كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل"، والمعنى فيه: أنه يحتمل أن يكون قد مات من الرمية أو من الغرق، والأصل في الميتات التحريم؛ ولأجل هذه العلة، حرم في الصورة الثانية؛ لأنه يحتمل موته من الرمية؛ فيحل، أو من التردية؛ فيحرم، أو منهما، فيحرم أيضاً؛ تغليباً للتحريم.
وهذا مما لم يختلف فيه قول الشافعي-[رضي الله عنه وللإمام] احتمال فيما إذا رماه في الجبل فتحدر من حجر إلى حجر في الحال، والمنقول الأول، ويخالف هذا ما إذا وقع على جبل أو شجرة أو حائط ونحو ذلك ولم يترد منه، أو على أرض حيث قلنا بالحل بلا خلاف، وإن احتمل أن يموت من الصدمة، لأن ذلك لابد منه؛ فعفي عنه؛ كما عفي عن الذبح في [غير] المذبح عند التعذر، فإنا لو لم نقل بحله، لأدى إلى ألا يجوز الاصطياد، بخلاف التردية والوقوع في الماء، فإن ذلك [نادر]، فألحق بما لو وقع في نار؛ فإنه يحرم؛ لندور ذلك.
ويخالف- أيضاً- ما لو رمى، فحملت الريح السهم؛ لقصور الرمية وأصاب؛ فإنه يحل؛ لأن الظاهر: أن الإصابة كانت بإرساله، والجو لا ينفك من الريح؛ فيعسر الاحتراز منها، وليس لها فعل [حتى يكون منسوباً] إليها، [وللإمام فيها احتمال]، نعم: لو أصاب السهم الأرض أو حجراً، فازدلف، فأصاب صيداً، ففي الحل وجهان مخرجان- كما قال في "المهذب" وغيره- من الخلاف في نظير المسألة من المسابقة.
والمختار في "المرشد": الحل أيضاً، وهو ما ادعى الشيخ أبو حامد: أنه المذهب فإن ما يتولد من فعل الرامي منسوب إليه؛ ولم يورد البغوي سواه، وقد ألحق بوقوعه على الجبل والتردية منه ما لو وقع على سكين أو شيء محدود من قصب
أو حجر أو على الأرض، ثم وثب منها وثبة طويلة بحيث مر في الهواء، ثم سقط على الأرض
-[فإنه لا] يحل؛ كما قال القاضي [الحسين]؛ بخلاف ما لو وثب وثبة خفيفة فإنه يحل.
وألحق البغوي بالوقوع على الأرض ما [إذا وقع في بئر لا ماء فيها، أي: ولم تصدمه جدرانها؛ لأن قعر البئر أرضه.
أما] إذا أصابه السهم في المذبح، فذبحه، أو طير رأسه، فيحل، سواء وقع في الماء أو تردى بعد ذلك أو لا، وكذا [لو قطعه] اثنين، أو وقع في مقتل؛ لانتفاء المعنى المذكور، وقد ادعى الماوردي فيه الاتفاق.
ولو لم يجرح السهم الطائر، فلا خلاف في تحريمه وإن وقع على الأرض.
وقال الإمام: الذي أرى إلحاقه-[أيضاً]-
بذلك ما لو جرحه جرحاً خفيفاً؛ فإنه يحرم إحالة للموت على الصدمة.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي تحريم ما وقع في الماء، سواء كان الماء حالة الرمي أرضه أولاً.
وفي "المهذب": أنه لو كان حين أصابه السهم في هواء الماء، فوقع فيه، حل؛ إذا كان الرامي في مركب في الماء، وهو ما أبداه الإمام احتمالاً.
قال البغوي: [وإن كان] في البر، [لم يحل].
وقال فيما إذا رمى إلى طير الماء، وهو على وجه الماء، حل، وإن كان خارج الماء فطار في الماء فأصابه السهم، لم يحل.
وأطلق في "الحاوي" حكاية وجهين في حل طير الماء إذا وقع في الماء.
وقال الرافعي: إنهما منقولان عنه فيما إذا كان خارج الماء، ووقع في الماء بعدما أصابه السهم.
والذي رأيته فيه ما ذكرته، ويمكن حملهما على الصورة التي قال البغوي فيها بالحل؛ لأن الماوردي وجه الحل بأنه لا يفارق الماء غالباً، فوقوعه في الماء كوقوع
غيره على الأرض؛ وحينئذ فيكون ما اقتضاه كلام الشيخ أحد الوجهين.
تنبيه آخر: الطائر مفرد، وجمعه طير؛ كصاحب وصحب، وجمع الطير: طيور، وأطيار؛ كفرخ وأفراخ؛ هذا قول جمهور أهل اللغة.
وعن أبي عبيدة وقطرب: أن الطير يقع على المفرد أيضاً.
فرعان: [أحدهما]: لو رمى طائراً واقفاً على شجرة ونحوها، فبقي ساعة يتحرك ويضطرب، ثم سقط على الأرض ومات، لم يحل، وإن سقط على الأرض لما أصابه السهم في الحال، حل؛ قاله القاضي الحسين.
الثاني: إذا رمى طائراً، فخر إلى الأرض، فاستقبله رجل بسيفه، فقطعه باثنتين، قال في "الحاوي": حرم أكله إلا أن يكون الجرح قد وحاه في الهواء، فلا يحرم؛ لأن قطعه بالسيف قبل التوحية ليس بذكاة؛ فصار متلفاً له؛ فحرم به، وضمنه لمالكه.
قلت: ولم يخرج على الخلاف في إيجاب القصاص؛ لأن باب الذكاة مخالف لباب القصاص؛ ألا ترى أنه لو قتله بمثقل، وجب القصاص، ولو قتل الصيد به لم يحل.
قال: وإن أصاب صيداً فجرحه، أي: بسهمه، أو جارحته جرحاً لم يقتله، أي: ويجوز أن يقتله، ثم غاب عنه، فوجده ميتاً، وليس فيه إلا أثره، حل في أحد القولين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4].
وما روى أبو داود عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رميت الصيد فأدركته [بعد ثلاث ليال وسهمك فيه، فكل ما لم ينت".
وأخرجه مسلم.
قال في "البحر": وقوله: "ما لم ينتن" يحتمل]: أن يكون خشية من أن تكون هامة نهشته؛ فتغير اللحم؛ لما دب فيه من سمها؛ فأسرع إليه الفساد.
ويحتمل أن يكون أمره بذلك على وجه الاستحباب، وإلا فأكل ما تغير ريحه حلال، كما سيأتي بيانه.
وروى أبو داود- أيضاً- عن عدي بن حاتم: أنه قال: "إذا رميت سهماً، وذكرت اسم الله، فوجدته من الغد، ولم تجده في ماء، ولا فيه أثر غير سهمك فكل"، وقد أخرجه عنه مسلم- أيضاً- بمعناه.
وهذا ما صححه البغوي وقال في "الروضة": إن الغزالي في الإحياء صححه- أيضاً- وهو الأصح دليلاً، وهو مأخوذ من قول الشافعي- رضي الله عنه- في "الأم" كما قال أبو الطيب: "القياس ألا يأكله؛ لأنه يمكن أن يكون قتله غير ما أرسل عليه إلا أن يكون قد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيء أو توهمه؛ فلا يثبت مع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأي ولا قياس؛ لأن الله تعالى [قطع] العذر بقوله، وقد ورد عنه ما ذكرناه؛ فحل.
قال: ولا يحل في الآخر؛ لما روى زياد بن أبي مريم قال: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إني رميت صيداً، ثم تغيب عني، فوجدته ميتاً، فقال- عليه السلام-: "هوام الأرض كثير"، ولم يأمره بأكله.
وروي أن رجلاً سأل ابن عباس، فقال: إني أرمي فأصمي وأنمي فقال: "كل ما أصميت، ودع ما أنميت".
قال القاضي الحسين: وقد روي هذا مرفوعاً من طريق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهي
التي صدر الإمام [بها] كلامه.
والإصماء: ما عاين قتله مشتق من الصميان، وهو السرعة.
والإنماء: ما غاب عنه مقتله، يقال: نمت الرمية؛ إذا غابت؛ ولأن القياس يقتضيه؛ كما قال الشافعي- رضي الله عنه- لأنه إذا احتمل الحل [والتحريم] غلب التحريم، ولأنه قد ورد ما يقتضي الحل، وما يقتضي الحظر، فغلب حكم الحظر؛ وهذا ما نص عليه في "المختصر"، وهو الأظهر عند الماوردي والنواوي، وهذه الطريقة قال بها ابن سريج- كما قال البندنيجي- ونسبها الماوردي إليه، وإلى أكثر البغداديين، ولم يورد القاضي الحسين والإمام غيرها، ووراءها طريقان:
إحداهما: القطع بالقول الثاني، وبها قال أكثر البصريين، وقالوا: ما ورد من الخبر غير صحيح، ولا هو ثابت، وهي التي نسبها القاضي أبو الطيب إلى أكثر الأصحاب.
وقد يحملون ما ورد من الحديث على ما إذا كان الجرح موحياً؛ كما سنذكره.
والثانية: القطع بالقول الأول؛ حكاها البندنيجي والمصنف، ونسبها القاضي أبو الطيب إلى ابن سريج وأبي الطيب بن سلمة، وكلامه يميل إلى ترجيحها، ولمن انتصر لها أن يقول: حديث زياد ليس مشهوراً، بل قال النواوي: إنه لم يثبت في التحريم شيء، وإن ثبت، فالحجة فيه بالمفهوم؛ فلا يعارض ما دل بمنطوقه، وهو في الصحيح.
وأثر ابن عباس محمول على ما إذا غاب عنه، ولم يشاهد [فيه أثر] الإصابة، فإنه لا يحل عندنا كما سنذكره، ومسألتنا مفروضة فيما إذا شاهد العقر والإصابة، ثم غاب عنه، واحتمال كونه مات بسبب آخر، الظاهر خلافه، والأحكام تناط بالظاهر؛ ألا ترى أنه لو جرح شخص إنساناً، ثم مات؛ فإنه يجب عليه ضمانه وإن احتمل أن يكون غيره قد شاركه فيه.
قال الإمام: وأيضاً: فإنا نحل الجنين إحالة على انقطاع الروح عنه بذكاة أمه، وإن أمكن تقدير موته بسبب آخر؛ وهذا ما وعدت من قبل: أنه يدل على تحريم الجنين إذا خرج بعضه من أمه ميتاً، ثم ذكيت.
وسلك في "المرشد" طريقاً آخر، فقال: إن غلب على ظنه: أنه إنما مات بجرحه
حل، وإن لم يغلب على ظنه [ذلك] لم يحل؛ لجواز أن يكون موته بسبب آخر.
أما إذا أصاب ما أرسله الصيد، ولم يشاهد المرسل الجرح، ثم غاب عنه، فوجده ميتاً- لم يحل قولاً واحداً، وإن وجد السهم فيه أو الكلب على رأسه.
وعن كتاب ابن كج حكاية وجه: أنه يحل.
وإن كان الجرح الذي شاهد قد قتله؛ كما إذا أخرج حشوته، أو أصاب مذبحه، ونحو ذلك، ثم غاب ووجده ميتاً، حل بلا خلاف، لأنه لا أثر لما يطرأ بعد ذلك؛ دليله ما لو رمى مجوسي إلى مثل هذا الصيد فجرحه، لا يحرم.
قال: وإن أرسل سهماً أو كلباً على صيد، فقتل غيره حل، أي: سواء كان ذلك الغير في سمت الأول أو لا؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] وقوله- عليه السلام- لأبي ثعلبة: "فما أصبت بقوسك فاذكر اسم الله عز وجل [عليه] ثم كل وما أصبت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله عز وجل ثم كل".
أخرجه مسلم؛ فكان ذلك على عمومه.
ولأنه لو أرسل السهم أو الكلب إلى [جماعة] صيود كبار، فنفرت، فأصاب واحداً من أولادها، حل وهو [لم يقصده] فدل على أنه ليس من شرطه أن يصيب الذي أرسله عليه، وهذا ما ادعى البندنيجي أنه المذهب، وهو ظاهر النص.
وعن أبي إسحاق: أن الصيد المصاب إن كان في سمت المقصود حل، وإن كان في غير سمته لم يحل في مسألة الكلب؛ لأنه لما عدل عن السمت، قطع إرسال صاحبه؛ فصار كالمسترسل بنفسه، وإذا مضى في ذلك السمت، فما قطع إرسال صاحبه.
ومفهوم كلامه: أنه في السهم يحل، وإن كان [المصاب] في غير سمت المقصود، وقد صرح به العراقيون؛ حتى قال أبو الطيب: إنه مما لا خلاف فيه بين أصحابنا، وكذا القاضي الحسين ادعى أنه لا يختلف فيه المذهب؛ لأن الهلاك حصل بفعله.
والأصح في "البحر" وغيره الأول؛ لأنه لا يمكن تعليم الكلب اصطياد الأبعد، وترك الأقرب إليه الأسهل عليه، كما لا يمكن تعليمه أن يعقر في محل الذكاة دون
غيرها؛ فاغتفر ذلك، ولأن هذا يدل على فراهته.
وقال في "الحاوي": الصحيح عندي أن يراعي مخرج الكلب عند إرساله، فإن خرج عادلاً عن جهة إرساله إلى غيرها، لم يؤكل صيده، وإن خرج إلى جهة إرساله، ففاته صيدها، فعدل إلى غيره فأخذه أكل؛ لأنه على الصفة الأولى مخالف؛ فصار مسترسلاً لنفسه، وعلى الصفة الثانية موافق؛ فكان مرسلاً، وهو أدل على فراهته؛ وهذا الذي ذكرناه هو المذكور في كتب العراقيين.
وأما المراوزة فقد حكى عنهم في "البحر" وجهاً [خرجه] [في مسألة السهم كوجه] أبي إسحاق في مسألة الكلب.
وأطلق الفوراني حكاية الخلاف [في مسألة الكلب من غير تقييد بحالة كون المصاب في غير سمت المقصود، وأفهم كلام القاضي الحسين] أن أبا إسحاق لا يخص ما قاله من عدم الحل بكون المصاب في غير سمت المقصود؛ لأنه قال: إذا أرسل على صيد فقتل غيره، فظاهر كلام الشافعي- رضي الله عنه- أنه يحل [أكله].
وقال أبو إسحاق: لا يحل؛ لأن للكلب قصداً واختياراً، فإذا عدل عما قصده الصائد إلى غيره، فقد أخذ باختياره دون إرسال صاحبه، واحتج عليه بما قال أصحابنا: لو أرسل كلباً على صيد في الحل، فدخل الحرم خلفه، وقتله، فلا شيء عليه، وبمثله في السهم عليه الجزاء لأن الذي حصل برميه حصل بفعله.
وأما الإمام فقال: إذا قصد ظبية من سرب عينها بسهمه، فأصاب غيرها- فثلاثة أوجه:
أصحها: الحل، وبه قطع طوائف.
والثاني: التحريم.
والثالث: إن كان قد رأى الظبية المصابة حين الرمي أو كانت في السرب حلت، وإن لم يرها أو ثارت بعد مرق السهم فأصابها، لم تحل؛ وهذا ما اختاره في "المرشد".
ولو أرسل عليها كلبه فأصاب غيرها، فالخلاف جار في الحل- أيضاً- لكن بالترتيب، واختلف الأصحاب في الترتيب:
فرتب الأكثرون الكلب على السهم، وجعلوا مأخوذ الكلب أولى بالتحريم؛ لأنه حيوان؛ فله اختيار على الجملة، بخلاف السهم.
ومنهم من قال: مأخوذ الكلب أولى بالحل؛ لعسر التعليم على هذا النحو، بخلاف السهم؛ ولأجل ذلك قيل: إن السهم لو انفلت، فأصاب بعرضه [فقتل]، لم يحل، ولو مات الصيد بثقل الجارح: ففي الحل قولان.
وقال: إن الكلب لو كان حين إرساله مضى في الصوب الذي أراده المغري، ثم بان صيد آخر، فاستدبر الكلب الأول، وأعرض عنه، ومضى في صوب الصيد الثاني، فقتله- فهو حرام لاشك فيه؛ وهذه الطريقة إذا تأملتها كانت عكس طريقة العراقيين.
فرع: وإن أرسله على غير صيد، أي: مثل أن أرسله ليلاً، وهو لا يتوهم وجود صيد، أو نهاراً وهو لا يرى صيداً ولا قصده، فقتل صيداً- لم يحل؛ لأنه لم يرسله على صيد معين ولا مرسل، فكان في السهم كما لو سقط منه سيف على حلقوم شاة، فقطع المنحر منها، والجامع: فقدان أصل القصد في المصاب وفي الكلب كالمسترسل بنفسه.
[قال:] وقيل: يحل في السهم دون الكلب؛ لأن السهم قتل بفعله، وقصده إلى الذبح غير معتبر.
دليله: ما لو قطع عنق شاة على أنه ثوب؛ وهذا الوجه قد حكاه القاضي الحسين، واختاره في "المرشد".
وفي "البحر" عن صاحب "الإفصاح" القطع به، وهو منسوب في "تعليق البندنيجي" وغيره إلى أبي إسحاق، وطرده البندنيجي والمصنف فيما إذا وقع منه السيف، فقطع المنحر من الشاة: أنها تحل، والبغوي نسبه في هذه – أيضاً- إلى أبي إسحاق، واختاره في "المرشد".
وفي "تعليق القاضي أبي الطيب" حكايته في السهم والكلب معاً عن رواية القاضي أبي حامد، وهو في "البحر" أيضاً.
وظاهر النص في مسألة الكتاب الأول؛ فإن الشافعي- رضي الله عنه- قال: "ولو أرسل سهماً و [هو] لا يرى صيداً، فلا يأكل، ولا تعمل النية إلا في عين ترى"، وبه جزم الإمام، والمشهور في مسألة الكلب الجزم بالتحريم.
نعم: لو أرسل سهماً في الليل، وخطر له أنه قد يصيب صيداً، قال الإمام: فحاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه؛ ثالثها: أنه ينظر: فإن رمى في موضع يغلب على الظن الصيد فيه [حل وإن كان لا يغلب على الظن الصيد فيه] فالقصد لا أصل له، وحكمه حكم البازي.
واعلم أنه يمكن تصوير مسألة الكتاب- أيضاً- بما إذا أرسله إلى ما يجوز الرمي إليه من هدف أو ذئب أو خنزير ونحوه، فأصاب صيداً، فإن [في] الحل في هذه الصورة- أيضاً- خلاف- موافق لما ذكره الشيخ؛ صرح به الإمام، والذي جزم به البغوي فيها تبعاً لشيخه التحريم في السهم والكلب.
قال: وإن رمى شيئاً يحسبه- أي: بكسر السين وفتحها- حجراً، أي: ونحوه، فكان صيداً- فقتله- حل أكله.
قال أبو إسحاق: لأنه قتله بفعله، ولا اعتبار بالقصد؛ دليله: صحة ذكاة الصبي والمجنون مع أنه لا قصد لهما صحيح، وما لو قطع شيئاً ليناً ظنه ثوباً، فإذا هو حلقوم شاة- حلت كما نص عليه.
وقال غيره: إنما حل؛ لأنه قصده بفعله وإن ظنه غيره، وانبنى على العلتين الخلاف في المسألة السابقة، وهي إذا رمى إلى غير صيد، فقتل صيداً وما ألحق بها؛ كذا قاله في "الحاوي" وغيره، وما ذكره الشيخ لم يورد العراقيون والإمام غيره.
وحكى في "التهذيب"- تبعاً لشيخه- وجهاً في عدم الحل، وهو في "البحر" منسوب إلى رواية القاضي أبي حامد عن بعض الأصحاب، ثم قال: والمذهب الأول، وكذا لو قطع عنق شاة ظنها خشبة لينة، أو وضع سكيناً على موضع يحسبه جداراً، فإذا هو حلق شاة، أو رمي إلى حيوان ظنه خنزيراً أو حيواناً غير مأكول [فأصابه]،
فإذا هو صيد مأكول؛ وهذا منه يشعر بأن الخلاف في المجموع وهو كذلك؛ لأن الماوردي حكى عن ابن أبي هريرة عن بعض الأصحاب فيما إذا قطع شيئاً ظنه ثوباً فإذا هو عنق شاة- عدم الحل وإن كان النص الحل، وهو المشهور، والغزالي جزم به فيها.
وحكى الإمام فيما إذا ظنه حيواناً محرم اللحم، ومنه الآدمي والخنزير، فأصابه، فإذا هو صيد-[خلافاً]، والأصح: الحل، وهو [ما أورده] الماوردي فيما إذا ظنه كلباً أو خنزيراً.
ووجه مقابله: أنه لم يقصد صيداً حلالاً.
وفي بعض فحاوى كلام الشيخ أبي محمد وجهاً ثالثاً، وهو إن كان قد حسب الحيوان المرمي يحل أن يقصد بالرمي، فإذا تبين أنه صيد حل، وإن كان لا يحل قصده بالرمي: كالآدمي المحقون الدم مثلاً، ثم تبين أنه صيد- لم يحل؛ لأنه قصد محرماً، والقصد في نفسه محرم.
قال الإمام: ولا يجري هذا الوجه عندي فيما لو ذبح في ظلمة حيواناً [ظنه حيواناً] محرماً، فتبين أنه شاة، بل الوجه القطع بالحل؛ لقوة الفعل؛ فإنه في حكم التعاطي، والرمي لا يحكم عليه بالإصابة.
وقد حكى الغزالي في هذه الصورة وجهين مرتبين على وجهين فيما إذا قطعه وهو يظن أنه حلق آدمي، وأولى بالحل، لأن هذا فعل مباح، وإنما المحرم الأكل؛ بخلاف الآدمي.
فرع: لو رمى شيئاً ولم يلغب على ظنه ما هو؟ ولكن استوت الجائزات عنده، [فإذا تبين كونه] صيداً، فقد أشار الشيخ أبو محمد إلى وجهين:
قال الإمام: ولست أرى لهما في هذه الصورة وجهاً، بل الوجه القطع بالحل؛ كما لو حسبه حجراً شاخصاً.
قال: وإن أرسل عليه كلباً- أي: على ما ظنه حجراً- فقد قيل: يحل؛ كما في رمي السهم؛ لأنه وجد منه قصد إرساله؛ وهذا هو الصحيح؛ تبعاً للرافعي والبغوي والفوراني.
وقيل: لا يحل؛ كما لو أرسله على غير شيء، ويخالف السهم؛ لأن للكلب اختياراً؛ وهذا ما اختاره في "المرشد" وكذا القاضي الحسين.
وفي "البحر" أن صاحب "الإفصاح" قطع به.
أما إذا ظنه خنزيراً أو كلباً ونحو ذلك، فكان صيداً، فقد ألحقه البغوي والمصنف بما لو ظنه حجراً، وجزم الماوردي فيه بالحل؛ لأن الكلب يشلي على كل حيوان، فيستشلي؛ فاستوى في إرساله حل المأكول وغير المأكول وإن اختلفا في إباحة الأكل.
والقاضي الحسين جعل الخلاف في هذه الصورة مرتباً على الخلاف فيما إذا ظنه حجراً، ومسألة الخنزير أولى بالحل؛ لأنه قصد الصيد فيها، بخلاف تلك، وهكذا جعله مرتباً على طريقة في مسألة إرسال السهم السابقة، وأولى بالحل؛ لما ذكرناه، وهو مخالف لطريقة الإمام وشيخه ويتركب من هذه المسألة والمسألة السابقة فرع، وهو إذا أرسله على شيء ظنه حجراً، وكان صيداً، فأصاب غيره، فحيث قلنا: إذا أرسله على صيد فأصاب غيره لم يحل، فهاهنا أولى.
[وإن قلنا: ثم: يحل، فهاهنا] خلاف، وتجيء التفرقة فيه بين السهم والكلب على رأي؛ وكذا أشار إليه الإمام والقاضي والحسين.
وفي "التهذيب": أن المرسل إن كان كلباً، فلا يحل، وفي السهم وجهان، والأصح التحريم.
ولو كان ما ظنه حجراً كذلك، فأصاب غيره، فإن اعتبرنا ما ظنه في المسألة الأولى حيث قلنا: لا يحل، فهاهنا يخرج على ما لو قصد صيداً، فأصاب غيره.
وحكى في "التهذيب" عن شيخه في هذه الصورة الحل؛ بناء على هذا؛ وقال: إنا إن اعتبرنا الحقيقة، فلا يحل.
وقد حكى الطبري في مسألة الكتاب طريقة أخرى، وهي إن كان المرسل كلباً لم يحل، وإن كان سهماً ففي الحل وجهان.
[والله أعلم].
قال: وإن نصب سكيناً، فوقع به صيد، فجرحه، فمات- لم يحل؛ لأنه مات بغير فعل من جهة أحد، ولابد من أصل الفعل أو حكم الفعل بلا خلاف؛ دليله: المتردية،
وما إذا احتك صيد أو شاة بسكين ونحوها، فقطعت حلقومه ومريئه؛ فإنه لا يحل بوفاق الخصم؛ لأنه قاتل نفسه.
والمراد بحكم الفعل: إرسال الكلب؛ كما حكاه البندنيجي عن أبي إسحاق.
قال القاضي الحسين: ولهذه النكتة حرم الصيد إذا كان المرسل مجوسياً.
فإن قلت: لا نسلم أن ذلك حصل بغير حكم فعله، بل نصب ذلك كإرسال الكلب.
قيل: فعل واضعها، وحكم فعله منقطع عنها؛ ألا ترى أنه لو وقع بها إنسات، فمات، لا قصاص عليه، ولو كان حكم فعله موجوداً، لوجب؛ كما لو أغرى عليه كلباً، ولا يرد علينا وجوب الضمان؛ لأن باب الضمان [أوسع] من باب الذكاة كما تقدم.
ثم على تقدير [تسليم] نسبة الفعل إليه، فشرط الفعل المبيح أن يقصد به صيداً معيناً، أو من جملة معين؛ [دليله:] ما لو رمى سهماً إلى العلو، فسقط على صيد اعترضه لا يحل، والمقتول بالسكين المنصوبة، لم يكن معيناً، ولا من جملة معين؛ وهذا قول أبي الطيب بن سلمة.
قال الماوردي: وهو مدخول؛ لأنه لو نصبه لصيد معين أو لجملة معينة، لم يحل؛ فكان التعليل الأول أصح؛ كما قال ابن الصباغ.
ومن هنا يظهر لك أنه إذا نصب أحبولة، فمات الصيد بها خنقاً، أو [كانت] من شعر، فقطعت الحلقوم والمريء، لا يحل، وقد نص الشافعي- رضي الله عنه- عليه.
والحكم فيما لو كانت السكين في يد شخص، وقد احتك بها صيد أو غيره، ولم تتحرك يده- كما لو كانت منصوبة في الأرض، وكذا لو تحركت، وتحامل عليها الحيوان؛ للاشتراك في الفعل المبيح والمحرم.
فرع: إذا كان في عنق الكلب قلادة محددة، فضرب الصيد بها، فجرحه، فمات، حل؛ حكاه الرافعي عن "التهذيب" كما لو أرسل سهماً أو كلباً.
ثم قال: وقد يفرق بأنه قصد [بالسهم الصيد] ولم يقصده بالقلادة؛ وهذا منه
حمل لكلام البغوي على ظاهره، وليس كذلك، بل هو محمول على ما ذكره شيخه القاضي الحسين في تعليقه، وهو ما إذا كان الكلب معلماً بأن يضرب بتلك الحديدة؛ لأنه يصير كالرمي إلى الصيد.
قال: ومن أخذ صيداً أي: يحل له اصطياده، سواء كان غير ممتنع: كصغار الصيود وفراخها، أو ممتنعاً: كالكبار، وله تمييز، أو أزال امتناعه، أي: بسهمه أو كلبه – ملكه؛ لأنه بذلك يكون مستولياً عليه؛ فشابه سائر المباحات التي تملك بالاستيلاء، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: 94]، أي: يختبركم بتكليف إباحة ما حلله، وحظر ما حرمه ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: 94] وأراد بما تناله الأيدي: الصغار، وبما تناله الرماح: الكبار؛ كما قال ابن عباس.
وقال مجاهد: المراد بالأول: البيض، وبالثاني: الصيد.
وروي أنه- عليه السلام- وأصحابه مروا بظبي حاقف، أي: مُثْخَنٍ عاجز عن الامتناع- فهمَّ أصحابه بأخذه، فقال: "دَعُوهُ حَتَّى صَاحِبُهُ"، فسماه: صاحباً، ومنعهم من أخذه.
أما إذا كان لا يحل له اصطياده؛ لكونه مملوكاً لغيره، أو مباحاً لكن الصائد محرم- فلا يملكه، وفي المحرم كلام تقدم.
ولو كان الأخذ ممن لا تمييز له: كالأعمى والمجنون، فإن لم يأمره أحد بذلك ملكه أيضاً، وإن أمره بذلك غيره، فهل يكون له إن كان حراً أو لسيده إن كان عبداً، أو للآمر؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين"، والمذكور منهما في "التهذيب" و"البحر" الأول، وألحقا بالأعمى الصبي، والله أعلم.
المراد بالأخذ: أن يضع يده عليه، سواء قصد ملكه بذلك أو لا، وفي معناه: وقوعه في الشبكة التي نصبها، أو أحبولته مباحة كانت أو مغصوبة، وقع فيها الصيد بنفسه، أو طرده إليها طارد.
ومنها مسك جارحته المعلَّمة، التي أرسلها ولم تَقْتُلْ، وكذا المغصوبة على المذهب الذي لا يعرف العراقيون غيره، وغير المعلَّم في ذلك كالمعلم.
وفيه احتمال للرافعي؛ لأن للجارح اختياراً.
ولو استرسلت الجارحة بنفسها وأخذته، ملكه-[أيضاً] – على أحد الوجهين في "تعليق القاضي الحسين"؛ بناء على أضعف الوجهين فيما إذا تَوَحَّل الصيد في أرض يملكها، ولم يقصد إرسال الماء إليها كذلك، أو فَرَّخ الطائر البري في ملك رجل، أو [باض بملكه] كما يملك الصيد إذا توحل في أرض ساق الماء إليها؛ لأجل أخذ الصيد؛ كما قاله الإمام، وعليه يحمل كلام الماوردي والروياني، وكما إذا فرخ الطير في البرج الذي بناه لأجل ذلك؛ فإنه يملكه بذلك قولاً واحداً وإن كان في ملكه للفرخ الحاصل في الدار التي بناها لأجل ذلك وجهان، لكن المذهب في المبني عليه عدم الملك، وبه جزم الماوردي وغيره في بعض الصور؛ لأن ذلك غير معد للاصطياد.
ثم يثبت له حق الاختصاص به، حتى إذا أخذه غيره كان في ملكه له وجهان قريبان من إحياء المتحجر.
قال الإمام: وهاهنا أولى بأن يملكه الآخذ، وهو ما اختاره في "المرشد"؛ لأن المتحجر قد حصل له قصد التملك، بخلافه هاهنا، ولا خلاف أن من دخل بستان إنسان، وأخذ منه صيداً ممتنعاً: أنه يملكه.
والفرق: أن البستان غير ضابط؛ فهو كالبرية.
ومنها أن يدخل داره، فيغلق عليه الباب قاصداً ملكه، وكذا لو لم يقصده، بل وقع وفاقاً على أضعف الوجهين الجاريين فيما لو وقعت منه سكينة، فتعقل بها صيد
فحبسه، ولا يقوم غلق غير المالك الباب قصداً مقام غلق المالك؛ حتى لا يملكه المالك؛ لأنه لم يقصده، ولا الغالق؛ لأنه فعل ذلك في ملك غيره الخارج عن يده.
ومنها: أن يحشره في مضيق، لا مخلص له منه، أو يسد منافذ البركة الصغيرة التي دخل [فيها] السمك، دون ما إذا كانت كبيرة لا يمكن أخذه منها إلا بعسر.
والمراد بإزالة الامتناع: كسر جناح ما يمتنع بجناحه، وقطعه من طريق الأولى، ورجل ما يمتنع بجريه، وقطعها من طريق الأولى، وكسرهما أو قطعهما إن كان مما يمتنع [بجريه وجناحه] مثل: الدُّرَّاج والفتخ؛ فإنه يقال: إنهما يمتنعان بالعدو والطيران جميعاً، فإذا فعل ذلك ملكه، ومن طريق الأولى إذا قطع حلقومه ومريئه، أو أخرج حشوته بسهمه أو جارحته.
قال الماوردي: وكذا إذا أغرى عليه سبعاً، فعقره، وكان له عليه ولاية، دون [ما] إذا لم يكن له على السبع ولاية؛ فإنه لا يملكه؛ لأن اختيار السبع أولى من إغرائه، ولا يقوم مقام ذلك جريه خلف الصيد حتى يقف تعباً وإعياء.
قال الماوردي: لأن وقوفه استراحة، وهو بعدها على امتناعه.
أما إذا لم يزل فعل الصائد امتناعه، لم يملكه، ولا يثبت له حق اختصاص به؛ حتى إذا أخذه غيره [أ] وأزال امتناعه [ملكه، سواء كان ما أصابه من فعل الأول مما يسلم منه أو لا، وسواء طال معه زمان امتناعه] أو قصر، وسواء قصر طيرانه وجريه عما كان عليه أو لا، وهو باق على الامتناع، ولا يجب على الأول شيء للثاني وإن أثر فعله نقصاناً للصيد، لأنه حين أصابه كان مباحاً، نعم: لو لم ير منه فعلُ آخر حتى ثبت بجراحة الأول، صار حينئذٍ ملكاً للأول، وكذا لو ثبت بعطش أصابه بعد الجراحة؛ لعجزه عن الوصول إلى الماء مع وجوده، دون ما إذا ثبت بالعطش لعدم الماء؛ قاله الماوردي.
ولو أزمنه الثاني بواسطة تقدم فعل الأول، ففي "تعليق القاضي الحسين" في باب العمد وغيره هاهنا حكاية وجهين فيه:
أحدهما: أنه بينهما؛ لأن الزمانة حصلت بفعلهما.
قال الرافعي: وقد يسمى هذا قولاً مخرجاً، وإليه مال الإمام.
والثاني: أنه للثاني إذا ألزمناه تعقيب رميه؛ وهذا ما ادعى الرافعي: أنه الظاهر من المذهب عند الجمهور.
قال: وهما شبيهان بما إذا كان له امرأتان صغيرتان، فأرضعت أمه إحداهما بعد الأخرى، هل ينفسخ نكاحهما أو نكاح الثانية؟ فإن حرمناهما اشتركا هاهنا، وإلا اختص به الثاني.
وقد أطلق الرافعي تصوير محل الوجهين، وصوره البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما بما إذا كان امتناع الصيد بجناحه ورجله، فقطع أحدهما جناحه، والآخر رجله.
وفي "الحاوي" وجه ثالث: أنه يكون لكاسر الجناح، سواء تقدم أو تأخر؛ بناءً على أحد الوجهين فيما: إذا رمياه معاً، فقطع أحدهما جناحه، والآخر رجله: أنه يكون لكاسر الجناح/.
ولو وقع شك في أن فعل الأول هل أزال امتناعه أو لا؟ وقد مات بفعل الثاني، فلا يحكم به للأول، وإن ادعى أن رميه أزمنه، وطلب الغرم من الثاني؛ لأن الأصل بقاء الامتناع، ويحلف الثاني، ويسلم له.
وأما حله: فينظر في إصابة الثاني، فإن قطعت الحلقوم والمريء، أو أدرك معها قطعهما وفيه حياة مستقرة، وفعل ذلك- حَلَّ، وإن كانت في غير محل الذكاة، ومات بها قبل إدراك ذكاته- ففي إباحته وجهان في "الحاوي".
وقد علق الأصحاب بحاله فرعاً له تعلق بكتاب الجنايات لا غناء عن ذكره، وهو إذا أرسل شخص على صيد سهماً أو كلباً، وملكه به، ثم أرسل آخر عليه [ذلك]، فإن لم يمت بفعل الثاني، وجب [للأول] على الثاني أرش ما نقص بفعله، وإن
مات بفعل الثاني خاصة، فإن كان بسبب الرمية، وقد قطعت حلقومه ومريئه، حل، كما قال القاضي أبو الطيب والبندنيجي والماوردي وغيرهم، وللإمام فيه احتمال تقدم مثله فيما إذا رمى شاة الربيطة فقطع حلقومها ومريئها، ومع الحل يجب على الثاني ما بين قيمته حياً على الحالة التي صادفه سهمه فيها وقيمته مذكى؛ كما لو ذبح شاة الغير، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الصيد مما يبقى أو لا.
وقال الإمام: عندي أن الحيوان الثابت إذا كان لما به من الجرح لو لم يذبح لهلك، وفات، فالذبح لا ينقص منه شيئاً، نعم لو فرض إثبات تصوير الحياة معه؛ فإذ ذاك يظهر التفاوت.
وإن صادف سهمه غير المنحر أو قتله كلبه، وفيه حياة مستقرة يمكن الصائد معها الذكاة- حرم، وضمن تمام قيمته مجروحاً الجرح الأول.
قال القاضي الحسين: وإن كان الأول قد توانى في ذكاته، [ومات] بالفعلي معاً- فالصيد حرام؛ لأنه مات من مبيح ومحرم، أو من محرم كما يظهر لك، وهل يجب على الثاني شيء؟ الذي حكاه الجمهور: أنه ينظر: فإن لم يكن الأول قد توانى في ذكاته بعد ذلك حتى مات، وجب على الثاني تمام قيمته، ولا يقال: إن الهلاك حصل بالفعلين؛ فيجب على الثاني نصف القيمة لا غير؛ لأن فعل الأول هو الكاسب والمبيح؛ لأنه أصابه وهو غير مقدور عليه؛ فلم يوجد منه تفريط، والعقر الثاني: هو المحرم لما أباحه الأول، فهو المفسد، فوجب كل الضمان عليه، وبهذا خالف ما لو جرح إنسان شاته ثم جرحها آخر، وماتت من الجرحين، يجب على الأجنبي نصف الضمان؛ لأن كل جرح محرم.
وعن صاحب "التقريب": أنه استدرك، فقال: فعل الأول وإن لم يكن مفسداً، فهو مؤثر في حصول الزهوق لا محالة؛ فينبغي أن يعتبر في الإفساد حتى يقال: إذا كان غير زمن يساوي عشرة، وزمناً [يساوي] تسعة، ومذبوحاً [يساوي] ثمانية-
يلزمه الثمانية، والدرهم الآخر أثر في فواته الفعلان جميعاً.
قال الرافعي: وهذا هو الأصح.
وإن كان الأول قد توانى في ذكاته، فهل يجب على الثاني شيء أو لا؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين": فإن قلنا بالوجوب- وهو الذي أورده العراقيون- فما الواجب؟ فيه وجهان:
أحدهما: جميع القيمة؛ كما تقدم، [وبه قال الإصطخري.
والثاني: نصفها] وبه قال سائر أصحابنا على طبقاتهم؛ كما قاله أبو الطيب والبندنيجي، وصححه الرافعي لأن الثانية وإن كانت مفسدة لم تخرج الأولى عن أن تكون جناية أيضاً؛ فأشبه جرح الشاة، وبهذا فارقت المسألة قبلها.
وحكى الماوردي فيما إذا مات بالجرحين؛ أربعة أوجه:
أحدها- وهو ظاهر المذهب، وقول جمهور أصحابه-: أن الواجب على الثاني القسط كما سنذكره.
والثاني: أنه يجب عليه جميع قيمته مجروحاً، وبه قال الإصطخري.
والثالث- وهو قول ابن أبي هريرة-: إن مات وقد حصل في يد صاحبه حياً ضمن الثاني القسط، وإن كان قبل ذلك ضمن الجميع.
والرابع- وهو أظهرها عندي-: أنه إن مضى من الزمان بين الجراحتين قدر ما يدركه صاحبه، فعلى الثاني القسط، وإن لم يمض بين الجراحتين زمان إدراكه، فالجراحة الثانية هي المختصة بالتحريم؛ فاختص الثاني بجميع القبة.
ثم إذا رأينا التوزيع، فما الذي يضمنه الثاني؟ فيه ستة طرق: خمسة منها حكاها العراقيون، وسادسة ذكرها الإمام؛ تبعاً للقاضي الحسين، ولا تخلو واحدة منها عن احتمال، ولنذكرها أولاً فيما لو كان كل واحد من الجرحين مضموناً لنبين ما يجب على كل واحد منهما، فإذا عرفنا ذلك طرحنا عن الأول الضمان في مسألتنا،
وأوجبنا على الثاني ما يجب عليه، ويفرض ذلك في صيد قيمته عشرة فجنى عليه الأول جناية أرشها درهم؛ فعادت قيمته [إلى] تسعة، ثم جنى الثاني عليه جناية أرشها درهم؛ فعادت قيمته إلى ثمانية، ثم سرت الجراحتان إليه فمات- فالطريق الأول: أنه يجب على كل واحد منهما [خمسة، وبه قال المزني وأبو إسحاق.
لكن المزني يقول: يجب على كل واحد منهما] أرش جنايته، وهو درهم، ويجب عليه نصف قيمته بعد الجرحين؛ وهو أربعة؛ لأن الموت حصل بالفعلين؛ وعلى هذا لو نقصت جناية الأول ثلاثة، والثانية نقصت درهماً- وجب على الأول ستة وعلى الثاني أربعة، ولو انعكس الفرض انعكس الحكم.
وقد حكى القاضي الحسين هذا القول عن أبي الطيب بن سلمة أيضاً.
وقال أبو إسحاق: هذا خطأ؛ لأنه أفرد أرش الجناية مع سرايتها إلى النفس، والجناية إذا سرت إلى النفس، وضمن [بذلك النفس، كان الاعتبار بها؛ كما سيأتي فيما إذا قطع يدي حر ورجليه، فسرت إلى نفسه، ومات- لا يجب إلا دية واحدة، بل الصواب أن يقال: يجب على كل واحد منهما نصف قيمته يوم جنى عليه، ويدخل نصف جناية كل واحد منهما في نصف] بدل النفس الذي ضمنه؛ عملاً بالأصول؛ وذلك يقتضي أن يكون على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، لكن يضمن الثاني للأول أرش جنايته على ما دخل في ضمانه إن غرمه؛ كما نقول فيما إذا غصب ثوباً قيمته عشرة، فجنى آخر على الثوب جناية قيمتها درهم، وتلف الثوب- يجب على الغاصب عشرة [دراهم] لصاحب الثوب، وعلى الثاني درهم، لكن إذا غرم صاحب الثوب الغاصب لا يرجع على الجاني بشيء، ويرجع الغاصب عليه بدرهم؛ لأنه جنى على ما ضمنه؛ فضمن جنايته؛ على ما دخل في ضمانه.
وإن غرم صاحب الثوب الجاني الدرهم، رجع على الغاصب بتسعة لا غير؛ كذلك نفعل هاهنا، ونقول: وجب على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، لكن إن غرم الأول خمسة ونصفاً لم يرجع على الثاني إلا بأربعة ونصف، ويرجع
الأول على الثاني بنصف درهم، وإن ضمن الثاني خمسة لم يرجع على الأول إلا بخمسة، ولا يرجع الأول على الثاني بشيء، وقد اختار هذا القفال، كما قال الروياني، وقال الماوردي: إنه الظاهر من مذهب الشافعي على قول أكثر أصحابه، وقيل: إنه قول أبي إسحاق، ولم أره في شرحه.
وحكى وجهين في أن النصف الزائد على الخمسة في حق الأول، هل للمالك مطالبته به، أو ليس له ذلك، ويكون بضمان الثاني [له] ساقطاً عنه؛ كما سقط عنه نصف الأرش بضمانه له؟ ورأي الثاني أصح، والذي أورده البندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم الأول؛ وعلى هذا لو كانت جناية الأول قد نقصت القيمة ثلاثة، وجناية الثاني نقصت درهماً، فعلى الأول ستة ونصف: خمسة: نصف قيمته حال حياته، ودرهم ونصف: نصف أرش جنايته.
وعلى الثاني أربعة، ثلاثة ونصف: [نصف] قيمته حال جنايته، ونصف: نصف أرش جنايته، وهو داخل في ضمان الأول، فإن غرم [المالك] الأول ستة ونصفاً لم يأخذ من الثاني غير ثلاثة ونصف، ورجع الأول على الثاني بنصف درهم وإن اقتصر على مطالبته بستة رجع على الثاني بأربعة، ولا شيء للأول على الثاني.
ولو انعكس الحال، فكان أرش جناية الأول درهم، والثاني ثلاثة- وجب على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني ستة: أربعة ونصف: [نصف] قيمته حال جنايته، ودرهم ونصف: نصف أرش جنايته، وهو داخل في ضمان الأول، إن غرمه المالك خمسة ونصفاً [لم يأخذ من الثاني غير أربعة ونصف،] [ورجع الأول على الثاني] بدرهم ونصف.
وإن اقتصر [المالك] على مطالبة الأول [بما يستقر عليه؛ وهو] أربعة لا غير، رجع على الثاني بستة.
وعلى الوجه الآخر الذي صححه الماوردي، لم يكن للمالك غير ذلك؛ وعلى هذا فقس.
والطريق الثاني قال بها أبو الطيب بن سلمة: إنه يجب على كل واحدة منهما نصف قيمته وقت الجناية، ويدخل نصف أرش جناية كل منهما فيما ضمنه؛ كما قاله أبو إسحاق؛ فيكون على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، [لكن يجمع ذلك] فيكون [الجميع] عشرة ونصفاً، فاقسم العشرة عليها، فيكون على الأول خمسة أجزاء ونصف جزء من عشرة [أجزاء ونصف من عشرة] وطريق تصحيح ذلك أن تضرب خمسة ونصفاً في عشرة [أجزاء ونصف من عشرة] وطريق تصحيح ذلك أن تضرب خمسة ونصفاً في عشرة فيكون خمسة وخمسين، ونقسمها على عشرة فيخصها خمسة وسبع وثلثاً سبع.
ويكون [على] الثاني خمسة أجزاء من عشرة أجزاء ونصف من عشرة، وطريق تصحيح ذلك أن تضرب خمسة في عشرة تكون خمسيناً نقسمها على عشرة ونصف فيخصها أربعة وخمسة أسباع وثلث [سبع] ومجموع ذلك عشرة، وعلى هذا فقس.
قال: وإنما فعلت هذا كي لا يؤدي إلى التسوية بين الأول والثاني في الغرامة؛ كما فعله أبو إسحاق، وهو محذور؛ لأن الأول جرحه وقيمته عشرة، والثاني جرحه وقيمته تسعة، ومات العبد من سرايتهما؛ فلا يجوز أن يكون ما يجب عليهما سواء، وقد يفضي التفريع إلى أن يجب على الثاني أكثر مما وجب على الأول كما ذكرناه، فالوجه أن يكون الواجب على من جنى عليه وقيمته عشرة أكثر مما يجب على من جنى عليه وقيمته تسعة؛ وهذا أيضاً يضعف به قول المزني.
وقد ضعفه الماوردي بشيء آخر، وهو أن قاعدة الشافعي- رضي الله عنه- أن يضمن المجني عليه بقيمته حين وقوع الجناية عليه، لا بعد استقرارها، وهو قد اعتبرها بعد الجرح قال: وقد اختلف الأصحاب لأجل ذلك في أن المزني قاله
تخريجاً على [أصول] مذهب الشافعي وأخطأ فيه، أو قاله مذهباً لنفسه؟ على وجهين.
والطريق الثالث قال به أبو علي بن خيران: أنه يدخل أرش جناية كل واحد منهما في بدل النفس؛ اعتباراً بسائد الأصول، ويجب على كل واحد كمال قيمته يوم جنايته عليه؛ حتى كأنه ما جنى عليه غيره، وتضم القيمتان معاً، وتقسم العشرة على الجملة.
بيانه: جناية الأول أرشها درهم، وقيمته عشرة، دخل الأرش في البدل، فأوجبنا عليه عشرة، ثم جناية الثاني أرشها درهم، وقيمته تسعة، دخل الدرهم فيها فأوجبنا عليه تسعة؛ فنضم تسعة إلى عشرة، وتقسم العشرة عليها؛ فيكون على الأول عشرة أجزاء من تسعة عشر جزءاً، وعلى الثاني تسعة أجزاء من تسعة عشر جزءاً وعلى هذا فقس.
قال: وما قاله المزني وأبو إسحاق وأبو الطيب خطأ، أما ما ذكره المزني؛ فلما سلف، [وأما ما ذكره أبو إسحاق؛ فلما ذكرناه، ولأنه أسقط نصف أرش الجناية، وأوجب النصف؛ نظراً إلى] أن كل واحد منهما ضامن لنصف النفس، [وإذا كان كذلك؛ فيجب أن يكون كل واحد منهما جانياً على النصف]، وإذا كان كذلك، يجب أن يسقط اعتبار جميع أرش الجناية.
[وأما قول أبي الطيب، فخطؤه من وجه واحد، وهو أنه أفرد نصف: أرش الجناية] مع ضمان السراية إلى النفس.
وهذا الطريق هو الذي صححه [القاضي] أبو الطيب وغيره من العراقيين، وارتضوه؛ ولأجله قال ابن الصباغ: قال أصحابنا: هذه الطريقة [هي] أصح الطرق، واختارها- أيضاً- وقال: إنه يمكن قسمتها بطريق أسهل من ذلك؛ بأن يقال: الأول أتلف نصف النفس، وقيمتها عشرة؛ فيكون عليه خمسة.
والثاني أتلف نصف النفس، وقيمتها تسعة؛ فيكون عليه أربعة ونصف؛ وذلك أقل من قيمة الصيد؛ فيقسم عشرة على تسعة ونصف؛ فيكون على الأول ما يخص خمسة، وعلى الثاني ما يخص أربعة ونصفاً.
والطريق الرابع قاله بعض الأصحاب: أنه يجب على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني أربعة ونصف، واختلف في توجيهه:
فقال الإمام: لأن الأول منتسب إلى التفويت إلا فيما تعرض للالتزام به الثاني، والذي التزمه الثاني أربعة ونصف؛ فكان باقي القيمة على الأول وهو خمسة ونصف.
وقال العراقيون: إنما كان كذلك؛ لأنه يدخل أرش جناية الثاني في بدل النفس، ولا يدخل أرش جناية الأول في بدلها، وعلى كل واحد منهما نصف قيمته بعد جناية الأول، وفرق بينهما: بأن الأول انفرد بالجناية، والثاني وجدت جنايته مع جناية الأول، وسرتا إلى النفس؛ فكان البدل عليهما.
قال البندنيجي: وهذا قول العراقيين، وهو سهل، وبه قال صاحب "التقريب"، واختاره، وقد وافقه في ترجيحه الإمام، وقال الغزالي: إنه الأقرب، وسبيل الاعتراض عليه: أما على طريقة الإمام من نسبة الأول إلى التفويت فبأن يقال: إن هذا فيما إذا انفرد، فأما إذا شاركه غيره، فقد خرج عن أن يكون مفوتاً للكل، والنظر في القدر الذي ينسب إليه من الفائت.
وأما على طريقة غيره، فبما اعترض به على طريقة المزني [أبو إسحاق].
والطريق الخامس: قال به ابن أبي هريرة- كما قال الماوردي- وابن سريج- كما قال الموافق ابن طاهر-: أنه يدخل أرش جناية كل واحد منهما في بدل النفس؛ كما قال ابن خيران، لكن يجب على كل واحد منهما نصف قيمته يوم جنى عليه؛ فيكون على الأول خمسة، وعلى الثاني أربعة ونصف.
قال الإمام: وما ذكره من إسقاط الأرش، وإسقاط اعتباره فقيه، ولكنه أدى إلى إسقاط نصف درهم من قيمته، وهما الجانيان، ولا سبب سوى جنايتهما؛
وذلك محال؛ ولأجل هذا قال البندنيجي: إنه فاسد.
والطريق السادس: أنه يجب على الأول خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، [يجوز جميع] ذلك المالك؛ عملاً بما قاله أبو إسحاق في صدر كلامه.
قال الإمام: وهو ينسب إلى اختيار القفال، واعترض عليه بأن فيه زيادة الواجب على المتلف، وقال: إن القفال اعتذر عن ذلك بأن ترتيب الجنايات قد يجيز مثل هذا؛ فإن من قطع يدي عبد [و] التفريع على أنه يلزمه تمام القيمة؛ فإنا نلزمه القيمة، ثم لو قتله آخر يلزمه قيمة عبد مقطوع اليدين؛ فيحصل للسيد من الجانبين قيمة عبدٍ وزيادة.
[قال الإمام:] ولا حجة في ذلك، فإن قاطع اليدين لا شركة له في القتل، والقتل بعد القطع من [أجنبي] يلحق القطع بالاندمال؛ فليس تلك الصورة نظير مسألتنا.
وقد أيد الأصحاب تحقيق الطرق المذكورة في هذه الصورة بمثال آخر ذكروه، وهو ما إذا جنى على الصيد المملوك ثلاثة، ونقصت قيمته بسبب كل جناية درهمين، وعادت قيمته بعد الجنايات إلى أربعة:
فعلى الطريق الأول: يجب على كل واحد منهم مستقراً ثلاثة وثلث؛ لأن المزني يقلو: يجب على كل واحد أرش جنايته وهو درهمان، وثلث قيمته بعد الجنايات، وهو درهم وثلث، ومجموع ذلك ثلاثة وثلث.
وأبو إسحاق يقول: يجب على كل واحد منهم ثلث قيمته يوم جنايته عليه وثلثا أرش جنايته، ويسقط ثلثها؛ فالأول جنى عليه وقيمته عشرة فثلثها ثلاثة وثلث، وثلثا أرش جنايته درهم وثلث، ومجموع ذلك أربعة وثلثان.
والثاني جنى عليه وقيمته ثمانية، وثلثها درهمان وثلثان، وثلثا أرش جنايته درهم وثلث، ومجموع ذلك أربعة.
والثالث جنى عليه وقيمته ستة، [وثلثها درهمان] وثلثا أرش جنايته درهم وثلث، وذلك ثلاثة وثلث، إلا أنه دخل فيما ضمنه الأول من جناية الثاني والثالث درهم وثلث، وعلى كل [واحد] منهما ثلثان، ودخل فيما ضمنه الثاني من جناية الثالث ثلثان، فإن أخذ المالك من الأول أربعة وثلثين، غرم له كل من الثاني [والثالث ثلثين، ويبقى للمالك في جهة الثاني درهمان وثلثان، وفي جهة الثالث كذلك، وإن أخذ من الثاني] أربعة، كان له أن يأخذ من الأول ثلاثة وثلثا، ومن الثالث درهمين وثلثين، ويرجع الثاني على الثالث بثلثين، [وكان] له أن يأخذ من الأول أربعة ومن الثالث درهمين ويرجع عليه الأول بثلثين وكذلك الثاني.
وإن أخذ من الثالث ثلاثة وثلثاً، كان له أن يأخذ من الأول أربعة ومن الثاني درهمين وثلثين، ويرجع الأول على الثاني بثلثين، [وكان] له أن يأخذ من الأول ثلاثة وثلثاً، ومن الثاني كذلك، ولا تراجع في هذه الصورة.
وعلى الطريق الثاني [يجب] على كل واحد منهم ثلث قيمته يوم جنى عليه، وثلثا أرش جنايته؛ فيكون على الأول أربعة وثلثان، وعلى الثاني أربعة، وعلى الثالث ثلاثة وثلث، ومجموع ذلك اثنا عشر يقسم على العشرة؛ فيجب على الأول أربعة وثلثان من اثني عشر من عشرة، وذلك ثلثها ونصف تسعها، وعلى الثاني أربعة من اثني عشر من عشرة وذلك ثلثها، وعلى الثالث ثلاثة وثلث من اثني عشر من عشرة، وذلك ربعها وربع تسعها، ومجموع ذلك عشرة.
وعلى الطريق الثالث يجب على كل منهم تمام قيمته يوم جنى عليه، ويضم ذلك، ويقسم على العشرة، ومجموع القيم أربعة وعشرون؛ فيكون على الأول عشرة من أربعة وعشرين من عشرة، وهي ربعها وسدسها، وعلى الثاني ثمانية من أربعة وعشرين من عشرة، وهي ثلثها، وعلى الثالث ستة من أربعة وعشرين من عشرة وهي ربعها.
وعلى الطريق الرابع الناظر إلى أنه لا يدخل أرش جناية الأول في بدل النفس،
ويدخل أرش جناية الثاني، نقول هاهنا: لا يدخل أرش جناية الأول [عليه] في بدل النفس، ويدخل أرش جناية الثاني والثالث، وعلى كل واحد منهم ثلث قيمته يوم جناية الأول عليه، ويجب على الأول أربعة وثلثان، وعلى الثاني والثالث خمسة [وثلث بالسوية].
وعلى الطريق الخامس لا يخفى الحكم، وكذلك على الطريق السادس؛ وعلى هذا فقس.
[ومثل] ما ذكرناه في مسألة الصيد جارٍ فيما لو وقعت جناية غير مقدرة على رقيق، فسرت إلى النفس؛ ولا يجيء [مثله] فيما إذا وقعت على حُرٍّ، لأن بدل الحر مقدر لا ينقص بما يطرأ عليه من نقص في الأعضاء؛ ودليله ما لو قطع شخص أطراف حُرٍّ، ثم قتله آخر، يجب عليه كمال ديته، نعم: لو كانت مقدرة كالأطراف فقد خرج ابن أبي هريرة فيه وجهين.
أحدهما: أنه كالحرٍّ، والثاني: أنه كالبهيمة، قال الماوردي: وكل من الوجهين معلولل.
فروع: [أحدها:] إذا رمى شخصان صيداً، فوقع سهامهما فيه في حالة واحدة؛ فأزمناه، فإن مات بالرميتين، فهو لهما، وإن مات بإحدى الرميتين: فإن كانت موحية دون الأخرى، فهل يكون بينهما، أو يختص به الموحي رميه؟ فيه وجهان في "الحاوي".
[الثاني:] لو رمياه، فادعى أحدهما اجتماعهما على إصابته؛ فيكون بينهما، وقال الآخر: [بل] أنا انفردت بالإصابة؛ فجميعه لي- فإن كان في يدهما- فهو بينهما مع اليمين؛ [وإن كان في يد أحدهما؛ فالقول قوله مع يمينه] وإن كان خارجاً عنهما، فهل نجعل القول قول مدعى الاجتماع أو لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ عملاً بحكم الظاهر.
والثاني: أنه يحكم بموجب الدعوى؛ فنجعل لمدعي الانفراد النصف بغير يمين
-والربع باليمين إن حلف وحلف الآخر، وإن نكل فاز الآخر بعد حلفه بالنصف.
[الثالث:] إذا رماه شخص، ثم رماه آخر، فوجد ميتاً، ولم يعلم القاتل منهما- قال في "الأم": "يؤكل، وهو بينهما"، واختلف الأصحاب في حله على وجهين:
أحدهما: المنع؛ لأنه يحتمل أن يكون الثاني قتله بعد أن أثبته الأول؛ فلا يحل أكله، ويحتلم أن يكون الثاني قتله قبل أن أثبته الأول فيحل، والأصل الحظر.
واختلف القائلون بهذا في تأويل النص:
فمنهم من قال: محله إذا علمنا إباحته قطعاً؛ إما بالذكاة أو بالعقر، وجهلنا الذابح؛ ولأجل ذلك جعله بينهما؛ لأنه في يدهما.
ومنهم من قال: ما ذكره مفروض فيما إذا كان المصاب مما يمتنع برجله وجناحه؛ فكسر أحدهما رجله، والآخر جناحه؛ فإن فيه وجهين:
أحدهما: هو لهما.
والثاني: أنه للثاني؛ فيكون على الوجهين حلال؛ لأن الرمي الأول لم يزمنه، والثاني: إن حصل به القتل غير قادح في حله، وإنما جعله بينهما على الوجه الثاني؛ لأن الثاني مجهول، ويدهما عليه؛ فكان بينهما.
والوجه الثاني: إنه حلال، وهو ظاهر النص، وبه قال أبو إسحاق موجهاً له بأن الأصل بقاؤه على الامتناع حتى نعلم أن الأول أزاله فكان الظاهر أنه مات بالثاني؛ فيحل.
ووجه كونه مشتركاً بأنه في يدهما، وهي تدل على الملك؛ فجعل بينهما، ولا تدل على الذكاة؛ فكان مباحاً.
قال: ومن ملك صيداً، ثم أرسله- أي: مختاراً فيه- لم يزل ملكه عنه في أصح القولين؛ لأنه لم يوجد منه إلا مجرد رفع اليد، وذلك لا يقتضي زوال الملك؛ كما لو ملك بهيمة، ثم سيبها؛ فعلى هذا لا يجوز لمن عرفه أن يصيده، ومن لم يعرفه، وصاده لا يملكه؛ ولأجله قال القفال: بعض [العوام يحتسبون بإرسال الطيور
المملوكة ويسمونه: إعتاقاً، ولا ينبغي أن يفعل؛ لأنه يخلط] ملكه بالطيور المباحة، فيأخذه رجل يظن أنه ملكه، ولا يملك بذلك.
نعم: لو أراد مالك الصيد عند الإرسال إباحته لمن أخذه حصلت الإباحة، ولا ضمان على من أكله، لكن لا ينفذ تصرفه فيه، ولا يحل تناوله لمن عرف أنه مملوك إلا إذا سمع الإباحة بأن يكون المالك قد قال عند الإرسال: "أبحته لغيري".
ولو قال عند الإرسال: "أعتقته"، لم يزل ملكه عنه؛ قاله المسعودي، ويجيء فيه الوجه المذكور في صحة عتق البهيمة المملوكة من غير الصيود، وتفريعه كما سيأتي في موضعه.
والقول الثاني: أنه يزول كما لو ملك عبداً، ثم أعتقه؛ وهذا ما حكاه في "البحر" عن نصه في "المبسوط".
قال الرافعي: لكنه شرط فيه أن يخليه على قصد [إخراجه من ملكه، وإلحاقه بالوحش؛ وعلى هذا من أخذه ملكه.
وخص الماوردي] محل الخلاف بما إذا لم يقصد بإرساله التقرب إلى الله- تعالى-، فإن قصده، فهو موجب لزوال ملكه؛ كما في العتق.
وعن أبي علي الطبري: أنه إن قصد التقرب إلى الله –تعالى- بإرساله، زال ملكه، وإلا فلا؛ حكاه ابن الصباغ وجهاً ثالثاً في المسألة.
وقال في "البحر": إن ما قاله الطبري يحكي عن ابن أبي هريرة، فإن قلنا به، وكان قد أرسله، وقصد التقرب؛ وصار الصيد ممتنعاً، فهل يحل صيده؟ فيه وجهان:
أحدهما- ويحكى عن ابن أبي هريرة-: نعم؛ لأنه يعود إذا زال عنه الملك إلى حكم الإباحة.
والثاني: لا؛ كما أن العبد إذا عتق لا يعود الملك فيه؛ وهذا ما حكاه الماوردي ععن كثير من البصريين.
قلت: وللأول أن يقول: نظير عود الصيد إلى الامتناع عود العبد للكافر بعد العتق إلى دار الحرب؛ فإنه يجوز استرقاقه على رأي، وإن منعناه؛ فذاك لأجل
إبطال الولاء، وهو مفقود هنا، ولا جرم، صحح الأول الشيخ محيي الدين النواوي في "الروضة".
وقد أثبت العراقيون وغيرهم القولين [،و] في مسألة الكتاب وجهان: ونسبوا الأول منهما إلى أبي إسحاق، والثاني إلى ابن أبي هريرة؛ [وعلى هذا يكون مراد الشيخ بقوله: "في أصح القولين"، أي: المخرجين للأصحاب]، وكثيراً ما يطلق الأصحاب في المسألة قولين، ويريدون ذلك، وهما جاريان- كما قال في الفروع- فيما إذا كان معه ماء فصبه أو أعرض عن سواقط الثمار كما سنذكره، وكذا فيما لو كان معه كسرة خبز، فأعرض عنها، وأخذها آخذ، لكن بالترتيب، وهاهنا أولى بأن لا يملكها الآخذ؛ لأن سبب الملك في الصيد [اليد] وقد زالت.
قال النواوي: والأرجح: أنه يملك ذلك، ويصح تصرفه فيه بالبيع وغيره، وهو ظاهر أحوال السلف، ولم ينقل أنهم منعوا من أخذ شيء من ذلك من التصرف.
قال الإمام: وهذا الخلاف في زوال الملك، وما فعله إباحة للطاعم في ظاهر المذهب؛ لأن القرائن الظاهرة كافية في الإباحة.
و [قد] أجزنا- أيضاً- فيما لو أعرض عن إهاب ميتة، وألقاه، فأخذه غيره، ودبغه، هل يحصل الملك له أو لا؟ لكن بالترتيب أيضاً، وهنا أولى بأن يملكه الآخذ؛ لأن الإعراض عما لا ملك فيه قوي ظاهر.
قال الرافعي: ولك أن تزيد فتقول: إن قلنا: إن من غصب جلد ميتة ودبغه، ملكه، فهاهنا أولى بلا خلاف، وإلا فوجهان.
أما إذا أرسله وجوباً؛ كما إذا أحرم، وفي ملكه صيد، زال ملكه عنه قولاً واحداً، ويعود إلى حاله الأول؛ حتى إذا أخذه غيره ملكه، وقد تقدم ذكر ذلك [في موضعه].
ولو استرسل الصيد بنفسه، فلا يزول ملكه عنه وبلا خلاف، وإن عاد إلى حاله الأولى؛ كما لو ملك عبداً بالسبي، وعاد إلى دار الحرب، ويخالف ما لو ملك ماءً فانصب في النهر؛ فإنه يزول ملكه على أحد الوجهين؛ للقدرة على مثله، بخلاف
الصيد؛ قاله في "الحاوي".
نعم: لو انفلت الصيد بعد وقوعه في الشبكة، قال القاضي الحسين: فهو باقٍ على ملكه – أيضاً- لا يملكه أحد بعد وهو ما ادعى في "الوسيط" في باب الوليمة: أنه الظاهر، وفيه وجه؛ لأنه لا يعد مستقراً في العرف.
وقال الماوردي: إنه ينظر: فإن كان انفلاته؛ لكونه حالة وقوعه فيها قادر على الخلاص، لم يملكه بالوقوع، لكنه أحق به، وإذا أخذه غيره ملكه، وإن كان لتقطع الشبكة، فإن كان الصيد الذي قطعها، كان الأمر كذلك، وإن قطعها غيره من صيود اجتمعت على قطعها، كان باقياً على ملك صاحبها؛ فلا يملكه غيره إذا أخذه.
ولو كان قد اقتلع الشبكة، وذهب بها، فإن كان ثقل الشبكة يبطل امتناعه بحيث يتيسر أخذه، فهو لصاحبها، وإلا فهو لمن أخذه؛ قاله الرافعي.
ولو انفلت من الكلب، فقد قال القاضي في "المجرد": إن كان ذلك قبل ما أدركه صاحبه لم يملكه، وإن كان بعده فوجهان؛ لأنه لم يقيضه ولا ثم امتناع؛ وهذا ما اختاره في "المرشد"، وهو كالمخالف لما حيكناه عن القاضي الحسين من قبل.
وفي الرافعي في آخر الباب فيما إذا استرسل كلب فحبس صيداً، فلما انتهى إليه [صاحبه] أفلت الصيد- حكاية وجهين عن ابن كج في أنه هل يملكه أخذه أو هو ملك للأول.
فرع: لو وقع الشك في أن الصيد استرسل بنفسه، أو أرسله صاحبه إرسالاً يزول به الملك عنه، ويحل اصطياده- لا يجوز أخذه على حكم الاصطياد، ويتفق ذلك فيما لو رأى على الصيد أثر ملك؛ بأن كان مُقَرَّطاً أو مخضوباً أو مقصوص الجناح ونحو ذلك؛ لأن هذه الأحوال تدل على أنه ملك، والأصل بقاء الملك فيه لمن ملكه.
قال الأصحاب: ومثل هذا إذا اصطاد سمكة ووجد في بطنها جوهرة مثقوبة، لم يملكها؛ لدلالة أثر الملك عليها، بل تكون لقطة، بخلاف ما لو كانت غير مثقوبة؛ فإنه يملكها.
وخص الماوردي محل ملكه لها إذا كانت غير مثقوبة بما إذا اصطاد السمكة من بحر الجوهر، وقال فيما إذا كانت من غيره: إنه لا يملكها، وأجراه فيما إذا وجد في جوفها عنبرة، وقال فيما غذا وجد في جوفها ذهباً: فإن كان مطبوعاً، أو عليه أثر دخوله النار، لم يملكه، وإلا فإن كانت في بحر فيه معادن الذهب ملكه، وإلا فلا، وتكون لقطة.
وقد أطلق البغوي القول بأن من اشترى سمكة، فوجد في بطنها درة غير مثقوبة: أنها تكون للمشتري، وإن كانت مثقوبة، فهي للبائع إن ادعاها.
قال الرافعي: ويشبه أن يقال: إن الدرة لمن اصطاد السمكة؛ كما أن الكنز [الذي] يكون في الأرض يكون لمحيي الأرض.
وقد نجز شرح مسائل الباب، فلنختمه بفروع تتعلق به:
أحدها: [إذا أمر عبداً أعجمياً أو مجنوناً بالصيد، فهل الصيد للآمر أو للمأمور؟ فيه وجهان في "تعليق القاضي الحسين"، والمذكور منهما في "التهذيب" و"البحر": أنه إذا كان المأمور عبداً أعجمياً يكون لسيده، وألحق به الصبي].
[الثاني] إذا أرسل كلبه على صيد فقتله، ولم يعلم أنه مملوك، فهل يضمنه؟ فيه وجهان في "الحاوي".
أحدهما: نعم؛ كما لو أرسل عليه سهمه؛ فإنه يضمنه وجهاً واحداً.
والثاني: لا؛ كما لو وقع في شبكته، وانفلت منها، وتلف، ويخالف مسألة السهم؛ لأن القتل فيها منسوب إلى راميه، وقتل الكلب [منسوب] إلى اختياره.
[الثالث]: إذا اختلطت حمامات برج مملوكة بحمامات مباحة، نظر: إن كان المباح محصوراً لم يحل صيد شيء منها، وإن كان غير محصور، حل الصيد؛ كما إذا اختلطت من يحرم عليه نكاحها بنسوة.
قال الغزالي في "الإحياء" في كتاب الحلال والحرام: والعدد المحصور وغير المحصور إنما يضبطان بالتقريب، فكل عدد لو اجتمع في صعيد واحد يعسر على الناظر عددهم بمجرد النظر: كالألف ونحوه، فهو غير محصور، وما سهل: كالعشرة والعشرين، فهو محصور، وبين الطرفين أوساط متشابهة تلحق بأحد الطرفين بالظن، وما وقع فيه الشك [اُستُفتى] فيه القلب.
ولو اختلطت حمامات أبراج مملوكة [لا تكاد تنحصر] بحمامات أخرى مباحات، فوجهان:
أحدهما: لا يجوز الاصطياد منها؛ فإن ما لا ينحصر بالإضافة إلى مثله كما ينحصر بالإضافة إلى مثله.
والثاني: يجوز؛ استصحاباً لما كان.
قال الإمام: وهذا إليه صَغْوُ معظم الأصحاب، والأول أقيس.
ولو اختلطت حمامات برج مملوكة بحمامة [من] برج آخر مملوكة، وعسر التمييز- ففي "التهذيب": أن لكل مالك أن يأكل بالاجتهاد واحدة واحدة [حتى] تبقى واحدة؛ كما لو اختلطت ثمرة الغير بثمرته.
والذي حكاه الروياني: أنه ليس له أن يأكل واحدة منها، حتى يصالح ذلك الغير أو يقاسمه؛ ولهذا قال بعض مشايخنا: ينبغي للتقي أن يجتنب [طير البرج] وبناءها.
ونقل الإمام وغيره: أنه ليس لواحد منهما أن يتصرف في شيء منها ببيع أو هبة من ثالث؛ لأنه لا يتحقق الملك فيه، ولو باع أو وهب [أحدهما] من الآخر، ففيه وجهان:
وجه الصحة: وهو أولى؛ للحاجة الداعية إليه، وقد ترتفع التعبدات بالضرورات والحاجات؛ ولذلك صححنا القراض والجعالة على ما فيهما من الجهالة.
وأنهما لو باعا الحمام المختلط، ولا يدري واحد منهما عين ماله، فإن كانت
الأعداد معلومة: مائتين، ومائة، والقيم متساوية، وزعنا الثمن على أعدادها، وصح بإطباق الأئمة.
وإن كانا يجهلان الأعداد [قال الإمام]: فالوجه عندي [عدم] صحة البيع؛ لأنه لا يعرف كل واحد منهما ما يستحقه من الثمن، والطريق أن يقول كل واحد منهما: بعتك الحمام الذي لي في هذا البرج بكذا؛ فيكون الثمن معلوماً، ويحتمل الجهل في المبيع؛ للضرورة.
وفي "الوسيط": أنهما لو تصالحا على شيء، صح البيع، واحتمل الجهل بقدر المبيع.
ويقرب من هذا ما أطلق من مقاسمتهما.
قال الرافعي: واعلم أن الضرورة قد تدعو إلى المسامحة في بعض الشروط المعتبرة في العقود؛ ألا ترى أن الكافر إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة، ومات قبل الاختيار- يضصح اصطلاحهن على القسمة؛ إما بصفة التساوي، أو التفاوت، مع الجهل بالاستحقاق؛ فيجوز أن تصح القسمة هاهنا- أيضاً- بحسب تراضيهما.
ويجوز أن يقال: إذا قال كل واحد منهما: بعت ما لي من حمام هذا البرج بكذا، وصححناه مع الجهل بالمبيع، فإذا قالا: بعنا حمام هذا البرج بكذا والأعداد مجهولة- أن يصح أيضاً مع الجهل بما يستحقه كل واحد منهما؛ إذ المقصود انفصال الأمر بحسب ما يتراضيان عليه.
والإمام قوى رأيه في عدم الصحة في هذه الصورة بأن رفع الجهل عن الثمن- بأن يبيع كل واحد [منهما] ما يملكه من ذلك- ممكن؛ فلا معنى لاحتمال جهل لا تلجأ إليه الضرورة.
ولو انثالت حنطة إنسان على حنطة غيره، أو انصب مائع في مائع، وجُهِلَ المقدار، قال الرافعي: فليكن الحكم كما ذكرنا في اختلاط الحمام.
ولو اختلط درهم حرام أو دراهم بدراهم، ولم يتميزا، أو دهن بدهن ونحو
[ذلك]، قال في "الإحياء" وغيره من الأصحاب: طريقة ذلك أن يفصل قدر الحرام، فيصرفه إلى الجهة التي يجب صرفه فيها، ويبقى الباقي له يتصرف فيه بما أراد.
الرابع: إذا أخبر فاسق أو كتابي: أنه ذكَّى هذه الشاة، قبلناه؛ لأنه من أهله؛ ذكره في "التتمة".
ولو وجدت شاة مذبوحة، ولم يدر: أذبحها مسلم، أو كتابي، أو مجوسي؟ فإن كان في البلد مجوس ومسلمون، لم تحل الذبيحة بالشك في الذكاة المبيحة، والله- عز وجل- أعلم.
باب الأطعمة
هذا الباب مسوق لبيان ما يحل تناوله من المطعومات والمشروبات وما لا يحل، وذكر في ربع العبادات؛ لأن طلب الحلال فرض من فروض الأعيان على كل مسلم؛ قال الله - تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: 51]، قال المفسرون: المراد به هاهنا: المداومة على أكل الحلال، وقال- عليه السلام-: "طلب الحلال فريضة على كل مسلم".
والأصل فيما يحل تناوله وما لا يحل [تناوله] من الكتاب آيات، منها قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4]، قال الأصحاب- ومنهم الروياني-: اسم الطيب يقع على أربعة أشياء:
[الأول:] [على] الحلال؛ كما جاء في الآية الأولى.
[و] لا يجوز أن يكون هو المراد [في هذه] [الآية؟ لأنهم سألوه عما يحل لهم؛ فلا يجوز أن يجيبهم بأن يقول لهم: نحل لكم الحلال.
[الثاني:] ويقع على الطاهر؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [المائدة: 6].
ولا يجوز أن يكون هو المراد بهذه الآية]؛ لأن الظاهر أنه ردهم إلى شيء ينفردون بمعرفته، ويختصون به، وهم لا يختصون بمعرفة الطاهر، وإنما يعرفونه بالشرع.
[الثالث:] ويقع على ما لا أذى [فيه]، كقولهم: "هذا يوم طيب"، و"ليلة طيبة"؛ إذا لم يكن في [ذلك] حر يؤذي ولا برد يؤذي.
ولا يجوز أن يكون هو المراد في هذه الآية؛ لأن الشيء المأكول لا يوصف بذلك.
الرابع: ويقع على ما تستطيبه النفس وتشتهيه.
وهو المراد بالآية المذكورة؛ لانحصاره؛ وهذا ما ذكره القاضي أبو الطيب، وصححه القاضي الحسين بعد أن أبدى احتمالاً آخر، وهو أنه يجوز أن يكون المراد: الحلال؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3].
[ومنها قوله تعالى في صفة نبيه (: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ الآية [الأنعام: 145]، واختلف أصحابنا في تأويلها:
فمنهم من قال: أراد بما أوحى إليه: قرآنا؛ فإنه لم يرد فيه غير تحريم هذه الأطعمة، وما عداها من المحرمات، فبالسنة حرم.
ومنهم من قال: [أراد]: قل لا أجد محرماً مما كانت العرب تستطيبه إلا هذه الأشياء الأربعة؛ والرابع منها قوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145].
ومن السنة ما سنذكره في أثناء الباب، إن شاء الله تعالى.
قال: ويؤكل من دواب الإنس: الإبل، والبقر، والغنم؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] وقوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ﴾ [النحل: 5] [وقد أجمعت الأمة على ذلك].
قال: والخيل؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ الآية [الأنعام: 145].
وقد روى أبو داود عن محمد بن علي- وهو الباقر- عن جابر بن عبد الله قال: "نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر عن لحوم الحُمُرِ، وأذن في لحوم الخيل"،
[وأخرجه مسلم والبخاري كما ذكرناه، ولفظ البخاري: "وأرخص في لحوم الخيل".
فإن قيل: فقد روى أبو داود- أيضاً- عن خالد بن الوليد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل لحوم الخيل] والبغال والحمير.
قلنا: قال أبو داود: وهو منسوخ.
[وقال النسائي: إن صح هذا، فهو منسوخ]، ويدل عليه قوله في الحديث الأول: "وأذن" أو: "أرخص في لحوم الخيل".
تنبيه: الإنس: البشر، واحدهم: إِنْسي، بكسر الهمزة وإسكان النون، وأَنَسِيّ بفتحها، حكاه الجوهري وغيره، والجمع: أناسِي.
قال: ويقال للمرأة: إنسان، ولا يقال: إنسانة.
وفي "المفصل" للزمخشري عند الكلام في أقسام تاء التأنيث: أن من ذلك دخولها للفرق بين المذكر والمؤنث في الاسم: كامرأة، وشيخه، وإنسانة.
الخيل: قال الجمهور: هو [اسم] جنس، لا واحد له من لفظه: كالقوم، والنفر، والرهط، [والنساء]، وواحده من غير لفظه: فرس، يطلق على الذكر والأنثى، وقيل: [إن] واحده خائل كطائر وطير.
والخيل معروفة، وجمعها: خيول، وتصغيرها: خييل، وسميت: خيلاً؛ لاختيالها في مشيها بطول أذنابها.
والله أعلم.
قال: ولا يؤكل الكلب؛ لأنه من الخبائث؛ قال- عليه السلام-: "الْكَلْبُ خَبِيثُ وَخَبِيثُ ثَمَنُهُ"، وإذا ثبت أنه من الخبائث، اندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157].
قال: والخنزير؛ للآية، والبغل والحمار؛ لحديث جابر.
وقد روى أبو داود عن أبي الزبير عن جابر- أيضاً- قال: "ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير؛ فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البغال والحمير، ولم يَنْهَنَا عن الخيل"، وأخرجه مسلم بمعناه.
وحكم لبن ما لا يحل أكله مما ذكرناه حكم لحمه؛ لأنه عصارته.
وفي "التتمة" وجه في حِلِّ لبن الحمير؛ لأنه كان مباحاً في ابتداء الإسلام مع اللحم، والخبر دال على تحريم اللحم خاصة؛ فيبقى اللبن على الإباحة.
قلت: ويمكن أخذه من أصل آخر، وهو أن الحمير حرمت بالنص، أو لأجل أن العرب تستخبثها؟ وفيه وجهان في "الحاوي": فإن قلنا بالأول، أمكن أن يقال بالحل؛ لما ذكر، وإن قلنا بالثاني فلا.
قال: والسنور؛ لما روى عن جابر بن عبد الله: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن
الهِرِّ".
وفي رواية: "عن أكل الهر، وأكل ثمنها"، وأخرجه النسائي والترمذي وابن ماجه.
فإن قلت: في إسناده عمر بن زيد، وهو لا يحتج بحديثه.
قلت: قد روى مسلم من حديث أبي الزبير قال: سألت جابراً عن ثمن الكلب والسنور، فقال: "زجر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك".
[وروي أنه- عليه السلام- قال: "إنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئاً حَرَّمَ ثَمَنَهُ"].
وروي أنه- عليه السلام- قال: "الهِرُّ سَبُعُ"، ولأنه يصطاد بنابه، ويأكل الجيف؛ فحرم كالأسد.
وفي الرافعي: أن أبا عبد الله البُوشَنْجِيّ من أصحابنا اختار لنفسه حل أكلها كمذهب مالك.
قال: ويؤكل من دواب الوحش البقر؛ لأنها من الطيبات.
قال البندنيجي: ويستوي فيها التيتل والأيل والوعل، وكذا يؤكل جميع كباش الجبل وغنمه.
قال: والحمار؛ لأنه من الطيبات أيضاً.
وقد روى أبو داود عن قتادة أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان ببعض طريقمكة، تخلف مع أصحاب [له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً، فاستوى على فرسه، قال: فسأل أصحابه] أن يناولوه سوطه، فأبوا، فسألهم رمحه فأبوا، فأخذه، ثم شدَّ على الحمار، فقتله، فأكل [منه] بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبى بعضهم، فلما أدركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألوه عن ذلك، فقال: "إنَّما هي طُعْمَةُ، أطْعَمَكُمُوهَا اللهُ تَعَالَى"، وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، ووقع في البخاري ومسلم: أنه- عليه السلام- أكل منه.
وقوله- عليه السلام-: "أَلاَ لاَ يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلاَ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ"- كما خرجه أبو داود عن المقدام بن معديكرب والدارقطني مختصراً [يدل عليه أيضاً].
ولا فرق في ذلك بين ما تأنس منه أو بقي على توحشه؛ كما لا فرق في تحريم الإنسي بين أن يبقى على صفته أو يتوحش؛ كما قاله في "البحر" وغيره.
قال: والظبي؛ لأنه من الطيبات؛ فتناوله قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4].
قال: والضبع؛ لما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -