كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 203-242
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 203-242
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

حلال؛ فتعارضت الروايتان، وسقطتا.
الثاني: أن معني قوله: "وهو محرم" أراد: وهو في الشهر الحرام، أو في الحرم؛ كما يقال: "متهم"، و"منجد" لمن دخل تهامة ونجد.
الثالث: أنه كان يرى أن من قلد هديه، وأشعر، [صار] محرماً؛ فيحتمل أن يكون قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم قلد هديه بالمدينة، وعقد على ميمونة في تلك الحالة، فسماه: محرماً؛ بتقليد الهدي.
الرابع –قاله أبو الطيب بن سلمة-: أن ذلك من خصائصه، عليه السلام.
الخامس: أن سعيد بن المسيب قال: إن ابن عباس وهم في ذلك، ويؤيده أن هذه القصة كانت في سنة ست من الهجرة؛ وكان ابن عباس إذ ذاك ابن ست سنين، وقد روي مسلم وغيره عن ميمونة أنها قالت: "تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالٌ بسرف".
وقال أبو عمرو النمري: إن الرواية: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال"، متواترة عن ميمونة، وعن أبي رافع مولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن سليمان ابن يسار مولاها، وعن غيرهم، وما أعلم [أن] أحداً من الصحابة روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم إلا عبد الله بن عباس، فإن لم تترجح رواية

الجماعة على روايته فقد عارضتها، ويعمل بالحديث الأول.
وأما ما قاله الشافعي، فإن ما ذكره تفريعا على مذهب أبس حنيفة؛ لأنه يجوز نكاح المحرم والمحرمة؛ كذا حكاه القاضي الحسين عن الأصحاب.
قال: فإن فعل ذلك، فالعقد باطل؛ لأن النهي يقتضي التحريم والفساد، وهو إجماع الصحابة، روى أبو غطفان بن طريف المزني عن أبيه: أنه تزوج وهو محرم؛ ففرق عمر بينهما.

وروي أن عليا قال: "من تزود وهو محرم، نزعناها منه، وفرقنا بينهما"، وروي نحو ذلك عن ابن عباس وابن عمر، ولم ينكر ذلك أحد.
ولأنه نكاح لا يستعقبه استباحة وطء ولا قبلة –فكان باطلاً؛ كنكاح المعتدة.
قال القاضي أبو الطيب: ولا يلزم عليه إذا كانت المنكوحة صائمة؛ لأن تقبيلها جائز لزوجها إذا كانت القبلة لا تحرك شهوته، ولا يرد عليه إذا نكحها وهي تصلي؛ لأنه يجوز أن يقبلها من وراء حائل.
ولأنه عقد يمنع الإحرام من مقصودة؛ فلم يصح كشراء الصيد.
وهكذا الحكم [فيما لو قبل للمحرم النكاح حلال] بوكالة تقدمت الإحرام؛ لوجود معنى النهي فيه؛ قاله القاضي [الحسين] وغيره.
ولا يجب عليه في كل من الحالين فدية؛ لعدم حصول المقصود، وهو الانعقاد، بخلاف غيره من المحرمات في الإحرام.
وقد حكى في "المهذب" وغيره في أن التزويج بالولاية العامة- وهي الإمامة والقضاء- هل يحرم، ولا يصح، كالخاصة أو لا؟ وجهين: المختار منهما في "المرشد": الجواز، وفرق بأن الولاية العامة آكد؛ بديل أنها تسلط على تزويج الكافرة، بخلاف الولاية الخاصة.
وحكى القاضي أبو الطيب والحسين والماوردي طريقة قاطعة بمنع الحاكم من التزويج، بخلاف الإمام.

وفرق بعضهم: بأنا لو منعنا الإمام في حال إحرامه، لوجب أن يمتنع خلفاؤه من التزويج؛ فيؤدي ذلك إلى أن يمتنع حكام الأرض من التزويج؛ [فيعلم الضرر بخلاف الحاكم].
ثم قال القاضي الحسين: إلا أن هذا لا يصح؛ لأن الإمام] إذا امتنع، لم يجب أن يمتنع خلفاؤه؛ لأنهم ليسوا منصوبين من جهته، وإنما نصبوا لمصالح المسلمين؛ ألا تري أنه لو مات أو عزل، لم ينعزل الحكام؟! هذا حكم نكاح المحرم وإنكاحه، وأما ارتجاعه، ففيه وجهان: المذكور منهما في "المهذب"، و"تعليق" أبي الطيب، و"الشامل"، و"الحاوي"، و"الإبانة"، والمحكي عن النص: الجواز.
والمنصوب منهما إلى أبي إسحاق، وهو ظاهر المذهب في "تعليق" القاضي الحسين: المنع.
وهما ينبنيان على أن الرجعة بمنزل الاستدامة أو الابتداء؟ وقضية ذلك: أن يجوز له إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة وأحرام أن يختار أربعاً منهن جزماً؛ لأن ذلك استدامة، وهو ظاهر ما ذكر في الكتب؛ كما حكاه المتولي في نكاح المشركات.
وعن القفال: أنه قال بالتحريم، وهو ما ادعى في كتاب الحج: أنه ظاهر المذهب، ومحله إذا لم تسلم النسوة، أما إذا أسلمن -أيضاً- قبل إحرامه، ثم أحرم، فالذي حماه في كتاب النكاح عن الشافعي -رضى الله عنه-: أن له أن يختار أربعا منهن.
وفيه وجه آخر على قياس من قال: إن الرجعة في الإحرام لا تصح.
فروع: [أخدهم] إذا وكل في قبول النكاح، ثم أحرم، فهل يصح من الوكيل أن يقبل له

النكاح بعد تحلله؟ فيه وجهان ينبنيان- كما قال القاضي الحسين- على ما إذا أحرم الولي، هل تنتقل الولاية [عن وليته] إلى السلطان، أو إلى من دونه من الأولياء؟ وفيه وجهان محكيان –أيضاً- فيما لو وكل المحرم حلالاً في قبول النكاح، وقبله له بعد تحلله، هل يصح؟ قال القاضي الحسين: وأظهرهما، وهو طريق المراوزة - كما قال أيضاً-: لا، إلا بتجديد وكالة بعد التحلل؛ لأنه لم يكن أهلا للوكالة حالة ما وكل؛ فلم يصح توكيله.
والثاني- وهو طريقة بعض العراقيين-: أنه يصح، وهي التي حكاها القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والبندنيجي، وفي "الحاوي" و"البحر" نسيته إلى النص في "الأم" ووجه بأن الإذن يصح ممن هو ممنوع من توليته بنفسه لعارض؛ ألا ترى أنه يصح توكيله في بيع شيء يجهله؟! والمحرمة إذا أذنت في النكاح، [هل يجوز] لوليها التزويج بعد تحللها؟ قال القاضي الحسين في "تعليقه": سألته مرارا فقال: ينبغي أن يخرج على الوجهين، ثم قال: والأظهر عندي الجواز؛ لأن المقصود منه رضاها بالعقد عليها والرضا صحيح به، وإن كان لا يعقد في الحال؛ كما لو رضيت أن يزوجها من فلان إذا قدم، بخلاف الرجل يوكل في العقد وهو حرام؛ لأنه يليه من جهته؛ فلم يصح إلا في حال هو من أهل الولاية والمباشرة بنفسه.
[الفرع الثاني] إذا أذن المحرم لعبده في التزويج، رجلاً كان المولي أو امرأة- فالمحكي عن أبي الحسين بن القطان: أن الإذن باطل.
وقال ابن النرزبان: عندي في هاتين المسألتين نظر؛ كذا حكاه القاضي أبو الطيب.
حكى ابن القطان: أن إسماعيل الفقيه قال في كتاب "المستعمل": إذا وكل المحرم رجلاً في أن يزوجه إذا حل من إحرامه –صح، ولو وكل رجلاً رجلاً في أن يزوجه إذا طلق إحدى أربع نسوة عنده أو إذا طلق فلان زوجته أن يزوجه – لم يصح التوكيل.

والفرق: أن مدة الإحرام معلومة، وغايته معروفة؛ فلذلك صح توكيله، ومدة الطلاق غير معلومة؛ فإنه لا غاية لها تعرف؛ فلذلك لم يصح التوكيل.
قال ابن القطان: ولا فرق عندي؛ فإما أن يصح التوكيل في الجميع، أو لا يصح.
قال: ويكره له الخطبة والشهادة على النكاح: أما الخطبة؛ فلأنها سعى في المحرم، وقد جاء في بعض الروايات- كما تقدم-: "ولا يخطب".
وكما يكره أن يخطب امرأة حلالاً وهو محرم، يكره أن يخطب المحرمة حلال؛ قال أبو الطيب وغيره، ولا تحرم؛ بخلاف خطبه المعتدة؛ حيث حرمت؛ لأنها ربما كذبت في انقضاء عدتها؛ فإن لا يطلع على انقضائها إلا منها، بخلاف زوال الإحرام؛ فإنه أمر مشاهد مضبوط؛ فلا تتعجله.
وأما في الشهادة؛ فلما روي أنه –عليه السلام- قال: "ولا يخطب ولا يشهد".
وقد حكى عن الإصطخري أنه قال بالتحريم وعدم الانعقاد؛ لهذا الخبر.
ولأن بها يتم عقد النكاح؛ فكان الشاهد كالقابل أو الموجب.
والمذهب المنصوص عليه في "الأم": الصحة.
وما ذكره الإصطخري من الاستدلال بالخبر يلزمه عليه أن يقول بتحريم الخطبة، وقد ادعى القاضي الحسين أنه لا خلاف في المذهب فيها، على أن معني الخبر –كما قال القاضي أبو حامد-: أن من عقد من المحرمين النكاح، فلا يجوز له أن يتحمل تلك الشهادة ويؤديها؛ لأن العقد باطل.

وقال غيره من أصحابنا: معناه: أن المحرم لا يجوز له أن يشهد عقد النكاح على المحرمين، ولا أن يحضره؛ لكونه محرماً باطلاً.
وإذا احتمل الخبر ما ذكرناه، فلا حجة له فيه.
والفرق بين الشاهد وأحد العاقدين: أنه غير متعين، بخلاف الولي والزوج، ولأنه [لا] فعل له في العقد؛ فكان كالخاطب.
لكن للإصطخري أن يمنع كون الخطبة [غير] محرمة؛ فإن في "البحر" حكاية وجه عن رواية صاحب "التقريب": أنها حرام، حتى لو خطب المحرم امرأة حلالاً، فرضت به، يجوز لحلال آخر خطبتها؛ لأن الخطبة الأولى لم تقع الموقع؛ للخبر.
والله أعلم.
قال: ويحرم عليه الجماع في الفرج؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:197]، والرفث: الجماع –قاله ابن عباس- وقوله- عليه السلام- "إذا رميتم وحلقتم، فقد حل لكم كل شيء إلا النساء".
والمراد بالفرج: القبل، والدبر.

قال: والمباشرة فيما دون الفرج بشهوة، والاستمناء؛ لأنه إذا حرمت دواعي الوطء: كالنكاح والطيب، فلأن تحرم هذه الأشياء أولى.
وأيضاً: فإن ذلك يحرم على المعتكف فعله، ومعلوم أن الإحرام آكد منه.
قال: فإن فعل ذلك، لزمته الكفارة؛ لأنه استمتع بما هو محظور في الإحرام؛ فكان كالحلق.
ولا فرق في وجوبها حالة المباشرة فيما دون الفرج بشهوة، بين أن يتصل بها الإنزال أو لا.
نعم، يشترط في وجوبها بسبب الاستمناء: الإنزال؛ صرح به الماوردي حيث قال: إذا أولج المحرم ذكره في فرج خنثى مشكل إن أنزل، فعليه أن يفتدي؛ لاستمتاعه بالإنزال؛ كالمحرم إذا استمنى بيده، و [إن] لم ينزل، فلا فدية عليه ولا غسل؛ لأن المحرم إذا باشر رجلاً لم يفتد.
وإذا أولج في غير فرج، لم يغتسل.
وفي "النهاية" حكاية وجه آخر: أنه لا كفارة في الاستمناء أصلا؛ حكاه عن العراقيين، ونسبه في "البحر" إلى بعض الخراسانيين؛ موجها له بأنه لم يشاركه في هذا الاستمتاع غيره؛ فأشبه الإنزال بالنظر.
وقد يؤخذ هذا الوجه من كلام الشيخ حيث تعرض في باب كفارة الإحرام للواجب في المباشرة فيما دون الفرج وغيرها وصفته وسكت عن الاستمناء، والمشهور: الأول، نعم، اشتهر خلاف الأصحاب في أنه إذا باشر فيما دون الفرج بشهوة، ثم جامع، هل يدخل [واجب الاستمتاع في الفدية]، أو يجبان جميعا؟ وسيأتي في الباب الثاني ما الواجب في هذه الأشياء، إن شاء الله تعالى.
قال: ويحرم عليه الصيد المأكول، أي: يحرم عليه اصطياد الصيد المأكول من حيوانات البر؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96].

قال: وما تولد من مأكول وغير مأكول؛ تغليبا للتحريم، فلو خالف وفعل [لم] يملكه، ووجب عليه إرساله على المشهور، وسنذكر من بعد ما قيل فيه.
وإذا عرفت أن الاصطياد حرام، عرفت أن قتله وجرحه وقطع جزء منه كذلك؛ لأن الشيء إذا حرم، حرم ما يفضي إليه، والاصطياد لا يحصل بدون ذلك غالبا.
وأخذ بيضة –أيضاً- حرام؛ وكذا ذبح الحيوان المأكول المتولد بين إنسي ووحشي، كالمتولد بين [ذكر] اليعفور –وهو ذكر الحجل – والدجاجة، أو الظبي والشاة؛ تغليبا للتحريم، وإذا فعله وجب عليه الجزاء.
قال: فإن مات في يده، أو أتلفه، أو أتلف جزءا منه، لزمه الجزاء: أما إذا أتلفه عمدا؛ فلقوله –تعالى-: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95].
وأما إذا قتله خطأ؛ فلقوله –عليه السلام-: "في الضبع كبش إذا أصابها المحرم"، ولم يفصل؛ فكان على عمومه.

ولأنها كفارة تجب بالقتل، فاستوى فيها حكم العمد والخطأ؛ ككفارة قتل الآدمي.
ولأن ذلك مستفيض عند الصحابة، ولم ينكره أحد؛ فكان كالإجماع.
وتقييد الآية بالعمد؛ لتضمنها الوعيد بالعقاب، لا لنفي الحكم عن المنعطئ وسيأتي الكلام فيه.
وأما في الباقي فبالقياس؛ لأنه مال ضمن لحق الغير في حال العمد والخطأ فضمن في بقية الأحوال المذكورة؛ [كمال الآدمي].
وقد حكى الماوردي في كتاب الأطعمة: أن ابن القاص قال: لا يجب الجزاء في المتولد [من مأكول وغير مأكول]، وأنه وهم منه.
ولا فرق فيما ذكره الشيخ بين أن يكون الصيد غير مملوك، أو مملوك قد تأنس، أو هو باق على توحشه.
نعم، يجب في المملوك مع الجزاء قيمته لمالكه، خلافا للمزني، فإنه قال: لا يلزمه الجزاء في المملوك.
وكذا لا فرق بين أن يحصل التلف بمباشرته كالرمي، أو بسبب من جهته كنصب شبكة في ملكه أو ملك غيره، أو إرسال كلب معلم أو حله وقد رأي الصيد، أو انحلال رباطه بنوع تقصير في ربطه، أو تنفير الصيد حتى يطير قبل سكون نفاره وهلك، أو أخذه سبع، أو انصدم بشجر أو جبل.
نعم، لو أرسل عليه سهما وهو حلال، ثم أحرم، [ثم أصابه] السهم –فهل يلزمه الجزاء؟ فيه وجهان يأتي مثلهما في الجنايات، والأظهر في "تعليق" القاضي

الحسين: اللزوم، وكذلك في "البحر"، وقال: إنهما يجريان فيما لو أرسل السهم وهو محرم، ثم تحلل قبل الإصابة: هل يلزمه الجزاء أم لا؟ ولو نفر الكلب، فهلك [الصيد] قبل سكون النفار بآفة سماوية، ففي الضمان وجهان.
ولو حفر المحرم بئراً في ملكه، لم يضمن ما تردى فيه على المذهب.
وفيه وجه نقله صاحب "التتمة": أنه يجب كما [لو حفره [في غير ملكه]، و [هو] في "تعليق" القاضي أبي الطيب عند الكلام فيما] إذا دل المحرم على الصيد معزياً إلى ابن القاض، وقال: إنه يحتمل ألا يضمن، وجعل حكمه فيما إذا حفر بئرا [في ملكه في الحرم كما إذا حفرها في ملكه في الحل، والمشهور فيما إذا حفرها] في ملكه في الحل: عدم الضمان، وبه جزم الجمهور، وحكوا الخلاف فيما إذا حفره في ملكه في الحرم، والأشبه والأصح في "تعليق" القاضي الحسين: الوجوب، ويحكى عن الربيع وصاحب "التخليص"، ولم يحك في "التتمة" و"الإبانة" غيره.
والفرق: أن الحرم ليس موضع اصطياد أصلا، والحل في الجملة محل الاصطياد، لكن كلام صاحب "التهذيب" [يشير إلى] ترجيح المنع.
ولو أرسل الكلب، أو قصر في رباطه حيث لا صيد، فعرض صيد- ففي الضمان وجهان: أظهرهما: أنه لا ضمان، ورأي الإمام أن الضمان أرجح؛ لحصول التلف بسبب فعله، وجهله لا يقدح فيه، كما في حفر البئر.
وما ذكرناه هو المشهور، وقد أشار القاضي الحسين في تعليقه إلى خلاف في نصب الشبكة في الحل بقوله: "والأظهر أنه يلزمه الضمان" بعد قوله: "ولا خلاف أنه لو نصبها في الحرم ضمن".

وحكى الإمام ترددا فيما إذا قصر في ربط الكلب، فانحل، وقتل الصيد، وجزم الماوردي فيها بعدم الضمان، وقال هو والقاضي أبو الطيب، فيما إذا كان الكلب المرسل على الصيد غير معلم: إذا قتله لا ضمان؛ لأنه لا ينسب فعله إلى مرسله.
وهو كذلك في "تعليق" القاضي الحسين، وعزاه إلى نصه في الإملاء، كما إذا أرسل الكلب المعلم على آدمي فقتله؛ فإنه لا ضمان عليه؛ لأن الكلب لا يعلم على الآدمي.
نعم، لو علم عليه، أو كان ضارياً –ضمنه.
تنبيه: قد يؤخذ من قول الشيخ: "فإن مات في يده .... " إلى لآخره – أنه يختار الضمان في مسألتين: إحداهما: إذا خلص المحرم صيداً من جارج أو داوى جرحه فمات في يده؛ كما هو أحد القولين.
لكن الصحيح، والذى نص عليه الشافعي –رضي الله عنه-: عدم الضمان، والأول أخذ من احتمال أبداه الشافعي.
الثانية: أن المحرم إذا استودع صيدا لحلال، فتلف في يده – [ضمنه]، وهو ما حكاه القاضي الحسين، وقال: إنه لو كان مملوكا وجب معه قيمته لمالكه.
وفيه نظر؛ لما ستعرفه من النص فيما إذا وهب من محرم صيدا وتلف في يده، أو أرسله.
وقد وافق القاضي في ضمان الوديعة بالجزاء الرافعي هنا، وكذا فيما إذا استعاره، لكن [حكى] في "الروضة": أن صاحب "البيان" حكى في كتاب العارية عن الشيخ أبي حامد: أنه قال: لا جزاء في العارية؛ لأنه لم يمسكه لنفسه، ومن طريق الأول المودع.
وقد يقال: إنه ليس في كلام الشيخ تعرض لهاتين المسألتين؛ فإنه قال أولا: "ويحرم عليه الصيد"، ثم قال: "فإن مات في يده"، أي: بعد أن اصطاده؛ كما جاء مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: 196]، والتقدير: فحلق، ففدية، وغيرها من الآيات، وإذا كان كذلك ثبت ما قلناه.

فرع: إذا قتل الصبي أو المجنون صيدا وهو محرم، فهل يجب عليه الجزاء؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين وغيره في المغمى عليه أيضاً.
ومنهم من أثبت الخلاف قولين؛ كما سنذكره.
أما صيد البحر، فحله ثابت بقوله تعالي: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96].
وهو –كما قال الأصحاب-: الذي لا يعيش إلا في البحر، وأما ما يعيش في البر والبحر فهو كالبري، والطيور المائية التي تغوص في الماء وتخرج، من صيد البر؛ لأنها لو تركت في الماء لهلكت.
ومنها –كما قال البندنيجي وأبو الطيب-: البط والإوز.
وقال في "الحاوي": إن البط –وهو الذي لا يطير- من الإوز، إذا قتله المحرم لا جزاء عليه؛ لأنه ليس بصيد، وحكى وجهين في الحمام الأهلي الذي يسمى: الراعي، وهو ما يكون في المنازل، ولا ينهض طائرا: أحدهما: أنه من جملة الحمام؛ لانطلاق الاسم عليه؛ فيجب فيه الجزاء.
والثاني –وبه قال ابن أبي هريرة-: أنه لا جزاء فيه؛ لأنه ليس بصيد، إنما هو أنيس؛ فكان كالدجاج، ومراده: الدجاج البلدي، وإلا فدجاج الحبشة من صيد البر، ويجب فيه الجزاء؛ صرح به عن النص القاضي أبو الطيب وغيره؛ لأنه وحشي يمتنع بالطيران وإن [كان ربما ألف] البيوت، وهي [شبه الدُّرَّاج]، ويسمى بالعراق: الدجاج السندية.
والجراد من صيد البر، يجب الجزاء بقتله.
وحكى الموفق بن طاهر وغيره قولاً غريباً: أنه من صيد البحر؛ لأنه يتولد من روث السمك.
قلت: ويعضده ما روي عن أبي هريرة أنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبلنا ضرب من الجراد، وكان بعضنا يضربه بالسوط، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "هو من صيد

البحر"، لكن المشهور: الأول.
واختلف الأصحاب لم عده –عليه السلام- من صيد البحر؟ فقيل: لأنه يؤكل ميتاً؛ كالسمك.
وقيل: لأن الغالب: أنه في السواحل.
وقال كعب: إنه خرء السمك يلفظه البحر إلى الساحل، فخلقه الله تعالى منه.
والحيوان المتولد من غير مأكول لا غير، لا يحرم عليه صيده وإذا مات في يده أو أتلفه لا ضمان عليه.
نعم، في هذا الصنف ما يستحب للمحرم وغيره قتله وهي المؤذيات بطبعها، نحو الفواسق الخمس، روي أنه –عليه السلام- قال: "خمس فواسق يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور".

وروي أنه –عليه السلام- قال: "خمس من الفواسق ليس على المحرك في قتلهن جناح .... " فذكرهن، وفي معناها: الحية، والذئب، والأسد، والنمر، والدب، والنسر، والعقاب، والبق، والبرغوث، والزنبور.
ولو ظهر القمل على بدن المحرم أو ثيابه، لم يكره له تنحيته، ولو قتله لم يلزمه شيء ولو فلى لحيته ورأسه، وارتكب هذا المكروه، فأخرج منها قملة فقتلها –تصدق ولو بلقمة؛ نص عليه، وهو عند الأكثرين محمول على الاستحباب، ومنهم من قال: إنه يجب ذلك؛ لما فيه من إزالة الأذى عن الرأس.
ولا خلاف أنه لو أخرجها من جسده وقتلها، لا يجب عليه سيء، قاله القاضي الحسين، وقال: إن الوجهين السابقين يجريان فيما إذا قتل القمل في رأسه بالزئبق؟ ونحوه.
ومنه ما لا يستحب له ولا لغيره قتله، وهي الحيوانات التي فيها منفعة ومضرة: كالفهد، والصقر، والبازي؛ لما يتوقع من المنفعة، ولا يكره لما يخاف من المضرة.
ومنه ما يكره له ولغيره قتله، وهو ما لا يظهر فيه منفعة ولا مضرة: كالخنافس، والجعلان، والسرطان، والرخمة، والكلب الذي ليس بعقور.

ومنه ما لا يجوز قتله، وهو النحل، والنمل، والخطاف، والضفدع؛ لورود النهي عن قتلها.
وفي وجوب الجزاء بقتل الهدهد والصرد خلاف مبني على الخلاف في جواز أكلهما.
والمذكور في تعليق القاضي الحسين: التحريم.
قال: -ويحرم عليه لحم ما صيد له؛ لما روى جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " [صيد] البر حلال لكم [وأنتم حرم] ما لم تصيدوه أو يصد لكم".

قال الترمذي: وهذا أحسن حديث.
قال: أو أعان على ذبحه أو كان له أثر في ذبحه؛ لما روى أبو داود عن أبي قتادة: أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببعض طريق مكة، تخلف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً؛ فاستوى على فرسه، قال: فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا، فسألهم رمحه فأبوا، فأخذه، ثم شد على الحمار، فقتله، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بعضهم، فلما أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن ذلك؟ فقال: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله تعالي"، وأخرجه البخاري ومسلم بمعناه، وفي روايتهما: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "منكم أحد أمره أو أشار إليه؟ " قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي من لحمه"، ووقع فيهما: أنه صلى الله عليه وسلم أكل منه.
فلو خالف المحرم، وأكل مما حرم عليه أكله بسبب مما ذكرناه، فهل يلزمه شيء؟ فيه قولان: أحدهما- وهو القديم، والمختار في "المرشد"-: نعم؛ لأن الأكل فعل محرم في

الصيد؛ فتعلق به الجزاء، كالقتل، ويخالف ما لو ذبحه، وأكله؛ حيث لا يلزمه في الأكل شيء؛ لأن وجوب الجزاء بالذبح أغنى عن جزاء آخر؛ فعلى هذا ماذا يلزمه؟ فيه ثلاثة أوجه ذكرها الماوردي: أحدهما: مثل ما أكله من لحم النعم يتصدق به على مساكين الحرم.
والثاني: [يجب] من مثله من النعم بقدر ما أكل من لحمه؛ فإن كان قد أكل عشر لحمه، لزمه عشر مثله.
والثالث: قيمة ما أكله دراهم يتصدق بها إن شاء، ويصرفها في طعام يتصدق به إن شاء.
والقول الجديد –وهو الصحيح في "الحاوي" و"التهذيب" وغيرهما-: لا لأنه ليس بنام بعد الذبح ولا يئول إلى النماء؛ فلا يتعلق بإتلافه الجزاء؛ كما لو أتلف بيضة مذرة.
وقد أغرب في "الوجيز"؛ فحكي القولين فيما إذا دل المحرم حلالاً على صيد –في أنه هل يحرم عليه الأكل منه، أم لا مع الجزم بعصيانه؟ قال الرافعي: ولم نر هذا الخلاف لغيره، بل جزموا بحرمة الأكل على المحرم مما صيد له، أو بإعانته بسلاح وغيره، أو بدلالته أو إشارته؛ فالوجه: أن تغير هذه اللفظة، ويجوز أن يجعل مكانها: [وفي] وجوب الجزاء عليه عند الأكل قولان؛ لأنهما مشهوران في هذه الصورة، لكنه قد ذكر هذه المسألة من بعد، وتبديل اللفظ بها يفضي إلى التكرار.
قال: فإن ذبح الصيد، حرم عليه أكله؛ لأنه إذا حرم عليه [أكل ما] أعان على ذبحه، كان تحريم ما ذبحه أولى.
قال: وهل يحرم على غيره، أي: من المحلين والمحرمين؛ كما قاله في البحر –فيه قولان.
[ووجه الحل] –وهو القديم-: أنه من أهل الذكاة في غير الصيد؛ فوجب أن

يكون من أهلها في الصيد: كالحلال طرداً، والمجوسي عكسا.
قال في "البحر": قال أصحابنا: وهذا القول القديم أصح في هذه المسألة.
وقال القاضي أبو الطيب: إن أكثر الأصحاب قالوا ذلك؛ وعلى هذا هل يحرم على الذابح على التأبيد أو مدة إحرامه؟ فيه وجهان: أظهرهما- وهو المشهور؛ كما قال الفوراني-: الأول.
ومقابلة: منسوب في "تعليق" القاضي الحسين إلى رواية الأستاذ أبي طاهر الزيادي.
ووجه التحريم- وهو الجديد والأصح-: أنها ذكاة ممنوع منها؛ لحق الله تعالى؛ [لمعنى في] الذابح؛ فوجب ألا تقع بها الإباحة كذكاة المجوسي.
قال القاضي الحسين: ولا تأثير لقولنا: ممنوع منها؛ لأن الخلاف في المحرم المضطر وغير المضطر واحد، والمحرم المضطر غير ممنوع من الذبح، لكن نقول: الحلال إذا جرح صيداً، استفاد به شيئين: الملك، وتحليل الأكل، ثم المحرم لا يستفيد بجرحه الملك؛ فكذلك الحل.
وقد عكس النجنيجي ما ذكرناه، فقال: إن القول الجديد: [أنه] لا يحرم على غيره أكله، والقديم: التحريم.
والصحيح الأول.
والقولان في الكتاب يجريان –كما حكاه في "الشامل" عن بعض الأصحاب، وهو المذكور في "تعليق" البندنيجي –في حل بيض الصيد إذا كسره المحرم، والجراد إذا قتله.
وحكى في "المهذب" عن شيخه القاضي أبي الطيب: أنه قال: [فيه] نظر؛ من حيث إن البيض لا روح فيه، والجراد يحل ميتا؛ ولأجل ذلك قال ابن الصباغ: إن القول بإجراء القولين في هاتين الصورتين غير صحيح؛ فإن المجوسي لو قتل جرادة، أو كسر بيضة، كانت على حكم الإباحة، بخلاف الصيد.
وفي "الحاوي": أن البيض إذا كسره محرم، لم يحل له ولا لغيره من المحرمين، ويحل للمحلين.

وجهل بعض متأخري أصحابنا؛ فخرج جواز أكل الحلال له على قولين؛ كالصيد، وهو قبيح.
قلت: وتحريمه على غير الكاسر من المجرمين فيه نظر؛ لأنه خرج بالكسر عن أن يكون ناميا؛ فيشبه الصيد إذا ذبحه محرم.
والقولان في حله للحلال جاريان في حلة للمحرم إذا لم يصد له، ولا أعان عليه، ونحو ذلك.
وقد يقال: إن جريان القول بالتحريم على الحلال هاهنا قبيح، فليكن تحريم البيض على غير الكاسر من المحرمين كذلك.
ويجري القولان -أيضاً- فيما إذا ذبح الصيد في الحرم، أو كسر البيض، وقيل: [هو ميته قطعاً]؛ لأنه المانع في نفس البيض والذبيح، ولأن المحرم قد يستبيح مثل الصيد وأكل البيض بعد إحلاله، والحرم لا يستباح قتل صيده وكسر بيضة بحال؛ وهذا ما ادعى البندنيجي: أنه المذهب.
وقد قيل: إن الشافعي نص في "الإملاء" على هذا الفرق، قال في "البحر": وهو بعيد؛ لأن هذا الصيد في حق المحرم كصيد الحرم في حق الكافة.
وإذا قلنا بهذه الطريقة، قال الماوردي: فلو أن محرما قتل صيدا في الحرم، فقد اختلف أصحابنا: هل يغلب حكم الحرم، أو حكم الإحرام؟ على وجهين.
قال: لا يملك الصيد بالبيع والهبة؛ لأن سبب يملك به عين الصيد؛ فكان المحرم ممنوعا من التملك به؛ وما ذكره الشيخ هو الذي نص عليه الشافعي، رضي الله عنه.
وقال في "المهذب": إن الإقدام على الابتياع، والأنهاب حرام؛ لرواية ابن عباس: أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحش، فرده عليه؛ فلما رأى ما

في وجهه، قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم"، وقد أخرجه مسلم والبخاري أيضاً.
وفي طريقة المراوزة حكاية قول آخر- قال الإمام: إنه منصوص عليه أيضاً-: أنه يملك بذلك، وشبهوا ذلك بشراء الكافر العبد المسلم.
وفي "الشامل" حكاية عن الشيخ أبي حامد أنه قال: من أصحابنا من تعلق بقول الشافعي فيما إذا وهب له وقبضة: "إن عليه إرساله"، وقال: قد ملكه بالهبة؛ ولهذا أمره بإرساله.
وقد ذكر القاضي الحسين أن من الأصحاب من ذكر خلافا في أن المحرم هل يملك الصيد بالاصطياد أم لا؟ ومنهم من جعله مرتبا على الخلاف فيما إذا أحرم وفي ملكه صيد، هل يزول ملكه عنه أم لا؟ فإن قلنا ثم بالزوال، لم يملكه بالاصطياد، وإلا فوجهان، والفرق: أن هذا ابتداء، وذلك استدامة؛ فأشبه النكاح.
وقال: إنا إذا قلنا: لا يملكه، وجب الإرسال، فإن لم يرسله حتى تحلل ملكة، ولا

يجب عليه إرساله.
وإن قلنا: يملكه، وجب الإرسال أيضاً، فإن لم يرسله حتى تحلل، هل يجب [عليه] الإرسال؟ فيه وجهان، فإن قلنا بوجوبه كان له أن يأخذه في الحال.
ثم على القول الصحيح [في] أنه لا يملك الصيد بالبيع والهبة، فرعان: أحدهما: كما يمنع من شرائه يمنع من بيعه أيضاً.
قال الإمام: وليس هذا كتصرف الكافر في العبد المسلم؛ فإنا وإن منعناه من شرائه، لا نمنعه من بيعه من مسلم، والسبب فيه: أن بيعه من مسلم يزيل مادة الاعتراض، وإذا امتنع عن بيع عبده الذي أسلم في يده، فإنا نبيعه عليه من مسلم، فإن فعل ما نفعله نفذ، والمقصود في الصيد الإرسال ورفع اليد عنه، والمحرم ببيعه يورطه في التقييد والضبط؛ فكان البيع في معنى الشراء، وهذا مفرع -كما قال أيضاً- على أن الإحرام لا ينافي الملك، يعنى: فلا يزول بالإحرام.
وفي "الحاوي" و"تعليق" اليندنيجي و"البحر" و"الرافعي": أنا إذا قلنا: لا يزول ملك المحرم عن الصيد بالإحرام، كان حكمه حكم سائر أملاكه إلا في شيء واحد، وهو أنه لا يجوز له ذبحه، وما سوى ذلك من بيعه وهبته، فجائز له، وهذا مخالف لما ذكره الإمام.
الثاني: إذا قبل البيع والهبة، وقبضه، فعليه رده إلى صاحبه وما حكى عن نص الشافعي -رضي الله عنه- فيما إذا وهب له أن يرسله- فقد قال الشيخ أبو حامد والقاضي الحسين وغيرهما: مراده: الإرسال إلى يد صاحبه؛ لأنه باق على ملكه.
ثم قال الشيخ أبو حامد: ويحتمل أن يحمل كلام الشافعي -رضي الله عنه- على ظاهره؛ لأن البيع والهبة لا يزيلان عنه ضمان الكفارة برده إلى صاحبه؛ فإنه لو مات في يده كان عليه الجزاء؛ كما لو كان هو الصائد ووهبه من غيره، وما ذكره من عدم براءته من الضمان برده إلى صاحبه، هو المذكور في "الحاوي"، و"التهذيب"،

و"التتمة"، و"تعليق" القاضي الحسين، وقالوا: إنما يبرأ إذا أرسله، فتوحش.
لكن البندنيجي قال: إنه إذا رده إلى صاحبه؛ زال عنه الضمانات معا، يعنى: ضمان قيمته لمالكه، وضمان الجزاء.
ثم قال الشيخ أبو حامد –سؤالاً على الاحتمال الذي أبداه-: فإن قيل: ملك صاحبه باق عليه، فكيف يجب إرساله ليتوحش؟ فجوابه: أنه أسقط حقه؛ لأنه كان سببا لثبوت يد المحرم عليه، وإيجاب إرساله عليه يحصل له بدله.
ولو لم يرده [لصاحبه] حتى مات في يده، وقد قبضه على حكم البيع والهبة- لزمه الجزاء، وضمنه لمالكه بالقيمة في البيع دون الهبة؛ لأنه لم يدفعه إليه على أن يستحق لأجله عوضا؛ كذا قاله الشافعي نصا في الهبة، وهو مبني على أصح الوجهين في "الروضة" في أن الهبة الفاسدة غير مضمونة.
لكن في "الحاوي" أن الوجهين في أن الهبة الفاسدة هل تضمن، مخرجان من اختلاف قوليه في أن الهبة هل تقتضي ثوابا أم لا؟ فإن قلنا: تقتضيه، ضمن، وإلا فلا.
وهذا فيه نظر.
وقد سوى الرافعي بين الهبة والبيع والوصية، وجعل الكل مضموناً عليه بالجزاء والقيمة.

ولو لم يتلف الصيد في يده، لكنه تحلل وهو في يده –قال الماوردي: فمذهب الشافعي: أنه مضمون عليه بالجزاء والقيمة، يعني: في مسألة البيع، وكذا في الهبة؛ على أحد الوجهين الذي اقتضي بناؤه: أنه أصحهما.
وفيه وجه آخر: أنه يسقط عنه ضمان الجزاء.
وعلى القول المحكي في أصل المسألة في طريقة المراوزة: أنه يملكه بالبيع ويجب عليه إرساله، فو باعه حرم البيع، ولكنه ينعقد ويجب على المشتري الإرسال، وإذا أرسل فهل يكون من ضمان البائع؟ فيه خلاف مذكور في "الوسيط"؛ كما في العبد المرتد.
[قال الإمام: ولعل الأوجه القطع هنا بأنه من ضمان البائع، فإنا قد نقول في المرتد] إذا قتل: إنه قتل، لردته في الحال، والخطرات تتجدد حالا بعد حال، والسبب الذي نيط به وجوب الإرسال، قائم لا تجدد فيه، والله أعلم.
فرعان:- على القول بعدم ملكه الصيد [بالبيع] والهبة أيضاً-: أحدهما: إذا باع محل صيدا من محل، ثم أحرم البائع، وأفلس المشترى- هل للبائع أن يختار عين ماله؟ قال ابن الصباغ والماوردي والقاضي الحسين: لا؛ لأنه يريد أن يتملك الصيد باختياره؛ فلا يجوز.
نعم، إذا زال الإحرام قال في "الحاوي": كان له أن يرجع فيه.
الثاني: إذا اشترى صيدًا من حلال، وهو حلال، ثم أحرم البائع، ووجد المشتري به عيبا، فأراد رده عليه- قال ابن الصباغ: أنبنى ذلك على أنه هل يملكه بالإرث؟ فإن قلنا: يملكه –كما سيأتي- رده عليه؛ لأنه يرده إلى ملكه بغير اختياره.

وإن قلنا: لا يرثه، ففيه وجهان- قلت: قالهما القاضي أبو الطيب [في "تعليقه" احتمالين-: أحدهما: نعم؛ لأن ذلك حق المشتري؛ فلا يسقط بإحرام البائع.
والثاني: لا يرده.
قال القاضي أبو الطيب:] فيرد عليه الثمن، ويوقف الصيد حتى يتحلل، فيرده عليه.
قال ابن الصباغ: وهذا يبعد؛ لأنه إذا ملك المشتري الثمن بالرد زال ملكه عن الصيد، ووجب عوده إلى البائع، وينبغي أن يقال: هو بالخيار بين أن يقف حتى يتحلل، [فيرد عليه]، أو يرجع بأرش العيب؛ لتعذر الرد في الحال.
قال: وهل يملك بالإرث؟ [فقد قيل: يملك]؛ لأنه قهري؛ وهذا هو الصحيح في "الوسيط"، و"المرشد"، و"الروضة"، وبه قطع الشيخ أبو محمد والصيدلاني؛ كما يرث الكافر المسلم، وقال الطبري: إن هذه طريقة القفال.
وقيل: لا يملك؛ لأن الإرث سبب الملك؛ فلا يملك به المحرم الصيد؛ كالبيع والهبة.
ولا يخفي أن هذا الخلاف مفرع على المذهب في أنه لا يملك الصيد بالبيع والهبة، أما إذا قلنا: يملكه بهما، ملكة بالإرث بلا خلاف، وقد صرح به في الروضة، وأنه مفرع –أيضاً- على أنه لا يزول ملكه [عنه] بالإحرام، أما إذا قلنا بزواله، فلا يرثه قولا واحدا؛ لأنه إذا امتنع الاستدامة، فالابتداء أولى؛ قاله القاضي أبو الطيب.
وحكى الإمام عن العراقيين: أنهما قالوا: إذا قلنا: الإحرام يقطع دوام الملك، ففي الإرث وجهان: أحدهما: لا يملك به؛ لما ذكرناه.
والثاني: يملك به ويزول؛ فإنا نضطر إلى الجريان على قياس التوريث، فلنجر

ذلك الحكم، ثم نحكم بعده بالزوال.
التفريع: إن قلنا بالملك، قال في "الوسيط" و"التهذيب": إنه يجب إرساله.
ولو باعه، قال في "التهذيب": صح، ولا يسقط عنه [ضمان الجزاء؛ حتى لو مات في يد المشتري، وجب الجزاء على البائع، وإنما يسقط عنه] إذا أرسله المشتري.
وقال الإمام تفريعا على قول الملك الذي عليه فرعنا: إنه يزول ملكه عقيب موته؛ بناء على أن الصيد يزول الملك عنه بالإحرام.
وإن قلنا بعدم الملك، قال المتولي: إنه ينتقل لباقي الورثة، وإحرامه بالنسبة إلى الصيد مانع من موانع الإرث، وهو ما صدر به صاحب "البحر" كلامه.
وعن أبي القاسم الكرخي: أنه يبقي موقوفا، فإذا تحلل ملكه، وهو ما حكاه الشيخ أبو حامد، والمحاملي، والبندنيجي، والقاضي أبو الطيب، والماوردي، والقاضي الحسين، وصاحب "العدة"، والدرامي، وقال: إنه لو مات الوارث قبل تحلله، قام وارثه مقامه.
قال: وإن كان ملكه صيد، أي: في يده، أو [في] بيته، [فأحرم] –زال ملكه عنه في أحد القولين، أي: المذكورين في "الإملاء"؛ لأنه لا يراد للبقاء دوامه؛ فيحرم استدامته؛ كلبس المنعيط.
[قال:] دون الآخر؛ لأنه ملكه؛ فلا يزول بالإحرام؛ كالبضع.
ولأنه لو ملك صيدا في الحل، وأدخله الحرم، لم يزل ملكه؛ كذلك هنا؛ وهذا ما اختاره في المرشد.
فعلى هذا: يجوز له بيعه وهبته، ولا يجوز له قتله كما ذكرناه من قبل وفيه ما نقلناه عن الإمام، ولا يجب عليه –على هذا القول- إرساله.

والذي اقتضاه إيراد ابن الصباغ: ترجيح الأول، وقال في البحر: إنه الأظهر، [[وقال] القاضي أبو الطيب في "تعليقه": إنه الأصح]، وعلى هذا لا يجب عليه السعي في إرساله قبل الإحرام؛ كما صرح به الإمام، وهل يؤمر بالإرسال بعده؟ فيه وجهان في "الرافعي" عن رواية [بعض] الأصحاب، والمشهور: الوجوب، فإن لم يرسله حتى مات، نظر: فإن قصر فيه، ضمنه بالجزاء.
وقال البندنيجي: إنه يكون بمنزلة ما إذا طير الريح ثوباً إلى داره.
وإن لم يقصر في إرساله، قال الإمام: المذهب وجوب الضمان.
ومن أصحابنا من قال: لا يضمنه، وهو ما أورده البندنيجي وإليه يرشد كلام ابن الصباغ والقاضي أبي الطيب.
ولو لم يرسله حتى تحلل، ففي عود ملكه قولان في "المهذب" وغيره.
وقال ابن الصباغ والبندنيجي وغيرهما: إن الذي نص عليه وجوب الإرسال.
[وحكي عن أبي إسحاق] أنه قال: يعود الملك، ولا يلزمه الإرسال؛ كما إذا انقلب الخمر خلاً.
وحكى الإمام عن العراقيين القطع بوجوب الإرسال، وأنهم ترددوا فيما إذا قتله، هل يجب عليه الجزاء؟ وقال: إن القول بالمنع مزيف مع القطع بوجوب الإرسال.
ورتب المراوزة الخلاف في [هذه] المسألة على غير هذا النحو، فقالوا: إذا أحرم وفي ملكه صيد، هل يجب عليه إرساله وإزالة يده أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ كما إذا دخل به الحرم، وكما يجوز له استدامة النكاح دون ابتدائه.
وهذا ما ذكر الرافعي: أنه صححه المحاملي والكرخي وغيرهما من العراقيين.
وعن القاضي ابن كج طريقة [قاطعة] بهذا القول، معزية إلى أبي إسحاق، وأنه حمل النص بالإرسال على الاستحباب؛ فإنه على هذا يستحب [له] إرساله،

وإذا أرسله، وأخذه غيره، فله إذا خرج من إحرامه أن ينتزعه من يده، ولو أرسله غيره من يده، ضمن المرسل.
والقول الثاني: نعم، وهذا الذي صححه الفوراني؛ كما لا يجوز له ابتداء أخذه.
والفرق بين ما نحن فيه ودخول الحرم به: أن حكم الإحرام آكد من حكم الحرم؛ بدليل أنه لو كان حلالاً، فاصطاد صيدًا في الحل بنية حرمي، يحل لذلك الحرمي أكله، ولو اصطاد الحلال صيدًا بنية المحرم، لا يحل للمحرم أكله، وعلى هذا فرعان: أحدهما: هل يزول ملكه عنه أو لا؟ فيه قولان: أحدهما: نعم، وهو الأصلح عند العراقيين؛ كما قال الرافعي، [لكن هل يزول بالإحرام]، أو بالإرسال ويكون الإحرام سبب وجوب الإرسال؟ فيه وجهان في "النهاية".
وعلى كل الوجهين إذا أخذه غيره بعد الإرسال، ملكه.
و [القول] الثاني: لا يزول ملكه؛ حتى لو أرسله غيره، ضمنه، وإذا أخذه غيره بعد امتثاله ما أمر به من إرساله، فله أن يسترده إذا خرج من إحرامه، على المشهور الذي قطع به المعظم.
وحكى الإمام – تفريعًا على هذا – عن شيخه تخريج وجهين في أنه هل يزول ملكه عنه بالإرسال؛ بناء على وجهين للأصحاب في أن من فتح قفصًا عن طائر إذا نوى تحريره، أو حل الرباط عنه، وهو حلال، وحرره – هل يزول ملكه عنه؟ الفرع الثاني: إذا لم يرسله حتى تحلل، فالأمر بالإرسال مستمر، وفيه وجه: أنه ينقطع.
قال: وإن احتاج إلى اللبس، لحر أو برد، أو إلى الطيب والحلق؛ لمرض،

أو إلى ذبح صيد للمجاعة، أي: شدة الجوع، وهي بفتح الميم – جاز له ذلك؛ لقوله – تعالى -: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
قال: وعليه الكفارة.
أما في الحلق لمرض؛ فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: 196]. وقد اختلف المفسرون في المراد بالمرض: فقال ابن عباس: هو البثور.
وقال غيره: هو الصداع.
وأما في الباقي، فبالقياس عليه، وسنذكر في أول باب كفارة الإحرام شيئًا يتعلق به.
وهكذا الحكم في كل محظور بغير عذر إذا أبيح للعذر، وجبت فيه الكفارة، إلا لبس السراويل عند عدم الإزار، والخفين المقطوعين وما في معناهما عند فقد النعلين كما تقدم؛ للنص عليهما، ولأنهما ليسا للترفيه وإزالة الضرر؛ فإن ستر العورة واجب، ولبس الخفين المقطوعين ونحوهما يقي الرجل من النجاسة؛ فخفف فيهما لذلك.
قال: فإن صال عليه صيد – أي: قصد الوثوب عليه – جاز له قتله للدفع، لا جزاء عليه؛ لأن الذي يتعلق به المنع ألجأه إليه؛ فأشبه العبد الصائل.
وكذا الحكم فيما لو انكسر من ظفره شيء فقطع المنكسر لا غير.
والفرق بينه وبين ما إذا آذاه القمل في رأسه، فحلق شعره: أن الذي يجب فيه الجزاء الشعر، والصيال من غيره.
فإن قيل: إذا تأذى بكثرة الشعر من الحر، فالصيال حصل من الشعر [فكان قياس ما ذكرتم ألا يجب فيه الجزاء عند الحلق.

قيل: الأذى جاء من الحر لا من الشعر]؛ بدليل عدمه في البرد.
نعم، قال الأصحاب: لو صال عليه حلال راكب حمار وحشٍ، ولم يتمكن من دفعه إلا بقتل الحمار – قال الصيدلاني: ففي الجزاء قولان للقفال، والذي أورده الأكثرون منهما: وجوبه، وهو قياس ما تقدم.
ولا خلاف فيما إذا ضمناه أن قرار الضمان على الراكب، وهكذا الحكم فيما إذا غصب دابة وصالت [على شخص]، فقتلت – في ضرورة الدفع؛ ففي وجوب الضمان على القاتل قولان، فإن ضمناه، كان قرار الضمان على الراكب، ولمالكها مطالبة الصائل على القولين، ومن هنا قال الإمام: إن بين ما ذكر في المحرم والغاصب فرقًا ظاهرًا؛ فإن الحلال على أحد القولين لا يغرم الصيد، ولكن يرجع المحرم عليه إذا غرم، وفي مسألة الغصب يتوجه الطلب على الغاصب قولاً واحدًا، وإنما الكلام في قرار الضمان كما سبق.
قال: فإن افترش الجراد – أي: انبسط كقولهم: أكمة مفترشة، أي: منبسطة.
[قال]: في طريقه، فقتله – ففيه قولان، أي: أومأ إليهما في "الأم"، وقد أثبتهما الإمام ومن تبعه وجهين: وجه عدم الوجوب: أنه ملجأ إلى قتله؛ فكان كالصائل؛ وهذا ما جعله الرافعي أظهر، وصححه النواوي، وعن الشيخ أبي محمد طريقة قاطعة به.
ووجه الوجوب: أنه قتله لمنفعة نفسه؛ فأشبه ما لو قتله للمجاعة؛ فإنه يجب عليه الجزاء بلا خلف؛ وهذا ما اختاره في "المرشد".

والقولان يجريان – كما قال البندنيجي وغيره – فيما إذا باض الحمام على فراشه، فنقل البيض – لحاجته إلى فارشه – ففسد.
وفيما إذا أكره المحرم على قتل صيد وجهان: أحدهما: يجب الجزاء على المكره.
[والثاني: على القاتل، ويرجع على المكره].
قال: وإن نبتت في عينه شعرة، فقلعها، لم يلزمه شيء؛ لأنها كالصائلة؛ نص عليه، وألحق الأصحاب [به] ما لو نزل شعر الرأس أو الحاجب عليى عينه، فقطع ما غطاها.
وقيد قيل: بجريان القولين في المسألة قبلها فيهما، حكاهما الشيخ أبو علي وغيره.
وفي "تعليق" القاضي الحسين الجزم بما إذا نبتت في عينه شعرة، فقلعها: أن عليه الفدية؛ وفيما لو انعطف هدبه إلى عينيه، فآذاه؛ فنتفه أو قطعه – بأن لا فدية وفرق بأن ذلك في موضعه ولم يؤذ، وإن تأذى صاحبه بمكانه.
قال: وإن تطيب أو لبس أو ادهن ناسيًا – أي: لإحرامه – لم تلزمه الكفارة، أي: خلافًا للمزني.
ووجهه: ما روى البخاري ومسلم عن يعلى بن أمية: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة، قد أهل بالعمرة، وهو معصفر لحيته ورأسه، وعليه جبة، فقال: "انزع عنك الجبة، واغسل عنك الصفرة، وما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك".
وجه الدليل منه: أنه كان جاهلاً بالتحريم، وقد أمره – عليه السلام – بالنزع

والإزالة، ولم يأمره بالفدية، ولو كانت واجبة لبينها [له]، فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وإذا ثبت هذا الحكم في الجاهل بالحكم، فالناسي مثله؛ لأنه يفعل مع جهل التحريم.
وقد [عرفت بما ذكرناه] حكم الناسي لإحرامه والجاهل بالتحريم، وهو ما صرح به القاضي الحسين وغيره.
نعم، حكى القاضي أبو الطيب في أن من ادعى الجهل بالعلم بالتحريم في زماننا هل يقبل قوله، أو لا [يقبل] ويلزمه التكفير؟ وجهين.
وإذا ذكر الناسي ما نسيه، وعلم الجاهل ما جهله – نزع اللباس، وأزال الطيب.
والمستحب أن يزيله عنه [محل]، فإن لم يفعل، وغسله هو، جاز ولا شيء عليه، ولا يلزمه شق القميص والخروج منه، كالفرجية والقباء بل ينزعه من رأسه على الفور، وكذا إزالة الطيب، فإن لم يقدر على ذلك لعجزه، لم تلزمه الفدية.
وإن استدام مع القدرة على الإزالة لزمته [الفدية] ويفارق استدامة ما تطيب به قبل الإحرام على المذهب؛ فإن ابتداءه مندوب إليه، والتطيب هنا ليس بمباح، وإنما سقط حكمه لنسيان فاعله؛ كما نقول فيما إذا أفطر يوم الشك، ثم قامت البينة بأنه من رمضان – لم يجز له استدامة الأكل فيه؛ لأن الفطر مع العلم بأنه من رمضان محرّم، بخلاف ما إذا أفطر بالسفر ثم قدم يجوز له الأكل؛ لأن ابتداء الفطر كان مباحًا مع العلم بأنه من رمضان.
[فروع: أحدها: لو] مسَّ طيبًا على الكعبة ظنه يابسًا، فكان رطبًا، وعلق بيده – فقولان:

أحدهما، تجب؛ كما لو مسه مع العلم برطوبته، وهذا ما جزم به في "الوجيز" ورجحه الإمام وغيره.
والثاني: لا، وهو الذي رجحه طائفة، وذكر صاحب التقريب: أنه القول الجديد.
[الفرع الثاني]: إذا علم تحريم الطيب [وجهل كون الشيء] الذي مسه طيبًا – فجواب الأكثرين: أنه لا فدية؛ لأنه إذا جهل كونه طيبًا، فقد جهل تحريم استعماله.
وحكى الإمام وجهًا آخر: أنها تجب.
[الفرع الثالث]: الصبي إذا تطيب، أو لبس المنعيط، ففي لزوم الكفارة له قولان مأخوذان من حكم عمد الصبي، هل هو كالخطأ أو [كعمد المكلف]؟ والراجح – على ما اقتضاه كلام الإمام الذي سنذكره من بعد -: ترجيح الوجوب.
ثم حيث ثبتت، ففي ماله، أو في مال الولي؟ فيه الخلاف الذي سبق في الكتاب.
وحكم الناسي للإحرام إذا فاخد أو قبل أو لمس بشهوة، حكم الناسي للإحرام إذا تطيب ولبس، وكذا لو فعل ذلك جاهلاً بالتحريم.
قال: وإن قتل الصيد، أو حلق رأسه، أو قلم الظفر ناسيًا – لزمته الكفارة؛ لأن إتلاف مال أو ما [هو] في معناه؛ فاستوى في ضمانه السهو والعمد، كإتلاف مال الآدمي، هذا هو المنصوص.
وقيل: في الحلق والتقليم قول آخر: أنه لا تلزمه [الكفارة]؛ لأنه ترفه وزينة فأشبه التطيب.
وهذا القول مخرج من أحد القولين المنصوصين في "الأم" في المجنون إذا قتل الصيد؛ كما قاله أبو الطيب.

وحكى ابن الصباغ [وغيره قولاً آخر مخرجًا مما ذكرناه عن "الأم" – أيضاً – فيما إذا قتل الصيد ناسيًا: أنه لا يلزمه الكفارة.
وقد قال الإمام قبل جزاء الصيد بورقتين وشيء: إنه وجد ذلك محكيًا عن حرملة عن الشافعي، ولفظه: "إنما يعذر متلف الصيد بما يعذر به المتطيب".
وقد وجهه ابن الصباغ] بأن الصيد على الإباحة، وإنما منع من قتله؛ تعبدًا، فلا يجب إلا على مكلف.
قال: ومن أصحابنا من فرق بينهما، وقال: إنما سقط الضمان عن المجنون؛ لأنه غير مكلف، [والناسي مكلف].
وفي موضع آخر أيد الفرق بأنه لو حلف: "لا يدخل دارًا، فدخلها مجنونًا – لم يحنث قولاً واحدًا، ولو دخلها ناسيًا، فقولان، والصحيح ما ذكره الشيخ أولاً.
والفرق بين ما نحن فيه والطيب واللباس ونحوهما من الاستمتاعات: أن الاستمتاعات تميل الطباع إليها [ولا يتكامل فيها القصد، فذر بالنسيان، والإتلافات على خلاف الطبع] فلا يقدم عليها إلا عن تكامل قصد ووجود رؤية؛ فلذلك كان حكم العمد [والنسيان فيها] سواء.

فإن قيل: هذا الفرق وإن راج في القتل، فلا يروج في الحلق والتقليم؛ لأنهما من جملة الاستمتاعات.
قيل: وجوب الفدية فيهما لما فيهما من الإتلاف؛ إذ حقيقة الإتلاف: أن يفعل ما لو أراد أن يرده إلى حاله لم يمكنه ذلك، وهذان بهذه الصفة.
وحكم الجهل بتحريم ذلك في الإحرام، حكم النسيان.
قال: وإن جامع ناسيا – أي: في القبل أو الدبر – ففيه قولان: أصحهما: أنه لا تلزمه الكفارة، أي: ولا يفسد به نكسه؛ لقوله – عليه السلام -: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
ولأن الإحرام عبادة يجب بإفسادها الكفارة، فاختلف حكم الوطء فيه بالعمد والسهو؛ كالصوم.
وهذا هو الجديد، والصحيح في "الحاوي" وغيره.
وقال في القديم: يفيسد حجه، ويلزمه الكفارة؛ لأنه معنى يتعلق به قضاء الحج؛ فاستوى فيه العمد والنسيان؛ كفوات الوقوف.
ومثار القولين – كما قال القاضي الحسين -: أن الوطء استمتاع [مشوب بالإتلاف]؛ فالجديد: تغليب الاستمتاع؛ كالطيب؛ والقديم: تغليب الإتلاف، وفرق بينه وبين الصوم: بأن محظورأنه تختص بالاستمتاع.
وعلى القولين في الأصل ينبني – كما قال ابن الصباغ – ما إذا أكره على الوطء أي إن تصور كما هو أحد القولين في طريق المراوزة [أيضاً].
ومختار [أبي علي] بن أبي هريرة: القطع بالفساد: ذهابًا إلى أن إكراه الرجل على الوطء ممتنع.
والصحيح خلافه.
والصبي إذا جامع عامدًا، إن [قلنا]: عمده كعمد البالغ، [فالحكم كما تقدم] وإلا خرج على القولين.

قال: إن حلق رأسه مكرهًا أو نائمًا، وجبت الفدية على الحالق – [أي: وحده – في أحد القولين، وعلى المحلوق له في الآخر – أي: مع الحالق – ويرجع بها على الحالق]، أي: إن غرم ولم يصم.
والقولان ينبنيان – كما قال الشيخ أبو حامد؛ تبعًا لأبي إسحاق المروزي – على أن شعر المحرم في يده كالعوديعة او كالعارية؟ وفيه قولان حكاهما البندنيجي وأبو الطيب: وأصحهما: الأول عند ابن الصباغ؛ تبعًا لشيخه القاضي أبي الطيب؛ لأن العارية هي [التي] يمكسها لمنفعة نفسه، وقد يريد المحرم الإزالة دون الإمساك، فإن قلنا به، ضمنه الحالق؛ كما لو أتلف وديعة عند إنسان بغير تفريط من المودع، وهو ما نص عليه في "الإملاء" والقديم؛ كما قال البندنيجي وأبو الطيب، وهو الصحيح في "الرافعي""تعليق" القاضي الحسين]، والمختار في "المرشد"، وبه أجاب في "الوجيز"، وقوي بأنه لو [احترق شعره بالشرار المتطاير]، ولم يقدر على التطفئة – لا فدية عليه؛ ولو كان كالمستعير لوجبت؛ هكذا قاله العراقيون، وستعرف ما فيه.
وإن قلنا: [إنه] كالعارية؛ كانت على المحلوق له، ويرجع بها على الحالق؛ كما لو أتلف العارية في يد المستعير؛ فإن للمالك تضمين المستعير، وإذا غرم رجع على المتلف.
وقد ذكر المزني أن الشافعي – رضي الله عنه – خط على هذا القول، والأصحاب نقلوه عن البويطي وعن "مختصر الحج الأوسط" وقالوا: إنه فيهما غير مخطوط عليه، وهو يجري – كما قال القاضي الحسين – فيما [لو] احترق شعره بتطاير

الشرار، ولم يقدر على التطفئة؛ إذا قلنا: إن العشر في يده عارية، وهذا [ما] أشرت إليه من قبل.
وقال: إن نظير القولين في المسألة الوجهان في وجوب الضمان على المكره على إتلاف المال.
التفريع: إذا قلنا بالقول الأول، فلا فرق فيه بين أن يكون الحالق محرمًا أو حلالاً.
قال الإمام: وهو مما لم يختلف الأئمة فيه، وأقرب مسلك فيه تشبيه شعر المحرم في حق الحلال بصيد الحرم وشجره، وهو ما ذكره البندنيجي أيضاً.
ويجوز للحالق أن يكفر بالصوم والإطعام والذبح، وإذا لم يكفر مع القدرة كان للمحلوق مطالبة الحالق – وإن كان محلا – بإخراج الفدية؛ كحاه البندنيجي وغيره.
وقال الإمام: إني وجدت الطرق متفقة على ذلك، وهو مشكل في المعنى، والتعويل على النقل.
وما ذكره من الإشكال قد أشار إليه ابن الصباغ أيضاً، ونسب الرافعي هذا إلى قول الأكثرين، وقال: إنه مبني على أن للمودع المنعاصمة.
لكن ستقف في كتاب الرهن على [أنه] ليس له ذلك، وحكاية وجه آخر فيه في آخر باب الوديعة.
وإن قلنا بالقول الثاني، فأراد الحالق أن يكفر ابتداء، فليس له الصوم؛ لأنه لا يتحمل، وهو مخير بين الذبح والإطعام؛ قاله القاضي أبو الطيب، وقال: إنا لا نطالب المحلوق بالإخراج ابتداء، بل الحالق.
وقال الإمام: إن في عدم صومه وقفة عندي؛ فإنه لا يمكننا أن نلزم المحرم أن يصوم، والكفارة على التخيير ويبعد أن يتعين الطعام في حق الحلال.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الحالق لو أخرج الفدية ابتداء، لا تقع الموقع، وإن كان القرار عليه، بخلاف ضمان الأموال؛ فإن المكره لو غرمه برئ

المكره على أحد الوجهين؛ لأن الفدية [فيها] معنى القربة؛ إذ هي واجبة بسبب العبادة؛ فلا بد فيها من قصد [و] نية من جهة.
من لاقاه الوجوب.
نعم، لو أخرج ذلك بإذن المحلوق، أجزأه؛ وبهذا يحصل في المسألة وجهان.
وقد جزم في الحاوي القول بجواز التكفير منه بالإطعام والذبح، وحكى وجهين في التكفير بالصوم، وأن أصحهما: الجواز؛ لأن الوجوب مستقر عليه، وكان مخيرًا فيه.
ولو أراد المحلوق أن يكفر، كفر بالمال، ورجع بأقل الأمرين من الشاة أو ثلاثة آصع؛ لأنه أقل الواجب.
وقال في "الحاوي": إن كفر بأقل الأمرين رجع به، وإن كفر بأكثر الأمرين فهل يرجع بأقل الأمرين أم لا يرجع بشيء؟ فيه وجهان، [و] وجه الثاني: أنه غارم عن غيره؛ فلم يكن [له] إسقاط الحق بشيء يقدر على الإسقاط بدونه، وإذا لم يكن له ذلك صار كالمتطوع به.
وهل يجوز أن يكفر بالصوم؟ فيه وجهان: الذي قاله أبو علي بن أبي هريرة: لا، وهو الذي أورده الماوردي، ووجهه بأن التحمل لا يدخل في الصوم.
والذي قاله أبو إسحاق: نعم؛ فعلى هذا إذا صام هل يرجع بشيء على الحالق؟ فيه وجهان: الذي قاله عامة الأصحاب – كما قاله ابن الصباغ وغيره -: لا، وهو الأظهر.
وعلى مقابله: بماذا يرجع؟ فيه وجهان [حكاهما ابن القطان]: أحدهما: بثلاثة أمداد، قال أبو علي الطبري: وهو الأظهر؛ لأن صوم كل يوم مقابل بمد.
والثاني: بأقل الأمرين من الشاة أو ثلاثة آصع.

وهل له أن يرجع حيث أثبتنا له الرجوع قبل أن يغرم؟ فيه وجهان، أظهرهما: لا.
أما إذا حلق [رأس المحرم] بإذنه، كانت الفدية عليه قولاً واحدًا، ولا شيء على الحالق، سواء كان حلالاً أو محرمًا؛ لأن الحلق منسوب إليه، فإن العادة أن الإنسان لا يحلق [شعره] بنفسه، وإنما يحلقه غيره بإذنه؛ ولهذا لو حلف: لا يحلق رأسه، فأمر غيره، فحلقه – حنث.
نعم، يعصي الحالق؛ لإعانته على المعصية.
فإن قيل: لو أمر المحرم شخصًا بقتل صيد، فقتله – لا ضمان على الآمر؛ [فهلا كان] هذا مثله؟ قيل: لأن الشعر في يده، بخلاف الصيد.
نعم، لو كان الصيد في يده، ضمنه؛ وهذا يعكر عليه ما حكاه الماومردي فيما إذا أمر [حلال] حلالاً بحلق [شعر محرم]، كانت الفدية على الآمر دون الحالق.
وقال في "البحر": عندي أن هذا إذا كان المحلوق [نائمًا والحالق لا يعرف الحال.
ولو حلق رأسه وهو ساكت فهو كما لو حلق وهو] نائم، أو حلق بأمره؟ فيه طريقان، المختار منهما في "تعليق" القاضي الحسين [و] في "التهذيب" و"الرافعي" و"المرشد" الثاني.
وجميع ما ذكرناه يجري فيما [إذا قلم] ظفر المحرم غيره؛ صرح به البندنيجي وغيره.
قال: ويجوز للمرأة لبس القميص والسراويل [والخف والخمار]؛ لما روى أبو داود والترمذي عن ابن عمر: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس أو الزعفران من الثياب، وليلبسن بعد ذلك ما

أحببن من ألوان الثباب، معصفرًا أو خزًّا أو حليًّا، أو سراويل أو قميصًا أو ذهبا.
قال: وفي لبس القفازين قولان: أصحهما: أنه لا يجوز لها ذلك؛ للخبر، وبالقياس على الرجل؛ فإنه يحرم عليه لبسهما قولاً [واحدًا] [كما تقدم؛ وهذا ما] نص عليه في "الأم" و"الإملاء" والقديم، ووافق الشيخ في تصحيحه أكثر النقلة، ومنهم البغوي، وصاحب "البحر".
فعلى هذا: لو لبستهما، أو أحدهما، لزمتها الفدية.
ومقابله: أنه يجوز، وهو الأصح في "الوسيط"، والمنصوص في "مختصر الحج الأوسط"، ونقله في "المختصر"، وقال الإمام: لعله الأظهر؛ لقوله – عليه السلام -: "إحرام المرأة في وجهها؛ فلا تغطِّه"، رواه ابن عمر.
وقد روي أن سعد بن أبي وقاص كان يلبس جواريه وبنأنه القفازين وهن محرمات.
ولأنه يجوز لها ستر اليدين بغير المنعيط بلا خلاف؛ كما قال الإمام، ولم يحك

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل