كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 241-280
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 241-280
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فرع: إذا اشترى ثوباً مطوياً على طاقين ملتصقين مثل السختياني، فنشره واطلع على عيب به - فإن النشر ينقصه، وحكمه في الرد وغيره حكم الرانج.
صرح به العراقيون.
وفي "النهاية" حكايةً عن بعضهم: القطعُ بأنه إذا نشر قدر ما يطلع على العيب به لا يمتنع الرد قولاً واحداً، والفرع مصور عند الإمام في بيع الغائب، وعند الماوردي وأبي الطيب بما ذكرناه، وقد رأى كلاًّ من وجهيه.
وعند الرافعي أيضاً بما إذا كان قد رآه قبل الطيّ أو بعده وبعد النشر؛ فإن نشره مرتين ينقصه أكثر من نشره مرة، وقال: إن فيما حكاه الماوردي تفصيلاً وخلافاً سبق.
قال::وإن وقف المبيع، أو كان عبداً فأعتقه"- أي: من غير شرط - "أو مات" - أي: قبل العلم بالعيب، ثم علم به "رجع بالأرش"؛ لوقوع الإياس من الرد، وتعين الأرش طريقاً لدفع الضرر، وهكذا الحكم فيما لو أكل المبيع أو أتلفه أجنبي.
وحكى الإمام قبيل كتاب "الرهن" أن المزني ذهب إلى أنّ الرجوع بالأرش لا يثبت بعد تلف المقبوض، أمَّا إذا كان العتق مشروطاً في البيع فقد نقل القاضي عن

أبي الحسين: أنه لا أرش له؛ لأنه وإن لم يكن معيباً لم يمسكه، ونقل عنه وجهين فيما إذا اشترى من يعتق عليه، ثم وجد به عيباً، ولأجل الاحتراز عن ذلك عدل الشيخ عن قوله: وإن كان عبداً فعتق، إلى ما ذكره.
قال القاضي: "وعندي أنَّ له الأرش في الصورتين"، وفي "النهاية" قبيل كتاب "السلم": أنه يرجع في شراء القريب [بالأرش]، ولم يحك سواه.
ثم في هذه الأحوال التي ذكرناها هل يثبت له الأرش بنفس الاطلاع قهراً، أو لابد من اختياره، حتى لو رده لم يرجع به؟ فيه وجهان، اختيار الشيخ أبي عليّ منهما على ما حكاه الإمام في "الكتابة"، والقاضي الحسين على ما حكاه أيضاً في "السلم": الأول، وفي الرافعي هاهنا: أنَّ الأظهر الاثني، لكنه حكاه فيما إذا كان الثمن في الذمة، وجعل وجه التعيين يرجع إلى حصول البراءة بمجرد الاطلاع، والأرش مأخوذ في مقابلة [فوات سلطة الرد عند الإمام على ما حكاه في باب "بيع المرابحة" وقال: لا ينتظم عندنا إلاَّ ذلك، وعند غيره في مقابلة] الجزء الفائت، حتى لو كان الثمن معيناً في العقد تعين فيه على أظهر الوجهين، وهو ما حكاه الإمام في "الكتابة"، وقال: لو كان الثمن عبداً آخر رجع فيه بقدره.
وهذه مناقضة، ثم إذا بطل العقد فيما يقابله هل يبطل في الباقي؟ المشهور: لا، وادّعاه الإمام بلا خلاف في كتاب "السلم"، وفي "شرح فروع" ابن الحداد للقاضي أبي الطيب في كتاب "السلم": إذا ابتاع حنطة معينة بعبد معين، وسلم الحنطة وتسلم [العبد] وأعتقه، ثم وجد بالعبد عيباً، قدر الأرش ثم يرجع بقدره من الحنطة، وانتقض البيع فيه، وهل ينتقض في الباقي؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنه من قال: على القولين في تفريق الصفقة، ومنهم من قال: لا يفسد قولاًواحداً، وإنما لقولان في تفريق الصفقة [إذا كان العقد لم ينعقد في البعض، ومقتضى رأي من قال

بتخريج ذلك على تفريق الصفقة] إن ثبت الخيار لمن انحط له شيء، وقدجزم الإمام أيضاً بأنه لا خيار له؛ لأن هذا حط مستحق شرعاً؛ فلا خيرة مع حكم الشرع.
فرع: [لو كان المبيع المعيب حليًّا وقد تلف، وكان الثمن من جنسه أو من غير جنسه – فقد ذكرنا حكمه في باب [الربا].
ولو كان المبيع صاع حنطة بصاع حنطة، وتقابضا، فتلف أحدهام، ثم اطلع على عيب به – ففيه ثلاثة أوجه حكاها القاضي الحسين: أحدها: يرجع بأرش المعيب من نقد البلد.
والثاني: يسترد من الصاع الآخر بقدر ما يقابله.
والثالث: يغرم مثل التالف، وسترد ما أعطي في مقابلته.
قال: وإن باعه لم يرجع بالأرش، وهو المنصوص، وبه جزم أبو الطيب، والماوردي، وغيرهام، وَلِمَ ذلك؟ قال أبو إسحاق وابن الحداد: لأنه استدرك الظُّلامة، وغبن كما غبن، وقد رُئيَ ذلك منصوصاً عليه في الخلاف.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: لأنه لم ييأس من الرد، وقد رُئيَ منصوصاً عليه في "اختلاف العراقيين"، وهو الذي صححه الشيخ أبو حامد وأبو الطيب، وفي "تعليق" القاضي الحسين: "أنه الأظهر"، ولهذا الخلاف ثمرةٌ تظهر من بعد.
قال: "وقيل: يرجع" – أي: بالأرش – نظراً إلى العجز في الحال؛ كما لو مات العبد أو أعتقه، وهذا من تخريج ابن سريج، وفي رواية البويطي ما يقتضيه؛ فعلى هذا: لو أخذ الأرش، ثم رده عليه مشتريه بالعيب، فهل يرده مع الأرش ويسترد الثمن ام لا؟ فيه وجهان: قال:"وليس بشيء"؛ لما ذكرناه.
واعلم أن الكلام فيما يرجع بأرشه من العيوب في هذا القسم وما قبله ما عدا الخَصْي، أمَّا إذا كان العيب القديم هو الخَصْي فلا أرش له أصلاً؛ إذ لا نقص في القيمة حتى يعتبر من الثمن، صرح به الإمام والرافعي، وفي تعليله نظرٌ؛ فإنه قال: "لا

أرش له كما لا رد"، وقد صرح هو وغيره بثبوت الرد عند إمكانه بعيب الخصي.
قال: "فإن رده عليه الثاني بالعيب، أو وهبه له، أو ورَّثه ردَّه" - أي: إذا فرعنا على المذهب، وهذا من الشيخ اختيار للمعنى الثاني كما رجحه الشيخ والقاضي، أمَّا إذا قلنا بالأول؛ فلا يرد إذا عاد إليه بالهبة أو الإرث، ويردإذا ردّ عليه بالعيب، وبنى الإمام والغزالي الخلاف في الرد عند العود بالهبة أو الإرث، وكل جهة لا يتعلق بها عهده: على أن الملك إذا زال، ثم عاد فهو كالذي لم يَزُلْ، أو كالذي لم يَعُدْ وفيه جوابان: فإن قلنا: إنه كالذي لم يعد؛ فلا رد.
وإن قلنا: كالذي لم يزل؛ كان له الرد، وبنينا الرجوع بالأرش في الحال على الخلاف في الرد عند العود: [فإن قلنا: لا يرد رجع بالأرش].
وإن قلنا: يرد؛ ففي الرجوع بالأرش [في الحال للحيلولة وجهان؛ كالقولين في شهود الحال إذا رجعوا، وادّعى أن القياس ما ذهب إليه طوائف من المحققين، وهو الرجوع بالأرش].
وعلى الوجهين يخرج ما إذا عاد إليه بالبيع، فعلى قول أبي إسحاق: لا ردَّ له، وعلى قول أبي علي: له الرد، كذا هو في "تعليق" القاضي أبي الطيب، وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه إذا كان عالماً بالعيب لم يكن له الفسخ؛ لأنه لما أقدم على شرائه مع العلم بعيبه صار راضياً به، وإن كان جاهلاً بالعيب حال الشراء الثاني؛ نظر في البائع الثاني: إن علم به قبل البيع الثاني، وأسقط حقه؛ فليس للمشتري أن يرده على البائع الأول، وله رده على البائع الثانين وهل له الرجوع على الأول بالأرش؟ لم يتعرض له القاضي.

وفي "النهاية" حكاية قولين فيه عن رواية صاحب "التقريب"، والأظهر: أنه لا يرجع.
وإن كان الآخر جاهلاً بالعيب نظر: إن كان الثمن الثاني من غير جنس الأول، أو أكثر منه [أو أقل] – ردّه على البائع الثاني، وإلا فوجهان: أحدهما: يرد على البائع الأول.
والثاني- وهو الأصح -: أنه يرد على البائع الثاني.
وفي الرافعيّ حكاية وجه ثالث – تفريعاً على ما ذهب إليه ابن أبي هريرة -: أنه إن شاء ردّ على الأول، وإن شاء ردّ على الثاني، فإذا ردّ على الثاني فله أن يرد عليه، وحينئذ يرد هو على الأول.
وعلى الوجهين معاً: لو كان قد وهبه هبة لا تقتضي الثواب، ثم عاد إليه بالبيع، أو الهبة، أو الإرث – يكون له ردّه قولاً واحداً.
صرح به القاضي أبو الطيب، ومقتضى طريقة الإمام: جريان الخلاف [المذكور] أيضاً.
وفي الرافعي حكايته فيما إذا عاد إليه بالهبة، لكنه بناه على أنه لو لم يعدْ هل يأخذ الأرش؟ وفيه خلافٌ مذكرو في "تعليق" القاضي أبي الطيب مبنيٌّ علىقول أبي إسحاق وابن أبي هريرة أيضاً إن قلنا: لا، فله الرد، وإن قلنا: يأخذ، فينحصر الحق فيهن أوي عود إلى الرد عند القدرة؟ فيه وجهان.
وإن عاد إليه بالبيع، فإن قلنا: لا يرد في الحالة الأولى، فكذلك هاهنا، ويرد على البائع الأخير، وإن قلنا: يرد، فهاهنا يرد على الأول، او على الأخير، أو يتخير؟ فيه ثلاثة أوجه.
ثم محل الكلام في عود المبيع إليه بالهبة أو الإرث، كما حاكه الشيخ إذا لم يجز المشتري الثاني العقد، ويرضَ بالعيب.
أمَّا إذا رضي به قال الماوردي:"استقر سقوط الأرش والرد، ولو كان قد وقف المبيع، أو أعتقه، أو أتلفه، أو حدث به عيبٌ مانعٌ من الرد؛ ففي "تعليق" أبي الطيب حكاية وجهين مبنيين على مأخذ المنع من الرد: فعلى قول أبي إسحاق: لا يرجع، وعلى قول ابن أبي هريرة: يرجع.

وفي الرافعي حكاية هذا الخلاف فيما لو أعتقه أو وقفه أو أتلفه، ولم يرجع عليه المشتري الثاني بالأرش، أو أبرأه منه.
أمَّا إذا رجع عليه به فيرجع وجهاً واحداً، وأمَّا في حدوث العيب فينظر: إن قبله المشتري الأول معباً؛ خير بائعه: إن قبله فذاك، وإلا أخذ الأرش منه، وعن أبي الحسين: أنه لا يأخذه، واسترداده رضا بالعيب، وإن لم يقبله، وغرم الأرش؛ ففي رجوعه بالأرش على بائعه وجهان: أحدهما - وبه قال ابن الحداد -: لا يرجع؛ لأنه ربّما قبله بائه لو قبله هو؛ فكان متبرعاً بغرامة الأرش.
وهذا ما جزم به الماوردي.
وأظهرهما في الرافعي: أنه يرجع؛ لأنه ربما [لا] يقبله بائعه فيتضرر.
قال الشيخ أبو علي: "وعلى الوجهين معاً: لا يرجع ما لم يغرم للثاني".
واعلم أن استيلاد الجارية المبيعة قائم مقام عتقها في هذا المعنى، والكتابة ملحقة بالتزويج عند المتولي.
وفي الرافعي أن الأظهر: أنها كالرهن وسنذكرهما، وفي "الحاوي" إلحاقها بالبيع، وتعليق العتق بالصفة والتدبير لا يمنعان من الرد بالعيب.
نعم، لو وجد البائع بالثمن عيباً فرده، وكان العبد المبيع قد دبره المشتري، فهل له الرجوع في عيبه؟ فيه خلاف مذكور في كتاب الصداق من "الوسيط".
والهبة: إن قلنا: "إنها تقتضي الثواب كالبيع"، وإن قلنا: "لا تقتضيه".
ففي "الحاوي" حكاية وجهين على المذهب المنصوص في البيع مبنيين على العلتين.
وفي تعليق أبي الطيب الجزم بأنه لايرد، وقوى به تعليل ابن أبي هريرة، وعلى تخريج ابن سريج: يرجع بالأرش، والرهن والإجارة [المذكور منهما في تعليق القاضي الحسين أنهما لا يمنعان الرد، لكن في الحال أم حتى ينفك الرهن؟] وتمضي مدة الإجارة؟ فيه وجهان:

فإن منعنا الفسخ في الحال لم يكن له الرجوع بالأرش، وفي "الحاوي" حكاية وجهين: أحدهما: [لا أرش] له، وهو مقتضى تعليل أبي علي.
والثاني -: وهو مقتضى تعليل أبي إسحاق -: له الخيار في أن يتعجل الأرش، ويسقط حقه من الرد، أو يتوقف لينظر ما يئول إليه الحال.
وفي الرافعي: أن الحكم كذلك في الإجارة إذا منعنا بيع المستأجر، فإن جوزناه، ورضي البائع به مسلوب المنفعة مدة الإجارة - ردّ عليه، وإلاَّ تعذر الردّ، وفي الأرش الوجهان، وأنهما يجريان فيما إذا تعذر الرد بغصب أو إباق، وصورته: إذا كانقد أبق في يد البائع، ثم أبق في يد المشتري كما صوره أبو الطيب، وجزم فيه بعدم الأخذ، [وأيد به أيضاً تعليل ابن أبي هريرة]، على الجزم بمنع الأخذ جرى ابن الصباغ.
والتزويج يمنع الرد بدون رضا البائع، ويوجب الأرش؛ لأنه ليس لغايته أمد معلوم، والمقاسمة إذا جرت في المشاع قبل الاطلاع على العيب هل يمنع الرد؟ إن قلنا: إنها إفراز حق؛ فلا، وإن قلنا: إنها بيع؛ فهي كما لو باع بعض المبيع، ثم وجد بالباقي عيباً.
قال: والعيب الذي يردّ به ما يعده الناس عيباً: من المرض - أي: وإن قلّ - والعمى [أي]: ولو في إحدى العينين، والجنون أي: وإن كان متقطعاً - والبرص اولجاذم - أي: وإن لم يستَحْكِمْ والبخر - أي: الناشئ من تغير المعدة - دون ما يكون من فَلَجِ الأسنان، والزنى، والسرقة، وما أشبه ذلك مثل التمكن منعمل قوم لوط أو عمله، والصُّنان الي لا يزول إلا بعلاج يخالف العادة، وفي "تعليق" القاضي الحسني أنه قال: عندي أنَّ الصنان لا يثبت الخيار.
و"اعتياد الإباق"، كما صرح به الغزالي والإمام في باب "السلم" "دون المرة الواحدة"، خلافاً لأبي علي الزجاجي، والقاضي الحسين، كما صرح به في الموضع الذي سنذكره، وهذا منهما إشارة إلى أنه لو وجد في يد البائع، ولم يوجد في يد المشتري كفى، وعلى الأول: لا يكفي، وإلى ذلك أشار في "الإشراف".

وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن محل الرد بعيب الإباق إذا تكرر منه في يد البائع، واشتهر ووجد في يد المشتري.
أمَّا إذا وجد في يد البائع، ثم وجد في يد المشتري؛ بحيث تنقص القيمة – لم يرد لحدوث عيب آخر في يده، ويرجع بالأرش.
قال الرافعيُّ: والسرقة قريبة من هذا، وقد صرح القاضي الحسين في باب"الخلاف باليمين مع الشاهد" بذلك.
ومحل الخلاف في الإباق والسرقة: ما إذا صدرا من البالغ.
أمَّا إذا صدرا من صبي، وكذا الزنى في يد البائع، ولم يجر شيء منها في يد المشتري- فلا رد به، صرح به صاحب "الإشراف".
واعتياد البول في الفراش في غير أوانه من العبيد والإماء، عيب دون المرة الواحدة على الأظهر، وما إذا كان في أوانه، وهو ما دون سبع سنين، كما صرح به البغوي.
وكون الضيعة منزلاً للجند واختصت به دون ما حولها، كما صرح به القاضي

الحسين في "فتاويه"، وكون الخراج المصروف على الأرض ظلماً ثقيلاً دون ما حولها، وعن حكاية أبي عاصم العبادي وجه: أنه لا يدر بثقل الخراج، ولا بكونها منزلاً للجند؛ لأنه لا خلل في نفس المبيع.
وكون الدار يجاورها قصارون يتأذى من صوت دقهم وتتزعزع الأبنية به.
وكون الأرض يجاورها خنازير تفسد ما بها من زرع ملحقٌ بالصورتين قبلها عن المتولي.
وكون العبد أقرع، أو أخفش، أو أجهر، أو أعشى، أو أرَتَّ لا يفهم، أو فقيد الظر أو الشعر، أو له أصبع زائدة، أو سن زائدة، كما ذكر في "الحاوي"، أو مقلوع بعض الأسنان، أو آدر، أو ذا قروح، وكذا آثارها وآثار الشجاج، أو ثآليل كثيرة، أو بَهَق، وكونه أبيض الشعر في غير أوانه، أو كذاباً كما حكاه القاضي الحسين، أو نمَّامًّا، أو ساحراً، أو قاذفاً للمحصنات، او مقامراً، أو تاركاً للصلاة، أو شارباً للخمر – ملحقٌ بالعيوب المتفق عليها.
وفي "الرقم" للعبادي: أنه لا يرد بالشرب، وترك الصلاة.
وكونه خنثى مشكلاً [أو غير مشكل – عيبٌ]، وعن بعض المتأخرين: أنه إن كان رجلاً، وكانيبول من فرج الرجال، فلا ردّ به.
وهذا ما حكاه العمراني في "زوائده" عن القاضي في "السلم".
وكونه مخنثاً، وكون الجارية مستحاضة، أو معتدة، أو مستأجرة، أو محرمة، أو مزوجة، وكذا الغلام – وفي "البيان" حكاية وجه في التزويج.
وكون الجارية لا تحيض في سن تحيض فيه النساء غالباً وهو عشرون سنة، كما قاله القاضي الحسين، وكذا تطاول طهرها إذا جاوز الادة، وحملها – عيب، وكذا الحمل في سائر الحيوانات عند صاحب "التهذيب" دون غيره، وهو ما حكاه الرافعيُّ في الصداق أنه أظهر الوجهين.
وكون العبد أو الجارية جانيين جناية تعلق الأرش بالرقبة، وإن كانت خطأ إذا كثرت – عيب، أمَّا إذا لم تكثر جناية الخطأ؛ فلا.
واصطكاك الكعبين، وانقلاب القدمين، واسوداد الأسنان، والكَلَف المغيِّر للبشرة،

وكون أحد ثديي الجارية أكبر من الآخر، والحَفَر في الأسنان لتراكم الوسخ الفاحش في أصولها، والكي – عيب، وكذا العنة عند الصيمري، وهو الأظهر عند الإمام، وعند غيرهما: لا خيار بها.
وكون الدابة جموحاً، أو عضوضاً، أو رموحاً، أو زهيدة، أو تشرب لبنها، أو خشنة المشي، بحيث يخشى منها السقوط – عيبٌ، وكذا قطع بعض الأذن بحيث لا يجزئ في الأضحية عند صاحب "التقريب"، وكون الماء المشتري مشمساً، أو المبيع نجساً ينقص بالغسل – عيب.
وكذا الرمل تحت الأرض إن كان مما يبطل البناء، والأحجار إن كانت مما تبطل الزرع والغرس، وفي "الوسيط" حكاية خلاف في الأحجار، وإن كانت مودعة يثبت الخيار، إلاَّ أن يقول البائع: أنا أزيلها في مدة قريبة لا أجرة لمثلها.
ولو أضرت الحجارة بالغراس دون الزرع؛ ففيه وجهان في "الحلية": أحدهام – ويحكي عن ابن أبي هريرة -: أنه ليس بعيب.
وقال الماوردي: عندي ينظر في أرض تلك الناحية: فإن كانت مرصدة للزرع دون الغراس لم يثبت، وإن كانت مرصدة للغراس ثبت.
وظهورُ قَبَالَةٍ تُوقِفُ المبيع، وعليها خطوط المتقدمين، وليس في الحال من يشهد بذلك – عيب، قاله في "العدة".
وكذا كون البائع وكيلاً، أو وصيًّا، أو أمين حاكم على وجه محكي في "الحاوي"، وكذا لو كان العبد مبيعاً في جناية عمدٍ، وقد تاب على وجه فيه أيضاً.
ولا ردّ بكون الرقيق رطب الكلام، أو غليظ الصوت، أو سيء الأدب، أو ولد زنى، أو غنياً، أو حجاماً، أو أكولاً، أو زهيداً، قال القاضي الحسين: إلاَّ أن يكون لعلة به.
وكذا لو كان العبد مرتداً حالة العقد، وقد تاب قبل العلم على المذهب.
وفي "الحاوي" في كتاب "الرهن": أن ذلك عيبٌ في الحال، وأمَّا إذا قلنا: إنه ليس بعيب، فهل له الرد به؟ فيه وجهان.
وكذا لا ردّ بكونه عقيماً وغير مخفوض أو مختون، إلاَّ إذا كان الغلام كبيراً يخاف عليه من الختان، وقيل: ألا تستثني هذه الحالة أيضاً، وإطلاق القاضي

الحسين يوافق هذا.
وكذا لا ردّ بكون الرقيق ممن يَعْتِقُ على المشتري، ولا بكون الأمة أخته من الرضاع أو النسب، أو موطوءة ابنه، بخلاف المحرمة والمعتدة؛ لأنّ التحريم ثم عام فتقل الرغبات، وهاهنا يختص التحريم به، ورأى القاضي ابن كجٍّ إلحاق ما نحن فيه بالمحرمة والمرتدة، هذا ما أشرت إليه من قبل.
وكذا لا أثر لكونها صائمة على الأصح.
وضابطه: أن الردّ يثبت بكل ما في المعقود عليهمما ينقص قيمة العين، أو نفسها من الخلقة التامة نقصاناً يفوت به غرض صحيح، بشرط أن يكون الغالب في أمثال المبيع عدمه، وإنما اعتبرنا نقصان العين لمسألة الخصي؛ فإنه يثبت به الردّ – وإن زادت القيمة – لفوات غرض صحيح به، وإنما اعتبرنا الخلقة التامة؛ ليخرج ما إذا نقص من العين ما هو زائد عن الخلقة التامة كالأصبع الزائدة إذا أزالها البائع- فإنه لا ردّ بسبب فوات ذلك إذا لم يبق شُيْنٌ، وإنما اشترطنا فوات غرض صحيح؛ احترازاً عمَّا إذا قطع قُلْفة يسيرة من فخذها، أو ساقه، بحيث لا يؤثر شيئاً، ولا يفوت غرضاً.
فرع: لو وجد الإباق، والسرقة، والزنى، ونحو ذلك في يد البائع، وارتع مدة مديدة؛ بحيث يغلب على الظن زوالها، ثم وجدت في يد المشتري.
قال الثقفي والزجاجي وأبو علي: لا يجوز الرد؛ لاحتمال أن تلك المعاني ارتفعت، ثم حدثت في يد المشتري؛ فصارت كالمرض الحادث في يد المشتري، حكاه في "الإشراف".
قال: "وإن اشترى جارية فوجدها ثيباً" – أي: في سن تحتمله –"أو مسنة، أو كافرة" – أي: يحل وطؤها كاليهودية والنصرانية – لم يرد"؛ لأن هذا ليس بنقص، بل

فوات فضيلة، أمَّا إذا كانت الثيب صغيرة بحيث يندر ثيابتها، أو الكافرة ممن لا يحل وطؤها كالمجوسيّة والوثنية والمرتدة- ثبت الرد؛ لأنّ ذلك نقص، وفي "التتمة" في الكافرة الأصلية: أنه لا يثبت الرد في هذه الصورة أيضاً، وطرده في الغلام.
وفي "النهاية" في هذا الباب: أنه لو اشترى عبداً فخرج كافراً، فالذي ذهب إليه عامة الأصحاب: أن الكفر عيبٌ.
وذكر العراقيون وجهاً: أنه ليس بعيب، واسم "العبد" لا يتعرض للإيمان ولا للكفر.
وفي هذا القول تفصيلٌ عندي: فإن كان الغالب العبد المسلم في موضع العبد الكافر، وكان الكفر منقصاً للقيمة فهو عيبٌ، وإن لم يكن الإسلام غالباً في العبيد، بل كانوا منقسمين، وكان الكفر منقصاً للقيمة، فهذا فيه تردد، ظاهر القياس: أنه ليس بعيب، وظاهر النقل أنه عيب، وإن لم يكن الكفر منقصاً، والعادات مضطربة، فالوجه: القطع بأنّ الكفر لا يكون عيباً.
وقال – متصلاً بباب "بيع حبل الحبلة" -: إذا اشترى المسلم عبداً، فخرج كافراً نُظر: إن اشتراه في بلاد الإسلام له ردُّه؛ فإن الكفر في العبيد نادرٌ في هذه الديار، وإن كان في دار الحرب فالذي ذهب إليه الأكثرون: أنه لا يرده، وكان شيخي يقول: يثبت الخيار؛ لأنّ الكفر عيبٌ مهما اتفق، وما قاله أولاً وآخراً يجري في الأمة الكتابية من طريق الأوْلى، وقد أشار إليه في "التهذيب".
قال: "إلاَّ أن يكون قد شرط أنها بكر، أو صغيرة، أو مسلمة" فيثبت له الرد؛ لأجل الخلف.
وحكى الإمام في آخر "النهاية" فيما إذا شرط أنها بكر، وكانت مزوجة، خرجت ثيباً – وجهين في ثبوت الخيار.
قال: "وإن شرط أنها ثيبٌ، فخرجت بكراً لم يرده؛ لأنها أكمل مما شرط، وهذا هو الأصح.
قال: "وقيل: يرد؛ لأنه قد يتعلق له بذلك غرض؛ لضعف آلته، أو كبر سنه، وقد فات عليه؛ فيثبت له الخيار.
ويجري هذا الخلاف – على ما حكاه الماوردي – وغره فيما إذا اشترط أنها سبطة، فخرجت جعدة الشعر، أو بيضاء الشعر – علىقول من لم يشترط الرؤية –

فخرجت سوداء الشعر، أو خصيًّا فخرج فحلاً عند أبي الحسن العبادي.
والمذهب فيه أنه يثبت، وكذا لو شرط أنه أقلف فبان مختوناً.
قاله المتولي.
إلاَّ أن يكون العبد مجوسيًّا، وثَمَّ مجوس يشترون الأقلف بزيادة، فله الرد.
قال: "ولو شرط أنه كافرٌ فخرج مسلماً" – أي: والبائع مسلم – "ثبت [له] الرد" [؛ لأنّ قيمة الكافر في السوق أكثر؛ لأنه يشتريه المسلم والكافر، فَطِلابه أكثر، وذلك غرض مقصود، فإذا فات ذلك عليه ثبت له الرد]، وحكى الإمام في هذا الباب: أنهما إن كانا متوجهين إلى بلاد الكفر، وكانوا يكثرون الولوج فيها – فقد يكون الكافر أكثر قيمة، فإذا أخلف الشرط والحالة هذه ثبت الخيار.
وأبعد بعض أصحابنا وقال: لا خيار، وارتاع هؤلاء من تشعيث في نسبتنا إلى إيثار الكفر.
وهذا غير سديد؛ فإن المالية هي المرغبة، وهي مأخوذة من الرغبات في كثرتها وقلتها، وذكر ما ذكرناه من قبل، ثم قال: وهذا إذا كان الكافر أكثر قيمة، إن لم يكن الأمر كذلك جرى الحكم فيه بمثابة خُلْف الشرط في البكارة واليوبة.
فإن بان مسلماً – والشرط كونه كافراً – فهو كما لو شرط أن يكون سبط الشعر فخرج أجعد، وحكى في كتاب "النكاح" متصلاً بباب "الأمة تغرُّ من نفسها" ثلاثة أوجه: أحدها: أنّ الخيار يثبت؛ لأن المقصود المالية، وقد يكون الكفر في المملوك من الأغراض المالية.
والثاني – ما ذهب إليه المزني -: أنه لا خيار.
ووافقه بعض الأصحاب.
والثالث: إن كان الموضع الذي جَرَى فيه الشراء قريباً من ديار الكفر، وكان يتوقع أن يطرقوا ذلك الموضع ويرغبوا فيه – فيثبت الخيار، وكذلك إن اتفق ذلك في بلد أهل الذمة، فأما إذا جرى في موضع بعيد عن بلاد الكفر، ولا يكثر فيه أهل الذمة؛ فلا خيار.
وما ذكره الأولون من النظر إلى الأغراض المالية غير صحيح؛ فإن القيمة إن كانت تزيد من وجه رغبة الكفار مثل رغبة باطلة مستندها الكفر وتحسينه، واعتقاد كونه حقًّا – فيكاد أن يكون ذلك المزيد بمثابة ثمن الخمر.

ولو أتلف هذا العبد، فذهب جماعة الأصحاب: أنه يجب على المتلف أان يغرم قيمته؛ اعتباراً بما يطلب فيه، وإن كان بأكثر مما يشتري به المسلم، وذهب المزني ومن وافقه إلى أنّ ذلك المزيد لا يضمن؛ لما أشرنا إليه، وهو بمثابة ازدياد قيمة الجارية بأن تصير عوَّادة، فلا يكاد يخفى أن القيمة تزداد في القينة ضعف ما تكون الجارية الناسكة، ومن اشتراها لم يعترض عليه؛ فإنّ الشراء يرد على عينها، ولكن لو أتلفت لم يضمن متلفها إلاَّ قيمة مثلها لو كانت لا تحسن الغناء، والله أعلم.
أمَّا لو كان البائع كافراً كان في جواز الرد ما ذكرناه في باب "ما يجوز بيعه" إن جوزنا شراءه.
فرع: لو اشترى أرضاً أو ثوباً على أنه عشرة أذرع، فخرج دونها أو فوقها – ففي الصحة قولان، أظهرهما – وبه قطع قاطعون – فيما إذا خرجت ناقصةً: الصحة، تنزيلاً للخُلْف في الشرط في القدر منزلة الخلف في الصفات.
وللمشتري الخيار عند النقص، وإذا أجاز فبقسطه، أو بجميع الثمن؟ قولان، أظهرهما: الثاني؛ لأن المتناول بالإشارة المعين، وللبائع الخيار على قول الصحة في حال الزيادة على المشهور، فإن أجاز كان الجميع للمشتري، وفي وجه: لا خيار له، واختاره البغوي.
وعلى المشهور: لو قال المشتري للبائع: لا تفسخ فأنا أقنع بالقدر المذكور شائعاً والزيادة لك، فهل يسقط خيار البائع؟ فيه قولان عن رواية صاحب "التقريب" وغيره، وحكاهما القاضي أبو الطيب قبيل كتاب الرهن عن رواية ابن سريج وجهين، أظهرهما – وبه قال الإمام، ورجحه ابن سريج -: أنه لا يسقط.
قال الرافعي: وقياس هذا ما إذا باع القطيع على أنه عشرون رأساً، والصبرة على أنها ثلاثون صاعاً.
وفرق صاحب "الشامل" بين الصبرة وغيرها، ورأى أن الصبرة إذازادت يرد الفضل، وإن نقصت وأجاز المشتري يخير بالحصة، وفيما عداها يخير بجميع الثمن؛ لأن أجزاءها تتساوى، فلا يجرُّ التوزيع جهالة.
قال: وإن باع، وشرط البراءة من العيوب؛ ففيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه يبرأ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ"؛ [لأنّ خيار العيب] إنما يثبت لاقتضاء مطلق العقد السلامة، فإذا صرح بالبراءة فقد ارتفع الإطلاق، فعلى هذا: لو حدث به عيبٌ قبل القبض لم يبرأ منه، وكان له الرد، فلو اختلف في تقدمه على العقد وتأخره عنه، وحدوثه قبلا لقبض، فهل القول قول البائع أو [قول] المشتري؟ فيه وجهان [في "الحاوي".
قال: والثاني: لا يبرأ؛ لأنه خيار ثابت بالشرع، فلا ينتفي بالشرط] كسائر مقتضيات العقد، [و] لأنه إبراء عن مجهول لا يدري، وذلك غَرَر، ولأن الرد بالعيب مستحقٌّ بعد لزوم العقد؛ فلم يجز إسقاطه بالشرط قبل لزوم العقد كما في الشفعة.
قال: "ويبطل البيع على هذا، وقيل: لا يبطل"، يوجههما ما تقدم في نفي خيار المجلس، والأظهر منهما عدم البطلان؛ لاشتهار القصة المذكورة بين الصحابة، وعدم إنكارهم، والذي عليه جمهور الأصحاب- كما حكاه الماوردي -: البطلان.
قال: "والثالث: أنه يبرأ من كل عيب باطن في الحيوان لم يعلم به البائع"؛ لأن الحيوان يتغذى بالصحة والسقم، وتتحول طبائعه، وقلَّما يبرأ من عيب خفيِّ؛ يحتاج البائع إلى هذا الشرط فيه ليثق بلزوم البيع.
قال:"ولا يبرأ مما سواه" – أي: مما يعلمه – أو هو ظاهر في الحيوان ولم يعلمه، وما لا يعلمه من غيره؛ لما روي أن ابن عمر باع عبداً من زيد بن ثابت بثمانمائة درهم بشرط البراءة، فأصاب زيد به عيباً، فأراد ردّه على ابن عمر، فلم يقبله، فترافعا إلى عثمان، فقال لابن عمر: تحلف إنك لم تعلم بهذا العيب؟ فقال: "لا"، فرده عليه، فباعه ابن عمر بألف درهم، ولأن كتمان العيب تلبيس، وهذا هو الأصح في هذا الطريق الذي قاله ابن سريج وابن الوكيل، والإصطخري، وابن خيران وأبو سحاق جزماً به.
ولنصه في "المختصر"، وفي " [اختلاف] العراقيين" به إشعار.

