كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 225-264
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 225-264
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

عن الضبع، فقال: "هُوَ صَيْدُ، وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشُ إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ".
وأخرجه النسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح.
وروى الشافعي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي عمار قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع أصيد هو؟ قال: نعم، [فقلت: سمعت ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم].
قال الشافعي- رضي الله عنه-: وما زال الناس يأكلون الضبع، ويبيعونها بين الصفا والمروة- يعني: في الصدر الأول- ولم ينكر ذلك أحد.
قال: والثعلب؛ لأنه من الطيبات.
والأرنب؛ لما روى أبو داود عن أنس بن مالك قال: كنت غلاماً حَزَوّرًا فصدت أرنباً فشويتها، فبعث معي أبو طلحة بعجزها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأتيته بها.
وأخرجه

البخاري ومسلم بنحوه.
وفي رواية البخاري: "بوركها وفخذها، فَقَبِلَهُ".
والحزور- بالتشديد والتخفيف-: الذي قارب البلوغ.
قال: واليربوع؛ لأن العرب تستطيبه، وقد أوجب فيه عمر- رضي الله عنه- على المحرم جفرة، ولو لم يكن يؤكل لما ضمنه المحرم؛ كالفواسق، وهو دويبة مثل الجرذ، لها رأس مدور، وعين ضخمة سوداء مستديرة، بيضاء الطرف، قصيرة اليدين، طويلة الرجلين.
قال: والقنفذ؛ لأنه مستطاب، لا يتقوى بنابه، يحل كالأرنب، وقد روى أبو داود عن تميلة عن أبيه قال: كنت عند ابن عمر، فسئل عن أكل القنفذ، فتلا: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ الآية [الأنعام: 145]، وهذا ما نص عليه الشافعي- رضي الله عنه- في كتاب الطعام.
فإن قيل: قد روى أبو داود تتمة الأثر المذكور: أن شيخاً قال عند ابن عمر: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "خَبِيثٌ مِنَ الْخَبَائِثِ"، فقال ابن عمر: إن كان قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهو كما قال.
وهذا يدل على التحريم.
قيل: قد قال به بعض المراوزة، كما صار إليه أبو حنيفة وأحمد، لكن الصحيح الأول، والجواب ما قاله البيهقي: إن إسناد ذلك غير قوي، وأيضاً: فإنه رواية شيخ مجهول؛ فلا يعارض عموم الكتاب، ولو صح فهو محمول على أنه خبيث الفعل؛ لأنه يخفي رأسه عند التعرض لذبحه، ويؤذي بشوكه إذا صيد.
وعن القفال: أنه إن صح الخبر فهو حرام، وإلا رجعنا إلى العرف، هل يستطيبونه؟ والمنقول عنهم الاستطابة.
والقنفذ: بضم القاف والفاء، ويقال بفتح الفاء أيضاً؛ ذكرهما الجوهري، وجمعه: قنافذ، والأنثى: قنفذة، ويقال: قنفط- بالطاء بدل الذال- وهو غريب.

وقد ألحق البغوي بالقنفذ في جريان الخلاف الدُّلْدُلَ، وهو أكبر من القنفذ ذو شوك طويل، يشبه شوكه، والصُّرَدُ، والسلحفاة.
قال: والوبر؛ لأن العرب تأكله وتستطيبه؛ وهذا ما نص عليه الشافعي، رضي الله عنه.
وفيه وجه آخر: أنه حرام؛ حكاه البغوي وغيره، [وبه قطع الشيخ أبو محمد، وعدَّهُ من الخبائث.
قال الإمام: ولا أصل له في ذلك يرجع إليه].
قلت: يمكن أن يكون أصله فيه قول الشافعي- رضي الله عنه- كما حكاه ابن الصباغ وغيره في باب جزاء الصيد: "إن كان الوبر تأكله العرب، ففيه جفرة"، لكن [الشافعي قد] حكى عن عطاء ومجاهد أنهما حكما في الوبر بشاة، ولا يفدي إذا لم يكن متولداً من مأكول وغيره إلا ما يؤكل، كما سنذكره.
والوبر- بإسكان الباء-: الذكر، وجمعه: وبار- بكسر الواو- والأنثى: وبرة؛ قاله ابن الأعرابي، وهو دويبة سوداء أكبر من ابن عرس، وأصغر من الهرة الوحشية، وليس لها ذنب، كحلاء العين.
وقيل: منه يعمل الخَزّ.
قال: وابن عرس؛ لأن العرب تستطيبه.
وفيه: أنه يحرم؛ حكاه الماوردي، ونسبه المراوزة إلى العراقيين.
والأول ليس منقولاً عن الشافعي؛ فإن في "تعليق البندنيجي": أنه لا يعرف فيه.
وفي السنجاب والسنور والدَّال والفَنَك- قول، وقد ذكر أن أبا يوسف قال: كلها سبع كالثعلب، فإن كانت كما قال فهو على المذهب حلال؛ لأنَّا نرد المجهول إلى أقرب الأشياء شبهاً بالمعروف، والوجه الآخر جارٍ فيما ذكره أيضاً، وبعضهم لم يورده في السنجاب والفنك، وألحق به الدَّلَق والقمام والحواصل، وعلى ذلك جرى في "التهذيب".
وقال الرافعي: إنه الذي يحكي عن النص.

وابن عرس: بكسر العين، وإسكان الراء، وجمعه: بنات عرس، وكذلك ابن آوى وابن مخاض وابن لبون، جمعه: بنات آوى وبنات مخاض وبنات لبون، وحكى الأخفش: بنات عرس وبنو عرس، وبنات نعش وبنو نعش.
قال: والضب؛ لما روى أبو داود عن خالد بن الوليد: أنه دخل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت ميمونة، فأُتِيَ بضب محنوذ- أي: مشوي، وقيل: هو المشوي بالرَّضْف، وهي الحجارة المحماة- فأهوى إليه بيده - صلى الله عليه وسلم - فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يريد أن يأكل منه هو ضب؛ فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده، قال: فقلت: حرام هو؟ قال: "لاَ، وَلَكِنَّهُ لمَ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي؛ فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ"، قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر.
وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهم.
وهوى وأهوى بيده إلى الشيء: تناوله، ويقال للضب: السحل، والأنثى: ضبة.
[وأم حبين]، قال البندنيجي: هي ضرب من الضِّباب، وقد قال الشافعي- رضي الله عنه-: إن كانت العرب تأكلها، ففيها ما قضى به عثمان- رضي الله عنه- فتوقف فيها.
وفي "التهذيب" الجزم بحلها، وهو أصح الوجهين في الرافعي؛ لأنها تُفدى.
وهي- كما قال القاضي أبو الطيب-: دابة كبيرة الجوف صفراء.

قال: وسنور البر [فقد]، قيل: إنه يؤكل؛ لأنه حيوان يتنوع إلى أهلي ووحشي، حرم الأهلي منه؛ فيحل الوحشي؛ كالحمار، وهذا يحكى عن الخضري، واختاره في "المرشد".
وقيل: لا يؤكل؛ لأنه يصطاد بنابه؛ فاندرج تحت نهيه- عليه السلام- عن أكل كل ذي ناب من السباع، وهذا ما صححه البغوي والرافعي، واختاره القفال.
وفرق بينه وبين الحمر بأنها تفارق الأهلية في ألوانها وهيئاتها وطباعها، وقد قال بعضهم: إن أصل الخلاف التردد في أنه وحشي الأصل، أو كان إنسياً وتوحش، وتولد عند انجلاء أهل القرى وسِنِي القحط؟ فعلى الأول: يحل، وعلى الثاني: لا.
واعلم أن أصل قاعدة المذهب في الحيوان الوحشي- كما قال الشافعي رضي الله عنه في كتاب الصيد والذبائح-: أن ما فداه المحرم في سُنَّةٍ أو أثر يؤكل.
قال البندنيجي: ولا يخرج منه إلا السِّمع ونحوه؛ لما سيأتي.
قال: ولا يؤكل ما تستخبثه العرب من الحشرات: كالحية، والعقرب، والوزغ، وسام أبرص، والخنفساء، والزنبور، والذباب، والجعلان، وبنت وردان، وحمار قَبَّان وما أشبهها، أي: كالفئران، والنحل، والعناكب، والقراد، والصراصير، [والنمل]، والدود، والقمل، ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]، ولأن الشرع قد أمر بقتل بعض ذلك؛ روى أبو داود وغيره عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عما يقتل المحرم؟ قال: "الحَيَّةُ، والْعَقْرَبُ، والْفُوَيْسِقَةُ، وَيَرْمِى الْغُرَابَ، وَلاَ يَقْتُلُهُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، والْحِدْأَةُ، والسَّبُعُ الْعَادِي"، ونهى

عن قتل بعضه.
وروي أنه- عليه السلام- نهي عن قتل النملة، والنحلة، والخطاف، والصرد، والهدهد، والضفدع، فلو كان البعض الأول مباح الأكل، لما أمر بقتله؛ كما لم يأمر بقتل سائر ما يحل أكله؛ لأجل إبقائه للتسمين وللأكل، وكذلك لو كان البعض الآخر مباح الأكل، لما نهى عن قتله؛ لأن الذكاة قتل مخصوص، وإذا امتنع أكل البعضين، قِيسَ ما في معناهما عليهما.
وقد جعل صاحب "التلخيص" وغيره ذلك أصلاً، فقال: ما أمر بقتله فهو حرام، وما نهي عن قتله فهو حرام.
قال البغوي: قال الأصحاب: والأول أصح، وأما الثاني: فليس على إطلاقه؛ لأن الشافعي- رضي الله عنه- أوجب في الهدهد، والصُّرَد الجزاء، وعنده لا يجب الجزاء على المحرم بقتل ما لا يؤكل لحمه، ولأصحابنا فيهما وجهان: أحدهما: لا يحل؛ لورود النهي عن قتلهما، وهو الأظهر في "الرافعي"، وبه جزم في "الوجيز" في الصرد.
والثاني: يحل، والنهي عن قتلهما محمول على الكراهة؛ لأن الهدهد امتثل أمر نبي من الأنبياء، والصُّرَد كانت تتشاءم به العرب بصوته وصورته.
وأما الخطاف، والنحلة، والنملة، وغيرها مما ذكرناه، فحرام.
وعن أبي عاصم العبادي أن محمد بن الحسن قال: يحل الخطاف.
وهو محتمل على أصلنا، وإليه مال كثير من أصحابنا، وأجرى أبو عاصم العبادي الخلاف في النملة والنحلة.
وما ذكرناه من تحريم الدود مخصوص بما لم ينشأ من الطعام، أما ما نشأ منه:

كدود الخل، والجبن، ونحوه، فهل يحل أكله؟ الذي أورده الماوردي والروياني هنا: المنع، وحكى الرافعي وجهاً آخر: أنه يحل، وحكى الإمام في كتاب الطهارة الحل عند اتصاله بما تولد منه، وحكى وجهين فيما إذا جمعه وأكله منفرداً، هل يحل أم لا؟ والصحيح المنع، وبهذا يحصل في المسألة ثلاثة أوجه.
تنبيه: احترز الشيخ بقوله: "العرب"، عما يستخبثه العجم؛ فإنه لا اعتبار بذلك؛ لأن الله- سبحانه وتعالى- لما أناط الحل بالطيبات والتحريم بالخبائث، عُلِمَ بالعقل: أنه لم يرد ما يستطيبه ويستخبثه كل العالم؛ لاستحالة اجتماعهم على ذلك عادة؛ لاختلاف طبائعهم، وتفاوت شهواتهم؛ فتعين أن يكون المراد: ما يستطيبه ويستخبثه بعضهم، وكان العرب بذلك أولى؛ لأن القرآن بلغتهم نزل، وهم المخاطبون به؛ وعلى هذا فطبائع العرب- أيضاً- مختلفة؛ لاختلاف الأزمنة والأمكنة في الشدة والرخاء؛ فلا يمكن إناطة الحكم في الحل والتحريم باستطابة جميعهم [الشيء واستخباثه] بل المرجع في ذلك إلى من كان في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ كما قاله القاضي الحسين وجماعة، كما قاله الرافعي، وأبدى لنفسه احتمالاً في عدم اختصاصهم بذلك، وأنه يرجع في كل زمان إلى العرب الموجودين فيه، وقوَّاه بحكايةٍ رواها عن أبي عاصم العبادي عن الأستاذ أبي طاهر الزيادي عن أبي الحسن الماسرجسي.
وعلى كل حال فيشترط فيمن يرجع إليهم [في ذلك] أن يكونوا متصفين وراء ما ذكرناه بصفات: إحداها: أن يكونوا قريبين من البلاد والأرياف؛ كما قال القاضي أبو الطيب وغيره، دون المقيمين في المواضع المنقطعة وأهل البادية؛ لأن أولئك يأكلون كل ما وجدوا، حتى روي أن بعضهم سأل أعرابياً فقال: ما تأكلون؟ قالوا: نأكل كل ما دبَّ ودرج إلا أم حبين، فقال الرجل: لِيَهْنِ أمَّ حبينٍ العافيةُ.
الثانية: أن يكونوا ذوي طباعٍ سليمة.
الثالثة: أن تكون الاستطابة في حال الرفاهية؛ حتى يأكلوا ذلك عادة، دون حالة القحط.
الرابعة: أن تكون الاستطابة والاستخباث من الأكثر؛ لأن من الأشياء ما أباحها

بعضهم شاذاً: كالحيات ونحوها، إلا أن أكثرهم استخبثها، ومنها ما يستقذره الواحد منهم، وهو حلال عند عامتهم؛ كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الضب، فإن افترقوا فريقين على السواء، قال الماوردي والقاضي الحسين والعبادي: رجح بقريش، فإن اختلف قريش أو لم يحكموا بشيء، رجع إلى شبيه الحيوان، والشبه تارة يكون في الصورة، وتارة في طبع الحيوان من السلامة والعدوان، وأخرى في طعم اللحم، فإن تساوى الشبهان، أو لم يجد ما يشبهه، فوجهان: أحدهما- عن أبي إسحاق والطبري، وظاهر المذهب كما قال في "العدة"، وإليه ميل الشافعي كما قال الإمام-: أنه حلال؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء، فبعث الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو.
وتلا قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ الآية [الأنعام: 145]. [والوجه] الثاني- قاله بعض أصحابنا-: أنه حرام؛ لأن الحيوان في الأصل محرم إلا ما دَلَّ عليه الدليل؛ فإذا لم يرد فيه دليل فهو باق على التحريم، وهذا ما رجحه ابن كج.
وبنى الماوردي الوجهين على اختلاف أصحابنا في أن أصول الأشياء قبل ورود الشرع هل هي على الإباحة أو على الحظر؟ فعلى الأول يحل ما تكافأ اختلافهم فيه.
وعلى الثاني يحرم.
وهذا حكم باقي بلاد العرب، أما ما لم يكن فيها بل في بلاد العجم، اعتبر فيه حكمه في أقرب بلاد العرب عند من جمع الأوصاف السالفة، فإن اتفقوا على شيء عمل به، وإن اختلفوا مع التساوي، ولا شبيه له، ففي "تعليق القاضي أبي الطيب" وغيره وجهان؛ كما سبق.
وفي "الحاوي": أنه يعتبر فيه حكمه في أقرب الشرائع للإسلام، وهي النصرانية، فإن اختلفوا فيه، فعلى ما ذكرناه من الوجهين.
وهذا منه يدل على أن ما هو محرم في

شريعة غيرنا يحرم علينا عند إشكال الحال.
وقد قال الغزالي: فيه قولان بناهما الموفق بن طاهر على أن شرع من قبلنا إذا ثبت بالكتاب أو السنة أو بقول عدلين ممن أسلم منهم، وهو يعرف المبدل من غيره- هل يكون شرعاً لنا؟ وفيه اختلاف الأصوليين.
وقول الشيخ: "من الحشرات" قد يفهم أن المراد به إخراج ما تستخبثه العرب من غير الحشرات؛ فإنه لا يحرم، وليس كذلك؛ بل الآخر حرام- كما ستعرفه- لعموم الآية، وإنما أتى به؛ لأنه لما ذكر حل اليربوع والقنفذ والوبر وابن عرس والضب وذلك من الحشرات- لأن الحشرات بفتح الحاء والشين: صغار دواب الأرض، وقيل: صغار دوابها وهوامها- فقد يظن ظان أن ما ذكره الشيخ تمثيلُ، وأن جميع الحشرات يحل أكلها؛ كما صار إليه الإمام مالك؛ تمسكاً- مع الآية- بما روى أبو داود عن ملقام بن تَلِبِّ عن أبيه قال: صحبت النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم أسمع لحشرة الأرض تحريماً، فصرح [الشيخ] بالتحريم؛ [لنفي هذا التوهم]، أو لاستكمال بيان حكمها، أو لينبه على أن ما ذكر إباحته أولاً من الطيبات حتى يكون دليله على الجميع واحداً، وهو قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: 157]. [تنبيه] آخر: الحية للذكر والأنثى، والعقرب والعقربة والعقرباء، كله للأنثى، والذكر: عقربان، بضم العين والراء.
الوزغ: بفتح الواو والزاي، واحدها: وزغة، وتجمع على: أوزاغ، ووزغان.
سام أبرص: بتشديد الميم، قال أهل اللغة: هو كبار الوزغ.
الخنفساء: بضم الخاء ممدودة، والفاء مضمومة ومفتوحة، والفتح أفصح وأشهر، قال الجوهري: ويقال: خنفس وخنفسة.
الزنبور: بضم الزاي.
الذباب: جمعه في القلة: أذِبَّة، والكثرة: ذِبَّان: بكسر الذال؛ كغراب وأغربة

وغربان، سمي ذباباً؛ لحركته واضطرابه؛ قاله الواحدي عن الزجاجي.
وقال غيره: لأنه يُذَبُّ، أي: يُدْفَعُ.
الجعلان: بكسر الجيم، جمع: جُعَل، بضمها، وفتح العين.
وحمار قبان: دويبة معروفة.
قال: وكذلك لا يؤكل ما يتقوى بنابه: كالأسد، والفهد، والنمر، والدب، والذئب، والفيل، والقرد، والتمساح، والزرافة، وابن آوى؛ لما روى أبو داود عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع.

وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
قال القاضي الحسين وغيره: وفي نصه- عليه السلام- في الحديث السابق على قتل الكلب دلالة على دخول الأسد والفهد والنمر، ونحوه فيه.
ثم ما المعنى الذي لأجله حُرِّم ذو الناب؟ المعزيُّ إلى الشافعي- رضي الله عنه- كونه يعدو بنابه على الحيوان، طالباً غير مطلوب.
وإلى أبي إسحاق: كون عيشته بنابه، ومعناه: أنه لا يأكل إلا من فريسته، ولا جرم لم يكن الضبع ونحوه مما تقدم محرماً؛ لانتفاء المعنيين [المذكورين] فيه.
ثم ما ذكره الشيخ في الفيل والقرد والتمساح هو المشهور.
وعن أبي عاصم العبادي: أن أبا عبد الله البوشنجي من أصحابنا اختار حل الفيل كمذهب مالك- رحمه الله- لأنه لا يعدو من الفيلة إلا الفحل المغتلم كالإبل.
وفي "تعليق البندنيجي": أن بعض أهل العلم حكى عن الشافعي أن القرد مأكول، ولا يعرف له، ولا ذُكِرَ في كتبه.
وفي التمساح وجه: أنه مباح الأكل، وهو يؤخذ من قول الشيخ الذي سنذكره من بعد.
وما ذكره في ابن آوى هو ما رجحه أبو علي الطبري والقاضي الحسين والروياني والبغوي وصاحب "المرشد".
وادعى الإمام قطع المراوزة [به]؛ لأنه مستخبث من جنس الكلاب، وله ناب يعدو به على الطيور، ويأكل النجاسات.
قال القاضي الحسين: ومن أصحابنا من قال: يؤكل كالثعلب، وهو ظاهر كلام

الشافعي- رضي الله عنه- لأن له ناباً ضعيفاً، وعلى ذلك ينطبق قول الشيخ أبي حامد: إنه الأشبه بالمذهب؛ لأن الذي علل به الشافعي تحريم ذي الناب مفقود فيه، نعم: ما علل به أبو إسحاق موجود فيه؛ فالتحريم جارٍ على أصله، وقد صرح بذلك الماوردي، [وهذان] الوجهان جاريان في الدَّلَق، وقد دَلَّ كلام الشيخ، على أن الزرافة مما يتقوى بنابه، وليس كذلك؛ ولأجله قال الفراء [في] فتاويه بحلها؛ كالثعلب، وقرأ بعضهم ما في الكتاب بالقاف، وقال: إنها حيوان غير الذي يسمى بالزرافة، وهو يتقوى بنابه، والله أعلم.
تنبيه: النَّمر: بفتح النون، وكسر الميم، ويجوز إسكان الميم مع فتح النون وكسرها كنظائره، والزرافة: بفتح الزاي وضمها؛ حكاهما الجوهري وغيره، ولم يذكر ابن مكي غير الفتح، وجعل الضم من لحن العوام، [وليس] كما قال.
قال: ويؤكل من الطيور: النعامة، والديك، والدجاج، والبط، والإوز، والحمام، والعصفور، وما أشبهها؛ لأنها من الطيبات؛ فاندرجت تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4] وقد قضت الصحابة أن في النعامة بدنة على المحرم.
وقال أبو موسى الأشعري: "رأيته- عليه السلام- يأكل الدجاج"، رواه البخاري.
وروي عنه- عليه السلام- أنه قال: "مَنْ أَشَارَ بِقَتْلِ عُصْفُورٍ فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا

إلاَّ سَأَلَهُ اللهُ عَنْهَا"، قيل: وما حقها؟ قال: "يَذْبَحُهَا، فَيْأَكُلُهَا، وَلاَ يَقْطَعُ رَاسَهَا وَيَطْرَحُهَا".
وفي معنى ما ذكره الشيخ: الحُبَارى، وقد وردت السنة بإباحتها كالحمام، والفرق بينه وبين الحمام تقدم في باب كفارة الإحرام.
وطير الماء مباح، وفي الأبلق منه وجه أنه لا يحل، وهو الأصح عند البغوي، وبه أجاب أبو عاصم العبادي؛ لأنه يطعم الخبائث.
والذي مال إليه الشيخ أبو محمد: الحِلُّ، وهو الأظهر عند الغزالي.
وقال الصيمري: الأظهر من طير الماء لا يؤكل كما نقله في "البحر"؛ لخبث لحمه.
والجراد يؤكل؛ لما روى أبو داود عن أبي يعفور قال: "سمعت ابن أبي أوفى، وسألته عن الجراد، فقال: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست- أو سبع- غزوات، فكنا نأكله".
وأخرجه البخاري.
وهل يجوز أكل العقعق والببغاء والطاوس؟ فيه وجهان، أصحهما التحريم.
وفي الهدهد والخطاف ما تقدم.
قال القاضي الحسين: والأصل عند الشافعي- رضي الله عنه- أن كل طير يقتات الطاهر، ولا يكون نهاشاً، فهو طاهر حلال، ويوافقه قول الشيخ أبي عاصم العبادي: إن النهاش حرام كالسباع التي تنهش.
واللقاط حلال إلا ما استثناه النص، وما تقوت الطاهرات حلال إلا ما استثناه النص، وما تقوت النجس حرام.
تنبيه: النعامة: بفتح النون، والنعام اسم جنس؛ كحمامةٍ وحمام، قال الجوهري:

والنعامة تذكر وتؤنث.
الديك: ذكر الدجاج، وجمعه: ديوك، ودِيَكة.
الدجاج: بفتح الدال وكسرها، والفتح أفصح باتفاقهم، الواحد: دجاجة، تقع على الذكر والأنثى، وجمع المصنف بين الديك والدجاج هو من باب ذكر العام بعد الخاص، وهو جائز؛ كما سبق تقريره وأمثلته [في باب كفارة الإحرام].
البط: اسم جنس، واحدته: بطة، للذكر والأنثى، وهو من الإوز الذي لا ينهض طائراً بجناحه.
الإوز: بكسر الهمزة وفتح الواو [وهو] [اسم] جنس، الواحدة: إوزة، وقد جمعوه: إوزين.
العصفور: بضم العين، والأنثى: عصفورة، والعصافير أنواع كثيرة تعرف بشكلها وإن اختلفت ألوانها: كالنغر والبلبل.
ويقال: إن أهل المدينة يسمون البلبل: النُّغر.
وفيه وجه: أنه لا يحل.
والحُمَّرة من جملة أنواعها، [وحكى العبادي أن منهم من حرمها؛ لأنها تنهش.
والعبدان من جملة أنواعها].
وعن رواية صاحب "التقريب" وجه: أنه حرام، والأظهر حله، وهو الذي أورده صاحب "التهذيب"؛ لأنه لقاط ويتقوت بالطاهر.
والزرزور أدخله الغزالي- تبعاً لإمامه- والقاضي الحسين في اسم العصفور، وجزم بحله، وفي "تعليق البندنيجي" الجزم بتحريمه.
قال: ولا يؤكل ما يصطاد بالمخلب: كالنسر، والصقر، والشاهين، والبازي، والحدأة؛ لما روى أبو داود عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطيور".

وأخرجه مسلم.
وأيضاً: فالحدأة قد أباح النبي - صلى الله عليه وسلم - قتلها كما تقدم في الحديث، وذلك يدل على تحريمها كما تقدم، وإذا ثبت ذلك فيها، ففي الصقور والبازي ونحوه أولى؛ لأن مخلب الحدأة أضعف من مخالب ذلك؛ فإنها إنما تسلب لحماً أو تظفر بفأرة.
وقد ألحق الأصحاب بالحدأة: البُغاثة؛ لأنها ذات مخلب ضعيف، وهي طائر أبيض بطيء الطيران، أصغر من الحدأة، وكذا الصّرد ملحق بها على الأصح؛ لأنه ذو مخلب يصطاد العصافير، والوجه الآخر الذي تقدم ذكره فيه أخذ من نص الشافعي- رضي الله عنه- في القديم- كما قال البندنيجي- على إيجاب الجزاء فيه.
والرَّخَمة حرام بخبث غذائها.
وقد روي عن ابن عباس- رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل الرخمة.
تنبيه: المخلب: بكسر الميم، [وهو] للطائر والسباع كالظفر للإنسان.
النسر: بفتح النون، جمعه في القلة: أنسر، وفي الكثرة: نسور، وقد عده الشيخ من ذوات المخالب، كما عده الماوردي والبندنيجي وغيرهما منها.
لكن ابن الصباغ وشيخه القاضي أبا الطيب والقاضي الحسين عدوه مما لا مخلب له، وعللوا التحريم بأنه من المستخبثات كالرخمة.

الشاهين: قال الجواليقي: هو فارسي معرب، ويقال فيه: سودانق وشودنبق، [وسودنبق]- بالسين المهملة والمعجمة- وسودق وسودانق وسودونوق- بالعجمية- قال أبو علي: أصله: سادانك، أي: نصف درهم.
قال: وأحسبه يراد بذلك قيمته، أو أنه كنصف البازي.
البازي: فيه ثلاث لغات: الفصيحة المشهورة: البازي مخففة، والثانية: باز؛ حكاها الجوهري وآخرون، والثالثة: بازيّ- بتشديد الياء- حكاها ابن مكي، وهي غريبة أنكرها الأكثرون.
قال أبو حاتم السجستاني: البازي والباز مذكر لا اختلاف فيه.
ونقل عن أبي زيد أنه يقال للبزاة والشاهين وغيرهما مما يصيد: صقور، واحدها: صقر، والأنثى: صقرة.
وقد ينكر على الشيخ- رحمه الله- كونه جعل الصقر قسماً للبازي والشاهين مع أنه يتناولهما وغيرهما.
[و] يجاب عنه بأنه ذكر العام ثم الخاص، وهو جائز كما سبق.
الحدأة: بكسر الحاء وفتح الدال وبعدها همزة على وزن: عنبة، والجماعة: حِدَأ، كعنب.
قال: ولا ما يأكل الجيف: كالغراب الأبقع، والغراب الأسود الكبير، لأنه مستخبث؛ فحرم للآية.
وقد روى أبو داود عن سالم عن أبيه قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عما يقتل المحرم من الدواب، فقال: "خَمْسُ لاَ جُنَاحَ فِي قَتْلِهِنَّ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالْفَارَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ".

وفي "الوسيط": أن العراقيين ترددوا في الغراب الأسود الكبير.
وقد حكى الرافعي التردد وجهين، وصحح التحريم، وهو ما ادعى القاضي الحسين نفي خلافه.
وجمع الغراب: غِرْبان، وأَغْرِبة، وأَغْرُب، وغَرَابِين، وغُرْب.
قال: وأما غراب الزرع، الذي يسمى: الزاغ، ويكون محمر المنقار والرجلين، والغداف، أي: بضم الغين المعجمة، وتخفيف الدال المهملة، وهو الصغير الجثة، الرمادي اللون- فقد قيل: إنهما يؤكلان؛ لأنهما يلتقطان الحب؛ فأشبها الفواخت- ويخالفان الغراب الأبقع والأسود الكبير؛ فإنهما يأكلان الجيف؛ وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب، واختاره في "المرشد"، وصححه النواوي في غراب الزرع.
وقيل: لا يؤكلان؛ لإطلاق اسم الغراب عليهما؛ فدخلا في الخبر السابق، وهذا

ما صححه النواوي في الغداف.
وحكم بيض ما ذكرناه في الحل والتحريم حكم لحمه.
قال: وما تولد من مأكول وغير مأكول لا يحل أكله: كالسمع؛ لأنه متولد بين الذئب والضبع، وغيره، أي: كالحمار المتولد بين حمار الوحش والإنس؛ تغليباً للتحريم؛ كما في البغل، ولا فرق بين أن يكون الأب مما يحل خاصة أو بالعكس، ومن هنا يؤخذ أن ما تولد من كلب أو خنزير وشاة أنه حرام كما صرح به الأصحاب.
وما تولد من حيوانين يحل أكلهما، كما إذا تولد بين حمار وحشي وفرس- أو بين أتان وحشية وفرس- حيوان حلال؛ لأن أكلهما حلال.
ولو اشتبه [ولد] حيوان، ولم يدر: هو متولد مما يحل أو لا، فالاختيار- كما قال ابن الصباغ- ألا يؤكل، فإن أراد أكله، رجع إلى خلقته، فإن كان يشبه ما يحل أَكْلُهُ، حَلَّ، وإن كان [يشبه ما يحرم، لم يحل].
والسمع بكسر السين.
قال: وتكره الشاة الجلالة؛ لما روى أبو داود عن ابن عمر قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل الجلالة [وألبانها]، وأخرجه الترمذي وابن ماجه.
وقال الترمذي: إنه حسن غريب، والبقرة والناقة والدجاجة الجلالة كالشاة؛

لظاهر الخبر؛ ولهذا قيل: لو قال الشيخ: "وتكره الجلالة"، وحذف لفظ "الشاة"، لكان أصوب، وأحسن، وأعم، وأخصر.
والجلالة: بفتح الجيم، وتشديد اللام: هي التي أكثر أكلها العذرة اليابسة؛ كذا قاله الشيخ أبو حامد، ولم يورد النواوي سواه، وقال: إن الجل- بفتح الجيم-: البعر.

وقال غيره: هي التي تتعاطى أكل العذرة والأشياء القذرة، ووجه التغاير: أن قضية هذا التفسير ألا يعتبر أن يكون أكل ذلك غالباً، بخلاف الأول.
وفي "الحاوي" في باب بيع الكلاب: أن الأثر في ذبح الجلالة جاء بعد رعي الأقذار أربعين يوماً في البعير، والبقرة ثلاثين، والشاة سبعة أيام، والدجاجة ثلاثة أيام.
فإن قلت: ظاهر النهي التحريم، فلم حمل على الكراهة دون التحريم؟ قيل: لأن النهي عنها ورد لأجل ما تأكله من الأنجاس، وما تأكله البهيمة من الطاهرات ينجس إذا حصل في كرشها، فليس يكون غذاؤها إلا بالنجاسة؛ فلا يؤثر أكلها [النجاسة إلا تغير رائحة لحمها، وذلك يقتضي] الكراهة دون التحريم؛ ألا ترى أن لحم المذكى إذا جاف كره، ولا يحرم على المذهب؛ فلذلك حمل النهي على الكراهة دون التحريم، والله أعلم.
قال: فإن أطعم الجلالة- أي: طاهراً- فطاب لحمها، أي: بزوال الرائحة الكريهة، لم يكره، لزوال العلة.
قال الماوردي: ويختار في الجلالة إذا أريد شرب لبنها وأكل لحمها- أن تحبس عن الأقذار بالعلف الطاهر في البعير أربعين يوماً، وفي البقرة ثلاثين يوماً، وفي الشاة سبعة أيام، وفي الدجاجة ثلاثة أيام.
قلت: وهذا مناسب لما حيكناه عنه [من] قبل أن كراهة الجلالة منوطة بأكلها العذرة في مثل هذه المدة، لكنه قال: إن هذه التقديرات ليست توقيفاً لا يزاد عليه ولا

ينقص منه؛ لأن المقصود زوال ما أنتن من أبدانها، والأغلب أنها تزول بهذه المقادير، فإن زالت [في أقل] منها زالت الكراهة، وإن لم تزل [فيها] بقيت الكراهة حتى تزول فيما [زاد] عليها، وعلى هذا جرى في "المرشد" وصاحب "الشامل"، وقال: إن هذه التقديرات محكية عن بعض أهل العلم، وهو ابن عمر؛ كما قال في "المهذب".
لكن المحكي عنه: أنه سوى بين البقرة والناقة في جعل مدتها أربعين يوماً، وقد وهم بعضهم فظن أن الشيخ في "المهذب" اقتصر على ذكر التقديرات.
تنبيه: قول الشيخ: "فإن أطعم الجلالة .. " إلى آخره، يعرفك أمرين: أحدهما: أن علة الكراهة تغير اللحم عند الذبح بسبب العلف، حتى لو لم يتغير لم تكره، ويدل عليه قول الشافعي- رضي الله عنه-: "فما كان أكثر علفه من غير هذا، فليس بجلالة"، أي: لأن ذلك لا يؤثر في لحمها.
[وقال في "الحاوي": إن محل الكراهة إذا لم يظهر النتن في لحمها]، أو ظهر ظهوراً يسيراً لا تستوعب رائحته تلك النجاسة، فلو كان كثيراً قد استوعبت رائحته تلك النجاسة، أو قاربها- ففي إباحة أكلها وجهان حكاهما ابن أبي هريرة: الذي أورده القاضي الحسين منهما في "تعليقه": الكراهة، دون التحريم؛ كما هو في كتب العراقيين؛ لما ذكرناه.
والثاني- وهو المعزيُّ إلى أبي إسحاق المروزي، وينسب إلى القفال المروزي أيضاً-: أنه حرام.
وقال الإمام: إنه المذهب، ولم يورد الغزالي سواه؛ لأنها صارت من الخبائث.
قال الصيدلاني: وعلى هذا يكون اللحم نجساً، وهو الذي أورده الغزالي، وأثر ذلك يظهر فيما لو زالت الرائحة [الكريهة] بالتشميس والطبخ ونحوه، لا يحل، نعم: لو زالت بالاغتذاء بالعلف الطيب في الحياة، زال التحريم.
قال الإمام: وهذا متفق عليه في التفريع على تحريم الجلالة.
والوجهان- كما قال الماوردي- جاريان في الجَدْي إذا رضع من لبن كلبة أو خنزيرة حتى نبت [به] لحمه، وقد نسب القاضي الحسين في هذه الصورة إلى القفال التحريم.

وحكم لبن الجلالة وبيضها حكم لحمها في الكراهة والتحريم، وأما ركوبها فظاهر الخبر النهي عنه؛ روى أبو داود عن نافع عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها، ويشرب من ألبانها.
وقال الماوردي: إنه مكروه عُرْياً؛ لنتن عرقها، ولا يكره إذا كان موكوفاً أو مسروجاً، ولا يجيء الخلاف في تحريمه؛ لأنه لا خلاف [في] أنها طاهرة في حال الحياة، وإذا كانت كذلك فعرقها طاهر أيضاً.
وأما جلدها إذا ظهر النتن فيه وفي لحمها بعد الذكاة، وقلنا بتحريم اللحم- فهو نجس كاللحم، ولا يطهر إلا بالدباغ؛ قاله الصيدلاني.
وإن لم يظهر فيهما نتن، فهو طاهر كاللحم.
وإن ظهر في اللحم دون الجلد، وحرمنا اللحم، فقد أبدى الإمام في نجاسته تردداً قال: إنه مأخوذ من كلام الأصحاب، وإن الأظهر النجاسة؛ لأنه جزء من الحيوان مأكول على المشهور؛ فكان حكمه حكم اللحم.
الثاني: أنه لا يكره أكل الزرع الذي عملت النجاسة في أصله وإن كثرت؛ لأنه لا يظهر أثر النجاسة ورائحتها فيه، وقد صرح الأصحاب كافة- لأجل ذلك- بعدم التحريم.
قال: ويؤكل من صيد البحر السمك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96] أي: مصيده، ولما روي عنه- عليه السلام- أنه قال: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالسَّمَكُ، وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ، وَالطِّحَالُ"، ولا فرق في ذلك بين ما يؤخذ حياً ثم يموت، أو ما يؤخذ منه ميتاً.
وقد قيل: إن قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96] المراد به: ما مات فيه في قول ابن عباس.
فروع: [أحدها] إذا انقطع بعض سمكة، وانفلت باقيها، ففي حل تلك القطعة وجهان في "الحاوي" وغيره، ويظهر أن يكون مأخذهما: أن الجزء المُبَان مما تحل ميتةُ

جميعِهِ: كالسمك والجراد هل يكون طاهراً كما لو مات، أو نجساً؛ لقوله عليه السلام-: "مَا أُبِينَ مِنْ حَيِّ فَهُوَ مَيِّتُ"؟ وفيه وجهان: فإن قلنا بطهارته حَلَّ، وإلا حرم.
والمذكور في "تعليق" البندنيجي الحل، وهو الأصح في "الشامل"، و"تعليق القاضي أبي الطيب".
والمذهب في "النهاية"- ولا شك كما قال الإمام- أن تَعَمُّد قطع بعض السمكة وهي حية غير سائغ؛ لأنه في معنى التعذيب.
قلت: وفيه نظر إذا جوزنا ابتلاعها حية؛ كما تقدم في الصيد والذبائح.
[الثاني:] إذا وجد سمكة في جوف سمكة أو سبع، حل أكلها.

قال الماوردي: ما لم تنقضم، فإن انقضمت حتى تقطعت، وتغير لون لحمها- ففي إباحة أكلها وجهان، وجه المنع- وهو الأظهر في الرافعي-: أنها قد صارت في حكم الرجيع والقيء، ولو استحالت حرمت جزماً، قاله القاضي أبو الطيب.
[الثالث:] صغار السمك الذي يقليي من غير أن يشق جوفه، في حل أكله وجهان: المذكور منهما في "تعليق" البندنيجي والقاضي أبي الطيب: التحريم، وقال ابن الصباغ: إنه الذي قال به أصحابنا؛ لأن الخرء الذي في جوفه نجس، فتنجس الدهن، وإذا نجس الدهن تنجس الكل.
وقال الرافعي: إن على المسامحة جرى الأولون.
قلت: ويمكن بناء الوجهين على أن خرء السمك نجس أم لا؟ وفيه وجهان كما في دمه، فإن قلنا بأنه نجس- كما جزم به القاضي أبو الطيب في الخرء، وصححه في الدم- فلا يحل، وإلا حل.
وقد قال الروياني: إني به أفتي، وتعقبها ظاهر عندي، وهو اختيار القفال.
قال: ولا يؤكل الضفدع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -[نهى عن قتله كما تقدم، وقد روى أبو داود عن عبد الرحمن بن عثمان أن طبيباً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن] ضفدع يجعلها فيدواء؛ فنهاه- عليه السلام- عن قتلها، وأخرجه النسائي.
وفي أكله توصل إلى قتله فحرم.
ولأنه مستخبث عند العرب.
والسرطان والسلحفاة مثله عند الشيخ أبي حامد، وكذا النسناس عند القاضي أبي الطيب.
وحكي عن الشافعي- رضي الله عنه – مذهب [ابن] أبي ليلى في إباحة الضفدع والسرطان في مجلس، فذكر صاحب "التقريب" أن من الأصحاب من عَدَّ

ذلك قولاً للشافعي رضي الله عنه.
وقد نسبه الشيخ أبو عاصم [العبادي] في الضفدع إلى رواية الربيع، ونسبه البغوي في السرطان في باب الصيد والذبائح إلى الحليمي، وأنه قيد الحل بذكاته، والوجه جار في السلحلفاة، كما تقدمت حكايته عن البغوي.
والصحيح تحريم الضفدع والسرطان والسلحفاة، وبه جزم الماوردي والبندنيجي، نعم: هل الضفدع طاهر أو نجس؟ فيه وجهان في "الحاوي"، فإن قلنا بنجاسته، فلو مات في ماء قليل، فهل ينجس من غير تغير؟ فيه وجهان: وجه المنع: لحوق المشقة؛ كدم البراغيث.
والضفدع: بكسر الدال وفتحها، والكسر أشهر عند أهل اللغة، وأنكره جماعة، والله أعلم.
قال: وما سواهما، أي: مما لا ضرر فيه، ولا يعيش إلا في الماء، وإذا خرج كان عيشه عيش المذبوح- فقد قيل: يؤكل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96]، أي: مصيده ومطعومه؛ وقوله- عليه السلام- في "البحر": "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ"، وهذا [ما] ادعى الماوردي أنه ظاهر المذهب؛ لأنه قال في كتاب السلم: "يؤكل فأر الماء".
قال الربيع: سئل الشافعي- رضي الله عنه- عن خنزير الماء، فقال: يؤكل، وإليه صار جمهور الأصحاب.
وقال البندنيجي: إنه المنصوص في عامة كتبه؛ ولأجل ذلك صححه الرافعي وغيره؛ وعلى هذا لا تشترط الذكاة في حل شيء منه، بل تحل ميتته كما في السمك؛

صرح به البندنيجي وغيره.
وقد يستدل له بما روي عن أبي بكر أنه قال: كل دابة تموت في البحر، فقد ذكاها الله [تعالى] لكم.
وهو محكي عن غيره من الصحابة، رضي الله عنهم.
نعم، قال الشافعي- رضي الله عنه-: "لو كان فيه ما يطول خروج روحه: كإبل الماء، وبقر الماء، فإن ذبحه ذابح؛ ليكون أروح له، لم أكرهه".
وقد أشار الرافعي إلى حكاية وجه في اشتراط ذبح ما عدا السمك إذا قلنا بحله، بقوله: "وإذا حكمنا بحل ما سوى السمك، فهل يشترط فيه الذكاة؟ فيه وجهان، ويقال: قولان، أصحهما: الحل.
قال: وقيل: لا يؤكل؛ لأنه- عليه السلام- خص السمك بالحل، قال الإمام: وهذا قول غريب ضعيف في حكم المرجوع عنه؛ فلا يرجع إليه.
وقال غيره: إنه أخذ من قول الشافعي- رضي الله عنه- في بعض كتبه: "إنه لا يحل من صيد البحر إلا الحوت"، فقال قوم: إن اسم الحوت خاص بالسمك دون غيره؛ فجعلوه قولاً ثانياً في المسألة، والقائلون [بالأول] قالوا: الحوت من الأسماء العامة التي تنطلق على جميع حيوانات البحر إلا الضفدع وما في معناه، وهو الأصح في "التهذيب".
[قال:] وقيل: ما أكل شبهه في البر، أي: [كفرس الماء وجمل الماء] أكل [شبهه في البحر] وما لا يؤكل شبهه في البر، [أي]: ككلب الماء، وخنزيره، وفأره، والنسناس- لأنه يشبه الآدمي- لا يؤكل [شبهه في البحر] اعتباراً لما في البحر بما في البر؛ فإن الاسم يتناوله؛ فدخل تحت دليل تحليله أو تحريمه، وهذا ما عليه الفتوى اليوم؛ كما قاله في "العدة".
وقد قيل: إن ما من دابة في البر إلا وفي البحر مثلها، فإن لم يصح هذا، ووجد [فيه] حيوان لا نظير له في البر محلل ولا محرم- قال الإمام والرافعي: حَلَّ؛ لما روي أن طائفة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكلوا سمكة يقال لها: العنبر- والخبر

مشهور- واعلموا بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكره عليهم.
وهي مما لا نظير لها في البر؛ وعلى هذا يشترط في الحل الذكاة، حتى لو مات حتف أنفه أو في الماء، لا يحل؛ جزم به البندنيجي وغيره.
وفي "النهاية" و"تعليق" القاضي الحسين وغيرهما: أنا هل نشترط الذكاة فيه على هذا أم لا؟ فيه قولان، مأخذهما أنه هل يسمى سمكاً أم لا؟ واعلم أن ظاهر القول الأول يقتضي حل التمساح؛ لأنه مما سوى الضفدع والسمك، وهو المفهوم من كلام ابن الصباغ أيضاً؛ فإنه قال: فأما ما يعيش في البحر، ولا يعيش في البر، فالذي نص عليه الشافعي- رضي الله عنه- أن ذلك حلال، سواء ما كان من جنس السمك [أو غيره].
وقال أصحابنا: على هذا يحل جميعه إلا الضفدع، واستثنى أحمد الضفدع والتمساح، وقد صرح من أصحابنا بحل أكله الصيمري، والمذهب تحريمه؛ للخبث والضرر.
قال: وكل طاهر لا ضرر في أكله يحل أكله؛ لأنه من الطيبات.
قال: إلا جلد ما يؤكل لحمه إذا مات ودبغ؛ فإنه لا يجوز أكله في أحد القولين؛ لعموم قوله – تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3]، وقوله – عليه السلام-: "إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَة أَكْلُها"، وهذا هو القديم، والصحيح في "الشامل" في باب الآنية، وادعى الإمام ثَمَّ أنه الظاهر.
قال: ويجوز في الآخر؛ لتحقيق الضابط المذكور، أما جلد ما لا يؤكل إذا دبغ؛ فإنه لا يحل قولاً واحداً؛ لأن الدباغ لا يزيد على الذكاة، والذكاة لا تفيد حله؛ فكذلك الدباغ، وهذا ما أورده ابن الصباغ في باب الآنية وغيره، وهو يؤخذ من كلام الشيخ، لأنه إذا استثنى جلد ما يؤكل لحمه، فجلد ما لا يؤكل لحمه من طريق الأولى؛ وبهذا يندفع الاعتراض على الشيخ- رحمه الله- في كونه لم يستثنه.

وقيل: هو- أيضاً- على قولين، وبه يحصل في المسألتين ثلاثة أقوال، حكاها الإمام والغزالي أوجهاً، وهي مفرعة على المذهب الصحيح في أن الدباغ يطهر الجلد باطناً وظاهراً.
أما إذا قلنا: لا يحصِّل الدباغُ إلا طهارة الظاهر؛ فلا يحل جزماً؛ كذا أشار إليه الإمام [ثَمَّ].
وقد أضاف البغوي إلى ما استثناه الشيخ المنى، وكل حيوان يبتلعه حياً سوى السمك والجراد.
وغيره أضاف الآدمي، وكل ما هو مستقذر: كالبصاق، والمخاط، والمني؛ فإنه حرام على المذهب كما قال الإمام، خلافاً [لأبي] زيد، وقال في حد ما يؤكل: هو كل [طاهر لا ضرر في أكله، وليس بجزء من آدمي ولا بمستقذر.
والإمام في باب الآنية قال:] لا يمتنع أن يجعل حد ما يؤكل كل طاهر غير مضر، وليس في تعاطيه هتك حرمة، وهذا يخرج بلع الحيوان الحي والآدمي، لكنه قد يدخل المستقذر؛ فلعله مال إلى مذهب أبي زيد في أنه لا يحرم، ويكفي الاستقذار وازعاً [عنه].
وقد استثنى الروياني والماوردي النبات الذي يسكر، وليس فيه شدة مطربة: كالبنج، وقال: إنه يحرم أكله، ويجوز استعماله في الدواء وإن أفضى إلى السكر؛ إذا لم يكن منه بد.
فإن قلت: هل يمكن أن يجاب عن الشيخ في اقتصاره على ما ذكر؟ قلت: نعم، ويقال: لا نسلم أن تناول المني والمستقذرات وما يسكر وإن لم يكن فيه شدة مطربة غير مضر.
وأما ابتلاع الحيوان الحي غير السمك والجراد، فهو يخرج بقوله: "ولا يحل من الحيوان المأكول [شيء] من غير ذكاة إلا السمك والجراد".
وأما جزء الآدمي فهو خارج ببداهة العقول، وإنما يقع الاحتراز عما يتوهم دخوله.

فإن قلت: ما ذكرته في الجواب عن عدم ذكره لابتلاع الحيوان الحي- إن صح- مُغْنٍ عن ذكر جلد ما يؤكل لحمه إذا مات ودبغ، فلم ذكره؟ قلت: لأمرين: أحدهما: ليبين أنه مختلف فيه.
والثاني: لأن الدباغ كالذكاة في التطهير على الجديد، فقد يظن أنه كهي في حل الأكل، فأراد أن يبين أنه ليس كذلك في أحد القولين، والله أعلم.
قال: وما ضرَّ أكله كالسم وغيره، أي: من الطاهرات، مثل: الزجاج، والحجر، والطين الذي يؤكل تفكهاً وسفهاً- كما قاله في "المرشد"-[قال:] لا يحل أكله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] وقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، ومن هذا القبيل تناول الأدوية في غير وقتها؛ لأنها تزيل الصحة.
وقد أفهم كلام الشيخ تحريم أكل السم القليل منه والكثير، وهو ظاهر نصه في كتاب الطعام والشراب؛ حيث قال- كما حكاه في "البحر"-: ما عرفه الناس سماً يقتل، أكره قليله وكثيره، خلطه أو لم يخلطه؛ لدواء أو غيره، وقد سمعت بمن مات في قليل [قد] بريء منه غيره، ولا أحبه، ولا أرخص فيه.
قلت: ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ حَسَا سمًّا، فَسمُّهُ في يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ في نَارٍ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً"، وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما أتم منه.
وهذا النص معمول به بلا شك فيما إذا كان القليل مضراً كالكثير، أما إذا لم يكن مضراً، فقد أطلق البندنيجي وأبو الطيب في هذا الباب حكاية قولين فيه، وإن كان مضطراً إلى القليل في سد الرمق، والجواز أخذ من نصه في كتاب الصلاة عليه، ويقرب منه قول الإمام: ولو تُصُوِّرَ شخص لا

يضره تعاطي السموم، لا يحرم عليه.
وقول محكي في "الذخائر": أن الطين لمن اعتاد أكله من غير مضرة لا يحرم.
وقال الماوردي: إن السموم على أربعة أضرب: ما قتل قليله وكثيره، فأكله حرام.
وما قتل كثيره دون قليله، فأكل كثيره حرام، وقليله إن كان غير منتفع به حرام أيضاً، وإن كان منتفعاً به في التداوي، حَلَّ أكله تداوياً.
وما يقتل في الأغلب، وقد يجوز [ألا يقتل، فحكمه كالضرب قبله.
وما لا يقتل في الأغلب وقد يجوز أن يقتل] فقد ذكر الشافعي- رضي الله عنه- في موضع إباحة أكله، وذكر في موضع تحريم أكله؛ فوهم بعض أصحابه، وخَرَّج إباحة أكله على قولين، والصحيح: أن إباحة أكله في التداوي، وتحريم أكله إذا كان غير منتفع به في التداوي، والله أعلم.
قال: ولا يحل أكل شيء نجس؛ لأنه من الخبائث، وهي حرامُ للآية، ولا فرق في ذلك بين أن يكون نجس العين: كودك الميتة، والخمر، ونحوهما، أو متنجساً يمكن تطهيره على رأي: كالزيت، والشيرج، والماء، أو لا يمكن تطهيره: كاللبن، والسمن، والودك.
نعم: يجوز أن يطعم شاته وبعيره ونحوهما الخبز المعجون بالماء النجس؛ نص عليه الشافعي، رضي الله عنه.
وقال النواوي في "الروضة": إن في فتاوى صاحب "الشامل": أنه يكره إطعام الحيوان المأكول نجاسة، قال: وهذا لا يخالف ما نص عليه الشافعي في الطعام؛ لأنه ليس بنجس العين.
قال: فإن اضطر إلى أكل الميتة، أكل منها؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] ومعناه: فأكل فلا إثم عليه، وقوله تعالى]: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 3]، وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119]، لكن هل الأكل واجب أو لا؟ فيه وجهان: أصحهما في "تعليق" القاضي أبي الطيب والحسين وغيرهما: نعم، وهو المنسوب

في "النهاية" للمحققين، ووجهه قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] وقوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] وهو إذا لم يأكل مع اضطراره، كان قاتلاً لنفسه، وملقيها إلى التهلكة؛ وعلى هذا يخرج عن الواجب بما يسد رمقه، ويكون أكله إلى أن يشبع [إن جوزناه] مباحاً؛ قاله الماوردي وغيره.
والثاني: لا يجب، وهو قول أبي إسحاق.
وقال الإمام: إن العراقيين زعموا أن هذا يخرج على أحد القولين في جواز الاستسلام، وهو بعيد جداً، ووجهه على بعده: أن المضطر قد يتردد [في درك حد الضرورة؛ فلا يأمن أنه لم ينته إليها، ولا يزال كذلك حتى يموت أو يقنع في حاله لا] ينفعه الأكل، وإنما حل أكل الميتة؛ لدفع الضرورة؛ [فيكون] تردد صاحب الضرورة في أمره كتردد من صال عليه إنسان في القدر الذي يدفعه به، مع حكم الشارع بوجوب الاقتصار على قدر الحاجة في الدفع.
وقد فرق البغوي بين المسألتين بأنه ثَمَّ يؤثر مهجة على مهجة، وترك تناول النجاسة لا يعادل إتلاف مهجته.
ثم هل يوصف ما [يأكله] بأنه حلال؟ الظاهر وصفه بذلك، لكن في "فتاوي" القاضي عند الكلام في السرقة: أنه لو حلف: لا يأكل الحرام، فأكل الميتة للضرورة- قال الشيخ العبادي: حنث في يمينه؛ لأنه حرام إلا أنه رخص فيه؛ وهذا يناظر ما ستقف عليه في باب ما يحرم من النكاح: أن وطء الشبهة حرام، وإن كان لا إثم فيه.
قال: ما يسد به الرمق في أحد القولين؛ لأنه بعد سد الرمق غير مضطر؛ فلا يباح له الأكل؛ لانتفاء الشرط الذي رتب عليه [عدم الإثم.
وقد قال السدي في تفسير قوله: ﴿وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: 173]، أي: ولا عاد في

استيفاء الأكل إلى] حد الشبع.
ولأن كل حكم تعلق بعلة إذا زالت العلة، زال الحكم بزوالها، وهذا ما نقله المزني في "المختصر"، واختاره.
وقال البندنيجي والقاضي الحسين: إنه مختار الشافعي- رضي الله عنه- أيضاً، وقد تابعهما القفال وكثير من الأصحاب؛ كما قال البندنيجي، وقفا أثرهم صاحب "المرشد" والنواوي.
قال: وقدر الشبع في الآخر؛ لأنه طعام جاز أن يتناول منه ما يسد رمقه؛ فجاز أن يشبع منه؛ قياساً على المذكاة؛ وهذا ما نص عليه الشافعي في كتاب سماه: ذبائح بني إسرائيل؛ كما قال أبو الطيب وابن الصباغ.
وقال البندنيجي: إنه أومأ إليه الشافعي في اختلاف أبي حنيفة وأهل المدينة.
قال الماوردي: لأنه قال بعد حكاية القول الأول: وما هو بالبيِّن، من قبل أن الشيء حلال أو حرام؟ فإذا كان حراماً فلا يحل منه شيء، وإذا كان حلالاً فلا يحتمل أن يحرم [عليه] منه شيء بشبع ولا غيره، ولأنه مأذون فيه.
قال أبو إسحاق المروزي: وهذا القول أقوى وأجود، وهو الذي صححه صاحب "الإفصاح"؛ كما في "البحر"، وإليه ميل القاضي أبي الطيب؛ لأنه قال بعد ذكر دليله: والجواب عما قلناه للقول الأول من الآيات: أن الضرورة قائمة؛ لأنه يحتاج إلى الشبع منها؛ ليقوى على ما هو بصدده؛ وذلك لا يحصل إلا بالشبع؛ لأن سد الرمق لا يقويه ولا يعينه عليه.
والجواب عن الآخر: أن الاضطرار علة في ابتداء الأكل دون استدامته، ولا يمتنع أن يكون الشيء علة في الابتداء دون الاستدامة: كخوف العَنَت وعدم وجود صداق حرة في نكاح الأمة؛ فكذلك لا يمتنع أن يكون الاضطرار علة في الابتداء دون الاستدامة.
قال في "التهذيب": ولأن الأصل هناك التحريم حتى تتحقق الضرورة، وهاهنا الأصل الإباحة حتى يشبع.

ثم هذا القائل لا يعني بالشبع الامتلاء حتى لا يبقى للطعام مساغ؛ فإن هذا حرام قطعاً؛ صرح به البندنيجي وأبو الطيب وغيرهما، ولكن يعني به- كما قال الإمام-: أن يأكل حتى تنكسر سورة الجوع؛ بحيث لا ينطلق عليه اسم جائع، فينتهي وينكف؛ وعلى هذا لو وجد لقمة حلالاً بعد سد الرمق، ليس له أن يأكل من الميتة، حتى يأكل تلك اللقمة، فإذا أكلها، فهل له إتمام الشبع؟ قال البغوي: قال شيخي: يحتمل وجهين: أحدهما: لا، حتى يصير إلى أدنى الرمق؛ لأنه عاد إلى أصل التحريم بوجود تلك اللقمة.
والثاني: له ذلك؛ لأنا أبحنا له الشبع ولم يصر إليه، وهذا ما صححه النواوي في "الروضة".
وقيل: ليست [المسألة] على قولين، بل على حالين: فالموضع الذي قال: لا يأكل شبعه؛ إذا كان في الحضر؛ لأنه ربما وجد طعاماً، فإن لم يجد فهو مقيم عند الميتة.
والموضع الذي قال فيه: يأكل شبعه؛ إذا كان مسافراً يحتاج إلى المشي، ولا يعرف أمامه طعاماً، فله أن يأكل شبعه؛ حتى لا يعجز عن المشي؛ وهذا ما حكاه القاضي الحسين عن [الشيخ] أبي جعفر الإستراباذي، وقال: إن الصحيح طريقة القولين.
وحكى الإمام معها قولاً ثالثاً: أنه إن كان في مهمهة بعيدة عن العمران، فليشبع؛ ليقطع المهمهة، وإن كان بقرب البلد اقتصر على سد الرمق، ثم أبدى لنفسه تفصيلاً، لخصه في "الوسيط"، فقال: من علم في البادية أنه لو لم يشبع ويتزود فلا يقوى، ولا يجد غيره، ويهلك؛ فيجب القطع بأنه يشبع ويتزود.
وإن كان في بلد، ولو سر الرمق توقع طعاماً مباحاً قبل عود الضرورة- وجب القطع بالاقتصار على سر الرمق، وإن كان لا يتوقع طعاماً، ولكن يمكنه الرجوع إلى الميتة إن لم يجد طعاماً مباحاً، فهاهنا يتجه التردد؛ إذ لو شبع لم يعاود على قرب، وإن اقتصر عاود على القرب.

ثم قال الإمام: ولا يجوز أن يكون الأمر على خلاف ذلك، وما نص الشافعي- رضي الله عنه- على قولين، ولا على أقوال مجموعة، ولكن نظر الناظرون تردداً صادفوه في كلامه، فحسبوه ترديد قول، وإنما هو ترديد حال.
قال النواوي في "الروضة": وهذا التفصيل هو الراجح.
تنبيه: قول الشيخ: "فإن اضطر إلى أكل الميتة .. " إلى آخره يوقظك لأمور: أحدها: أن الذي يباح له أكل الميتة هو الذي إن ترك الأكل هلك؛ لأنه جعل ما يجوز أكله في أحد القولين ما يسد الرمق- وهو بفتح الراء والميم: بقية الحياة- فدلَّ على أنه انتهى إلى حالة دون ذلك، ومن هذا حاله لو ترك الأكل هلك، وقد صرح الأصحاب [باعتبار ذلك].
وقال الإمام في موضعين من كتابه: إنه لا يشترط حصول العلم بذلك؛ بل غلبة الظن، ويكفي استناده إلى مبادئ الأمور من غير بصيرة.
ثم قال: لكن من ضرورة الظن أن يميل فيه العقل إلى أحد المعتقدين، ويترجح تعلقه به على تعلقه بالثاني؛ وهذا يستدعي سبباً لا محالة؛ فإن الظن لا يغلب من غير سبب، فلو اعترض حال، وكان صاحبها، يجوز أداؤها إلى الموت لو لم يأكل الميتة، ويجوز السلامة، ولا يترجح أحد المعتقدين [على الآخر] –فالتردد مع ما جبلت عليه النفوس من حب البقاء يجر خوفاً، وهذا الخوف لا مستند له من ظن، فالذي أرى القطع به: أنه يجوز لمن هذا وضعه أن يأكل الميتة؛ لأنَّا لو منعناه من الأكل حتى يعلم أو يظن، فربما يهلك في تربصه، وطلبه العلم أو الظن، وإن طلب طالب تلقي هذا من قول المشايخ، فهو صريح في كلامهم؛ فإنهم جوزوا أكل الميتة عند الخوف من الموت، وهذا خائف، ثم لا يشترط [-أيضاً-] أن ينتهي إلى حالة يكون فيها مشرفاً على الموت؛ إذ لو أشرف عليها، لم ينعشه الطعام، ولا ينجع فيه ما يتعاطاه؛ فينبغي أن نبيح له الأكل وهو على حاله، لو أكل لاستقل وانتعش، وحينئذ تكون الحالة التي يسوغ فيها الأكل حالة من أشرف على الإشراف على الموت لو لم يأكل، لا من أشرف على الموت.

قال البندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم: [و] في معنى المضطر المقدم ذكره من كان ماشياً أو راكباً على سفر وإن ترك الأكل، انقطع [عن] الرفقة؛ لضعفه عن المشي والركوب؛ فيجوز له الأكل، وقد حكاه القاضي الحسين عن الشافعي، رضي الله عنه.
وكذا لو خشي إن ترك الأكل مرض؛ كما قاله البندنيجي وقيده غيره بالمرض المخوف، وقال: في حل الأكل؛ لخوف مرض السل ونحوه من الأمراض التي تطويل، ويعسر علاجها- قولان: أحدهما: لا يحل الأكل؛ لعدم الخوف عاجلاً؛ كما لو توقع من عدم الأكل حصول حمى الربع.
وقال الرافعي: إن هذا الخلاف يقرب من القولين اللذين في "التهذيب" وتعليقه الشيخ إبراهيم المروذي فيما إذا عيل صبره، وأجهده الجوع، هل تحل له الميتة أم لا؟ فأحد القولين: أنه لا تحل حتى يصير إلى أدنى الرمق؛ لأن خوف الهلاك لم يتحقق؛ وهذا ما ادعى الإمام نفي خلافه، وقال المزني: لا نعلم سواه.
والثاني: تحل؛ لما يناله من الشدة والمشقة، ولينفعه الطعام.
والذي رأيته في "تعليق" القاضي الحسين في التعبير عن هذا القول: أن أبا عبد الله السرخسي حكى نصاً عن الشافعي: أنه يحل له أكل الميتة إذا اشتد به الجوع وعِيلَ صبره، وعلم أنه لو دام [به الجوع] مات.
وقد سلك الماوردي في التعبير عن [هذه] الحالة التي يسوغ فيها أكل الميتة طريقاً آخر، فقال: من انتهى به الجوع إلى حَدِّ التلف، فلا يقدر على مشي ولا نهوض؛ فيصير غير متماسك الرمق إلا بأكل، كان له بالأكل، وإن تماسك رمقه إذا أقام أو جلس، ولا يتماسك إن مشى وسار، نظر: فإن كان في سفر يخاف فوت رفقائه، حلَّ له أكلها، وإن لم يخف فوت رفقائه، لم يحل؛ وهذا أحد الشروط الأربعة التي اشترطها في حل أكل الميتة.
الأمر الثاني: أن يكون غير واحد من المأكول ما يمسك به رمقه؛ لأنه حينئذ

يصدق اسم الاضطرار إلى أكل الميتة، وقد صرح به الماوردي، لكنه جعل ذلك شرطين؛ لتتمة ثلاث شرائط من الشرائط الأربع التي تقدم ذكرها، فقال: الشرط الثاني: ألا يجد من مأكول الخسيس ما يمسك به رمقه من غير ضرر، فإن وجده لم يحل.
الشرط الثالث: ألا يجد طعاماً يشتريه بثمن مثله، فإن وجده لم يحل، سواء كان قادراً على الثمن أو عاجزاً عنه، ورضي مالك الطعام بذمته، بخلاف المتيمم؛ لأن التيمم منوط بعدم الوجدان، ومع العجز عن الماء وثمنه قد تحقق، وهاهنا الأكل منوط بالضرورة، وهو [مع] الإنظار بالثمن غير مضطر.
نعم: لو بذل له الطعام بأكثر من ثمن المثل، حلت، أي: إذا لم يقدر المضطر على مقاتلته؛ كما سنذكره.
والشرط الرابع الذي ذكره: ألا يكون [بصيرورته إلى] الضرورة لأكل الميتة عاصياً؛ [كما لو أقام لقطع] الطريق وإخافة السبيل، أو لبغيه على الإمام العادل؛ لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: 173]؛ ولأن إباحة الميتة رخصة، والعاصي لا يترخص، فإن تاب من المعصية، حل له أكل الميتة، وإن أقام عليها ولم يتب، حرمت عليه.
ولا فرق بين المسافر والمقيم، وهذا قد حكاه البندنيجي أيضاً، ونسبه في "البحر" إلى الشافعي، ونقل عنه أنه لو خرج غير عاصٍ، ثم نوى المعصية، ثم أصابته الضرورة ونيته المعصية- قال: خشيت ألا يسعه أكل المحرم، لأني أنظر إلى نيته في حال الضرورة لا في حال تقدمت عنها أو تأخرت عنها.
وفي الرافعي وجه أن ذلك ليس بشرط.
الأمر الثالث: أن ما ذكره يختص بالميتات النجسة؛ لأن قوله: "ولا يحل أكل شيء نجس، فإن اضطر إلى [أكل] الميتة [أكل] .. " إلى آخره يدل عليه، وأنه لا فرق في ذلك بين ميتة [ما يؤكل لحمه] و [بين] غيره، ولا بين ميتة الحيوان الطاهر أو النجس: كالكلب والخنزير، وقد صرح به القاضي أبو الطيب والبندنيجي

وغيرهما، واكتفي الإمام بذكر الميتة عن ذكر لحم الكلب والخنزير- كما فعل الشيخ- لأن الميتة هي البهيمة التي لا نفس [لها] سائلة التي ماتت من غير اتصال ذكاة شرعية بها.
نعم: حكى الماوردي أنه لو وجد ميتة غير مأكول اللحم [وميتة المأكول]، أو ميتة طاهر في حال الحياة وميتة نجس العين، هل يتخير بينهما، أو يأكل ميتة المأكول؟ والظاهر فيه وجهان، والدم من سائر الحيوانات ملحق بما ذكرناه.
وأما الميتة الطاهرة، فإن كانت مأكولة، لم يخف أنها ليست داخلة فيما نحن فيه، وإن كانت غير مأكولة، وهي ميتة الآدمي، ففي "التهذيب" وجه أنه لا محل تناولها، وإن وجدت الشرائط المذكورة؛ لحرمته، وهو ما حكاه أبو الحسن العبادي عن المزني.
والمذهب فيه- وهو الذي أورده الماوردي، والقاضي الحسين، والمصنف، وغيرهم- الحل، وأجروها مجرى غيرها من الميتات.
نعم: قال الماوردي: إنه لا يؤكل منها إلا ما يسد به الرمق قولاً واحداً، وأنه لا يجوز طبخها، ولا شيها؛ إذا أمكن تناولها بدون ذلك، بخلاف غيرها من الميتات؛ لأن طبخ الآدمي محظور وإن لم يؤكل، وأكله محظور وإن لم يطبخ، والضرورة تدعو إلى الأكل؛ فأبحناه، ولا تدعو إلى الطبخ؛ فحظرناه.
وقال أيضاً: إنه لو وجد ميتة غيره، لا يحل له أكل ميتته وجهاً واحداً، [بل يأكل] ميتة غيره وإن كانت لحم خنزير؛ لأن تحريم الميتة في حق الآكل، وتحريم ابن آدم في حقه وحق الآكل؛ فكان أغلظ.
وقضية إطلاق غيره: أنه لا فرق في ذلك كله أيضاً بين ميتة الآدمي وميتة غيره.
نعم حكى القاضي الحسين في حالة وجود ميتة غيره في إباحة تناول ميتة الآدمي وجهين؛ وهذا كله فيما إذا كان الأكل مسلماً، سواء كان المأكول مسلماً أو كافراً.
أما لو كان الآكل ذمياً، فهل نبيح له أكل ميتة المسلم إذا أبحناها للمسلم؟ فيه وجهان في"التهذيب".
قال النواوي في "الروضة": والقياس التحريم.

الأمر الرابع: أن ما ذكره مخصوص بما إذا اضطر الآكل لغير التداوي، فإنه لو [لم يكن] كذلك لما عناه بسد الرمق، [أو قدر] الشبع.
وقد عَدَّ الأصحاب من أحوال الضرورة المجوزة لأكل الميتة التداوي، إذا لم يقم غيرها من الطاهرات مقامها، وكلام الشيخ من بعد يفهم ذلك؛ حيث قال: "ومن اضطر إلى شرب الخمر، جاز له شربها، وقيل: لا يجوز، وقيل: يجوز للتداوي".
وفي "الحاوي" أن بعض أصحابنا منع التداوي بالمحرمات؛ لقوله- عليه السلام-: "إن الله ما جعل شفاءكم فيما حرم عليكم"، وهو حديث العرنيين، وتأويل الحديث: ما [حرم عليكم ما فيه شفاؤكم].
وفي "البحر": أن بعض أصحابنا ذهب إلى أنه لا يجوز التداوي بغير أبوال الإبل؛ للنص المخصوص، ولا يقاس عليها غيرها، وبه يحصل في [جواز التداوي بالنجاسات] ثلاثة أوجه، وقد يفهم من كلام الأصحاب حيث جوزوه: أن يظن أنه

إن لم يتداوَ هلك كما تقدم، أو ما [يقوم مقامه] والله أعلم.
فروع: أحدها: لا يحل للمضطر قتل آدمي معصوم الدم؛ لأجل روحه: كالمسلم والذمي، والمعاهد، سواء قصد قتله؛ ليأكله أو قصد أخذ ما معه من مأكول، وهو- أيضاً- مضطر إليه إن أُخِذ منه مات، وفيه شيء سيأتي.
ويجوز قتل الحربي والمرتد، وكذا من للمضطر عليه قصاص في النفس، وأما الزاني المحصن فقد حكى في "المهذب" و"التهذيب" فيه وجهين أجراهما القاضي الحسين في القاتل في الحرابة، وتارك الصلاة؛ لما فيهم من فضيلة الإسلام.
والمختار في "المرشد" الجواز، وإن كنا نمنعه من قتلهم؛ تفويضاً إلى الإمام، وهو الذي أورده الإمام.
وهل يجوز قتل الحربية والصغير من أولاد أهل الحرب؛ لأجل ذلك؟ يجيء من اختلاف النقل فيه وجهان: أحدهما- وهو الذي أورده البغوي-: المنع.
وقال الإمام: الظاهر عندنا الجواز، فإن حرمة قتلهم في غير حال الضرورة، ليس لحرمة روحهم، أي: وإنما هو لصيانة ناموس الولاية، وحفظ توقع المالية، ويدل على ذلك أن قاتلهم لا تلزمه الكفارة.
ولا يجوز له قتل عبد نفسه؛ لأنه تلزمه الكفارة بقتله.
قلت: وهذا ظاهر في العبد المسلم.
أما إذا كان [كتابياً] بالغاً، فحقن دمه لأجل حق السيد في ماليته حتى لا يضيع؛ فيشبه أن يكون كالحربية وأولاد أهل الحرب.
ومن طريق الأولى إذا كان وثنياً؛ فإنه لا يقر على دينه بالحرية لو كان حراً، وينشأ من هذا أنه إذا قتل من عبيده من هذا حاله، لا تجب عليه الكفارة؛ كما في قتل ذراري أهل الحرب ونسائهم [كما سيأتي.
وقد يقال: إن هذا يفارق ذراري أهل الحرب ونساءهم] لأن هؤلاء لم يثبت لهم أمان؛ فلذلك كان تحريم قتلهم؛ لتوقع ماليتهم، لا لحرمة نفوسهم، والعبد الكتابي والوثني قد أثبت له الشرع أماناً بالرق؛

فصار كالمعاهد، ويشهد لذلك: أن السيد لو أعتقه، لا يقال: إنه هناك هل يبلغ إلى المأمن على أصح الطريقين كما سيأتي فيمن بلغ من أولاد أهل الذمة، وقلنا: نستأنف له عقد الذمة، فامتنع من بذل الجزية، والله أعلم.
ولو أراد المضطر أن يقطع عضواً منه أو قلفة من فخذه؛ ليأكلها- أطلق العراقيون والبغوي في جواز ذلك وجهين: أصحهما في "تعليق" القاضي أبي الطيب وغيره: المنع.
ومقابله: منسوب إلى ابن سريج وأبي إسحاق؛ قياساً على جواز القطع؛ لأجل الأكلة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الوجهين من تخريج ابن سريج.
وقال المراوزة: إن كان يخشى من ذلك القطع خوف الهلاك كما يخشى من ترك الأكل أو أكثر منه، لم يحل، وإن كان لا يظهر منه خوف، ففي الحل وجهان.
ولا خلاف أنه لا يجوز أن يفعل ذلك في معصوم الدم، ولا للمعصوم أن يفعل في نفسه؛ لأجل مضطر غيره.
الثاني: يجوز التزود من الميتة إن لم يُرجَ الوصول إلى الحلال، وإن رجاه، ففي "التهذيب" وغيره: أنه يحرم.
وعن القفال: أن من حمل الميتة من غير ضرورة، لم يمنع؛ ما لم يتلوث بالنجاسة.
قيل: وهذا يقتضي جواز التزود عند الضرورة من طريق الأولى.
قال في "الروضة": والأصح: جواز التزود إذا رجا.
الثالث: إذا كان في يد المضطر ميتة، فلا يكن بسبب يده أولى بها من مضطر آخر؛ فإن اليد لا تثبت على الميتة؛ كذا حكاه الإما في كتاب الإقرار عن القاضي، ثم قال: والوجه خلاف ذلك، فإن الميتة في حق المضطرين مباحة؛ فلتكن كالأشياء المباحة في حق المحتاجين، وإن كان الملك لا يتحقق في الميتة.
قال: وإن وجد المضطر ميتة وطعام الغير، أي: والغير غائب، كما صور المسألة في "المهذب"؛ تبعاً للبندنيجي والماوردي، وهو الذي ذكره القاضي الحسين والفوراني أيضاً.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل