدأ بالسير، أي: بأن مشى إن كان راجلاً، أو انبعثت به دابته إن كان راكباً - أحرم في أصح القولين؛ لما روى الشافعي سنده عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأهل مكة: "إذا توجهتم رائحين إلى عرفة، فأهلوا بالحج".
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر أنه قال في حديث طويل: "وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث [به] راحلته"، ولرواية أنس السابقة.
ولأنه إذا كبر مع السير وافق قوله فعله؛ وهذا ما نص عليه في عامة كتبه الجديدة.
وفي الثاني: يحرم عقيب الصلاة - أي: قاعداً - لما روى أبو داود عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا عباس، عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب! فقال: "إني لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول الله حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجاًّ، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه، أوجب في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام؛ فحفظته عنه، ثم ركب،
فلما استقلت به ناقته، أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ناقته، وايم الله، لقد أوجب في مصلاه"، وهذا ما نص عليه في "مختصر" الحج والقديم واختاره جماعة من الأصحاب؛ كما قال الرافعي.
قال اليندنيجي: وإحرامه عند استواء ناقته يه كإحرامه عقيب الصلاة؛ نص عليه فى لقديم أيضاً.
وتمسك القائلون بالأول فى دفع خبر ابن عباس بأن فى رجاله خصيف بن عبد الرحمن الحرانى، وهو ضعف.
وهذا الخلاف في الأفضل بالاتفاق.
قال: وينوي الإحرام بقلبه؛ لقوله - عليه السلام-: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
وقد تقدم أن النية هي القصد، تقول العرب: نواك الله بحفظه، أي: قصدك الله بحفظه.
فإذا تجدد عهدك بذلك، عرفت أن مراد الشيخ: أن يكون المأتي به في القلب قصد الإحرام، وهو الاعتقاد؛ كما قدمنا حكايته عن البندنيجي، لا قوله في القلب: أحرمت؛ فإن ذلك ليس بنية، فلا يقع الاكتفاء به؛ للحديث المذكور.
وكلام الماوردي يقتضي الاكتفاء بذلك؛ فإنه قال عند الكلام في إحرام الولي عن الصبي على مذهب البصريين: يقول عند الإحرام عن الصبي: اللهم إني قد أحرمت عن ابني، و [على مذهب البغداديين يقول: قد أحرت بابني]، وكذا قول الإمام: [و] لو قال في نفسه: أحرمت كإحرام فلان، فهو سائغ - يقتضي الاكتفاء به [أيضاً]، وما ذكره الشيخ أولى.
قال: ويلبي، أي: مقترناً، بالنية؛ لنقل الخلف عن السلف.
قال: فإن لم يلبْ، أجزأه، أي: الإحرام بالقلب؛ لما روى جابر قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ننوي إلا الحج، فلما دنونا من مكة، قال: "من لم يكن معه هدي، فليجعلها عمرة"، فأخبر أنهم أحرموا بمجرد النية دون التلبية.
ولأنها عبادة يجب في إفسادها الكفارة، [ولا يجب النطق] في آخرها؛ فلم يجب في أولها؛ كالصوم.
وهذا هو المذهب، ولم يورد الماوردي وأبو الطيب والفوراني غيره.
وقيل: لا يجزئه -[أى]: الإحرام - حتى يلبي؛ لرواية عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: "إذا توجهتم إلى منى فأهلوا".
وحقيقة الإهلال: إظهار الحالة بالتلبية.
ولأنها عبادة شرع [فيها الذكر في أثنائها]؛ فاقتضى أن يجب في ابتدائها، ولا تنعقد بدونه؛ كالصلاة.
وهذا ما نسبه في "المهذب" إلى أبي عبد الله الزبيري من أصحابنا، والقاضي الحسين إلى صاحب "التقريب"؛ وحكاه الإمام قولاً للشافعي - رضي الله عنه - وقال: إنه اختيار أبي علي بن أبي هريرة والطيبري.
وعلى هذا: هل يقوم الإشعار والتقليد مقام التلبية؟
الذي حكاه الرافعي عن الشيخ أبي محمد وغيره في رواية القديم: نعم؛ كمذهب أبى حنيفة.
و [قال] في النهاية: إن شيخه كان يتردد في إقامة ذلك مقام التلبية.
وعن لحناطي: أنه حكى القول القديم في وجوب التلبية دون اشتراطها، وأنه ذكر تفريعاً عليه أنه لو ترك التلبية، لزمه دم.
ولو اقتصر على [الإتيان بالتلبية] دون النية، فقد حكى الإمام: أن المزني نقل أنه
يلغو ما صدر منه.
ونقل الربيع: أن إحرامه ينعقد مجملاً، [ثم إنه] يصرفه إلى أحد النسكين أو إليهما؛ وأن الأصحاب كثر خبطهم في ذلك.
ونحن نذكر المقصود [منه فنقول:] من ذكر التلبية حاكياً أو معلماً، وقصد غيرها، سوى الإحرام - لم يصر محرماً، [وكذلك إذا جرى اللسان بالتلبية]، فلا حكم له؛ فأما إذا [جرى قصده إلى] النطق بالتلبية، ولم يخطر بباله قصد الشروع في الإحرام - فهذا موضع التردد، وللأصحاب طريقان:
منهم من قال: في المسألة قولان:
أحدهما - وهو الذي نقله المزني -: أنه لا يصير محرماً.
والثاني: أنه يصير محرماً.
ولا أعرف له وجهاً.
وعلى هذا إن كان قد سمى شيئاً صار محرماً به، وإن أطلق التلبية، انعقد الإحرام مطلقاً يصرفه إلى ما شاء من كلا النسكين أو أحدهما؛ قاله الرافعي.
وسكت الإمام عن حكاية الطريق الثاني، وقد صرح به الرافعي، وهو القطع بعدم الانعقاد، وحمل منقول الربيع على ما إذا تلفظ بأحد النسكين على التعيين، ولم ينوه، ولكن نوى الإحرام المطلق، فيجعل لفظه تفسيراً أو تعيينًا للإحرام المطلق.
والقاضي الحسين حكى الخلاف في المسألة على غير هذا النحو، فقال: الذي حكاه المزني فيما إذا لبَّى بحج أو عمرة، ولم يرد حجًّا ولا عمرة: فليس بشيء.
وقال في موضع آخر: يلزمه ما سمى.
واختلف الأصحاب في قول المزني؛ "فليس بشىء":
فمنهم من قال: إنما أراد به؛ فليس بشيء أصلاً، وصورته: إذا لم ينو أصل الإحرام، وتلفظ بنسك؛ فعلى هذا قوله: "يلزمه ما سمى"، محمول على ما إذا كان قد نوى ما سماه.
ومنهم من قال: معنى قوله: "ليس بشيء"، أي: ليس بشيء معين.
وصورة المسألة:
ما إذا نوى أصل الإحرام، [وتلفظ بنسك، ولم ينو غير ما تلفظ به، ويحمل قوله: "يلزمه ما سمى"، على أنه إذا نوى أصل الإحرام]، ونوى نسكاً، ولم ينو غير ما سماه، فيلزمه؛ لقوة الإحرام وغلبته؛ فيخرج فيما إذا سمى نسكاً ولم ينو شيئاً أصلا: أنه لا يلزمه شيء، وفيما إذا نوى أصل الإحرام، وسمى نسكاً، ولم ينوه - قولان:
أحدهما- وهو الأظهر عند القاضى-: أنه لا يلزمه ما سمى؛ إذ العماد هو النية.
والثاني: يلزمه ما سمى بحكم التسمية؛ لما للإحرام من الغلبة والقوة.
ومنهم من قال: قوله: "ليس بشيء" إذا نوى أصل الإحرام، ورفض بقلبه ما تلفظ [به لسانه]؛ فيبقى مجرد الإحرام، وقوله: "لزمه ما سمى"، إذا لم يرفض بقلبه ما تلفظ بلسانه.
والصحيح: أنه لا أثر لمجرد النطق بدون النية في التعيين ولا في الانعقاد، وعلى هذا: لو لبَّى بحج، ونوى عمرة، أو لبَّى بعمرة، ونوى حجاً - انعقد إحرامه بما نواه؛ نص عليه في "المختصر".
قال: والمستحب أن يعين ما أحرم به؛ لرواية جابر: أنه - عليه السلام - أهل بالحج، وقد استدل له الماوردي بقوله -عليه السلام-: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة"؛ فدل على أن إحرامه كان معيناً بالحج، وليعرف ما دخل عليه؛ وهذا ما نص عليه في "الجامع الكبير" و"الأم"، وهو الأصح في "الرافعي" وغيره.
وقد نص في "الإملاء" على أن الإطلاق أفضل.
قال الماوردي: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وأصحابه مهلين يتتظرون القضاء، فأمر من لا هدي معه [أن يجعل إحرامه] عمرة، ومن معه هدي أن يجعله حجاً.
ولأنه أحرى أن يقدر على صرفه إلى ما لا يخاف فوته من حج أو عمرة؛ لأنه إن
كان الوقت واسعاً، أمكنه تقديم العمرة وإدراك الحج، وإن كان ضيقاً، قدم الحج؛ لئلا يفوته، ثم يحرم بالعمرة.
[وانتصر ابن الصباغ للقول] الأول، وقال: الخبر الذي استدل به للقول الثاني رأويه طأوس، وهو مرسل؛ فخبر جابر أولى منه، والاحتياط ممكن بأن يحرم بالعمرة؛ فإنه إن شاء كان متمتعاً، وإن شاء قارناً، وإن شاء اقتصر عليها.
قلت: وما ذكره من إمكان الاحتياط فيه نظر؛ لأنه إن حصَل فضيلة التعيين على زعمه بإحرامه بالعمرة، فقد فوّت فضيلة الإحرام بالحج في أشهره إن اقتصر على فعل العمرة، وإن لم يقتصر عليها، بل حج من عامه بعد فراغه من العمرة، أو أدخل الحج على العمرة - فقد فوّت فضيلة الإفراد؛ وحينئذٍ يبقى النظر في أي الفضيلتين أولى بالتحصيل؟ والله أعلم.
قال: فإن أحرم مطلقاً، أي: في أشهر الحج، مثل: أن نوى الإحرام لا غير، ثم صرفه إلى حج أو عمرة، جاز؛ لما ذكرناه، من رواية طأوس؛ أنه - عليه السلام - وأصحابه أهلوا منتظرين القضاء ... إلى آخره.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن جابراً روى: أنه - عليه السلام - أحرم مطلقاً، ثم جعله حجاً، وخالف الإحرام هاهنا الإحرام في الصلاة؛ لأنه يقع فيه ما أحرم به عن غيره عن فرضه، وما تطوع به أو نذره عن فرضه؛ فجاز لذلك انعقاده مطلقاً.
وكما يجوز صرفه إلى الحج أو العمرة، يجوز صرفه إليهما، والصرف يكون بالنية دون القول؛ صرح به في "الروضة"، وفيه ما سبق.
ولو شرع في الطواف والسعي قبل التعيين، قال البندنيجي: لم يعتد به؛ لأنه لا في حج ولا في عمرة.
وعن الشيخ أبي حامد: أنا نجعل إحرامه بحج، وينوي الحج، ويقع هذا الطواف عن القدوم.
وإنما قال: "يصير حجاً ولا يصير عمرة"؛ لأن الطواف ركن في العمرة، فلا يقع بغير نية، وطواف القدوم لا يحتاج إلى نية تخصه.
قال مجلي: وفيه نظر، ولا يمتنع أن يقال: يقع هذا الطواف للقدوم، ثم إن عين حجاً مضى على حاله، وإن عين عمرة، لم يجزئه هذا الطواف، وعليه أن يطوف للعمرة، ولا وجه لصرفه للحج [تعيياً].
ولو كانت المسألة بحالها، إلا أنه لم يعين حتى فأنه الحج - قال القاضي الحسين: احتمل أن يقال: يتعين عمرة؛ لأنه كان بغرض أن يجوز عنهما، فإذا فات أحدهما تعين الآخر؛ كما لو أحرم قبل أشهر الحج.
ويحتمل أنه باق على ما كان؛ فعليه التعيين، فإن عين عمرة خرج منها، وإن عين حجاً يكون كمن فأنه الحج.
أما إذا أحرم مطلقاً في غير أشهر الحج، فالذي أورده الجمهور – ومنهم الماوردي-: أنه ينعقد بعمرة؛ فلا يجوز صرفه إلى حج في أشهره، وهو الذي حكاه الإمام عن معظم الأئمة، وقال في "الوسيط": إنه المذهب.
وعن الشيخ أبي علي رواية وجه آخر: أنه يجوز صرفه في أشهر الحج إلى الحج والقران، ووجهه - على ضعفه-: أن العبد إذا أحرم [بالحج] في رقه، ثم عتق قبل الوقوف، ووقف حرًّا - فقد قال الشافعي: "يقع الحج عن فرض الإسلام"، وقد عزي هذا الوجه إلى اختيار الخضري؛ وعلى هذا ينعقد إحرامه مبهماً، ولو صرفه إلى الحج قبل أشهره، كان كما لو أحرم [بالحج] قبل أشهره، وقد مضى الكلام فيه؛ قاله الإمام والرافعي.
وكما يجوز الإحرام المطلق يجوز الإحرام المعلق على إحرام غيره، مثل: أن ينوي إحراماً كإحرام زيد؛ لما روي أن علي بن أبي طالب وأبا موسى الأشعري لبيا
باليمن، وقالا عند تلبيتهما.
إهلالا كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينكر عليهما؛ وهذا مما لا خلاف [فيها] عندنا، سواء علم ما أحرم به [زيد] أو لم يعلم، ويصير محرما بما زيد محرم به من حج أو عمرة أو قران أو إطلاق، ولا يلزمه عند الإطلاق أن يصرف إحرامه إلى ما صرفه إليه زيد على أحد الوجهين في تعليق القاضي أبي الطيب والمعتمد، وهو الذي أورده الجمهور.
ولو كان زيد قد أحرم بعمرة أولاً، ثم أدخل عليها الحج: فإن كان الإحرام المعلق قبل إدخال زيد الحج على العمرة، انعقد بعمرة، وإن كان بعد إحرامه بالحج.
فإن قصد الأول انعقد بعمرة أيضاً، وإن قصد ما هو عليه في الحال كان قارناً، وإن لم يقصد شيئاً فوجهان؛ نظراً إلى الابتداء والدوام؛ حكاهما المراوزة.
ولو كان زيد لم يحرم بشيء، انعقد إحرامه مطلقاً؛ جزم به القاضي أبو الطيب وغيره، وكان ينبغي أن يتخرج على الخلاف فيما إذا كان زيد قد أحرم إحراماً فاسداً؛ فإن في انعقاده مطلقاً وعدم انعقاده وجهين في "تعليق" أبي الطيب، مشبهين بوجهين حكاهما فيما لو نذر صلاة فاسدة: هل تلزمه صلاة صحيحة أم لا يلزمه شيء؟ وقال في "الروضة": [إن] الصحيح: الثاني.
أو يتخرج على ما إذا بان زيد ميتاً حال الإحرام المعلق؛ فإن في انعقاد إحرامه مطلقاً أو عدمه وجهين، أصحهما فى "البحر" وغيره: الانعقاد.
وقد أشار الإمام إلى الفرق بين هذه الصورة والصورة التي ألحقناها بها: بأن هناك لا نتحقق عدم إحرامه، وهنا تحققناه.
وقد قال الرافعي فيما إذا لم يكن زيد [محرماً]: [إنه] ينظر؛ فإن كان المعلق جاهلاً بعدم إحرام زيد، انعقد إحرامه مطلقاً، وإن كان عالماً به؛ ففي انعقاد إحرامه وجهان، أظهرهما: الانعقاد ولم يورد الجمهور سواه.
نعم: حكى القاضي الحسين فيما لو قال: إن كان فلان محرماً، فأنا محرم بما أحرم به، فبان غير محرم-: تبينًّا أنه لم ينعقد إحرامه.
وقد ذكر الأصحاب لهذه المسألة فروعاً:
منها: لو قال زيد: أحرمت بالحج مثلاً، ووقع في قلب المعلَّق: أنه أحرم بعمرة - فهل يؤاخذ بما أخبر به زيد أو بما وفع في قلبه؟ فيه وجهان في تعليق أبي الطيب.
ولو وقع في قلبه صدق زيد فيما أخبر به [من] أنه محرم بالعمرة، وجرى على قوله، ثم بان أنه كان محرماً إلحج - فقد بان أن إحرامه كان منعقداً بالحج فإن فات الوقت، تحلل من إحرامه؛ للفوات، وأراق دماً، وهو في ماله أو [في] مال زيد للتغرير؟ فيه وجهان في "تعليق" أبي الطيب و"المعتمد".
ومنها: لو مات زيد أو غاب أو جن قبل أن يعلم المعلق ما أحرم به، قال القاضي أبو الطيب: فيلزمه أن ينوي القران قولاً واحداً؛ لأنه لا مطلع له على نيته غيره، وهو الذي حكاه الماوردي عن نصه في الجديد والقديم.
وفي كتب المراوزة إجراء القولين الآتيين فيما إذا أحرم بنسك ونسيه فيه.
والإمام نسبهما إلى رواية العراقيين، والمذكور في كتبهم: الأول.
نعم، قال القاضي أبو الطيب: لو كان قد لقيه، وأعلمه بما أحرم به، ثم مات، ونسيه - فيأتي [فيه] القولان.
ومنها: لوكان [قد] علق إحرامه بإحرام زيد وعمرو، فإن كانا محرمين بحج [أو عمرة] أو قراناً - كان المعلق كذلك.
ولو كان أحدهما محرماً بحج، والآخر بعمرة، كان هو قارناً؛ قاله في "البحر".
وهل يجوز تعليق الإحرام بطلوع الشمس؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"المعتمد": أحدهما؛ نعم؛ كقوله: إحراماً كإحرام زيد، وهذا ما حكاه في "البحر"، وقال تفريعاً عليه: إنه لو قال: أحرمت يوماً أو يومين أو بنصف نسك - انعقد إحرامه مطلقاً؛ كالعتق.
والثاني: لا؛ لأنه علق إحرامه على شرط، بخلاف تعليقه على إحرام زيد؛ فإن أصل الإحرام انعقد في الحال، وإنما علق صفته على شرط يوجد في ثاني الحال؛ وهذا ما حكاه القاضي الحسين ومن تبعه، وألحق به ما إذا قال: إن أحرم فلان فأنا محرم، لا يصير محرماً بإحرام فلان.
فرع: إذا قال: أنا محرم إن شاء الله، قال القاضي أبو حامد: ينعقد إحرامه في الحال، ولا يؤثر استثناؤه فيه؛ لأن الاستثناء إنما يؤثر في النطق أو ما يقوم مقامه: كالكناية مع النية في الطلاق ونحوه، [ولا يؤثر في النيات المستقلة بنفسها].
قلت: ويظهر أن يجيء فيه ما قيل في نظير المسألة من الصوم.
قال: وإن أحرم بحجتين، أو عمرتين، [انعقد إحرامه] بأحدهما؛ [لأنه يمكن المضي فيه، ولا ينعقد بهما]؛ لأنه لا يمكن المضي فيهما، ولا فرق في ذلك بين أن يكون إحرامه بهما عن نفسه أو عن مستأجرين، أو أحدهما عن نفسه والآخر عن مستأجره، لكنه يكون لنفسه في الكل، وقد نص عليه الشافعي - رضي الله عنه - في الأخيرتين في "الأم"؛ كما حكاه في "الوسيط".
قال: وإن أحرم بنسك، ثم نسبه، أي: قبل أن يأتي بشيء من أعمال النسك -
ففيه] قولان:
أحدهما: أنه يصير قارناً.
والثاني: أنه يتحرى ويصرف إحرامه إلى ما يغلب على ظنه منهما؛ لأنه لو شك في القبلة أو اشتبهت عليه الآنية والثياب، لزمه أن يتحرى، ويعمل بما يغلب على ظنه، فكذلك إذا شك في النسك الذي أحرم به، وهذا أخذ من قوله في القديم في باب وجه الإهلال "ومن لبى ينوي شيئاً، فنسي [ما لبى به ونواه]- فأحب [إلي] أن يقرن؛ [لأن القران] يأتي على ما نوى، وإن تحرى رجوت أن يجزئه، إن شاء الله تعالى".
فقد أجاز له الاجتهاد والتحري.
والجديد الصحيح المشهور: [الأول، وهو المنصوص عليه في أكثر كتبه] ووجهه: أن الإحرام قد انعقد، والتحري [غير ممكن]؛ لأنه شك في فعل نفسه، ولا أمارة عليه، والاجتهاد يكون عند وجود الأمارات.
فإن قلت: قد مضى في كتاب الطهارة خلاف في أن من شرط الاجتهاد اعتماد الأمارات، فلمن قال بالقديم أن يمنع.
قيل في الدليل: إنه شك في العبادة بعد التلبس بها؛ فلا يجوز له الاجتهاد فيها؛ كالمصلي إذا شك في عدد الركعات وهو فيها، لا يتحرى.
ولأن كل عبادة أمكن أداؤها بيقين، لم يجز التحري فيها، وأصله: ما إذا شك: هل صلى أم لا؟ فإنه يبني على اليقين، [كذلك هنا يلزمه القران؛ لأن به يخرج عما عليه] بيقين؛ فإنه إن كان قد نواه لم تضر نيته ثانياً، وإن كان قد نوى عمرة، فإدخال الحج عليها جائز وإن كان قد نوى حجاً فإدخال العمرة عليه لا يقدح فيه، وإن كان في صحتها الخلاف السابق.
والجواب عما ذكر من التحري في القبلة والثياب والآنية: [أنه أدى]
العبادة ثم لا تحصل له بيقين إلا بعد فعل محظور، وهو أن يصلي إلى غير القبلة، ويتوضأ بماء غير طاهر، ويصلي في ثوب نسى؛ فلذلك جاز التحري، وفي مسألتنا يحصل الأداء بيقين من غير فعل المحظور كما تقدم.
التفريع:
إن قلنا بالقديم، فاجتهد، ولم يغلب على ظنه شيء -[عاد الحكم كما سنذكره تفريعاً على الجديد؛ صرح به الماوردي وغيره.
وإن غلب على ظنه شيء] مضى عليه من غير نية، وأجزأه عن فرضه حتى لو غلب على ظنه القران، أجزأه عن حجة الإسلام وعمرته؛ صرح به الأصحاب.
وبهذا يظهر لك أن قول الشيخ: "ويصرف إحرامه"، فيه مسامحة، ويستحب له على هذا أن يقرن كما نص عليه.
وقد حكى الرافعي عن "شرح الفروع" للشيخ أبي علي: أن بعض أصحابنا قال: لا يجزئه ما غلب على ظنه أنه أحرم به من النسكين؛ لأن الأصل وجوبهما بيقين؛ فلا سقط اليقين بالشك، وتكون فائدة الاجتهاد مقصورة على الخلاص من الإحرام.
وفي "النهاية" في حكاية هذا الوجه عن "شرح الفروع": أن [بعض أصحابنا] قال: إن فائدة الحكم بالاجتهاد القضاء بالتحلل والخلاص من الإحرام، فأما أن يحكم ببراءة ذمته من التسكين إذا ظن القران فلا، وكذلك لا يلزمه الدم بالظن.
قال: وهذا بعيد؛ لأن الظن إن اتبع في وجه، وجب اتباعه في كل حكم.
وهذا يدل على أن الخلاف مقصور [على ما] إذا غلب على ظنه القران.
وإن قلنا بالجديد، فظاهر كلام الشيخ: أنه يصير قارناً بمجرد النسيان دون نية القران، وهو [ظاهر] كلام المزني في "المختصر"؛ قإنه حكاه كالشيخ، وقد حكاه الحناطى قولاً للشافعى - رض الله عنه - وأغرب فيه.
والجمهور على صرف اللفظ عن ظاهره، وأنه لا يصير قارناً إلا بالية، ويدل عليه قوله في "الإملاء" و"الأم" - كما قال البندنيجي-: "عليه أن يأخذ باليقين، وهو أن
يقرن"، ولفظ الشيخ في "المهذب" في حكاية نصه في "الأم": "أنه يلزمه أن يقرن"، وظاهر [هذا] اللفظ يقتضي أنه يجب عليه أن ينوي القران، وهو المفهوم من كلام الأصحاب، وبه صرح الماوردي.
وفي "النهاية": أن الشافعي - رضي الله عنه - لم يذكر القران على معنى أنه لا بد منه، ولكنه ذكره؛ ليستفيد الآتي [به] التحلل القطعي، وتبرأ ذمته عن النسكين؛ فإنه لو اقتصر على الإحرام بالحج بعد النسيان، وانتهى عمل الحج، فقد تحلل عما هو عليه قطعاً، وبرئت ذمته عن حجة الإسلام، ولذلك لو لم يجدد إحراماً بالحج، ولكنه أتى بأعمال الحج، فإنه يخرج - أيضاً - عن إحرامه، ويتحلل غير أنه لا تبرأ ذمته في ظاهر الحكم عن واحد من النسكين.
وعلى كل حال، فإذا نوى القران وأتمه، سقط عنه حجة الإسلام بلا خلاف، وهل تسقط عنه عمرته؟ فيه قولان، ينبنيان على أن إدخال العمرة على الحج: هل يجوز أم لا؟ فإن قلنا بجوازه، سقطت [عنه أيضاً] عمرة الإسلام؛ وإن قلنا: لا يجوز، فالمذهب في "تعليق" البندنيجي وغيره: أنها لا تسقط؛ لاحتمال أن يكون إحرامه بالحج، وعن أبي إسحاق؛ أنها تسقط؛ لأن منع إدخال العمرة على الحج في حال الاختيار، أما في حال الضرورة فلا، والنسيان ضرورة.
قال في "البحر" وغيره: [وهو] ضعيف.
ثم إذا قلنا بسقوط العمرة [عنه]؟، وجب عليه دم القران إن كان ممن يجب عليه، وإن قلنا؛ لا تسقط، فهل يلزمه الدم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، وهو ما ادعى في "البحر" - تبعاً للمهذب-: أنه المذهب، وبه جزم القاضي الحسين؛ لأنه يلزمه إذا صح قرانه، وهنا لم يحكم بصحة قرانه؛ فلم يلزمه دم لأجله.
والثاني- وهو الصحيح في "الحاوي"، والظاهر في "الشامل"، والمختار في المرشد-: نعم؛ لأنا [إنما] لم نسقط عنه [العمرة] احتياطاً للعبادة، ومن الاحتياط إيجاب الدم عليه.
أما إذا حصل النسيان بعد فعل شيء من النسك، فعلى القديم لا يختلف الحكم، وعلى الجديد ننظر: فإن كان الوقوف لا غير؛ بأن يكون لمّا أحرم توجه إلى عرفة، ولم يدخل مكة كما يفعل أهل خراسان اليوم، ثم طرأ عليه الشك وهو واقف بعرفة- فإنه ينوي القران، ويسقط عنه فرض الحج؛ لأنه إن كان معتمراً فقد أدخل الحج عليها [قبل الطواف، وهو جائز، وإن كان حاجاً أو قارنًا، فقد فعل الحج]؛ وعلى هذه الحالة يحمل قوله في "المهذب"- تبعاً لأبي حامد-: وإن نسي بعد الوقوف وقبل طواف القدوم أجزأه الحج.
وأما فرض العمرة فقد أطلق الكرخى والبغوي: أنه لا يسقط.
وقال القاضي أبو الطيب: إن قلنا فى الحالة السابقة: لا سقط، فكذلك هنا؛ وإن قلنا؛ [يسقط ثم، فهاهنا] وجهان ينبنيان على الوقت الذي يجوز فيه إدخال العمرة على الحج؛ فإن قلنا: يجوز إلى أن يقف بعرفة فلا يجوز فهاهنا لا يسقط؛ وإن قلنا: يجوز ما لم يشرع في التحلل، سقط عنه فرض العمرة هنا أيضاً؛ [وهذا] قد