كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أحدهما وبه قال ابن القطان: فيه قولان كما لو نكل الوارث عن يمين الرد هل يحلف الغرماء؟
والأصح منهما على ما حكاه الإمام عن العراقيين عدم الرد، وأشبه الطريقين وبه قال أبو إسحاق، والقاضي أبو حامد: القطع بالرد.
ولو اختلفا في صفة الإذن فقال: أذنت بشرط أن يكون الثمن رهناً، وقال الراهن: بل أذنت مطلقاً.
قال الراعي: القول قول المرتهن مع يمينه، ثم إن كان الاختلاف قبل البيع امتنع، وإلا فإن صححنا الإذن فعلى الراهن رهن الثمن، وإن أفسدنا الإذن فإن صدق المشتري المرتهن، فالبيع مردود والرهن باقٍ وإن كذبه مع اعترافه بأصل الرهن فعليه رد المبيع وإن أنكر الرهن حلف، [وتم البيع] وعلى الراهن أن يرهن قيمته.
قلت: وكان يتجه على القول بفساد الإذن، أن يكون القول قول الراهن على قول بناء على ما إذا اختلفا في شرط يفسد العقد؛ لأنهما اختلفا في شرط يفسد الإذن، وقد حكاه الإمام عن بعض أصحابنا، لكنه جعل مادته أن أصل الإذن متفق عليه والمرتهن يدعي ضم زيادة إلى الإذن والأصل عدمها، وهذا يطرد على قول صحة الشرط ومقابله، وما أبديته خاص بقول الفساد.
ولو اتفقا على الإذن وعلى صورة الرجوع فيه، واختلفا هل حصل التصرف قبل الرجوع أو بعده؟ فالقول قول المرتهن على الصحيح.
وقيل: قول الراهن لقوة جانبه بالإذن الذي سلمه المرتهن.
وفي التهذيب: أن الراهن إن قال أولاً: تصرفت بإذنك، ثم قال المرتهن: كنت رجعت قبله فالقول قول الراهن مع يمينه، [وإن قال المرتهن: رجعت، فقال الراهن: كنت تصرفت قبله فالقول قول المرتهن مع يمينه]، ولو أنكر الراهن أصل الرجوع فالقول قوله مع يمينه، وعلى الصحيح إذا تعذر رد الرهن، كان على الراهن غرم قيمته يكون رهناً مكانه أو قصاصا.
ً
فرع: لو أذن المرتهن للراهن في الوطء، وأتت الأمة بولد، وادعى الراهن أنه
من الوطء المأذون فيه، وأنكر المرتهن صدور الوطء، فثلاثة أوجه:
أحدها: أن [يكون] القول قول الراهن؛ لأنه مأذون له في أمر يقدر على إنشائه، فيقبل منه الإقرار به.
والثاني: القول قول المرتهن؛ [لأن الأصل عدم الوطء، فصار] كما لو علق طلاق زوجته على زناها، فادعته فإنه لا يقع الطلاق على المذهب، وفرق القائل الأول بأن الراهن سلط على التصرف بالوطء، فقبل إقراره [في] زمن تسليطه، وهذا المعنى لا يتحقق في تعليق الطلاق، وإن كان بدخول الدار، فإنه ليس فيه تسليط على أمر وتولية في شيء.
والثالث: إن كان الراهن ابتدأ بدعوى الوطء فالقول قوله، وإن كان المرتهن ابتدأ بدعوى عدم الوطء فالقول قوله، وهذا ما اختاره القاضي الحسين، وهو ضعيف عند الإمام.
ولا خلاف في أن المرتهن إذا اعترف بالوطء، وأن الولد منها، وأنكر أن يكون من وطء السيد في نفوذ الاستيلاد.
قال: وإن جنى – أي: المرهون – عمداً يوجب القصاص؛ اقتص منه؛ لقوله تعالى: - وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} [المائدة: 45] إلى آخرها، ولأن القصاص موضوع للانتقام والردع وحراسة النفوس، قال الله تعالى: - وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة:179] وذلك يستوي فيه المرهون وغيره، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الجناية على أجنبي، أو على المالك الراهن في نفس أو طرف؛ لأن المالك إلى الانتقام من عبده أحوج من غيره؛ لأن العبد يحصل في نفسه على سيده حقد في استخدامه وتأديبه.
لكن هل للسيد أن يستوفي منه القصاص بنفسه إذا استحقه أو السلطان يستوفيه له؟ فيه وجهان في الحاوي.
قال: وإن جنى خطأ، أي على أجنبي، أو عمداً وعفا عنه على مال، أو أطلق العفو، وقلنا: مطلقه يقتضي المال قال: بيع في الجناية أي: بجملته إن كان أرشها يستغرق
قيمته، أو بقدره إن نقص عنها وأمكن لأن حق المجني عليه يقدم على حق المالك؛ فلأن يقدم على حق المستوثق كان أولى، ولا يبطل حق المرتهن بالجناية، بل بالبيع فيها حتى لو عفا مستحق الأرش عنه؛ بقى حق المرتهن بحاله، ثم هذا إذا كانت الجناية بغير إذن السيد، ولم يختر السيد ولا المرتهن الفداء.
فلو كانت بإذن السيد؛ نظر: إن كان العبد يعتقد وجوب طاعة السيد في ذلك كالأعجمي، فالجاني هو السيد وعليه القصاص أوالضمان، لكن هل يتعلق الأرض برقبته؟ فيه وجهان منقولان في الرافعي وغيره.
وأظهرهما: المنع، وعلى مقابله إذا بيع في الجناية، فعلى السيد أن يغرم قيمته؛ ليكون رهناً مكانه، ومقتضى هذا الإطلاق أنا على قول التعلُّق بيع العبد، موسراً، كان السيد أو معسراً.
وفي الشامل وغيره من كتب العراقيين بعد حكاية، أن العبد لا يتعلق به شيء، أن من أصحابنا من قال: يباع العبد في الجناية، إذا كان السيد معسراً لا مال له غيره، فإن لم ينك الإطلاق محمولاً على هذا؛ كان ذلك وجهاً ثالثاً، وإن كان يعرف أن طاعة السيد في ذلك لا تجوز، فهو كما لو لم يأذن له السيد.
ويستوي في ذلك البائع وغيره، ولو اختار الراهن أو المرتهن الفداء امتنع البيع، وبكم يفدي؟ فيه قولان:
أحدهما: أقل الأمرين من أرش الجناية وقيمته.
والثاني: أرش الجناية.
إما إذا جنى على السيد، أو من يتعلق به فينظر: إن جنى على طرف السيد فلا أرش له، وإن كان عمداً وعفا على مال؛ لأن السيد لا يثبت له على عبده مال، ويبقى الرهن كما كان.
وحكى المحاملي، [والبندنيجي]، والشيخ في المهذب عن ابن سريج رواية قول أنه يثبت له الأرش، ويتوسل ببيعه إلى فك الرهن، وغيرهم حكاه وجهاً عن ابن سريج.
وإن جنى على نفس السيد؛ ففي ثبوت الأرش، إذا كانت الجناية خطأ أو عمداً،
وقد عفا الوارث على مال، قولان، حكاهما المحاملي وغيره عن نصه في الأم.
وأصحهما في تعليق أبي الطيب وغيره: أنه لا يثبت، وقد بنى أبو علي بن أبي هريرة والشيخ أبو حامد، وتابعهما الماوردي – القولين على أن الدية تبت للوارث ابتداء أم تلقيا، فإن قلنا بالأول ثبت المال؛ لاستفادته من جنايته على الغير.
قال الماوردي: وعلى هذا يباع العبد وينضاف ثمنه إلىلتركة؛ ليقضي منها ديون السيد الراهن، وتنفذ منه وصاياه، ويكون المرتهن [في ثمنه]،وجميع الغرماء أسوة، كما يكونون في جميع التركة أسوة، وإن قلنا بالثاني؛ لم يثبت؛ [لأنه لم يثبت] للقتيل حتى يتلقى عنه.
وحكى الفوراني عن القفال أنه قال في كرة: هذا البناء وأنا إذا قلنا: إن الدية تثبت للوارث ابتداء؛ انبنى على ما لو جنى عليه عبده، ثم ملكه هل يستدام الأرش عليه إلى أن يعتق أو يسقط؟ وفيه خلاف سنذكره، وأنه قال فيكرة أخرى: لا يثبت له الأرش؛ إذ لو ثبت بعد موت المورث [فهو] عقيب موته يدخل في ملكه، وهذا ما اختاره القاضي الحسين، وجزم به، وحكى ابن الصباغ عن الأصحاب أن خلافه ليس بصحيح، وعلى ذلك جرى الغزالي في البسيط، وزاد فادعى نفي الخلاف [فيه]، وأنه لم يخرج على أن الدية تثبت للوارث ابتداء أم تلقيا.
ووجهه بأمر آخر: وهو أنا، وإن قلنا: إن الدية تثبت للوارث ابتداء، فلابد من إمكان الملك للمورث ولا إمكان هاهنا.
ولو جنى على ابن السيد أو أبيه أو مكاتبه نظر:
إن كان على طرفه؛ فلكل منهم الأرش والعفو على مال، إذا كانت الجناية عمداً، فلو مات القريب أو عجز المكاتب قبل الاستيفاء، وانتقل حقه إلى السيد الراهن؛ كان له بيعه في حقه كما كان للمورث، ويحتمل في الاستدامة ما لايحتمل في الابتداء.
وحكى الإمام مع هذا وجهاً آخر وصححه موافقاً فيه الصيدلاني: أنه لما انتقل إليه سقط حقه، ولا يجوز أن يثبت له عند استدامة الدين، كما لا يجوز أن يثبت له ابتداء،
وشبه الخلاف بالخلاف فيما إذا ثبت له عند غيره مال، ثم ملكه، هل يسقط أو يبقى حتى يبيعه به بعد العتق؟
والأقيس في تعليق القاضي الحسين السقوط، وهو الصحيح في شرح فروع ابن الحداد [في باب الحوالة، وفي الرافعي في الفصل الخامس في تزويج العبيد أن الصحيح: انه لا يسقط، وكلام ابن الصباغ في الحوالة يرشد إليه].
قال الإمام: وهذا ما اشتملت عليه الطرق – يعني: التشبيه – واتفق عليه الأصحاب، وكانهم تواصوا فيه، وهو في نهاية الإشكال من جهة أن الملك في العبد مستدام، والإرث إن أثبت له ملكاً أثبته جديداً [على مملوكه] فكيف يكون الاستحقاق الطارئ على الملك بمثابة الملك الطارئ على الاستحقاق؟
ثم أجاب بأن الدَّين إذا ثبت لغيره، فنقله إليه بالإرث إدامة لما كان، كما أن إبقاء الدين الذي كان له على عبد الغير بعدما ملكه إدامة لما كان؛ فانتظم التشبيه من هذا الوجه.
ولهذا المعنى أشار الغزالي بقوله: والإرث دوام.
[هذا إن كانت جناية العبد على طرف ابن السيد، أو أبيه، أو مكاتبه، أما إن كانت] على نفسه ففي الحاوي حكاية عن النص في الأم: أن له أن يعفو على الدية.
وفي الرافعي بناء ذلك على أن الدية تثبت للوارث ابتداء أم تلقيا؟ فعلى الأول: لا يثبت على المذهب.
وعلى الثاني: يكون على الوجهين في قطع الطرف.
ولو جنى على عبد آخر للمرتهن [نظر: إن] لم يكن مرهوناً؛ فالحكم كما لو جنى على السيد والحكم في القن والمدبر وأم الولد سواء.
وإن كان مرهوناً نظر: فإن كان عند أجنبي؛ فللراهن القصاص إن كان عمداً، والعفو على مال لحق
المرتهن ويتعلق برقبته، وكذا لو كانت خطأ.
ولو عفا [بغير مال [وكانت الجناية عمْداً:]
فإن قلنا: موجب العمد احد الأمرين [، أي: القصاص أو الأرش؛] وجب المال، ولم يصح عفوه عنه إلا برضا المرتهن.
وإن قلنا: موجبه القود عيناً، فإن قلنا: إن مطلق العفو لا يوجب المال، صح العفو، ولم يجب المال.
وإن قلنا: يوجبه [فوجهان:
أصحهما: أنه لا يثبت؛ لأن القتل لم يوجبه، وإنما يجب بعفوه المطلق أو بعفوه على مال، وذلك نوع اكتساب، وليس عليه اكتساب للمرتهن.
وإن عفا مطلقاً، فإن قلنا: مطلق العفو يوجب المال، ثبت إما على الجديد أو على القديم.
وإن قلنا: لا يوجبه صح العفو، بناء على القديم، وبطل رهن مرتهن القتيل، وبقي القاتل رهناً كما كان.
ولو امتنع من القصاص والعفو في الحال، ففي الإجبار عليه طريقان:
أحدهما: يجبر؛ لكون المرتهن على ثبت من أمره.
والثاني: إن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين أجبر، وإن قلنا: موجبه القود، فلا، وهذه الأبحاث بعينها تجري فيما لو جنى على العبد المرهون أجنبي عمداً.
ثم مهما وجب المال في مسألتنا، وكان أكثر من قيمة القاتل أومثلها، فوجهان:
أحدهما: أن القاتل يصير مرهوناً عند مرتهن المقتول.
وأظهرهما، وهو اختيار القاضي الحسين: بأنه يباع ويجعل الثمن رهناً عنده؛ لأن حقه في مالية العبد لا في العين، وقد يرغب راغب بزيادة، فيتوثق المرتهن للقاتل بتلك الزيادة، وقد وافق الماوردي على تصحيحه، إلا أن يقطع بنفي الزيادة، وإن كان أقل فعلى الأول: ينتقل إليه من القاتل بقدر الواجب، وعلى الثاني: يباع منه بقدره إلا أن يتعذر بعي البعض، أو ينقص قيمة الباقي، فيباع الكل، ويكون الفاضل مرهوناً عند
مرتهن القاتل، وهذا ما حكاه الماوردي وابن الصباغ والمحاملي مع حكايتهم الوجهين في الصورتين المتقدمتين.
والوجهان محلهما إذا طلب الراهن نقل الوثيقة إلى القاتل، والمرتهن بيع القاتل.
أما إذا انعكس الحال، فالمجاب الراهن.
ولو اتفقا على أحد الطريقين، فليس لمرتهن القاتل المناقشة وطلب البيع.
قال الرافعي: وقضية التوجيه الثاني لأظهر الوجهين، أن له ذلك، وإن كان القاتل مرهوناً عند مرتهن المقتول، فإن كان بذلك الدين فلا مستدرك، وإن كان بدين آخر نظر [فإن استويا في الحلول والتأجيل، والجنس، والاستقرار أو عدمه، والقدر، واستوت قيمة العبدين كانت الجناية هدراً؛ إذ لا فائدة في نقل الوثيقة.
وإن اختلفا في الحلول والتأجيل، أو قدره، فله أن يتوثق بالقاتل في الدين الذي كان المقتول مرهوناً به، وألحق الغزالي اختلاف الجنس بالاختلاف في الحلول والتأجيل، وهو الراجح، والنص بخلافه، وبه قال عامة الأصحاب.
والاختلاف في الاستقرار [لا غير] ينظر فيه:
إن كان المستقر مارهن به القاتل، فلا معنى للنقل.
وإن كان ما رهن به المقتول، ففي الشامل حكاية وجهين عن رواية أبي إسحاق.
وإن اختلفا في القدر لا غير نظر: فإن كان المقتول مرهوناً بأكثرهما، فللمرتهن حق نقل الوثيقة، وإن كان بأقلهما، فالجناية هدر.
وإن اختلفت قيمة العبدين لا غير، فإن كانت قيمة المقتول أكثر، فالجناية هدر، وإن كانت أقل، نقل القدر الزائد، وبقي الباقي رهناً بما كان.
وحيث قلنا بنقل الوثيقة، فيقام ثمنه مقام القتيل، إذ عينه فيه الوجهان السابقان، وإن قلنا لا ينقل الوثيقة فلو قال المرتهن: إني لا آمنه، وقد جنى فبيعوه، وضعوا ثمنه مكانه فهل يجاب إليه؟
روى الإمام فيه وجهين.
قال: وإن أقر عليه السيد بجناية الخطأ أي: منسوبة إلى ما قبل الرهن،
وصدقه المقر له وكذبه المرتهن، قال: قبل في أحد القولين؛ لأنه أقر في ملكه بما لا تهمة تلحقه، فنفذ كما في غير المرهون؛ ولأن الرهن يوجب حجراً لحق الغير؛ فلا يمنع من نفوذ الإقرار في العين كالمريض إذا أقر بجناية في رقبة عبده، قال: [ولا يقبل في] الآخر؛ لأنه محجور عليه في التصرف فيه فلا ينفذ إقراره فيه كالسفيه، وهذا هوا لصحيح، واختاره المزني.
قال ابن الصباغ: وما قاله الأول من عدم التهمة فغير مسلم؛ لأن التهمة تلحقه في إبطال الرهن، ومواطأة المقر له، فلم يقبل قوله، كما لو باع ثم أقر بأنه كان مغصوباً أو جانياً، ويجري الخلاف فيما لو أقر بأنه رهنه وأقبضه كما حكاه البندنيجي، أو أعتق العبد أو غصبه أو اشتراه شراء فاسداً، أو باعه قبل الرهن.
[وفي تعليق أبي الطيب في باب التفليس حكاية قولين، فيما إذا أقر المفلس بعد الحجر بدين قبل الحجر، كان في مشاركة المقر له للغرماء قولان: أصحهما: المشاركة، ثم قال: وهما بعينهما جاريان فيما لو رهن شيئاً ثم أقر بأنه ملك غيره، وهذا يقتضي أن الصحيح فيها قبول الإقرار].
وقال ابن الصباغ [فيما نحن فيه: كان] ينبغي أن يكون لنا قول آخر، أنه إن كان معسراً لم ينفذ إقراره [بالعتق]، وإن كان موسراً نفذ، ويجري مجرى الإعتاق، وهذا قد أبداه غيره قولاً، ونقله الإمام في الصور كلها، وجعلها ثلاثة أقوال وأن على الثالث يلزمه أن يغرم قيمة المرهون؛ لتوضع رهناً، فإنه تسبب بقوله إلى بطلانه.
وحكى أن بعض الأصحاب أجرى الخلاف فيما لو باع ثم أقر بما يبطله، وأن شيخه رمز إليه ويعضده أن الرافعي حكى أيضاً في أواخر التحالف أن المشتري إذا رد المبيع بعيب، ثم قال بعد ذلك: كنت أعتقته يرد الفسخ ويحكم بالعتق، ومع هذا فقد قال الإمام: إنه هفوة ولا يعتد به؛ فإنه أقر بما هو خارج عن ملكه بخلاف إقرار الراهن، ثم قال: وقد يعترض للناظر أن الراهن إذا أقر بكونه غاصباً، فليس إقراره في محل ملكه على زعمه، وفيه الأقوال.
ويجري الخلاف فيما لو أقر باستيلاد سابق على الرهن، وفيما لو أتت الجارية بولد فأقر أنه [منه] من وطء قبل الرهن، ولم يقر بأنها علقت ولم يكن ثَمَّ بينة على الوطء، وحكى الإمام في هذه الصورة وجهاً فارقاً بين أن تأتي بالولد لستة أشهر، فما دونها من وقت الإقباض، وبين أن تأتي به لأكثر من ذلك، وإن كانت ثَمَ بينة على الوطء.
حكم بالاستيلاد إذا أقامها أو أقامتها الأمة، ولا نظر إلى أن إقامة البينة على الوطء لا يلزم منها الشهادة بالعلوق؛ لأن العلوق عيب فلا شيء يدار عليه الحكم إلا الوطء، وكذلك إذا اعترف بوطء مملوكته لحقه الولد في زمن الإمكان، وإن لم يكن منه إقرار بالعلوق.
واعلم أن الخلاف في قبول الإقرار بالعتق والاستيلاد مفرع على القول بأن عتقه واستيلاده نافذ، إذا صدر في حالة الرهن، من حيث إنه قادر عليه حساً وممنوع منه شرعاً، كما جرى الخلاف في قبول إقرار السفيه بالإتلاف كذلك، أما إذا قلنا عتقه واستيلاده لا ينفذ فلا يقبل إقراره وجهاً واحداً، أشار إلى ذلك الإمام.
التفريع:
إن قلنا بالأول فهل يحلف الراهن؟ فيه قولان في الحاوي، ووجهان في الشامل، وجه عدم التحليف وهو اختيار القاضي أبي الطيب، أنه لو رجع عن إقراره لم يقبل رجوعه، ومقابله، هو اختيار الشيخ أبي حامد، وعلى الوجهين إذا حلف حكمنا ببطلان الرهن على الصحيح من المذهب، في أن رهن العبد الجاني جناية خطأ لا يجوز حتى لو فداه السيد، أو بيع في الجناية، وفضل من قيمته شيء لا يتعلق به [حق] المرتهن.
وفي الحاوي وغيره حاكية قول آخر معزي إلى الإمام، أن على المذهب حق المرتهن يتعين فيما فضل، وفي العبد إذا فداه السيد.
وإذا نكل الراهن عن اليمين، فهل ترد على المجني عليه أو على المرتهن؟ فيه وجهان في الحاوي، والمشهور منهما فيه جزم أكثرهم أنها ترد على المرتهن، فإن رددناها على المجني عليه فحلف، [فكان كحلف الراهن فإن نكل بقي الرهن، وإن رددناها على المرتهن فحلف] استمر الرهن.
وحكى الرافعي وغيره أن فائدة حلفه على قول حكاه الصيدلاني وغيره: أن يغرم الراهن قيمته ليكون رهناً مكانه ويباع العبد في الجناية بإقرار الراهن.
وعلى الأول وهو الصحيح: هل يستحق المجني عليه على الراهن أرش الجناية؟ فيه قولان، وإن نكل فهل ترد على المجني عليه؟ فيه وجهان، وعلى القول الثاني: يحلف المرتهن على نفي العلم بالجناية، وإذا حلف استمر الرهن.
وهل يغرم الراهن للمجني عليه شيئاً؟ فيه قولان، أصحهما وهو اختيار المزني: نعم.
وإن نكل عن اليمين، فهل ترد على المجني عليه، أو على الراهن؟ فيه قولان، أصحهما في الشامل: الأول؛ فإن رددناها على المجني علي، فنكل فلا شيء له على الراهن؛ لأنه قادر على حقه بيمينه.
لكن العبد إذا عاد إليه تعلق حقه برقبته.
وهل يحلف الراهن؟ فيه وجهان: وإن رددناها على الراهن، وحلف بيع العبد في الجناية.
وإن نكل فهل ترد على المجني عليه؟ فيه وجهان مخرجان من غرماء المفلس، فإن لم يدها عليه ففي تغريم الراهن شيئاً للمجني عليه، فيه القولان.
وفي قدر ذلك المغروم طريقان:
أحدهما: حكاية القولين في فداء العبد الجاني.
والثاني: القطع بأنه لا يغرم إلا أقل الأمرين، كما في أم الولد، وهذا ما قال [به] الأكثرون.
أما إذا أقر عليه بجناية صدرت بعد لزوم الرهن قال الرافعي: فالقول قول المرتهن، ولا غرم عليه، وحكى ابن كج وجهاً آخر: أنه يقبل.
وفي الجيلي إجراء ما ذكرناه من القولين في هذه الصورة أيضاً [وسيأتي في باب الفلس، حكاية طريقة مثل هذه فيما إذا أقر المفلس بدين] وقد أبدى القاضي الحسين في تعليقه في هذه الصورة احتمالين:
أحدهما: إلحاقها بالصورة الأولى.
والثاني: أنه يقبل في الحال؛ لأن الجناية تقدم على الرهن.
ورأيت في كلام الإمام ما يقتضي أن يكون الخلاف في هذه الصورة مرتباً على الخلاف في الصورة السابقة، إن قلناه ثَمَّ، فهاهنا أولى وإن لم نقبله ثَمَّ، فهاهنا وجهان، فإنه قال بعد ما حكيناه من التفريع في الصورة الأولى، وهذا كله إذا قلنا: إن رهن العبد الجاني لا يصح، أما إذا قلنا: إن رهنه صحيح فقد تردد الأئمة في ذلك؛ بناءً على أنه لا يقبل إقراره في الصورة الأولى، فقال بعضهم: إقراره مقبول بتقدم الجناية، وإنه لا منافاة بين تصحيح إقراره بتقدم الجناية وبين الرهن، وهو مطلق أقر بأمر ممكن في ماله وليس كما إذا فرعنا على أن رهن الجاني مردود فإنه إذا رهن واقتص ثم أقر، فإقراره يتضمن مناقضة ما قدمه من عقده وإقباضه فلم يقبل منه، وذهب بعضهم إلى رد إقراره هذا أيضاً؛ فإن قبول إقراره يتضمن نقض يد المرتهن، والرهن إذا انبرم بالقبض فمقتضاه لزوم حق المرتهن، فإذا أتى بما يناقض قوله ومضمون فعله رد.
انتهى.
وما ذكره دليل على ما قدمناه للمشاركة في المعنى المذكور، وإذا كذب المقر له المقر فيما أقر به، بقي الرهن بحاله بلا خلاف.
فرع: لو أقر بجناية ينقص أرشها عن قيمة العبد ومبلغ الدين فالقول في مقدار الأرش على الخلاف السابق، ولا يقبل فيما زاد على ذلك لظهور التهمة.
وقيل: يطرد الخلاف فيه.
واعلم أن الشيخ احترز بقوله: وإن أقر عليه بجناية الخطأ؛ عما إذا أقر عليه بجناية العمد، فإنه لا يقبل وجهاً واحداً، نعم إقرار العبد بها مقبول مع تكذيب السيد وإن أضر به لنفي التهمة، واستحق القصاص أن يعفو على مال، ويثبت في رقبة العبد يباع فيه، ويقدم على حق المرتهن إلا أن يفدى كما تقدم.
وفي تعليق القاضي الحسين: إن عفو ولي الدم ينبني على أن موجب العمد القود، والدية أحدهما لا بعينه أو القود عيناً.
فإن قلنا بالأول ففيه خلاف مرتب على ما إذا أقر بسرقة مال، وأولى بأن ينفذ الصلح من حيث إنه في السرقة أقر بشيئين: القطع والمال، فلم يقبل في المال في الحال لحق المولى، وفي مسألتنا الإقرار بأحد الأمرين لا بعينه، ولم يكن في علمه أنه يأخذ المال دون القصاص، فكان أبعد عن التهمة.
وإن قلنا بالثاني انبنى على أن مطلق العفو على هذا، هل يقتضي المال؟
فإن قلنا: يقتضيه صح وتعلق برقبته، وإن قلنا لا يقتضيه، فهو مرتب على قولنا: الواجب أحد الأمرين وأولى بالثبوت.
والفرق أن أصل القتل ما أوجب المال.
قال: وإن جنى عليه تعلق حق المرتهن بالأرش أي: إذا ثبت إما في صورة الخطأ، أو عمد الخطأ، وقتل من لا يكافئه، أو عند وجوب القصاص، وعفا السيد فواً يوجب المال، كما قدمناه، ووجهه: أن الأرش بدل عن الفائت، فقام مقامه في تعلق الحق به، والقابض لذلك من كان الرهن تحت يده.
قال الماوردي: وليس للراهن قبضه، وهل يحتاج إلى استئناف رهن فيه ظاهر كلام الأصحاب أنه لا يحتاج.
وفي الرافعي في كتاب الوقف حكاية خلاف فيه، وعلى الأول هل يوصف قبل الأخذ بأنه مرهون؟ فيه خلاف فمن منع قال: لأنه دين والدين لا يرهن، ومن جوز هذا الإطلاق قال: هو مال.
قلت: ويشبه أن تكون مادة الخلاف في أن رهن الدين ابتداء هل يجوز؟ ويجوز أن يكون هذا بناء على المذهب في منع رهن الدين، ويغتفر في الاستصحاب ما لا يغتفر في الابتداء ولا فرق في الجناية بين أن تذهب قيمة المرهون أو تنقصها، فلو أذهبت حرًّا ولم تنقص من القيمة شيء، كما إذا قطع ذكر العبد، ففي الحاوي أن القيمة الواجبة بهذه الجناية تختص بالراهن ولا يتعلق بها حق المرتهن كالنماء.
فروع:
أحدها: لو ضرب الجارية المرهونة [ضارب]، فألقت جنيناً ميتاً فعلى الضارب
عشر قيمة الأم؛ لأنه يكون مرهوناً؛ لأنه بدل الولد، فإن دخلها نقص لم يجب بسببه شيء آخر ولكن قدر أرش النقصان من العشر يكون مرهوناً، قاله الرافعي، وكلام صاحب الاستقصاء والقاضي [أبي الطيب] يفهم أنه لا يكون شيء منه مرهوناً في هذه الحالة أيضاً وقد حكاه الإمام عن العراقيين صريحاً، قبيل باب الرهن والحميل: فيما إذا نقصت نقصاناً عائداً إلى صفتها زائداً على مزايلة الولد، وأنهم وجهوا ذلك بأن الولد ليس مرهوناً ونقصانها يندرج تحت بدل الجنين، وصير نقصانها بمثابة نقصان بآفة سماوية ثم قال: وهذا حسن لطيف.
الثاني: لو ألقته حيًّا ومات ففيما على الجاني؟ قولان:
أصحهما: قيمة الجنين حيًّا وأرش نقص الأم إن نقصت، ويتعلق حق المرتهن بالأرش.
والثاني: أكثر الأمرين من [أرش النقص] أو قيمة الجنين.
فعلى هذا إن كان الأكثر قيمة الجنين فقدر الأرش من المأخوذ حق المرتهن متعلق به، وإن كان الأكثر الأرش، كان حق المرتهن يتعلق بجميعه [حتى لو عفا الراهن عن الأرش لا يصح وفيه قول: أن العفو موقوف ويؤخذ المال في الحال فإن انفك الرهن بغيره فك رد الجاني، وبان صحة العفو ولا تأتي بطلانه].
كذا حكى الرافعي، [وقول وقف العفو هو الذي حكاه البندنيجي].
وفي الاستقصاء وتعليق القاضي أبي الطيب حكاية القولين [في الأصل]، على غير هذا الوجه.
أحدهما: أن الواجب قيمة الولد، ولا يجب أرش النقص؛ لأنه يدخل فيه، ولا يتعلق حق المرتهن بذلك.
والثاني: يجب أكثر الأمرين من قيمة الولد حيًّا، وما نقص من قيمة الأم، فإن كانت قيمته حيًّا أكثر وجبت للراهن، ولا يتعلق بها حق المرتهن، ويصح عفوه عنه، وإن كان ما نقص أكثر كان رهناً.
قال الإمام: والوجه أن يتخرج ذلك على أن الحمل الموجود يوم الرهن هل يدخل
تحت الرهن؟ فإن قلنا: إنه داخل؛ فيجب أن يكون المأخوذ من الجاني رهناً كيف كان، وإن قلنا: لا يدخل فإن أوجبنا قيمة الجنين لم يكن رهناً، وإن أوجبنا نقصان الولادة، فالمسألة محتملة.
والأصح عندي: أنه لا يكون رهناً.
وقد ظهر لك من مجموع ما حكيناه أن في المسألة خارجاً عما أبداه الإمام من عند نفسه أربعة أقوال [لكن في حال تظهر لك من بعد،].
فإن قال قائل ليس في المسألة إلا قولان، وما ذكرته من الاختلاف محمول على حالين يرشد إليهما كلام الإمام، فإنه حكى عن العراقيين القولين اللذين حكيناهما عن رواية أبي الطيب، ثم قال: والذي يجب الاعتناء به فهم صورة المسألة فإذا كانت وهي ماخض تساوي مائة، وإذا ولدت صارت تساوي تسعين، ولم يظهر فيها نقص إلا أن الولد زايلها، فنقصت لذلك لا لعيب أحدثته الولادة، ثم انفصل الولد حيًّا وعليه أثر الجناية فمات، فالذي حكاه أبو الطيب وغيره محمول على هذه المصورة، والذي حكاه الرافعي محمول على ما إذا نقصت نقصاناً زائداً على مزايلة الولد.
قلت: كلام الإمام في الفرع قبله حكاية عن العراقيين يأبى تصوير العراقيين هذه المسألة بما ذكره، [بل يقتضي التصوير بما حملت عليه كلام الرافعي]، فإنه حكى عنهم أن نقصانها [الزائد عن مزايلة الولد يندرج تحت بدل الجنين، ويصير نقصانها بمثابة نقصان] بآفة سماوية، وإذا كان هذا مقتضى مذهبهم انتظم لك فيما إذا كان النقصان زائداً على مزايلة الولد الأقوال الأربعة، والله أعلم.
ثم من مقتضى ما ذكره الإمام أن يجب في هذه الصورة على الجاني قيمة الولد، ونقصان الولادة؛ لأنه علل عدم الجمع بين الأرش وما نقص فيما حمل عليه صورة مسألة القولين بأنه يؤدي إلى تضعيف الغرامة، وهاهنا لا تضعيف بل المقابل متعدد.
[وهو الذي حكاه الرافعي قولاً أولا].
وحكم الحيوان إذا ضرب فألقى الجنين حيًّا ثم مات، حكم الأمة فيما ذكرناه،
صرح بذلك الإمام، ولم يفرض الخلاف المذكور إلا فيه.
الثالث: لو أبرأ المرتهن الجاني لم يبرأ، وهل يسقط حقه من الوثيقة؟ فيه وجهان، أصحهما: لا، والمذكور في الحاوي مقابله.
واعلم أن حق المخاصمة في الجناية على المرهون للراهن؛ لأنه المالك وللمرتهن حضور ذلك؛ لتعلق حقه بالبدل، وكذا حق المخاصمة في العين المستأجرة إذا غصبت، وفي الوديعة والمستعار [للمالك]، فلو امتنع الراهن من المخاصمة فهل للمرتهن المخاصمة؟ فيه قولان:
قال في التهذيب: أصحهما عند الأصحاب، وبه قال القفال: أنه لا يخاصم [وهو ما جعله في البحر في الإجارة أصلاً، وقاس عليه كلام الإمام في آخر باب التحالف يقتضي أن له المخاصمة، ولم يمتنع الراهن من المخاصمة، فإنه قال: إذا أتلف الأجنبي العين المرهونة، توجهت عليه الطلبة من الراهن لحق الملك، وتوجهت عليه الطلبة من المرتهن لحق الوثيقة، وهذا متفق عليه].
وقد أجري هذا الخلاف في أن المستأجر هل يخاصم أم لا؟ والمحكي عن النص في المستأجر أنه لا يخاصم إذا امتنع الآخر، [كما حكاه في البحر وغيره].
ورأى الإمام وطائفة المخاصمة له أقرب إلى القياس.
وقال في البحر: إنه الأصح عندي؛ لأن المنفعة له، ومراد الشافعي أنه لا يخاصم في الرقبة، ورأيته عن القفال، وقال الزبيلي في أدب القضاء [له]: إنه مخرج من نص الشافعي على أن الأمة المزوجة لزوجا أن يتكلم عنها، وإن القائلين بتقرير النص فرقوا بأن التزويج المبتغى منه الأبد بخلاف الإجارة.
[ألا ترى أنها] لو ماتت قبل الدخول استقر المهر، ولو هدمت الدار قبل [أن] تقضي المدة لم يستحق تمام أجرتها، ولما رأى الإمام مخاصمة المستأجر أظهر، جزم بمخاصمة المرتهن في كتاب الرهن، ولو ردت اليمين على الراهن فنكل
عنها، فهل يحلف المرتهن؟ فيه قولان كما إذا نكل المفلس والوارث هل يحلف الغرماء؟
قال: وإن حصل من عين الرهن فائدة لم تكن حالة العقد كالولد، والثمرة فهو خارج عن الرهن؛ لما روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً، وَلَبَنُ الدَّرُّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ".
وعن قاسم بن أصبغ عن سعيد بن المسيب [وأبي سلمة] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يُغْلَقُ الرَّهْنُ، الرَّهْنُ لِمَنْ رُهِنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ"
وقد روي مرسلاً عن سعيد، ورفع عنه في هذا الإسناد وغيره، قال عبد الحق: ورفعه صحيح.
ولأن الرهن عقد لا يزيل الملك عن الرقبة فلم يسر إلى الولد، [كالثمرة، والإجارة].
وفي النهاية: حكاية وجه أن الاعتبار فيما يتبع المرهون في دخوله في الرهن، وما لا يتبعه بحالة القبض، فيلزم منه أن الثمرة إذا حدثت بعد العقد وقبل القبض يكون في دخولها في الرهن الخلاف السابق، وكذا فيما ذكرناه [معه] من قبل وهو غير
سديد، وله أن ينزي على الحيوان لطلب الولد، إن كان محل المال قبل ظهور الحمل، أو يلد قبل حلول الدين، وإن كان يحل بعد ظهور الحمل وقبل الولادة، فإن قلنا: الحمل لا يعرف جاز أيضاً لأنها تباع معه، وإن قلنا: يعرف وهو الصحيح لم يجز؛ لأنه لا يمكن بيعها دون الحمل، والحمل غير مرهون ولا يجوز مثل ذلك في الأمة؛ لأن الحمل فيها نقص.
نعم، لو اتفق أنها حملت، ودعت الحاجة إلى بيعها، فإن قلنا: [الحمل] لا يعلم بيعت، وكان كالوصف، وإن قلنا يعلم لم يكن مرهوناً، وتعذر بيعها، كذا قاله الأصحاب.
وقد يعترض على قولهم بجواز الإنزاء، إذا كان الدين يحل بعد ظهور الحمل، من حيث إن الأظهر من الوجهين، كما حكاه الرافعي في "كتاب الصداق": أن الحمل في البهيمة نقص.
وحكى عن بعضهم في الموانع من الرد بالعيب: إطلاق القول بأن الحمل الحادث نقص؛ لأنه في الحيوان المأكول ينقص اللحم وفي غير المأكول يخل بالحمل، وإذا كان كذلك وجب أن يمنع منه؟
وقد يجاب عن ذلك: بأن هذا القول مفرع على أن الحمل لا يعرف، وإذا لم يعرف لا يحسن أن يقول: إنه عيب قبل معرفته، وقد اختلف الأصحاب فيما إذا رهن نخلاً، ثم أطلعت – على طريقين:
أحدهما: أن بيعها مع الطلع على قولين كما ذكرنا في الحمل.
والثاني: القطع بأن الطلع غير مرهون فيباع النخل، وستثنى الطلع.
والجريد الحادث بعد الرهن، حكمه حكم الثمرة.
قال: وما يلزم [على] الرهن من مؤنة أي: مثل النفقة والعلف وسقي الأشجار ومؤنة الجذاذ وكراء اصطبل والبيت الذي يحفظ فيه وكذا نقله إلى المرتهن، أو إلى من يوضع تحت يده فهو على الراهن؛ للخبر الذي ذكرناه، وقد روى البخاري أيضاً
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونَا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبْ بِنَفَقَتِهِ إِذَ كَانَ مَرْهُوناً، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ".
ثم ما المراد بكونها على الراهن؟ فيه وجهان:
أصحهما – وهو مذهب العراقيين- أنه يجب عليه أن يقوم بها من غير المرهون؛ استيفاء لوثيقة الرهن.
والثاني: ويحكي عن الشيخ أبي محمد وغيره: أنه لا يجبر عند الامتناع لكن يبيع القاضي جزءاً من المرهون بحسب الحاجة، إلا أن يعلم أن النفقة تأكل المرهون قبل حلول الحق، فيلحق بما يفسد قبل الأجل فيباع، ويجعل ثمنه رهناً وهذا ما حكاه الغزالي عن قول المراوزة معبراً عنه بأن الإنفاق على الحيوان لا يلزمه إلا لحق الله تعالى، فإنه لم يرهن منه إلا ذاك، وضعف الرافعي هذا الوجه، بأن ذلك يفضي إلى إجراء الخلاف المذكور في رهن ما يتسارع إليه الفساد؛ إذ الاحتياج إلى هذه المؤنات محقق وهو بعيد، وعلى الأصح إذا لم يكن للراهن شيء أو لم يكن حاضراً باع الحاكم جزءاً من المرهون، وأكرى به بيتاً يحفظ فيه الرهن، وكذلك يفعل في مؤنة السقي والجذاذ والتجفيف، كذا حكاه الرافعي.
وفي تعليق [القاضي] أبي الطيب أن الحكم كذلك فيما إذا لم يكن له مال، أما إذا كان غائباً فإن الحاكم يكري من ماله، فإن لم يجد مالاً أكرى من الثمرة، فإن قال المرتهن: أنا أعطي مقدار الأجرة من مالي، وأرجع عليه بها، وكذا لو قال ذلك فيما إذا لم يكن له مال، وأذن له الحاكم في الإنفاق، جاز، وإن لم يجد حاكماً أو أنفق بهذا الغرض، وأشهد؛ ففي الرجوع عليه وجهان؛ بناء على القولين في هرب الجمال.
وأما المؤنات الدائرة فقد قال الرافعي: يشبه أن يقال: يحكمها حكم ما لو هرب الجمال، وترك الجمال المكراة أو عجز عن الإنفاق عليها، وهذا إذا لم يكن المرهون ماشية، أما إذا كان ماشية فللراهن أن يرعاها بالنهار ويأوي بالليل إلى الموضوعة على
يده، وإن أراد الراهن أن ينتجع بها، فإن كان في موضع مخصب يكفي الماشية؛ لم يكن له الانتجاع، وإن أجدبت الأرض، ولم يكن فيها ما يكفي الماشية بحيث [أن] تتماسك، كان له أن ينتجع بها، وليس للمرتهن منعه.
لكن يوضع على يد عدل تأوي إليه، وإن لم ينتجع الراهن وانتجع المرتهن؛ كان له ذلك، ولا يمنعه الراهن منه، وإن أرادا جميعاً النجعة إلى موضعين، فالمتبع الراهن، [قاله أبو الطيب،] وجعلت على يد عدل.
أما المؤنات التي تتعلق بالمداواة؛ كالقصد والحجامة وتوديج الدابة، وتبزيغها، والتغريب، والمعالجة بالأدوية والمراهم فلا تجب عليه؛ [وأجرى المتولي الوجهين السابقين في المداواة،].
ومعنى التوديج: فتح الودجين؛ حتى يسيل الدم، وهو في الدابة بمنزلة الفصد من الآدميين.
وأما التبزيغ فهو فتح الرَّهْصة.
والماء إذا نزل في الحافر.
يقال: بزغ البيطار الرهصة، وأصله من الشق؛ ولهذا يقال بزغت الشمس إذا طلعت.
ومعنى التغريب: أن يشرط أشعار الدابة شرطاً خفيفاً لا يضر بالعصب، ثم يعالج وأشعار الدابة فوق الحافر؛ كذا حكاه أبو الطيب.
ولا نزاع في أن للراهن فعل ذلك، إذا كان بحيث لا يخاف منه غائلة.
وإن كان يخاف؛ فعن أبي إسحاق أن للمرتهن المنع منه، وقال أبو علي الطبري: لا منع منه، ويكتفي بأن الغالب منه السلامة واختاره القاضي أبو الطيب، وقد أجرى الخلاف في قطع اليد المتآكلة إذا كان في قطعها وتركها خطر، فإن كان الخطر في الترك دون القطع فله القطع، وليس له قطع سلعة وإصبع لا خطر في تركها، إذا خيف منه ضرر وإن كان الغالب السلامة ففيه الخلاف، وله أن يختن العبد والأمة في وقت اعتدال الهواء إن كان يندمل قبل حلول الأجل، وإن لم يندمل وكان فيه نقص لم يجز، وكذا لو كان به عارض يخاف معه من الختان.
فرع: مؤنة رد المرهون بعد فكاكه على من تكون؟ فيه وجهان في الحاوي.
أحدهما: على الراهن.
والثاني: على المرتهن.
قال: والرهن أمانة في يد المرتهن فإن هلك أي من غير تفريط لم يسقط من الدين شيء وجهه قوله تعالى: - وَلَمْ تجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]، فجعل الرهن بدلاً من الكاتب، والإبدال في غالب أحكامها في حكم ميدلاتها؛ كالصيام في الكفارة والتيمم في الطهارة؛ لما كان أصلها واجباً لذلك كانا واجبين، وإذا وجب أن يكون حكم البدل حكم المبدل وجب أن يكون حكم الرهن حكم الكتاب، وتلف الكتاب لا يسقط الدين فكذلك الرهن، وما روى معمر وابن أبي ذئب وإسحاق بن راشد وابن أبي أنيسة، عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُغْلَقُ الرَّهْنُ، الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ؛ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ".
وجه الدلالة: قوله: من صاحبه، يعني: من ضمان صاحبه، فإنه لا يصح حمله على أنه من ملك صاحبه؛ لأن حرف التمليك هوا للام، فلو أراد الملك لقال الرهن لصاحبه.
ولفظة من تستعمل في الضمان.
وأيضاً قوله: [له] غنمه وعليه غرمه.
فالغنم: الزيادة والنماء، والغرم: العطب والنقص.
ومن جهة المعنى: أنه وثيقة في دين ليس بعوض فيه، فوجب ألا يسقط بتلفه؛ كالضامن والشاهد.
وفيه احتراز من تلف المبيع في يد البائع، وإذا ثبت لنا في هذه الصورة أنه غير مضمون [مع أن المرتهن قبض العين لغرض نفسه] فهو إذا كان في يد العدل من طريق الأولى.
وحكم ثمن المرهون إذا ضاع في يد العدل بعد أن باعه بالإذن، حكم تلف المرهون، وحكم المرهون بعد زوال الرهن في يد المرتهن في كونه غير مضمون
كما قبل زواله.
وقال ابن الصباغ: [ينبغي أن] يكون بعد الإبراء [في الغنيمة]، كمن طير الريح ثوباً إلى داره؛ حتى يعلم الراهن به أو يرده؛ لأنه لم يرض بيده إلا على سبيل الوثيقة، [بخلاف ما إذا علم؛ لأنه قد يرضى بتركه عنده].
فرع: إذا خرج الرهن مستحقاً، وقد تلف في يد المرتهن، فهل للمالك مطالبته ببدله؟
فيه وجهان: أصحهما: نعم، وعلى هذا إذا غرم هل يرجع على الراهن؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، وقد قطع المراوزة بالمطالبة والرجوع، وهذا الخلاف يجري في المستأجر من الغاصب والمودع منه، والمضارب والوكيل في بيعه.
قال: فإن اختلفا في رده فالقول قول الراهن؛ لأن يد المرتهن على العين لغرض نفسه وهو متمكن من إقامة البينة على ما ادعاه، فلم يقبل قوله كالمستعير وهكذا الحكم عند العراقيين في دعوى المستأجر رد العين، واختلفوا في الوكيل بجُعل، وعامل القراض والأجير المشترك إذا لم يضمنه، إذا ادعى الرد على وجهين، [لأن يد هؤلاء نيابة عن المالك، وإنما تعلق لهم بها حق فلذلك جرى الخلاف.
وقال] ابن الصباغ وغيره: [و] الفرق بين هؤلاء والمرتهن أنه قبض العين للانتفاع بها بخلاف هؤلاء؛ لان الانتفاع بالأجرة لا بالعين، ومذهب المراوزة قبول قول المرتهن في دعوى الرد، وطردوه في كل يد هي أمانة في حق من صدر منه إثبات اليد كالرهن والإجارة والوكيل بالجُعل.
وفي الوسيط في كتاب الوكالة: أن العراقيين ذكروا في كل ذلك وجهين.
ولو اختلف الراهن والمرتهن في تلف الرهن فالقول قول المرتهن، [توافق عليه المراوزة والعراقيون كما حكاه ابن الصباغ وغيره؛] لأنه لا يتعلق بالاختيار، فلا يساعده فيه البينة فكان القول قوله [فيه] لدفع الضرر، وإيراد الغزالي في الوسيط وغيره يوهم أن العراقيين خالفوا في ذلك وألحقوه بدعوى الرد، ومستنده فيه ما قاله الإمام أن القياس يقتضي أن ينزل دعوى التلف منزلة دعوى الرد في كل تفصيل، والله أعلم.
ولنختم الباب مسائل تتعلق به، وقد وعدنا من قبل بذكرها فمنها:
إذا سلم الراهن الرهن للمرتهن ووكله في بيعه عند المحل، كانت الوكالة فاسدة، ولو باعه لم يصح بيعه؛ لأنه توكيل فيما ينافيه الغرضان، فلم يصح كما لو وكل وكيله في بيع شيء من نفسه، وينافي الغرض أن الراهن يريد الزيادة في الثمن، والمهل على البيع؛ حتى لا تفوته الزيادة والمرتهن يريد تعجيل الحق وإنجاز البيع، ويفارق غير المرتهن فإن حق المرتهن لا يتعين فيه، وهذا ما يقتضيه نص الشافعي فإنه قال: لو شرط للمرتهن إذا حل الحق أن يبيعه لم يجز له أن يبيع لنفسه إلا بأن يحضر رب الرهن.
فإن قيل: ألستم ذكرتم في الوكالات الفاسدة أن بيع الوكيل يصح فيها فلم لا يصح البيع هنا؟ قيل: الفرق بينهما أن الوكالة الفاسدة من حيث فساد عوضها لا تمنع ذلك الإذن في البيع، والإذن المجرد يصح معه البيع، وهاهنا الفساد من ناحية الإذن، فانتفى ما يصحح البيع، ثم هذا إذا لم يكن الراهن حاضراً، [أما إذا كان حاضراً]، فقد انتفت التهمة فيصح البيع وهذا ظاهر نص الشافعي.
ومن أصحابنا من قال: لا يصح بيعه؛ لأنه يكون وكيلاً فيما يتعلق بحق نفسه.
قال ابن الصباغ: والأول أصح، هذا ما حكاه العراقيون وجزم الإمام في النهاية بصحة بيع المرتهن إذا قال له الراهن: بع الرهن [لي] واقبض الثمن لي، ثم استوفه لنفسك، وحكى في صحة استيفائه لنفسه إذا حدد وزنه وجهين:
أما إذا لم يحدده فلا يحصل القبض، وليس كما لو رهن الوديعة عند المودع؛ لأن الاستيفاء إنما يصح بناء على إذن الراهن ولفظه في الإذن: ثم استوف منه حقك، وهذا تصريح بإحداث أمر.
ولو قال: بعه لي واستوف الثمن لي ثم أمسكه لنفسك؛ فالظاهر أيضاً أنه لابد من فعل في القبض.
ومن أصحابنا من أقام الإمساك على قول صحة [القبض] مقام الاستيفاء، وإذا لم نصححه ولم يوجد منه سوى مجرد نية الاستيفاء، فلا يدخل في ضمانه انتهى.
وحمل ما قاله العراقيون من فساد الإذن والبيع وحكوه عن النص على ما إذا قال بعه لنفسك فباع، وان القاضي وافقهم على اختيار ذلك؛ لأنه لا يتصور أن يبيع الإنسان مال الغير لنفسه.
[وحكى عن صاحب التقريب رواية قول، وأنه ارتضاه لنفسه] أن البيع صحيح.
وحكى فيما إذا قال: بعه، ولم يقل: لي ولا: لنفسك، في أنه على أيهما يحمل؟ وجهين، والقائلون بالمنع عللوه بعلتين:
أحداهما: أن البيع بعد حلول الدين مستحق للمرتهن، فإذا أقرن به الإذن المطلق حمل عليه، فكأنه قال بعه لنفسك.
والثانية: ما حكيناها عن العراقيين من قبل، وعليهما يخرج ما إذا كان المرتهن حاضراً البيع أو أذن في البيع بثمن معين، أو كان الدين مؤجلاً، فإن عللنا بالأول بطل في الأولى والثانية وصح في الثالثة إذ لا استحقاق، وإن عللنا بالثانية صح في الأولى والثانية.
وبطل في الثالثة.
ومنها: أن الراهن والمرتهن لو أذنا للعدل في بيع الرهن ثم عزلاه عنه امتنع عليه البيع وانفسخت الوكالة، وكذا لو فسخ الراهن الوكالة انفسخت، وهل للمرتهن فسخ الوكالة؟
قال المحاملي: ظاهر كلام الشافعي يدل على أن فسخه يصح؛ لأنه قال [في
المختصر] ما لم يفسخا أو أحدهما.
وقال أبو إسحاق: لا يصح من المرتهن فسخ الوكالة؛ لأن العدل ليس بوكيله، وإنما هو وكيل الراهن، وقول الشافعي: "ما لم يفسخا أو أحدهما" تعني: أن العدل يجوز له البيع ما لم يمنع الراهن أو المرتهن من ذلك، وهذا ما رجحه القاضي أبو الطيب في تعليقه، ونسب الأول إلى قول بعض الأصحاب، وقال: إنه ليس بصحيح؛ لأن العدل ليس بوكيل للمرتهن بالإجماع، وهذا يدل على أن الخلاف في [أن] الوكالة من جهة الراهن هل ترتفع بعزل المرتهن حتى يفتقر الراهن إلى تجديد وكالته إذا أريد بيعه، وقد صرح به الإمام.
وفي الحاوي: أن الذي عليه الجمهور من أصحابنا، وهو قول البصريين أن الوكالة ارتفعت، وما حكى عن أبي إسحاق لا يتحصل منه شيء وبعضه يناقض بعضاً؛ لأن الوكالة إنما هي إذن بالبيع فإذا منعه برجوع المرتهن عن البيع فقد زال موجب الوكالة.
وهذا صريح الشيخ إلا أن وكالة الراهن [لا] تنفسخ برجوع المرتهن كما لا تنفسخ وكالة المرتهن برجوع الراهن.
انتهى.
وهذا منه يدل على أن وكالة الراهن لاترتفع على القولين معاً، وهوا لذي يقتضيه إيراد الغزالي في الوسيط فإنه قال: لو رجع أحدهما عن الإذن امتنع عليه البيع، ورجوع الراهن عزل فإنه الموكل، وإذن المرتهن شرط وليس بتوكيل، ولذلك لو عاد المرتهن، واذن بعد رجوعه جاز، ولم يجب تجديد التوكيل من الراهن.
ثم قال: ومساق هذا الكلام من الأصحاب مشعر بأنه لو عزله الراهن، ثم عاد ووكله افتقر إلى تجديد الإذن، وعليه يلزم لو قبل به ألاَّ يعتد بإذنه، للعدل قبل توكيل الراهن فلبؤخر عنه، ويلزم عليه الحكم ببطلان رضا المرأة في التوكيل بالنكاح قبل توكيل الولي، وكل ذلك محتمل، ووجه المساهلة إقامة دوام الإذن مقام الابتداء تعلقاً بعمومه فإنه إن لم يعمل في الحال فليقدر مضافاً إلى وقت التوكيل، وإذا احتملت الوكالة التأقيت والتعليق كان الإذن أولى بالاحتمال.
قلت: ووجه إشعار كلام الأصحاب بما ذكره أنهم لما استدلوا على أن إذن
المرتهن شرط وليس بتوكيل، بأنه لو عاد وأذن جاز، ولم يجب تجديد التوكيل، اقتضى أن الراهن لو عاد بعد عزله ووكل، افتقر المرتهن إلى تجديد الإذن وإلا لم يحسن الاستدلال، وما قاله من الإلزامين: الأول منهما صحيح؛ لأن زوال توكيل الراهن لما أبطل إذن المرتهن بعد الحكم [بصحة الراهن، لما أبطل إذن المرتهن بعد الحكم] بصحته بعدم التوكيل أولى أن يمنع؛ لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.
وأما الثاني: فسياق كلام الأصحاب يقتضي خلافه من حيث إن رضا المرأة بالتوكيل إذا اعتبرناه كرضا المرتهن ببيع العدل؛ [لأن المرأة لا يصح توكيلها في النكاح] ولما كان إذن المرتهن شرطاً في صحة بيع العدل، ويفتقر إلى تقدمه على البيع، لزم أن يكون إذن المرأة بالتوكيل شرطاً في صحة التوكيل ومتقدماً عليه.
نعم، لو كان إذن المرتهن شرطاً في صحة توكيل الراهن لا في بيع العدل، وقد اقتضى مساق كلامهم ما ذكر، لزم منه ألا يعتد برضا المرأة بالتوكيل قبله؛ لأنه حينئذ يكون الوزان وحيث هو منتف انتفى الإلزام.
وقوله: ووجه المساهلة، يعني: مساهلة الأصحاب في رضا المرأة بالتوكيل متقدماً عليه، وإن كان مخالفاً لمساق كلامهم إلى آخره – جواب على اعتقاده صحة الإلزام، وقد يثبت أنه مساق كلامهم، فلا مساهلة.
ويؤيد ما ادعيت أن الغزالي عنها بقوله من بعد: فليقدر مضافاً إلى وقت التوكيل، وهذا ما حضرني من البحث في ذلك وكان شيخي السيد الشريف عماد الدين العباسي –رحمه الله – يستشكل كلام الغزالي في هذا، وكتب لي ورقة بخطه فيما وقع له منه، وسأذكر صورة المكتوب فيها ثم أبدي ما ظهر لي عليه، وصورته: الذي زعم الشيخ أنه مساق كلام الأصحاب ليس مساقاً لكلامهم، ووقع الغلط في هذا الفرع في ثلاث عشرة كلمة، وهأنا أرسمها بالحمرة بين الأسطر ليتبينه الناظر، وأكتب بالحمرة المسألة التي ذكرها الإمام، أعني الوجه الذي نقله الإمام عن
الأصحاب؛ إذ كان الشيخ أراد أن يفرع عليه لكن كان الأمر أشبه عليه، فعكس الصواب في تفريعه عليه، ونقل حكم إذن المرتهن إلى توكيل الراهن بالعكس.
فأقول بعد أن أعلمك أن المكتتب بالسواد هو نفس كلام الشيخ، والمكتتب بالحمرة فوق الكلمات بعد مسألة الأصحاب هو صوابه.
قال: فروع أربعة: الأول: أنه لو رجع أحدهما عن الإذن امتنع البيع ورجوع الراهن عزل، فإنه الموكل، وإذن المرتهن شرط وليس بتوكيل، ولذلك لو عاد المرتهن وأذن بعد رجوعه جاز، ولم يجب تجديد التوكيل من الراهن.
وذهب بعض الأصحاب إلى أن رجوع المرتهن يوجب رفع الوكالة، ومساق هذا الكلام من الأصحاب مشعر بأنه لو:
رجع المرتهن وأذن الراهن التوكيل.
عزل الراهن، ثم عاد ووكل – افتقر المرتهن إلى تجديد الإذن، وعليه يلزم لو قيل به أنه لا يعتد بإذنه؛ للعدل قبل توكيل الراهن؛ فليؤخر عنه، ويلزم عليه الحكم ببطلان رضا المرأة بالتوكيل في النكاح قبل توكيل الولي، وكل ذلك محتمل، ووجه المساهلة: إقامة دوام الإذن مقام الابتداء؛ تعلقاً بعمومه، وأنه إن لم يعمل في الحال فليقدر مضافاً إلى وقت التوكيل.
هذا آخر ترتيبه، والذي وقع لي عليه، أن هذا الوجه الذي بني الشيخ عليه هذا الكلام نسبه الإمام إلى بعض الضعفة، فكيف يمكن إلزام الأصحاب بمقتضاه؟ ثم لو صححناه؛ لم يكن مساقه مشعراً بما ذكره بل مصرحاً به؛ لأن الوكالة إذا ارتفعت علم بالقطع أنها لا تعود إلا بتوكيل جديد، وإذا كان كذلك لم يحسن [حمل] كلام الغزالي على ذلك.
نعم ما ذكره صحيح بناء على اختيار هذا الوجه.
ومنها: أن المرتهن بعد حلول الحق له مطالبة الراهن بوفائه كما سنذكره، فإن امتنع من الوفاء طولب ببيع الرهن في الدين، فإن امتنع فهل يبيعه الحاكم عليه أو يجبره على البيع؟ فيه كلام نذكره في باب التفليس، كذا قال المحاملي: وليس للراهن مطالبته بإحضار الرهن، حتى يقع قضاء الدين، واسترداد المرهون معاً، وكذا لو أدى الدين لا يلزمه إحضاره أيضاً بل عليه التخلية بينه وبينه، ومقتضى ما حكيته عن الماوردي من أن مؤنة الرد بعد الفكاك تجب على المرتهن على وجه، [وهو ما حكاه القاضي الحسين في كتاب القراض عن العراقيين] أن الرد واجب على ذلك الوجه.
ولو امتنع الراهن من وفاء الحق بتعذر أو غيبة، فإن كان للمرتهن بينة، رفع الأمر إلى القاضي، وإن لم يكن له بينة أو لم يكن في البلد حاكم؛ كان حكمه حكم من ظفر بغير جنس حقه.
قال الإمام: وفائدة الرهن أن الراهن لو مات أو أفلس اختص بثمنه، وفي مسألة الظفر لا يختص بما ظفر به، بل شارك فيه.
باب التفليس
التفليس: النداء على المفلس، وإشهاره بصفة الإفلاس، قاله الرافعي.
وقال الغزالي: هو أن يجعل من عليه الدين مفلساً ببيع ماله.
ولفظ التفليس والفَلس والإفلاس، مأخوذ من الفلوس التي هي أخس الأموال؛ فإنه إذا حجر عليه منع التصرف في ماله إلا في شيء تافه لا يعيش إلا به، وهو مؤنته ومؤنة عياله.
وقيل: لأنه صار ماله كالفلوس؛ لقلته بالنسبة إلى ما عليه من الديون.
وقيل: لأنه فني خيار ماله وجيده، وبقي معه الفلوس.
قال المحاملي: وبعض أصحابنا يقول: إنما اشتق من الفلوس؛ لأنه ذهب ماله حتى الفلوس.
وهذا بضد ما قاله أهل اللغة.
ويقال: أفلس، إذا أعدم، أو: صار ذا فلوس؛ كما يقال: أيسر، إذا صار ذا يسار، وهكذا يقدر في قولهم: مفلس؛ كقولهم: مُفِضّ، أي: ذو فضة.
وتفالس؛ أي: ادعى الإفلاس.
قال الماوردي: وكره بعض أصحابنا أن يقال في هذا الباب: باب الإفلاس؛ لأن الإفلاس مستعمل في إعسار بعد اليسار، والتفليس مستعمل في حجر الحاكم على المديون؛ فكان أليق بالحال.
وقد فسر الأصحاب المفلس في الشرع بمن ركبته الديون، وماله لا يفي بها، ويتجه أن يضاف إليه حجر الحاكم؛ أخذاً مما قاله الماوردي - كما ذكرناه - والبندنيجي، والمحاملي، حيث قالا: قال: فلَّسه الحاكم، إذا حجر عليه، ومنعه من التصرف في ماله.
قال: إذا حصلت على رجل ديون، فإن كانت مؤجلة لم يطالب بها - أي: قبل حلولها - لأنه لو جوز الطلب بها سقطت فائدة التأجيل.
قال: وإن أراد السفر - أي: أي سفر كان - لم يمنع منه؛ لسقوط المطالبة عنه قبل الحلول، ولرب الدين المسافرة معه ليطالبه عند حلوله؛ بشرط ألا يلازمه ملازمة الرقيب.
قال: وقيل: يمنع من سفر الجهاد – أي: إلا أن يقوم بالدين أو يَكْتَفِل به – لأن ذلك مظنة الهلاك؛ فإن المجاهد قد يطمع في الجنة فيحرص على طلب الشهادة، وذلك مضيع للدين.
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في معركة القتال يوماً: "مَنْ وَضَعَ سَيْفَهُ فِي هَؤُلاَءِ مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ حَتَّى قُتِلَ فَلَهُ الجَنَّةُ، فَقَالَ بَعْضُ الأَنْصَارِ – وَكَانَ بِيَدِهِ تَمَرَاتٌ يَاكُلُهَا -: ليس بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ ورمى بالتمرات واخترط سيفه وكسر غمده في العدو، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ دَيْنٌ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَادَ وَانْغَمَسَ حَتَّى قُتِلَ"، وهذا ما نسب إلى الإصطخري، وحكى الرافعي في السير أن الروياني صححه، وقد حكى القاضي ها الوجه في غير سفر الجهاد، في أي سفر كان في كتاب السير، ووجهه بأنه ربما حل الحق؛ فلا يمكنه المطالبة به.
وقيل في سفر الجهاد: إن خلف وفاءً بالدين فلا منع منه، وألا منع.
وقيل: إن كان من المرتزقة لم يمنع، وإلا منع، وفي كتاب القاضي ابن كجٍّ: أن الأجل إن كان يدوم إلى أن يرجع فلا منع، وإن كان يحل قبل أن يرجع ففيه الخلاف.
والأضعف على ما حكاه الإمام – المنع مطلقاً، والمذهب الأول، وخوف الهلاك موجود في الإقامة.
والحديث دال على منع جهاد من عليه دين، لا على منع السفر له، ومنع الجهاد مذكور في آخر الكتاب، وتجري الوجوه الثلاثة الأوَل في كل سفر مخوف مثل سفر البحر، [وفي "تتمة التتمة": أنها لا تجري فيه؛ فإن راكب البحر يسعى في السلامة، والغازي من يعرض نفسه للشهادة].
وعلى المذهب: لا يجب على المديون القيام لمستحق الدين عند طلبه الكفيل أو الراهن، أو أن يشهد [له] ذلك، وقد حكى عن صاحب "التقريب" رواية وجه في وجوب الإشهاد، واختار الروياني في زمانه وجوب القيام بالكفيل في السفر البعيد المخوف عند قرب الأجل؛ لخبث أهل الزمان.
قال: وإن كانت حالة وله مال يفي بها طولب بقضائها؛ [أي]: وإن لم يرد
سفراً؛ لقوله تعالى: - وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280]؛ فدل على أنه إذا لم يكن ذا عسرة أنه لا يجب إنظاره، [ويجب عليه القيام به]، ولأن ذلك فائدة الحلول.
وما أطلقه الأصحاب من أن الدين إذا كان حالاًّ فله منعه من السفر حتى يُقْبِضه، أرادوا: برفعه إلى مجلس القاضي ومطالبته به، ومن هذا يظهر أنه ليس له منع المعسر من السفر، إلا أن يكون سفر جهاد على رأي، وقد صرح الرافعي به في السير؛ حيث حكى أن القاضي ابن كجٍّ قال- فيما إذا أراد من عليه دين حال وهو معسر سفر الجهاد-: المذهب أنه ليس له منعه، وأن أبا إسحاق قال: له منعه؛ لأنه يرجو أن يوسر فيؤدي، وفي الجهاد خطر الهلاك، وهذا يدل على أن المنع يكون بغير الحبس عند المنع منه في الدين المؤجل.
فرع: إذا لم يطالبه صاحب الدين الحال به، وهو قادر عليه، هل يجب عليه أداؤه على الفور؟ أو على التراخي؟ قال في "البحر" في آخر كتاب الغصب: يحتمل أن يقال: إن كان وجوبه يرضي المالك فهو على التراخي، ويتعين أداؤه بالمطالبة، أو لخوف منه على ماله فيفوت قضاؤه، وإن كان وجوبه بغير رضا المالك [فالقضاء على الفور؛ لأن صاحبه لم يرض وجوبه في ذمته، وهذا لأنه إذا كان يرضى المالك،] فصاحب الدين مندوب إلى ألا يطالب الدين، ولو كان وجوب القضاء على الفور لكان مندوباً إلى المطالبة؛ ليخرج من عليه الدين من العصيان بتأخير القضاء.
ويحتمل أن يقال: إذا كان الوجوب بغير رضاه ينظر: فإن كان صاحب الحق لا يعلم به كان على الفور، [وإن كان عالماً به، فإن وجب بتعدٍّ منه كان على الفور]، وإن كان بغير تعد فعلى التراخي.
قلت: ومقتضى ما قاله أخيراً أنه يجب عليه عند عدم العلم في صورة غير التعدي أحد أمرين: إما الوفاء، أو إعلامه بالدين.
وقال الإمام في كتاب [الزكاة عند الكلام في أن التمكن شرط الضمان: إن من
عليه دين وهو غير ممتنع من أدائه، ومستحقه غير مطالب به، فالدين الثابت، ولكن لا يتعين أداؤه ما لم يطالبه مستحقه، وقال في كتاب] القضاء بعد قوله: "إن الأداء لا يلزم إلا مع الطلب": وقد يقول الفقيه: من عليه دين حال يلزمه أداؤه، وإن لم يطالبه صاحبه، وإنما يسقط وجوب الأداء برضا مستحق الحق بتأخيره.
قال: فإن امتنع؛ أي: من القضاء بعد أمر الحاكم به، باع الحاكم ماله- أي: إن رأى ذلك [وقضى دينه]؛ لما روي عن عمر – رضي الله عنه – أنه قال: ألا إن الأسَيْفِعَ – أسيفعَ جُهَيْنَةَ – رضي من دِينِه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج، ويقال: سابق الحاج، فادَّان معرضاً – أي: عن الوفاء، [وقيل: أعرض الناس فادان منهم – فأصبح] قدرِينَ بِهِ فمن كان له عليه دين فليحضر غداً؛ فإنا بائعوا ماله، وقاسموه بين غرمائه.
ولم يخالفه أحد من الصحابة؛ فكان إجماعاً.
وإن رأى ألا يبيعه ويجبره على البيع بنفسه بالحبس والتعزير فله ذلك، صرح به الشيخ أبو حامد، وحكاه القاضي أبو الطيب.
وفي "التتمة" حكاية وجه: أنه لا يحبسه؛ لأنه ربما يقعد في الحبس ولايبيع المال؛ فيتضمن ذلك تأخير حقوق الغرماء، وهذا ما حكاه في "الذخائر" عن الأصحاب وصاحب "الاستقصاء" عن سليم الرازي ونصر المقدسي، وهل للحاكم أن يحجر عليه إذا التمسه الغرماء [عند امتناعه]؛ خشية من إتلاف أمواله؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لما ذكرناه، وهو الذي حكاه في "التتمة" عن الشيخ أبي حامد.
ووجه مقابله: أن عمر - رضي الله عنه - لم يحجر على الأسيفع، كذا قال المتولي والرافعي.
واعلم أن الحاكم إذا رأى بيع المال فلا يتولاه، إلا أن يثبت عنده أن ذلك ملكه بالبينة، كما صرح به الماوردي هنا، [والقاضي الحسين في كتاب الأقضية؛ حيث قال: إذا ادعى الخصم أن للمديون عقاراً في موضع كذا، فأقر به، وامتنع من بيعه - لا يبيعه القاضي حتى يقيم المدعي بينةً بأنه للمدعي عليه؛ لأنه ربما يكون لغيره، وبيع القاضي إياه يكون حكماً بأنه له]، وكلام الإمام في مسألة الظفر يدل عليه؛ فإن ضعف قول من قال: لا يبيعه بنفسه، بأنه إذا رفع الأمر إلى القاضي قد لا يجد بينة على إثبات دينه، وإن وجدها فقد يعجز عن إثبات كون هذه العين ملكاً لمن عليه الدين، وكلام صاحب "الإشراف" يدل على ذلك، وشيء آخر فإنه قال: القاضي يبيع الرهن بعد ثبوت الدين وصحة الرهن وملك الراهن أو يده يوم الإقباض، ثم قال: قال القاضي: هكذا ذكر المصنف، وهو في كتب أصحابنا بالعراق، إلا أنه قول أبي حنيفة، وعندنا مجرد اليد لا يدل على الملك، بل يشترط مع اليد قرينة التصرف، وامتداد المدة، وعدم المنازع، ويشترط في بيع التركة ثبوت الدين والملك والموت، والشهادة على أنه ملك الميت إلى أن مات، أو في يده وتصرفه تصرف الملاك.
قلت: وما ادعى القاضي أنه في كتب العراقيين من الاكتفاء باليد، يتجه جريانه هنا لأجل الحاجة، وقد يؤخذ من قول الشيخ في مسألة الظفر.
وقيل: يواطئ من يقر له بحق .. إلى آخره، وكلام ابن الصباغ ثم أدل عليه؛ فإنه ذكر أن أبا علي بن أبي هريرة، قال: لا يبيعه بنفسه، بل يواطئ رجلاً يدعي عليه ديناً عند الحاكم فيقر له، [ويقر له] بملك الشيء [الذي أخذه، فيمتنع من عليه الدعوى من قضاء الدين؛ يبيع الحاكم الشيء] المأخوذ، ويدفعه إليه.
وعلى الأول: يتجه أن يتعين الحبس إلى أن يتولى الممتنع من الوفاء البيع بنفسه؛ فإنه لا معترض عليه - كما قال الماوردي - ويوفي الدين.
تنبيه يحتاج إليه في ألفاظ عمر – رضي الله عنه -: الأسيفع: بضم الهمزة وفتح السين بلا نقط، والياء منقوطة بثنتين من تحتها.
فادَّان: بتشديد الدال بلا نقط.
رين به: بكسر الراء بلا نقط، والياء آخر الحروف، يقال: رين بالرجل رَيْناً، إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه، ولا قبل له به، ويقال: رين به: انقطع به، وهو راجع إلى الأول، ومنه قوله تعالى: - كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [المطففين: 14]، قيل: هو الذنب على الذنب حتى يسودَّ القلب.
قال: فإن لم يكن هناك مال، وادعى الإعسار: فإن كان قد عرف له قبل ذلك مال – أي: قبل دعوى الإعسار – سواء كان مبيعاً الدين ثمنه، أو قرضاً الدين عوضه، أو غير ذلك.
قال: حبس؛ أي: إذا طلب الغريم ذلك [ولم يكن ولداً لمن عليه الدين]؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لِصَاحِبِ الْحَقِّ الْيَدُ وَاللِّسَانُ".
وأراد باليد: الملازمة والحبس، وباللسان: الاقتضاء والمطالبة، ولأن الحبس يتوصل به إلى استيفاء الحق؛ فكان واجباً؛ لأن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب: كالملازمة، كذا قاس الماوردي، فظاهره يقتضي أن عمر بن عبد العزيز والليث بن سعد – اللذين خالفا في جواز الحبس – توافقا على الملازمة، وإلا لما حسن منه القياس عليها.
أما إذا كان ولداً له، أو ولدَ ولدٍ وإن سفل، فهل يحبس في حقه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن الحبس نوع عقوبة، وليس للابن أن يوجه العقوبة إلى أبيه، وهذا ما صححه البغوي.
وقال القاضي الحسين في كتاب الإجارة: إنه قول العراقيين، وقال الإمام قبيل كتاب الدعاوى: إنه الذي ذهب إليه معظم أئمتنا.
والثاني: يحبس، وإلا أقر وامتنع عن الأداء، وحينئذ يعجز الابن عن الاستيفاء، ويضيع حقه، وهذا ما نسبه القاضي إلى القفال، والإمام إلى أبي زيد المروزي من أصحابنا، وقال: إنه القياس عندي، ولأجل ذلك صححه الغزالي في هذا الكتاب.
[قال الإمام:] وذكر بعض أصحابنا وجهاً ثالثاً – وهو اختيار صاحب "التلخيص" -: أنه يحبس في نفقة ولده إذا امتنع من الإنفاق عليه، ولا يحبس في غيره من الديون.
[والأمهات والجدات من الجهتين؛ كالأب والأجداد فيما ذكرناه].
وإذا حبس لا يلزم إخراجه إلى الجُمَع والجماعات، ولا يعصي بتأخره عنها إذا كان معسراً، ولا يلزمه الاستئذان للخروج إلى الجمعة إذا علم بشاهد الحال وغالب العادة أنه لا يأذن له، ولا يمنع من عمل صنعته في الحبس على أصح الوجهين.
ولو دعا المحبوس أمته أو زوجته إلى فراشه لم يمنع إن كان في الحبس موضعٌ خالٍ، فإن امتنعت أجبرت الأمة، ولا تجبر الزوجة الحرة؛ لأنه لا يصلح للسكنى، وإنما هو حبس ولا حبس عليها، والزوجة الأمة تجبر إن رضي سيدها.
[قال الرافعي في كتاب القضية: وكان يجوز أن يقال: الحبس وزجر وتأديب.
وإن اقتضى الحال أن تمتنع منه زوجته أو أمته فعل]، ولو كانت امرأة لم تمنع من إرضاع ولدها في الحبس ما لم يوجد منه بدٌّ، ويمنع الزوج منها.
ونفقة المحبوس في ماله على الأصح، وقيل: على الغريم.
قال الماوردي: وهذا مذهب مُطَّرَح، ولا يضاف إلى حبسه تعزير آخر إذا أصر على دعوى الإعسار، بخلاف ما إذا امتنع من وفاء ما أقر به، مع اعترافه بالمَلاءة؛ فإنه يضاف إلى الحبس التعزير، ويكرر عليه الوقت بعد الوقت فيروه من الأولى، وإن انتهى مجموع ذلك إلى قدر الحد، ويجوز للغريم أن يقول له في هذه الحالة: يا
ظالم، يا مماطل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ"، [خرجه النسائي].
والليُّ: المطل، وعرضه: ما ذكرناه، والعقوبة: التعزير والحبس.
ولو امتنع من وفاء ما ثبت عيه بالبينة مع إقراره باليسار، وتعريفنا إياه بما يترتب على ذلك - قال الإمام في باب نكاح المشركات: الظاهر عندنا امتناع التعزير، وفي الحبس مَقْنَعٌ، وفي كلام الأصحاب ما يدل على أن للقاضي أن يعزره.
فرع: لو أراد الغريم ملازمته حيث يجوز حبسه مكن منها؛ لأنها أخف.
قال [الرافعي في كتاب الأقضية: إلا أن يقول المحبوس للقاضي: إنه يشق عليّ الطهارة والصلاة بسبب ملازمته؛ فامنعه من الملازمة واحسبني؛ فإنه يرده إلى الحبس.
ولو استشعر القاضي من المديون بعد [ما حبسه] الفرار من حبسه، فله نقله إلى حبس الجرائم، كذا حكاه الرافعي في كتاب الأقضية، عن أبي العباس بن القاص.
قال]: إلى أن يقيم البينة على إعساره؛ لأن الأصل بقاء ذلك المال، ولا فرق في ذلك - على ما حاكه الإمام - بين أن تكون البينة معدلة أم لا، وقد شرع في طلب الاستزكاء؛ لأن الحبس على الجملة من بعض العقوبات، وللمديون طلب يمين
الغريم إنه لا يعلم إعساره بعد الدعوى عليه بذلك: فإن حلف سقطت دعواه فإن عاد وادعى تجدد علمه بذلك سمع منه، وكان له تحليفه، وهكذا إلى أن يعلم القاضي تعنُّتَهُ.
وإن نكل الغريم عن اليمين حلف المديون، وثبت إعساره، ولم يكن للغريم ملازمته؛ لما سنذكره، وإن لم يحلف حبس.
تنبيه: إذا ظهر من كلام الشيخ امتناع الحبس بإقامة البينة على الإعسار مع احتمال أن يكون مستنداً لبينة الوقوف على تلف المال، كما حمل الصيدلاني الشهادة عليه، أو أنه لو كان باقياً مع مخالطتها له لاطلعت عليه – ظهر لك من طريق الأولى أن الحبس يمتنع إذاشهدت بالوقوف على المال، كما صرح به العراقيون.
قال: ولا يقبل في ذلك إلا شهادة شاهدين من أهل الخبرة بحاله؛ لما روى مسلم عن قبيصة بن مخارق الهلالي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاَثَة – وعد منهم -: "رجل أصابته فاقة حتى يقولَ ثلاثة من ذوي الحجي من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة؛ فحلت له المسألة، حتى يصب قِوَاماً من عيش، قال: أو قال سداداً من عيش"، والحجي: العقل.
ولأن الإعسار يخفى عمن لا يطلع على باطن الأحوال، ويكفي علم القاضي بأن
الشاهد من أهل الخبرة بحاله، فإن لم يعرف ذلك اكتفى بقول الشاهد إذا كان عدلاً رضاً – كما قال الإمام -: فإن لم يذكر الشاهد ذلك ولم يعرفه القاضي توقفت الشهادة.
[وقد يقال – على رأي الصيدلاني –في حمل الشهادة بالإعسار على وقوف البينة على التلف: إنه لا يشترط أن يكون الشاهد من أهل الخبرة – [كما صرح به الأصحاب – فيما إذا شهدت البينة بتلف المال، وقد يجاب بأنا وإن قدرنا ذلك فخلافه مظنون؛ فاعتبرنا أن يكون من أهل الخبرة]؛ ليتحقق الشرط على كل حال].
ووراء ما ذكره الشيخ أمران:
أحدهما: الجزم في "الإبانة" و"التتمة" بأنه لا يقبل في هذه الشهادة إلا ثلاثة؛ للخبر المذكور، ولأن عسرة الإنسان وإعدامه أمر تغمض معرفته، ويشق الوقوف عليه؛ فيشترط يه زيادة في العدد كشهود الزنى.
قال الإمام: وهذا خُرْق عظيم وخروج عن الضبط.
وأبعد منه الثاني – وهو ما حكاه ابن أبي الدم في "أدب القضاء" له عن الشيخ أبي علي -: أنه يكتفي في هذه الشهادة برجل وامرأتين، أو برجل ويمين المدعي، كما في الأجل والخيار على رأي.
فيحصل في المسألة ثلاثة أوجه، والمذهب منها: الأول، وحمل الأصحاب الثلاثة في الحديث على الاستظهار والاحتياط.
ويجوز إقامة البينة بالإعسار قبل الحبس وبعده، طال زمانه أو قصر، وكيفية الشهادة فيه أن يقول: أشهد إنه معسر لا يملك إلا قوت يومه وثياب بدنه، ولا يشترط أن يقول: وهو ممن تحل له الصدقة.
قال في "التتمة": ولا يقتصر على أنْ لا ملَك له، حتى تتضمن شهادته النفي لفظاً ومعنىً.
وفي "الجيلي" أنه قيل: إنه يشهد على نفي العلم، فيقول: لا أعلم له مالاً، ولا عرضاً، ولا عقاراً، ولا عيناً.
قال: فإن قال الغريم: أحلفوه إنه لا مال له في الباطن، [أي: بعد دعواه أن له مالاً في الباطن]، وقد أخفاه – حلف في أحد القولين، أي: وجوباً؛ لأنه يجوز أن يكون له مال لم تقف عليه بينة الإعسار، فإذا ادعى ذلك حلف، وهذا ما صححه الرافعي وغيره، وهو المنصوص في "حرملة"، وظاهر نصه في "المختصر".
فإن امتنع من اليمين، حكى الماوردي عن [ابن] أبي هريرة: أنه يحبس إلى أن يحلف.
والقول الثاني: أنه لا يحلف وجوباً؛ لأن في ذلك قدحاً في الشهادة فلم يعرض كما إذا شهد عليه بأنه أقر، فسأل إحلاف المدعي على أنه أقر له، وللحاكم أن يستحلفه استحباباً واستظهاراً، وهذا ما حكاه في "الأم"، وهو ظاهر نصه في "الإملاء"، وهو الذي صححه الشيخ أبو حامد، والقائلون بالأول فرقوا بأن في المسألة المستشهد بها: الشهادة وقعت بأمر معلوم؛ فكان في التحليف عليه قدح في الشهود، وفي مسألتنا: [الشهادة] اعتمدت الظن؛ فلا يخالفه وقوع خلافه.
نعم، لو شهدت البينة بتلف المال لم يحلف وجهاً واحداً، وهو نظير المسألة المستشهد بها، وقد رجع حاصل القولين إلى أنه يحلف، لكن وجوباً أو استحباباً؟ فيه القولان، وعلى ذلك جرى البندنيجي والمحاملي وابن الصباغ وغيرهم، وحكى في "الاستقصاء" طريقة أخرى، وصدر بها كلامه: أن في جواز تحليفه قولين.
[وإذا قلنا: يحلف، فهل واجباً أو مستحباً؟ فيه قولان].