وفي "الحاوي" طريقة ثالثة عن ابن أبي هريرة: أنه يبرأ في الحيوان من غير المعلوم [دون المعلوم، ولا يبرأ في غير الحيوان من المعلوم، وفي غير المعلوم] قولان، ولو قال: بعتك بشرط ألاَّ ترد بالعب، جرى فيه هذا الخلاف، وزعم المتولي أنه فاسدٌ قطعاً مفسد للعقد.
قال القاضي الحسين في "تعليقه": "لأنه منع تصرفه في حق يثبت له بمقتضى العقد، بخلاف شرط البراءة؛ فإنه اشترط البراءة من ثبوت الحق.
ولو شرط البراءة من العيوب الموجودة والتي تحدث، ففيه وجهان، أحصحهما - ولم يذكر الأكثرون سواه -: أنه فاسد.
ولو عين بعض العيوب، وشرط البراءة عنه نظر: إن كان مما لا يعاين، مثل أني قول: بشرط براءتي من عيب الزنى والسرقة والإباق، برئ منها بلا خلاف، وإن كان مما يعاين كالبرص: فإن أراه قدره وموضعه فكمثل، وإن لميره فهو كشرط البراءة مطلقاً، وحكى الغزالي في هذه الصورة خلافاً على القول بعدم الصحة في الأصل مبنيًّا على العلتين في فساده.
قال الإمام: "وليس المعنى بالإعلان أن يطلع المشتري على العيب، [أو يرى من نفسه العلم بها، وإنما المراد البراءة من صفات لا يقطع الشارط بكونها، وإنما بقدر البراءة لو كانت؛ إذ لو حصل الإطلاع على العيب] فلا حاجة إلى الشرط، ومن الاطّلاع أن يقول البائع: "هذه العيوب به فأبرئني منها".
قال:"وإن اختلفا في عيب يمكن حدوثه -أي: مثل تخريق الثوب، وكسر الإناء، والبرص، وأمثال ذلك، فقال البائع: حدث عندك، وقال المشتري: بل كان عندك - فالقول قول البائع؛ لأن حدوث العيب متفق عليه، والأصل عدم حصوله في يد البائع، ولأن دعوى المشتري تقتضي الفسخ، ودعوى البائع تقتضي الإمضاء،

وهو الأصل فاتبع فيه.
قال: "مع يمينه"؛ لأن ما يدعيه المشتري محتمل فحلف لذلك، واليمين تكون على البت؛ لأن العيب نقص شيء، والبائع يدعى إقباضه، واليمين في القبض على البت، ويسوغ له ذلك بغلبة الظن [كما يحلف] على خط أبيه وصدق الشهود.
وفي "الحاوي" في باب "الخلاف في اليمين مع الشاهد" حكاية وجه فيما إذا كان المدعى من العيب الإباق: أنه يحلف على العلم، فيحلف: لقد باعه ولا يعلم أنه آبق؛ لأنه غاية ما يقدر عليه، وعلى الأول في هذا وفي غيره، فكيفيتها إن أجاب عن الدعوى بأنه لا يستحق على الرد بهذا العيب كذلك، وله أن يحلف أنه باعه وما به العيب الذي ذكره، إن كان المشتري قد ادّعى أنه باعه وهو معيب، كما حمل عليه نصُّ الشافعيّ، أو أنه أقبضه وما به العيب الذي ذكره، إن كان المشتري قد ادعى حدوث العيب بعد العقد، وإن أجاب بأنه باعه وأقبضه وما به العيب الذي ذكره، فهل يحلف لذلك أم له أن يحلف إنه لا يستحق عليه رد السلعة بهذا العيب؟ فيه خلاف، قاعدته مذكورة في الكتاب، والأظهر الأول، وهو ما أورده في "التهذيب".
ولو اختلفا في بعض الصفات هل هي عيبٌ أم لا؟ فالقول قول البائع أيضاً، إلاَّ أن يخبر عدل واحد من أهل العلم بأنه عيبٌ كما حكاه في "التهذيب"، واعتبر المتولي فيه شهادة شاهدين.
ولو اختلفا في العلم بقدر العيب: فأنكر المشتري أنه علم بقدره، وادّعاه البائع – فالقول قول المشتري، فيحلف إنه لم يعلم قدره يوم رآه، أو يحلف إنه زائد على ما اعترف به، حكاه في "الإشراف".
ولو ادعى البائع علم المشتري بالعيب، أو تقصيره في الرد، فالقول قول المشتري،

وقيّد ذلك في "الإشراف" بما إذا كان مثل العيب يخفى عليه.
ولو اختلفا في الثمن، وقد دعت الحاجة إلى الرجوع بالأرش، فالقول قول البائع أو المشتري؟ روى القاضي ابن كجٍّ فيه قولين، والأصح: الأول.
ولو اختلفا في قدر الثمن بعد ردِّ المبيع، فعن أبي الحسين أن ابن أبي هريرة قال: "الأَوْلَى أن يتحالفا، وتبقى السلعة في يد المشتري، وله الأرش على ابائع" قبل له: إذا لم يتبين الثمن كيف تعرف الأرش؟ قال: "أحكم بالأرش في القدر المتفق عليه".
قال أبو الحسين: "وحكى أبو محمد الفاسي عن أبي إسحاق أن القول قول البائع، كما لو اختلفا في الثمن قبل الإقالة"، وهذا هو الصحيح.
قال: "وإن باعه عصيراً، وسلمه [إليه]، فوجد في يد المشتري خمراً، فقال البائع: عندك صار خمراً – أي: ومضى زمان يمكن انقلابه فيه خمراً – وقال المشتري: بل عندك كان خمراً؛ ففيه قولان: أحدهما: أن القول قول البائع"؛ لما ذكرناه في الفصل قبله، وهذا ما صححه النواوي.
"والثاني: أن القول قول المشتري"؛ لأنّ البائع يدعى عليه قبضاً صحيحاً، وهو منكر له، والأصل عدمه، ولا حكم للقبض الذي اعترف به؛ فإنه فاسد، ليس قبضاً شرعيًّا؛ فكأنه لا قبض.
قال المتولي: وبهذا فارق مسألة العيب؛ لأن وجود العيب لا يمنع صحة القبض.
وهذا القول قد صحح الماوردي نظيره فيما لو وقع الاختلاف على هذا النحوبن الراهن والمرتهن [وفي العصير المرهون]، وقضيته التصحيح هنا أيضاً.
[والقولان يقربان – على ما أشار إليه الإمام في كتاب "الرهن" – من اختلاف الأصحاب في حد المدعيِي والمدعَى عليه: فمنهم من يقول: المدعي: من يدعي أمراً خفيًّا، والمدعَى عليه: من ينكر أمراً جليًّا.
ومنهم من يقول: المدعي: من لو سكت تُرِكَ والسكوتَ، والمدعي عليه: من

لا يُترك والسكوت.
ووجه التخريج: أن المشتري لو سكت ترك فهو المدعي، إذاً فيكون القول قول البائع؛ لأنه المدعي عليه؛ فإنه لو سكت لم يترك.
وإن قلنا: المدعي من يدعي أمراً خفيًّا" فالمدعي هو البائع؛ فإنه يدعي القبض الملتزم، والأصل عدمه، والمشتري يدعي عدم القبض، وهو الأصل، ويقرب من هذه المسألة ما حكاه الإمام في "الرهن" عن القاضي، وهو ما إذا اشترى لبناً في قمقمة، فصبه البائع في قمقمة المشتري، فوجد فيه فأرة، فاختلفا، فقال المشتري: بعتني اللبن طاهراً فوجدت فيه فأرة، وقال البائع: لا، بل كانت الفأرة في قمقمتك، وكان من جوابه أن هذا تخريج على القولين في إقباض العصير والخمر.
فإن قيل: إذا كانت النجاسة في ظرف المشتري، فاللبن ينجس بملاقاة النجاسة؛ فليس ما ادّعاه إقباضاً على الصحة.
قلنا: ليس كذلك؛ فإن اللبن إذا حصل في فضاء الظرف، ثبت له حكم القبض جزءاً جزءاً قبل أن يلقى النجاسة.
واعلم أن الشيخ تكلم في سخ العقد بسبب التدليس والعيب والخلف، وسكت عن سخه بالتراضي، وهي الإقالة، ولا شك في جوازها واستحبابها عند ندم أحدهما على العقد؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَقَالَ مُسْلِماً أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَهُ".

وصيغتها أن يقولا: تقايلنا، أو يقول أحدهما: أقلت، فيقول الآخر: قبلت، لكن هل هي فسخ أم بيع؟ قولان: أصحهما – وهو المنصوص عليه في الجديد -: الأول؛ إذ لو كانت بيعاً لصحت

من غير البائع، وبغير الثمن الأول، ولافتقر إلى ذكر الثمن فيها، وكل ذلك غير معتبر.
والمنصوص عليه في القديم – كما حكاه الإمام -: الثاني: ولو قالا: تفاسخنا العقد، فمنهم من قال: إنه فسخ قولاً واحداً، وعند هذا القائل البيع يقبل الفسخ بالتراضي.
ومنهم من قال: كلُّ ما فرض على التراضي من لفظ الإقالة أو الفسخ، فهو خارج على القولين، ولا نظر إلى الألفاظ.
وعند هذا القائل البيع لا يقبل الفسخ بالتراضي على القديم.
وحيث قلنا: إن الإقالة فسخ، فهل من وقت الفسخ أو من أصل العقد؟ فيه وجهان تظهر فائدتهما في "الزوائد" حكاهما الرافعيُّ في حكم العقد قبل القبض وبعده، وللمشتري جنس المبيع لاسترداد الثمن على القولين جميعاً.
ويجوز من الورثة بعد موت المتعاقدين أو أحدهما، وهل يجوز بعد تلف المبيع؟ إن قلنا: إنها بيع، فلا، وإن قلنا: إنها فسخٌ، فنعم على الأصح، كما في الفسخ بالتحالف.
ولو كان أحد العبدين تالفاً، فالخلاف مرتب، وأولى بالجواز، وادّعى القاضي أبو الطيب في كتاب "السلم" إجماعنا [على] صحتها في هذه الصورة، ويجوز في بعض المبيع الذي يتقسط الثمن عليه بالأجزاء، وكذا إن كان يتقسط عليه بالقيمة إذا قلنا: إنها فسخٌ، وإن قلنا: إنها بيعٌ، فلا.
وحكى الفوراني على قول الفسخ أنه ينفسخ في البعض، وهل ينفسخ في الباقي؟ قولاً تفريقِ الصفقة، وعلى القولين يخرج أيضاً تحديد حق الشفعة، ووجوب التقابض في مال الربان وجواز التصرف بعد الإقالة وقبل القبض، وكذلك التلف في هذه الحالة في أنه يرجع بالثمن أو بدله، وجواز الإقالة قبل القبضن وفي المسلم فيه.
فإن قلنا: إنها فسخٌ، جاز، وإن قلنا: إنها بيعٌ، لم يجز [في المسلم فيه]، وفي المبيع قبل القبض يكون كالبيع منه، على ما حكاه الرافعي.
وقال الإمام: لم أر أحداً من الأصحاب يخرج الإقالة قبل القبض على أنها فسخٌ أو بيعٌ.

حتى إذا قلنا: إنها بيعٌ، خرجت على الخلاف في أن بيع المبيع من البائع قبل القبض، هل يجوز، وكذلك لم يردِّد أحد من أصحابنا القول في الإقالة في المسلم، بل أطلقوا جوازها، وكان شيخي يقول: الإقالة قبل القبض تنفذ، فإن جوزنا بيع المبيع من البائع قبل القبض خرجت المسألة على القولين في أن الإقالة فسخٌ أو بيعٌ، فإن قلنا: لا يصح بيع المبيع من البائع، فالإقالة [له] نافذة فسخاً قولاً واحداً.
ولو تعيب المبيع في يد المشتري، ثم تقايلا واطلع عليه البائع.
فإن قلنا: إنها [بيع]، ثبت له الخيار.
وإن قلنا: إنها سخ، أخذ الأرش، قاله الرافعي، ولم يحك سواه، والذي جزم به في "الشامل" جواز الرد، ولم ينبه على شيء، وكان يتجه أن يتخرج على الخلاف فيما إذا فسخ البائع العقد بعيب في الثمن، ثم وجد المبيع قد تغير في يد المشتري؛ فإنه هل يرجع بالأرش مع أخذ العين، أو يتخير بين أن يرجع في العين ليس إلاَّ وبين أن يأخذ قيمتها سليمة؟ وفيه وجهان منقولان في آخر "النهاية"، واختار القاضي الحسين وابن سريج – على ما حكاه ابن أبي الدم – الثاني، وهو المحكي في "الوسيط" في آخر كتاب الغصب، ومقابله هو الذي رجحه الإمام، وهو المحكي في "كتاب الصداق من "الوسيط"".

باب بيع المرابحة والنجش والبيع على بيع أخيه

وبيع الحاضر للبادين وتلقي الركبان

[قال:] يجوز أني بيع ما اشتراه برأس المال؛ [للإجماع] وبأقل منه، أي: ولو من البائع قبل نقد الثمن الأول، وإن كان الثمنان من نوع يجري فيه الربا.
ودليل الصحة فيما إذا باع من غير البائع، أو منه بعد قبض الثمن الأول - الإجماع؛ على ما حكاه المحاملي، وهو محمول على ما إذا لم يتكرر، أمَّا إذا تكرر، فالإمام مالك - رحمه الله - قد يمنع منه في بعض السور.
وفيما إذا باعه من البائع قبل قبض الثمن الأول: عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ".
وقوله صلى الله عليه وسلم لبلال - على ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري - حين جاءه بتمر بَرْنيِّ: "مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ " فقال بلال: "تمرٌ كان عندنا ريءٌ، فبعت منه صاعين بصاع لمطعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أَوَّاهُ! عَيْنُ الرِّبَا، لاَ تَفْعَلْ وَلكِنْ إِذا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ التَّمْرَ فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ" ولم يفصل، ولأن ما جاز بيعه من غير بائه [ثمن جاز بيعه من بائعه] بذلك الثمن كالأجنبي، وكما بعد القبض الثمن الأول.
ولا يقال: إنه إذا كان قبل القبض من بائعه فهو وسيلة إلى تحليل الربا؛ لأنه لو كان بيعه بالأقل ربا لكان بيعه بالأكثر منه ربا، وما روى عن عائشة - رضي الله عنها - في قصة زيد بن أرقم الذي استدل به على منع ذلك، ضعيف السند، على أنَّ إنكارها محمول على كون البيع الأول وقع إلى لعطاء، وهو مجهول.
هذا مشهور المذهب.

وقال الإمام: قد يضطرب في ذلك إذا عم العرف بشيء؛ فيجعل عموم العرف في حكم الشرط، كما تردد الأصحاب فيما إذا عم العرف بانتفاع المرتهن [بالمرهون]، هل يجعل كالمشروط في الرهن.
وبالمنع أفتى الأستاذ أبو إسحاق، والشيخ أبو محمد إذا صار ذلك عادة؛ فيبطل العقدان جميعاً، وألحق الماوردي بأصل المسألة ما إذا باع طعاماً بثمن مؤجل، ثم حلَّ الأجل؛ فإنه يجوز أن يأخذ بذلك الثمن طعاماً وغيره من المطعوم.
وهذا منه تفريعٌ على جواز التصرف في الثمن الذي في الذمة، كما صرح به غيره، وهذه المسألة تعرف بـ"مسألة العِينة" أخذاً من العين، وهو النقد الحاضر، نبه عليه ابن الصباغ في مداينة العبيد.
قال: "ويجوز أن يبيعه مرابحة إذا بين رأس المال ومقدار الربح، صورة ذلك أن يقول: "ابتعتها بمائة"، أو: "رأس مالي مائة"، أو: "هي عليَّ بمائة"، أو "قامت عليَّ بمائة"؛ و"بعتك بمائة"، وربح كل عشرة درهماً مثلاً.
ودليل جواز ذلك من غير كراهة عموم قوله تعالى: - وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] ولأن الثمن فيه معلوم كما أنه معلوم فيما إذا قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، أو هذا القطيع كل شاة بدرهم.
قال القاضي أبو الطيب: وقد أجمعنا على جوازه؛ فكذلك هاهنا، [ويجوز أن يضيف إلى الثمن شيئاً ثم يبيعه مرابحة؛ بأن يقول: اشتريته بمائة، وقد بعتكه بمائتين، وربح كل عشرة درهماً، وكأنه قال: بعتك بمائتين وعشرين].
أمَّا إذا لم يبين رأس المال، وقال: بعتك مرابحة كل عشرة درهماً بما اشتريته – فثلاثة أوجه حكاها المتولي مجموعة، وهي متفرقة في "تعليق" القاضي الحسين.

أقيسها: أنه لا يجوز؛ لجهالة الثمن، كما لو قال: بعتكه بما اشتريته، ولم يقل: مرابحة، وهو جاهل بالثمن؛ فإنه لا خلاف على ما حكاه القاضي الحسين: أنه لا يجوز.
والثاني: أنه يجوز؛ لأنّ الثمن فيه مبني على الثمن الأول، وذلك معلوم في الخلوة، وإن لم يسمِّه في العقد، بخلاف ما إذا لم يقل: مرابحة؛ فإنه لا ينبني فيه على الثمن الأول.
قال القاضي: بدليل ما لو خان فيه لا يحط، ولا يثبت له الخيار.
والثالث: إن أعلمه في المجلس استمرت صحته، وإلاَّ بطل.
ثم على قول الصحة: لو اختلفا في قدر الثمن، فالقول قول البائع مع يمينه؛ كالمشتري مع الشفيع، قاله القاضي.
ويجري الخلاف المذكور فيما لو كان الثمن [الأول] كفًّا من الدراهم مجهولاً لم يفسر بعد، كما صرح به المتولي، والله أعلم.
وكما يجوز البيع مرابحة يجوز محاطّة، مثل أن يقول: الثمن مائة، وبعتك بما اشتريت بحط درهم من كل عشرة، لكن في القدر المحطوط وجهان: أحدهما: أنه يُحَطُّ من كل عشرة واحد؛ فيكون الثمن تسعين.
والثاني – وهو ما حكاه الشيخ أبو حامد عن أصحابنا بعد أن قال: ليس لصاحبنا في هذه المسألة نصٌّ -: أن المحطوط من كل أحد عشر درهماً درهم، كما أن الربح من كل أحد عشر درهماً درهم، فيكون الثمن على هذا في مثالنا: تسعين وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءاً في مجموع الدرهم؛ لأن الذاهب من تسعة وتسعين تسعة، فيبقى درهم يضع منه جزءاً من أحد عشر جزءاً، وهذا ما حكاه المحاملي، ونسبه إلى مذهب الشافعي، لكنه صور المسألة بما إذا قال: بعتك بوضيعة درهم في كل عشرة.
وقد خطأ القاضي أبو الطيب الشيخ أبا حامد فيما حكى عنه، قوال: ذلك مذكور فيما إذا قال: بعتك على وضيعة دهْ يَازده وهو أن يضع من كل أحد عشر درهماً درهماً، فأمَّا في هذه المسألة فلا يكون الثمن إلا تسعين من غير زيادة، وعلى

هذا [المنوال] جرى المتولي والإمام، ووافقهما البندنيجي في الحكم، ولم يتعرض للتخطئة، وقال الماوردي - بعد أن حكى أن الذي ذهب إليه الجمهور مثل ما قاله الشيخ أبو حامد -: الأصح عندي، أنه إذا قال: يحط درهم من كل عشرة، فالمحطوط واحد من عشرة، وإذا قال: يحط درهم لكل عشرة، فالمحطوط واحد من أحد عشر.
قال: "وما يزاد في الثمن وما يحط منه في مدة الخيار" - أي: خيار الشرط؛ لأن المختص بالمدة يلحق برأس المال؛ لأنّ لكل واحد منهما ترك العقد وإتمامه؛ فأشبه حالة العقد، وإذا كان هذا الحكم ثابتاً في خيار الشرط، ففي خيار المجلس من طريق الأَوْلى، وهذا هو الأصح عند الأكثرين فيهما.
وذهب أبو زيد والقفال إلى أنه يلحق في خيار المجلس دون خيار الشرط؛ لأنّ مجلس العقد كنفس العقد؛ ألاّ ترىنه لو عين رأس المال والعوض في "الصرف" في خيار المجلس جاز؛ بخلاف زمان الخيار المشروط؟! قال الإمام متصلاً بباب الربا: "وهذا مما انفرد به أبو زيد، ولا يظهر فرق بين الخيارين.
وقيل: لا يلحق في واحد منهما؛ لتمام العقد، كما بعد اللزوم، وهذا هو الصحيح في "التتمة"، وقد حكى الإمام أنه مبني فيما إذا زاد على ان المبيع في زمن الخيار ملك المشتري، والأول مبنيٌّ على أنه باق على ملك البائع، ووافقه من العراقيين على ذلك أبو علي الطبري في "الإفصاح"، وطرد هذا البناء في لحوق الحط أيضاً، كما حكاه عنه مجلي في كتاب "الشفعة".
قال الإامم: والصحيح عندنا أن ذلك لا يلحق.
وإن قلنا: إن البيع لا ينقل الملك، فإن البيع الأول إذا لمي رتفع ولم يشتمل لفظ العقد على الزيادة، فلا معنى لتقدير إلحاق الزيادةمن غير فسخ محقق وإعادة، فيمتنع لحوق الزيادة؛ لفساد الصيغة.
حكى ذلك قبيل "باب تجارة الوصي بمال اليتيم".
وحكى مجلي في كتاب "الشفعة" عن بعضهم أنا إذا قلنا بانتقال الملك

فالحطيطة إبراء، وهل ينفذ؟ كل الأصحاب على نفوذه، ومنهم من قال: في النفوذ خلاف مرتب على عتق البائع في مدة الخيار على هذا القول، فإن قلنا بالنفوذ فهل يلحق ذلك بالعقد؟ فيه وجهان: فإذا قلنا: إن الخيار يمنع انتقال الملك، فإذا حط عنه البعض كان إبراءً.
وذكر القاضي في نفوذها وجهين: وجه النفوذ توافُقُ الخلق على ذلك في العُصُر الخالية.
وفي "الحاوي" في باب "بيع الطعام": أن النقصان إذا كان قبل التفرق كان فسخاً للبيع الأول، واستئنافَ بيعٍ بعده بما بقي من الثمن الأول، حتى لو كان ذلك بعد تلف المبيع أو عتقه لم ينفذَ القبض، ويبقى الثمن الأول، بحاله، ولو كان [قد] قبض المبيع، ثم حط عنه شيئاً من الثمن، وأبطل في هذا الباب أن يكون النقص او الزيادة فسخاً للعقد، وقال في أواخر باب "الربا": إن المشتري إذا أبراه البائع في زمن الخيار لم يصح؛ لأنه إبراءٌ مما لم يستقر ملكه عليه، وحكم إلحاق الأجل في زمن الخيار حكم الزيادة.
ولو ذكراه في العقد ثم أسقطاه وصار حالاًّ، كما صرح به

الأصحاب في باب "السلم".
وقال القاضي الحسين متصلاً بباب تجارة الوصي: ينبغي أن ينفسخ العقد؛ لأنه جعل الثمن إذا كان عشرة مثلاً في مقابلة المبيع والأجل، ولما أسقط الأجل يحتاج إلى أن يسقط شيئاً من الثمن، ولا يعرف ذلك؛ فيصير مجهولاً.
قلت: لو كان هذا معتبراً لوجب إذا حط من الثمن بعضه أن ينفسخ العقد فيما يقابل المحطوط من المبيع، ولا قائل به، ولوجب إذا اشترى سلعة بثمن مؤجل ومات أن يبطل العقد؛ لأن الأجل سقط بالموت، ثم مع الصحة لا يثبت للوارث الخيار في فسخ العقد لفوات بعض المقابل بجزء من الثمن، وذلك يقدح فيما ذكره.
تنبيه: قول الشيخ: "وما يحط منه" احترز به عما لو حط جميعه؛ فإن العقد ينفسخ عند من يرى إلحاق الحط في بعض الثمن، صرح به الإمام والرافعيُّ.
وفي "الحاوي": في الموضع الذي حكى فيه أن الحط يلحق، من هذا الباب: أن حطيطة الثمن كله لا تكون فسخاً للعقد.
وقال المتولي في كتاب "الشفعة": "إنه إذا حط الثمن كله كان كأنه قال: بعتك بلا ثمن، على طريقةٍ ينعقد هبة، وعلى طريقةٍ يكون بيعاً فاسداً، وعلى ذلك جرى في "الذخائر" في "الشفعة".
وقال في "الإبانة": " [إنا] إذا قلنا: إن الحط لا يلحق، المبيع ملك المشتري، لكن هل بالبيع أو بالهبة؟ فيه وجهان.
قوله: "يلحق برأس المال" يجوز أن يكون المراد فيما إذا أراد أن يخبر بأن رأس ماله فيه كذا، أمَّا إذا أراد أن يخبر بأن شراءه كذا فيجوز ألاَّ يعتبر الحطّ ولا الزيادة، وهو قضية إطلاق المتولي لهذا التفصيل من غير أنّ يفرق بين أن يكون العقد قد لزم قبل الحط أم لا.
وفي الرافعي تخصيص ما حكاه المتولي بما إذا كان بعد اللزوم؛ فإنه قال: ما يزاد في الثمن بعد انقضاء الخار لا يلحق بالمشتري.
الثاني: وأمَّا الحط، فإن كان البيع بلفظ "ما اشتريت"، لم يلزمه حط المحطوط،

وإن كان بلفظ "قام عليّ" لم يخبر إلاَّ بالباقي، فإن حط الكل لم يجز بيعه مرابحة بهذا اللفظ.
وفي "تعليق" القاضي الحسين وغيره حكاية وجه فيه، كما في لفظ الشراء، ولو حط عنه بعض الثمن الأول بعد جريان المرابحة لم يلحق الحط المشتري منه.
وعن الشيخ أبي محمد وجه: أنه يلحق كما في التولية والإشراك، والفرق على الأول أن بناء عقد التولية والإشراك على العقد الأول أقوى وآكد، بدليل أنه لا يقبل الزيادة، وأمَّا المرابحة فيقبلها كما ذكرناه.
قال: وما يرجع به من أرش العيب يحط من رأس المال؛ لأنه جزءٌ من الثمن.
فلو جنى على العبد المبيع وأخذ الأرش لم يحط على أحد الوجهين، كما لا يضيف ما غرمه من أرش جنايته إلى الثمن.
قال الماوردي: وعلى هذا للمشتري الخيار إذا علم.
وفصل الإمام فقال: إن بقي للجناية أثر ونقصان في عين أو مال وجب الإخبار به، وإلاَّ فلا يجب على أحد الوجهين، ولو جنى عليه جناية، وقلنا بالأصح: أن جراح العبد مقدرة، وقدر الجناية نصف القيمة، وما نقص إلاَّ ثلثها – فهل يحط ما غرمه له الجاني وراء النقصان؟ فيه الوجهان، والأصح: لا.
ثم قال: وقد يرى الناظر في كتب العراقيين وجهين مطلقين في أنه هل يجب ذكر [أرش] الجناية؟ وهذا غير معقول إلاَّ في أرش لا يقابل تنقيصاً من القيمة كما ذكرته في الصورتين، وحيث قلنا: "يحط" وكان الثمن مائة، والأرش عشرة، فلا يقول: "اشتريته بتسعين"، ولا: "ثمنه تسعون" بل يقول: "قام عليَّ بتسعين" قاله في "المهذب" في الأرش، وفي "الحاوي" أنه يخبر بأي العبارات الثلاثة شاء.
فرع: لو اشترى شيئاً بعشرة، وباعه بخمسة عشر، ثم اشتراه بعشرة خبَّر بها خلافاً لابن سرجي؛ فإنه قال: يخبر بخمسة.
ولم يطرد ذلك فيما إذا خسر في الأول خمسة أنه يضيفها إلى الباقي، كذا هو المشهور عنه.
وفي "التتمة" أنه طرده، وأنه جعل الخسارة كمؤنة التزمت من أجرة خياطة أو

قصارة، والله أعلم.
قال: "وإن اشترى ثوباً بعشرة، وقَصَره بدرهم، ورفأه بدرهم، خبّر به في المرابحة فيقول: "قام عليَّ باثني عشر" – أي: وبعتك بربح كل درهم ثمن مثلاً؛ لأنه صادق، وكذا أن يقول: "هي عليّ باثني عشر".
قال: "ولا يقول: ابتعته باثني عشر"؛ لأنه كذب.
وهل يجوز أن يقول: "رأس مالي فيه اثنا عشر"؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه يجوز.
وفي "مجموع" المحاملي: الجزم بأنه لا يجوز، وكذلك في "الحاوي"، ومثل هذا التفصيل يجري فيما إذا أدَّى أجرة الحمال، والحارس، والصباغ، وقيمة الصبغ، وأجرة الحان، وتطيين الدار، وكراء البيت الذي فيه المتاع، وأجرة الكيال والدلال إذا كان الثمن مكيلاً أو عرضاً نادى عليه واشترى السلعة بعد ذلك، وسائر المئونات التي تلزم الاسترباح، دون [سائر] المئونات التي يقصد بها استيفاء الملك: كنفقة العبد وكسوته، وعلف الدابة، وفداء العبد بسبب الجناية.
وفي "التتمة" حكاية وجه: أنه يدخل [العلف الزائد على المعتاد لا محالة]؛ ذكره القاضي الحسين وغيره.
وأجرة الطبيب – إن اشتراه مريضاً – كأجرة القصَّار، وإن حدث المرض في يده فهي كالنفقة.
وفي مؤنة السائس تردد الإمام، والأظهر أنها كالعلف.
والمكس الذي يأخذه السلطان يدخل في لفظ القيام، ولا يدخل في لفظ الشراء، وهل يدخل في لفظ "رأس المال"؟ فيه وجهان في "التتمة".
تنبيه: قوله: "رفأه بدرهم" مهموز، يقال: "رفأت الثوب وأرفؤه رفئاً": إذا أصلحت ما تهرَّشَ منه.
قال الجوهري: "وربما لم يهمز".
قال: "وإن عمل فيه عملاً يساوي درهمين أخبر به، فيقول: "اشتريته بعشرةن وعملت فيه بدرهمين" لأنه الواقع، "ولا يقول: قام عليَّ باثني عشر؛ لأن عمل

الإنسان بنفسه لا يتقوم عليه.
تنبيه: قوله: "يساوي درهمين" هذه اللغة الفصيحة، وفي لغة قليلة: "يَسْوَى"، وأنكرها الأكثرون، وعدُّوه لحناً.
قال المرزوقي في "شرح الفصيح": يقال: هذا الشيء يساوي ألفاً أي: يستوي معه في القدر".
قال: وإن أخذ من لبنه أو صوفه الموجود حال العقد شيئاً أخبر به؛ لأن ذلك يناله قسط من الثمن فيحتاج إلى تقويم ما أخذه من الصوف أو اللبن، ويوزع الثمن عليه [وعلى الشاة] على قدر قيمتهما، كما يفعل في العبدين، ولو لم يكن ذلك موجوداً حال العقد، ثم وجد وأخذه – لم يخبر به؛ كما لو انتفع بالعبد.
قال: "وإن اشترى عبدين بثمن واحد، جاز أن يبيع أحدهما مرابحة، إذا قسط الثمن عليهما بالقيمة" – أي: قيمتهما وقت الشراء؛ لأن العقد يقتضي ذلك.
قال في "التتمة": إلاَّ أنه لا يقول: "اشتريته بكذا" [إلاَّ] إذا بين حقيقة الحال فيه.
وقال القاضي الحسين: يجوز له أن يخبر بلفظ: "قام عليَّ" خاصة.
ولو اشترى مائة قفيز حنطة بمائة درهم، وأراد بيع قفيز منها مرابحة، جاز أن يخبر أن ثمنه درهم، ومن أصحابنا من منع إلا بإخبار الصورة، قال الماوردي: والأول أصح.
ولا يجوز مثل ذلك فيما إذا اشترى عبداً بمائةٍ، وأراد أن يبيع نصفه بخمسين بلفظ الشراء.
صرح به المتولي.
ولو أسلم في عبدين بصفة واحدة، ثم قبضهما، وأراد بيعهما مرابحة – قسم الثمن عليهما بالسوية؛ قاله مجلي، سواءً كانا من ذوي الأمثال أوا لقيم، وسواءً كانا متفقين في القيمة أو لا؛ لأن الثمن وقع عليهما بالسوية.
قال: وإن قال: "اشتريته بمائة"، ثم قال: بل [اشتريته] بتسعين – أي: وباعه مرابحة، لكل عشرة درهم مثلاً – ففيه قولان: أحدهما: يحط الزيادة وربحها" – أي: وذلك أحد عشر في مثالنا – ويأخذ

المبيع بالباقي – أي: وهو تسعة وتسعون؛ لأنه ملك نقل بالثمن الأول مع زيادة منسوبة إليه، فيحط الزائد عليه، كما في الشفعة والتولية، ولاخيار للمشتري؛ ذلأنه زاده خيراً.
قال: "والثاني: أذنه بالخيار" – أي: المشتري – "بين أن يفسخ البيع، وبين أن يحط الزيادة وربحها، ويأخذ المبيع بالباقي"؛ أنه ربما كان له غرض في الشراء بمائة وربحها لتحِلَّة قَسَمٍ أو نفاذ وصية، ولأنه لا يأمن أن يكون الثمن أنقص من تسعين، وحاصل ما قاله الشيخ أن البيع حيحٌ، وفي ثبوت الخيار القولان، وقد بناهما الماوردي على أن إخباره بالتسعين كذب أم لا؟ وفيه خلاف: فمن لم يجعله كذبا، ً ووجهه بأن التسعين تدخل في المائة – قال: لا يثبت للمشتري خيار، وهذا ما حكى من بعد هذا البناء أنه المذهب، وصححه غيره، وفي الرافعي: أنه نصّ عليه في كتاب "اختلاف العراقيين".
ومن جعله كذباً؛ لأن التسعين بعض المائة، وهي مقابلة بعض المبيع؛ فلم يجز أن يخبر بأنها جميع الثمن، ومقابله لجميع المبيع – أثبت للمشتري الخيار، وهو ما

حكى بعد هذا البناء أنه قولٌ مخرج من المسألة التي نذكرها من بعد، وفي الرافعي: أنه الذي نقله المزني، وقد جزم بعض الأصحاب بالقول الأول، وحمل ما نقله المزني على ما إذا ثبت النقص بالبينة، وفرق بأنه إذا ثبت ذلك بالإقرار دلّ على أمانته وديانته؛ فلا يخاف خيانته مرة أخرى؛ ولذلك لم يثبت للمشتري خيار، وإذا ثبت خيانته بالبينة لا تؤمن خيانته، بأن يكون هذا الثوب قد اشتراه بثمانين، وأخفى الذي اشتراه بتسعين.
ثم إذا ثبت للمشتري الخيار، وأجاز، أو لم يثبته له، فهل للبائع خيار؟ فيه وجهان، وقيل قولان، أظهرهما: لا، وقيل: محلهما إذا ثبت النقص بالبينة، أمَّا إذا ثبت بالإقرار فيثبت قطعاً، ووراء ما ذكرناه قولان، أو وجه وقول: فالوجه رواه القاضي أبو حامد في "الجامع"؛ بناءً على الحط أن العقد باطل لكون الثمن مجهولاً عند العقد، وحكاه صاحب "التقريب" قولاً، وضعفه الإمام.
وتقريره: أن الحط لا يفتقر إلى إنشاء حط، كما في أرش العيب القيم على رأي، بل من أصل العقعد، وذلك يحصل الجهالة.
وقد أجاب الإمام عن ذلك بأنّ العقد عقدٌ على ظن العلم بالثمن؛ فاكتفى به، وإذا أخلف فطريق الاستدراك الخيار، لا الحكم بالفساد، وهذا يناظر قولنا: لا يزوج السيد أمته من مجبوب على علم، ولو فعل لم يصح، ولو زوجها على ظن السلامة انعقدت وخيرت الأمة.
وعبر الماوردي عن هذا الوجه: بأن من أصحابنا من قال على قول الحط: يأخذه بعقد مستأنف.
ثم قال: وهذا غلطٌ؛ لأنه لو أخذه بعقد مستأنف لبطل العقد الأول، إلى اشتراط قدر الربح، كما افتقر إليه الأول.
وما قاله الإمام من الاستدراك بالخيار فيه نظرٌ؛ لما قد عرفت ان المذهب: أن الخيار لا يثبت.
والقول: أن العقد ينعقد بجميع الثمن، وهو في مسألة الكتاب مخرجٌ مما إذا ثبت

النقص بالبينة؛ فإن فيها قولين منصوصين في كتاب "اختلاف العراقيين" على ما حكاه أبو الطيب، وعلى هذا للمشتري الخيار جزماً، إلاَّ أن يكون عالماً بكذبه؛ فلا يثبت.
ولو قال له: "لا تفسخ؛ فإني أحط عنك الزيادة" فهل يسقط خياره؟ فيه وجهان.
وهذا كله إذا كان المبيع باقياً، أمَّا لو تلف قبل ذلك ففي "التهذيب" وغيره من كتب العراقيين أنه تنحط الزيادة وربحها قولاً واحداً، ويلزم البيع.
قال الرافعي: "والظاهر جريان القولين في الانحطاط، وأمَّا الخيار [فلا يثبت للمشتري] إن قلنا بالانحطاط، وفي ثبوته للبائع الخلاف السابق، وإن قلنا بعدم الانحطاط فلا يثبت للبائع، وكذا للمشتري على أظهر الوجهين؛ كما لو عرف بعيب المبيع بعد تلفه، لكن يرجع بقدر التفاوت وحصته من الربح كما يرجع بأرش العيب، أمَّا إذا لم يبعه مرابحة، بل قال: اشتريته بمائة، وبعته لك بمائة وعشرة، وكان قد اشتراه بتسعين – انعقد بمائة وعشرة قولاً واحداً، ولا خيار للمشتري؛ لأنه الذي ضيعه حقه، حيث اعتمد قوله فيه.
قاله القاضي الحسين في "التعليق".
قال: وإن قال: اشتريته بمائة – أي: وباعه مرابحة – ثم قال: [بل] بمائة وعشرة – لم يقبل" – أي: قوله في ذلك؛ لأنه رجوع عن إقرار تعلق به حق آدمي فلم يقبل؛ كما لو أقرّ لأدميّ بمال، ثم رجع عنه.
قال: "وإن أقام عليه بينة بذلك؛ لأن سماع البينة فرع الدعوى، ودعواه غير مسموعة؛ لمناقضتها قوله السابق، وفي قوله السابق تكذيب للبينة أيضاً، ويخالف ما إذا قال: لا بينة لي حاضرة ولا غائبة، ثم أحضر بينة؛ فإنها تسمع على أحد الوجهين، وإن كان في قوله الأول ما يمنع سماعها؛ لأن دعواه صحيحة؛ لعدم المناقضة؛ فجاز أن يترتب عليها.
ولأن المقرَّ بهِ هنا إثبات مستند إلى محسوس، فقوى المترتب عليه؛ لبعد خلافه، وما ذكره في مسألة الشهود نفي يجوز أن يكون مستنداً إلى العدم الأصلي، وتكون البينة حاصلة، كما يجوز خلافه، فضعف المترتب عليه؛ فلم يؤثر؛ ولهذا

المعنى جرى الخلاف – أيضاً – فيما إذا قال:"ما أودعني" ثم أقام بينةً بالتلف.
ومما يؤيد هذا الفرق: أن الماوردي حكى الجزم بعدم سماع البينة إذا قال عند الشراء: اشتريته بنفسي بمائة.
وفيما إذا كان قد أخبر عن شراء وكيله وعبده المأذون، ثم عاد يذكر أن الوكيل أخطأ، والعبد غلط في إخباره – حكى وجهين في سماع البينة بما ادّعاه ثانياً، وقد أشار الإمام في باب "الضمان" إلى ما ذكرته من الفرق.
قال: إلاَّ أن يصدقه المشتري" أي: فتلزمه الزيادة وربحها؛ لأن الحق لهما ولا يعد وهماً، ويثبت للمشتري الخيار، وهذا ما حكاه العراقيون.
وقيل: لا تثبت الزياة أيضاً، ولكن يثبت للبائع الخيار، وهذا أصح في "الوجيز".
وحكى الإمام أن الذي ذهب إليه الجمهور من فقهاء الأصحاب: أنا نتبين بطلان العقد من أصله، وأن والده ذهب إلى ما حكيناه من صحة العقد.
فرع: إذا كذّبه المشتري، فهل له تحليفه؟ فيه طريقان في الطريقين: أحدهما: أنه ينبني على أن يمين الرد بمنزلة الإقرار، أو البينة؟ فإن قلنا: بمنزلة البينة، لم تعرض، وألا عرضتن فإن حلف برء، وإن نكل حلف البائع، وحمك له بالزيادة وربحها، ويثبت للمشتري الخيار.
والطريق الثاني: أنه [إن] قال: اشتريت، لم نعرض، وإن قال: وكيلي اشترى، وأخبرني بالثمن، ثم تبينت خطأه – عرضت.
وعلى طريقة الماوردي في اصورة التي جوز فيها إقامة البينة: إذا لم يكن ثمّ بينة، له تحليفة قولاً واحداً قال: وإن واطأ غلامه، فباع منه ما اشتراه بعشرة، ثم اشتراه بعشرين، وخبر بالعشرين –كره [له] ذلك"؛ لأنه لو صرح بذلك فسد البيع، وكل شرط يفسد البيع إذا اعتقده كان مكروهاً، وهذا كما نقول: إذا اعتقد في النكاح أن يطلقها كان مكروهاً؛ [لأنه] لو صرح به فقال: قبلت نكاحها على أن أطلقها، إذا وطئتها – فسد العقد على أحد القولين.
قال القاضي أبو الطيب: ولا يجوز عندي أن يبيع هذا الثوب مرابحة؛ لأن الثمن

الثاني مع غلامه زيادة من طريق الغش والخيانة، وإذا باعه مرابحة بهذا الثمن كان للمشتري الخيار، وعلى ذلك اقتصر ابن الصباغ والمتولي.
وفي "المهذب": أنه لا خيار، وهو الذي صححه ابن أبي عصرون.
تنبيه: واطأ غلامه: مهموز، والمراد بالغلام: الأجير الحر.
أمَّا لو كان رقيقاً لم يجز أن يخبر إلاَّ بالثمن الأول؛ لأن الشراء الثاني لم يصح، وهكذا الحكم فيما لو اشترى من عامل القراض [عنه،] وكان للعامل نصف الربح، وقد اشترى السلعة بعشرة، ثم اشتراها رب المال بعشرين، لم يجز أن يخبر بأنّ رأس ماله فيها إلاَّ خمسة عشر، صرح به الماوردي.
فائدة: من جملة ما يجب الإخبار به في بيع المرابحة ذكر الأجل، إن كان قد اشترى بمؤجل، خلافاً لما حكاه المسعودي وجهاً.
فإن لم يخبر به - قال المحاملي: ليس في هذه المسألة نصٌّ، والقياس على مذهبنا ثبوت الخيار للمشتري، وهذا ما صرح به الماوردي عن المذهب، والقاضي أبو الطيب عن القاضي أبي حامد في "جامعه"، فإن أجاز كان ما وقع عليه العقد حالاً.
وكذا يجب عليه أن يخبر بما حدث في المبيع من عيب في يده، وكذا بما علمه من عيب قديم رضي به.
ولو اشتراه بغبن فهل يجب عليه الإخبار بذلك؟ فيه وجهان، أصحهما عند الإمام: أنه لا يجب.
قال الرافعيُّ: وقضية كلام الأكثرين مقابله؛ لأنهم قالوا: لو اشتراه بدين على مماطل، وجب أنا يخبر به، وكذا لو اشترى من ابنه الطفل وجب الإخبار عنه؛ لأن الغالب في مثله الزيادة في الثمن نظراً للطفل، واحترازاً عن التهمة، فإذا وجب الإخبار عند ظن الغبن فَلأَنْ يجب عند تيقنه كان أولى.
وفي "الإبانة" حكاية الخلاف فيما إذا اشترى بالدين.
ولو اشترى من ابنه البالغ، أو من أبيه، فأصح الوجهين بالاتفاق: أنه لا يجب الإخبار عنه، كما لو اشترى من زوجته أو مكاتبه.
وفي "الشامل" ما يقتضي تردداً في الشراء من المكاتب.

ولو اشترى بعرض وجب عليه أن يخبر به، فيقول: اشتريته بعرض، وقيمة العرض كذا؛ لأن العادة فيما بين التجار انهم يتشددون يما يبيعون بالعروض، ويتسامحون فيما يبيعون بالنقود، ولو قال: قام عليَّ بكذا- وذكر القيمة- جاز.
فرع: بدل الخلع، والصداق، والكتابة، ودم العمد، والمنافع يجوز بيعه مرابحة، ففي الصداق والخلع يقول: "قام عليَّ بكذا"، وهو مهر المثل، وفي الإجارة أجرة المثل، وفي الصلح عن دم العمد ديةُ المقتول.
قال القاضي الحسين في "تعليقه": "ويحتمل وجهاً آخر: أنه لا يجوز بيعه مرابحة؛ لأنه لا يقصد بذلك التجارة، بخلاف البيع.
قال: "ويحرم النجش".
أصل النَّجْش: بفتح النون، وسكون الجيم الاستيثار؛ ومنه: نجشت الصيد، أنجُشه - بالضم - نجشاً: إذا استثرته، وسمي الناجش في السلعة - كما سنذكره - ناجشاص؛ لأنه يثير الرغبات فيها، ويرفع في ثمنها، وكل من استثار شيئاً فهو ناجش.
وقيل: أصله الختل، بمعنى الخَدْع؛ ومنه قيل للصائد: ناجش؛ [لأنه يختل الصيد، ويحتال له].
وقيل: أصله المدح والإغراء.
والمحرم منه ما قاله الشيخ، وهو أن يزيد في الثمن، أي: عما تساويه العين؛ ليغر غيره فيشتريه.
والدليل على تحريمه: ما روى الشافعيُّ عن مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهم - أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النجش.
وروى بسنده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لاَ تَنَاجَشُوا" والنهي يقتضي التحريم.

قال أصحابنا: ويأثم الناجش، علم بتحريم ذلك أو لم يعلم؛ لما فيه من الغرر، صرح به في "التهذيب".
قال مجلي: "وفيه نظرٌ؛ فإن تأثيم من لا يعلم التحريم بعيد".
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: تقييد التأثيم بحالة العلم، وهذا الشرط يعم جميع المناهي المذكورة في الباب، كما صرح به الرافعيُّ.
والبيع صحيح؛ لأنّ النهي لمعنى في غير المبيع، فأشبه البيع وقت النداء، ولا يثبت للمشتري خيار إذا لم يكن النجش بمواطأة من البائع، وإن كان فوجهان أو قولان: أحدهما – وبه قال أبو إسحاق -: أنه يثبت، للتدليس كما في التصرية.
والثاني – وهو ظاهر قول الشافعيّ كما حكاه أبو الطيب، والأشبه عند الأئمة كما قاله الرافعيّ، وبه قال ابن أبي هريرة -: أنه لا يثبت؛ لأن التقصير من جهة المشتري، حيث اغتر بقوله، ولم يحتط بالبحث عن ذلك من تفاوت أهل الخبرة.
ويخالف التصرية؛ إذ لا تقصير من المشتري.
ومثل هذا التفصيل يجري فيما إذا اشترى جوهراً بعدما أراه لمن له معرفة بالجوهر، فأخبر الرائي المشتري بجودته، وبان بخلافه، على ما حكاه القاضي الحسين في باب "بيع البراءة" ويلتحق بالنجش ما إذا قال أعطيت في ههذ العين كذا كذباً ليغر به المشتري.
قال: ويحرم [البيع] على بيع أخيه – أي: التسبب إلى البيع على بيع أخيه – وهو أن يقول لمن اشترى شيئاً بشرط الخيار: افسخ البيع – أي: في زمن الخيار – فإني أبيعك مثله بأقل من هذا الثمن؛ لما روى الشافعيُّ بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَبِيعُ الَّرجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ".
وروى النسائي عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ

أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أوْ يَذَرَ".
والمعنى فيه: أن ذلك يوغر الصدور، ويورث الشحناء والقطيعة والهجران.
واشترط ابن كجِّ في تحريم هذا: ألا يكون المشتري مغبوناً غبناً مفرطاً، وقال بجوازه إذا كان مغبوناً غبناً مفرطاً؛ لأنه ضرب من النصيحة.
ولو باع على بيع أخيه بالإذن منه؛ ارتفع التحريم على الأصح، وفي معنى ما ذكره الشيخ ما إذا قال: أبيعك أجود منه بمثل هذا الثمن، أو قال لبائع سلعة في زمن الخيار: افسخ البيع لأشتريها منك بأكثر من هذا الثمن، وكذا لو طلبها من المشتري بزيادة ربح في زمن الخيار بحضرة البائع – على ما دلّ عليه كلام الماوردي- لأنه يؤدي إلى أن يفسخ البائع على المشتري؛ طمعاً فيما يبذل له من الربح.
قال: "فإن فسخ وباعه صحّ البيع؛ لما ذكرناه في النجش، وهكذا الحكم فيما يذكره من المناهي.
قال: "ويحرم [على الرجل] أن يدخل على سوم أخيه، وهو أن يجيء إلى رجل أنعم لغيره في سلعة بثمن – أي: أجابه وقال له: نعم – كما ذكره الجوهري – "فيزيده ليبيع منه؛ [فإن فعل ذلك صح البيع"؛] لما روى أنه – عليه السلام – "نَهَى أَنْ يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ" والمعنى فيه ما ذكرناه، وشرط أبو عبيد بن حربويه في تحريم ذلك أن يكون الأول مسلماً، أمَّا لو كان ذميًّا فلا يحرم، حكاه عنه الرافعيّ في "الخِطْبة على الخطبة".
قال: وإن [كان قد] عرض له بالإجابة – أي: بأن قال: أشاور عليك وما أشبه ذلك، كره الدخول في سومه؛ لما فيه من الإيحاش، ولا يحرم لعدم رضا البائع، وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه يحرم، وغيره نسبه إلى القديم.
ولو عرضت السلعة في النداء جازت الزيادة فيها؛ لما روى الترمذي عن أنس: أن

رسول الله صلى الله عليه وسلم باع حلساً وقدحاً، فقال: "مَنْ يَشْتَرِي هَذَا؟ " – عن الحلس والقدح – فقال رجل: آخذهما بدرهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ " فأعطاه الرجل درهمين، فباعهما منه ولأن في النداء لا يقصد رجل بعينه، ولا يؤدي ذلك إلى الإيحاش.
قال: ويحرم أن يبيع حاضرٌ لبادٍ، وهو أن يقدم رجل ومعه سلعة، يريد بيعها – أي: في الحال – ويحتاج إليها في البلد، فجيء إليه رجل ويقول له: لا تبع حتى أبيع لك قليلاً قليلاً، وأزيد [لك] في ثمنها، [فإن فعل صح البيع"؛] لما روى النسائي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع حاضر لباد، وإن كان أباه أو أخاه.
وروى الشافعيُّ ومسلم بسندهما عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ فِي غَفَلاَتِهِمْ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضِ".
أمَّا إذا كانت السلعة لا يحتاج إلذيها إلاَّ نادراً فلا يحرم، وإن كان عدم الحاجة لقلة السلعة وكبر البلد، أو لعدم الاحتياج إليها في الحال كما قال القاضي أبو الطيب، أو لكونه عامَّ الوجود رخيصاً كما قال في "التهذيب" – ففي التحريم وجهان، ينظر في

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل