كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 75-114
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنايات

صفحات 75-114
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ويحتمل أن يقال: لمن [عليه] الدية أن يكلفه قبض ما عليه؛ لتبرأ ذمته.
ولم يصر أحد من الأصحاب إلى أنه لو أخذ الدراهم، ثم وجدت الإبل – يرد الدراهم، ويرجع إلى الإبل؛ بخلاف ما إذا غرم قيمة المثل في الغصب والقرض – لإعوازه – ثم وجده؛ فإن في الرجوع إلى المثل خلافاً.
تنبيه: الإعواز [حقيقة: عدم] الوجود [في تلك الناحية، ويقوم مقامه الامتناع من البيع مع وجودها] إلا بأكثر من ثمن المثل.
ولو كانت في غير البلد والقبيلة، فينظر: إن قربت المسافة وسهل تحصيلها، فهي كالموجودة، فإن بعدت بحيث تعظم المشقة الكلفة فهي كالمعدومة.
وبم يضبط القرب والبعد؟ أشار بعضهم إلى رعاية مسافة القصر؛ فجعلها فما فوقها من حد البعد.
وقال الإمام: لو زادت مؤنة إحضارها على قيمتها في موضع العِزَّة لم يلزمه إحضارها، وإلا لزم.
وقال في "التتمة": إن حد القرب والبعد ما ذكرناه في كتاب السلم.
قال: ودية اليهودي والنصراني: ثلث دية المسلم؛ لما روى أبو إسحاق المروزي في "الشرح" بإسناده، عن موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى، عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دَِيةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرانِيِّ ثُلُثُ دِيَّةِ الْمُسْلِمِ".
ولأنه أقل ما قيل، والأصل براءة الذمة مما زاد.
ولا فرق في ذلك بين أن تكون قد عقدت له الذمة، أو دخل معاهدا، ً أو مستأمناً في ساعة من نهار.
والسامرة والصابئة، قال الماوردي: إن أجروا مجرى اليهود والنصارى في إقرارهم بالجزية، وأكل ذبائحهم، ونكاح نسائهم – كانت ديتهم ثلث دية المسلم، وإن لم يقروا بالجزية؛ لمخالفتهم اليهود والنصارى في أصل معتقدهم؛ فديتهم – إذا كان لهم أمان – دية المجوسي.

قال: ودية المجوسي – أي: إذا دخل بأمان-ثلثا عشر دية المسلم، أي: وهي ستة أبعرة وثلثان، أو ثمانمائة درهم، أو ستة وستون ديناراً وثلثان.
ووجهه: ما روى ربيعة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنهم -: "أَنَّهُ جَعَلَ دِيَةَ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمَائَةَ دِرْهَمٍ".
وكذلك روي عن عثمان وابن مسعود – رضي الله عنهما – فكان هذا القول منهم، والقضاء به مع انتشاره في الصحابة – إجماعاً لا يسوغ خلافه.
ولأن مثل هذه التقديرات لا تفعل إلا توقيفاً.
قال الماوردي: ولأن حكم المجوس في إقرارهم وأخذ جزيتهم منقول عن عمر، ومعمول به إجماعاً؛ فكذلك حكمه فيهم بالدية.
واستأنس الشارح لـ "مختصر" الجويني لذلك؛ بأن قال: "اليهود والنصارى لهم كتاب ودين كان حقًّا بالإجماع، وتحل مناكحتهم، وذبائحهم، ويقرون بالجزية، [وليس للمجوس من هذه الأمور الخمسة إلا التقرير بالجزية؛] فكانت ديتهم خمس ديتهم، وهي ثلثا عشر دية المسلم، أو كما قال: الحساب ثلث خمس دية المسلم، أو خمس ثلثها.
والوثني كالمجوسي؛ لأنه كافر لا يحل للمسلم مناكحة أهل دينه، وعلى هذا يدل قول الشيخ من بعد: وهكذا الحكم في عبدة الشمس والقمر والبقر والشجر.
قال: ومن لم تبلغه الدعوة، أي: دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وعبادة الله تعالى وهي بفتح الدال وبلغه دعوة غيره.
قال: فالمنصوص أنه إن كان يهوديٍّا أو نصرانيًّا وجب فيه ثلث الدية، وإن كان مجوسيًّا أو وثنيًّا وجب فيه ثلثا عشر الدية؛ لأنه ثبت له بجهله نوع عصمة؛ فألحق بالمستأمن من أهله دينه.
فعلى هذا: إن لم يعرف دينه فوجهان: أحدهما: دية مسلم، قال البندنيجي: وليس بشيء.

والمذهب: وجوب دية مجوسي؛ لأنه اليقين.
قال: وقيل: إن كان متمسكاً بكتاب لم يبدل وجب فيه دية مسلم؛ لأنه مولود على الفطرة، ولم يظهر منه عناد.
وحكم النسخ لا يثبت قبل بلوغ الخبر، وإن كان متمسكاً بكتاب تبدَّل ففيه ثلث الدية، أي: إذا كان يهوديًّا أو نصرانيًّا.
قال ابن الخل جمعاً بين الحقين: وهذا قول أبي إسحاق، واختاره القفال؛ كما حكاه القاضي الحسين عنه.
وقال القاضي أبو الطيب في كتاب السير: إنه خطأ.
وعلى هذا: يجب في المجوسي ثلثا عشر الدية.
والذي أفهم أن مراد الشيخ: ما ذكرناه من [اليهودي والنصراني]، دون من عداهما ممن ذكره – قوله: "كتاب"؛ لأن الوثني لا كتاب له؛ وكذا المجوسي؛ على رأي، وإن كان قد رفع؛ فصار كأن لا كتاب.
ووراء ما ذكره الشيخ وجهان، ولم يحك الماوردي سواهما: أحدهما: أن الواجب فيه دية مسلم مطلقاً.
والثاني: [أن] الواجب فيه دية مجوسي أبداً؛ لأنها يقين، والأصل براءة الذمة.
وحكى الإمام وجهاً في الذي تمسك بدين مبدل: أنه لا يجب بقتله شيء؛ لأنه ليس على دين حق، ولا عهد له، ولا ذمة، وامتناعنا عن قتله كامتناعنا عن قتل النساء، والذراري، وهذا ما جزم به المتولي.
وامتنع الرافعي من إجراء الوجه الصائر إلى إيجاب تمام الدية فيما إذا كان متمسكاً بكتاب مبدل.
أما من لم تبلغه دعوة نبي أصلاً فقد حكى المعتمدون – كما حكاه الإمام عن القفال- أنه يجب القصاص بقتله؛ لأنه لم يوجد منه عناد وإنكار، وهو على الفطرة الأصلية، وعلى هذا تجب فيه دية مسلم.
والظاهر: أنه لا قصاص؛ لعدم التكافؤ، قال القاضي الحسين: وهذا يوهن كلام الشافعي –رحمه الله – في "المختصر"؛ في كتاب "السير"؛ فإنه قال: ومن كان

مشركاً، يستحيل إثبات القود وكمال الدية بقتله ونقل نصان في أنه تجب الدية الكاملة، أو أخس الديات، [فأقامهما بعض الأصحاب قولين، وقطع آخرون بوجوب أخس الديات]، وحمل النص الآخر على ما إذا كان متمسكاً بدين لم يبدل، ولم يبلغه ما يخالفه.
فرع: إذا قتل من لا يعلم هل بلغته الدعوة أم لا، قال الماوردي في كتاب "السير": ففي ضمان ديته وجهان؛ بناء على الوجهين في أنه هل كان الناس قبل ورود الشرع على أصل الإيمان حتى [كفروا بالرسل، أو كانوا على أصل الكفر حتى] آمنوا بالرسل.
آخر: الزنديق إذا دخل إلينا بأمان، هل يجب بقتله شيء أم لا؟ تردد فيه الشيخ أبو محمد: ففي حالة ألحقه بالمرتد من جهة أنه يظهر الإسلام ويبطن الكفر؛ فيجعل إظهاره الإسلام كإسلام المرتد من قبل، وفي حالة يلحقه بالوثني، قال الرافعي: وهو الأصح؛ لأنه لم يسبق منه التزام الإسلام.
قال: وإن قطع يد نصراني، أي: محقون الدم، فأسلم، ثم مات – وجب عليه دية مسلم؛ لأن القطع مضمون، وحدوث الزيادة يا لمضمون يلزم؛ كزيادة المغصوب.
ولأنه لما اعتبر استقرار الدية فيما زاد من الموضحة إذا صارت نفساً في إيجاب الدية الكاملة، بعد أن وجب نصف عشرها، وفيما إذا نقص بقطع اليدين والرجلين إذا سرت إلى النفس في إيجاب دية واحدة، بعد وجوب ديتين- وجب أن يكون بمثابتهما ما حدث من زيادة الدية بالإسلام.
وإنما لم يجب القصاص؛ لأنه لم يقصد الجناية على المكافئ؛ فكان ذلك شبهة في إسقاطه.
ولأنه لما صح- في هذه الحالة – إسقاط بالكفر عند الجناية، وإيجاب بالإسلام عند السراية – وجب أن يغلب حكم الإسقاط على حكم الإيجاب؛ لأنه يصح فيه إسقاط ما وجب، ولا يصح فيه إيجاب ما سقط، وهكذا الحكم فيما إذا جرح عبداً لغيره، فعتق، ثم مات – يجب فيه دية حر، دون القصاص.
فرع: لو قطع أصبع ذمي، ثم أسلم، ثم سرى القطع إلى الكف واندمل –

فعلى القاطع أرش الأصبع، وهي عشر دية الذمي، وأرش الكف يجب معتبراً بدية المسلم، وهو أربعة أخماس دية [يد] المسلم.
وكذا في العبد لو قطع أصبعه، ثم أعتقه السيد، ثم سرى إلى الكف – يجب على القاطع عشر قيمته للسيد، وأرش الكف للعتيق؛ قاله القاضي الحسين.
قال: وإن قطع يد حربي، ثم أسلم ومات –فلا شيء عليه؛ لأنه سراية قطع غير مضمون؛ فأشبه ما لو مات من قطع السرقة أو القصاص، وهذا ما جزم به البندنيجي، والقاضي أبو الطيب، والماوردي، والشيخ أبو علي، والفوراني، والقاضي الحسين، وطرده فيما إذا جرح قاتل أبيه، ثم عفا، فسرى إلى النفس، [وفيما إذا جرح عبد نفسه]، ثم أعتقه، فسرى الجرح إلى النفس،] وهو في هذه الحالة محكي عن النص؛ لأن الجرح غير مضمون؛ فسرايته كذلك.
وخرج في مسألة العبد قول: أنه تجب الدية من نصه في "عيون المسائل" فيما إذا ضرب بطن جارية مشتركة بينه وبين غيره، وهي حامل بولد رقيق لهما، ثم أعتق نصيبه، وسرى العتق إلى الباقي، ثم أجهضت جنيناً ميتاً – أنه جب للجنين غرة كاملة.
[كما] خرج من مسألتنا إلى مسألة الجنين قول: أنه لا يجب إلا نصف غرة؛ نظراً إلى حالة الجناية، دون حالة الاستقرار.
وحكى الشيخ أبو علي عن بعضهم تقرير النصين.
والفرق: أن الجراحة صادفت مملوكه حقيقة، [ثم طرأ العتق]، وفي الضرب إنما يتحقق إصابة الجناية على الولد عند الانفصال؛ [فجعلت حالة الانفصال كحالة إصابة السهم، وما قبلها كالرمي، والولد عند الانفصال] حر.
قال: وإن قطع يد مرتد؛ فأسلم، ومات – لم يلزمه شيء؛ لما ذكرناه.
قال الإمام قبل كتاب الجزية بورقة: وعلى هذا إذا قال مالك العبد لإنسان: اقتل هذا العبد، فقطع يده – لم يضمن [يده]؛قياساً على قطع يد المرتد.
وقيل: يلزمه، أي: تمام الدية، كما حكاه البندنيجي، عن تخريج الربيع

في كتاب المرتد، وكذا المصنف هنا؛ لأنه مسلم في حال سراية الجناية، القاطع متعدٍّ؛ لأنه ليس له قتل المرتد، فضلاً عن قطع يده الذي لايجوز للإمام فعله، وبهذا خالفت المسألة مسألة الحربي؛ لأن الإقدام على قتله مباح لكل أحد.
قال: وليس بشيء؛ لما ذكرناه من العلة.
وقد حكى الغزالي والمصنف والمحاملي هذا الوجه في الحربي أيضاً، ونسبه الرافعي فيهما إلى أبي إسحاق، وحكاه القاضي ابن كج عن أبي محمد الفارسي.
وعلى هذا: فالذي رأى الإمام القطع به في مسألة الحربي والمعتق: أن الدية تكون مخففة مضروبة على العاقلة، [وأن] تكون الجناية ملحقة بالخطأ المحض؛ كاعتراض الذمي في مرور السهم إلى الصيد.
وحكى الرافعي عنه في الديات أنه ألحق المرتد في هذا المعنى بالحربي.
وفي "الحاوي" في كتاب المرتد: أنه إذا جرح، ثم أسلم، ثم مات – قال الربيع: فيه قول أنه يجب علىلجارح نصف ديته؛ [لأنه مرتد في حال الجناية، ومسلم في حال السراية فقط]، ووجب نصفها.
ثم قال: وهذا من تخريج الربيع، وليس بمحكي عن الشافعي – رضي الله عنه – ولا تقتضيه أصول مذهبه.
ولو جرح حربي مسلماً، ثم أسلم الجارح، ومات المجروح – فلا شيء عليه؛ كذا جزم به في "التهذيب".
وحكى الرافعي عن بعضهم أنه يلزمه الضامن؛ لأن المجني عليه مضمون في الحالين.
قال: وإن أرسل سهماً على ذميّ، فأسلم، ثم وقع به السهم؛ فقتله – لزمه دية مسلم؛ لما ذكرناه فيما إذا أرسله على حربي، فأسلم، ثم وقع به؛ فمات.
قال: ودية المرأة على النصف من دية الرجل؛ لما روي عن عمرو بن حزم – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: "دِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ" ويروي ذلك عن عمر وعثمان وعليّ، والعبادلة: ابن مسعود، وابن عباس،

وابن عمر – رضي الله عنهم – ولم يخالفهم أحد، مع اشتهاره؛ فصار إجماعاً.
ويجب في الخنثى المشكل دية المرأة؛ لأن الزيادة مشكوك فيها، ذكره في "البيان" وغيره.
وكما أن دية المرأة على النصف، فدية أطرافها وجراحاتها على النصف من دية أطراف الرجل وجراحاته، على الجديد.
وفي القديم قول: أن المرأة تغادل الرجل إلى تمام ثلث الدية؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره، [أي: تساويه] في العقل؛ فإذا زاد الواجب على الثلث صارت على النصف.
وتمسك فيه بما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْمَرْأَةُ تُعَاقِلُ الرَّجُلَ إِلَى ثُلُثِ دِيَتِهَا"، وقد قيل: إن هذا مرجوع عنه.
وبعضهم قال: إن الشافعي – رضي الله عنه- حكاه عن غيره، ولم يثبته قولاً له أصلاً، قاله الماوردي.
قال: ودية الجنين، أي: الحر المسلم، إذا انفصل ميتاً بالجناية: غرةٌ: عبدٌ أو أمةٌ؛ لما روى أبو داود "أَنّ عُمَرَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي إِمْلاَصِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ – صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – قَضَى فِيهَا "بِغُرَّةٍ عَبْدٍ، أَوْ وَلِيدَةٍ؛ فَقَالَ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، فَأَتَاهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ

مَسْلَمَةَ؛ فَشَهِدَ لَهُ" وأخرجه مسلم.
قال أبو داود: بلغني عن أبي عبيد: إنما سمي إملاصاً؛ لأن المرأة تزلقه قبل الولادة، وكذلك كل ما زلق من اليد وغيره فقد ملص.
وقد قيل: إن عمر – رضي الله عنه – لما جاءه خلاف ما يعلم في الديات أراد التثبت، لا أنه يرد خبر الواحد.
وقيل: كان [مراده: أنهم] إذا رأوه يفعل ذلك مع الصحابة بالغ غيرهم في التثبت فيما يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي الحسين: والحكمة في إيجاب الغرة في الجنين أنه شخص يرجى له حال الحياة، وكمال الحال بالحياة، والجاني فوته [عليه] بجنايته، وقطع عليه طريق الكمال بالحياة، فجاءت الشريعة فأوجبت عليه شخصاً كامل الحال بالحياة في مقابلة ما فوت بجنايته.
ولا فرق في ذلك بأن يكون الجنين ذكراً أو أنثى؛ لإطلاق الخبر.
قال القاضي أبو الطيب: والحكمة في ذلك: أن ديتهما لو اختلفت لكثر التشاجر والتخاصم في كونه ذكراً أو أنثى؛ فحسم الشرع مادة ذلك بالتسوية؛ كما فعل في إيجاب الصاع في المصراة في قليل اللبن وكثيره؛ حسماً للمنازعة والمخاصمة.
قال: قيمته نصف عشر دية الأب أو عشر دية الأم، [أي:] وذلك خمس من الإبل، ووجهه: ما روي أَنَّ "عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – أَقَامَ الغُرَّةَ خَمْسِينَ دِينَاراً"، ومعنى "أقام":قوم.
وروي ذلك عن زيد بن ثابت، وعليّ – رضي الله عنهما – كما حكاه الماوردي، ولامخالف لهم من الصحابة.
ومن المعنى: أنها دية؛ فوجب أن تكون مقدرة كسائر الديات.

وأيضاً: فإنه جعل مقدراً، وأقل أرش ورد به الشرع مقدراً دية الموضحة والسن؛ فألحقت هذه الجناية بهما، ولا ترد الأنملة؛ فإن التقدير فيها بالاجتهاد، والذي [ورد] من الشرع فيها تقدير الأصبع.
ثم القيمة تختلف باختلاف الخطأ وعمد الخطأ؛ فإن كانت الجناية خطأ فالغرة مخمسة في حق العاقلة، وإن كانت عمد خطأ فتكون مثلثة: حقة ونصف، وجذعة ونصف، وخلفتان، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب، والبندنيجي أيضاً، وقال: إنه مفرع على الجديد.
أما إذا قلنا: قيمة الإبل – عند الإعواز- مقدرة؛ فيعتبر هنا أن تكون قيمة الغرة خمسين ديناراً، أو ستمائة درهم، يعني في الخطأ، وتزاد للتغليظ قدر الثلث؛ عملاً بما ذكرناه من قبل، وهذا ما صرح به الماوردي عن جمهور البغداديين، ونسب الأول إلى قول البصريين، وقال: إنا عليه نقوِّم الإبل الخمس، فما انتهت [إليه] قيمتها، اعتبرنا أن تكون قيمة الغرة ذلك القدر؛ لأن الإبل ليست من جنس القيمة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين، في أوائل باب الديات: أنا إن قلنا: إن الواجب عند إعواز الغرة –قيمتها؛ فلا تغلظ، وإن قلنا [عند] إعوازها: تنتقل إلى خمس من الإبل، فهل تغلظ، أم لا؟ فالمذهب: أنها لا تغلظ.
وحكى عن الشيخ أبي طاهر الزيادي أنه قال: تغلظ؛ كما في الأطراف.
وهذا يفهم أحد أمرين: أحدهما: أن ذلك راجع إلى الغرة نفسها مع وجودها.
والثاني: أن ذلك مفروض عند عدمها وإيجاب غيرها، وهو الذي فهمه الرافعي، وقال: إن الأئمة [لم] يتكلموا في التغليظ عند وجود الغرة، إلا أن الزيادي قال:

ينبغي أن يقال: تجب غرة قيمتها نصف عشر الدية المغلظة، وإن هذا حسن.
وفي المسألة وجه آخر حكاه المراوزة: أن الغرة إذا كانت سلمية بالسن الذي سنذكره، لا تعتبر قيمتها بشيء، وادعى الإمام أنه الذي دل عليه كلام معظم نقلة المذهب.
ولا خلاف [في] أنه لا يعتبر في الغرة نوع، سواء كان غالباً في البلد أو لا، وسواء كان في يد من وجبت عليه أم لا؛ لإطلاق الخبر، صرح به الإمام.
أما إذا ماتت الأم، ولم ينفصل جنين بعد الجناية [عليها]، وكان يظن حملها؛ لانتفاخ بطنها، أو حركة فيه – لم يجب بسببه شيء؛ لأنا لا نتيقن وجود جنين.
نعم، لو انكشف الحال عن جنين في بطنها ميتاً، ولم ينفصل؛ بأن قُدَّت بنصفين؛ فظهر في بطنها ولم يخرج، أو خرج رأسه، ثم ماتت، ولم يتم خروجه – فهل تجب فيه الغرة، أم لا؟ فيه وجهان: أصحهما- وبه جزم القاضي أبو الطيب -: نعم.
والثاني: لا، ما لم ينفصل بكماله، وهذا ما يحكي عن القفال؛ لأنه قبل الانفصال كالعضو من أمه، واستشهد له بأن انقضاء العدة ووقوع الطلاق المعلق بالولادة وسائر الأحكام لا تتعلق بخروج بعض الولد، بل بالانفصال التام؛ فكذلك هاهنا.
قلت: سأذكر عن رواية الإمام عن القفال ما يقتضي خلاف ذلك.

ولا خلاف عندنا أنه لو انفصل بعد موتها بالجناية عليها، وهي حية: أن الغرة تجب، ولو ضرب بطن ميتة؛ فانفصل منها جنين ميت – لم تجب الغرة؛ لأن الظاهر أن هلاكه بهلاك الأم، قاله في "التهذيب"،وادعى الماوردي الإجماع فيه.
وعن "جمع الجوامع" للروياني: أن القاضي الطبري قال: يجب ضمان الجنين؛ لأن الجنين [قد] يبقى حيًّا في بطن أمه، والأصل بقاء حياته.
قال: تدفع إلى ورثته أي: لو انفصل حيًّا، ثم مات؛ لأنها دية نفس.
واحترز الشيخ بذلك عن مذهب من قال: إنها تصرف للأم، هو الليث بن سعد؛ لأنه بمنزلة أعضائها؛ بدليل انه تابع لها في الرق والحرية.
وعن مذهب من قال: إنها للعصبة خاصة، وهو علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه! وعن مذهب من قال: إنها للأبوين خاصة، وهو ربيعة؛ لخلقه من مائها.
ورثته الأم إن كانت حرة حية عند انفصاله، والعصبة، وقدرنا حياة الجنين؛ تغليظاً على الجاني، ولم نقدرها عند إنفاق مال الجنين؛ لأن الأصل عدمهما.
واعلم أنه لا يجب للأم شيء بسبب ما حصل لها من ألم الجناية والضرب، إذا لم يبن له أثر في بدنها كاللطمة والرفسة، فأما إجهاضها عند إلقائه ففيه قولان حكاهما القاضي أبو حامد في "جامعه": أحدهما: لا شيء لها فيه أيضاً.
والثاني: لها فيه حكومة؛ لأنه كالجرح في الفرج عند خروج الجنين منه؛ فلو اقترن بذلك أثر الضرب في بدنها، ضمن حكومة للضرب، وحكومة للإجهاض.
تنبيه: سمي الجنين جنيناً؛ لاستتاره، ومنه: الجن، وجن عليه [الليل]، والمجن: بكسر الميم، وهو الترس.

والغرة، قال أهل اللغة والغريب، والفقهاء: هي النسمة من الرقيق، ذكراً كان أو أنثى، وسميا بذلك؛ لأنهما غرة ما يملكه الإنسان، أي: أفضله وأشهره، وغرة كل شيء خياره.
وفي "حواشي" الشيخ زكي الدين –رحمه الله- أن أبا عمرو بن العلاء كان يقول: الغرة: عبد أبيض، أو أمة بيضاء، وإنما سميت غرة؛ لبياضها.
وقيل: إطلاقه صلى الله عليه وسلم الغرة على العبد والأمة، على طريق التوسع والمجاز؛ فإن الغرة اسم الوجه؛ لأن الوجه أشرف الأعضاء؛ فسمي الخيار من المماليك: غرة؛ لأنه في المماليك كالوجه في الأعضاء.
وقوله – عليه السلام -: "غرة: عبد، أو أمة" حمله غير واحد من العلماء على التفسير، لا على الشك.
قال الشيخ زكي الدين – رحمه الله -: والرواية فيه بالتنوين، وما بعده بدل منه، ورواه بعضهم بالإضافة، والأول أوجه؛ لأنه بين الغرة ما هي.
انتهى.
وهذا الترديد يأتي في قول الشيخ أيضاً.
قال الشيخ زكي الدين – رحمه الله -: والرواية فيه بالتنوين، وما بعده بدل منه، ورواه بعضهم بالإضافة، والأول أوجه؛ لأنه بين الغرة ما هي.
انتهى.
وهذا الترديد يأتي في قول الشيخ أيضاً.
فرع: إذا ضرب بطن امرأة، فأجهضت جنينين أو ثلاثة – وجب لكل منهم غرة.
ولو اشترك اثنان في ضربها؛ فألقت جنيناً، وجب على عاقلتهما غرة واحدة.
قال: وإن كان أحد أبويه مسلماً، [والآخر كافراً، أو أحدهما مجوسيًّا والآخر كتابيا – اعتبر أكثرهما بدلاً.
أما في الأولى؛ فلأنه محكوم بإسلامه؛ فكان كما لو كان أبواه مسلمين.
وأما في الثانية؛ فلأنه إذا اتفق في بدل النفس ما يوجب الإسقاط والإيجاب [غلب الإيجاب]؛ كما قلنا في السمع – المتولد بين الضبع والذئب – إذا قتله المحرم، وهذا ما نص عليه في "المختصر".
وعلى هذا: إن كان الأب كتابيًّا، والأم مجوسية – وجبت غرة قيمتها قيمة بعير وثلثين، أو مائتا درهم، أو ستة عشر ديناراً وثلثان – على الخلاف الذي سبق؛ لأن عشر دية الأم ثلث بعير، أو ثلاثة دنانير وثلث، أو أربعون درهماً؛ فكان ما

ذكرناه أكثر بدلاً.
ولو كانت الأم كتابية، والأب مجوسيًّا – وجبت غرة قيمتها قيمة بعير وثلث، أو ما ذكرناه؛ لأن ذلك عشر دية الأم، ونصف عشر دية الأب في هذه الحالة ثلثا بعير، أو ستة دنانير وثلثان، أو ثمانون درهما.
ولأجل هاتين المسألتين قال الشيخ في الفصل قبله: "قيمة نصف عشر دية الأب، أو عشر دية الأم".
وحكى الإمام أن من يوثق به نقل عن القاضي الحسين: أن الجنين إذا كان كافراً، وجب فيه جزء من الغرة، نسبته من الغرة نسبة دية أهل الجنين من الدية الكاملة، فإن كان الجنين نصرانياً فدية النصراني ثلث دية المسلم؛ ففي الجنين النصراني ثلث الغرة، وفي الجنين المجوسي خمس ثلث الغرة؛ فإن الديات هكذا [تجري] نسبتها، وهو هكذا في "تعليقه".
ثم قال الإمام: وهذه الطريقة منقاسة؛ فإن الغرة من الجنين بمثابة الدية من الشخص التام، ولكني لم أر هذا لأحد من الأصحاب.
وجه الخلل فيه: أنه هجوم على القياس في أول المرتبة من غير ثبت من طريق التعبد، والأصل في الباب التعبد.
ثم حكى عن العراقيين ما ذكرناه، وقال: إن هذا يقتضي أن ما حكاه عن القاضي مغاير له، وقد صرح به من بعد؛ حيث حكى ذلك وجهين؛ ولأجل ذلك حكى الغزالي وجهاً: أنه يجب في الجنين الكافر ثلث الغرة، يعني إذا كان يهودياً أو نصرانياً.
وادعى الرافعي أن هذا لم يذكره أحد، وإنما هو محمول على إيجاب غرة قيمتها ثلث الغرة الكاملة، وهذا كلام من لم يقف على كلام الإمام، والله أعلم.
وعن بعض الأصحاب أنه يؤخذ هذا القدر من الدية، ويدفع إلى المستحق، من غير أن يصرف إلى الغرة، وحكاه في "البيان" عن المسعودي.
قال الرافعي: وإيراد آخرين يشعر بأنه يدفع إليه هذا القدر، [أو غرة بقيمة هذا القدر].

والأصح: تعين الثاني، إلا ألا توجد غرة بهذه القيمة؛ فيكون الحكم كما سنذكره.
وقيل في المسألة قول مخرج: أن الاعتبار بالأب، وهو ما حكاه الإمام عن رواية صاحب "التقريب".
وحكى القاضي الحسين وغيره عن أبي الطيب بن سلمة: أن الاعتبار بأخف الأبوين ضماناً؛ لأن الأصل براءة الذمة عن الزيادة، وهذا ما اختاره الماوردي من عند نفسه.
والقول والوجه مأخوذان من الخلاف في أن المسلم هل ينكح المتولدة من أبوين كتابي ومجوسية، وهذا كله تفريع على الصحيح في أن الغرة يعتبر فيها القيمة، أما إذا قلنا: لا تعتبر – كما حكاه الإمام عن المراوزة – فهاهنا ثلاثة أوجه: أحدها: أن الواجب غرة كاملة، ولا يبالي بالتسوية بينه وبين الجنين المسلم؛ لأنه لا سبيل إلى الإهدار، ولا إلى تجزئة الغرة.
قال الرافعي: وقد يحتج له بظاهر ما يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أَنَّهُ قَضَى فِي الْجَنِينِ بِالغُرَّةِ".
والثاني: أنه لا يجب في جنين الكافر- كيف قدر – عبد ولا جزء من عبد؛ لأنه لا يمكن التسوية بينه وبين الجنين المسلم؛ كما لا يسوَّى بين المسلم والكافر في الدية، والتجزئة ممتنعة، وهذا ما قطع به الشيخ أبو محمد والصيدلاني، وصاحب "التقريب"، وبعض المصنفين؛ كما حكاه الإمام، وقال في موضع آخر: إن هذه الطريقة [هي] التي تعرفها المراوزة.
والثالث: الوجه الذي حكيناه عن القاضي من قبل.
فرع: إذا جنى على مرتدة حبلى؛ فأجهضت – نظر: إن ارتدت بعد الحبل وجبت غرة كاملة؛ لأن الجنين محكوم [له بالإسلام]، وإن حبلت بعد الارتداد من مرتد، فيبني على أن المتولد من مرتدين مسلم أم كافر؟ إن قلنا: مسلم، وجبت [فيه غرة] كاملة، وإن قلنا: كافر،

فهو كجنين الحربيين لا يجب فيه شيء على الجاني؛ كذا حكى عن الشيخ أبي عليّ وغيره، وكلام القاضي الحسين منطبق عليه.
وفي "التهذيب": أن من لم يجعل المتولد بين المرتدين مسلماً يوجب فيه ما يجب في جنين المجوسيين؛ فإن من يذهب إليه يثبت له حرمة؛ لبقاء علقة الإسلام.
[فرع آخر]: إذا جنى على ذمية حبلى تحت ذمي، فأسلمت، أو أسلم الذمي، ثم أجهضت – وجبت غرة كاملة؛ لأن الاعتبار في قدر الضمان بالمال.
قال: وإن ألقته حيًّا، ثم مات، أي: عقيبه، أو بقي متألماً إلى أن مات – وجبت فيه دية كاملة، أي: سواء كان [لستة أشهر فما دونها] أو فما فقها، أو كانت حياته بعد الانفصال كحياة من انتهى إلى حركة المذبوحين أولا؛ لتحقق الجناية على حي.
وعلى المزني: أنها إذا وضعته قبل ستة أشهر- أنها لا تجب؛ لأن الجناية – والصورة هذه – منع من الحياة، لا قطع لها.
وفي "التتمة" حكاية مثله عند انتهائه إلى حركة المذبوحين.
فرع: لو انفصل بعض الولد، وصرخ واستهل، وقتله قاتل، والبعض منه في البطن – فالواجب: الغرة على الصحيح عند الإمام، وهو اختيار القفال كما حكاه القاضي الحسين، وبه جزم الماوردي؛ فلا يجب القصاص به، ولو أعتقه عن الكفارة لم يجزئه، وإن باع الأم أو وهبها دخل في البيع.
وعلى الجملة: فهو في جميع القضايا والأحكام بمنزلة الجنين الذي لم ينفصل منه شيء.
وقال بعض أصحابنا: إذا قتله قاتل استوجب القصاص، وإذا آل الأمر إلى المال وجبت الدية بكاملها، ويصير مستقلاً بنفسه في الإعتاق وكل ما كنا [لا] نثبته لعدم الاستيقان في الوجود.
قال الإمام في كتاب العدد: وهذا وإن كان منقاساً، وقد عزي إلى القفال – فهو ضعيف في الحكاية؛ فما أراه ملتحقاً بالمذهب، وهذا ما حكاه القاضي أبو

الطيب في وجوب الدية خاصة.
قال: فإن اختلفا في حياته، أي: حال الوضع، فالقول قول الجاني؛ لأن الأصل يشهد له، فلو أقام الوارث بينة على حياته أو على استهلاله، عمل بها.
ويكفيه [في إثبات الاستهلال] شهادة النسوة؛ لأن الاستهلال حينئذ لايطلع عليه - غالباً - إلا النساء؛ كالولادة.
وعن حكاية الربيع: أنه لا يقبل إلا من رجلين، أو رجل وامرأتين.
وحكى القاضي أبو الطيب بعد حكاية ذلك عنه أن القاضي أبا حامد غلطه؛ لأن هذه الشهادة هي مستندة إلى سببها، وهي الولادة، وشهادة النساء مسموعة فيها على الانفراد.
وفي "أدب القاضي" لابن أبي الدم: أن صاحب "التهذيب" قال: وقيل: لا يثبت إلا برجلين.
والذي رأيته فيه: أن الربيع قال: و [قيل] فيه قول آخر: أنه لا يقبل إلا من رجلين عدلين، وقد حكينا عن غيره أنه حكى عن الربيع ما ذكرناه، ولعل صاحب "التهذيب" اقتصر على بعض كلامه.
فلو أقام كل منهما بينة قدمت بينة الوارث؛ لاشتمالها على زيادة علم.
ولو اتفقا على أنه انفصل حيًّا، لكن ادعى الجاني أن سببه غير جنايته، وادعى الوارث أن انفصاله بسبب الجناية -[فإن كان الانفصال عقيب الجناية] فالمصدق الوارث باليمين، وإن انفصل بعد مدة من وقت الجناية فالمصدق الجاني باليمين؛ لأن الظاهر معه، إلا أن يقيم الوارث بينة أنها لم تزل متألمة حتى أجهضت، ولا تقبل هذه الشهادة إلا من رجلين.
وضبط المتولي المدة المتخللة بما يزول فيها ألم الجناية وأثرها غالباً.
وهكذا الحكم فيما لو اتفقا على أن الجنين سقط حيًّا بجنايته، وادعى الجاني أنه مات بسبب آخر، وقال الوارث: بل بالجناية، فإن لم يمتد الزمان فالمصدق الوارث، وإلا فالجاني، إلا أن يقيم الوارث بينة على أنه لم يزل متألماً حتى الموت.

فرع: إذا أقر الجاني بانفصال الجنين حيًّا، وأنه مات من جنايته – فإن صدقته العاقلة تحملوا الدية، وإن كذبه في حياته وحلفوا، وجب عليهم قدر الغرة من جنايته، والباقي على الجاني قاله البندنيجي، والقاضي الحسين وغيرهما.
قال: وإن ألقته مضغة، وشهد القوابل أنه خلق آدمي، أي: شهدن أنه لو بقي لتخطط – ففيه قولان: أحدهما: تجب فيه الغرة.
الثاني: لا تجب، وقد بينا ذلك في كتاب العدد.
فروع: لو ضربها؛ فألقت يداً، أو رجلاً، أو عضواً [آخر] – فعليه الغرة؛ لأن ذلك يدل على وجود الجنين، وهذا مجزوم به في الطرق.
وقد ذكرنا من قبل فيما إذا تحقق وجود الجنين، ولم ينفصل – وجهين في وجوب الغرة، وعللنا وجه المنع بأن الأحكام المتعلقة بالولادة لا تتعلق بخروج بعض الولد، بل بالانفصال التام، وهذا يقتضي أن يجري الوجه المذكور هاهنا، إلا أن يقال: انفصال البعض يقام مقام انفصال الجميع مع تحقق وجوده.
ولو ألقت يدين، أو ثلاثة، أو أربعة – لم تجب إلا غرة [واحدة]؛ لأن الشخص الواحد قد يكون له ذلك.
ولو ألقت راسين، فكذلك؛ لأن الشخص الواحد قد يكون له رأسان، يحكي أنه كان لواحد رأسان؛ فكان إذا ضحك بأحدهما أو بكى ضحك الآخر أو بكى.
ولو ألقت جسدين، قال في "الحاوي": فالحكم كذلك؛ لجواز أن يكون عليهما رأس واحد.
وقال القاضي الحسين: يجب غرتان؛ لأن الشخص الواحد لا يكون له بدنان منفصلان.
ومن هذا يؤخذ أن كلام الماوردي محمول على الجسدين المتصلين.
ولو ألقت يداً، ثم ألقت الباقي، ومات – فعليه دية النفس، وتدخل دية اليد فيها.

ولو ألقت الباقي وعاش فعليه نصف الدية؛ كذا قاله [القاضي] الحسين.
وقال الماوردي: إن دلت شواهد حال اليد على انفصالها بعد استقرار الحياة، ففيه نصف الدية.
وإن دلت على انفصالها قبل استقرار الحياة، ففيه نصف الغرة.
وكذا حكاه القاضي أبو الطيب، وقال: لو اشتبه الحال على القوابل كان الواجب نصف الغرة.
قال: ولا يقبل في الغرة ما له دون سبع سنين؛ لأن الغرة هي الخيار، ومن له دون سبع سنين ليس من الخيار؛ لأنه يحتاج إلى من يكفله، ويخالف الكفارة؛ حيث يجزئ مثل هذا فيها.
قال القاضي الحسين: لأن المقصود من الإعتاق فيها تكميل شخص بالحرية، وتسليطه على القيام بكفايته عاجلاً أو آجلاً، والصغير وإن كان لا يقوم بكفايته في الحال فيقوم بها في المآل، والمقصود من الغرة جبر الخلل الواقع للأبوين بإتلاف ولدهما عليهما، ولا ينجبر الخلل بمن هو أقل من سبع سنين؛ لأنه يكون كلاًّ عليهما.
قال: ولا كبير ضعيف، أي: عن العمل؛ لما ذكرناه.
وظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه يقبل منه من له سبع سنين وأكثر، [ولكن لا] إلى أن ينتهي إلى حد الهرم المؤثر في حل القوى وتضعيف المُنَّة، وهو ما صرح به الإمام وابن الصباغ [عن قول الشيخ أبي حامد، وقال ابن الصباغ:] إنه قال: وليس للشافعي - رضي الله عنه- نص في ذلك، وقد وافقه على ذلك جماهير الأصحاب؛ كما [حكاه] الإمام والقاضي الحسين والقاضي أبو الطيب البندنيجي؛ تمسكاً بقول الشافعي - رضي الله عنه -في "الأم": وليس له أن يؤديها هرمة؛ فدل على أنها ما لم تكن هرمة تجزئ، وهو الذي صححه في "التهذيب" والقاضي الحسين، وادعى الماوردي أنه لا يقبل منه من سنة زائداً على عشرين سنة؛ لأن الغرة معتبرة بشرطين: أحدهما: أكمل مايكون نفعاً.
[والثاني: أزيد ما يكون ثمناً.

وهي قبل العشرين أزيد ثمناً وأقل نفعاً]، وبعد العشرين أكمل نفعاً وأقل ثمناً؛ فاقتضى أن يكون العشرون حدًّا لغاية؛ لأنها أقرب سن إلى [الجمع] بين زيادة الثمن وكمال المنفعة.
ولا فرق في ذلك بين الغلام والجارية، وهذا ما حكاه صاحب "البيان" والإمام والقاضي الحسين عن بعض الأصحاب.
قال: وقيل: لا تقبل الجارية بعد عشرين سنة، ولا الغلام بعد خمسة عشر سنة؛ لأن ثمن الجارية إلى عشرين يزيد، وثمن الغلام بعد البلوغ ينقص؛ بسبب امتناعه عن خدمة النساء.
وهذا ما نسبه القاضي أبو الطيب إلى ابن أبي هريرة، ورجحه أبو الفرج الزاز والقاضي الروياني وجماعة؛ كما قال الرافعي.
وإيراد المصنف في "المهذب" وصاحب "الوجيز" يقتضيه، وقال الماوردي: إنه فاسد؛ لوجهين: أحدهما: [أنه] لما لم يختلفا في أول السن وجب ألا يختلفا في آخره.
والثاني: أن نقصان ثمنه مقابل لزيادة نفعه؛ فتعارضا، وتساويا فيها الغلام والجارية.
قال: ولا يقبل خصي؛ لأن الغرة - كما ذكرنا - الخيار، وليس الخصي من الخيار، ولأنه ناقص عضو من أصل الخلقة؛ فلم يجزئ في الغرة، أصله: إذا كان مقطوع الأنف.
ولا نظر إلى زيادة قيمته؛ بسبب الخِصاء؛ كما لا أثر لذلك في امتناع الرد بالعيب.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون مقطوع الذكر والأنثيين، أو أحدهما.
وفي معنى الخصي: الخنثى.
قال ولا معيب، [أي] وإن كان العيب يسيراً لا يضر بالعمل؛ لأن

المعيب ليس بخيار، ولأن هذه دية؛ فوجب ألا تكون معيبة، أصله دية الكبير.
ويخالف هذا المعتق في الكفارة؛ حيث يجزئ فيه المعيب بعيب لا يضر بالعمل؛ لأن صاحب الشرع هنا أوجب الغرة، والغرة: الخيار، وهناك أوجب رقبة، والمعيبة تسمى: رقبة.
وأيضاً: فإن حقوق الله – تعالى – مبنية على المسامحة، بخلاف حقوق العباد.
ولأن الغرة وجبت على سبيل العوض؛ إذ هي بدل من المتلف، وضمان المتلفات نازع إلى الأعواض على اشتراط السلامة.
وقد عد الرافعي من أنواع العيب: انتهاء الصبي إلى سن التمييز، ولا تمييز له.
وليس عدم الصنعة في الغلام، أو الجارية مانعاً من قبولها.
ولو رضي مستحق الغرة بقبولها معيبة جاز؛ إذ الحق له.
ولو تراضيا على أخذ العوض عن الغرة مع وجودها، فهو كالاعتياض عن إبل الدية.
قال: فإن عدمت الغرة- أي: أو لم توجد بما ذكرناه من القيمة – [وجب خمس] [من] الإبل، أي: في الحر المسلم – في أصح القولين – وقيمة الغرة في [القول] الآخر.
هذه المسألة بناها الماوردي على الخلاف السابق في أن الغرة عند الوجود بماذا تقوم، وحكينا أن الجديد: تقويمها [بقيمة خمس من الإبل، والقديم: تقويمها] بخمسين ديناراً، أو ستمائة درهم، فالأول مبني على الأول، وبه قال البصريون، والثاني [مبني] على الثاني، وبه قال البغداديون، وعلى ذلك ينطبق ما حكاه الفوراني عن بعض مشايخنا – وعليه جرى الغزالي – أن وجوب الخمس من الإبل هو الجديد، ووجوب القيمة هو القديم.
لكن الفوراني والبغوي حكيا بعد تصدير كلامهما بالقول الأول: أن الثاني مخرج من تقويم الإبل في الدية إذا فقدت، وذلك يقتضي أن يكون من

الجديد أيضاً.
وعن الشيخ أبي حامد: أن القول الأول هو القديم، والثاني هوا لجديد.
قال ابن يونس: وأكثر الأصحاب على ذلك.
فإن صح ذلك؛ فيكون هذا مما الفتوى فيه على القديم.
وقد وجه الأول – وهو الذي جزم به في "المهذب" و"الشامل"، وقطع به بعض الأصحاب، وحكاه الفوراني والمتولي عن النص – بأنها عند الوجود مقدرة بالخمس؛ فإذا فقدت أخذنا ما هي مقدرة به، ويروي ذلك عن زيد بن ثابت، وإليه أشار في "الوسيط" بقوله: ولا يمكن أن يعرف هذا إلا بتوقيف، ولعله ورد.
ووجه الثاني: [بأنه القياس]؛ كما لو غصب عبداً فأبق أو تلف.
التفريع: إن قلنا بالأول؛ فإن كان الفعل خطأ وجبت مخمسة، وإن كان عمداً، وجبت مثلثة، حكاه البندنيجي، والماوردي، وفيه ما ذكرناه عن القاضي الحسين من قبل.
فلو عدمت الإبل، ففيما يجب الخلاف السابق فيما إذا عدمت إبل الدية.
وإن قلنا بالثاني وجب خمسون ديناراً أو ستمائة درهم، صرح به البندنيجي والماوردي، وقال: إن ذلك فيما إذا كان الفعل خطأ، أما إذا كان عمداً فيزاد قدر الثلث، وهذا الذي ذكرناه تفريع على أن الغرة تقوم عند الوجود.
أما إذا قلنا: لا تقوم – كما حكيناه عن المراوزة – فيكون الواجب هاهنا على قول اعتبار القيمة: قيمتها بالغة ما بلغت، وعليه يحسن تعليل الرافعي القول الأول بأنا لو أوجبنا قيمة الغرة لم نأمن أن تبلغ دية كاملة، أو تزيد عليها، وهذا ما حكاه القاضي الحسين قولاً مع القول الثاني في الكتاب، ولم يتعرض لإيجاب خمس من الإبل هنا، وإن كان قد أشار إليه في أوائل الديات؛ كما حكينا عنه من قبل.
قال: [والشجاج] في الرأس [عشر].
[الشجاج] – بتشديد الجيم -: جمع شجة.
وهي: الجراحة في الرأس والوجه.

وفي غيرهما تسمى جراحة لا غير.
ويقال: شجَّه يشُجه، ويشِجه – بضم الشين وكسرها – شجًّا؛ فهو مشجوج وشجيج، والجارح: شاج.
قال: الحارصة، والدامية، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق، والموضحة، والهاشمة، والمنقلة، والمأمومة، والدامغة، أي بالغين المعجمة، وهذا ما ادعى المحاملي أنه الصحيح، وحكاه البندنيجي عن الشافعي – رضي الله عنه – وأهل اللغة.
وحكى الماوردي أن في كتاب ابن سريج جعل الدامغة والمأمومة سواء، وأنه أثبت بدل "الدامغة": الدامعة-[بعين مهملة] – وجعلها بين الدامية والباضعة، وأن الأكثرين عدوها إحدى عشرة؛ فأثبتوا الدامغة – بالغين المعجمة – وأدخلوا بين الدامية والباضعة: الدامعة، بالعين المهملة.
ثم قال: ويحتمل أن يكون بين الباضعة والمتلاحمة: البازلة؛ فتكون اثنتي عشرة، وحكى ذلك عن بعضهم في باب الديات.
وحكى عن بعضهم انه جعل بين المتلاحمة والسمحاق: الملطاة؛ فتكون ثلاث عشرة.
ومنهم من جعل بين الموضحة والهاشمة شجة أخرى تسمى: المفرشة؛ فتكون أربع عشرة.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب أن المنقول عن أهل اللغة – وذكره القتبي -: أنها ثمانية، وأسقط في العد مما في الكتاب: الدامية، والدامغة، بالغين المعجمة.
قال: فالحارصة: ما تشق الجلد، [أي]: قليلاً، ولا تدمي، وهكذا فسرها صاحب "المحكم"، وهي مأخوذة – كما قال الماوردي والقاضي الحسين –من قولهم: حرص القصار الثوب: إذا شقه وخدشه قليلاً بالدق.
وقال في "المهذب": إن الحارصة ما تكشط الجلد.
وهو كذلك في "تعليق" القاضي الحسين، والبندنيجي، و"مجموع" المحاملي، وأنه مأخوذ من قولهم:

حرص القصار الثوب: إذا كشط عنه الوسخ، وهذا هو المحكي عن الأزهري، وهي بالحاء والصاد المهملتين، وتسمى: الحريصة، ويقال: حرص رأسه –بفتح الراء – يحرصه: بكسرها، حرصاً: بإسكانها.
قال: والدامية ما تشق الجلد، وتدمي، أي من غير سيلان؛ كما قاله الماوردي والقاضي الحسني في موضع من كتابه، وحكاه المحاملي عن ابن سريج، والرافعي عن الشافعي – رضي الله عنه – وأهل اللغة.
ويليها عند الأكثرين – ومنهم: ابن سريج، كما قلناه – الدامعة، بالعين المهملة، وهي التي يخرج دمها كالدموع.
وقد فسر بعضهم الدامية بالتي يسيل منها الدم، وعلى ذلك جرى القاضي الحسين في موضع من كتابه، وكذا الغزالي وإمامه.
و [فسروا] الدامغة بالتي يقطر منها الدم، وكذلك جعلها هذا القائل بين الحارصة والدامية.
قال: والباضعة: ما تقطع اللحم؛ لأن بضع الشيء: شقه، وتليها الشجة التي سماها الماوردي: البازلة، وهي التي يتبزل الدم فيها؛ فتكون أقوى من الدامغة؛ لأن دم البازلة ما اتصل ودام، ودم الدامغة ما انقطع، وقال: إن هذا أشبه بالمعنى [والاشتقاق].
قال: والمتلاحمة: ما تنزل في اللحم، وقد تسمى: اللاحمة وأهل المدينة يسمونها – كما قال الماوردي -: البازلة؛ لأنها تبزل؛ أي: يشق فيها اللحم.
وعن الإمام تقديم المتلاحمة على الباضعة، وتفسير كل واحدة بما سبق في الأخرى، والمعنى لا يختلف.
قال: والسمحاق: ما يبقى بينه وبين العظم جلدة رقيقة، سميت بذلك؛ لأن الجلد [الذي] وصلت إليه يسمى: سمحاق الرأس، مأخوذ من سمحايق البطن، وهو الشحم الرقيق، وغيم سمحايق: إذا كان رقيقاً، ويسميها أهل المدينة – كما قال الماوردي -: الملطاة.

والسمحاق بكسر السين، وبالحاء، المهملتين.
قال: ويجب في هذه الخمسة الحكومة؛ لأن التقدير يعتمد التوقيف، ولم يرد فيه توقيف، روي عن مكحول مرسلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم: "جَعَلَ فِي الْمُوضِحَةِ خَمْساً مِنَ الإِبِلِ، وَلَمْ [يُوقِفْ] فِيمَا دُونَ ذَلِكَ شَيئاً".
وروى عبد الحق في "الأحكام"، عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "لَمْ يَقْضِ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ بِشَيْءٍ" وإذا كان كذلك تعينت الحكومة.
قال: ولا تبلغ بحكومتها أرش الموضحة؛ لأنها دونها، قال الماوردي: وهذا هو الظاهر من منصوص الشافعي – رضي الله عنه – وقول جمهور أصحابه، ووراءه أمران حكاهما الماوردي أيضاً، وثالث عن غيره.
فأحد الأمرين: حكى أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة، عن الشافعي –رضي الله عنه- أن الحكم كذلك، إذا لم يمكن معرفة قدر الشجة من الموضحة؛ فإن أمكن ذلك اعتبر ما انتهت إليه في اللحم من مقدار ما بلغته الموضحة؛ فإن أمكن ذلك اعتبر ما انتهت إليه في اللحم من مقدار ما بلغته الموضحة حتى وصلت إلى العظم، فإذا عرف مقداره من نصف أو ثلث أو ربع، كان فيه بقدر ذلك من أرش الموضحة؛ فإن لم أنه النصف، وشك في الزائد- اعتبر شكه بتقويم الحكومة؛ فإن زاد على النصف، وبلغ الثلثين – زال حكم الشك في الزيادة بإثباتها، وحكم [بها، ولزم ثلثا دية الموضحة.
وإن بلغت النصف زال حكم الشك في الزيادة بإسقاطها، وحكم] بنصف دية الموضحة، وإن نقصت عن النصف بطل حكم النقصان والزيادة، وثبت حكم النصف.
وهذا ما نسبه الرافعي إلى الأكثرين، وعليه اقتصر في "المهذب".
وقال ابن الصباغ: إنه الذي قاله أصحابنا.

وحكى القاضي أبو الطيب قبل الكلام في دية [اليهودي والنصراني]: أنا إذا عرفنا نسبة المجروح من الموضحة نوجب أكثر الأمرين مما اقتضاه التوزيع أو حكومة لا يبلغ بها أرش موضحة.
والفرق بين هذا وبين ما حكيناه عن أبي إسحاق وغيره: أنا على هذا نوجب المحكومة إذا زاد قدرها على قدر ما اقتضاه التوزيع، مع تحقق قدر النسبة، وعلى رأي أبي إسحاق:؛ إذا تحققنا نسبة الجرح من الموضحة من غير شك في زيادة عليه، لانوجب إلا قدر النسبة من دية الموضحة، وإن كان قدر الحكومة أزيد منه، وهذا هو الأمر الثالث الذي أشرت إليه، وأدخلته بين كلام الماوردي؛ لقربه مما قبله.
والثاني مما حكاه الماوردي: أن ابن سريج رأى أن أروشها مقدرة بالاجتهاد،

كما قدرت الموضحة وما فوقها بالنص؛ فجعل في الحارصة بعيراً واحداً، وفي الدامية والدامغة بعيرين، وفي الباضعة والبازلة والمتلاحمة ثلاثة أبعرة، وفي الملطاة والسمحاق أربعة أبعرة.
قال: والموضحة: ما توضح العظم، أي: تكشفه بحيث يقرع بالمرود، وإن كان العظم غير مشاهد بالدم الذي ستره.
قال: في الرأس أو الوجه، وفيها خمس من الإبل؛ لما روى عمرو بن حزم في مسنده - كما ذكره أبو إسحاق - أن النبي صلى الله عليه وسلم:"كَتَبَ كِتَاباً إِلَى اليَمَنِ، وَفِيهِ: وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ".
قال الإمام: وهذا الحديث الذي اعتمد عليه الشافعي -رضي الله عنه - في تقدير أروش الأطراف.
وقد روى ما ذكرناه في الموضحة معاذ بن جبل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "لفظاً سمعت منه".
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فِي الْمُوَضِّحِ خَمْسٌ" أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: إنه حسن.
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - قالا: "الْمُوَضِّحَةُ فِي الرَّاسِ وَالوْجْهِ سَوْاءٌ".
ونقل مكحول، عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أنه قال: "الْمُوَضِّحَةُ فِي

الرَّاسِ وَالوَجْهِ وَالْحَاجِبِ سَوَاءٌ"، ولا يعرف لهم مخالف.
ولا فرق في ذلك بين أن تكون صغيرة كالمخيط – كما قال الماوردي – أو أكبر؛ لأنها على الأسماء؛ فاستوى حكم صغيرها وكبيرها كالأطراف.
وأبدى الإمام تخريج وجهين فيما إذا غرز إبرة في رأس إنسان، وتحققنا وصول رأس الإبرة إلى العظم، ثم استلها: في أن ذلك هل يكون إيضاحاً – مما سنذكره فيما إذا أوضح موضحتين، وأدخل بينهما مروداً في الباطن.
وكذا لا فرق بين أن يسترها الشعر أو لا، ولا بين أن يحصل بها شين، أو لا يحصل، وإذا حصل بين القليل والكثير.
قال الماوردي: وقد حكى عن الشافعي – رضي الله عنه – أنه قال في موضع آخر: "إن موضحة [الجبهة إذا كثر] شينها في الوجه أن فيها أكثر الأمرين من ديتها أو أرش شينها؛ فاختلف أصحابنا على وجهين: أن [خرجوا] زيادة الشين في الرأس والوجه على قولين: والوجه الثاني: أنه لا يلزمه في شين الرأس إلا ديتها، ويلزمه في شين الوجه أكثر الأمرين؛ لأن شينها في الوجه أقبَح.
وقد نسب الرافعي الأخر إلى الإصطخري وابن أبي محمد الفارسي، وأنه لا تفريع على هذا.
ثم ما ذكره الشيخ مفروض في الموضحة على الحر المسلم الذكر، ونسبة قدر أرش الموضحة عيه من ديته: نصف عشرها؛ فراعى هذه النسبة في حق غيره، حتى يجب في موضحة المرأة بعيران ونصف، وفي موضحة اليهودي والنصراني بعير وثلثان، وفي موضحة النمجوسي ثلث بعير؛ لأن ذلك نصف عشر ديتهم، وقد ذكرنا تقدير أبدالها بالدراهم [من] قبل.
تنبيه: قول الشيخ: "والشجاج في الرأس عشر" ثم قوله: "والموضحة: ما

توضح العظم في الرأس أو الوجه"، يفهم أن باقي الشجاج لا يجري في الوجه، وليس الأمر كذلك؛ بل ما ذكره في الرأس، قال الأصحاب: إنه يجري في الجبهة من الوجه.
وكذلك يتصور ماسوى المأمومة والدامغة في الخد وقصبة الأنف واللحى الأسفل، على أن في بعضه خلافاً سيأتي.
قال: فإن عمت الرأس، ونزلت إلى الوجه - فقد قيل: يلزمه خمس من الإبل؛ لأن الجبهة والرأس كلاهما محل الإيضاح؛ فأشبه ما إذا أوضح رأسه في موضعين وجرح ما بينهما.
وقيل: عشر؛ لأن الرأس والوجه عضوان مختلفان، فرتب على الجناية على كل منهما عند الاجتماع ما يترتب عند الانفراد، كما لو أوضحه، وأمرَّ السكين إلى قفاه؛ فإنه يجب عليه في الموضحة خمس من الإبل، ويجب في الجراحة في القفا حكومة.
ويخالف ما إذا أوضحه في موضعين، ثم خرق ما بينهما؛ لأن الرأس كلها محل واحد؛ بدليل أن قدر الموضحة من الشجوج [لو استوعب جميع رأس] الشاج - استوفى، ولو زاد عليه لم يستوف من الوجه، وهذا ما صححه الرافعي وغيره.
وعلى هذا فرعان: أحدهما: لو شملت الموضحة الجبهة والوجه، قال الإمام: في الاتحاد تردد، والأظهر الاتحاد؛ تنزيلاً لأجزاء الوجه منزلة أجزاء الرأس.
الثاني: لو كانت الجراحة الواصلة إلى الوجه من الرأس مختلفة؛ بأن كانت في الرأس موضحة، وفي الوجه متلاحمة - وجب عليه خمس من الإبل وحكومة المتلاحمة، كما ذكرنا في جراحة القفا.
وعلى الأول: لا شيء عليه سوى خمس من الإبل في الفرعين.

قال: إن أوضح موضحتين بينهما حاجز، فعليه عشر من الإبل؛ لعموم أخبار المواضح، ولا فرق في ذلك بين أن يَرفع الحديدة عن موضحة، ثم يضعها على موضحة أخرى، وبين أن يجريها على الرأس من موضع الإيضاح الأول إلى أن يتحامل عليها في موضع آخر؛ فيوضحه، واللحم والجلد سليمان.
وحكى الإمام في الحالة الثانية وجهاً ضعيفاً: أن الحاصل موضحة واحدة؛ لاتحاد الفعل وتواصل الحركات.
وفي تعليق القاضي الحسين الجزم به نقلاً وتفقهاً.
وهذا الحكم فيما لو كثرت المواضح؛ يجب في كل واحدة خمس من الإبل.
وفيه وجه: أنها إذا كثرت، بحيث تزيد أروشها على دية النفس –لا يجب فيها أكثر من دية النفس؛ كما سيأتي مثله في قلع الأسنان.
والصحيح، وبه قطع ابن كج: الأول.
وفرق بين ذلك وبين الأسنان؛ بأن الأسنان معلومة مضبوطة؛ كالأصابع؛ فجاز إلا تزاد على دية النفس؛ كالأصابع؛ والموضحات ليست مضبوطة قدراً ولا عدداً؛ فيجب أرشها بحسب وجودها.
قال: وإن خرق بينهما –أي: قبل الاندمال – رجعت إلى خمس؛ لأن فعل الإنسان مبني على فعله فيجعل كالشيء الواحد؛ بدليل ما لو قطع يده، ثم حز رقبته قبل الاندمال؛ فإنا نجعل الجنايتين واحدة، وإذا كان كذلك لم يجب عليه سوى خمس.
وهكذا الحكم فيما لو تآكل ما بينهما، صرح به القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين والمراوزة، وادعى أنه لا خلاف فيه.
وأبدى الرافعي تخريج وجه في مسألة الكتاب: أنه يجب عليه أرش ثلاث موضحات من قول ابن سريج فيما إذا قطع يديه ورجليه، ثم حز رقبته: إنه يجب عليه ديات.
وحكى ابن كج وجهاً آخر فيها: أنه لا يجب عليه بسبب رفع الحاجز شيء، ولكن

لا يسقطه به شيء من الأرشين؛ لأن زيادة الجناية تبعد أن تكون مسقطة لما وجب.
قال: وإن خرق بينهما غيره، وجب على الأول عشر، وعلى الثاني خمس؛ لأن فعل الإنسان لا ينبني على فعل غيره؛ بدليل: ما لو قطع يد إنسان، وحز آخر رقبته؛ فإنه يجب على [كل] منهما موجب جنايته.
ولو خرق بينهما المجني عيه كان فعله هدراً، واستمر وجوب العشر على الأول.
فرع: لو أوضحه رجلان كل واحد موضحة، تم تآكل الحاجز بينهما- عادت إلى واحدة، ووجب على كل منهما نصف أرشها.
ولو اشتركا في موضحتين، ثم رفع أحدهما الحاجز – فعلى الذي رفع نصف أرش موضحة، وعلى الآخر أرش موضحة كاملة.
قال: وإن أوضح موضحتين، ثم خرق بينهما في الباطن، أي: وبقي الجلد الظاهر – [فقد قيل: يجب عليه أرش موضحتين؛ نظراً للظاهر]، وهذا ما صححه الجيلي.
وقيل: أرش موضحة؛ [نظراً] للباطن، وهذا هو الأصح، وبه جزم القاضي الحسين.
وذكا الخلاف جارٍ – كما حكاه الإمام – فيما إذا أدخل حديدة من الموضحة إلى الموضحة في الباطن، ثم استلها، وعاد اللحم وانطبق.
وفيما إذا أوضح موضحتين ابتداء، بينهما حاجز الجلد دون اللحم، أو اللحم دون الجلد.
وقيل: اللحم يصلح حاجزاً دون الجلد؛ لان اللحم هو الساتر للعظم المنطبق عليه؛ فيكون الاعتبار به.
وقيل العكس؛ لأن الجلد هو الذي يظهر للناظرين؛ فإذا بقي [على] اتصاله لم يكن العظم واضجاً.

قال الإمام: وهذا ليس بشيء: [وبه جزم الماوردي، وكلامه يوهم أن الشافعي – رضي الله عنه – نص عليه].
قال: وإن شج في جميع رأسه شجة دون الموضحة، وأوضح في بعضها، ولم ينفصل بعضها عن بعض – وجب عليه أرش موضحة؛ إذ الكل لو كان موضحة لم يلزمه أكثر من أرش موضحة، فإذا كان بعضه موضحة وبعضه دونها كان أولى ألا يلزمه زيادة على أرشها.
وفي "الجيلي" حكاية وجه: أنه يجب عليه مع ذلك حكومة، والمشهور: الأول، وهو المحكي عن نصه في "الأم".
نعم، لو اقتص في الموضحة، فهل له أخذ الحكومة لما دونه من المتلاحمة والسمحاق؟ قال صاحب "التهذيب": يحتمل أن يكون على وجهين؛ كما لو قطع يده من نصف الكف؛ فاقتص المجني عليه من الأصابع، هل له حكومة نصف الكف؟ فيه وجهان.
فروع: [الفرع الأول:] لو وسع الجاني الموضحة لم يجب عليه سوى أرش موضحة واحدة، على الصحيح.
وفيه وجه: أنه يجب عليه أرش أخرى؛ كما لو وسعها غيره.
قال الرافعي: وهذا الخلاف كالخلاف المذكور فيما لو رفع الحاجز بين موضحتيه.
[الفرع الثاني:] إذا أوضح موضحة بعضها عمد، وبعضها خطأ، أو هو في بعضها محق، وفي بعضها متعدٍّ – فهل الحاصل واحدة، أو اثنتان؟ فيه وجهان: أظهرهما – في "الرافعي" -: الثاني.
[الفرع الثالث:] إذا قال الجاني: رفعت الحاجز قبل الاندمال؛ فعادت الموضحتان واحدة، وقال الولي: بل بعده؛ فعليك أرش ثلاث موضحات – قال الأئمة: إن قصر الزمان صدق الجاني بيمينه، وإن طال صدق المجني عله بيمينه، فإذا حلف [ثبت] له أرشان، وهل يثبت الثالث؟ فيه وجهان:

أحدهما: نعم؛ لأنه ثبت رفع الحاجز باعتراف الجاني، وثبت الاندمال بيمين المجني عليه؛ فقد حصلت موضحة ثالثة.
وأصحهما: لا، ويصدق الجاني.
وسنذكر عن الأصحاب في مسألة الاختلاف في موت المجني عيه بجنايات توجب ديات بالسراية أو بغيرها [كلاماً] يظهر مجيء مثله هاهنا؛ ليطلب من ثَمَّ.
ولو وجدنا الحاجز بينهما مرتفعاً، فقال الجاني: رفعته أنا، أو: ارتفع بالسراية، وقال المجني عليه: بل رفعه آخر، أو رفعته أنا – فالظاهر تصديق المجني عليه؛ لأن الموضحتين توجبان أرشين؛ فالظاهر: ثبوتهما، واستقرارهما، وهذا ما جزم به القاضي أبو الطيب.
قال: الهاشمة: ما تهشم العظم، أي: تكسره بعد الإيضاح.
[قال]: ويجب فيها عشر من الإبل؛ لما روى قبيصة بن ذؤيب: "أن زيد ابن ثابت – رضي الله عنه – قدر فيها عشراً من الإبل".
والظاهر: أنه لا يقوله إلا توقيفاً؛ [فإن كان توقيفاً] كما ذكر القاضي الحسين والإمام أن بعض أصحابنا روى أن زيد بن ثابت روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمصير إليه واجب، وإن لم يكن توقيفاً فهو قول صحابي، وليس له مخالف؛ فكان إجماعاً.
ولأن كسر العظم بالهشم ملحق بكسر ما تقدرت ديته من السن، وفيه خمس من الإبل؛ وكذلك في الهشم؛ فصار مع [أرش] الموضحة عشراً.
وعن "أمالي" أبي الفرج السرخسي نقل قول عن القديم: أن الواجب أرش موضحة وحكومة.
قال: وإن ضربه بمثقل؛ فهشم العظم، ولم يجرح – لزمه خمس من الإبل؛ لأن العشر إذا كانت في مقابلة الجرح والهشم، وأرش الجرح كما قلنا خمس – تعين أن الخمسة الباقية في مقابلة الهشم؛ فوجبت عند انفراده، وهذا

قول أبي إسحاق.
وعن "المنهاج": أن الشافعي - رضي الله عنه- نص عليه، وهذا هو الصحيح في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"المهذب" وغيرهما.
وقيل: تلزمه حكومة؛ كهشم أعضاء البدن، وهذا قول ابن أبي هريرة، كما قاله في "المهذب".
قال الإمام: وعلى هذا هل يبلغ بحكومته خمساً من الإبل؟ تردد فيه جواب القاضي.
وقد أفسد الماوردي قول ابن أبي هريرة: بأنه لما لم تتقدر موضحة الجسد وهاشمته، لم يتقدر انفراد هشمه، ولما تقدرت موضحة الرأس وهاشمته، تقدر انفراد هشمه.
ثم هذا المعنى ليس مما نرى؛ فلا يثبت [حكمه] إلا بإقرار الجاني، أو بشهادة عدلين من أهل الخبرة.
فروع: [الفرع الأول:] إذا أوضح في مواضع متفرقة، وهشم في كل واحد منها- فهي هاشمات، وعن ابن كج حكاية وجه عن ابن القطان غير موجه بأنها تجعل موضحات وهاشمة واحدة، ولا تفريع عليه.
[الفرع الثاني:] إذا شجه هاشمتين عليهما موضحة واحدة - كانتا هاشمتين، وعليه دياتهما؛ لأنه زاد إيضاح مالا هشم تحته.
ولو أوضحه موضحتين تحتهما هاشمة واحدة، كان ذلك هاشمتين.
قال البندنيجي: قولاً واحداً؛ لأنه قد زاده هشماً بلا إيضاح عليه.
قال الماوردي: فإن قيل: فهذا هشم في الباطن دون الظاهر.
قيل: الفرق: امتزاج اللحم بالجلد في الموضحة، وانفصال العظم عن الجلد واللحم في الهاشمة.
وفرق ابن الصباغ بأن الهاشمة تابعة للموضحة، وهما موضحتان، وليست الموضحة تابعة لغيرها.
وحكى الرافعي وجهاً: أن الحاصل هاشمة واحدة؛ لاتصال الكسر، فعلى هذا

لا فرق.
[الفرع الثالث:] إذا شجه؛ فهشم مقدم رأسه وأعلى جبهته، كان على وجهين كما قلنا في الموضحة.
ولو شجه؛ فأوضح رأسه، وهشم جبهته - كان مأخوذاً بدية موضحة في أحدهما، وبهاشمة في الأخرى، قالهما الماوردي.
وقد ذكرنا أن بين الهاشمة والمأمومة شجة؛ تسمى: المفرشة، وهي الموضحة إذا اقترن بها صداع في الرأس من غير هشم، قال الماوردي: فينظر في الصداع الحادث عنها: فإن انقطع ولم يدم، فلا شيء فيه غير دية الموضحة.
وإن استدام الصداع على الأبد ولم يسكن، كان فيه مع أرش الموضحة حكومة لا تبلغ دية هاشمة.
وإن كان يضرب في زمان، ويسكن في آخر؛ فإن علم أن عود الصداع سببه الموضحة، كان فيه حكومة، وإن علم أنه من غيرها، فلا حكومة فيه، ولا فيما تقدمه؛ لأنه لم يدم.
وإن شك فيه، فلا حكومة أيضاً؛ لأنها لا تجب بالشك.
قال: والمنقلة: ما لا تبرأ إلا بنقل العظم.
هذا الكلام يحتمل أمرين: أحدهما: ألا تبرأ إلا بنقل العظم - الذي انتقل من محله إلى محل [آخر]؛ بالجناية إلى محله.
والثاني: ألا تبرأ إلا بنقل العظم أصلاً ورأساً، وعليه ينطبق قول الماوردي في الديات حكاية عن "المختصر": وهي التي تكسر عظم الرأس حتى يتشظَّى فينقل من عظامه؛ ليلتئم، وقد سمي الشافعي - رحمه الله - هذه الشجة في "الأم":المنقولة.

وقد قيل: إن المنقولة: [هي] التي تنقل فراش العظم، أي: ما دق منها من موضع إلى موضع.
قال: ويجب فيها خمسة عشر من الإبل: لانعقاد الإجماع عليه؛ كما حكاه الماوردي؛ لرواية عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً إلى [أهل] اليمن، وفيه: "وَفِي الْمُنْقِلَةِ خَمْسَةَ عَشْرَ مِنَ الإِبِلِ" خرجه النسائي.
فرع: لو شجه منقلة لا إيضاح عليها لزمه كمال أرشها؛ قاله الماوردي، بخلاف الهاشمة إذا لم يكن عليها إيضاح؛ لأن المنقلة لابد من إيضاحها؛ لتنقل العظم الذي فيها؛ فصار الإيضاح عائداً إلى جانيها؛ فلزمه جميع ديتها، والهاشمة لا تفتقر إلى إيضاح؛ فلم يلزمه غلا قدر ما جنى فيها.
وفي "الرافعي" حكاية [وجهين] فيما إذا نقل العظم من غير إيضاح: أحدهما: أن الواجب الحكومة.
والثاني: أن الواجب عشر من الإبل.
"وأن في الرقم" وغيره [أي في الأصل -:]؛ أن موضعهما إذا لم يحوج الهشم إلى البط والشق لإخراج العظم أو تقويمهن فإن أحوج إليه فالذي أتى به هاشمة، يجب فيها ما يجب في الهاشمة، [كذا وقفت عليه في نسختين].
قال: والمأمومة: ما تصل إلى الجلدة التي تلي الدماغ، سميت بذلك؛ لوصولها إلى أم الرأس، وهي الجلدة المحيطة بمخ الدماغ، وتسمى: الآمَّة – أيضاً – بالمد وتشديد الميم.
قال: وفيها ثلث الدية؛ لما روى عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً إلى اليمن فيه: "وَفِي الْمَامُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ" خرجه النسائي.
وقد روى أبو داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيهن عن جده في حديث طويل:

"وَفِي الْمَامُومَةِ ثُلُثُ الْعَقْلِ ثَلاَثٌ وَثَلاَثُونَ مِنَ الإِبِلِ وَثُلُثٌ".
فرع: لو شجه رجل موضحة، وهشمه ثانٍ بعد [الإيضاح، ونقله ثالث بعد الهشم، وأمّه رابع] بعد التنقيل- وجب على الأول دية موضحة، وعلى الثاني ما زاد عليها من دية الهاشمة – وهو خمس من الإبل – [وعلى الثالث ما زاد عليهما من دية المنقلة – وهو خمس من الإبل] – وعلى الرابع ما زاد عليها من دية المأمومة، وهي ثمانية عشر بعيراً وثلث، وهذا ما حكي عن ابن سريج، وهو الصحيح، عن كتاب ابن كج وغيره حكاية وجه آخر: أنهم يجعلون شركاء في المأمومة؛ فيكون أرشها عليهم أرباعاً.
فلو جاء خامس، وخرق خريطة الدماغ – ففي "التهذيب": أن عليه تمام دية النفس، وهذا على طريقة من جعل أرش الدامغة دية النفس، كما سنذكره.
وعلى طريقة ابن سريج يظهر أن يجب نصف أرش المأمومة.
قال: والدامغة: ما وصلت إلى الدماغ، ويجب فيها ما يجب في المأمومة؛ يعني: ثلث الدية؛ لأنها واصلة إلى جوف؛ فأشبهت الجائفة، وهذا ما نص عليه الشافعي، رحمه الله.
قال الماوردي: والذي أراه: أنه يجب تفضيلها على المأمومة بزيادة حكومة؛ لخرق غشاوة الدماغ، لكنه لم يُحْكَ عن الشافعي، رحمه الله.
وفي "الجيلي": أن الروياني استحسنه، وحكى الفوراني وجماعة أن الواجب فيها تمام الدية؛ لأنها تُذَفَّف، وعلى هذا جرى الإمام؛ حيث قال: وليست الدامغة من الجراح، وإنما توحي، تذفف تذفيفَ حزَّ الرقبة.
قال الراعي: والأولون يمنعون كونها مذففة.
قال: وفي الجائفة ثلث الدية؛ لما روى عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب في الكتاب الذي كتبه إلى اليمن: "وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ"، خرجه النسائي.
وقد روى [عن] عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال::"وَفِي الْجَائِفَة ثُلُثُ الدِّيَةِ".

قال: وهي الجناية التي تصل إلى جوف البدن من ظهر أو بطن أو صدر أو ثغرة نحر.
ثغرة النحر: خسفة اللبة.
وألحق الإمام بذلك الوصول بالمثانة.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون بمحدد أو غيره، ولا بين الصغير [منها] والكبير؛ لأنها متعلقة بالاسم؛ كما في الموضحة.
وكذا لا فرق بين أن تندمل أو يحز آخر رقبته قبل الاندمال على المذهب؛ كما صار إليه الأصحاب في الموضحة، وادعى الإمام فيها الاتفاق.
وفي "تعليق" القاضي الحسين أن بعض أصحابنا قال فيما إذا اندملت: لا يجب أرش جائفة، وعليه حكومة.
وعزاه في "التتمة" إلى رواية صاحب "الإيضاح" تخريجاً من قول الشافعي إذا أفضى امرأة فالتحم الموضع: إن عليه الحكومة.
وابن الصباغ نسبه إلى تخريج صاحب "الإيضاح" نفسه.
وطرده المتولي في الموضحة تخريجاً لنفسه، وهذا قد حكيناه عن رواية الإمام من قبل.
وفي "التهذيب": أن بعضهم خرج مسألة الجائفة على القولين في سقوط الأرش، عند عود السن، وإدخال خشبة أو حديدة في حلقه إلى أن تنتهي إلى جوفه – لا يجب بها شيء، إلا أن تخدش شيئاً في الجوف؛ فتجب حكومته، ويعزر في الحال؛ أدباً.
ولو خرق بوصول الخشبة إلى الجوف حاجزاً من غشاوة المعدة، أو الحشوة – ففي إجراء حكم الجائفة عليها وجهان.
قال الماوردي: بناء على اختلاف الوجهين في الحاجز بين الموضحتين إذا انخرق باطنه من اللحم، وبقى ظاهره من الجلد، كذلك حكاهما المصنف فيما إذا حصل ذلك بإدخال خشبة في دبره.

واحترز الشيخ بجوف البدن عن الوصول إلى جوف غيره؛ كما إذا جرح الذكر، فوصلت الجراحة إلى جوفه؛ فإنه لا يجب فيها أرش جائفة عند العراقيين؛ لأنه لا يخاف من الوصول إلى جوفه التلف، وقد حكى الإمام فيه وجهين.
وعما إذا وصلت إلى جوف الفم؛ فإن فيها خلافاً، كما سنذكره.
ومحل الاقتصار في الجائفة على ثلث الدية إذا وقعت الجراحة موازية للبطن، ولم تلدغ الآلة كبده ولا طحاله، أما إذا وقعت في الجسد غير موازية للجوف، وجرها إليه، أو لدغت الآلة الكبد أو الطحال – وجب ثلث الدية وحكومة، ولو كسر ضلعه من الجائفة؛ فإن نفذت الجائفة من غير الضلع لزمته حكومة للضلع، وإن لم تنفذ إلا بكسر الضلع دخلت حكومته في دية الجائفة.
قال: فإن طعنه في بطنه؛ فخرجت الطعنة من ظهره – فهما جائفتان؛ لما رواه الجمهور، عن أبي بكر – رضي الله عنه – "أَنَّهُ قَضَى عَلَى رَجُلٍ رَمَى رَجُلاً بِسَهْمٍ فَأَنْفَذَهُ، بِثُلُثِي الدِّيَةِ".
وقد روى في "المهذب" عن عمر – رضي الله عنه – نحوه، ولم يظهر لهما مخالف؛ فكان إجماعاً.
ولأن ما خرق حجاب الجوف كان جائفة؛ كالداخلة من الظاهر إلى الباطن.
قال: وقيل: هي جائفة؛ لأن الجائفة: ما وصلت إلى الجوف، والنافذة خارجة فكانت أقل من الجائفة؛ فعلى هذا يجب عليه مع أرش الجائفة حكومة؛ كذا حكاه القاضي الحسين، غيره، وهو الأظهر في "الرافعي".
وفي "النهاية": أن الشيخ أبا بكر أبدى ذلك احتمالاً لنفسه؛ لأن هذه الجراحة زائدة على الواصلة إلى الجوف؛ فاقتضى ذلك زيادة حكومة.
ثم قال الإمام: وهذا الذي ذكره فيه نظر؛ فإن تلك الزيادة التي تخيلها حقيقتها أنها جائفة أخرى، فإن مال إلى حقيقة هذا فالوجه إيجاب ثلثي دية، وإلا فلا

وجه مع [اعتقاد] اتحاد الجائفة؛ لإيجاب الزيادة، وهذا بمثابة ما لو أجاف بطن إنسان، ثم زاد فوسع تلك الجائفة.
وما ذكره الإمام قد حكاه الرافعي وجهاً لبعض الأصحاب، وهو ظاهر كلام الشيخ.
قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه.
قال الماوردي: وهو مذهب الشافعي، وعليه جمهور أصحابه.
وعلى هذا: إن كان ما حصل به الطعن قد قطع بنفوذه في الجوف بعض خُشْوةٍ، كان عليه مع دية الجائفتين حكومة فيما قطع.
ولو جرحه بخنجر له طرفان؛ فأجافه في موضعين، وبينهما حاجز – كانت جائفتين؛ فإن خرقه الجاني، أو تآكل، أو خرقه غير الجاني، أو المجني عليه – فالحكم فيه كما ذكرنا في الموضحة.
قال: وإن أجاف جائفة، فجاء آخر ووسعها-أي: في الظاهر والباطن – وجب على الثاني أرش جائفة؛ لأنه لو انفرد هذا القدر لكان جائفة؛ فكذا عند الاشتراك؛ كما قلنا في الموضحة، ولو اتسعت في الباطن دون الظاهر، أو بالعكس، أو زاد في [غورها] – قال الماوردي: فعليه حكومة؛ لأنه جرح لم يكمل جائفة.
ولو قطع من جانب بعض [الظاهر ومن جانب بعض] الباطن، ففي التتمة: أنه ينظر في ثخانة الجلد واللحم، ويقسط أرش الجائفة على المقطوع من الجانبين، وقد يقتضي التقسيط تمام الأرش؛ بأن قطع نصف الظاهر من جانب، ونصف الباطن من جانب.
أما إذا لم يؤثر فعل الثاني في سعتها شيئاً، لم يجب عليه سوى التعزير.
قال: وإن طعن وجنته، فهشم العظم، ووصلت الجراحة إلى الفم – ففيه قولان: أحدهما: أنها جائفة؛ أي: يجب فيها ما يجب في الجائفة؛ لأنها جراحة واصلة [من الظاهر إلى جوف، فأشبهت الواصلة] إلى الباطن، وهذا أصح في الجيلي.

والثاني: يلزمه أرش هاشمة؛ ولا يجب عليه أرش جائفة؛ لأنه لا يطلق عليها جائفة، ولا يخاف منها كالخوف من الجائفة؛ فلا تلحق بها في الحكم.
وأيضاً: فإنه لو خرق شدقه لم يكن جائفة كما حكاه ابن الصباغ؛ فكذا هاهنا، وهذا أصح عند النواوي، والمختار في "المرشد".
فعلى هذا: يجب [عليه] مع أرش الهاشمة حكومة لما زاد، صرح به البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما.
والوجنة: اللحم المرتفع من الخدين، وفيها أربع لغات: فتح الواو، وكسرها، وضمها، وأجنة – بالألف – والجمع: الوجنات، بفتحها، ومن كسر المفرد، أسكن الجيم، وفتحها، وكسرها، ومن ضمه ضم الجيم وفتحها وأسكنها، ويقال: رجل مُوَجَّن، وأوجن: عظيم الوجنة.
وفي "عدة" الطبري حكاية القولين فيما إذا خرق شدقه؛ فوصل إلى داخل الفم: في أنه هل يجب [عليه] أرش جائفة أم لا؟ وحكى الماوردي نظير القولين في الأصل عن حكاية القاضي أبي حامد فيما إذا طعن وجنته؛ فهشمت العظم، وتنقل إلى أن وصل إلى الفم، أو كانت [في] إحدى اللحيين؛ فخرقت كذلك حتى وصلت إلى الفم: أحدهما: يجب فيها أرش مأمومة.
والثاني: تجب فيها دية منقلة، وزيادة حكومة.
وحكى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ، عن أبي علي الطبري أنه خرج ما إذا جرح قصبة أنفه، وأنفذ الجراحة إلى باطنه – على القولين في مسألة الكتاب؛ لأن باطن الأنف كباطن الفم.
وحكى الماوردي عن رواية القاضي أبي حامد في "الجامع" حكاية قول: أنه يلزمه دية مأمومة، وتلزمه حكومة هي أكثر من دية منقلة.
فرع: إذا خاط المجروح جائفته؛ ففتقها آخر حتى عادت جائفة- نظر:

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل