كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فقمن أن يستجاب لكم" أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد".
وقال مجاهد: ألم تسمع قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19].
وقد روى مسلم أنه عليه السلام كان يقول في سجوده: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، آخره وأوله، علانيته، وسره".
ثم ظاهر نصه في "الأم" أنه لا فرق-في ذلك-بين الإمام والمنفرد.
وقال في "الإملاء": لايزيد الإمام على ما ذكرناه من الدعاء؛ كذا قاله البندنيجي.
وقال الرافعي: إن ما ذكرناه في فصل الركوع: أن المستحب للإمام ماذا وللمنفرد ماذا-يعود كله ههنا.
قال: ثم يعرف رأسه؛ لقوله عليه السلام للمسيء في صلاته: "ثم ارفع حتى تعتدل جالساً".
وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من السجود، لم يسجد حتى يستوي قاعداً، أخرجه البخاري [ومسلم].
قال: مكبراً؛ لحديث أبي هريرة السالف.
قال: ثم يجلس مفترشاً [أي: يفرش] رجله اليسرى؛ أي: فيجعل ظهرها على الأرض، ويجلس عليها؛ لما ذكرناه من خبر أبي حميد الساعدي في أول الباب.
قال: وينصب اليمنى؛ أي: قدمه اليمنى؛ فيضع بطون أصابعها على الأرض، ويستقبل بها القبلة؛ لما روى البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم قال: "فإذا جلس في الركعتين- جلس على رجله اليسرى، ونصب [اليمنى، وإذا كانت الجلسة التي فيها السلام-قدم رجله اليسرى ونصب] الأخرى، وقعد على مقعدته"؛ فثبت بهذا أن السنة في جلوس السلام التورك، وفيما عداه الافتراش.
وعن الخطابي أنه قال: الأحاديث الثابتة في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي حميد، ووائل بن حجر: أنه قعد بين السجدتين مفترشاً قدمه اليسرى.
وعن رواية أبي علي في "الإفصاح" حكاية قول آخر: أنه يجلس على صدور قدميه.
[وروى البويطي، عن الشافعي أنه يجلس على عقبه، وتكون صدور قدميه] على الأرض؛ لأن العبادلة-وهم: عبد الله بن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير- كانوا يفعلون ذلك بين السجدتين، وهذا هو الإقعاء.
والمشهور من مذهب الشافعي أن الإقعاء فيها مكروه؛ لقول عائشة: "كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن عقبة الشيطان والإقعاء".
وقال عليه السلام لعلي: "لا تُقْعِ بين السجدتين".
و [قيل] في تسير الإقعاء غير ذلك، وقد ذكرناه في [باب] صلاة المريض.
قال: ويقول: "اللهم اغفر لي، وارحمني، وارزقني"؛ لماروت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في جلوسه بين السجدتين: ["اللهم اغفر لي وارحمني، واجبرني، وارزقني، واهدني إلى الطريق الأقوم"، ورواية ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول بين السجدتين]: "اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني،
وعافني، وارزقني" رواه أبو داود، وروى غير ذلك.
قال الأصحاب: والشافعي لم يذكر ما يقوله بين السجدتين، وأي شيء قاله من الذكر فهو حسن.
قال: ثم يسجد الثانية -للإجماع- مكبراً؛ لما روى البخاري عن أبي هريرة: أنه [كان] يكبر في [كل] خفض ورفع، ويقول: "أنا أشبهكم [صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم] ".
قال: ثم يرفع رأسه-للإجماع-مكبراً؛ لحديث أبي هريرة.
ولا يرفع يديه في هذا التكبير على المذهب؛ لحديث ابن عمر.
وقيل: إنه يرفع يديه عند قيامه من السجود، ومن التشهد؛ [لأن عليّاً روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند القيام من التشهد]،وهذا ما يعزى إلى أبي بكر بن المنذر، وأبي علي الطبري.
وأجاب القائلون بالمذهب بأن ما رواه على يحتمل أن يكون منسوخاً؛ لترك
الصحابة العمل به.
قال: ويجلس جلسة الاستراحة في أصح القولين؛ لما روى ابن الحويرث: أنه رأى [رسول الله] صلى الله عليه وسلم إذا كان في وتر من صلاته-لم ينهض حتى يستوي جالساً، رواه البخاري.
ولأنه رفع من سجود؛ فوجب أن يكون القعود فيه مشروعاً؛ كالرفع من السجدة الأولى، وهذا ما نقله المزني.
ومقابله: أنه لا يجلس؛ لما روى وائل بن حجر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من السجود استوى قائماً، وقال عليه السلام للمسىء في صلاته: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم قم حتى تعتدل قائماً".
ولأن هذه الجلسة لو كانت مستحبة لكان لها ذكر مشروع، ولما أجمعنا على أنها لا ذكر فيها، دل على أنها غير مستحبة؛ كذا قاله الطحاوي، وهذا القول رواه الربيع، عن المزني؛ [كما] قال أبو الطيب.
وقال البندنيجي: إن الشافعي نص على ثلاث جلسات في الصلاة: جلستي التشهد، والجلسة بين السجدتين، ولم يذكر هذه، [و] لكن المزني ثقة.
قال الأصحاب: والعمل بالخبر الأول أولى؛ لاشتماله على زيادة، وما ذكره الشيخ طريقة في المذهب، عليها عامة الأصحاب.
وقال أبو إسحاق: ليست المسألة على قولين، بل على حالين:
فإن [كان] المصلي كبيراً ضعيفاً، جلس للاستراحة، وإن لم يحتج إليه، قام من غير جلوس.
ثم جلسة الاستراحة من الركعة الأولى، أو من الثانية؟
قال الشيخ أبو حامد: الذي يجيء على قول الشافعي: أنها من الثانية؛ لأنه يبتدئ التكبير بعد الفراغ من الأولى.
قال بعضهم: وهو بعيد؛ لأن الجلوس لا يعهد في ابتداء الركعة.
وقال مجلي: يحتمل أن يكون من الأولى؛ تبعاً للسجود.
وقال ابن الصباغ: ليست من واحدة منهما، وإنما هي للفصل كالتشهد الأول، وهو الصحيح.
ثم الجلوس فيها يكون مفترشاً؛ لأن يتعقبه قيام.
وحكى الماوردي وجهاً آخر: أنه يجلس فيها على صدور قدميه غير مطمئن.
وقال في "التتمة": يكون قدرها بقدر الجلسة بين السجدتين، ويكره أن يزيد على ذلك، ويضع يديه على فخذيه، قريبة من ركبتيه، منشورة الأصابع.
قال الإمام: ولو انعطف أطرافهما على الركبة، فلا بأس، ولو تركهما من جانبي فخذيه، كان كإرسالهما في القيام.
قال: ثم ينهض قائماً معتمداً على يديه؛ لما روي عن مالك بن الحويرث: أنه أراهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نهض، اعتمد على الأرض بيديه.
قال الشافعي: ولأنه أشبه بالتواضع، وأعون للمصلي، وأحرى ألا ينقلب.
قال في "الوسيط": ويضع يديه، كما يصنع العاجن؛ لأنه روى عنه صلى الله عليه وسلم ذلك، وهي بالنون، وتُصحَّفُ بالزاي المعجمة.
قال: ويمد التكبير إلى أن يقوم؛ كي لا يخلي ركناً من ذكر، وهذا هو الجديد؛ كما تقدم.
والقديم: أنه لا يمده.
ثم ظاهر كلام الشيخ: أنه لا فرق في مد التكبير إلى القيام بين أن نقول: يجلس للاستراحة، أو لا.
وبه صرح البندنيجي عن المذهب.
وحكى عن أبي إسحاق أنه قال: هذا إذا لم يجلس للاستراحة؛ فإن جلس لها، كان انتهاؤه مع انتهاء الجلوس، ثم يقوم غير مكبر؛ لأن التكبير للرفع، لا للقيام؛ بخلاف القيام بعد التشهد؛ فإنه للقيام، لا للجلوس.
قال البندنيجي: وليس بشيء.
ونقل العجلي وجهاً [ثالثاً]: أنه يرفع غير مكبر، ويبتدئ التكبير جالساً، ويمده حتى يقوم، ويحكي هذا عن اختيار القفال.
وقال الماوردي: إن هذا مفرع على قولنا: [إنه يجلس غير مفترش، وإن قول
أبي إسحاق مفرع على قولنا]: إنه يجلس مفترشاً.
ولم يحك سواهما، وكذلك الإمام والصيدلاني، والغزالي [في "الوسيط]، وأعرضوا عن ذكر المذهب الذي هو الأظهر عند الجمهور.
والقاضي الحسين حكى الأوجه كلها، وقال: [إن للشافعي] ما يدل على الوجه الذي اختاره القفال؛ لأنه قال في صلاة العيد: ويكبر في الركعة الأولى سبعاً، سوى تكبيرة الافتتاح، وفي الثانية خمساً، سوى تكبيرة القيام عن الجلوس.
فأضاف التكبيرة إلى القيام.
ومن قال بالأولين أول النص، وقال: إنما أضافه إلى القيام؛ لقربه من الجلوس.
ولا خلاف في أنه لا يكبر تكبيرتين: تكبيرة للرفع، وتكبيرة للقيام؛ كي لا يوالي بين تكبيرتين في الصلاة، وهو غير مشروع، وخالف التكبير حين يرفع من السجدة الثانية في الركعة الثانيةن ويكبر حين يقوم من التشهد؛ لأن التشهد يفصل بين التكبيرتين.
قال: ثم يصلي الركعة الثانية، مثل الأولى؛ هكذا نص عليه في "المختصر".
ووجهه في الفروض خلا ما استثناه منها، قوله عليه السلام للمسيء في صلاته: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"، وفي بعض السنن-وهو قراءة السورة-ما سلف من الأخبار؛ وفي باقيها القياس.
قال: إلا في البنية؛ لأنها تراد للعقد، وقد انعقدت [، و] في معناها تكبيرة
الإحرام، ورفع اليدين فيها.
قال: والاستفتاح؛ لأنه للافتتاح، والتعوذ؛ [لأنه يراد] للدخول في القراءة، وقد دخل فيها في الركعة الأولى.
وما ذكره في التعوذ هو ما ذكره الماوردي، و [نقل] عن ابن سيرين أنه يتعوذ في كل ركعة، وقال: إنه خطأ؛ لأن ما قبل القراءة من الدعاء محله الركعة الأولى؛ كالاستفتاح.
وقد حكى غيره قول ابن سيرين قولاً للشافعي، وهو ظاهر نصه في "المختصر"؛ فإنه قال [فيه ما ذكرناه] ولم يستثن شيئاً، وبعضهم ذكر ذلك وجهاً للأصحاب، وعليه جرى القاضي الحسين، والإمام، ومن تبعه، وقال: إن الأول مأخوذ من قوله: "لو ترك التعوذ في الركعة الأولى يقضيه في الثانية"، ولو كان يسن عنده في الثانية على جهة الأصل؛ لما سماه قضاء.
وعن نصه في "الأم": "أنه إن تعوذ في كل ركعة، فحسن، ولا آمره به في [كل ركعة؛ كما آمره به في] الركعة الأولى"،وقد أخذ به بعض الأصحاب، وقال: هو مستحب في كل ركعة، وفي الأولى أشد استحباباً.
قال الرافعي: وسواء أثبتنا الخلاف في المسألة، أو لم نثبته؛ فالأظهر أنه ستحب في كل ركعة.
وبه قال القاضي أبو الطيب الطبري، وإمام الحرمين، والروياني، وغيرهم.
ولا خلاف في أنه إذا تركه في أول ركعة أتى به في ثاني ركعة؛ بخلاف دعاء الاستفتاح، وبه يبطل ما أبطل به الماوردي مذهب ابن سيرين.
ثم ظاهر كلام الشيخ –رحمه الله- أن القراءة في الركعة الثانية مثلها في الركعة الأولى، وهو ما حكاه البندنيجي، وقال في "المهذب": إنه ظاهر نصه في "الأم" أيضاً.
ووجهه: ما سلف من خبر أبي سعيد الخدري وغيره.
وعن الماسرجسي من أصحابنا أنه يستحب أن تكون السورة في الركعة الأولى
أطول من الثانية، ولا سيما في الفجر؛ ليدركه القاصد، ويشهد له ما روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين [الأوليين] بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحياناً، [وكان يطيل في الركعة الأولى من الظهر ويقصر في الثانية، وكذلك في الصبح.
وفي رواية: قال]: وكان يطيل في الركعة الأولى ما لا يطيل في الثانية، وهكذا في صلاة العصر، وهكذا في صلاة الغداة.
وفي رواية: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى.
وهذا الوجه صححه القاضي أبو الطيب، وقال: إن به قال أصحابنا الخراسانيون.
والقائلون بظاهر النص قالوا: خبر أبي قتادة [يحمل على أنه أحس بداخل، ويحتمل أن يكون أبو قتادة] أراد إطالة القيام؛ فإن القيام في الأولى أطول؛ لأجل دعاء الاستفتاح.
وعلى كل حال فالمستحب أن تكون السورة التي في الركعة الثانية بعد السورة التي قرأها في الركعة الأولى، لا قبلها؛ قاله المتولي، وصاحب "المرشد"، وغيرهما؛ فلو اتفق أنه قرأ في الأولى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ففي الثانية يبدأ بالبقرة، ولو قرأ سورة قبل ذلك -جاز، ولو أعاد: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ جاز؛ فإن أبا داود روى عن معاذ بن عبد الله الجهني: أن رجلاً من جهينة أخبره انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ﴾ في الركعتين
كلتيهما، قال: ولا أدري أسها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمداً؟
قال: وإن كان في صلاة هي ركعتان، جلس بعد الركعتين متوركاً، يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى-أي: القدم اليمنى-ويخرجها من تحته، ويفضي بوركه- أي: الأيسر-إلى الأرض؛ لما قدمناه من رواية أبي حميد الساعدي.
ثم هذا إذا لم يكن عليه سجود سهو؛ فإن كان، فهل يجلس متوركاً؛ لأنه آخر صلاته، أو مفترشاً؛ لأنه يعقبه حركة السجود؛ فشابه الجلسة بين السجدتين؟ فيه وجهان، المذكور منهما في "الإبانة": [الثاني]، وقد حكاه الإمام، عن الأئمة، والروياني في "تلخيصه" عن القفال، وقال: إنه حسن، لكنه خلاف ظاهر المذهب.
قال: ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض أصابعه إلا المسبحة؛ فإنه يشير بها متشهداً؛ لرواية ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى.
ورواية مسلم عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، [وعقد ثلاثاً وخمسين، وأشار بالسبابة.
وعن ابن الزبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد في الصلاة، جعل قدمه اليسرى بين فخذيه وساقيه، وفرش قدمه اليمنى، ووضع اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى] وأشار بإصبعه".
أرجه مسلم.
وهذا أشهر الأقوال، وإذا قلنا به، ففي كيفية قبض أصابع يده اليمنى وجهان:
أحدهما: يضع الإبهام على وسطاه، والثلاثة مقبوضة.
والثاني: يضعها على بطن الكف، بجنب الأصابع الثلاثة.
كذا حكاه القاضي الحسين، ثم قال: وقيل: إنه يقبضها؛ كأنه عاقد ثلاثة وخمسين فيوجه، وفي وجه: كأنه عاقد ثلاثة وعشرين.
وهذان الأخيران هما المذكوران في غيره، واستدلوا للأول برواية ابن عمر التي ذكرناها، وللأخير بأن ابن الزبير رواه.
قال بعضهم: واصطلاح المتقدمين في عقد الثلاثة كالتسعة عند أهل مصر من غير تركيب الخنصر [على البنصر].
والقول الثاني: أنه يقبض ثلاثة أصابع، ويبسط السبابة والإبهام؛ قاله في "الإملاء"؛ لأن أبا حميد الساعدي رواه؛ كذا قاله أبو الطيب.
وعلى هذا هل يضع السبابة على الإبهام؛ كأنه عاقد تسعة وعشرين، أو يرسلهما غير متراكبين؟ فيه وجهان:
والقول الثالث: أنه يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى حلقة؛ رواه وائل بن حجر.
وفي كيفية التحليق وجهان:
أحدهما: يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام.
وأصحهما: أنه يحلق بينهما برأسيهما.
وما ذكرناه من الأحاديث في ذلك، كلها خرجها الترمذي، وهي تدل على أنه عليه السلام كان يفعل كذا مرة، وكذا أخرى؛ ولأجله قال بعض الأصحاب- كما قال الروياني في "تلخيصه": إنه يتخير فيها، وهو المذكور في "الشامل"، وغيره؛ كما قال الرافعي.
ومفهوم كلام الأكثرين أن الخلاف في الأفضل.
وأصح الأقوال على [هذا] ما ذكره الشيخ، وهو الذي نقله المزني، والربيع، والبويطي؛ لان رواته أفقه من رواة غيره.
وإشارته بالسبابة على الأقوال كلها، ويكون قصده بها التوحيد والإخلاص عند كلمة الإثبات؛ وهي: "إلا الله"؛ كذا قاله القاضي الحسين، والإمام، وغيرهما.
وقال بعضهم: إنه يشير بها من أول كلمة الإثبات، وهي "إلا" من قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله"، وعزاه إلى رواية الإمام.
والذي رأيته في "النهاية": الأول.
وهل يحرك السبابة، أم لا؟ فيه وجهان:
أصحهما في "الحاوي"، وغيره: لا، وهو ما ادعى الروياني أنه المذهب؛ لرواية عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحركها، أخرجه أبو داود.
واحتج القائل بمقابله [بما روي] أنه عليه السلام: كان يحرك الأصابع في الصلاة مَرْغََمَةً للشيطان.
قال البندنيجي: وليس بشيء.
قال: ويبسط اليد اليسرى على الفخذ اليسرى؛ لما ذكرناه من خبر ابن عمر، رضي الله عنه.
قال الرافعي: وينبغي أن يجعلها قريبة من طرف الركبة؛ بحيث تسامت رءوسها، وهل يضم أصابعها، أو يفرقها؟ فيه وجهان:
الذي أورده المحاملي، والبندنيجي، وأبو الطيب، والمتولي: الأول، وقال الروياني: إنه [الذي] نص عليه.
والذي حكاه ابن الصباغ، والغزالي-تبعاً لإمامه-: الثاني، وقالا: يفرقها تفريقاً مقتصداً.
فرع: لو كان مقطوع اليد اليمنى، وضع اليسرى منشورة، ولا يشير بها؛ لأنه لو فعل ذلكن ترك سنة في محلها؛ لأجل سنة في غير محلها، وصار هذا كما نقول: لو ترك الرمل في الأشواط الأول لا يأتي به في الأخيرة.
قال: [الشيخ رحمة الله عليه]: ويتشهد؛ فيقول: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علنا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله"، هكذا رواه الشافعي بسنده، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان يعلمنا ذلك؛ كما يعلمنا السورة من القرآن -يعني: الفاتحة- وقد رواه عنه الترمذي كذلك، لكنه قال فيه: "السلام عليكن السلام علينا" بإثبات الألف واللام فيهما، وقال: إنه حسن صحيح.
ورواية أبي داود عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد؛ كما يعلمنا القرآن، وكان يقول: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى
عباد الله الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله" وأخرجه مسلم، وفي رواية له: "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله".
قال الشيخ أبو حامد: وإثبات اللف واللام في السلام وحذفهما واحد؛ لأن التنوين يقوم مقامهما.
قال بعضهم: وفيه نظر؛ لأن التنوين مصحوب فيه بالتنكير وإرادة واحد من جنس، والألف واللام في اسم الجنس تفيد إرادة الطبيعة المشتركة.
وما ذكره الشيخ هو الذي ذكره البندنيجي، والإمام [عن رواية الصيدلاني، وشيخه، وصححه.
وما حكيناه عن الشيخ أبي حامد يقتضي أن إثبات الألف واللام] وحذفهما في قوله: "السلام عليك، السلام علينا"، في الفضيلة سواء.
وقد حكى الإمام وراء ذلك، عن رواية العراقيين، عن الشافعي-طريقين في الأفضل:
أحداهما: أن يقول ما ذكره الشيخ إلا قوله: "سلام علينا"، فإنه يثبت الألف واللام فيها فقط.
والثانية: أنه يثبت الألف واللام في قوله: " [سلام عليك]، سلام علينا"، لكنه يسقط لفظة: "أشهد"، من المرة الثانية؛ فيقول: "وأن محمداً رسول الله".
قال: والطريقان مردودان عند المراوزة.
وحكى العراقيون عن بعض الأصحاب أن الأفضل أن يقول: "باسم الله، وبالله، التحيات المباركات ... " إلى آخره؛ لأنه روي ذلك عن جابر بن عبد الله.
وفي "التتمة": أن بعض أصحابنا استحب أن يقول: "باسم الله خير الأسماء"؛ [لأنه] روي ذلك عن عمر.
وحجة المذهب -وهو ما ذكره الشيخ- ما روى أبو موسى الأشعري "أنه عليه السلام كان أول ما يتكلم به عند القعدة: [التحيات لله".
ورواية أبي داود عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "فليكن من أول قول أحدكم:] التحيات الطيبات [لله] ... " إلى آخره.
قال في "المهذب": وذكر التسمية غير صحيح عند أهل الحديث.
وهو في ذلك مقتف لابن المنذر؛ فنه قال: ليس في الأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر التسمية.
فإن قيل: قد روى مسلم [عن] ابن مسعود [أنه] قال: كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام على الله، السلام على فلان؛ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو السلام؛ فإذا قعد أحدكم في الصلاة؛ فليقل: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا،
وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، و [أشهد] أن محمداً عبده ورسوله، ثم يتخير من المسألة ما شاء".
وروي عن عمر أنه كان يعلم الناس على المنبر: "التحيات لله الزاكيات،، الصلوات الطيبات لله".
وقال الشافعي: وكنا صبياناً في المكتب، ونحن نعلمه.
فلم رجحتم رواية ابن عباس على ذلك؟!
قيل: أما تقديمها على ما كان عمر يعلمه: فلأن أثر ابن عباس أسنده، والعمل بما كان عليه السلام يفعله أولى من فعل الصحابي.
وتقديمه على خبر ابن مسعود؛ [لأن ابن عباس من متأخري الصحابة، وابن مسعود] من متقدميهم، وحديثه متقدم يدل على ذلك ما جاء في بعض الطرق عنه: "كنا قبل أن يفرض علينا التشهد، نقول: كذا ... " إلى آخره، وإذا كان كذلك؛ فالمتأخر يقضي به على المتقدم.
وفي لفظ ابن عباس ما يدل على ضبطه لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال: "كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن"، وفي روايته زيادة:"المباركات"، والأخذ بالزيادة أولى، وهي تقرب من نظم القرآن، قال الله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: 61].
فإن قيل: فيما ذكره ابن مسعود زيادة الألف واللام، والإقرار بالعبودية.
قيل: التنوين يقوم مقام الألف واللام، على أن السلام الوارد من الله -تعالى- في القرآن كله منون من غير ألف ولام، إلا [في] قوله: ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: 47]، على أنه يجوز أن يكون من قول هارون وموسى، وقوله: ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [مريم: 33] سلام من عيسى على نفسه، لا من الله؛ فلا حاجة إلى استثنائه.
وأما الإقرار بالعبودية: فمقابله التصريح باسم الله.
وقد استحب بعض أصحابنا الجمع بين الروايات؛ فقال: الأفضل أن يقول: "التحيات المباركات الزاكيات والصلوات الطيبات لله"؛ ليكون آتياً بما اشتملت عليه الروايات.
والمذكور في "تعليق" القاضي الحسين: أنه لا يستحب، نعم هو جائز.
قال: والواجب منه خمس كلمات؛ وهي: "التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا على عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله"؛ لأن هذا يأتي على معنى الجميع، وهو المتفق عليه في [جميع] الروايات، وما عداه مسكوت عنه في بعض، أو تابع لغيره.
وهذا ما رأيته فيما وقفت عليه من "التهذيب"، وقد حكاه الإمام، عن رواية الصيدلاني، [وأن العراقيين] ذكروه، غير أنهم نقصوا كلمة واحدة وهي: "أشهد" في المرة الثانية؛ فقالوا: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله"، وهذا ما حكاه القاضي الحسين أيضاً، وعليه تدل رواية النسائي، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ذلك.
[قال] الإمام: والذي ذكروه من الإسقاط أمثل، وأليق بذكر الأقل.
وقال الرافعي: إن الذي حكاه العراقيون عن نص الشافعي: "التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسوله"، وتابعهم القاضي الروياني،
وكذا صاحب "التهذيب"، إلا أنه نقل: "وأشهد أن محمداً رسوله"، وأن الصيدلاني والقاضي ابن كج [تبعا العراقيين] بما حكاه عنهم، إلا في لفظة: "وبركاته"؛ فإنهما أسقطاها، وقالا: يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
والمذكور في "المهذب"، و"الشامل"، و"التتمة"، و"تلخيص" الروياني إسقاط لفظة "وبركاته" ولفظة "أشهد" في المرة الثانية.
وقال في "الأم": إنه [إذا] اقتصر على ذلك [كره وأجزأه].
كذا حكاه الروياني في "تلخيصه".
وقد أوجه ابن سريج؛ فاعتبر الأقل من حيث المعنى؛ فقال: الواجب: "التحيات لله، سلام عليك أيها النبي، سلام على عباد الله الصالحين، أشهد أن
لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله" كذا حكاه عنه الإمام، والقاضي الحسين، والمتولي.
وقال القاضي [الحسين]: إن الشافعي اعتبر أقل ما ورد في الأخبار، وابن سريج اعتبر المعنى؛ فلما وجد الرحمة داخلة في السلام، حذفها، ولما وجد قوله: "سلام علينا" داخلاً، في قوله: "على عباد الله الصالحين" حذفها.
قال: ويلزمه أن يقول حيث نظر إلى المعنى: سلام عليك أيها النبي وعلى عباد الله الصالحين، ولا يقول: سلام على عباد الله الصالحين.
وحكى عن الحليمي أنه قال: ولو حذف "الصالحين" على هذا، جاز؛ لأن مطلق اسم "العباد" يقع على عباد الله الصالحين؛ فانصرف ذكر "العباد" إليهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 6] ونظائره.
وقد حكى [الإمام عن] بعض المصنفين أنه عزا [هذا القول] إلى ابن سريج أيضاً، وكذا رأيته في "الإبانة" و"تلخيص" الروياني، قال [الإمام]: وهو غلط.
وقد آذن إتيان الشيخ بهذه الكلمات من غير حرف عطف يدل على الترتيب والتعقيب أن ذلك غير واجب، وهو في عدم وجوب الترتيب موافق لما نص عليه في "الأم"، ولم يحك العراقيون والروياني غيره، وقاسوه على الترتيب في الخطبة؛ لأن نظمها غير معجز، وبهذا خالف الفاتحة.
وقال في "التتمة": إن الترتيب واجب؛ فلو تركه لم يعتد به، وهو ماصدر به القاضي الحسين كلامه.
ثم حكى الأول قولاً عن الشافعي.
والماوردي حكى الخلاف في المسألة وجهين:
وكلام الغزالي يميل إلى ترجيح الأول؛ حيث قال: لو قدم المؤخر منه، ولم يخل بالمعنى؛ فهو قريب من قوله: "عليكم السلام"، والنص فيه الإجزاء.
وقد صرح في "التتمة" أيضاً بوجوب التعقيب في كلماته، وهو قياس ما سلف
في قراءة الفاتحة.
وقوله: "ويتشهد فيقول ... " إلى آخره مؤذن أيضاً بأن كلماته متعينة، وهو ما حكاه الغزالي، والقاضي الحسين.
ويتعين الإتيان بذلك بالعربية عند القدرة؛ كما قلنا في التكبير، وعند العجز يجب عليه التعلم؛ كالتكبير أيضاً؛ فإن [ضاق عليه] الوقت عن التعلم، وكان يحسن ذاكراً غيره بالعربية-أتى به، وإن كان لا يحسن ذكراً غيره- أتىبه بالعجمية، وألا صلى على حسب حاله، ولا إعادة عليه.
قال البندنيجي: ويستحب للإمام أن يرتله؛ بحيث يعلم أن من في لسانه ثقل ممن خلفه قد أتى به؛ فإن حدره كره، وأجزأ.
ويستحب أن يسر به؛ وكذا سائر الأذكار في حال الجلوس إلى السلام؛ قاله البندنيجي؛ وحجته قول ابن مسعود: "من السنة إخفاء التشهد"، رواه أبو داود.
والتحيات: جمع "تحية"، وهي الملك؛ قاله أبو عمرو بن العلاء.
قيل: وهو الأقرب؛ لأن أصله أن الملك كان يحيا؛ فيقال [له]: عمت صباحاً، وأبيت اللعن، ولا يقال ذلك لغيره؛ ولذلك قال زهير:
وكل ما نال الفتى قد نلته إلا التحيه
يريد: إلا أنه لم يصر ملكاً؛ فسمي ذلك: تحية؛ لما كانت التحية لا تكون لغير [الملوك، فجا ءالشرع فأمر بالتحية لله]؛ [لأن الملك حقيقة لا يكون لغير الله.
وقال ابن قتيبة: وجمعت؛ لأن كل واحد من ملوكهم كان له تحية يحيا بها،
فقيل لنا: قولوا: التحيات لله].
وقيل: إنها البقاء الدائم، واستدل له الماوردي بما [ذكرناه من قول زهير.
وقيل: إنها العظمة؛ قاله ابن عباس.
وقيل: إنها سلام الخلق على الله]؛ قال الله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: 44]؛ قاله محمد بن زهير.
وقيل: إنها السلامة من الآفات وجميع وجوه النقص.
والمباركات: الثابتات الناميات.
والصلوات: قيل: إنها الصلوات الخمس؛ قاله ابن عباس، وتبعه ابن المنذر، وآخرون من أصحابنا.
وقيل: كل الصلوات.
وقيل: [كل العبادات، أي: فلا يستحقها غير الله تعالى.
وقيل: إن المراد منها الدعاء.
وقيل: الرحمة.
وقيل]: السنة.
والطيبات: الأعمال الصالحة.
وقيل: الثناء على الله تعالى.
وقيل: ما طاب من الكلام.
وقيل: الكلمات الخمس التي قلنا: إنها تتعين بدلاً عن الفاتحة -على رأي- وسميت: طيبات؛ لأنها تطيب [بطيب قائلها؛ بخروجه عن دنس العيب، ودنس الكفر، ودنس الشرك، ودنس العلائق، والتكبر، والتجبر، والاقتدار.
قال العلماء: الأصل في هذه الكلمات: "التحيات والمباركات والصلوات والطيبات لله، كما جاء في الصحيح، في غير هذه الرواية، ولكن حذفت الواو في هذه الرواية؛ تخفيفاً كما حذفت في اليمين في قوله: "الله لأفعلن"، وفي قولك: "أكلت خبزاً سمناً تمراً"، ومثله قول الشاعر، وهو الأخفش، كما قال
القاضي أبو الطيب:
كيف أصبحت كيف أمسيت مما يزرع الود في فؤاد الغريم
وأراد: وكيف أمسيت.
والسلام، قيل: معناه: اسم السلام عليك، وهو الله.
وقيل: من: سلم الله عليك تسليماً، واسمه -عز وجل-: السالم؛ لأنه المسلم للعباد، أو على عباده الصالحين؛ أو لأنه ذو السلامة من كل نقص.
والعباد: جمع "عبد"، قال أبو علي الدقاق: ليس شيء أشرف من العبودية، ولا اسم [للمؤمن أتم] من الوصف بالعبودية؛ ولهذا قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، وكانت أشرف أوقاته صلى الله عليه وسلم في الدنيا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء:1] وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: 10]
والصالحون: جمع صالح؛ وهو: القائم بما عليه من حقوق الله تعالى، وحقوق العباد.
وقد سبق بيان معنى "الشهادة" و"الرسول" [في باب: الأذان].
ولا يقوم قوله: "أعلم" مقام [قوله]: "أشهد" على أحد الوجهين في "تعليق" القاضي أبو الطيب.
ومقابله موجه بأن معناهما [واحد]، وهذا الوجه جار في الشهادة عند القاضي وعند شهود الفرع من شهود الأصل؛ كما ستعرفه.
قال: ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم -أي: وجوباً- لقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [الأحزاب:56]، فأمر بالصلاة عليه، وأجمعنا على أنه لا يجب في غير الصلاة؛ فثبت أنه في الصلاة؛ كذا قاله الأصحاب.
وقال الشافعي: أوجب علينا أن نصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وأولى الأحوال أن
تكون في الصلاة.
فإن قيل: الآية تقتضي ذلك [مرة] في العمر، والدعوى وجوبها في كل صلاة.
قلنا: لأصحابنا في [أن] الأمر هل يقتضي التكرار؟ وجهان:
فإن قلنا: يقتضيه، ارتفع السؤال.
وإن قلنا: لا يقتضيه، فجوابه: أن السنة تثبت وجوب التكرار؛ قال عليه السلام: "لا صلاة إلا بطهور والصلاة [عليَّ] ".
وروى الترمذي، عن فضالة بن عبيد قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو في صلاته؛ فلم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "عجل هذا"، ثم دعاه؛ فقال له، ولغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله، والثناء عليه، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء".
قال: وهو حسن صحيح، وسنذكر من بعد ما يدل عليه أيضاً، على أن الخلاف مع أبي حنيفة، وهو يمنع وجوبها عليه بحال، [والآية] حجة عليه.
قال: فيقول: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد"؛ لما روى البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة؛ فقال: أو لا أهدي.
إليك هدية: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا؛ فقلنا: يا رسول الله، الله قد علمنا كيف نسلم عليك؛ فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد [كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد] كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
ومراد القائل: قد علمنا كيف نسلم عليك؛ فكيف نصلي عليك؟ أن الله تعالى أمرنا بهما في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [الأحزاب: 56]، وقد عرفنا كيفية السلام عليك؛ أي: بما قلته في التشهد؛ فكيف نصلي عليك؟ فكان قول النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا كذا، بياناً لذلك.
وقد روى أبو مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد ابن عبادة؛ فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله؛ فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت
على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم" أخرجه مسلم.
ومعنى قوله: "كما علمتم"، أي: كما سبق في التشهد من قوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين".
وقد ذكر الدارقطني حديث ابن مسعود، وقال فيه: [يا] رسول الله: أما السلام عليك فقد عرفناه؛ فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ ... وساق الحديث.
قال: والواجب منه: "اللهم صلّ على محمد" أي: ولا يجب على الآل؛ لظاهر الآية؛ فإنه لم يذكر فيها الآل.
والجواب عن قوله عليه السلام: "قولوا ... " إلى آخره، إنما هو "اللهم صل على محمد"؛ لأنه المسئول عنه، وقوله: "وعلى آل محمد" ليس بياناً لما سئل عنه، وإنما هو كلام مستأنف؛ فنحمله على الاستحباب.
ولأنه محل يجب فيه ذكر الله ورسوله دون صحابته؛ فلا تجب الصلاة فيه على آله؛ كالأذان؛ وهذا ما حكاه الماوردي.
وحكى غيره وجهاً آخر: أنها تجب؛ لقوله عليه السلام: "من صلى صلاةً لم يصل فيها علي ولا على أهل بيتي-لم تقبل منه" رواه الدارقطني، عن أبي مسعود الأنصاري.
قال في "المهذب": والمذهب: الأول؛ للإجماع، وأما الخبر؛ ففي رجاله جابر بن زيد الجعفي.
قال بعضهم: وفي دعواه الإجماع نظر مع مخالفة أحمد.
وإذا قلنا بالوجوب، فالواجب " [اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
قال القاضي الحسين: وقياس قول ابن سريج أن يقول:] اللهم صل على محمد، وآله، ولا يقول: وعلى آله.
وقال الرافعي: إن كلام الغزالي يشعر بأنه يجب أن يقول: وعلى آل محمد؛ لأنه ذكر ذلك، ثم حكم بأن ما بعده مسنون.
والأول هو الذي ذكره صاحب "التهذيب"، وغيره.
وقد رأيت في "الزوائد" حكاية طريقة عن صاحب "الفروع": أن الخلاف في الصلاة على آل الرسول صلى الله عليه وسلم جارٍ في الصلاة على إبراهيم، عليه السلام.
وآل النبي صلى الله عليه وسلم: الذين تحرم عليهم الصدقة، ويستحقون من الغنيمة؛ وهم: بنو هاشم، وبنو المطلب بلا خلاف عندنا.
وأما الذين يصلي عليهم في التشهد، اختلف فيهم:
فمن أصحابنا من قال: هم من اتبع دينه، وصدق بشريعته؛ لقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: 46] وأراد من كان على دين فرعون.
وقال أبو إسحاق، وجماعة-كما قال الروياني-: هم بنو هاشم، وبنو المطلب، قال في "التتمة": وهو مختار الشافعي.
وقيل: [هم من انتسب إلى النَّضْر بن كنانة، أبي قريش.
قال القاضي الحسين: وقيل: هم أصحابه، وعشيرته.
وقيل:] هم الأتقياء من المسلمين؛ لأنه عليه السلام سئل عن آله؛ فقال: "كل مؤمن تقي".
وروي أنه قال: ["آلي [كل] من] آمن بي إلى يوم القيامة".
فرع: لا يقوم قوله: "اللهم صل على النبي"، أو" [على] الرسول" مقام قوله: "اللهم صل على محمد".
وهل يجزئه قوله: ["صلى الله على محمد؟ فيه وجهان؛ كما في قوله: "عليكم السلام"؛ حكاه الماوردي، وجزم الرافعي بأنه إذا قال]: "صلى الله على محمد" أو "على رسوله" جاز، وحكى وجهين فيما إذا قال: "صلى الله عليه"، ووجه الجواز: أن الكناية ترجع إلى محمد في كلمة الشهادة، قال: وهذا نظر إلى المعنى؛ أي: الذي اعتبره ابن سريج في كلمات التشهد.
فائدة: كثيراً ما يقال: [قد تقرر] أن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء؛ فكيف نسأل أن تكون الصلاة عليه كالصلاة على إبراهيم؟!
قيل: إن الشافعي قال: إن الكلام ينتهي عند قوله: "اللهم صلّ على محمد"، ويستأنف: "وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم".
وقال بعضهم: [إنه يمكن] أن يقال: طلب من الله تعالى له، ولآله وليسوا بأنبياء؛ مثل منازل إبراهيم، وآله، مع أن آل إبراهيم أنبياء، ومثل منازل آل إبراهيم بجملتها لا تصلح لآل محمد؛ لأن الأنبياء لهم مقامات لا يمكن أن تحصل للأتباع؛ فيختص آل محمد بما يليق بهم، ويتوفر الباقي له عليه السلام.
أو يقال: طلب أن يحقق الله حصول رحمته ونعمته على المجموع من محمد وآله؛ كما حقق ذلك لإبراهيم ولآله، ولا يلزم من [ذلك] فضل المشبه به إبراهيم على المشبه؛ كما يقول الولد: أعطني كما أعطيت الأجانب.
قال: ثم يدعو بما يجوز من أمر الدين؛ لما روى مسلم، عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال".
[وفي لفظ آخر: "إذا فرغ أحدكم من التشهد [الآخر] فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ المسيح الدجال"].
وسمي الدجال: مسيحاً؛ لأنه ممسوح إحدى العيني.
وقيل: لمسحه الأرض بالطواف.
قال الماوردي: والدعاء بأمر الدين مستحب.
قال: والدنيا؛ لما روى مسلم في حديث عبد الله بن مسعود، الذي أسلفناه في كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد: "ثم ليتخير من المسألة ما شاء".
وفي رواية: "ما أحب".
وفي رواية أبي داود: "فليتخير من الدعاء ما أعجبه".
قال الماوردي: والدعاء بأمر الدنيا مباح.
وقال بعض أصحابنا: المباح أن يدعو بما يجوز أن يطلب من الله تعالى، وأما مايجوز أن يطلب من المخلوقين فلاي جوز، وإذا سأله بطلت صلاته؛ كذا حكاه ابن يونس، ومن بعده من الشارحين، ولم أره في مشاهير الكتبن بل الرافعي حكاه عن بعض أصحاب أبي حنيفة، وكيف كان فليس بشيء.
قال: والمستحب أن يدعو بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت"؛ لأن علي بن أبي طالب روى أنه عليه السلام كان يقول ذلك من آخر ما يقول بين التشهد والسلام.
قال مسلم بن الحجاج: وفيه رواية أخرى: أنه كان يقول ذلك إذا سلم، وقد أخرجها أبو داود.
وتكره قراءة القرآن في التشهد؛ كما تكره في الركوع والسجود، وإذا فعل، كان في البطلان الوجه السابق.
وظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في ذلك بين الإمام والمنفرد، ولا شك فيه في حق المنفرد، بل قال الأصحاب: [إن] له أن يطيل الدعاء ما شاء؛ ما لم يخرجه ذلك إلى السهو عن الصلاة، وأما الإمام فيستحب له أن يدعو [دعاء أقل من قدر التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ كذا حكاه عن الشافعي.
وعن نصه في "الإملاء" أنه يدعو] بقدر التشهد.
قال الأصحاب: وليس هذا باختلاف قول؛ لأن قدر التشهد أقل من قدر التشهد والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى آله.
وحكى الإمام عن [رواية] الصيدلاني أن الإمام الأولى في حقه أن يقتصر على التشهد والصلاة، مع ذكر "الآل" وذكر "إبراهيم"، ويسلم؛ رعاية للتخفيف على من معه، ثم قال: فإن أراد الدعاء، فينبغي أن يكون الدعاء في مقداره أقل
من التشهد.
قال الإمام: وما ذكره من الاقتصار على التشهد لم أره لغيره.
قال: ثم يسلم؛ لقوله عليه السلام: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم"، وتقرير [حصر] التحلل فيه يؤخذ مما ذكرناه في حصر التحريم في التبكير، وقد روى مسلم، عن جابر بن سمرة قال: [كنا إذا] صلينا مع [سول الله] صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله- وأشار بيده إلى الجانبين-فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "علام تومثون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس، وإنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه [من] على يمينه وشماله".
وجه الدلالة منه: أنه جعل كفايته ذلك؛ فدل على أنها لا تحصل بدونه.
ولولا حديث عائشة الذي سنذكره، لوجبت التسليمتان؛ كما هو أصح الروايتين عن أحمد.
ومن الخبر يؤخذ أن السلام يجب أن يفعله وهو جالس، وبه صرح الرافعي، وصيغته الكاملة -كما قال الرافعي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ لما روى أبو داود، عن وائل بن حجر قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يسلم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله".
وغيره قال: أكمله: "السلام عليكم ورحمة الله، وأقله: السلام عليكم".
فلو قال: [عليكم السلام]، النص في "الأم" الإجزاء؛ كما تقدم.
وقال ابن الصباغ: إنه نص عليه في كتاب: استقبال القبلة؛ حيث قال في آخر
باب السلام: [فإن قال: عليكم السلام]، كرهت ذلك، ولا إعادة عليه.
وقد حكى البندنيجي هذا وجهاً عن ابن سريج، وصححه، وكذا الروياني، وقال: إنه مكروه.
وفيه قول مخرج: أنه لا يجزئه من نصه على انه إذا قال: الأكبر الله، لا يجزئه.
قال البندنيجي: وعليه طائفة من الأصحاب.
والماوردي حكى الخلاف في المسألة قولين منصوصين، وأن القديم منهما: الصحة مع الكراهة، وأن القائل بعدم الإجزاء حمل قوله في القديم: "لا إعادة عليه"، على أن الصلاة [لا تفسد به].
ولو قال: "سلام عليكم" بالتنوين، فوجهان:
المختار في "المرشد": الإجزاء كما في التشهد.
قال في "الشامل": وهو الأقيس.
وظاهر نصه في "الأم": المنع؛ فإنه قال: فإن نقص من هذا حرفاً، أعاد السلام.
ولا جرم.
قال البندنيجي: إنه المذهب.
وقال أبو الطيب: إنه الصحيح، وفارق التشهد؛ لأن الشرع ورد بذلك فيه، ولم يرد به في السلام.
ولو قال: "سلام عليكم" من غير تنوين، فالمشهور أنه لا يجزئه قولاً واحداً؛ قاله الروياني، والمتولي، وغيرهما.
وقال القاضي الحسين: إنه يترتب على ما [إذا] أتى به التنوين، وأولى بعدم الإجزاء.
ووجه الإجزاء: أن ترك التنوين لا يغير معناه، فهو كما لو قال منوناً.
ولو قال: "عليكما السلام"، ففي الإجزاء وجهان في تعليق القاضي الحسين.
[ولو قال::سلامي عليكم"، أو: "سلام الله عليكم"- لم يجزئه.
قال القاضي الحسين]: وحيث قلنا: لا يجزئه ذلك؛ فإن تعمده بطلت صلاته، وألا أعاد السلام، وسجد للسهو.
وهذا بخلاف ما لو قال: "السلام عليهم"، أو "عليه"؛ فإنه لا يجزئه أيضاً، لكن لو تعمده لا تبطل صلاته.
قال الأصحاب: ويستحب ألا يمده؛ لقوله عليه السلام: "جزم السلام سنة"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قال: تسليمتين؛ لما روى ابن مسعود أنه عليه السلام كان يسلم عن يمينه، وعن يساره: [السلام عليكم]، [أخرجه مسلم، ورواية النسائي [عنه] أنه
عليه السلام كان يسلم عن يمينه] السلام عليك ورحمة الله: حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الأيسر.
قال: أحداهما عن يمينه؛ لما تقدم.
قال بعضهم: وكان الأحسن أن يقول: أولاهما عن يمينه؛ كما جاءت السنة.
[وحد] التفاته وقت التسليم فيها، وكذا في الثانية: أن يرى بياض خده؛ كما نص عليه الخبر، وهو المذكور في "المختصر"، ورواية مسلم: أنه عليه السلام كان إذا سلم التفت حتى يرى بياض خده من هاهنا وهاهنا.
ومن أصحابنا من قال: يلتفت حتى يرى بياض خديه من كل جانب.
وهو سرف.
قال الرافعي: وينبغي أن يبتدئ بها مستقبل القبلة، ثم يلتفت؛ بحيث يكون انقضاؤها مع تمام الالتفات.
قال: ينوي بها الخروج من الصلاة؛ ليخرج من الخلاف الآتي.
والسلام على الحاضرين؛ أي: من الملائكة، والإنس، والجن؛ ليحوز فضيلة التسليم، وقد روي أنه عليه السلام كان يصلي قبل العصر أربعاً، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، ومن معه من المؤمنين، رواه الترمذي.
قال: والأخرى عن يساره؛ للخبر، ينوي بها السلام على الحاضرين؛ لما تقدم.
قال الإمام: ويشترط في الاعتداد بالثانية دوام الطهارة؛ هذا هو الظاهر عندي؛ فإنها وإن كانت تقع بعد التحلل، فهي من الصلاة.
ثم نية السلام على الحاضرين في التسليمتين ثابتة في حق المنفرد.
وأما الإمام فينوي ذلك في حق من على يمينه وشماله، إذا تأخر سلامهم عن سلامه؛ كما قال القاضي الحسين وغيره: إن المستحب ألا يسلم
المأموم الأولى حتى يسلم الإمام الثانية.
أما إذا سلموا الأولى عقيب سلام الإمام [الأولى]- كما قال في "التتمة": إنه المستحب –فكلام بعضهم يشير إلى أنه ينوي بالثانية الرد على من [على] يساره، والسلام على الملائكة والجن.
والجمهور على أنه لا فرق.
ومنه يؤخذ أن الشخص إذا قال: السلام عليكم؛ فقال له الآخر: السلام عليكم –كان في معنى الرد في إسقاط جواب السلام، وسنذكره في باب: ما يفسد الصلاة.
وإن كان المأموم خلف الإمام، فهو مخير: إن شاء نوى السلام عليه بالأولى أو بالثانية.
وأما المأموم: فإن كان عن يمين الإمام- نوى بالأولى الخروج من الصلاة، والسلام على الحاضرين في صفه عن يمينه وقدامه ووراءه، ونوى بالثانية على طريقة الجمهور السلام على الحاضرين من الملائكة، والإنس، والجن.
وعلى الطريقة الأخرى ينوي الرد على الإمام، والسلام على الحاضرين من المأمومين والملائكة والجن، ويشهد له ما روى جابر بن سمرة قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرد على الإمام، وأن يسلم بعضنا على بعض، رواه أبو داود.
وإن كان [عن] يسار الإمام، نوى بالأولى الخروج من الصلاة، والسلام على الحاضرين من الإمام، والمأمومين، والملائكة، والجن، وهذا على طريقة الجمهور.
وعلى الأخرى ينوي الخروج من الصلاة، والرد على الإمام، والسلام على الحاضرين، وينوي بالتسليمة الثانية السلام على الحاضرين، أو الرد على المأمومين، والسلام على الملائكة والجن.
وإن كان خلف الإمام، [قال في الأم]: فهو كما لو كان على يسار الإمام؛
فإن نوى السلام على إمامه في الأولى، وألا نواه في الثانية.
ومن أصحابنا من قال: هو بالخيار؛ إن شاء رد على الإمام عن يمينه، وإن شاء رد عليه عن يساره.
واعلم: أن ما ذكره الشيخ من أنه يسلم تسليمتين هو الجديد الذي نص عليه في "الأم".
وفي "المهذب" و"تعليق" البندنيجي و"الحاوي" و"التتمة" و"الإبانة" حكاية قول آخر عن القديم: أنه إن صغر المسجد، أو كبر وقل الجمع -سلم واحدة، وإن كثر الجمع، سلم تسليمتين؛ وهذا ما حكاه الغزالي، والإمام، والقاضي الحسين عن رواية الربيع، وبه يحصل الجمع بين ما ذكرناه من الخبر، وبين ما روته عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم واحدة تلقاء وجهه، وكان يميل إلى الشق الأيمن شيئاً.
أخرجه الترمذي، وقد أشار إليه الشافعي بقوله في القديم: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم واحدة [وأنه سلم اثنتين.
وحكى الغزالي والإمام قولاً ثالثاً عن القديم: أنه يسلم تسليمة واحدة] ولا يسن تسليمتين.
والصحيح: الأول، والحديث الوارد في التسليمة الواحدة، قال في "المهذب":
إنه غير ثابت عند أهل النقل، وغيره صرح بأنه يرويه زهير بن محمد، وقد قال أبو عمرو: إن حديثه لا يصح مرفوعاً، وهو قد ضعفه ابن معين وغيره في التسليمتين.
وإذا قلنا بالقديم، فالخبر يقتضي أنه يسلم واحدة تلقاء وجهه، ويميل إلى الشق الأيمن قليلاً، وكذا حكاه البندنيجي.
وفي "النهاية" في باب: التكبير في صلاة الجنازة أن في بعض النصوص أنه يبتدئ التسليم ملتفتاً إلى يمينه، ويتمها ووجهه مائل إلى يساره؛ فيدير وجهه من يمينه إلى يساره في حال التلفظ بالسلام، وقد اختلف أئمتنا في ذل: فمنهم من رأى ذلك رأياً؛ فأخذ به.
ومنهم من يقول: إذا كان يسلم واحدة، فإنه يأتي بها تلقاء وجهه من غير التفات.
قال: وظني أني لم أذكر مثل هذا في كتاب الصلاة، ولا شك في جريانه فيه.
والذي ذكره فيه هو الثاني فقط.
قال: ثم يدعو؛ لما ذكرناه من رواية علي-كرم الله وجهه-أنه عليه السلام كان يقول بعد السلام: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت [... إلى آخره] ".
ولو أتى بالذكر بدل الدعاء، كان أولى؛ لأنه يحصل مقصوده وزيادة؛ قال عليه السلام: [يقول الله-عز وجل-]: "من شغله ذكري عن مسألتي-أعطيته أضل ما أعطى السائلين".
وقد روى عنه عليه السلام أذكار مختلفة:
منها: أنه كان يقول إذا سلم من صلاته بصوته الأعلى: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا نعبد إلا إياه، وله النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، لو كره الكافرون" أخرجه مسلم، والشافعي في كتاب: الصلاة.
وروى النسائي وأبو داود بإسنادهما أنه عليه السلام قال: "من قال خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين تبكيرةً، وثلاثاً وثلاثين تسبيحة، وثلاثاً وثلاثين تحميدةً،