كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 315-354
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنايات

صفحات 315-354
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ورُوي عَنْ عُمَرَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مِنْ رَجُلٍ النِّفَاقَ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ مُسْلِمٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ عُمَرُ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: أَظُنُّكَ تُظْهِرُ الإِسلاَمَ مُسْتَعِيذاً، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَلَيْسَ فِي الإِسْلاَمِ مَا يُعِيذُنِي؟! قَالَ عُمَرُ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: بَلَى، فِي الإِسْلاَمِ مَا أَعَاذَ مَنِ اسْتَعَاذَ بهِ.
وهذا هو الصحيح، ووراءه وجوه أُخر: أحدها: أنه لا تقبل توبة الزنديق ورجوعه إلى الإسلام؛ لأن التوبة عند الخوف عين الزندقة؛ فلا اعتماد على ما يظهره.
قال الروياني في "الحلية": والعمل على هذا.
قال الإمام: وقد أضاف الأصحاب هذا إلى أبي إسحاق.
يعني: الإسفراييني، كما صرّح به غيره.
والصحيح عندنا من مذهبه: الوجه الثاني، وهو أنه إذا أُخذ ليقتل فتاب لم تقبل توبته، وإن جاءنا ابتداء وظهرت مخايل الصدق قبلت.
والثالث – عن القفال الشاشي – أن المتناهين في الخبث – كدعاة الباطنية – لا تقبل توبتهم ورجوعهم إلى الإسلام، وتقبل من عوامهم.
قال: وإن تكرر منه ثم أسلم – عزر؛ لتهاونه بالإسلام، وليمتنع من العود إلى مثله، وإنما صح إسلامه؛ للأخبار السالفة.
وقال أبو إسحاق المروزي: لا يقبل إسلام من تكررت منه الردة؛ لبطلان الثقة بقوله.
قال الإمام: وهذا من هفواته الفاحشة، ولا مبالاة بها، والماوردي وأبو الطيب وغيرهما نسبوا هذا القول [إلى] إسحاق بن راهويه، وليس هو من أصحابنا،

والظاهر من المذهب الأول.
قال الأصحاب: ولا يبعد أن يخطئ الإنسان مرتين ويصيب مراراً.
قال: وإن ارتد إلى دين لا تأويل لأهله، أي: كعَبدَة الأوثان، ومنكري النبوات كالأميين من العرب – كفاه أن يقر بالشهادتين، وهما [كما] قال البندنيجي عن الشافعي – رضي الله عنهما – أشهد أن لا إله إلا الله، [وأشهد] أن محمداً رسول الله؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ ... " الخبر السابق.
نعم، يستحب أن يأتي بلفظ البراءة من كل دين [خالف الإسلام].
وفي "التهذيب" أنه إذا قال: لا إله إلا الله، حكم بإسلامه، ثم يجبر على قبول سائر الأحكام.
قال: وإن ارتد إلى دين يزعم أهله أن محمداً صلى الله عليه وسلم مبعوثٌ إلى العرب [أي:] خاصة – لم يصح إسلامه حتى يأتي بالشهادتين، ويبرأ من كل دين خالف [دين] الإسلام؛ لأنه إذا اقتصر على الشهادتين احتمل أن يريد ما يعتقده، فإذا قال ما ذكرناه انقطع الاحتمال، ويقوم مقام ذلك قوله: إن محمداً مبعوث إلى كافة الخلق، كما قاله القاضي الحسين والبغوي، وماذكره الشيخ في الحالتين هو المنقول عن نص الشافعي – رضي الله عنه- في "الأم"،كما حكاه الماوردي، وفي كتابه المسمى بـ "المرتد الصغير" كما قاله القاضي أبو الطيب، وفي كتابه المسمى بـ "المرتد الكبير" كما حكاه البندنيجي.
وعليه حمل الجمهور- ومنهم القاضي أبو حامد وأبو إسحاق – وَصْف الشافعي –رضي الله عنه- الإسلام في "المختصر" في كتاب الظهار، حيث قال: أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، [وأن] يبرأ من كل دين يخالف الإسلام.
مع قوله في موضع آخر: إنه إذا أتى بالشهادتين حكم بإسلامه، وقالوا: ليس ذلك باختلاف قول، ولم يحك القاضي أبو الطيب غير ذلك، ومن الأصحاب من أخذ بظاهر النص الأول، وقال: الإتيان بالتبرؤ من كل دين

شرط في إسلام كل كافر ومرتد؛ كالشهادتين، ومنهم من أخذ بظاهر النص الآخر، وقال: إنه لا يجبن بل يستحب في إسلام كل كافر ومرتد كالاعتراف بالبعث والجزاء.
وقد حكى الماوردي الوجهين، وما ذكره الشيخ في الحالة الأولى يكتفي به – أيضاً – فيما إذا كان قد انتقل إلى دين من هو معترف بالوحدانية منكرٌ رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما ذكره في الحالة الثانية لابد منه في حق [من انتقل إلى دين يزعم أهله أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم حق]، لكنهم [يقولون]: إنه لم يظهر بعد.
ولو كان قد كفر بجحود فرض الصلاة والزكاة، واستباحة محرم – كالزنى والخمر – مع اعترافه بالشهادتين – فلابد في صحة إسلامه من أن يأتي بالشهادتين ويرجع عما اعتقده ويعترف بما جحده، ولا يجزئه الاقتصار على الاعتراف؛ لأنه قد جرى عليه حكم الكفر بالردة، فلزمه إعادة الشهادتين؛ ليزول بهما حكم الكفر، ولو كان كفره بسبّ [سيدنا] محمد صلى الله عليه وسلم كان [في الاعتراف بنبوته] في الشهادتين مَقْنَعٌ، ولا يفتقر إلى الاعتراف بحظر سبه [صلى الله عليه وسلم؛ لأن الاعتراف بنبوته اعتراف بحظر سبه].
ومما ذكرناه يظهر لك ما يحصل به إسلام [من لم] يرتد [أصلا]، بل هو كافر أصلي، فيكون فيه الأقوال الثلاثة، ولا يشترط في حقه أن يعرف جميع قواعد العقائد حتى لا تغادره منها قاعدة، بل الذي اعتبره الشرع في ذلك الإتيان بالشهادتين كما ذكرنا، قال الإمام: وهما جامعتان للقواعد؛ إذ في التوحيد الاعتراف بالإله والوحدانية، وفيه التعرض لصفات الإلهية، وتفويض الأمور إلى من لا إله غيره.
والشهادة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم تقتضي تصديقه في جميع ما أتى به؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل – عليه السلام – في الحديث المعروف عن

الإسلام: "شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ"، وهذه طريقة وهي المشهورة، ومَيْلُ الرافعي إلى ترجيحها.
قال الإمام: والقائل بها يرى أن النطق بالشهادتين باب من التعبد، حتى إذا قال المعطِّل [: لا إله إلا الله، لا يحكم بإسلامه ما لم يقل: محمد رسول الله، ثم قال: وقال المعظم من المحققين: من أتى من الشهادتين بما يخالف عَقْدَه نحكم له بالإسلام، فإذا قال المعطِّل]: لا غله إلا الله، صار مسلماً، وعرض عليه شهادة النبوة، فإن أباها كان مرتدًّا، وكذلك إذا قال الثَّنَوِيُّ بإثبات الإله حكم له بالإسلام.
وإذا قال اليهودي أو النصراني: محمد رسول الله، حكم له بالإسلام، وإن لم يوحد، إلا أن يكون ممن يرى أن محمداً صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى العرب [خاصة، وعلى] هذه الطريقة: لو اعترف يهودي أو نصراني بصلاة من الصلوات على موافقة ملتنا، أو بحكم من الأحكام التي تختص بشريعتنا، كتحريم الخمر والخنزير، فهل يحكم بإسلامه؟ فيه اختلاف بين المحققين، والذي مال إليه معظمهم: الحكم به، وضبط القاضي الحسين هذا بأن قال: كل ما إذا أنكره المسلم قبل كفر بما جحد، فما يجحده يصير الكافر المخالف له مؤمناً بعقده إلا في مسألة واحدة، وهي أن المسلم لو جحد نبوة عيسى – عليه السلام- يصير به كافراً، واليهودي لو أقر بنبوته لا يحكم بإيمانه.
ووجه هذه القاعدة: أن التصديق لا يتبعض، فإن صدق- وراء ذلك – بالجميع فذلك، وإن كذب في غير ما صدق فهو مرتد، وهذا ما أورده في "التهذيب"، وحكى أن اليهودي إذا أقر برسالة عيسى – عليه السلام – يحكم بإسلامه على وجهٍ؛ طرداً للقاعدة المذكورة.
وكما يصح الإسلام باللغة العربية يصح بجميع اللغات؛ كما صرّح به ابن الصباغ [وغيره]، نعم: لو لُقّن العجمي الكلمة العربية فتلفظ بها وهو لا يعرف معناها، لم يحكم بإسلامه.

وعن "المنهاج" للإمام الحليمي: أنه لا خلاف أن الإيمان ينعقد بغير القول المعروف، وهو كلمة "لا إله إلا الله"، حتى لو قال: لا إله سوى الله، أو غير الله، أو ما عدا الله، فهو كقوله: [إلا الله].
[وكذا لو قال: ما من إله إلا الله، أو: لا إله إلا الرحمن، أو: لا رحمن إلا الله، أو: لا إله إلا الباري، أو: لا باري إلا الله].
وأن قول القائل: [أحمد أو أبو القاسم] رسول الله، كقوله: محمد رسول الله.
والأخرس يشير بالإسلام ويكتفي به؛ فإن إشارته قائمة مقام نطق الناطق.
قال الإمام: وأبعد بعض أصحابنا فشرط أن يضم إلى الإشارة إقامة صلاةٍ، وهذا بعيد لا أصل له، وهذا ما قال الرافعي: إنه ظاهر النص في "الأم"، ثم قال الإمام: وقال بعض من يجزم على التحقيق: إنما لا يحصل الإسلام بإشارة الأخرس؛ لأن الإشارة منه تناقض ما يجب عقده في أوصاف الإلهية؛ إذ الإشارة لا تتم إلا بالإيماء إلى جهة، وما يومأ إليه جسم، والمذهب الأول، والقائل به حمل اشتراط الصلاة على ما إذا لم تكن الإشارة مفهمة، ويدل على الاكتفاء بالإشارة ما روي: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه جارية أعجمية أو خرساء، فقال: "عليَّ عتق رقبة، فهل تجزئ عني هذه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم [لها]: "أَيْنَ اللهُ؟، فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: مَنْ أَنَا؟ فَأَشَارَتْ [إِلَى] أَنَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ".
قال المتولي: وإنما جعل الإشارة إلى السماء دليلاً على إيمانها؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام.
فأفهم الإشارة البراءة، وادعى الإمام أن هذا الحديث لا دلالة فيه؛ لأنه قال بعد ما حكاه عن بعض من يجزم على التحقيق: فإن [قال] قائل: كيف تستجيزون ذكر هذا وحديث الخرساء في الصحيح؟ قلنا:

ذلك حديث مؤول باتفاق من عليه معول؛ فإن فيه: قال لها:"أين الله؟ "، وكل حديث يقتضي العقل تأويل ظاهره فلا حجة فيه.
وقد حكى الرافعي عن "المنهاج" للحليمي – أيضاً – فروعاً تمس الحاجة إلى ذكرها وإن طالت: فمنها: إذا قال الكافر الذي لا دين له: آمنت بالله – صار مؤمناً بالله، وإن كان يشرك بالله غيره فلا، حتى يقول: آمنت بالله وحده، وكفرت بما كنت أشرك به، وأن قوله: أسلمت لله، أو أسلمت وجهي لله، كقوله: آمنت بالله.
وأنه لو قيل للكافر: أسلم لله، أو: آمن بالله، فقال: أسلمت وآمنت، فيحتمل أن يجعل مؤمناً، وأنه لو قال: أؤمن بالله، أو: أسلم لله، فهو إيمان؛ كما أن قول القائل: أقسم بالله، يمين، ولا يحمل على الوعد إلا أن يريده، وأنه لو قال: الله ربي، أو: الله خالقي، فإن لم يكن له دين من قبل فهو إيمان.
وإن كان من الذين يقولون بِقِدَمِ أشياء مع الله – تعالى- لم يكن مؤمناً، حتى يقرَّ بأن لا قديم إلا الله، وكذا الحكم لو قال: لا خالق إلا الله؛ لأن القائلين به يقولون: الله خلق ما خلق لكن من أصل قديم.
وأنه لو قال اليهودي المشبِّه: لا إله إلا الله، لم يكن هذا إيماناً منه حتى يبرأ من التشبيه، ويقر بأنه ليس كمثله شيء، وإن قال مع ذلك: محمد رسول الله، فإن كان يعلم أن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء بإبطال التشبيه، كان مؤمناً، وإلا فلابد من أن يبرأ من التشبيه.
وطرد هذا التفصيل فيما إذا قال الذي يذهب إلى قدم أشياء مع الله – تعالى-: لا إله إلا الله محمد رسول الله، حتى إذا كان يعلم أن محمداً جاء بإبطال ذلك، كان مؤمناً.
وأن الثنوي إذا قال: لا إله إلا الله [محمد رسول الله]، لم يكن مؤمناً حتى يبرأ من القول بقدم النور والظلمة.
وإن قال: لا قديم إلا الله [-تعالى- كان مؤمناً.
وأن الوثني إذا قال: لا إله إلا الله،] فإن كان يزعم ان الوثن شريك لله – تعالى –

صار مؤمناً، وإن كان يرى أن الله – تعالى – هو الخالق ويعظم الوثن؛ لزعمه أن يقربه إلى الله – تعالى – لم يكن مؤمناً حتى يبرأ من عبادة الوثن.
وأنه لو قال الإبراهيمي، وهو يوحد الله – تعالى –وإنما [يكفر بجحد] الرسل: محمد رسول الله – صار مؤمناً، وإن أقر برسالة نبي قبله كإبراهيم – عليه السلام – لم يكن مؤمناً.
وأن المعطل إذا قال: محمد رسول الله، فقد قيل: يكون مؤمناً؛ لأنه أثبت الرسول والمرسل معاً.
وإذا قال الكافر: لا إله إلا الله الذي آمن به المسلمون، كان مؤمناً، ولو قال: [آمنت بالذي لا إله غيره، أو بمن لا إله غيره – لم يكن مؤمناً؛ لأنه قد يريد الوثن، وأنه لو قال: آمنت بالله] وبمحمد، كان مؤمناً بالله، ولم يكن مؤمناً بنبوة محمد [صلى الله عليه وسلم حتى يقول: بمحمد رسول الله، أو:] بمحمد النبي، وأنه لو قال: آمنت بمحمد الرسول، لم يكن مؤمناً؛ لأن النبي لا يكون إلا لله، والرسول قد يكون لغيره.
وأن الفلسفي إذا قال: أشهد أن الباري – تعالى – علة الموجودات، أو مَبْدؤها، أو سببها – لم يكن ذلك إيماناً، حتى يقول: إنه مخترع ما سواه ومحدثه بعد أن لم يكن.
وأن الكافر إذا قال: لا إله إلا المحيي والمميت، فإن لم يكن من الطبائعيين كان مؤمناً، وإن كان منهم فلا؛ لأنهم ينسبون الحياة والموت إلى الطبيعة؛ فينبغي أن يقول: لا إله إلا الله، أو: إلا الباري، أو يذكر اسماً آخر لا تبقى معه الشبهة.
وأنه إذا قال: لا إله [إلا] الملك، أو: إلا الرزاق – لم يكن مؤمناً؛ لأنه [قد] يريد المَلِك الذي يقيم عطايا الجند، ويرتب أرزاقهم، كما كان يذكر قوم فرعون [له] وكان ملكهم.
ولو قال: لا إله إلا الله، أو: لا رازق إلا الله – كان مؤمناًن وبمثله أجاب

فيما إذا قال: لا مالك إلا الله العظيم، أو العزيز، أو الحكيم، أو الكريم، وبالعكس.
وأنه لو قال: لا إله إلا الله الملك، أو: إلا ملك السماء – كان مؤمناً، قال الله –تعالى-: ﴿أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:16] وأراد نفسه.
ولو قال: لا إله إلا ساكن السماء، لم يكن مؤمناً، وكذا لو قال: [لا إله] إلا الله ساكن السماء؛ لأن السكون غير جائز على الله تعالى.
وأنه لو قال: آمنت بالله إن شاء الله – [وإن] كان شاباً – لم يكن مؤمناً.
وأنه لو قال اليهودي: أنا برئ من اليهودية، والنصراني: أنا برئ من النصرانية- لم يكن مؤمناً، وكذا لو قال: من كل ملة تخالف الإسلام؛ لأنه يبقى التعطيل الذي يخالف وليس بملة، فإن قال: من كل [ما يخالف] الإسلام من دين ورأي وهوى، كان مسلماً، وأنه إذا قال: الإسلام حق، لم يكن مؤمناً؛ لأنه قد يكون يقر بالحق ولا ينقاد له، وفي "التهذيب": أنه إذا قال: دينكم حق، أو أنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم – حكم بإسلامه.
[وأنه لو] قال: أنا ولي وأحب محمداً، لم يصح إسلامه؛ لأنه قد يحبه لخصاله الحميدة، وكذا لو قال: أنا مثلكم، أو: مؤمن، أو: مسلم، أو: آمنت، أو: أسلمت، وهو كذلك في "تعليق" القاضي الحسين، ولو كان بين يدي القاضي؛ لأنه قد يريد: في البشرية ومؤمن بموسى ومنقاد لكم.
وعن "منهاج" الحليمي أيضاً: أنه إذا [قال] من له ملة: أنا مسلم مثلكم – كان مقرًّا بالإسلام، [وإذا قال المعطل – بعد أن قيل له: أسلم-: أنا مسلم، أو من المسلمين – كان مقراً بالإسلام،] والله أعلم.
قال: وإن أقام على الردة وجب قتله؛ لما روى عثمان بن عفان – رضي الله عنه-: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ .. "

الخبر المشهور، وقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ".
ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة؛ لما ذكرناه من الأخبار، قال الماوردي: فلو كان المرتد في منعة فلا يقاتلوا إلا بعد إنذارهم وسؤالهم عن سبب ردتهم، فإن ذكروا شبهة أزالها، وإن ذكروا مظلمة رفعها، وإن أصروا قاتلهم.
قال: فإن كان حرًّا لم يقتله إلا الإمام، أي: أو من يأذن له فيه؛ لأنه قتل مستحق لله – تعالى، فكان للإمام ولمن يأذن له كرجم الزاني، وهذا [إذا] لم يقاتل؛ أما إذا كان محارباً في منعة، قال الماوردي: جاز أن يقتله كل من قدر عليه، ولم يختص بالإمام؛ كما يجوز قتل أهل الحرب.
قال: فإن قتله غيره بغير إذنه – عزر؛ لافتياته عليه، وفي "الجيلي" حكاية وجه عن "شرح التلخيص: أنه تجب فيه الدية.
قال: وإن قتله إنسان، ثم قامت البينة أنه كان قد [رجع إلى الإسلام] ففيه قولان: أحدهما: يجب عليه القود؛ لأن نفسه في الطرفين محظورة، وإباحتها مخصوصة بشخص؛ فلم يقتضِ ذلك سقوط القصاص، كما إذا قتل من وجب عليه قصاص لغيره، وهذا ما نص عليه في "المختصر" و"الأم"، وهو الأصح في "الحاوي" وعند النواوي وغيرهما.
والثاني: لا يجب إلا الدية؛ لأن تقدم الردة شبهة لسقوط القود؛ فأشبه الحربي إذا أسلم وقتله من لم يعلم بإسلامه، سقط عنه القود، وضمنه بالدية، كذلك إسلام الرتد، وهذا ما نص عليه في بعض كتبه، وبعضهم قال: إنه مخرج كما حكيته في الجنايات، وصححه [في] "الجيلي"، ومن الأصحاب من نفى الخلاف في المسألة وقال: النصان محمولان على حالين، وهؤلاء اختلفوا، فقال ابن أبي هريرة: الموضع الذي نص [فيه] على سقوط القود إذا كانت

آثار الردة باقية عليه من قيد أو حبس أو أصفاد، والموضع الذي نص فيه [على وجوب] القود إذا فقد ذلك.
ومنهم من قال: الموضع الذي أسقط فيه القود إذا كان في منعة، والموضع الذي أوجب فيه القود إذا لم يكن في منعة؛ لأنه ممنوع من قتل غير الممتنع، وغير ممنوع من قتل الممتنع.
قال: وإن كان عبداً فقد قيل: يجوز للسيد قتله؛ لأنه عقوبة تجب لحق الله – تعالى- فكان للمولى إقامتها كما يقيم عليه حد الزنى.
وهذا ما اختاره في "المرشد" والنواوي.
وقيل: لا يجوز؛ لأنه حق لله – تعالى – لا يتصل بحقه في إصلاح ملكه، بخلاف حد الزنى، وهذا أصح عند القاضي الحسين، كما حكاه في باب حد الزنى، وقال: إن به قال أكثر الأصحاب، وقال [القاضي] أبو الطيب ثَمَّ: إنه غير صحيح.
قال: وإن أتلف المرتد مالاً أو نفساً على مسلم وجب عليه الضمان؛ لأنه التزم ذلك بالإقرار بالإسلام؛ فلا يسقط عنه بالجحود كالملتزم بالإقرار عند الحاكم.
قال: وإن امتنع بالحرب، فأتلف؛ أي في حال الحرب، وكان لهم شوكة – ففيه قولان كأهل البغي.
وجه الوجوب: أنه لا ينفذ قضاء قاضيهم؛ فكان حكمهم في الضمان حكم قطاع الطريق، ولأن كل من ضمن ما يتلفه إذا لم يكن في منعة ضمن، إن كان في منعة كالمسلم طرداً والحربي عكساً، ولأن الردة إن لم تزده شرًّا لم تزده خيراً، وهذا ما نص عليه في "المختصر" هاهنا وأكثر كتبه، كما قاله الماوردي في باب قتال أهل الردة.
وقال البندنيجي: إنه منصوص عليه في "سير" الأوزاعي"، وصححه البغوي والماوردي والبندنيجي وقبلهم الشيخ أبو حامد.

ووجه المنع: أن وفداً من براعة وغطفان الذين كانوا قد ارتدوا، جاءوا إلى أبي [بكر] – رضي الله عنه- يسألونه [عن] الصلح بعد توبتهم فقال: "تَدُون قتلانا، وقتلاكم [في النار"]، فقال عمر – رضي الله عنه-: "إِن قَتْلانَا قُتِلُوا عَلَى أَمْرِ اللهِ – تَعَالَى – لَيْسَ لَهُمْ دِيَاتٌ"، فتفرق الناس على قول عمر، وهذا ما نص عليه في "سير" الأوزاعي كما قاله الماوردي، وفي قتال أهل البغي كما قاله البندنيجي وصححه بعضهم.
وهذه طريقة ابن أبي هريرة والشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب وابن الصباغ والبغداديين، وهي الصحيحة عند المصنف، لكن الأصح باتفاق الأصحاب في أهل البغي: عدم الضمان، وهاهنا الأصح عند الجمهور [كما ذكرناه]، ومنهم أيضاً القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: وجوبه، وقال القاضي أبو حامد المرْورُّوذي وأبو القاسم الصيمري وأكثر البصريين: إنه يجب عليه الضمان قولاً واحداً، وهو اختيار المزني كما قاله الماوردي.
قال الرافعي: وقد ترتب الخلاف في المرتدين على الخلاف في الباغين، وفي كيفية الترتيب اختلاف رأي حكاه القاضي الحسين في "تعليقه" – أيضاً – والفوراني في "إبانته": فقائل يقول: إذا أوجبنا الضمان على الباغي فالمرتد أولى بالوجوب، وإلا ففي المرتدين قولان، والفرق أنهم أولى بالتغليظ، ويحكي هذا عن اختيار القفال، وإليه مال [اختيار] القاضي الحسين أيضاً.
وقائل يقول: إذا نفينا الضمان عن الباغي فالمرتد أولى، وإن أوجبناه على الباغي ففي المرتد قولان.

والفرق: أن المرتدين متخلفون عن الإسلام وأحكامه؛ فهم بأهل الحرب أشبه، ثم يجيء على طريقة التضمين الخلاف في أنهم: [هل] يضمنون النفس بالقصاص أم لا؟ كما ذكرنا في أهل البغي، وبه صرح البندنيجي هنا.
تنبيه: احترز الشيخ بالمسلم عما إذا أتلف المرتد نفس ذمي؛ فإن في ضمانه لها بالقصاص خلافاً تقدم، وأما ضمانه لماله ولنفسه بالدية فهو فيه كالمسلم.
فرع: إذا زنى في ردته أو شرب الخمر فيكتفي بقتله، أم يقام عليه الحد ثم يقتل؟ حكي عن رواية ابن كج فيه وجهان، أصحهما: الثاني.
قال: وإن ارتد وله مال ففيه قولان، أي منصوصان في صدقة الورق.
أحدهما: أنه باق على ملكه؛ لأن الكفر لاينافي الملك كالكفر الأصلي، ولأن الردة سبب لهدر الدم فلا تزيل الملك؛ كالزنى والقتل في الحرابة، وهذا قد نص عليه – أيضاً – في زكاة المواشي، وهو الأصح في "الحاوي"، واختاره المزني والنواوي.
والثاني: أنه موقوف، فإن رجع إلى الإسلام حكم بأنه له، وإن لم يرجع حكم بأنه زال بالردة كبضع زوجته؛ ولأن ماله يعتبر بدمه، ودمه موقوف؛ فكذلك ماله، وهذا ما نص عليه في هذا الباب، وهو أصح في "التهذيب".
وقيل: فيه قول ثالث: أنه يزول بنفس الردة؛ لأن ردته أزالت ملكه عن دمه الذي هو أعز الأشياء عليه، فَلأَنْ تُزيل ملكه عن ماله أولى، وأيضاً فإنه يشبه النكاح قبل الدخول؛ [لعدم العلقة بعد الردة، والنكاح قبل الدخول] يزول بها؛ فكذلك ماله.

قال القاضي الحسين: وليس كالزنى والقتل في الحرابة؛ لأنهما ليسا من جنس المؤثر في إباحة المال، بخلاف الكفر فإنه يؤثر في إباحة المال، وكفر المرتد أغلظ وجوه الكفر؛ فأثر في الملك بالزوال، وهذا أصح في "المهذب" و"حلية"الشاشي و"المرشد" و"الجيلي"، وسبب إفراده عن القولين السابقين: أنه ليس منصوصاً عليه، لكن في لفظ المزني شيء يحتمله ويحتمل غيره؛ فإنه قال في كتاب التدبير: "إن تدبير المرتد باطل في أحد أقواله الثلاثة؛ لأن ملكه خارج عنه".
فقال من اقتصر في مسألة الكتاب على إيراد القولين السابقين لا غير، وهو ابن سريج وطائفة: أراد [أن] يكون ملكه خارجاً عنه خروجه عن تصرفه مع بقائه على ملكه؛ لأنه لو خرج عن ملكه بالردة لما عاد إليه إلا بتمليك مستجد.
وقال من أورد القول الثالث في مسألة الكتاب – وهو أبو إسحاق المروزي، كما نقله البندنيجي، وكثير من الأصحاب، كما حكاه الماوردي: إنه أراد به زوال ملكه عن ماله، فإن عاد إلى الإسلامن عاد المال غليه كالخل إذا انقلب خمراً زال ملك صاحبه عنه، فإذا صار خلاًّ عاد ملكه، وكالبيضة تبطل المالية فيها بانقلابها مذرة، فإذا صارت فرخاً عاد مالاً، وجلد الشاة تبطل المالية فيه بموتها، ثمإذا دُبغ عاد مالاً، وعلى هذه الطريقة جرى المصنف في "المهذب"، والقاضي الحسين والفوراني وغيرهم.
وحكى القاضي أبو الطيب في "تعليقه" والروياني أيضاً: أن منهم من قطع القول باستمرار الملك، ورد الخلاف إلى [أن] تصرفه هل ينفذ أم لا؟ كما سنذكره.
قال الماوردي: وعلى هذه الأقوال يكون حكم ما استفاد ملكه في [حال] ردته بهبة أو وصية أو اصطياد أو احتشاش، فإن قيل بالأول مَلَكَهُ، وإن قيل

بالثاني كان موقوفاً مراعَى، فإن عاد إلى الإسلام [ملكه]، وألا فينظر: فإن كان عن هبة أو وصية بطلت وعاد إلى الواهب وورثة الموصي، وإن كان عن اصطياد أو احتشاش كان على أصل الإباحة، وإن قيل بالثالث لم يملكه؛ لأنه إذا لم يملك ما استقر عليه ملكه فأولى ألا يملك ما لم يستقر عليه، وعلى ذلك جرى المتولي وكذا المصنف في "المهذب"، لكنه لم يذكر التفريع مفصلاً كما ذكرناه، وذكر بعد حكايته تفريعاً آخر على الأقوال في [الأصل، وقد يفهم أنها مفرعة على الأقوال في] الفرع.
وقال الإمام: إذا قلنا بزوال ملكه، فظاهر القياس أنه يثبت الملك لأهل الفيء فيما إذا احتطب واصطاد، كما يجعل الملك للسيد فيما يحتطبه العبد ويصطاده.
قال: [وليكن] شراؤه واتهابه كشراء العبد واتهابه بغير إذن السيد حتى يجيء فيه الخلاف.
وعلى هذا جرى الغزالي، وما قالاه فيه نظر؛ لأنا قد حكينا عن الإمام في باب العبد المأذون: أن شراء العبد إذا صح وقع للعبد، ويكون للسيد الخيار بين أن يقره عليه وبين أن ينزعه من يده، وقضية التخريج: أن يقع الملك للمرتد ثم ينتقل إلى الفيء، وقد دللنا على امتناع ذلك؛ فتعين ما قاله الماوردي ومن معه، [لكن في كلام البندنيجي وغيره ما يقتضي ذكر طريقة قاطعة أنه يملك، وإنما الخلاف في زوال ملكه عما هو موجود، وسنذكر ذلك في باب اليمين في الدعاوى].
ولو وطئت المرتدة بشبهة أو مكرهة، فإن قلنا: إن ملكها باق، وجب لها المهر، وإن قلنا: إنه موقوف، فهو موقوف، وإن قلنا: إنه زائل، لم يجب على الواطئ؛ كما لو وطئ ميتة على ظن أنها حية بشبهة، كذا قاله الرافعي عن "التتمة"، وقال: إنه إذا أكره على عمل كان حكمه حكم المهر.
هذا حكم اكتسابه، وأما ما يلزمه من الكلف والمؤن، فنفقته واجبة في ماله،

وإن قلنا بزوال ملكه، وكذا نفقة زوجاته ورقيقه، وفي نفقة أقاربه وجهان في "الحاوي" وغيره، وأصحهما - وهو المذكور في "الشامل" -: اللزوم؛ لأن سبب استحقاقها سابق على الردة، ومقابله منسوب إلى الإصطخري، قال القاضي الحسين والإمام: وهو القياس، وقد صححه صاحب "العدة" و"الإبانة".
وقال البندنيجي: إنه ليس بشيء.
وقد حكى عن الإصطخري طرده في نفقة الزوجة أيضاً.
وعن ابن كج رواية وجه عن ابن الوكيل: أنه لا ينفق عليه في زمن استتابته من ماله إذا قلنا بزواله، وينفق عليه من بيت المال.
ولا خلاف أنه إذا عاد إلى الإسلام استمر ملكه، قال المتولي: وليس كالنكاح المنقطع بالردة لا يعود بالإسلام؛ لأن الحكم بزوال الملك سبيله سبيل العقوبات، والعقوبات تسقط بالعود إلى الإسلام، وانقطاع النكاح ليس سبيله سبيل العقوبات؛ ألا ترى [إلى] انقطاعه بردة المرأة كانقطاعه بردة الرجل، والنكاح حق الرجل، ولا يجوز أن نجعل جنايتها سبباً لعقوبته، وإنما انقطاعه بالردة لفوات الحل بما عرض لا إلى غاية تنتظر.
وعلى الأقوال كلها، يؤجر الحاكم عقاره ورقيقه ومدبره ومستولدته، ومكاتبه يؤدي النجوم إلى الحاكم، ويجعل أمته عند امرأة، وماله عند عدل إلى أن يظهر حاله.
ولا فرق في ذلك بين أن يلتحق المرتد بدار الحرب، وبين أن يكون في قبضة الإمام، نعم إذا كان في دار الحرب باع الحاكم من رقيقه ما يرى فيه المصلحة؛ لأنه إذا خرج عن قبضة الإمام فربما طال الأمر وتعذر رجوعه أو قتله، ويخالف إذا كان في قبضة الإمام؛ فإن الأمر يُفْصَل عن قريب، قاله أب والطيب وغيره.
قال: وأما تصرفه ففيه ثلاثة أقوال، أي بلا خلاف بين الأصحاب؛ كما صرح به البندنيجي والماوردي: أما عند من حكى في زوال ملكه ثلاثة أقوال، فقد بناها على أقوال [الملك]، وعلى هذا جرى في "المهذب"،وابن الصباغ في "الشامل"، وتبعهما في ذلك ابن يونس والجيلي، وليس اتباعهما بصواب.

وأما على طريقة ابن سريج ومن معه، وهي التي اقتضى إيراد الشيخ هاهنا ترجيحها – فإنهم كما ذكرنا حملوا كلام المزني على منع التصرف لا على انتقال الملك، وبذلك يحصل في التصرف ثلاثة أقوال، ثانيها ليس مبنيًّا على قول زوال الملك.
وأما على الطريقة التي حكاها أبو الطيب والروياني في أن الملك لا ينقطع جزماً، وإنما الأقوال في التصرف – فهي مصرح بها، لكن يحتاج في تقرير الأقوال على هذه الطريقة [إلى] مقدمة، وهي أنه هل يصير محجوراً عليه بنفس الردة أم لا؟ وفيه قولان في "تعليق" أبي الطيب، [وفي غيره] وجهان مشبهان بالخلاف: في أنه إذا طرأ السفه بعد الرشد هل يصير الشخص محجوراً عليه بذلك أم لابد من ضرب القاضي؟ [وقد بناهما القاضي الحسين] عليهما، والظاهر: أنه لا يصير محجوراً عليه بنفس الردة، وهو الذي أورده البندنيجي وابن الصباغ والشاشي في "حليته" والفوراني، فعلى هذا يحجر الحاكم عليه؛ كي لا يتلفه، وعلى مقابله فهل هذا الحجر حجر سفه أو حجر فلس؟ [فيه قولان في "تعليق" أبي الطيب [أيضاً]، وفي غيره وجهان، أصحهما في "الرافعي": أنه حجر فلس، وحكى الماوردي الوجهين في أن الحجر المذكور حجر سفه أو حجر مرض، وبذلك يجتمع فيه ثلاثة أوجه، وقد حكاها القاضي الحسين.
فإذا تقرر ذلك عدنا إلى تمام [تقرير] كلام الشيخ: أحدها: ينفذ، أي سواء قتل في الردة أو عاد إلى الإسلام، وهذا بناء على بقاء ملكهن وأنه لا يصير محجوراً عليه بنفس الردة، ولم يصدر من الحاكم حجر عليه.
والثاني: لا ينفذ، أي سواء عاد إلى الإسلام أو لم يعد، وهذا بناء على زوال ملكه عند قوم، وعند قوم بناء على بقاء ملكه، وأنه يصير بنفس الردة محجوراً

عليه حجر سفه أو حجر فلس إذا قلنا: إن تصرفات المفلس فاسدة كما هو أحد القولين، كما صرّح به أبو الطيب.
والثالث: أنه موقف، أي: إن كان من التصرفات التي تقبل الوقف كالعتق والتدبير، فإن قيل بالردة كان تصرفه باطلاً مردوداً، وإن عاد إلى الإسلام كان ذلك نافذاً، وهذا بناء على القول بوقف ملكه عند قوم، وعند قوم هو جارٍ مع قولنا ببقاء ملكه؛ تفريعاً على أنه يصير محجوراً عليه بالردة حجر فلس، وقلنا: تصرفات المفلس موقوفة مراعاة، فإن وفي ما عليه من الدَّيْن من غير ما وقع التصرف فيه نفذ، وإن لم يوف بطل، وكذا يجيء على قولنا: إنه محجور عليه حجر مرض، وهذا القول هو الذي صححه النواوي، وفي "النهاية": أن من أصحابنا من قال: إذا قلنا ببقاء ملكه يكون تصرفه تصرف المريض [في] مرض الموت؛ لأن السيف قريب منه، وهو بناء على أن من قدم للقتل يعتبر تصرفه من الثلث.
أما التصرف الذي لا يقبل الوقف كالبيع والإجارة، قال الماوردي: فلا يجيء فيه إلا قولان، يعني على الجديد.
أما إذا قلنا بجواز وقف العقود كما هو محكي عن القديم، جاءت فيه الأقوال الثلاثة أيضاً، وعلى ذلك ينطبق ما حكيناه عنه في الهبة [منه] من قبل.
وقد حكى البندنيجي الأمرين حيث قال: واختلف أصحابنا في موضع الأقوال على طريقين، منهم من قال: في جميع تصرفه ثلاثة أقوال، عقداً كان أو غير عقد، ومنهم من قال: في غير العقود ثلاثة أقوال، وأما في العقود كالبيع والكتابة ونحوها فعلى قولين، وما حكاه في الكتابة هو الذي أورده الرافعي.
وقال في "الحاوي": إن ما اشتمل على أمرين يصح الوقف والشرط في

أحدهما ولا يصح في الآخر، كالخلع والكتابة؛ لأنهما يشتملان على طلاق وعتق، ويصح فيهما الوقف والشرط، وعلى معاوضة لا يصح فيها الوقف والشرط – ففي المغلب منهما وجهان: أحدهما: يغلب فيهما حكم العوض، فعلى هذا لا يجيء فيهما إلا قولان كالبيع، يعني على الجديد.
والثاني: أنه يغلب فيهما حكم الطلاق والعتق، فعلى هذا تأتي فيهما الأقوال الثلاثة.
ثم قضية كلام البندنيجي: أن يجيء في تزويجه أمته – إذا قلنا بعدم زوال ملكه- الأقوالُ على رأي بعض الأصحاب، وعلى رأي لا يجيء إلا قولان، وعلى ذلك جرى المتولي وغيره حيث قالوا: إن التزويج من التصرفات التي لا تقبل الوقف، لكن قد قال البندنيجي: إنه يملك تزويجها، إذا قلنا: إن ملكه باق، ولم يحجر عليه، كما يملك الكافر تزويج أمته المسلمة.
وقال في "التهذيب": إنه غير قوي.
ثم قال البندنيجي: ومن أصحابنا من قال: لا يزوجها، وتصرفاته بعد حجر الحاكم عليه، أطلق في "المهذب" وغيره القول بعدم نفوذها.
وقال آخرون: الحاكم إذا حجر عليه فهو مفرع على بقاء ملكه، وفي كيفية الحجر الخلاف السابق: فالمشهور أنه حجر سفه أو حجر فلس]، وعند الماوردي: أنه حجر [سفه] أو حجر مرض.
قال القاضي الحسين: فإن قلنا: إنه حجر مرض، نفذ منها في ماله ما ينفذ من المريض.
انتهى.
وإن قلنا: إنه حجر سفه، لم ينفذ منها شيء، وإن قلنا: إنه حجر فلس، فقضيته أن يأتي فيها وجهان: أحدهما: أنها باطلة.
والثاني: أنها موقوفة.

وقال الماوردي: إن التصرف إن كان فيه إهلاك للمالية، كالعطايا والهبات والوصايا والصدقات والوقف والعتق – فهو باطل، سواء قيل: إنه حجر سفه أو مرض، ولا يقال: إنا إذا قلنا: إنه حجر مرض يجاز كما تجاز وصايا المريض؛ لأن للمريض في ماله الثلث، فأمضيت وصاياه من ثلثهن وليس للمرتد ثلث تجعل وصاياه منه.
وإن كان التصرف بيعاً أو إجارة، فإن قلنا: إن حجره حجر سفه، لم يصح؛ لأن عقود السفيه باطلة، وإن قلنا: إنه حجر مرض، نفذت؛ لأن عقود المريض جائزة.
قال: وعلى هذين الوجهين يكون حكم إقراره بالديون والحقوق.
قلت: وهما جاريان أيضاً إذا قلنا: إنه حجر فلس؛ بناء على القولين في صحة إقرار المفلس، والله أعلم.
قال: وإذا مات – أي على الردة – أو قتل، قضيت الديون من ماله، يعني الديون اللازمة له قبل الردة، وإن حكمنا بزوال ملكه بنفس الردة؛ لأن الردة وإن أزالت الملك فحقها أن تكون كالموت، [والموت] مزيل للملك، ثم الديون الثابتة في حال الحياة تتعلق بما يخلفه الميت، وهي مقدمة على حقوق الورثة، فبأن تقدم هاهنا على حقوق أهل الفيء أولى؛ لأن جهة الزوال بالردة عرضة للارتفاع بالإسلام، والموت مزيل للملك على الثبات، ويثبت حق الورثة على اللزوم، وهذا ما ادعى القاضي الحسين والإمام نفي خلافه.
قال: والباقي فيء؛ لأنه لما امتنع أن يرثه عنه أقاربه المسلمون؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " [لاَ يَتَوارَثُ] أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى"، وأقاربه الكفار؛ لما فيه من علقة الإسلام، ولا مرتدٌّ مثلُه؛ لامتناع إرث المرتد – فتعين كون ماله فيئاً، كحال من لا وارث له من أهل الذمة.
وقد روي ذلك عن زيد بن ثابت وابن عباس – رضي الله عنهما – ولا مخالف لهما من الصحابة.

وأما [ما] تعاطى سبب إيجابه بعد الردة فينظر: فإن كان تصرفاً جائزاً كان كالديون اللازمة قبلها، وإن كان تصرفاً مردوداً لم يستحق، وفي أرش الجنايات على الأنفس والأموال وجهان: ظاهر المذهب منهما في "تعليق" البندنيجي و"الحاوي": أنها تقضي من ماله.
والثاني: أنها لا تقضي؛ بناء على أن ملكه قد زال بالردة، وهذا ما أبداه القاضي الحسين احتمالاً مخرجاً على مذهب الإصطخري [في أنه لا تجب نفقة القريب في ماله على هذا القول، وقد [حكى أن الإصطخري] وأبا الطيب بن سلمة قالا به، وهو المختار في "المرشد"، وقد قيل: إن الإصطخري] طرده في قضاء الديون السابقة على الردة.
فروع: إذا كانت الديون مؤجلة ولم يمت بعد فهل تحل بردته؟ قال الأصحاب: ذلك ينبني على زوال ملكه، فإن قلنا ببقائه فلا، وإن قلنا بزواله فنعم، وإن قلنا بقول الوقف: فإن أسلم تبَيّنا عدم حلولها، وإلا تبينا حلولها.
ولو كان قد استولد جارية، أو دبَّر مملوكه فلا يعتق على الأقوال كلها؛ لأن عتق المستولدة يتعلق بالإياس من الاستفراش، ولم يوجد، والمدبر تعلق عتقه بالموت لفظاً ولم يوجد، نعم لو مات أو قتل عتقت المستولدة على الأقوال كلها؛ [لأنها] لا تقبل التصرف ونقل الملك، وأما المدبر فإن قلنا بزوال ملكه أو بقول الوقف فلا يعتق، وإلا كان كما لو دبر من لا وارث له عبداً ثم ماتن ولو استولد المرتد أمته في حال ردته: فإن أثبتنا له الملك نفذ، وإلا فلا ينفذ، فإن أسلم فقولان كما لو استولد المشتري الجارية المشتراة في زمن الخيار، وقلنا: الملك للبائع، فتم البيع.
قال: فإن أقام وارثه بينة – أنه صلى بعد الردة، أي التي حكمنا بصحتها منه، فإن كانت الصلاة في دار الإسلام لم يحكم بإسلامه، وإن كانت في دار الحرب حكم بإسلامه.

قال ابن الصباغ والماوردي: والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن إظهار الإسلام في دار الحرب إنما يكون في الصلاة؛ فإنه لا يمكنه إظهار الشهادتين بينهم، بخلاف دار الإسلام.
والثاني: أن صلاته في دار الإسلام تحتمل أن تكون تقية، وفي دار الحرب لا يحتاج إلى اتقاء المسلمين، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ عن النص.
وقال البندنيجي: إنه منصوص عليه في كتاب "المرتد [الكبير] ". والماوردي: إنه في "الأم" ثم قال: وفيه نظر؛ لأنه لو صارت الصلاة إسلاماً للمرتد لصارت إسلاماً للحربي.
و [على] هذا جرى الإمام حيث حكى عن العراقيين ما ذكرناه، واستبعده، ثم قال: والوجه في قياس المراوزة القطع بأنه لا يحكم بإسلامه في دار الحرب، كما لو صلى فيها الكافر الأصلي.
وهذا منهما دليل على أن الحربي لا يحكم بإسلامه بصلاته في دار الحرب، وبالغ الإمام في ذلك فقال: لو حكم به حاكم كان صائراً إلى مذهب أبي حنيفة.
وفي "الرافعي": أن صاحب "البيان" سوى بين الكافر الأصلي والمرتد فيما ذكرناه، وهذا يدفع الإلزام ثم قال: ويمكن أن نفرق بينهما بأن المرتد كان مسلماً، وعلقة الإسلام باقية فيه، وهو محمول على العود إليه، والعود إلى ما كان أهونُ من افتتاح أمر لم يكن؛ فجاز أن يجعل الشيء عوداً إلى الإسلام ولا يجعل افتتاحاً.
ثم إيراد الشيخ في "المهذب" يفهم تخصيص ما ذكرناه من إسلام المرتد، بما إذا كان قد ارتد إلى دين لا تأويل لأهله، ولم أره في غيره.
ولا يحصل الإسلام بإنكار الردة بعد الشهادة عليه بأنه ارتد بكذا، سواء كان في دار الإسلام أو دار الحرب، بخلاف ما لو شهد عليه بأنه أقر بالزنى، فأنكر - جعل [ذلك] رجوعاً، [وسقط] عنه الحد.
نعم، لو ادعى أنه قال ذلك مكرهاً، ودلت شواهد الحال على صدقه - قبل قوله، وإلا [فلا] يُقبل كما

ذكرناه من قبل.
ولو شهد عليه أنه نطق بكلمة الردة من غير أن تتعرض البينة لأنه ارتد، فقال: صدقا ولكني كنت مكرهاً – فالذي حكى عن الشيخ أبي محمد وتوبع عليه: أنه لا يقتل؛ لأنه ليس فيه تكذيب البينة، بخلاف ما إذا شهدت بالردة، فإن الإكراه ينافي الردة ولا ينافي التلفظ بكلمة الردة، وعلى هذا يجب عليه أن يجدد كلمة الإسلام، فلو قتل قبل التجديد ودعوى الإكراه أو الحلف عليه، فهل يكون قتله مضموناً أم لا؟ فيه قولان، ولو قتل بعد دعوى الإكراه والحلف عليه، قال الإمام: فيقطع بأنه مضمون.
وأعلم أن الشهادة بالردة عند الماوردي لا تقبل إلا مفسرة كالجرح؛ لاختلاف الناس في أسباب التكفير، ورأى الإمام تخريج ذلك على الخلاف في أن الشهادة على البيع وسائر العقود، هل تسمع مطلقة، أم يجب التفصيل والتعرض للشرائط؟ قال الرافعي: والظاهر قبول الشهادة المطلقة والقضاء بها.
قلت: ولو رتب الخلاف في هذه الشهادة على القولين اللذين حكاهما الأصحاب فيما إذا أقر مسلم أن أباه مات كافراً، وأنه لا يرث منه، ولم يفسر بماذا كفر، بل أطلق هذا القول – لكان أولى؛ لأن الإقرار المطلق يحتمل فيه ما لا يحتمل في الشهادة المطلقة، وأحد القولين في مسألة الإقرار: أنه لا يقبل ويرثه؛ لأنه ربما يعتقد تكفير أهل البدع، والثاني: لا يرثه؛ لأنه أقر بكفره.
وفي "الرافعي" وجه جعله [الأظهر]: أنه يستفصَل، فإن فصل وذكر ما هو كفر صرف المال إلى الفيء، وإن ذكر في التفسير ما ليس بكفر صرف [المال] إليه.
فرع: إذا ارتد الأسير في يد الكفار ولم نحكم بردته، فقال أحد وارثيه: مات مرتداًّ، وقال الآخر: بل مات مسلماً – سلم للذي [ادعى] موته على الإسلام نصيبه، وفي نصيب الآخر قولان نص عليهما في "المرتد الكبير" كما حكاه البندنيجي: أحدهما: يوقف حتى يُستبان أمره.

والثاني: يكون فيئاً.
ولو كان الأسير يشرب معهم الخمر ويأكل [معهم] الخنزير، ويشهد معهم مواضع متعبَّدهم، إلا أنه ما سجد لصنم، ولا [وجد منه ما يوجب الكفر – فلا نحكم بكفره.
فلو مات على هذه الحالة وله ابنان مسلمان، فقال أحدهما:] مات مسلماً، وقال الآخر: بل مرتدًّا – ففيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين: أحدهما: يكون ميراثه بين ولديه؛ لأنا نغلط مدعي ردته فيما يدعيه؛ لأنه يقول: أبي بما فعل صار مرتدًّا.
والثاني: أن نصيب المدعي الردة لا يحل له، وعلى ذلك جرى في "التهذيب".
قال: وإن علقت منه كافرة، أي: أصلية، وطئها بنكاح أو شبهة، كما قاله في "المهذب"، أو مرتدة، كما قاله أبو الطيب والماوردي والفوراني وغيرهم.
قال: بولد في حال الردة، أي: وانفصل وهما كذلك، كما قيده الفوراني.
قال: فهو كافر؛ [لأنه] متولد بين كافرين؛ فكان كافراً كولد الحربيين، لكن كفره ككفر أبيه سحباً لحكم الردة، أو كفره كفرٌ أصلي؟ فيه قولان: الأصح منهما في "الحاوي"، وادعى أنه المنصوص عليه في هذا الموضع: الأول، وادعى الفوراني أن الأصح: الثاني.
قلت: ولو قيل: بأن ولد المرتد من الكافرة الأصلية كفره أصلي، ومن المرتدة يكون مرتدًّا – لم يبعد؛ بناء على أصلين: أحدهما: أن الذمي لا يقتل بالمرتد؛ لكونه أشرف منه، مع اشتراكهما في الكفر.
والثاني: أن المتولد بين وثني وكتابية تعقد له الذمة؛ لحكمنا بتبعيته في هذه الحالة لها في الدين؛ لكونها أشرف ديناً من أبيه، كما يتبعها في الإسلام لشرفهن وفي كتب المراوزة – فيما إذا كانت أمه مرتدة أيضاً – طريقة أخرى

حاكية للقولين على غير هذا النحو: أحدهما: أنه كافر أصلي.
والثاني: أنه مسلم؛ لبقاء علقة الإسلام في الأبوين؛ لأن المرتد يجبر على الإسلام ولا تؤخذ منه الجزية، ولاتعقد معه المهادنة، ويؤمر بقضاء الصلوات التي تمر عليه أوقاتها في الكفر، وكل ذلك من علائق الإسلام، وإذا بقيت فيهما علقة الإسلام غلب على الولد حكمه.
وهذا ما صححه في "التهذيب"، وبه قال صاحب "التلخيص".
وعند الاختصار يحصل في الولد ثلاثة أقوال كما ذكرها الغزالي.

قال: وفي استرقاق هذا الولد قولان –أي: على قولنا إنه كافر – وهما ينبنيان على أن كفره ككفر أبيه أو هو كفر أصلي.
فعلى الأول: لا يسترق كما لا يسترق أبواه؛ [لبقاء عُلْقة] الإسلام فيهما، وهذا أصح عند القاضي الحسين، فعلى هذا يستتاب بعد البلوغ، فإن تاب وألا قتل، وحكم أولاد هذا الولد حكمه.
وعلى الثاني: يسترق؛ لأنه كار لا أمان له، ولم يثبت له حكم الإيمان بنفسه؛ فهو كأولاد أهل الحرب، وعلى هذا يجوز المن عليه والفداء به.
قال الماوردي وأبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم: ولا يجوز أن يقره الإمام بالجزية؛ لأنه دخل في الكفر بعد نزول القرآن.
وقال الإمام: يجوز عقد الجزية معه إذا بلغ، وهو كالكافر الأصلي في كل معنى.
وهذا قد حكاه في باب عقد الذمة وجهاً، وقال: إنه لا أصل له، وإن المذهب: أنها لا تعقد له، وأنا إذا قلنا بعقدها ففي حل المناكحة والذبيحة تردد، وأن الوجه: القطع بالتحريم.
وأما إذا علقت منه مسلمة وطئها بشبهة نكاح أو غيره، فولده منها مسلم، قال الرافعي: بلا خلاف.
وكذلك لو ارتد الأبوان بعد العلوق فهو مسلم، ومن طريق الأولى إذا ارتدا أو أحدهما بعد انفصاله وقبل البلوغ أن نحكم بإسلامه، ولا يتبع أحدهما في الكفر وإن تبعه في الإسلام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " [الإِسْلامُ] يَعْلُو، وَلا يُعْلَى".
ولو بلغ هذا الولد بعد ارتداد أبيه وأعرب بالكفر، قال البندنيجي: فالمنصوص أنه مرتد، ومن أصحابنا من قال: يقر على كفره.
وهذا [ما] حكاه في "المهذب" قولاً عن تخريج ابن سريج؛ متمسكاً فيه بقول الشافعي – رضي الله عنه-: لو بلغ فقتله قاتل قبل أن يصف الإسلام لم يجب عليه القود.
قال الماوردي: وهذا التخريج سهو منه إلا أن يكون قاله مذهباً لنسه، فيفسد بما ذكرناه.

قلت: ولا شك أن [هذا] الوجه يجري في الصورتين السابقتين من طريق الأولى.
ولا يجوز استرقاق [من باشر الردة بنفسه بحال، كما لا يجوز استرقاق] أهل البغي، وهذا من الأحكام التي اتفق المرتدون والبغاة فيها، وإن اختلفوا في أمور، [منها: قتلهم] مدبرين، وجواز التذفيف على جريحهم، [وقتل أسيرهم]، ورميهم بالنار ونحوها، والاستعانة عليهم بالكفار، وعدم إمهالهم مدة إذا استمهلوا لغلظ كفرهم، وكذلك قال الأصحاب: إذا امتنع المرتدون بالحرابة بدأنا بقتالاهم قبل قتال أهل الحرب، ولأنهم أهدى إلى عورات المسلمين.
وقد نجز ما في الباب من المسائل، وآن الوفاء بما وعدنا بذكره: قال المتولي: إذا قال المسلم لمسلم: يا كافر – بلا تأويل – كفر؛ لأنه سمي الإسلام كفراً، وكذا لو سأله كافر يريد الإسلام أن يلقنه الشهادة، فلم يفعل، أو أشار عليه بألا يسلم، أو على مسلم بأن يرتد – فهو كافر؛ للرضا بالكفر، بخلاف ما لو قال للكافر: لا رزقه الله الإيمان، أو لمسلم: سلبه الله الإيمان؛ لأنه ليس رضا بالكفر، لكنه دعا عليه بتشديد العقوبة.
وفي "فتاوى" القاضي الحسين وجهان في كفره بالدعاء بالكفر، وكذا فيما إذا أكره مسلماً على الكفر في أنه هل يكفر بذلك أم لا؟ والمتولي جزم بكفره، بخلاف المكره على الإسلام، إنه لا يكون مسلماً به، وقال: إن العزم على الكفر في المستقبل كفر في الحال، وكذا التردد في أنه [هل] يكفر أم لا؟ والتعليق بأمر في المستقبل، كما إذا قال: إن هلك مالي أو مات ولدي تهودت أو تنصرت –كفر.
وإن من اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع، أو نَفَى ما هو ثابت للقديم بالإجماع ككونه عالماً وقادراً، أو أثبت ما هو منتف عنه بالإجماع كالألوان، أو أثبت له الاتصال والانفصال – كان كافراً، وكذا من أنكر جواز بعثة الرسل، أو نبوة نبي من الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – أو كَذَّبه، أو جحد آية من القرآ،

مجمعاً عليها، أو زاد في القرآن كلمة [واعتقد] أنها منه، أو سب نبيًّا من الأنبياء – عليهم السلام – أو استخف به، أو استحل حراماً بالإجماع، أو حرم محلَّلا بالإجماع، أو نفى وجوب مجمع عليه كالزكاة ونحوها في زماننا – ووافقه على ذلك الماوردي – أو اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع، كصلاة سادسة أو صوم [من] شوّال، أو نسب عائشة – رضي الله عنها – إلى الفاحشة، وادعى النبوة في زماننا، أو صدق مدعيها.
وعن الشيخ أبي محمد – رحمه الله- أن من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمداً؛ فقد كفر ويراق دمه؛ قال الإمام: وهذه زلة ولم أر ما قاله لأحد من الأصحاب، والظاهر – وهو الذي أورده الغزالي -: أنه يعزر.
وجزم الإمام بأن سب الرسول صلى الله عليه وسلم بما هو قذفٌ صريحُ كفرٍ باتفاق الأصحاب، وأن الشيخ أبا بكر الفارسي قال في كتاب "الإجماع": إنه لو تاب لم يسقط القتل عنه؛ لأن حد قذفه صلى الله عليه وسلم القتل، وحد القذف لا يسقط بالتوبة.
وادعى فيه الإجماع، ووافقه الشيخ أبو بكر القفال.
وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه يكفر بالسب، فإذا تاب [سقط] القتل عنه.
وقال الصيدلاني: إذا تاب سقط القتل وجلد ثمانين.
ثم أبدى الإمام في ذلك مباحثة [لنفسه]، فليطلبها [من أرادها في كتاب عقد الذمة].
وقال القاضي الحسين: ولو تقلنس المسلم بقلنوسة المجوس، أو تزنَّر بزُنَّارهم – صار كافراً؛ لأن الظاهر أنه لا يفعل ذلك إلا عن عقيدة الكفر، بخلاف ما لو دخل دار الحرب فشرب معهم الخمر، أو أكل لحم الخنزير – لم يُحكَم بكفره؛ فإن ارتكاب المحرمات ليس بكفر ولا يسلب به اسم الإيمان، ولا يستحق الفاسق – إذا مات ولم يتب – الخلود في النار.
والله أعلم.

باب قتال المشركين

هذا الباب ترجمه صاحب "التلخيص" وغيره بكتاب "الجهاد"، وبعضهم بكتاب "السير"؛ لأن الأحكام المودَعة فيه متلقاة من سِيَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أكثرها.
والسيرة: الطريقة، وهي مِنْ: سار يسير، و"الفِعْلة": للهيئة، كالجِلسة والقِعدة.
وقد ذكر الشافعي - رضي الله عنه- وأصحابه -رحمهم الله -[في صدر هذا الكتاب] مقدمة [لا غَنَاء عن] ذكرها، وهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بُعث أُمِرَ بالتبليغ والإنذار بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5]، وكان ذلك في يوم الاثنين من شهر رمضان، وكان ابن أربعين سنة في قول الأكثرين، وفي قول الآخرين: ابن ثلاث وأربعين [سنة]، فبلغ ذلك زوجته خديجة، فآمنت به.
ثم اختلف العلماء في أول من آمن به بعدها، فقيل: عليٌّ - كرم الله وجهه - وكان - إذ ذاك - ابنَ تسعٍ، وقيل: [بل] ابن عشرٍ، وقيل: أبو بكر - رضي الله عنه، وقيل: زيد بن حارثة.
ثم نزل جبريل -عليه السلام-[يوم الثلاثاء] بأعلى مكة، فهم بِعَقِبِهِ [في ناحية] الوادي؛ فانفجرت فيه عين، فتوضأ جبريل - عليه السلام- ليُريَه كيف الطهور، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم [منها، ثم قام جبريل يصلي، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم] بصلاته؛ فكانت هذه أول عبادة فُرضت عليه كما قاله الماوردي.
ثم جاء إلى خديجة فتوضأ لها حتى توضأت، وصلى بها كما صلى به جبريل

  • عليهما السلام- فكانت أول من توضأ وصلى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبليغ قومه بعد ثلاث سنين من مبعثه، واتبعه قوم بعد قوم، وكان القتال ممنوعاً عنه بـ"مكة" كما نقله ابن الصباغ، وأُمِرَ بالصبر على أذى الكفار واحتماله منهم، وكذل من آمن معه.
    ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمهاجرة إلى المدينة، فهاجر إليها بعد أن أقام بـ "مكة" رسولاً ثلاث عشرة سنة في الرواية الظاهرة، وفي الأخرى عشر سنين، وذلك في [يوم] الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وأُمِر بقتال من قاتله بقوله – تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، [ثم لما] قوى الإسلام أُمِر بابتداء القتال، لكن في غير الأشهر الحُرُم بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [الآية] [البقرة:191]، ثم أمر به من غير تقييد بشرط وزمان ومكان؛ بقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: 191]. واختلف أصحابنا في أن الجهاد في عصره صلى الله عليه وسلم هل كان فرض عين أو فرض كفاية؟ والذي عليه عامة أصحابنا: المذهب الثاني.
    وقال أبو علي الطبري كما حكاه أبو الطيب، وابن أبي هريرة كما حكاه الماوردي – بالأول.
    ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعاً وعشرين غزوة، قاتل منها [في] تسع غزوات كما حكاه الماوردي، [وفي "مسلم": أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ.
    كذا ذكره في أثناء حديث ابن عمرن في باب: كم حج

النبي صلى الله عليه وسلم].
وسرَّى صلى الله عليه وسلم سبعاً وأربعين سرية كما نقله الماوردي، وفي "المهذب" وغيره: أنها خمس وثلاثون سرية، ولم يتفق في كل منها قتال؛ فلنذكر من غزواته صلى الله عليه وسلم أشهرها: ففي السنة الأولى من هجرته صلى الله عليه وسلم لم يغزُ.
وفي السنة الثانية غزا غزوة بدر الكبرى المشهورة، وكانت في يوم السبت السابع عشر من شهر رمضان، وبها سُمِّي هذا العام: عام بدر، وفي هذا العام فرض الصيام وكان في شعبان، وكانوا يصومون عاشوراء، كذا نقله الماوردي.
وفي "تعليق" [أبي الطيب و] "الشامل" وغيرهما: أن الصيام فُرِضَ بعد سنتين من الهجرة، وفيه – أيضاً –أقرت صلاة السفر، وزيد في الحضر ركعتان؛ فجعلت أربعاً.
وحولت القبلة إلى الكعبة في يوم الثلاثاء، النَصفَ من شعبان، بعد أن صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، بالمدينة، ثمانية عشر شهراً؛ كما حكاه الواقدي.
وقال قتادة وابن زيد: [حُوِّلت] بعد ستة عشر شهراً [في رجب.
وحكى القاضي الحسين في كتاب "الهدنة": أنه صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً.] وفيه – أيضاً – فرضت زكاة الفطر، وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قبل الفطر بيوم أو يومين، وفيه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى بالناس

صلاة العيد، وهو أول عيد صُلِّي، ثم صلى صلاة عيد الأضحى فيه – أيضاً- وضحى فيه بشاة، وقيل: بشاتين، وضحى معه ذوو اليسار بعد صلاة العيد، وهو أول عيد ضُحِّي فيه.
وفي السنة الثالثة من الهجرة غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة أُحُد.
وفي السنة الرابعة غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بني النضير في شهر ربيع الأول، كذا نقله الماوردي، وفي "النهاية": أن غزوة بني النضير كانت في السنة السادسة، وغزوة ذات الرقاع كانت في هذا العام.
وفي السنة الخامسة من الهجرة غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة ذات الرقاع، كما نقله الماوردي، وكان خروجه في ليلة السبت العاشر من المحرم، وصلى بها صلاة الخوف، وهي أول صلاة صلاها في الخوف.
وفيها غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب، وكانت – كما نقله الماوردي – في الثامن من ذي القعدة، وفيها ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء لاشتغاله بالقتال، فلما انكف العدو أمر صلى الله عليه وسلم بلالاً فأذن وأقام للظهر، وأقام لكل صلاة بعدها ولم يؤذن.
والذي رواه البخاري – رضي الله عنه-: أن صلاة الخندق كانت في شوال سنة أربع من الهجرة، وبهذا اندفع سؤال المزني، رحمه الله.
وفيها غزوة بني قريظة، اتفقت في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من ذي القعدة.
وفي هذه السنة ضاع عقد عائشة – رضي الله عنها – ونزلت آية التيم.
وفي السنة السادسة من الهجرة غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الحديبية في يوم الاثنين هلالَ ذي القعدة، وفيها أحرم صلى الله عليه وسلم بالعمرة، وصُدَّ عن البيت، وفيها أسلم من الناس أكثر من جميع من أسلم من قبل، ووقعت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وفيها فرض الحج، ومن أصحابنا من قال: إنه فرض في سنة خمس، وفي "النهاية" في كتاب الحج حكاية خلاف عن أصحابنا في أن الحج هل وجب قبل الهجرة أو بعدها؟ وهذا بعيد.
ثم اختلف أصحابنا في أن الزكاة [فرضت] قبل الصوم، أو بعده وقبل الحج.

وفي السنة السابعة غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة خيبر وفتحها، وفيها خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرة القضاء في هلال ذي القعدة، وخرج معه من شهد الحديبية وغيرهم، إلا من قُتِل منهم [أو مات] وأحرم من [قِبَل المسير] الذي صدر منه.
وفي السنة الثامنة فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، واختلف العلماء في أنه [هل] فتحها عنوة أو صلحاً؟ فذهب الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة إلى الأول، وهو الذي أورده في "الوجيز".
وحكى الماوردي عن الشافعي أنه قال: إنها فتحت صلحاً بأمان عقد بشرط، فلما وجد – وهو الكف – لزم الأمان، وانعقد الصلح.
وهذا قول مجاهد.
قال الماوردي: والذي أراه: أن أسفل مكة دخله خالد بن الوليد عنوة؛ لأنه قوتل فقاتل، وأعلى مكة دخله الزبير صلحاً؛ لأنهم كفوا والتزموا شرط أبي سفيان؛ فكف عنهم الزبير، ولم يقتل أحداً، ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في يوم الجمعة العشرين من شهر رمضان، واستقر بها – التزم أمان من لم يقاتل، واستأنف أمان من قاتل، وكذلك استجار بأم هانئ بنت أبي طالب رجلان من أهل مكة، فدخل عليٌّ – كر الله وجهه – ليقتلهما، فمنعَتْه، وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال صلى الله عليه وسلم: " [قَدْ] أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ أُمَّ هَانِئ"، ولو كان الأمان عامًّا لم يحتاجا إلى ذلك، ولو لم يكن أمان لكان كل الناس كذلك.

وقال الإمام: إن عني القائل بأنها فتحت عنوة: أنه مُنع فقاتل، فليس الأمر كذلك، وإن أراد أنه: دخلها معتدياً على هيئة الاستمكان من القهر، فهذا حق لا ينكر، لكنه أمر بقتل رجال مخصوصين [كان قد عزم على قتلهم].
وفي هذه السنة غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح غزوة حنين إلى هوازن في السادس من شوال، وفيها اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجِعرانة في ليلة الأربعاء الثامن عشر من ذي القعدة، وفيها – كما قال الماوردي – استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر- رضي الله عنه –على الحج، وأمره أن يؤم الناس كلهم.
وفي السنة التاسعة من الهجرة، غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزة تبوك في الروم في رجب، وكان – عليه السلام – إذا هم بغزوة ورّى بغيرها، إلا في تبوك؛ فإنه أباح بها؛ حتى يأخذ الناس أهبتهم؛ لبعد المسافة، واتفقت تلك الخرجة في شدة الحر، وفيها تخلف من نزلت فيهم الآية المشهورة، وفيها استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم [أبا بكر] على الحج بالناس من المدينة، وفيها بعث العمال لجبي الصدقات من العرب.
وفي السنة العاشرة حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، وعاش رسول الله صلى الله ليه وسلم بعد أن قضى حجه اثنين وثمانين يوماً، وتوفي صلى الله عليه وسلم في سنة إحدى عشرة من الهجرة في يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وكان ابتداء مرضه الذي مات فيه صلى الله عليه وسلم الثامن والعشرين من صفر، حشرنا الله في أمته! قال [الشيخ – رحمه الله -:] من لا يقدر على إظهار الدين في دار الحرب، أي: لكونه لا قوة له، ولا عشيرة تمنعه، وقدر على الهجرة، أي: إلى بلاد الإسلام- وجب عليه أن يهاجر؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ الآية [النساء: 97]، مع قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" كما خرجه أبو داود والنسائي عن معاوية.

وروى أبو داود عن جرير، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَنَّا بَرِيءٌ مِنْ كُلٍّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ؟ قَالَ: لاَ تَراءَى نَارُهُمَا"، أي: لا يتفق رأيهما.
فعبَّر عن الرأي بالنار؛ لأن الإنسان يستضيء بالرأي كما يستضيء بالنار، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ"، أي: لا تقتدوا بآرائهم.
وما روي عنه صلى الله عليه وسلم [أنه] قال يوم فتح مكة: "لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ"، فهو محمول على الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنها صارت بعد الفتح دار إسلام أبداً؛ فلا معنى للهجرة من دار إلى دار، مع أنه يحتمل أنه لا هجرة كاملة الفضل كالهجرة قبل الفتح؛ فإنهما لا يستويان، كما لا يستوي الإنفاق قبل الفتح وبعده.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون المسلم أسيراً في أيدي الكفار في قيد أو حبس، أو قد أطلقوه بشرط المقام عندهم، أو بعد تحليفه على عدم مفارقتهم، أو لا يكون شيء من ذلك، ولا يحنث عند الحلف إن كان مكرهاً على اليمين، وفي معناه ما إذا حلَّفوه وهو في الحبس أو القيد، كما صرح به القاضي الحسين والماوردي، وحكى فيما إذا ابتدأهم باليمين على عدم الهرب وهو في القيد أو الحبس - وجهين في الحنث؛ وهما - أيضاً - في "التهذيب"، وجزم بأنه إذا قيل له: لا نطلقك حتى تحلف ألا تخرج إلى دار الإسلام، فحلف.
وأطلقوه فخرج - بعدم الحنث، ولم يُقيِّدُه بحالة حبس وغيرها، لكنه قاسه على ما إذا أخذ

اللصوص رجلاً، وقالوا: لا نتركك حتى تحلف ألا تخبر بمكاننا أحداًن فحلف وتركوه، فأخبر بهم؛ فإنه لا كفارة عليه، وإن كان قد حلف بالطلاق فلا يقع.
قال: ومن قدر على إظهار الدين، أي: لقوته وكثرة عشرته –استحب له أن يهاجر.
أما عدم وجوبها؛ فلقدرته على إظهار دينه والقيام بواجبه؛ ولهذا بَعَث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية عثمان [بن عفان] – رضي الله عنه – إلى مكة؛ لأن عشيرته كانت أقوى بـ"مكة"، فأُكرِم، ولأنه – تعالى – لما أوجبها على المستضعفين دل على أنها لا تجب على غيرهم.
وفي "النهاية" وجه: أنه يحرم عليه الإقامة؛ لإطلاق الخبر؛ لأن المسلم بين أَظْهُر الكفار مقهورٌ مهان، فإن انكفوا عنه لعارض لم يؤمن عودُهم إليه، والمشهور الأول.
وأما كونها مستحبة؛ فلقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: 51]، ولأنه لا يأمن أن يميل إليهم، وفي بقائه [عندهم] تكثير لسواد المشركين وزيادة في عددهم.
ومن لم يقدر على إظهار الدين ولا على الهجرة، فهذا يسقط عنه الهجرة؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ الآية [النساء: 98].
والكلام في الحالة الثانية مخصوص عند الماوردي بما إذا كان يرجو نصرة المسلمين بنصرته، ولم يتمكن من الدعاء إلى الإسلام في دار الحرب ولا القتال عليه ولا الانعزال عنهم.
وقال – فيما إذا قدر على الانعزال والدعاء والقتال -: إنه يجب عليه أن يقيم، وكذا إذا قدر على الانعزال ولم يقدر على الدعاء والقتال: يجب عليه المقام؛ لأن داره قد صارت بانعزاله دار إسلام، فإذا هاجر عنها صارت دار حرب، ولو لم يقدر على الانعزال أيضاً، فإن كان يرجو ظهور الإسلام بمقامه فالأولى به أن يقيم ولا يهاجر، وإن استوت أحواله في المقام والهجرة فهو بالخيار بينهما، وهذا كله في زماننا.

وأما الهجرة في زمنه صلى الله عليه وسلم فقد كانت في زمن مقامه بـ"مكة" لمن خشي على نفسه من المقام معه [بـ"مكة" جائزةً]، ولمن أمن على نفسه ودينه معصيةً، [إلا لحاجة]؛ لما في مقامه من ظهور الإيمان وكثرة العدد، وفي مدة مقامه بالمدينة قبل الفتح واجبةً على من خاف على نفسه [أو دينه، وهو قادر على الخروج بأهله وماله؛ للآية، ومستحبة لمن أمن على نفسه] كالعباس بن عبد المطلب.
وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال: "أن الهجرة كانت على غير أهل مكة من الرغائب، ولم تكن فرضاً؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم أتاه أعرابي يسأله عن الهجرة، فقال صلى الله عليه وسلم: "وَيْحَكَ إِنَّ شَانَ الْهِجْرَةِ شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ "قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئاً" كما خرجه البخاري ومسلم وغيرهما، ولأنه لم يأمر الوفود عليه قبل الفتح بالهجرة.
والهجرة: الانتقال من موضع إلى موضع، وسميت بذلك؛ لأنه يهجر فيها ما ألفه من وطن وأهل، وقيل: لأنه يهجر فيها العادة من عمل وكسب.
وهي على القولين مأخوذة من "الهجر"؛ وهو الترك.
قال: والجهاد فرض على الكفاية؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: 78]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:244]، مع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122]، أي: يجاهدوا جميعاً في قولٍ، أو ما كان لهم إذا جاهد قوم أن يخرجوا

معهم؛ حتى يتخلفوا لحفظ الذراري والأموال [في قولٍ، وقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95].
فالآيات الأول دالة على خطاب جميع المؤمنين، [والآية الرابعة تبين] أن الجميع ليسوا مخاطبين، [وكذلك الخامسة]، ووجه الدليل منها: أن الله – تعالى – فاضل بينهم، ولايجوز أن يفاضل بين مأجور ومأزور، وإنما يحصل التفاضل بين مأجورَيْنِ؛ أحدهما أعظم أجراً من الآخر، كما فاضل بينهم في الإنفاق.
وأيضاً فقد وعد كلاًّ من المجاهد والقاعد الحسنى، ولو كان القاعد عاصياً لما وعده الحسنى، وهذا شأن فرض الكفاية، ولأنه لو فرض على الأعيان لتعطلت المعايش والمكاسب، وأدى ذلك إلى خراب البلاد؛ لأنه كان يجب ألا يتخلف صاحب صناعة، ولا من يحرث ويزرع، ولا من يحفظ البلاد من العدو، وفي هذا أعظم الفساد؛ والله لا يحب الفساد.
قال في "المرشد": والجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان.
وهذا إذا كان الكفار قارِّين في بلادهم غير متعلقين بأطراف بلاد الإسلام، أما إذا قصدوا بلادنا فسيأتي حكمه، إن شاء الله تعالى.
قال: إذا قام به من فيه الكفاية سقط الفرض عن الباقين؛ لأن هذا شأن [فرض الكفاية] كما هو مقرر في الأصول، والكفاية في هذه الحالة تحصل – كما قاله الماوردي وأبو الطيب والرافعي وغيرهم – بشيئين: أحدهما: شحن الإمام الثغور بجماعة يلقون من بإزائهم من العدو، ويكافئونهم؛ فيسقط بذلك فرض الجهاد عمن خلفهم، فإن ضعفوا واستشغروا وجب على كل من وراءهم من المسلمين أن يمدوهم من أنفسهم بمن يتقوَّوْن به على قتل عدوهم، ويصير جميع من تخلف عن إمدادهم داخلاً في فرض الكفاية حتى يمدهم بأهل الكفاية.

والثاني: أن يدخل دار الكفار غازياً بنفسه، أو يبعث جيشاً يؤمر عليهم من يصلح لذلك، وأقله مرة، كما سيأتي، وهذا ما يقتضيه ظاهر كلام الشيخ.
ولو امتنع الكل من القيام لَحِق الحرجُ، لكن هل يعم الجميع أو يخص الذي يدنو إليه؟ حُكي عن رواية ابن كج فيه وجهان، المذكور منهما في "الحاوي" وكذا "تعليق" أبي الطيب: الأول؛ حيث قالا: ومتى لم يُخلِّ بالثغور من الرجال قدراً يحصل بهم الكفاية لم يسقط الفرض عن الباقين، وكان الإمام وجميع الناس آثمين بذلك، وعلى الجملة: فالذي يلحقه الحرج من عَلِمَ وقدر على القيام به، ومن لم يعلم وكان قريبا ًمن الموضع بحيث يليق بحاله البحث والمراقبة – آثمٌ أيضاً من جهة ترك البحث.
قال الإمام: ويختلف هذا بكبر البلد وصغرها، وقد يبلغ التعطيل مبلغاً ينتهي خبره إلى البلاد؛ فيجب عليهم السعي في التدارك، فإن لم يفعلوا نالهم الحرج، وهكذا على التدريج الذي ذكرناه إلى أن يعم الخطة.
وإذا قام بالفرض جَمْعٌ لو قام به بعضهم لسقط الحرج عن الباقين، فكلهم مؤدون الفرض؛ لتساويهم في صلاحية القيام، وشمول الحرج للكل لو تعطل.
قال الإمام: وإذا صلى على الميت جمع، ثم صلى آخرون، فالوجه أن يجعلهم بمثابة المقاربين للأولين في الصلاة؛ فإن التنفل بصلاة الجنازة لا نرى له أصلا في الشرع.
قال: ومن حضر الصف [وهو] من أهل الفرض تعيّن عليه؛ لقوله – تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ﴾ الآية، وقوله – تعالى-: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾، أما إذا حضره من ليس من أهل الفرض، فكلام الشيخ يقتضي أنه لا يتعين عليه، وقد صرح به القاضي الحسين في كتاب قسم الفيء في أواخره، حيث قال: فأما الصبي والمجنون والعبد والمرأة والمريض والضعيف الذي لا يطيق القتال، لا يعطون من أربعة أخماس الفيء؛

لأنهم ليسوا من أهل الجهاد بدليل أنهم لو حضروا الصف لم يتعين عليهم [القتال].
وقد صرح بذلك - أيضاً- الشيخ أبو حامد وغيره في المريض والأعمى والأعرج، وقال غيرهم خلافه، وسيأتي الكلام فيه، و [صرّح به] ابن يونس في العبد والكافر، وحكى القاضي الحسين هنا أن [النص في] العبد إذا حضر بإذن سيده تعين عليه كالحر، وإن كان بغير إذنه فلا يأثم بالانصراف، كما نص على أنه لا إثم على المرأة؛ لكونها ليست من أهل القتال.
[وجزم الإمام في "الغياثي" بأن العبد يتعين عليه المصابرة وإن حضر بغير إذن سيده، وكذلك الولد إذا خرج بغير إذن أحد أبويه إلى أن تضع الحرب أوزارها].
وقال [في "النهاية"] في أهل الذمة: الذي أراه أنهم يمنعون من الانصراف إذا حضروا بإذن الإمام؛ لما فيه من الضرر.
ثم ما المتعين بحضور الصف؟ الذي يظهر أنه الجهاد، وفي "تعليق" البندنيجي: أن المتعين جزماً الثبات وعدم الانصراف، وأما القتال فإن كان في المسلمين قلة ولا يكفي بعضهم لقتال المشركين، فيتعين القتال أيضاً، وإن كان فيهم من يقوم بالقتال- يعني: وتقدم إليه - قال: فهو بالخيار إن شاء قاتل وإن شاء ترك.
وسأظهر من كلام الإمام- من بعد - ما يقتضي إجراء خلاف في وجوبه في هذه الحالة أيضاً - إن شاء الله تعالى، وأن الصحيح وجوبه كما اقتضاه ظاهر كلام الشيخ، والله أعلم.
وكما يتعين الجهاد بحضور الصف يتعين أيضاً في حالتين، حكاهما الماوردي: إحداهما: إذا حل العدو بلاد الإسلام

-[والعياذ بالله]-

ووطئها؛ فيتعين فرض قتاله على أهل البلاد التي وطئها وأذلها، وإن لم يكن بأهلها قدرة على دفعه تعين فرض القتال على كافة المسلمين؛ [حتى تنكشف البلاد من العدو

إلى بلاده، وإن كان بهم قدرة على دفعه، لم يسقط بهم فرض الكفاية عن كافة المسلمين ما دام العدو باقياً في ديارهم، وهل يتعين عليهم كما تعين على أهل الثغر؟ فيه وجهان، فإن انهزم أهل ذلك الثغر عنهم، صار فرض جهادهم متعيناً على كافة الأمة، وجهاً واحداً، حتى يردوه إلى بلاده إن لم يستصحب معه شيئاً للمسلمين، أو أسيراً منهم، إلا فحتى يسترجع ذلك من أيديهم.
الحالة الثانية: إذا أطل العدو على بلاد المسلمين لقتالهم وخافوه؛ فيتعين فرض الجهاد على كل من أطاقه وقدر عليه من البلاد التي أطلها، وكذلك إذا لم يطل العدو لكنه قصد بلاد الإسلام، وبقي بينه وبينها [دون] مسافة القصر.
ويدخل في هذا التعيين جميع من في الثغر من المجاهدين، سوى النساء إذا لم يكن فيهن قوة الدفع، وكذا الصبيان والمرضى، ويدخل فيه من عليه دين، ومن له أبوان لا يأذنان له؛ لأنه قتال دفاع وليس بقتال غزو، فيتعين فرضه على كل مطيق، وكذا يدخل فيه العبيد بدون إذن السادة، إن لم يكن في الأحرار مدفع.
قال الإمام: وبهذا يتبين أن العبد من أهل القتال، ولكن إذا لم يتعين فحق السيد مقدم.
ولو أمكن مقاومة الأحرار لهم من غير موافقة العبيد، لكن بالموافقة تقوى القلوب – فوجهان حكاهما المراوزة، أحدهما: أن الجواب كذلك، وهو قضية [كلام] الماوردي، والنسوان اللاتي فيهن قوة [كالعبيد]، صرح به الإمام وغيره.
وفي "الرافعي" أن ابن أبي هريرة قال فيما إذا أطل العدو: لا يكون الجهاد فرض عين، بل هو فرض كفاية أيضاً، وهذا يأتي في الحالة الأخرى من طريق الأولى.
والمذهب: الأول، وعليه ينظر: إن كان عدد العدو أكثر من مثلي عدد من في الثغر – لم يسقط فرض الكفاية عن كافة المسلمين، ووجب على الإمام إمدادهم

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل