كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فإنه قال: إن الشافعي نص عليه.
لكن ابن الصباغ قال: إنه لم ير ذلك لغير القاضي، نعم لو تلفظ بالشهادتين في الصلاة، فهل نجعله مسلماً بذلك؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: نعم، وهو الذي جزم به القاضي الحسين، وكذا في الأذان، وصححه الماوردي وغيره.
وقال غيره -[وهو ابن أبي هريرة؛ كما قال القاضي أبو الطيب وغيره-:] لا؛ فإنه يجوز أن يكون [أتى بهما على سيل الحكاية، وهو جار فيما إذا] أتى بهما في الأذان، وفيما إذا أتى بهما من غير استدعاء وإشهاد على نفسه.
قال الماوردي: وهذا القائل يشترط في الحكم يإسلامه بهما أن ينوي بهما الإسلام، ويأتي بهما قاصداً بإتيانه إظهار الإسلام.
قال: ولا مجنون؛ لأنها إذا لم تصح خلف الكافر مع كونه مكلفاً؛ لعدم صحة صلاته؛ فالمجنون بذلك أولى.
قال: ولا محدث ولا نجس؛ لما ذكرناه.
والمراد بالمحدث: المحدث الذي لم تصح صلاته؛ فكذا بالنجس، وإلا فمن تيمم وصلى صلاة يسقط بها فرضه، يصح الاقتداء به مطلقاً بلا خلاف، وإن كان التيمم لا يرفع حدثه على المذهب، وكذا يصح الاقتداء بالمستجمر، وإن كان لو نزل في ماء قليل نجسه على الأصح.
نعم تردد الشيخ أبو محمد في أن من لم يجد ماء، ولا تراباً، وأمرناه بالصلاة، وقلنا: عليه الإعادة؛ هل يجوز أن يقتدي به [مثله]، أو لا؟
والذي جزم به الماوردي - عند الكلام في ظهور الإمام كافراً - الصحة، والصحح خلافه، وبه جزم القاضي الحسين؛ كما اقتضاه كلام الشخ.
أما إذا قلنا: لا إعادة عليه؛ فيصح أن يقتدي به من هو مثله، ومن وجد الماء والتراب؛ كما يصح اقتداء المتوضئ بالمتيمم.
قال الرافعي: وفي معنى من لم يجد ماء، ولا تراباً صلاة المقيم بالتيمم لعدم الماء، وصلاة من أمكنه أن يتعلم الفاتحة، ولم يتعلم، ثم صلى لحق الوقت،
وصلاة العاري، والمربوط على الخشبة؛ إذا ألزمناهم الإعادة.
قلت: وكذا المحبوس في حش.
وقد نبه الشيخ يقوله؛ "ولا محدث، ولا نجساً، على أمور:
أحدها: أنه [لا] تجوز الصلاة خلف من أخل بشرط من شرائط الصلاة، مع قدرته عليه؛ كالستارة، واستقبال القبلة، أما إذا لم يكن قادزاً عليهما؛ كمن لم يجد سترة، ولو بطريق العارية، والمصلى في شدة الخوف إلى غير القبلة؛ فيصح الاقتداء به؛ لأن صلاته صحيحة، مسقطة للقضاء - كما تقدم؛ ويأتي - ولما اختلف حال المصلي مكشوف العورة وغير مستقبل القبلة إلى حال يصح الاقتداء به، وإلى حال لا يصح الاقتداء به - لم يعطفه الشيخ على المحدث والنجس.
ومراده بالنجس: المتنجس، وفى معناه حامل النجاسة، والواقف عليها حالة صلاته من غير حائل.
الثاني: أنه لا يجوز لمن اختلف اجتهادهما في الأواني أن يقتدي أحدهما بالآخر؛ إذا غلب على ظنه أن ما توضأ به نجس؛ لأنه بزعمه محدث ونجس، وذلك يصور فيما إذا وقع في أحد الإناءين نجاسة، واجتهد شخصان فيهما؛ فأدى اجتهاد أحدهما إلى طهارة أحدهما، والآخر إلى طهارة الآخر، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأصحاب.
نعم، لو كانت الأواني ثلاثاً والأشخاص ثلاثة؛ فإن كان الطاهر منها واحداً، فالحكم كذلك، وإن كان النجس واحداً فقط، وأدى اجتهاد كل واحد إلى طهارة إناء: فإن غلب على ظن بعضهم طهارة إناء آخر غير الإناء الذي توضأ منه، صح اقتداؤه بمن توضأ به، وامتنع اقتداؤه بالذي توضأ بالإناء الثالث؛ لأنه يعتقد أنه محدث نجس.
وإن لم يغلب على ظنه إلا طهارة ما توضأ منه فقط، قال صاحب "التلخيص": لا يجوز لواحد منهم الاقتداء بواحد من صاحبيه؛ لأنه متردد في أنه محدث ونجس، أو متطهر؛ فلم يصح اقتداؤه به؛ كالخنثى المشكل.
وقال أبو إسحاق وابن الحداد - وهو الأصح - يجوز لكل واحد منهم أن
يقتدي بواحد من صاحبيه؛ فإذا اقتدى به فى صلاة لا يجوز أن يقتدي بالآخر في صلاة أخرى.
وعلى هذا لو اقتدى يكل واحد في صلاة، قال أبو إسحاق: وجب عليه إعادة الصلاتين؛ لأن إحداهما باطلة لا بعينها؛ فيلزمه قضاؤهما.
وقال ابن الحداد والأكثرون: لا يجب إلا قضاء الثانية فقط؛ فإنه لو اقتصر على الاقتداء بالأول لما كان عليه قضاء.
ونظير الخلاف في هذه المسألة ما إذا باع الوكيل بأكثر مما يتغابن [الناس] بمثله، [فهل يضمن القيمة، أو الزائد على القدر الذي يتغابن بمثله، و] من حيث الصورة ما إذا كان له زوجتان؛ فأرضعت امرأة إحداهما بعد الأخرى؛ هل ينفسخ نكاحهما، أو نكاح الثانية فقط؟
وعن بعضهم: أن محل خلاف أبي إسحاق وغيره في قضاء الصلاتين أو الثانية فقط؛ إذا سمع بينهم صوت، وأنكر كل منهم أن يكون الخارج منه.
أما فى مسألة الأوانى [فلا يجب إلا قضاء الأخيرة فقط [بلا خلاف].
والفرق: أن الاجتهاد في الأواني] جائز؛ فكأن كل واحد اجتهد في إنائه وإناء إمامه إلى أن تتعين النجاسة في الأخير، ولا مجال للاجتهاد في مسألة الصوت.
ولا يخفى بعد ما ذكرناه عليك الحكم فيما إذا كثرت الأواني، والمجتهدون.
الثالث - وهو فرع الأول-: لا يجوز لمن اختلف اجتهادهما في القبلة أن يقتدي أحدهما بالآخر؛ لأنه بزعمه غير مستقبل، والحكم في الجمع هكذا؛ لأن جهة القبلة واحدة.
الرابع: أن صلاة الشافعي خلف حنفى [إذا] توضأ، ومس فرجه - لا تصح؛ لأنه بزعمه محدث، وهو ما حكاه الرافعي عن الشيخ أبي حامد، وقاسه
على [اختلاف] اجتهادهما في القبلة.
قال الرافعي: وهو أظهر عند الأكثرين، ولم يذكر الرويائي في الحلية سواه.
وقال القفال: تصح صلاته خلفه؛ لأن صلاة الإمام صحيحة عند نفسه، وخطؤه عندنا غير مقطيع به؛ فلعل الحق ما ذهب إليه.
والخلاف جار فيما لو صلى الحنفي خلف شافعي على وجه لا يراه الحنفي صحيحاً؛ مثل أن فصد وصلى من غير وضوء.
وحاصله يرجع إلى [أن] الاعتبار في الصحة والفاد باعتقاد المقتدي، أو المقتدى به، وعلى هذا [المأخذ] يخرج ما لو صلى الحنفي على وجه لا يعتقده صحيحاً، فاقتدى به شافعي، وهو يعتقده صحيحاً - فعلى ما ذكره الشيخ أبو حامد يصح اقتداؤه، وعلى ما ذكره القفال: لا يصح.
وعليه أيضاً يخرج ما إذا ترك الإمام قراءة الفاتحة، أو الاعتدال في الركوع والسجود؛ لاعتقاده عدم وجوب ذلك، هل يصح اقتداء من يرى وجوب ذلك به، أم لا؟ وسنذكره في الباب، إن شاء الله تحالى.
قال: ولا صلاة رجل ولا خنثى خلف امرأة؛ أما امتناع صلاة الرجل [خلف المرأة]؛ فلقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِسَاءِ﴾ [لنساء: 34].
قال الشافعي - رحمه الله -: فقصرن عن أن يكن لهن ولاية، وقيام، ولقوله عليه السلام: "أخروهن من حيث أخرهن الله سبحانه".
فإذا أوجب تأخيرهن حرم تقديمهن، وإن صح قوله - عليه السلام-: "لا تؤمن امرأة رجلأ" أغنى في ذلك.
وقد حكي عن المزني وأبي ثور أنه يجوز أن تؤم الرجال في صلاة التراويح.
وبعضهم يضيف إلى ذلك شرطاً آخر: ولا يكون ثم قارئ غيرها، وأنها تقف خلفهم.
واحتجا على ذلك بما روي عن أم ورقة بنت نوفل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزورها في بيتها؛ فجعل مؤذناً يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها.
رواه أبو داود.
وجه الدلالة منه أنه عام في التراوح وغيرها، وفي الرجال والنساء.
وجوابه: أن الدارقطني قال: إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها، ويجب الحمل على ذلك؛ فإنها كانت تؤم في الفرائض؛ [ولذلك] جعل لها مؤذناً، والأذان إنما يشرع في الفرائض.
وامتناع صلاة الخنثى [خلفها]، لاحتمال أن يكون رجلاً.
قال: ولا خنثى، أي: ولا تجوز صلاة رجل ولا خنثى خلف الخنثى.
ووجه امتناع صلاة الرجل خلف الخنثى احتمال كون الخنثى امرأة.
ووجه امتناع صلاة الخنثى [خلف الخنثى] احتمال كون الخنثى الذي هو إمام امرأة، والخنثى الذي هو مأموم رجلاً.
ثم هذا مخصوص بالخنثى المشكل، الذي لم تبن رجولته ولا أنوثته؛ فإن بانت ذكورته جاز للرجال الاقتداء به مع الكراهة [وإن بانت أنوثته جاز له الاقتداء بالمرآة مع الكراهة]، ومع الإشكال قال القاضي الحسين والإمام: إنه من المسائل التي يلغز بها: إذا اجتمع جماعة من الخناثى، وأمّهم أحدهم أين يقف؟
واعلم: أن الشيخ لو قال: ولا تجوز صلاة ذكر خلف امرأة ولا خنثى، كان أولى من قوله: "رجل"؛ لأن لفظ "الرجل" مختص بالبالغ، والصبي في هذا كالبالغ؛ نص عليه في "الأم"، ولفظ "الذكر" يشملهما.
وقد أفهم كلام الشيخ جواز اقتداء المرأة بالخنثى، وذلك جائز اتفاقاً؛ لأنه كيف كان صحت قدوتها به.
قال في "الزوائد": وإذا صلى بنسوة لا يقف وسطهن، [بل] أمامهن، ولا يجوز أن يصلي بهن إلا أن يكون معهن محرم لإحداهن، ولو كثرن فهل تحرم الخلوة بهن؟ فيه وجهان حكاهما القاضي في كتاب الجنايات؛ بناء على أن المرأة إذا أرادت الحج، ووجدت نساء ثقات - هل يقمن مقام المحرم، والمذكور منهما في "البندنيجي": الجواز؛ لأنه قال: يكره للرجل أن يؤم نساء غير محرم لهن، ولا يكره إذا كان محرماً لهن؛ فإن كان معهن رجل، لم يكره بحال.
والذي حكاه الإمام في كتاب الحج، عن [نص الشافعي: المنع؛ فإنه قال:] نص الشافعي على أنه لا يجوز للرجل أن يؤم بنساء مفردات؛ فيصلي بهن، إلا أن تكون إحداهن محرماً له.
قال: [ولا طاهر] خلف المستحاضة؛ لأن طهارتها طهارة ضرورة، وهى حاملة للنجاسة، وهذا ما ادعى أبو الطيب - عند الكلام في إمامة المرأة - أنه المشهور.
قال وقيل: يجور دلك؛ كما تجوز صلاة المستنجي خلف المتجمر، والغاسل للرجلين خلف الماسح للخف، والمتوضئ خلف المتيمم، وهذا أصح في "التهذيب"، و"الكافي" و"الرافعي".
وقال الإمام: إنه الذي كان يقطع به شيخي، وهو مذهب نقلة المذهب، وإن الأول ذكره بعض أئمة العراق، وهو زلل لا أصل له، والخلاف جار في اقتداء من لا سلس بول به بمن به سلس البول؛ قاله القاضي الحسين.
أما من به ذلك، فقد أفهم كلام الشيخ صحة اقتدائه بمثله، وهو نظير ما جزم به الأصحاب فى صحة إمامة الأمي بمثله.
وهذا إذا كانت المستحاضة غير مأمورة بالقضاء، أما إذا أمرناها بقضاء الصلوات؛ بأن كانت ناسية للعادة والوقت، وقلنات [نأخذ بالأحوط -] فيظهر أن
يكون حكم الصلاة خلفها كالصلاة خلف من لم يجد ماء ولا تراباً، وقد سبق، ويرشد إلى ذلك تصوير الرافعي محل الخلاف في المستحاضة بالمعتادة، وقد رأيت النواوي في "الروضة" صرح به في كتاب الحيض؛ فقال: لا تجوز صلاة المتحيرة خلف مثلها على الصحيح.
قال: ولا تجوز صلاة قارئ خلف أمي، ولا أخرس، ولا أرت، ولا ألثغ في أحد القولين.
هذا الفصل ينظم أربع مسائل مشتركة في الحكم والتعليل:
فالأولى - وهى الأصل وما بعدها كالفرع لها-: صلاة القارئ، والمراد به هاهنا: من يحفظ الفاتحة، خلف الأمى، والمراد [به] هنا: من لا يحفظ الفاتحة، وإن كان حقيقة فيمن لا يكتب، قارئاً كان أو غير قارئ، سمى بذلك؛ لأنه على الهيئة التي ولدته أمه.
وقد قال الشيخ: في صحتها قولان:
أحدهما: أنه لا يجوز؛ لقوله عليه السلام؛ "يؤم القوم أقرؤهم" فلا يجوز مخالفته؛ بجعل الأقرأ مأموماً، ولأن الإمام بصدد أن يتحمل عن المأموم القراءة لو أدركه راكعاً، والأمي لا يصلح للتحمل.
والقول الثاني: سكت عنه الشيخ هنا، والمتبادر إلى الفهم منه الجواز مطلقاً، وبه صرح هكذا في "المهذب".
ووجهه: القياس على جواز اقتداء القادر على القيام بالقاعد والمومئ بالركوع والسجود، وإن تورعنا في ذلك، قلنا: اقتداء القائم بالقاعد هو آخر الأمرين من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجب اتباعه، ونأخذ جواز اقتداء القائم والقاعد بالمومئ بالقياس.
وهذا القول قد اختاره المزني، وابن المنذر، والقاضي أبو الطيب، كما رأيته في "تعليقه"، وادعى الغزالي أنه قول قديم، وهو في ذلك متبع لإمامه، [والقاضي الحسين]؛ فإنه قال هكذا في باب صلاة الإمام قاعداً.
وغيرهم ذكر عوض هذا القول: أنه لا تصح صلاته خلفه في الجهرية، وتصح
في السرية، وعزوا ذلك إلى نصه في القديم، وهو اختيار المزني، كما قال البندنيجي، وقال [إن] ابن سريج وأبا إسحاق قالا: هذا من الشافعي تفربع على أن المأموم لا يقرأ في الجهرية، ويقرأ في السرية.
وأن القول بالصحة خلفه مطلقاً من تخريجهما، خرجاه في الجديد من معنى قوله في القديم؛ لأنه [رعى] القديم حيث جوز وجوب القراءة على المأموم، ومذهبه في الجديد أن القراءة تجب على المأموم في الجهرية والسرية؛ فوجب أن يكون له قول بالجواز مطلقاً، وقد حكاه هكذا الجمهور، وكذا القاضى الحسين فى باب اختلاف نية الإمام والمأموم، وقال هو والصيدلاني; إن من الأصحاب من لم يثبت هذا القول المخرج، وسبب الاختلاف أن أصحابنا اختلفوا فيما إذا كان للشافعي نصان خالف الأخير منهما الأول هل يكون الآخر رجوعاً عن الأول؛ كما لو صرح بالرجوع عنه، أو لا؟
فمنهم من قال: يكون رجوعاً؛ فعلى هذا: لا يأتي في الجديد إلا قول واحد: أنه لا يصح اقتداء القارئ بالأمي.
ومنهم من قال: [لا] يكون رجوعاً؛ لأنه قد ينص في موضوع واحد على قولين، فيجوز أن يدكرهما متعاقبين؛ فعلى هذا: يكون له قول آخر في الجديد: أنه يصح.
والأصح في الطرق الأول، والفرق بين ذلك وبين اقتداء القاعد والقائم بالمومئ: أن سائر الأركان من القيام والركوع ونحوهما، لا مدخل للتحمل فيها، وكذا الطهارة، بخلاف القراءة.
قال الإمام: ولا يعارض ذلك سقوط القراءة عن المسبوق في القيام؛ فإن القيام تبع للقراءة؛ فإذا سقطت، سقط المحل.
وهذا منه فيه نظر؛ لأنه قال في صلاة المريض: إن القيام في الصلاة عندنا [يجب] لنفسه وعينه.
وقد حكى ابن يونس طريقة أخرى في المسألة؛ وهى: تنزيل النصين على
حالين؛ فحيث قال: لا تصح؛ أراد: إذا كان يقدر على إصلاح لسانه، وحيث قال: تجوز، [أراد]: إذا كان لا يقدر على ذلك.
[وهذه الطريقة لم أرها كذلك، بل الإمام جعل محل الخلاف إذا كان لا يقدر على ذلك،] وبه صرح في التهذيب أيضاً، قال: ويلتحق بذلك ما إذا كان يقدر، لكنه لم يمض عليه بعد إسلامه زمان إمكان التعلم؛ فإن مضى، ولم يتعلم، لم يصح الاقتداء به؛ فإن صلاته مفتقرة إلى الإعادة.
وظاهر كلام الشيخ والأصحاب: أن محل الأقوال مع علم المأموم بحال الإمام، أما إذا لم يعلم فسيأتي حكمه.
وقال في "الحاوي": إن علم ذلك، لم تصح صلاته قولاً واحداً، ولا يختلف مذهب الشافعي في ذلك، وإن لم يعلم، فعلى الأقوال.
والذي دل عليه كلام الأصحاب الأول؛ فإنهم قالوا: إذا اقتدى القارئ بمن لا يعرف أنه قارئ أو أمي؛ هل يجب عليه البحث عن حاله، أو لا؟ وهل يعيد الصلاة، أو لا؟ ينظر:
فإن كانت الصلاة سرية، فلا [يجب عليه البحث] عن حاله؛ كما لا يجب عليه البحث عن طهارة الإمام، ولا يجب عليه إعادة الصلاة [إذا استمر اللبث]؛ لأن الظاهر من حاله أنه يحسن القراءة، وأنه تطهر.
وإن كانت جهرية، قال الإمام: فالذي ذهب إليه أئمتنا: أنه يجب البحث عن حاله؛ فإن أسر - والصلاة جهرية - يخيل أنه لو كان يحسنها، لجهر بها؛ فإن صلى خلفه من غير بحث؛ لم تصح صلاته.
قال الإمام: ومن أصحابنا من قال: لا يجب البحث في هذه الصورة أيضاً؛ فإن الجهر الذي تركه هيئة من هيئات الصلاة؛ فلا أثر له، وللإسرار محتمل آخر سوى جهل القراءة، وهو أنه نسي أن الصلاة جهرية؛ فأسر بها، وعلى هذا يكون الحكم كما لو كانت سرية.
والذي أورده العراقيون: الأول؛ لأن الأصل أنه لا يحسنها، وقد اعتضد بالظاهر، [نعم، إن]، قال: [أنا] أحسنها، ولكني لم أجهر؛ لعلمي بأن الجهر ليس بواجب، وقد قرأت - فلا تجب [عليه الإعادة].
قال القاصى الحسين: ويستحب.
الثانية: صلاة القارئ خلف الأخرس، وفيها الخلاف السابق؛ لأنه أمي حقيقة.
الثالثة، والرابعة: صلاة القارئ خلف الأرت، والألثغ، وفيهما الخلاف السابق؛ لأنه أمي في البعض الذي، [لا] يقدر على النطق به.
والأرت - بالتاء ثالثة الحروف -: الذي يسقط بعض الحروف في كلامه؛ كذا قاله بعضهم.
ويقرب منه ما حكاه فى "الحاوي"؛ عن الشافعى: أنه الذي لا يقدر على الكلمة إلا بإسقاط بعضها.
وقال غيره: هو الذي يبدل حرفاً بحرف [ولا يبين الحروف.
وقال في "الشامل": هو الذي في لسانه رتة؛ فيدغم حرفا في حرف، ولا يبين الحروف.
وفي "التهذيب": أنه الذي يبدل الراء بالياء.
والألثغ: هو الذي [يبدل حرفاً بحرف]؛ كإبدال الراء غيناً، والسين ثاء؛ قاله الجوهري.
وقيل: هو الذي] يبدل الراء باللام.
وقيل: هو الذي في لسانه رخاوة، ولا يمكنه الإتيان بالتشديدات كلها، كلسان الصبي.
قال القاضي الحسين: فعلى هذا ينظر فيه؛ فإن أمكنه أن يأتي بأصل التشديدات، ولكن لا يبالغ [فيها؛ فتكره الصلاة خلفه، وتجوز، وإن لم يمكنه الإتيان بأصل التشديدات]؛ ففي صحة الصلاة خلفه الخلاف.
وإذا قلنا بالجديد الصحيح في هذه المسائل؛ فلا تجوز صلاة الألثغ خلف الأرت، وبالعكس، قاله القاضي الحسين، وهل تصح صلاة من يبدل حرفاً بحرف خلف من يبدل حرفاً غيره بحرف آخر؟ فيه وجهان في "الحاوي"، أصحهما: المنع.
فرع: هل تجوز صلاة القارئ خلف من يلحن في الفاتحة؟ ذلك ينبني على أن صلاته مع اللحن هل تصح، وقد قال الأصحاب: إنه ينظر فيه:
فإن كان لحنه لا يخل بالمعنى؛ بأن ينصب الدال من ﴿الْحَمدُ﴾ [الفاتحة: 2]، أو يرفع الهاء في اسم "الله" - تعالى - أو قال: الهمد لله؛ كما قال القاضي الحسين فى باب صفة الصلاة - صحت صلاته.
وقال القاضي الحسين هنا: يحتمل عندي فيما إذا قال: "الحمد لله" بالنصب أو الخفض، وجهين:
أحدهما: الصحة؛ لأنه خطأ فى الإعراب.
والثاني: لا تصح؛ لأنه لا يكون قرآناً؛ لأنه كما يكون إعجازاً في نظمه؛ فكذا في الإعراب؛ فينبغي أن يأتي به نظماً وإعراباً.
وقد أقام المتولي هذين الاحتمالين وجهين في المألة في الاعتداد بالقراءة؛ هكذا قله فى صفة الصلاة.
وإن كان لحنه يحيل المعنى، أو يعطله، كضم تاء ﴿أَنْعَمْتَ﴾ [الفاتحة: 7]، وكسر الكاف في ﴿إِيَّاكَ﴾ [الفاتحة: 5]-لم تصح صلاته إن تعمد ذلك؛ لأنه كلام عمد، وإن كان ساهياً سجد للسهو.
قال القاضي الحسين في باب صفة الصلاة: ويقطع [به] نظم الفاتحة.
وهذا إذا أمكنه التعلم فلم يتعلم، وصلى، وإن لم يمض عليه زمان يمكنه فيه التعلم، [أو كان] لا يطاوعه لسانه على الصواب صحت صلاته.
وعلى هذين الحالين - أعني: حالة إمكان التعلم، وعدمه - حمل الأصحاب قول الشافعي هاهنا: "أجزأهم دونه"، وقوله في استقبال القبلة: "لا تجزئ صلاته، ولا صلاة من خلفه"، كذا قاله ابن الصباغ.
فإذا عرفت ذلك، قلنا: صلاة القارئ خلفه حيث لا تصح صلاته في نفسه، [لا تصح، وحيث تصح صلاته في نفسه]، صحت مسقطة للقضاء، [و] في صحة اقتداء القارئ به الخلاف في الأمي، وصلاة من هو مثله خلفه جائزة وجهاً واحذاً، نعم لوكان لحنه في آية من الفاتحة، ولحن من [خلفه فى] أخرى من الفاتحة، وقلنا: لا يجوز أن يقتدي القارئ بالأمي - ففي صحة القدوة هنا وجهان في "الحاوي":
وجه الجواز: اشتراكهما في اللحنين، وإن اخلف.
وأصحهما: المنع؛ لأنه يفضل على إمامه فيما قصر عنه، وهذا ما أورده الإمام؛ حيث قال: من يلحن في النصف الأخير، لا يقتدي بمن يلحن في النصف الأول.
ولو كان لحنه في غير الفاتحة، قال الأصحاب: فصلاته صحيحة، وكذا صلاة من خلفه.
قال الإمام: وهذا إذا كان لا يقدر على تصحيح لسانه، أوكان قادراً على الإتيان باللفظ معرباً، لكنه سبق لسانه إلى اللحن، أو جهل، أما إذا تعمد ذلك، وكان اللحن يغير المعنى؛ فصلاته باطلة وصلاة من خلفه، كالصلاة خلف المحدث.
ثم في منع من لا يقدر على إصلاح لسانه من القراءة نظر؛ لأن الكلمة التي يلحن فيها بمنزلة كلمة من غير القرآن، وهذا مادته ما حكيناه عن القاضي الحسين [من قبل، وبالجملة فإمامه من يلحن في قراءته مكروهة، قاله القاضي الحسين]، وغيره؛ اتباعاً لنص الشافعي.
والاقتداء بالعجمي الذي يأتي بالقراءة بالعجمية، كالاقتداء بمن يلحن في الفاتحة سواء؛ قاله الماوردي وغيره؛ اتباعاً للنص أيضاً.
واعلم أن ما ذكره الشيخ في هذا الفصل يفهم أموراً:
أحدها: جواز صلاة الأمي والأخرس والألثغ والأرت، خلف مثله، نبه على ذلك قوله: "قارئ"، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأصحاب.
الثاني: أن صلاة القارئ خلف الفأفاء، وهو الذي يردد الفاء ثم ينطق بها، وخلف التمتام، وهو الذي يردد التاء ثم ينطق بها صحيحة، نبه عليه قوله; "ولا أرت، ولا ألثغ"؛ إذ لو كان غيرهما في الحكم كهما لذكره، وقد صرح الأصحاب بذلك، وقالوا: يكره أن يؤما؛ لأجل التطويل.
قال الشافعي: الاختيار في الإمام أن يكون فصيح اللسان، حسن البيان، مرتلاً للقرآن؛ فكذا يكره إمامة من ينطق بالحرف بين حرفين؛ كالعربى الذي ينطق بالقاف بين الكاف والقاف؛ قاله الروياني وغيره.
الثالث: منع اقتداء القارئ من الشافعية خلف الحنفي إذا لم يأت بالفاتحة؛ بناء على أن صلاته خلف الأمي لا تصح؛ لأنه كالأمي في [حقه، وكذا خلف المالكي؛ لأنه كالأمي في] البعض؛ بسبب أنه يسقط بعض الفاتحة، وهو البسملة.
وقد حكى الفوراني، وشيخه المسعودي، والمتولى فى صلاة الشافعى خلف الحنفى ثلاثة أوجه:
أحدها: الصحة مطلقاً؛ سواء قرأ الفاتحة أو لا؛ نظراً لاعتقاد الإمام؛ كما تقدم، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب عن الداركي، واختاره القفال، واستشهد له- كما قال القاضي الحسين - بأن الشافعي نص على أن الإمام لو ترك [قراءة أم] القرآن مع القدرة عليها؛ بأن كان حنفي المذهب - صحت صلاة القارئ خلفه.
قال القاضي: وهذا صريح فيه.
قال في "التتمة": وعلى هذا لو ترك إمامه الاعتدال في الرمع والسجود،
وفعله هو؛ فهل تصح صلاته، أم لا؟ فيه وجهان.
ووجه المنع: أن المخالفة قد ظهرت في الأفعال؛ بخلاف ترك القراءة، والرافعي جعل المسألتين على السواء.
والثاني; عدم الصحة مطلقاً؛ نظراً لاعتقاد المأموم؛ فإنه إذا لم يأت بها، أخل بركن الصلاة بزعمه، وإن أتي بها، فكذلك؛ لأنه لا يعتقد وجوبها؛ فصار كأنه لم يأت بها.
قال المتولي: وهذه طريقة من يقول: إن الفرض لا يتأتي بنية النفل.
وعلى هذا قال القاضي الحسين; [النص محمول على ما إذا ترك الإمام القراءة ناسياً.
وهذا ما حكاه القاضي الحسين]، والرويانى، عن أبي إسحاق، وهو الإسفراييني؛ كما قال الرافعي، والقاضي الحسين قبل باب سجود الشكر بثلاث عشرة ورقة، لا المروزي؛ كما ستعرفه، وهو اختيار الشيخ أبي حامد والقاضي الحسين أيضاً.
والثالث: إن لم يأت بها، لم يصح اقتداؤه [به]؛ لفقد الركن بزعم المأموم، وإن أتى بها، صح.
قال الغزالي في بعض كتبه: ولا أثر لقول من يقول: إنه لا يعتقدها ركناً، واجبةً؛ لأن نية الصلاة شاملة لجمع أركانها، ولا يشترط إفراد كل فعل بنية.
قال المتولي: وهذه طريقة من يقول: إن الفرض يتأدى بنية النفل.
وقد نسب الماوردي وأبو الطيب هذا الوجه إلى أبي إسحاق المروري؛ حيث حكينا عنه أنه قال: إن تيقنا أنهم تركوا شرطا، مثل: النية في الوضوء،
و ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في الفاتحة - فلا تصح الصلاة خلفهم؛ لأنا نتيقن بطلان صلاة من ترك ذلك، وإن تيقنا أنهم أتوا به، صحت الصلاة خلفهم، وقد اختار هذا الجمهور؛ كما قال الرافعي.
وعلى هذا: لو شككنا هل ترك ذلك، أو أتى به- صح أيضاً؛ كذا حكاه عن "فتاوي" الغزالي، وهو المعزيُّ إلى أبي إسحاق؛ موجهاً له بأن الظاهر منه أنه أتى به؛ لأنه يستحب عندهم، وقد اقتصر البندنيجي على حكاية هذا.
وفيه دليل على اختيار الوجه الثالث؛ لأن هذا فرعه.
وعن أبى الحسن العبادي: أن الأودني والحليمي قالا: إذا أم الوالي أو نائبه بالناس، ولم يقرأ التسمية، والمأموم يراها واجبة - فصلاته خلفه صحيحة، عالماً كان أو عاميًّا، وليس له المفارقة؛ لما فيها من الفتنة.
قال الرافعي: وهو حسن، وقضيته: الفرق بين الإمام وخلفائه وبين غيرهم.
يعني: فيما إذا ترك الوضوء بعد مس الذكر، أو الاعتدال في الركن والسجود، وقد قدمنا فيه وجهين فى الباب، ووعدنا ثم بذكر زيادة فيه، وهى ما ذكرناه هاهنا.
وعلى كل حال؛ فهل تكره صلاة الشافعي خلف الحنفي، أو لا؟
قال في "الكافي": لا تكرم.
وقال البندنيجي: تكره؛ لاحتمال أنه لم يأت فيها بما يعتقده ركنا.
وفي "الزوائد": أن صاحب "الفروع" حكى عن أبي إسحاق: أن صلاة الرجل منفرداً أفضل من الائتمام بالحنفي.
وقيل: بل الائتمام بالحتفي أفضل من الانفراد.
قال: ولا تجوز صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر؛ أي: إتماماً، آو قصرا؛ لأن الإمام شرط في الجمعة، ومصلي الظهر ليس في جمعة؛ فقد صارت الجمعة بغير إمام؛ فلم تصح.
وفى "المهذب" حكاية وجه آخر: أنه يجوز؛ لأن أكثر ما فيه أن نيته مخالفة لنية المأمومين، وذلك لا يمغ صحة الصلاة؛ كما قلنا في مصلي الفرض خلف المتتفل، والمقيم خلف المسافر.
وقد ادعى بعضهم أن هذا هو النص؛ أخذاً من قوله في "الأم": "وإذا أحدث الإمام في الجمعة، بعدما أحرم وأحرموا؛ فقدم رجلاً منهم لم يدرك الخطبة، إلا أنه كبر خلفه قبل الرمح في الركعة الأولى؛ فصلى [بالناس تمام الركعة، ثم أحدث؛ فقدم رجلاً لم يدرك معه الركعة الأولى، فصلى] هذا الإمام الثالث الركعة الأخرى -[تمت]، صلاة القوم، وأضاف هو إلى الركعة التي صلاها ثلاث ركعات، تكون له ظهراً"؛ فقد جوز الجمعة خلف من يصلي الظهر.
ومن قال: إنه لا تجوز الجمعة خلف من يصلي [الظهر]، قال: يحتمل أن يكون الشافعي إنما أجاز هذا؛ لأنه انعقدت صلاته جمعة؛ فجاز تقديمه، ولم تجز جمعته؛ لأنه يكمل بنفسه إذا لم يدرك الركعة الأولى، ولم يكمل بإمامه؛ لأن إمامه لم يحضر الخطبة، وإنما هو تابع للإمام الأول؛ كذا قاله الروياني في "تلخيصه".
والجواب الصحيح ما قدمناه في مسألة الاستخلاف؛ فليطلب منه.
وقيل: إن كان يصلى الظهر مقصورة، جازت الجمعة خلفه؛ بناء على أن الجمعة ظهر مقصور، وهو ما ادعى فى "التتمة"، أنه ظاهر المذهب، قال: لأن الجمعة ظهر مقصور على ظاهر المذهب.
قلت: ويظهر أن يقال: إن تم العدد بالإمام، فلا تصح الجمعة خلفه؛ سواء أتى بالظهر قصراً أو إتماماً، وإن تم بدونه فهو محل الخلاف، ويشهد لذلك ما سنذكره في صلاة الجمعة خلف المحدث، والذي ذكره الشيخ لم يورد ابن الصباغ والماوردي- في باب اختلاف نية الإمام والمأموم- غيره، وهو ما حكاه البندنيجي عن الأصحاب، إلا الشيخ أبا حامد، وإلى ترجيحه يرشد كلام القاضي
أيي الطيب في مألة الاستخلاف.
وكون الجمعة ظهراً مقصوراً، ستعرف ما فيه فى باب: صلاة الجمعة.
وقد أفهم قول الشيخ منعها خلف من يصلي غير الظهر من طريق الأولى؛ فإن الظهر أقرب إليها من غيرها، وإذا امتنعت كان غيرها بالامتناع أولى، والوجه المذكور فى صحتها خلف من يصلى الظهر مذكور فيه أيضاً.
قال: وفي جوازها خلف صبي، أو متنفل- أي: بها - كالعبد، والمسافر يصلي الظهر، ثم يصلي الجمعة؛ كما قاله البندنيجي- قولان؛ أي: إذا تم العدد بدونه.
ووجه المنع: أنه ليس من أهل فرض الجمعة؛ فلم تنعقد وراءه؛ كالمرأة.
وهذا ما رجحه الشيخ أبو محمد، وأبو القاسم الكرخي، وطائفة.
ووجه الجواز: أنه ذكر: [أنه]، تصح جمعته مأموماً؛ فوجب أن تصح جمعته إماماً؛ كمن هو من أهلها، وبالقياس على سائر الصلوات.
وهذا ما اختاره في "المرشد"، قال الرافعي: وهو قضية كلام الأكثرين، [وأطبقوا على] أن الجواز في المتنفل أظهر منه في الصبي.
قلت: وفيه نظر؛ لأن القاضي أبا الطيب وابن الصبلغ حكيا القولين في الصبي، ونسبا المنع إلى نصه في "الأم"، والجواز إلى نصه في "الإملاء"، وقاسا المنع على المتنفل، وهذا يدل على أنه لا خلاف عندهما في المتنفل في عدم الصحة، لكن المشهور طرد الخلاف فيه كما ذكره الشيخ؛ صرح به البندنيجي، والفوراني، والإمام، وغيرهم؛ وكذا القاضي أبو الطيب في باب اختلاف نية الإمام والمأموم، واستشهد للجواز فيه بنص الشافعي في صلاة الخوف؛ حيث قال: "ولو اشتد الخوف، وأحاط بهم العدو؛ فصلى الإمام [يوم الجمعة بهم] صلاة الظهر، ثم انكشف العدو، والوقت بعد باق؛ فخطب، وأم طائفة منهم لم يصلوا الظهر - جاز، والإمام متتفل؛ لأنه قد أدى فريضة الوقت".
وما ذكرناه من تصوير المتنفل مفرع على الجديد في أن أرباب الأعذار إذا
صلوا الظهر، ثم الجمعة، كانت نفلاً دون ما إذا قلنا: إن الله يتقبل أيهما شاء؛ كما هو القديم.
وقد أفهم كلام الرافعي أن الخلاف في المتنفل غير الخلاف في العبد، والمسافر؛ إذا صليا الظهر، ثم أما في الجمعة.
أما إذا لم يمل العيد والمسافر [الظهر] جاز أن يكون إماماً فيها؛ لأن بها يسقط فرض الوقت عنه، وعلى ذلك نص في "المختصر"، وكذا في "الأم" في حق المسافر؛ حيث قال: إذا تقدم مسافر؛ فصلى بالناس الجمعة، ثم إن مسافراً آخر صلى خلفه، ونوى الظهر مقصورة - يلزمه الإتمام، وقد وجه بقوله – عليه السلام-: "صلوا الجمعة وراء كل بر وفاجر، وإن أُمِّر عليكم عبد حبشي؛ فاسمعوا وأطيعوا ما أقام لكم الصلاة".
وحكى القاضي الحسين أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني خرج قولاً: أنها لا تصح خلفهما أيضاً، [قال]: وهو القياس.
ويقرب منه ما قاله الشخ أبو محمد: إن ذلك ينبنى على أن الإمام هو من الأربعين، أو لا:
فإن كنا لا نعده من الأربعين فلا يضر أن يكون الإمام عبداً أو مسافراً؛ إذا كمل العدد دونه.
وإن قلنا: إنه معدود من الأربعين، وكمل العدد دونه؛ ففي صحة إمامة العبد والمسافر وجهان:
أحدهما - وهو ظاهر المذهب-: الصحة؛ فإن العدد قد تم في كاملين، وجمعة العبد صحيحة.
والثاني: أنه لا يصح؛ فإن الإمام إذا عد في الأربعين، فهو ركن؛ فينبغي أن يشترط فيه الكمال، وإن كثر القوم وكملوا.
قال الإمام: وهذا، وإن أمكن توجيهه، فلا أعده من قاعدة المذهب.
وقد أفهم كلام الرافعي استشكال البناء المذكور؛ حيث قال: هذا البناء واضح لو كان الخلاف في أن الإمام هل هو واحد من العدد المشروط، أم لا؟ ولكن الخلاف في أنه هل يشترط أن يكون زائداً على الأربعين، أم يكتفى بأربعين أحدهم الإمام، ولا يلزم من الاكتفاء بأربعين أحدهم الإمام أن يكون الإمام واحداً من العدد المشروط إذا زاد على الأربعين.
قال: ولا تجوز الصلاة خلف من يصلي صلاة يخالفها في الأفعال الظاهرة: كالصبح خلف من يصلي الكسوف، والكسوف خلف من يصلي الصبح؛ لما بينهما من الاختلاف المفوت لاتظام الاقتداء؛ ولأنه لا يمكن الاقتداء به مع المخالفة.
وهذا ما حكاه العراقيون والماوردي، وهو الأصح عند المراوزة، وحكوا وجهاً آخر: أنه يجوز، وطردوه فى المصلي على الجنائز، وخلف الساجد للتلاوة والشكر؛ كما قاله القاضي الحسين أيضاً، وعلى هذا إذا اقتدى مصلي الصح خلف مصلي الكسوف تابعه في الركوع الأول؛ فإذا شرع الإمام في القيام الثاني للكسوف - انتظره راكعاً؛ فإذا رفع الإمام من الركوع الثاني، رفع معه وسجد، وهذا ما حكاه المسعودي عن القفال.
قال الإمام: وإنما انتظره في الركوع دون الرفع منه؛ لأن الركوع ركن طويل، والرفع منه قصير؛ [فلو انتظر فيه، لكان مطولاً لركن قصير].
وفي "الكافي" أن القفال قال: تصح القدوة، وإذا قام الإمام إلى [القيام] الثاني، فارقه.
قلت: وليس الأول على وجه الجزم، وكذا الثاني، بل الأمران إلى خيرة المقتدي: فإن رام ألا يفارق الإمام حتى يسلم معه، انتظره راكعاً، وإن رام أن يفارقه، فارقه عند القيام الثاني، وبه صرح الأصحاب.
قال الإمام: ولم يَصِرْ أحد من أصحابنا إلى أنه يوافق إمامه؛ فيركع
ركوعين، وإن كان المأموم قد يأتي بأفعال لا تحسب له؛ يسبب الاقتداء؛ كما في المسبوق يدرك الإمام بعد الرفع من الركوع، والسبب فيه: أن نظم صلاة الكسوف يخالفه نظم الصلاة التي تلبس المقتدي بها، وتلك الأفعال التي يوافق الإمام فيها المقتدي المسبوق، وإن كانت لا تحسب له من صلاة المقتدي في الجملة، والمقتدي بالمصلي على الجنازة لا يتابعه في التكبيرات وغيرها؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره، وفائدة اقتدائه به حصول فضيلة الجماعة.
وكل هذا تفريع على هذا الوجه البعيد، وإذا فرعنا على مقابله، وهو عدم صحة صلاة الظهر خلف من يصلي الكسوف؛ فهل صلاة الاستسقاء والعيدين، كصلاة الكسوف، أم لا؟
قال الرافعي: فيه خلاف: الذي ذكره ابن الصباغ في صلاة الاستسقاء: أنها كغيرها، وكذا الإمام، [و] قال القاضيان أبو الطيب والحسين: إنها كالكسوف.
قال في "الروضة": والصحيح [أنها كالصبح،] وبه قطع صاحب "التتمة".
وقد أفهم كلام الشيخ جواز اقتدائه بمن يوافقه في الأفعال الظاهرة، نإن اختلفت الأفعال الباطنة، وهي النيات، كما قاله القاضي الحسين وغيره؛ مثل: أن يصلي الظهر [قضاء] خلف من يصلى العصر أو العشاء، وبالعكس، [وكذا صلاة الصبح والمغرب خلف من يصلي الظهر ونحوه، والمفترض خلف المتنفل، وبالعكس،] وهو المذكور في طريقة العراق والمراوزة في أكثر الصور، والأصل فيه أن معاذاً كان يصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، ويمضي إلى قومه؛ فيصلي بهم، والقصة مشهورة، وصلاته في قومه نافلة [له]، ولا يقال: إنها الفرض والأولى نافلة؛ لأنه كان يحضر إقامتها، وقد قال عليه السلام: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، ومعاذ لا يترك ذلك، وقد قال جابر - وهو راوي الحديث-: "إن معاذاً كان يصلي خلف النيي صلى الله عليه وسلم العشاء، ئم ينصرف، ويصلي بقومه، هي لهم فريضة، وله نافلة"، وهذا لا يقوله إلا عن علم منه بالحال،
ويوافقه إجماع الصحابة في زمن عمر - رضي الله عنهم - روي أن عمر سمع صوتاً خلفه في الصلاة؛ فلما فرغ أعاد والحاضرون الصلاة والوضوء، وكانت صلاته وصلاة من لم يخرج منه الصوت [الثانية نافلة، وصلاة من خرج منه الصوت] فرضاً، ولم ينكره نكير، بل وقع ذلك باتفاق الحضور عليه.
وقد حكى المراوزة وجهاً آخر: أنه لا يجوز أن يصلي المغرب أو الصبح خلف من يصلي صلاة رباعية؛ لأجل التخلف عن الإمام لو صحت القدوة، نعم لو كان الإمام قد سبقه بركعتين جاز أن يقتدي به في الصبح، أو سبقه بركعة، جاز أن يقتدي به في المغرب؛ إذ لا تخلف حينئذ، وقد حكى الإمام والمسعودي هذا قولاً للشافعي، وادعى القاضي الحسين أن ظاهر كلامه في "المختصر" يدل عليه، وعلى هذا فهل يجوز أن يصلي صلاة الفرض خلف من يصلي صلاة التسبيح؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يجوز؛ فإذا رفع الإمام [رأسه] في الركوع هل يلزمه الخروج عن متابعته؟ يحتمل وجهين: الأصح: لا.
والصحيح صحة صلاة الصبح [والمغرب] خلف من يصلي الرباعية، وعلى هذا إذا صلى الصبح خلفه، تخير المأموم عند رفع الإمام رأسه من ركوع الثانية بين أن يفارقه ويقنت، وبين أن يتابعه، ولا محجوب عليه للسهو، وكذا في عكسه إذا صلى الظهر خلف من يصلي الصبح؛ فإذا قنت الإمام إن شاء أخرج نفسه من الجماعة، وإن شاء صبر ذلك القدر إن لم يطل.
ولو صلى المغرب خلف من يصلي الظهر، جلس عند قيام الإمام [في الثالثة]، وتشهد وسلم؛ فلو أراد أن ينتظره حتى يقعد؛ فيسلم معه، قال الإمام: لم يكن له ذلك، [و] على ظاهر المذهب: فإنه فارقه لما جلس للتشهد؛ فلا يتتظره بعدما فارقه.
قال الرافعي: ومنهم من أطلق جواز الاتتظار أيضاً.
قلت: ومادته صحة صلاة الخوف على النحو الذي رواه ابن عمر؛ كما ستعرفه، وحينئذ يجيء الكلام في تحمل الإمام سهوه بعد قيامه، أو لا؛ كما هو
مذكور ثم، ولو انعكس الحال؛ فكان الإمام في المغرب، والمأموم في ظهر أو عصر؛ فإذا جلس الإمام [للثالثة]، جلى المقتدي معه؛ للمتابعة، ولا يبعد أن يوافقه في التشهد، وإن كان لا يحسب له، وإذا سلم الإمام، قام إلى الرابعة.
قال: فإن صلى أحد هؤلاء خلف أحد هؤلاء، ولم يعلم ثم علم، أعاد؛ لبيان فقد شرط القدوة بتقصير المقتدي؛ فإن على كل [ما منع] منها أمارة ظاهرة تدل عليها.
قال: إلا من صلى خلف المحدث، [أي: حدثاً أصغر أو أكبر]؛ فإنه لا إعادة عليه في غير الجمعة؛ لما روي [أنه] عليه السلام: "خرج ذات يوم، وكبر لصلاة الصبح، وكبر الناس خلفه، ثم تذكر أن قد أصابته جنابة؛ فأومأ إلى القوم: كما أنتم، ثم دخل الحجرة، واغتسل، وخرج ورأسه يقطر ماء؛ فأتم [بهم] الصلاة"0
وجه الدلالة منه: أن القوم عقدوا الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حينئذ جنب، ولم يأمرهم بالاستئناف.
قال الرافعي: وقد روي أنه عليه السلام قال: "إذا صلى الإمام بقوم وهو على غير وضوء، أجزأتهم ويعيد هو".
والفرق بين الحدث وغيره: أنه لا تقصير من جهة المقتدي بالمحدث؛ إذ لا أمارة على الحدث.
ولا فرق بين أن يكون الإمام عالماً يحدثه، [أو جاهلاً.
وعن صاحب "التلحيص" حكاية قول: أنه إن كان عالماً بحدثه]، أعاد من صلى خلفه.
وهو بعيد.
قال: ويجب في الجمعة؛ لأن الإمام شرط فيها ضرورة؛ فوقف حصول الجماعة التي هي شرطها عليه، ولم يوجد؛ ولأنها لما لم تصح خلف من يصلي الظهر، مع أنه في صلاة؛ فَلاأَلأَّ تصح خلف من ليس في صلاة أصلاً أولى.
وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في ذلك بين أن قد تم به العدد، أو تم بغيره، وهو وجه حكاه القاضي أبو الطيب فى باب الصلاة بالنجاسة، وادعى القاضي الحسين [ثم] أنه المذهب، وحكاه الماوردي في كتاب الجمعة، وقال القاضي الحسين ثم، والشيخ أبو علي، وأبو محمد: إنه الأصح.
ولا يخفى عليك وجهه مما سبق عن الشيخ أبي محمد، وقد ادعى ابن الصباغ أن صاحب "التلخيص" قال: إنه قول مخرج.
وأشعر كلام الإمام في باب الغسل للجمعة أن الشافعي نص عليه؛ فإنه قال: اختلف قول الشافعي في أن [إمام الجمعة] لو بان محدثاً، هل تصح جمعة القوم، أم لا؟
وحكى في الباب قبله القولين أيضاً، ثم قال: وكان شيخي يرتب القولين [على القولين] في صحة الجمعة خلف صبي أو متنفل، وهنا أولى باليطلان، والذي رجحه العراقيون وذكروه عن نصه في "الإمام"، وبه جزم أبو الطيب [في كتاب الجمعة]- أنه ينظر: فإن تم العدد به، فالحكم كما ذكر الشيخ، وإن تم بدونه صحت.
وبنى المتولي الخلاف فى هذه الصورة بعد حكاية القول المنصوص والمخرج، على أن الصلاة خلف المحدث تكون جماعة، أو فرادى؟
قال: وفيه وجهان:
فإن قلنا: جماعة، وهو ظاهر ما قله المزني- قلت: ولم يورد البندنيجي وابن الصباغ غيره - لم تجب الإعادة، وإلا وجبت.
وعليهما ينبني أيصاً ما إذا أدرك المسبوق في غير الجمعة الإمام المحدث راكعاً، وعلم ذلك بعد فراغه: فإن قلنا: إن صلاتهم جماعة، كان مدركاً
للركعة، وإلا فلا، وهو الأصح؛ كما ذكرناه في باب صلاة الجماعة.
[وما] إذا سها الإمام المحدث، والمأموم خلفه، أو سها المأموم خلفه؛ هل يسجد المأموم في الأولى، ويتحمل عنه في الثانية، أم لا؟
[والحكم فيما إذا كان القوم أربعين لا غير، وبان حدث أحدهم - كما لو بان حدث الإمام، صرح به القاضي أبو الطيب وغيره في باب الصلاة بالنجاسة؛ فتجب الإعادة قولاً واحداً].
وقد أفهم كلام المتولي أن القول بعدم الإعادة جار فيما لو كان العدد قد تم بالإمام المحدث؛ فإنه قال بعد حكاية القولين; ومأخذهما- كما ذكرناه-: أنه لو بان بعض المأمومين محدثاً في صلاة الجمعة؛ فإن قلنا: إذا كان الإمام محدثاً، [فالصلاة جماعة، فإذا كان المأموم محدثاً]، كان كذلك؛ فلا تجب الإعادة على الإمام، وعلى من كان متطهراً.
وإن قلنا: الصلاة صلاة انفراد؛ فعليه إعادة الجمعة.
قال: وصورة المسألة إذا لم يتم عدد الأربعين دون المحدث.
وعلى هذا جرى صاحب البيان؛ فقال: إذا قلنا بأنه لا يضر حدث الإمام [المأمومين، فلو صلى بأربعين، وكان القوم كلهم محدثين، صحت صلاة الإمام] دونهم، بخلاف ما لو كانوا عبيداً أو نساء؛ فإن ذلك مما يسهل الاطلاع عليه.
كذا حكاه الرافعي عنه، ئم قال: وقياس من ذهب إلى المنع أنه لا تصح جمعة الإمام؛ لبطلان الجماعة.
وهذا منه تقرير لما قاله قي "البيان"، وهو عجيب من نجيب؛ فإنه جعل محل الكلام في حدث الإمام [إذا كان زائداً عن الأربعين، وجزم القول بأنه لو كان من الأربعين أنه يجب عليهم الإعادة؛ فكيف يسعه مع هذا أن يسكت عما ذكره صاحب "البيان"؟!
نعم، لو كان الخلاف فيما إذا بان حدث الإمام] فيما إذا تم العدد به، لم يظهر على ما قاله قي "البيان" اعتراض.
واعلم أن قول الشيخ: "فإن صلى أحد هؤلاء خلف أحد هؤلاء، ولم يعلم، ثم علم، أعاد"، يقتضي أن كلامه في الإعادة عائد إلى ما ذكره من قوله: "ولا تجوز صلاة رجل، ولا خنثى ... " إلى قوله: "في الأفعال الظاهرة؛ لأنه ثم تعرض للمقتدي، والمقتدى به، ولا يدخل [في ذلك من صلى خلف الكافر، والمجنون، والمحدث، والنجس، ثم علم بذلك؛ لأنه] حين منع من الاقتداء بالمذكورين لم يخص المنع بأحد، وحينئذ فيكون كلامه يقتضي أمرين:
أحدهما: أن الإعادة عند ظهور الحال في سبع صور:
الأولى: ظهور الإمام امرأة أو خنثى، والمقتدي ذكر.
والثانية: ظهور إمام المرأة الطاهر مستحاضة؛ كما اقتضى كلامه ترجيحه.
والثالثة: ظهور إماما القارئ أميًّا أو أخرس، أو أرت، آو ألثغ.
والرابعة، والخامسة، والسادسة: ظهور إمام الجمعة صبيّاً، أو متنفلاً، آو مصلياً ظهراً.
والسابعة: ظهور الإمام مصلياً صلاة تخالف صلاة المأموم في الأفعال الظاهرة.
والمسائل الست تارة يُفرض ظهور حال الإمام فيها بعد فراغ الصلاة، وتارة فيها.
وإذا كان بعد فراغها، أعاد، وإذا كان فيها استأنف.
والسابعة يكون الظهور في أثنائها فقط؛ إذ لا يمكن أن يخفى ذلك على المصلي في كل الصلاة، ولو فرض خفاؤه عليه؛ بأن يكون المقتدى ائتم به، وهو في القيام الثاني من الركعة الثانية، وقلنا: إنه يسجد في صلاة الكسوف؛ كما يسجد في غيرها، وأتم المأموم صلاته بعد سلام الإمام، ثم اطلع على الحال- فيظهر أن يقال قي هذه الحالة بصحة القدوة، بل مع العلم بالحال؛ إذ علة المنع المخالفة، ولا مخالفة.
[و] يشهد لذلك أن من منع من أصحابنا اقتداء من يريد صلاة المغرب خلف من يصلي الظهر أربعاً قال: لو كان الإمام قد صلى ركعة من الظهر؛ فاقتدى به من يريد صلاة المغرب - جاز.
وهذا ما ظهر لي، وقد ينقدح لذي
خاطر شيء آخر؛ أخداً مما سنقف عليه في أن مدرك الإمام في صلاة الكسوف في الركوع الثاني هل يكون مدركاً للركوع الأول؟ والله أعلم.
الأم الثاني - وهو ما يقتضيه مفهوم كلامه-: أنه لا إعادة على من بان إمامه كافراً، أو مجنوناً، أو محدثاً، أو نجساً، لكن قوله: "إلا من صلى خلف المحدث؛ فإنه لا إعادة عليه" [يقتضى إذا جعلنا الاستثناء متصلاً - وهو الظاهر - دخول المحدث] قي كلامه الأول، ومتى دخل، [دخل] الكافر ومن بعده من طريق الأولى، وهذا هو الظاهر، وحينئذ فيضم إلى الصور السبع أربع بها تكمل الصور إحدى عشرة، استثنى الشيخ منها صورة واحدة، وهي ما إذا ظهر كونه محدثاً في غير الجمعة، وقد استثنى غيره معها صوراً:
الأولى: الكافر إذا لم يكن متظاهراً بكفره، وهو المرتد، والزنديق - قال القاضى الحسين: فلا تجب عليه الإعادة؛ كما لو بان محدثاً؛ لأنه يعرس عليه الاطلاع على كفره، وهو وجه حكاه في "التتمة"، وقد صححه في "التهذيب"، وكذا أبو الطيب [وغيره] فى باب الصلاة بالنجاسة، وبه قال المزنى [فيما] لو ظهر كافراً متظاهراً يكفره أيضاً.
وما ذكره الشيخ هو ما ادعى الماوردي أنه مذهب الشافعي، والذي عليه أصحابه، والعلة فى الإعادة عند ظهوره متظاهراً بكفره - ما أشار إليه الشافعى، وهو أنه ربط صلاته بصلاة من لا يصلح أن يكون إماماً له بحال؛ أي: مع العلم [بحاله]؛ كما قال الماوردي، وهذه العلة تقتضى أنه لا فرق بين أن يتظاهر بكفره، أو يخفيه؛ ولذلك استحسنها ابن الصباغ، وخالف الاقتداء بمن ظهر محدثاً؛ [فإنه] ربط صلاته بمن يصلح أن يكون إماماً له في حال مع علمه لحدثه، وهو كما قال [الماوردي والمتولي: إذا اقتدى المتوضئ بالمتيمم الذي تسقط صلاته بالتيمم القضاء؛ فإنه محدث عندنا.
الثانية: من على بدنه نجاسة، قال] في "التهذيب"، و"التتمة"، والنهاية في باب الصلاة بالنجاسة; إنه كالمحدث؛ نظراً إلى أنه لا أمارة على ذلك، [وطرد في "التتمة" ذلك] بما إذا كانت على ثوبه أيضاً، وادعى القاضي الحسين أنه
ظاهر المذهب.
وما ذكره الشيخ هو مقتضى علة الشافعي في الكافر؛ إذا جرينا على الأصح في أنه لا يجوز أن يقتدي به مثله.
وهذا فى النجاسة التى يخفى مثلها، أما الظاهرة فمقتضى العلتين
-[وهو ما حكاه القاضي الحسين في باب الصلاة بالنجاسة]-
وجوب الإعادة، وقد قال الإمام; فيه احتمال عندي؛ لأنها من جنس ما يعفى عنه.
وهذا منه يدل على أن المنقول وجوب الإعادة.
الثالثة: [المستحاضة]، ادعى الماوردي أن ظهور حالها كظهور حدث الإمام؛ فلا إعادة على المرأة الطاهرة إذا اقتدت بها؛ لأن الاستحاضة مما يخفى؛ إذ لا أمارة عليها، ويصح أن تقتدي بها مثلها؛ فانتفت العلتان في حقها.
الرابعة: ظهوره أميًّا، قال الإمام: هو كظهوره جنباً.
وعليه جرى ابن يونس، وهذا في السرية، وكذا في الجهرية إذ لم نوجب عليه البحث عن حال الإمام عند إسراره فيها.
والذي ذكره القاضي الحسين والبغوي: ما ذكره الشيخ، وفرق القاضي بينه وبين الجنب؛ فإن الحدث، والطهارة يتعاقبان على الإنسان؛ فإنه يكون متطهراً في حالة؛ فيصير محدثاً فيها، ثم يصير متطهراً، وهو مما يخفى، ولا يظهر؛ فلا يمكنه أن يطلع عليه غالباً؛ فلم ينسب إلى تفريط، وإن غفل عنه؛ بخلاف ما نحن فيه؛ فإن كونه أميّاً، وقارئاً لا يتعاقبان؛ فإن الإنسان لا يكون قارئاً، ئم يصير أميًّا، ثم يعود قارئاً، وهو مما يظهر، ويطلع عليه في الغالب، وقد حكينا عن الماوردي أن محل الخلاف ما [إذا] ظهر بعد الصلاة أميًّا.
الخامسة: إذا بان إمام الجمعة متنفلاً، أو مصلياً ظهراً مقصورة، يشبه إلحاقه بالجنب؛ لفقد العلتين فيه أيضاً.
السادسة: إذا ظهر اختلاف الصلاتين في النظم، قال بعض الشارحين: يجب على المأموم أن ينوي المفارقة عند العلم فإن دام؛ بطلت صلاته.
ثم حيث لم نوجب عليه الإعادة فيما ذكرناه عند جهله بالحال، تم علمه؛ فلو
كان قد علم حال الإمام، ثم نسي؛ فاهتدى به، وعرفه بعد ذلك - وجبت عليه الإعادة؛ لتقصيره؛ قاله الرافعى وغيره.
فرع- عكس ما نحن فيه-: إذا صلى الرجل خلف خنثى، أو خنثى خلف امرأة، طولب بالقضاء؛ فلو بان ذكورة الإمام في الأولى، وأنوثة المأموم في الثانية قبل الإعادة؛ فهل يبقى مخاطباً به أيضاً، أو لا؟
حكى الإمام فيه قولين، واقتصر في "الوسيط" على حكايتهما في الأول، وهما يجريان - كما قال الرافعي - فيما لو اقتدى خنثى بخنثى، ثم بانا رجلين، أو امرأتين، أو بان المأموم امرأة، أو الإمام رجلاً، وذلك فيما لو أقدم المأموم على الاقتداء، مع علمه بالحال؛ ألا ترى إلى قول الإمام؛ لو اقتدى برجل، وهو شاك، لا يدري أنه مقتد بغيره، أو لا - فلا تصح قدوته مع هذا التردد؛ كما لو اقتدى بخنثى مشكل، ولو استمر على القدوة [ثم] بان أن إمامه لم يكن مفتدياً؛ فهل يجب على المفتدي قضاء الصلاة، والحالة هذه؟
فعلى قولين؛ كالقولين فيه؛ إذا اقتدى يخنثى، ثم لم يقض حتى يبين أن الخنثى ذكر، وأصحهما - كما قال [ثم-: وجوب الإعادة.
قال] الرافعي: ولهذه الصورة نظائر:
[منها؛ إذا باع مال أييه على ظن أنه حي، فبان ميتاً.
و] منها: إذا وكل وكيلاً بشراء شيء معين، وباع ذلك الشيء من إنسان على ظن أنه ما اشتراه وكيله بعد ما كان اشتراه وكيله فى الصحة قولان.
والذي جزم به الماوردي فيما [إذا] كان المقتدي عالماً بخنوثة الإمام - البطلان، سواء ظهر امرأة أو رجلاً، وحكى القولين فيما إذا اقتدى به جاهلاً، ثم ظهر أنه خنثى، ثم أنه ذكر، وكذا فيما إذا اقتدى الخنثى بمن ظنه رجلاً، ثم بان [له] أنه امرأة، وبانت أنوثة الخنثى، وأن القول بعدم الإعادة مخرج من [اختلاف] قول الشافعي فيما إذا رأوا سواداً فظنوه عدوًّا.
وإذا جمعت بين النقلين جاءك في المسألة ثلاثة أقوال؛ أصحها: وجوب الإعادة مطلقاً.
وقد أفهمك كلام الإمام أنه لا يجوز أن يقتدي بالمقتدي مع العلم بالحال، وبه صرح الأصحاب، وفرعوا على ذلك فروعاً:
منها: أنه إذا دخل المسجد، فوجد صفًّا طويلاً؛ فنوى الداخل الاقتداء بالإمام منهم، ولم يعرفه- لا تصح صلاته؛ لعدم التمييز.
قال القاضي الحسين: وهذا بخلاف ما إذا كان شخص في المحراب؛ فنوى الاقتداء به، ولم يعرفه تصح القدوة؛ للتمييز بينه وبين غيره.
ومنها: لو التبس على الواقفين الحال؛ فاعتقد كل واحد منهم أنه المأموم، بطلت صلاتهم، ومن طريق الأولى: إذا أحرموا في الابتداء كل منهم بنية أنه مأموم، وهذا بخلاف ما لو اعتقد كل واحد منهم أنه إمام، صحت صلاة الجميع؛ لأن كل واحد [منهم] لم يربط صلاته بصلاة غيره، ولو اعتقد أحدهما أنه مأموم، وشك الآخر أنه إمام [أو مأموم - بطلت صلاتهما ولو انعكس الحال؛ فاعتقد أحدهما أنه إمام، وشك الآخر في أنه مأموم]، أو إمام - صحت صلاة من لم يثك، وبطلت صلاة الشاك.
[وهذا] كله تفريع على ما حكاه العراقيون من أن مجرد الشك في النية يبطل الصلاة، وآما على طريقة المراوزة المفصلة بين أن يمضي مع الشك ركن لا يزاد مثله في الصلاة، أو لا؛ فقياسها أن يأتي ذلك هنا، وبه صرح القاضي الحسين؛ فقال فيما إذا شكَّا معاً: إن تذكرا قبل أن يحدثا شيئاً من أفعال الصلاة، وقرب الزمان -[صحت صلاتهما جميعاً، وإن طال الزمان]، ولم يفعلا شيئاً؛ فعلى وجهين.
وإن لم يذكرا إلا بعد ما فعل أحدهما فعلاً مع الشك، وتابعه الآخر، ثم تبين أنه تابع الإمام - فعلى وجهين؛ [بناء] على من اتبع الإمام في الأفعال من غير نية.
قال مجلي: وهذا لا يصح؛ لأن المتابعة في الأفعال فقط، وهذا نوى الاقتداء مع المتابعة؛ فبطلت صلاته؛ لأنه ائتم بمن لا يعتقده إماماً، وإن بقيا على الشك، بطلت صلاتهما.
ومنها: لو اقتدى مقيمون بمسافر، أو مسبوقون بإمام، وسلم الإمام؛ فهل يجوز لهم أن يقدموا من يؤمهم في بقية صلاتهم؟ إن كان ذلك في صلاة الجمعة، لم يجز، وإن كان فى غيرها، فوجهان، حكاهما القاضي أبو الطيب، والبندنيجى، وابن الصباغ في كتاب الجمعة، وفي "المهذب" في باب صلاة الجماعة، والأصح: المنع.
وإذا عرفت ما ذكرناه، عرفت أن ضابط من يصح الاقتداء به في الجملة على المذهب: كل من صحت صلاته في نفسه صحة مُغْنِيَةً عن القضاء صح الاقتداء له إلا المقتدي، وما لا فلا، وإن أردت التفصيل، فطالع ما ذكره الشيخ مع ما ذكرناه، يحصل لك المقصود، والله أعلم.
باب موقف الإمام والمأموم
قال: السنة: أن يقف الرجل الواحد عن يمين الإمام، أشار الشيخ بذلك إلى ما روي عن جابر قال: سرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [في غزوة، فقام فصلى، فتوضأت، ثم جئت فقمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم] فأخذ بيدي؛ فأدارني حتى أقامني عن يمينه؛ فجاء جبار بن صخر حتى قام عن يساره؛ فأخذنا بيديه جميعاً حتى أقامنا خلفه، أخرجه مسلم.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: بت عند خالتي ميمونة؛ فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل؛ فقمت معه عن يساره؛ فتناولني من خلف ظهره؛ فجعلني عن يمينه، أخرجه البخاري ومسلم.
وروي: فأخذني بيمينه.
وهذا وإن ورد في حق الصبي؛ لأن ابن عباس كان -إذ ذاك- صغيراً؛ فهو يثبت ذلك في حق الكبير من طريق الأولى، [ومنه يؤخذ أن الصبي في هذه السنة كالرجل؛ كما يفهمه قول الشيخ: "وإن حضر رجلان، أو رجل وصبي، اصطفا] خلفه".
قال في "التتمة": ويستحب أن يتأخر الواقف عن يمين الإمام عنه قليلاً.
ثم قول الشيخ: "السنة أن يقف الرجل عن يمين الإمام"، يفهم أنه ليس
السنة في حق المرأة أن تقف عن يمينه، وأفهم قوله من بعد: "والمرأة خلف الخنثى"، أنها تقف خلفه، وبذلك صرح الأصحاب؛ مستدلين برواية أبى داود عن [أبي] إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته؛ فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصلي لكم؛ فقام عليه السلام فصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا؛ فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف.
وأخرجه البخاري، ومسلم.
واليتيم: ضميرة بن أبي ضميرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، له ولأبيه صحبة؛ قاله في مختصر السنن.
وقيل: كان أخاً له اسمه عبد الله.
والعجوز هى: مليكة جدة إسحاق أم أبيه عبد الله بن أبي طلحة، وهي [أم سليم] زوج أبي طلحة، وهي أم أنس بن مالك؛ قاله أبو عمرو النميري.
وقال غيره: هي جدة أنس بن مالك أم أمه.
ووجه الدلالة منه على المدعي: أنه جعلها خلف صف الرجال، ولم يسوها به؛ فلئلا تقف إلى جانب الإمام أولى.
وقد أفهم قول الشيخ: "والسنة كذا": أنه لو تركه، وفعل خلافه جاز؛ ولذلك احتاج أن يذكر الحكم في حال التقدم؛ لأنه كالمستثنى من ذلك، ولا خلاف
في أنه إذا خالف ذلك صحت صلاته، إلا أنه فعل مكروها؛ [لأن ترك السنة مكروه]، واستدل الأصحاب للصحة فيما إذا كانت المخالفة بالوقوف على اليسار بخبر جابر وابن عباس؛ فإنه عليه السلام لما يأمرهما بالاستئناف.
قال: والخنثى خلفهما؛ لجواز كونه امرأة، ومن هنا يؤخذ [أنه] لو لم يكن مع الإمام إلا خنثى وقف خلفه، وعليه نص في "المختصر"، ولم يحك الأصحاب سواه.
وقد أفهم العطف أن السنة وردت بوقوف الخنثى خلف الرجل وإمامه، وفيه نظر؛ لأن المفهوم من لفظ "السنة": ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، أو أمر به صريحاً، ولو كان ذلك موجوداً لما استدل الأصحاب بوقوفهما خلفه إلا أنه قال: وإن حضر رجلان، أو رجل، وصبي، اصطفا خلفه؛ لحديث جابر، وحديث أنس؛ ولأن به يحصل التمييز بين الإمام والمأمومين للداخل؛ فلو قام الجميع صفاً واحداً- كره؛ قاله القاضي الحسين.
فإن قيل: قد روى أبو داود أن ابن مسعود صلى بين علقمة والأسود؛ فلما فرغ قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل.
وهذا يدل على أنه سنة؛ فضلاً عن كونه مكروهاً.
قلنا: أما كونه سنة؛ فلا خلاف في أنه ليس بسنة عندنا، وخبر [ابن مسعود]، قال: القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وغيرهما: إنه منسوخ بخبر جابر؛ لأن ابن مسعود من متقدمى الصحابة، وجابر وجبار بن صخر من متأخري الصحابة، وهذا الدليل إن صح كان مساعداً على القول بالكراهة؛ لأن المنسوخ كالمعدوم، ومخالفة ما ثبت في السنة مكروه.
لكن بعضهم قال: إن كون جابر، وجبار بن صخر من متأخري الصحابة لا يوجب النسخ؛ لأن المتقدم قد يروي [عن] المتأخر، بل لو ثبت أن حديث جابر متأخر لم يقتض النسخ أيضاً؛ لأن النسخ إنما يصار إليه عند التناقض وتعذر الجمع، ولا تعذر هنا؛ لأنه يمكن الجمع بحمل خبر ابن مسعود على الجواز، وخبر جابر على الأولى، وعلى هذه الطريقة يمتنع القول بالكراهة.
وقد حكى الإمام عن الشافعي القول بأن خير ابن مسعود منسوخ بخبر أنس، قال: لأنه ثبت عنده تأخره، ثم قال: وفي بعض كلامه تقديم رواية أنس؛ لأنه كان يدخل حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك؛ فرأى روايته أثبت، وما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد يصلي باثتين، قال: وهذا أسلم من دعوى النسخ.
فرع: إذا اجتمع رجل وصبي، وقف الرجل عن جهة يمين الإمام؛ لأنه أكمل، وكانت جهة اليمين أولى به.
قالت عائشة: ثال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" أخرجه أبو داود.
وروي عن البراء بن عازب أنه قال: كان يعجبنا الوقوف عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وإن كانوا عراة، وئف الإمام وسطهم؛ أي: إذا أمكن؛ كي لا يقع بصر واحد منهم على عورته.
أما إذا لم يمكن لكثرة القوم، وضيق المكان عن أن يجعلوا صفاً واحداً، قال الإمام والمتولي: يقفون صفوفاً، مع غض البصر.
وقد أفهم كلام الشيخ أنه تستحب الجماعة في حق العراة، وهو القول الجديد؛ لأن صلاتهم مع عدم السترة صحيحة تسقط القضاء للعجز؛ فكانوا كالقادرين على الستر.
وفي القديم أن صلاتهم فرادى أفضل؛ لأن السنة في الجماعة للرجال: أن يتقدم إمامهم، وإذا تعذرت الجماعة على الوجه المسنون؛ فالوجه تركها، كذا حكاه العراقيون، وهو لا يجري فيما إذا كان العراة نسوة؛ لأن السنة أن تقف إمامة النساء وسطهن؛ قاله في "التتمة" في باب ستر العورة.
وسين "وسطهن" ساكنة.
قال الجوهري: يقال: جلت وسط القوم؛ بالتسكين؛ لأنه ظرف، وجلست وسط الدار بالفتح؛ لأنه اسم.
قال: وكل موضع صلح فيه "بين" فهو وسط بالإسكان، وإذا لم يصلح [فيه "يين"] فهو وسط بالفتح، وربما سكن، وليس بالوجه.
وقال الأزهري: كل ما كان يبين بعضه من بعض كوسط الصف، والقلادة، والسُّبْحة، وحلقة الناس؛ فهوبالإسكان، وما كان مصمتاً لا يبين بعضه من بعض: كالدار، والساحة؛ فهو وسط.
قال: وقد أجازوا في المفتوح الإسكان، ولم يجيزوا في الساكن الفتح؛ فافهمه.
قال: وإن حضر رجال، وصبيان، وخَنَاثَى، [ونساء]، تقدم الرجال، ثم الصبيان، ثم الخناثى، ثم النساء.
أما تقديم الرجال على الصبيان؛ فلقوله عليه السلام: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" أخرجه مسلم.
والأحلام، قيل: يحتمل أن يكون جمع حلم بضم الحاء، وهو الاحتلام، ومعناه: البالغون.
[ويحتمل أن يكون جمع حلم بكسر الحاء، ومعناه: ذو الحلم.
والنهي: العقول].
والمعنى في ذلك: أن الصف الأول أفضل؛ قال عليه السلام: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، فلم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا" أخرجه البخاري، والرجال أكمل؛ فاختصوا به.
وقيل: إنه يقف بين كل رجلين صبي؛ ليتعلم منهم، حكاه الماوردي، والبندنيجي، وأبو الطيب، وغيرهم.
وأما تقديم الصبيان على الخناثى، ثم الخناثى على النساء، فوجهه ما تقدم، مع أنه عليه السلام قال: "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، [وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها"] أخرجه مسلم.
وقد دل كلام الشيخ على أن ما ذكره من التقديم مخصوص بما إذا حضروا جميعاً، ومن طريق الأولى إذا حضر الرجال، ثم الصبيان، [ثم الخناثى]، ثم النساء، نعم لو حضر الصبيان أولاً، ثم الرجال، وقد استوعب الصبيان الصف الأول، فليس لهم إزالتهم عن موضعهم، قاله القاضي الحسين وغيره في كتاب الجنائز.
وقال الإمام: ثم إنه يخرج فيه الوجه الذي في نظيره من الجنائز، وهو إذا حضر جنازة صبي، ثم رجل؛ فإنه يجعل الرجل مما يلي الإمام على وجه، والمذهب أنه يجعل الصبي مما يلي الإمام.
ولو حضر النساء أولاً، والخناثى؛ فمحلهم في الوقوف كما لو حضروا مع الرجال والصبيان معاً، ولو كان الصف الأول لم يكمل بالرجال، كمل بالصبيان دون الخناثى والنساء.
قال: ومن حضر، ولم يجد في الصف فرجة، جذب واحداً؛ أي: بعد أن يحرم بالصلاة، واصطف معه؛ فإن لم يفعل، وصلى وحده كره؛ لما روي أنه عليه السلام قال لرجل صلى خلف الصف: "أيها المنفرد خلف الصف، هلاّ اتصلت بالصف، أو جذبت إلى نفسك واحداً؛ فصليت معه".
....................................................
وروى البخاري، عن أبي بكرة أنه: "انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع؛ فركع قبل أن يصل إلى الصف؛ فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: زادك الله حرصاً، ولا تعد".
ومن طريق الأولى: إذا وجد في الصف فرجة وصلى منفرداً، أنه يكره، وهذا مما لا خلاف فيه، بل قال ابن الصباغ: إنه لو أحرم منفرداً، ثم دخل الصف، كره له.
قال الأصحاب: ويستحب للمجذوب موافقة الجاذب؛ لتحصل له فضيلة الصف؛ فإن في ذلك معاونة على البر والتقوى، وصار هذا كما قلنا: يستحب لمن رأى شخصاً يصلي وحده أن يصلي معه.
قال: وأجزأته صلاته؛ لأنه عليه السلام لم يأمر أبا بكرة بالإعادة.
فإن قيل: قد روى أبو داود أنه عليه السلام رأى رجلاً يصلي خلف الصف؛ فأمره أن يعيد.
وروي أنه عليه السلام صلى، فلما انصرف، أبصر رجلاً يصلي خلف الصف وحده؛ فوقف عليه؛ فلما فرغ قال: "أعد صلاتك؛ فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف"، وهذا صريح في الإعادة.
قلنا: قد قال به أبو بكر الحميدي من أصحابنا؛ كما قال أبو الطيب، وأبو بكر بن المنذر، لكن الصحيح الأول؛ لما ذكرناه، والخبر الأول حجة فيه؛ لأن الخصم سلم ترك العمل به، وأن المنفرد إذا كان جاهلاً لا تبطل صلاته، والذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة كان جاهلاً بالحال، على أن الشافعي قال: إن هلالاً راويه تارة يرويه عن عمرو بن راشد، وتارة عن زياد بن [أبي] الجعد، وذلك يدل على أنه سيئ الحفظ؛ فلا يحتج بحديثه.
وأما الثاني، فهو دليل لنا؛ لأنه لم يقطع عليه الصلاة، بل انتظره، ولو كانت باطلة لما فعل ذلك؛ فتعين حمله على الأولى، ونحن نقول به.
ثم ما ذكره الشيخ من الجذب ما حكاه ابن المنذر عن بعض الناس.
قال أبو الطيب: وقد حكاه الشيخ أبو حامد عن مذهبنا، وليس بشيء؛ فإن الشافعي قال في "مختصر" البويطي: إذا لم يكن في الصف فرجة، ولا له موضع يقف فيه؛ فإنه يقف حيث شاء؛ ولأن جذبه لا يجوز؛ لمعنيين:
أحدهما: أنه يؤدي إلى الإخلال بالصف؛ فلا يجوز أن يجعل في الصف خللاً؛ فإنه عليه السلام كان يأمر بسد الخلل.
والثاني: أنه ينقله من الموضع الذي سُنَّ له إلى موضع لم يُسنُّ له، وهذا لا يجوز.
وقد حكى النص المذكور البندنيجي أيضاً، ونسب ما قاله الشيخ إلى