كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 72-111
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 72-111
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

إما القلع مجاناً، أو لا شفعة، فما وجه ما ذكرتموه؟ قيل: المسألة مصورة بما إذا حصلت مقاسمة بعد الشراء، ومع ذلك لا تبطل الشفعة، وذكر لذلك [صور] نبدي منها ما تيسر: فمنها إذا قيل للشفيع أنه اشترى بثمن كثير فعفا [ثم قاسم] ثم ظهر أن الثمن قليل، فإنه على شفعته.
ومنها: إذا أظهر المشتري أنه اتهب الشقص فقاسمه الشفيع، ثم ظهر أنه اشتراه، فالشفعة ثابتة.
ومنها: إذا كان الشفيع وكل في القسمة، فقاسم الوكيل المشتري، فالموكل على شفعته.
ومنها: إذا كان الشفيع غائبا، فرفع المشتري الأمر إلى الحاكم وطلب منه القسمة فقاسمه، ثم حضر الشفيع فإنه على شفعته، وللإمام وقفة في جواز مقاسمة الحاكم مع علمه بثبوت الشفعة للغائب، والمشهور الإجابة.
ومنها: إذا وكل المشتري البائع في المقاسمة، فقاسمه الشفيع ظاناً أنه قاسمه لنفسه، فإن شفعته لا تبطل.
ومنها: إذا كان الشراء بثمن مؤجل، ولم يرغب الشفيع في الأخذ بثمن حال، فجاء المشتري وطلب القسمة من الشفيع وقاسمه، ثم حل الأجل، فإن له الأخذ بالشفعة، كما صرح به القاضي الحسين في تعليقه؛ لأنه كان معذوراً.
ثم قال: وهذه المسائل لم يختلف أصحابنا في ثبوت الشفعة فيها، وفيه إشكال من حيث إن القسمة تمنع ثبوت الشفعة عندنا؛ لعدم الملك، ولو زال ملكه ولم يعلم ببيع الشريك نصيبه ثم علم؛ فهل له الشفعة أم لا؟ فعلى وجهين:

ويمكن أن يقال [ها] هنا أيضاً في وجه لا شفعة له.
قال: إلا أنه خلاف النص.
وفي "التتمة" إشارة إلى جعل ما أبداه القاضي طريقاً حيث قال بعد ذكر الصور: [فالقسمة صحيحة وعلى] أحد الطريقين لا تبطل الشفعة.
واعلم أن الجيلي ذكر من جملة الصور: ما إذا أظهر المشتري شاء جز يسير، ثم ظهر أنه اشترى جزءاً كثيراً بعد المقاسمة.
وما إذا كانت دار بين ثلاثة؛ فاستأجر أحدهم نصيب أحد شريكيه واشترى الآخر ثم بنى وغرس.
وما قاله فيه نظر: أما الأول: فلأن المقاسمة إن وقعت على ما أظهره فهي مقاسمة على بعض الحق، فلا يحصل المقصود، وإن وقعت على كل الحصة فقد اطلع الشفيع عليها، وذلك يسقط شفعته.
وأما في الثاني: فإن أراد أن مسألة الكتاب مصورة بما ذكره فليس كذلك؛ لأن المشتري شريك، وبناؤه وغراسه محترم، وقد ذكرنا في باب العارية أن الشريك إذا استعار حصة شريكه للبناء والغراس [ثم رجع الشريك بعد البناء والغراس] أنه يتعين حقه في التبقية بأجرة، ولا يتمكن من التملك والقلع.
ويشبه أن يكون هاهنا كذلك.
وإن أراد تصوير مسألة [ما] لا تعلق لها بالكتاب فهذا صحيح.
فرع: لو كان للشقص شفيعان، فغاب أحدهما وأخذ الآخر الجميع، ثم بنى وغرس بالطريق المشروع، ثم حضر الغائب وأخذ حصته بالشفعة،

فهل يقلع بناء الشفيع الآخذ [أولاً] مجاناً أم لا؟ المذهب: لا.
وفي وجه: نعم.
قال المتولي: وأصل الخلاف أن الشفيع الثاني يرجع على الشفيع الأول بالعهدة أم على المشتري؟ فإن قلنا بالثاني: فقد جعلنا ملكه كالمعلوم.
قال: وإن وهب أي هبة لا ثواب فيها.
أو وقف فله أن يفسخ ويأخذ؛ لأن استحقاقه سابق لتصرف المشتري والجمع متعذر.
وقال البندنيجي: إن ذلك إجماع.
وحكى الرافعي عن أبي إسحاق أن تصرف المشتري ليس بأولى [من غراسه وبنائه] فلا ينقضي، وأن بعضهم أجراه على عمومه.
وحكى القاضي أبو الطيب عن الماسرجسي أن تصرف المشتري بالوقف لا ينقض، وينقض ما عداه.
والمذهب: الأول.
والفرق بين [البناء والغراس] ونقض التصرفات ما قاله القاضي الحسين؛ أن الشفيع لا يتوصل إلى أخذ حقه بالعقد الأول من غير نقض [التصرفات، بخلاف البناء والغراس، فإنه يتوصل إلى [أخذ] حقه بالعقد الأول من غير نقضها] فلا ضرورة به إلى النقض.
تنبيه: إخبار الشيخ [بأن للشفيع] [الفسخ] يدل على صحة التصرف من المشتري قبل الأخذ بالشفعة، كما صرح به غيره.
واستدل له بأن التصرف صادف ملكه، وحق تملك الشفيع [لا يمنع] من التصرف، كما أن حق تملك الواهب بالرجوع لا يمنع تصرف المتهب.

وفي "التتمة": حكاية وجه عن ابن سريج أن تصرفات المشتري باطلة؛ لأن للشفيع حقاً لا سبيل إلى إسقاطه، فأشبه حق المرتهن.
وهذا أعم مما حكيناه من قبل عن القفال ورواية صاحب "التقريب".
أما لو كانت الهبة تقتضي ثواباً، وشرط فيها عوضاً معلوماً وصححناها فهي بيع وسنذكره.
قال: وإن باع فله أن يفسخ ويأخذ [أي يفسخ البيع الثاني ويأخذ] من المشتري الأول بما اشترى [وله أن يأخذ من المشتري الثاني بما اشتراه] لوجود سبب الأخذ [منه] وهو الشراء.
وهكذا الحكم فيما لو أصدق المشتري الأول الشقص أو جعله عوضاً في خلع أو صالح عليه ونحو ذلك.
وقيل: ليس للشفيع إبطال البيع الثاني؛ لإمكان أخذه من المشتري الثاني، وهذا ما حمل بعضهم كلام أبي إسحاق المروزي عليه.
وقد روى الشيخ أبو علي عن أبي إسحاق: أنه لا يأخذ من الأول ولا من الثاني؛ لأن تصرف المشتري إذا كان مبطلاً للشفعة فلا يكون مثبتاً لها، كما إذا تحرم بالصلاة، ثم شك فجدد [نية وتكبيراً] لا تنعقد به الصلاة؛ لأنه يحصل بها الحل [فلا يحصل] بها العقد.
ثم قال: ويمكن أن ينبني الوجهان على القولين فيما إذا عَتَقَتْ الأمة تحت عبد، فطلقها قبل أن تختار، هل ينعقد الطلاق أم لا؟ ووجه الشبه أن الطلاق يبطل حقها في الفسخ ولم تسلط عليه كما ذكرنا في الشفيع.
قلت: قد يمنع اتجاه البناء؛ لأن ثم الطلاق حصل أحد مقصوديها وهو إزالة قيد النكاح فاغتفر بصنيع الآخر وهو السلطنة [الثابتة لها] وهاهنا لم يحصل للشفيع بالبيع الثاني غرض، بل جدد له ضرراً.

فرع: لو باع أحد الشريكين نصف نصيبه من شخص، ثم لم يطلع الشريك عليه حتى باع البائع باقي حصته من آخر، كان للشريك الذي لم يبع أخذ أي النصفين شاء وأخذ المجموع، فإن [أخذ] أحدهما فذاك، وإن أخذ الأول وعفا عن الثاني استقل به، وإن عفا عن الأول وأخذ الثاني شاركه المشتري للنصف الأول- في النصف الثاني، هكذا ذكره العراقيون.
وحكى القاضي الحسين [وغيره] فيما إذا أخذ الأول: أن للمأخوذ منه أن يشاركه في النصف الثاني على وجه؛ لثبوت ملكه حالة البيع الثاني.
فرع: إذا أجر المشتري الشقص أو رهنه فله نقض [ذلك] على المذهب، فلو أراد تأخير الأخذ إلى حين انفكاك الرهن وانقضاء الإجارة بطل حقه؛ لقدرته على الأخذ في الحال ونقض التصرف.
قال: وإن قابل البائع فله أن يفسخ ويأخذ؛ [لما ذكرناه].
وهذا إذا قلنا: إن الإقالة فسخ.
أما إذا قلنا: إنها بيع فهو كما لو باع، وحكى القاضي الحسين على الأول أنه يمتنع على الشفيع فسخها، كما يمتنع عليه [رد] الرد بالعيب على وجه.
قال وإن رد عليه أي [رد] البائع الثمن المعين بالعيب فقد قيل: له أن يفسخ ويأخذ لما ذكرناه.
فعلى هذا فسخ البائع العقد لا يرتفع، وإنما الشفيع يأخذ الشقص ويرجع البائع على المشتري بقثمة الشقص.
قال الماوردي: أقل ما [كان قيمة] من وقت عقد البيع [أو قبض المشتري] والشفيع هل يأخذ بالثمن الأول أم بقيمة الشقص؟ فيه وجهان في تعليق القاضي أبي الطيب وغيره.
قال: وقيل: ليس له؛ لأن الشفعة جعلت لدفع الضرر عن الشفيع، فلا يزال

ضرره بإدخال الضرر على البائع، وهذا الخلاف مفرع على قولنا: إن البائع لو لم يرد واجتمع هو والشفيع، وأراد البائع الرد والشفيع الأخذ- أن الشفيع مجاب، أما إذا قلنا: البائع هو المجاب كما هو المختار في "المرشد" فبعد الرد ليس للشفيع الأخذ وجهاً واحداً.
وقد حكى الإمام في مسألة ازدحامهما على الأخذ طريقة جازمة بتقديم البائع.
ولو اطلع البائع على عيب الثمن بعد أخذ الشفيع فله الرد، لكنه لا يملك نقض ملك الشفيع.
[وعن صاحب "التقريب" رواية [قول] إن المشتري يسترد الشقص من الشفيع] ويرد عليه ما أخذه منه، ويسلم الشقص إلى البائع؛ لأن الشفيع نازل منزلة المشتري فرد البائع يتضمن نقض ملكه، كما يتضمن نقل ملكه المشتري لو كان في ملكه.
وعلى الأول: للبائع أخذ قيمة الشقص من المشتري، فإن كانت مثل الثمن فذاك، وإن كانت أقل أو أكثر، ففي رجوع من بذل الزيادة من المشتري والشفيع على صاحبه وجهان: أظهرهما: عدم التراجع: ولو عاد [الشقص إلى يد] المشتري يوماً من الدهر، فلا يملك البائع إجباره على نزعه منه، ولا يملك المشتري إجبار البائع على قبوله ورد ما أخذه [منه]، كما حكاه الجمهور.
وفي "التتمة" حكاية وجهين في ذلك بناء على ما لو خرج المبيع من ملك المشتري ثم عاد إليه ثم اطلع البائع على عيب بالثمن المعين هل يسترجعه أم لا؟ هذا حكم البائع إذا اطلع على عيب بالثمن المعين.
أما إذا اطلع المشتري على عيب بالشقص، وأراد رده وأراد الشفيع أخذه.
فمن المجاب منهما؟

فيه [أيضاً] القولان أو الوجهان.
والأرجح منهما عند الأكثرين، وبه جزم القاضي أبو الطيب والبندنيجي: الشفيع.
ولو لم يطلع الشفيع على البيع حتى رد المشتري الشقص [فإن قلنا عند التزاحم: المشتري هو المجاب فليس للشفيع النقض.
وإن قلنا: المجاب هو الشفيع.
فهاهنا وجهان: والأظهر منهما: أن للشفيع النقض، وهو ما جزم به القاضي أبو الطيب والبندنيجي أيضاً.
وهذه الحالة هي التي صور الجيلي بها مسألة الكتاب، والذي صورها به ابن الخل وابن يونس ما ذكرته، وهو الأولى؛ فإن الشيخ في "المهذب" وغيره من العراقيين، [و] الذي وقفنا على كلامهم- لم يحكوا في هذه المسألة خلافاً، بل الموجود منها مثل ما حكيته عن البندنيجي وغيره.
فرع: لو كان ثمن الشقص عبداً فقبض المشتري الشقص، وتلف العبد قبل أن يقبضه البائع، وقبل أخذ الشفيع الشقص، بطل البيع والشفعة عند ابن الصباغ وغيره، وهو كذلك في "التهذيب" على وجه، وعلى وجه: للشفيع الأخذ بالشفعة، ويدفع المشتري للبائع القيمة والشفيع للمشتري القيمة.
قال: وإن تحالفا على الثمن فله أن يأخذ بما حلف عليه البائع؛ لأن إقرار البائع بالبيع يضمن حقاً للمشتري وهو حصول الملك له بالثمن، وحقاً للشفيع وهو استحقاقه أخذ الشقص] بالثمن، فإذا بطل حق المشتري [بالتحالف] لم يبطل حق الشفيع، كما لو أقر لاثنين بحق فكذبه أحدهما وصدقه الآخر.
ولا فرق في ذلك بين أن نقول: إن العقد ينفسخ بنفس التحالف أو لا ينفسخ إلا بفسخ الحاكم.
قال ابن الصباغ: لأن حقه ثبت بالعقد فلا يسقط باختلافهما.

وعلى ذلك جرى القاضي الحسين وصاحب "البحر" وقالا: لا فرق [بين] أن نقول: ينفسخ في الظاهر والباطن أو في الظاهر فقط.
وفي الحاوي: إنا إذا قلنا: ينفسخ العقد بمجرد التحالف أو كان الاختلاف في عين الثمن، بأن قال البائع: بعتك بهذا الثوب، وقال المشتري: بل بهذا العبد، فليس للشفيع الأخذ؛ لبطلان البيع في الأولى، وعدم قدرة الشفيع على بذل عين الثمن الذي ادعاه البائع في الثانية.
وحكى الرافعي فيما إذا طلب الشفيع الأخذ بعد فسخه بسبب التحالف هل له فسخ ذلك والأخذ أم لا؟ [فيه] الخلاف المذكور فيما إذا أراد الأخذ [بعد رد] الشقص بالعيب، وهو كذلك في الإبانة، وجرى القاضي أبو الطيب على [مقتضى قوله في] مسألة رد الشقص بالعيب.
وقال: له هاهنا رد الفسخ والأخذ.
فرع: إذا وقع الاختلاف بين البائع والمشتري بعد أخذ [الشفيع] الشقص بما ادعاه [المشتري]؛ فلشفيع أن يشهد على المشتري بما ادعاه البائع من الثمن، وليس للمشتري أن يرجع بالزائد على الشفيع إذا غرمه؛ لأنه لا يدعيه، ولو تعذر غرم المشتري له بغيبه أو عسر، فهل يستحق البائع أخذه من الشفيع أم لا؟ فيه وجهان في الحاوي.
وهل للبائع أن يدعي على الشفيع ابتداء في هاتين الحالتين ويحلفه؟ فيه وجهان بناء على الوجهين السابقين.
وقد أطلق الرافعي القول بسماع شهادة الشفيع للبائع، ومنع شهادته للمشتري؛ لأنه متهم في تقليل الثمن، ولعله يريد ما بعد الأخذ بالشفعة كما ذكرنا.
أما لو كان قبل الأخذ، فقد يتطرق إليه تهمة امتناع جريان التحالف المفضي إلى إبطال الشفعة على رأي، [والله أعلم].

قال: وإن أنكر المشتري الشراء، وادعاه البائع أي: وأنه لم يقبض الثمن، أخذ من البائع؛ لإقراره بحق المشتري والشفيع [وقد] بطل حق المشتري بالتكذيب، فبقي حق الشفيع لتصديقه.
وهذا ما جزم به الماوردي، وبه قال عامة الأصحاب، كما حكاه القاضي أبو الطيب، وقال الإمام: إنه قول المزني، وهو الأصح.
قال: ودفع إليه الثمن؛ لأنه يندفع الضرر عن البائع بذلك.
قال: وعهدته عليه؛ لأنه منه أخذ وإليه دفع الثمن.
وفي "الشامل" و"تعليق" القاضي أبي الطيب أن البائع إن اختار أن يترك مخاصمة المشتري ويدفع الشقص إلى الشفيع ويأخذ منه الثمن، فله ذلك، وإذا دفع الشقص وأخذ الثمن؛ كانت عهدة الشفيع عليه، وإن اختار مطالبة المشتري فهل له ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه يحصل له المقصود [من جهة الشفيع فلا حاجة إلى خصومة المشتري].
والثاني: له ذلك؛ لأنه ربما كان له غرض لكون المشتري أسمح من الشفيع وأسهل معاملة، وماله أقل شبهة.
فعلى هذا، إن حلف المشتري، أخذ البائع الثمن من الشفيع وكانت عهدته عليه، وإن نكل وحلف البائع، سلم الشقص إلى المشتري وأخذ منه الثمن وتكون عهدة الشفيع [عليه.
انتهى.
وقد رجع حاصل ما قالاه إلى أنه يتعين على وجه أخذ الثمن من الشفيع وتكون عهدته] على البائع كما ذكره الشيخ.
[و] على وجه: يقال للبائع: هل تريد أن تخاصم؟ فإن قال: بلى، يتوقف دفع الثمن إليه حتى يتبين له أي شيء يظهر، فإن ثبت البيع؛ دفع الثمن إلى المشتري ويرجع بالعهدة عليه، وإلا فالحكم كما قلناه.

وقد حكى هذا القاضي الحسين مع وجه ثالث عن ابن سريج أن القاضي ينصب قيماً يقبض الثمن للمشتري من الشفيع ويدفعه للبائع وإذا خرج الشقص مستحقاً رجع الشفيع بالعهدة على المشتري، وهل يرجع على قيم القاضي؟ فيه وجهان.
وسلك في "التهذيب" طريقاً آخر فقال: إذا قلنا: يأخذ الشفيع الشقص من البائع [ويقبضه الثمن] فهل للبائع مخاصمة المشتري ومطالبته بالثمن؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: نعم، فإن حلف المشتري فلا شيء عليه، وإن نكل، حلف البائع وأخذ الثمن من المشتري وكانت عهدته عليه وما أخذه من الشفيع يترك في يده أم يؤخذ ويوقف؟ فيه وجهان.
قال: وقيل: ولا يأخذ لأن الشفعة فرع للبيع، فإذا لم يثبت الأصل؛ لم يثبت الفرع، وصار هذا كما لو أقر أحد الابنين بنسب أخ وكذبه الآخر، فإن النسب لما لم يثبت [لم يثبت] فرعه وهو الإرث.
وهذا ما قال البندنيجي: إنه ظاهر كلام الشافعي، ويحكى عن ابن سريج.
والقائلون بالأول فرقوا بين ما نحن فيه وبين النسب، فإن النسب يتضمن حقاً له وحقاً عليه، فإذا لم يثبت ما له لم يثبت ما عليه.
وهاهنا قد ثبت ما له وهو الثمن، فثبت ما عليه، كذا حكاه ابن الصباغ.
قال: وإن قال البائع: أخذت الثمن، لم يأخذ الشفيع على ظاهر المذهب؛ [لأنه لا سبيل إلى دفع الثمن إلى البائع لإقراره بقبضه، ولا إلى المشتري لإنكاره استحقاقه، فلو سلط الشفيع على الأخذ لكان بغير عوض، وذلك ممتنع، وبهذا قال ابن سريج، وأبو إسحاق، وابن أبي هريرة.
[وللشفيع على هذا مخاصمة المشتري في الشفعة، وإحلافه على إنكاره الشراء].
وقيل: يأخذ لما تقدم، وهو الأظهر في الرافعي، وبه قال كثير من الأصحاب كما حكاه الماوردي، والثمن يبقى في ذمة الشفيع، أو يأخذه

الحاكم ليحفظه إلى أن يدعيه صاحبه.
أو يقال للمشتري عند طلب الشفيع: إما أن تقبضه أو تبرئ عنه، أو يؤخذ من الشفيع ويدفع إلى البائع، ويسترجع منه ما أقر بقبضه؛ ليكون هو الموقوف للمشتري في بيت المال؟ فيه أربعة أوجه؛ رابعها حكاه الماوردي، ولا يخفى أن محل هذا الخلاف إذا قلنا في المسألة الأولى: إنه يأخذ، [أما إذا قلنا في الأولى: لا يأخذ] فهاهنا أولى.
فرع: لو كان المشتري غائباً حين أقر البائع بالبيع منه، واطلع الشفيع، قال القاضي الحسين قبل الكلام في مسألة الكتاب بسبع ورقات: إن الحكم كما لو كان حاضراً وأنكر الشراء.
قال: وإن ادعى المشتري الشراء والشقص في يده والبائع غائب، فقد قيل، يأخذ؛ [لأنه أقر له بحق فيما في يده، فيلزمه الوفاء به، وهذا هو الأظهر.
وقال الإمام: الوجه القطع به.
فعلى هذا يكتب الحاكم ذلك في السجل وإذا حضر الشريك، فإن صدقه في دعواه الشراء فذاك، وإن كذبه انتزع الشقص من الشفيع].
وقيل: لا يأخذ؛ لأنه أقر بالملك لغائب، ثم ادعى انتقاله إليه فلم يقبل قوله، فعلى هذا يكتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي فيه الشريك ليسأل عن ذلك.
ويقال لمن في يده العين: إن كنت صادقاً [في الشراء] فسلم للشفيع.
كذا قال القاضي أبو الطيب.
وحكى الإمام أن صاحب اليد لو سلم الشقص طوعاً إلى الشفيع ففيه جوابان: أحدهما، وبه قطع صاحب "التقريب": أنا لا نتعرض لهذا.
والثاني: وهو الذي قطع [به] العراقيون تفريعاً على هذا القول: أنه لا يجوز وما ذكره الشيخ من الخلاف قال الإمام: إنه تردد محكي عن ابن سريج، وهو مخصوص بالشفعة، ولم يصر أحد إلى إزالة [يد] من يدعي الشراء، ولا يجوز أن يكون في هذا الخلاف، فإن الأيدي نراها تتبدل ولا يتعرض لها، و

كما لا يتعرض لأصحاب [الأيدي]، كذلك لا يتعرض لانتفاعهم بما في أيديهم وهذا أصل مجمع عليه.
والخلاف الذي ذكره الشيخ يجري فيما لو ادعى حاضر أنه وكيل عن الغائب في البيع، وباع حصة الغائب وسلمها إلى المشتري، كما حكاه البندنيجي وقال: إن للشريك- على قولنا بجواز الأخذ إذا حضر وأنكر التوكيل- طلب الشفيع بأجرة الشقص، ويرجع بها الشفيع على الوكيل على وجه.
ويجري الخلاف الذي حكاه [الشيخ] أيضاً فيما لو أراد صاحب اليد الذي ادعى الشراء من غائب أن يتصرف فيما في يده ببيع أو هبة أو رهن أو تصرف يستدعيه حقيقة الملك، كما حكاه الإمام.
فروع: [أحدها:] لو لم يتعرض من في يده الشقص إلى ذكر الشراء بل قال: هو ملكي بسبب هبة أو إرث ولا شفعة لك فيه، وادعى [الشفيع] عليه الشراء فالقول قول من [في يده العين، وإن كان للشفيع بينة عمل بموجبها، وما حكم الثمن؟ فيه الثلاثة أوجه السابقة وإن لم يكن له بينة، فله تحليفه، فإن حلف فذاك.
قلت: وكان يتجه أن يتخرج تحليفه على أنه لو أقر، هل يأخذ منه أو لا؟ فإن قلنا عند إقراره: لا يأخذ؛ فلا فائدة في التحليف.
وإن نكل؛ حلف الشفيع أنه اشتراه.
وهل يلزمه أن يقول في يمينه: وأنه يستحق الشفعة؟ فيه وجهان في الحاوي.
والمذكور منهما في تعليق أبي الطيب: اللزوم، ثم إذا حلف كما ذكرنا حكم له بالشفعة، وفي الثمن: الأوجه.
ولو قال من في يده العين: أنا وكيل لمالكها الغائب ولم أكن أملكها فالقول قوله، فإن نكل؛ حلف الشفيع وحكم له بالشفعة.
قال الماوردي: ولا يكون ذلك حكماً على الغائب بنقل ملكه إلى الشفيع، وإنما يكون رفعاً ليد الحاضر، ثم في الثمن وجهان:

أحدهما: يقبض من [يد] الشفيع ويوضع في بيت المال حتى يحضر الغائب.
والثاني: يترك في ذمة الشفيع إلى قدوم الغائب، ويمكن من التصرف في الشقص بما لا يؤدي إلى استهلاكه، وإن باعه لم يمنع من بيعه.
وهل يؤخذ بكفيل فيما يحصل عليه؟ فيه وجهان.
ولو اعترف من في يده الشقص بالشراء لغيره نظر، إن كان حاضراً استدعاه الحاكم، فإن صدقه كانت الشفعة عليه.
وإن كذبه حكم بالشراء لمن هو في يده وأخذ منه بالشفعة.
وإن ادعاه لغائب أخذه الحاكم منه ودفعه إلى الشفيع، وكان الغائب على حجته إذا قدم.
قال ابن الصباغ: لأنا لو أوقفنا الأمر في الشفعة إلى حضور المقر له، كان في ذلك إسقاط الشفعة؛ لأن كل من يشتري شقصاً يدعي أنه اشتراه لغائب.
ولو قال: اشتريته لابني الطفل أو لطفل له عليه ولاية، ففيه وجهان: أحدهما: أن الشفعة لا تثبت؛ لأن الملك يثبت للطفل فلا تجب الشفعة بإقرار الولي عليه.
والثاني: تثبت لأنه يملك الشراء له فصح إقراره فيه، كما يصح في حق نفسه.
قال: وإذا أخذ الشقص لم يكن له أن يرده إلا بعيب، أما رده بالعيب؛ فلما في الإبقاء من الضرر، وأما عدم رده إذا كان في مجلس الأخذ؛ فلأنه إزالة ملك لدفع الضرر، فلم يثبت فيه الخيار كالرد بالعيب، وهذا ما صار إليه ابن سريج.
وقيل: [له] أن يرد بخيار المجلس؛ لأنه تمليك مال بالثمن، فيثبت فيه خيار المجلس كالبيع، وهذا ما نص عليه في اختلاف العراقيين كما حكاه ابن الصباغ.
وقد حكى القاضي أبو الطيب في "التعليق" هذا الخلاف أيضاً في أنه إذا عفا عن الأخذ صريحاً، فهل له أن يعود إلى الطلب في المجلس [أم لا]؟ وهو في العدة أيضاً.
وحكى البندنيجي ما حكاه القاضي من الخلاف تفريعاً على قولنا: إن خيار

الشفيع في الطلب وتركه يمتد إلى مفارقة مجلس البلاغ، ونسب الأول إلى ابن سريج، والثاني إلى نصه في اختلاف العراقيين.
فعلى [هذا] لو فارق المشتري المجلس، وتخلف [فيه الشفيع] ففي انقطاعه وجهان في النهاية.
قال: وإن مات الشفيع انتقل حقه إلى ورثته أي: إن مات قبل العلم بالشفعة ووجهه: عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ خَلَّفَ حَقاً فَلِوَرَثَتِهِ"؛ ولأنها حق مالي لازم؛ فانتقل إلى الورثة كالرد بالعيب.
لكن هل يثبت لهم على قدر أنصبائهم أو على [عدد] رؤوسهم؟ فيه ثلاث طرق: أظهرها: أنها على قدر الأنصباء.
وقال البندنيجي: إنها التي عليها شيوخ أصحابنا أبو العباس وأبو إسحاق وغيرهما.
والثانية: في المسألة قولان كما سبق، وهذه الطريقة مع الأولى مبنيان على أن الورثة يأخذون للموروث ثم يتلقون منه أو [يأخذون] لأنفسهم ابتداء؟ وفيه خلاف؛ فالأولى مبنية على الوجه الأول، والثانية مبنية على الوجه الثاني.
والطريقة الثالثة: القطع بأنها على عدد الرؤوس، لأن للموروث من الشفيع حق تملك الشقص [لا الشقص]، ومجرد الحق قد يسوَّى فيه بين الورثة كحد القذف.
قال: فإن عفا بعضهم عن حقه أخذ الآخر الجميع أو يدع، لأنها شفعة من اثنين، فإذا عفا أحدهما عن حقه كان للآخر أخذ الجميع أو الترك كالشريكين، وهذا ما قال البندنيجي إنه المذهب.
وعلى مقتضى هذه الرواية تجيء الأوجه السالفة المجموعة من

الطريقين، ومجموعها أربعة أوجه.
وقيل: إن عفو أحدهما كعفو الموروث [عن بعض حقه] فيجيء في [المسالة] ثلاثة أوجه.
وهذا الخلاف ينبني على الأصل الذي ذكرناه في أنهم يأخذون لمورثهم أو لأنفسهم.
فرع: لو كان من جملة الورثة حمل فليس لوليه الأخذ بالشفعة [له]؛ لأنه لا يتحقق ملكه، قاله ابن الصباغ وغيره.
فلو أخذ له ثم ظهر حياً صح ذلك الأخذ على أحد الوجهين كما حكاه العمراني في "الزوائد" في الوصية والرافعي هنا حكى [في] جواز الأخذ في هذه الحالة وجهين: قال: وإن اختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن [أي] بأن قال المشتري: [هو] ألف، وقال الشفيع: [بل] خمسمائة [أو كان عرضاً وقال المشتري قيمته ألف، وقال الشفيع: بل خمسمائة] قال: فالقول قول المشتري؛ لأنه [العاقد فكان] أعرف بالثمن [ولأن الشقص] ملكه فلا ينزع منه إلا بقوله.
فإن حلف كان للشفيع أن [يأخذه بما حلف عليه] المشتري أو يدع.
وإن نكل حلف الشفيع وأخذ بما حلف عليه.
فإن قيل: قد حكيتم عن المتولي أن الأخذ بالشفعة كالإتلاف بالنسبة إلى جنس ما يغرمه فهلا جعلتم هاهنا كذلك حتى يكون القول قول الشفيع [كالمتلف].
قيل: إنما كان القول قول المتلف؛ لأنه ثبت في ذمته شيء [والمتلف عليه يدعي عليه] زيادة، الأصل فراغ ذمته منها، وهنا الشفيع يريد أن ينزع مال الغير ببذل يبذله، فلم يكن له ذلك إلا بما يقوله المشتري، كما ليس للمشتري أن يأخذ المبيع إلا بما يقوله البائع، كذا وجه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ

والماوردي ذلك وهو ظاهر عمن يقول: لا يملك الشقص إلا ببذل الثمن.
أما إذا قلنا: إنه يملكه بمجرد الأخذ، فهو شبيه بما إذا أعتق شركاً له في عبد وهو موسر وقلنا: إنه يملك حصة الشريك ويعتق عليه دون دفع القيمة، والحكم في هذه الصورة إذا وقع الاختلاف في القيمة أن القول قول المعتق، تمسكاً بأن الأصل فراغ ذمته من القدر الزائد.
ووجه الشبه: قدرة المعتق والشفيع على تملك [مال] الآخر [بفعل أحد المتنازعين] قهراً.
وطريق الجواب أن يقال: الاختلاف في مسألتنا وقع في أمر دخل الوجود بفعل أحد المتنازعين، فكان المرجع فيه إليه؛ لأنه أعرف به.
والاختلاف في قيمة المعتق اختلاف في أمر مظنون لكل من المختلفين، فلم يكن أحدهما فيه بأولى من الآخر، ويرجح جانب المعتق بفراغ ذمته من القدر الزائد [والله أعلم].
فإن قيل: لم لا يتحالفان كما يتحالف المتبايعان؟ قيل: لأن كل [واحد] من المتابعين مدع ومدعى عليه؛ فتحالفا لاستوائهما، وفي الشفعة الشفيع مدع وحده دون المشتري، بدليل عدم سماع بينة المشتري ابتداء، وإذا كان كذلك جعل القول قول المشتري؛ لتفرده بالإنكار، وهذا ما أورده الماوردي.
وقيل: لأن البائع والمشتري اتفقا [على السواء] على وقوع الملك للمشتري وكل منهما مباشر للعقد، والاحتمال في قولهما على السواء.
وهاهنا لم يتفقا على وقوع الملك للشفيع، والشفيع أجنبي عن العقد، فكان تصديق المباشر أولى.
وقيل: لأن البائع والمشتري يرجع كل منهما إلى شيء بعد التحالف، والشفيع لو جوز له التحالف لم يرجع إلى شيء بعده، فلا فائدة في تحليفه.
وهذا قول أبي إسحاق.
و [اعلم أنه] لا خلاف [في] أنه إذا كان لحدهما بينة عمل بها، ويكفي فيها شاهد [ويمين ورجل] وامرأتان، ولا تسمع في ذلك شهادة البائع

لا [للشفيع ولا للمشتري] وبهذا جزم العراقيون.
وقيل: تسمع شهادته لهما أما للشفيع فلأنه ينقض حقه [وهو ما صححه في "التهذيب" فيه، وأما المشتري، فلأنه لم يجر بشهادته نفعاً لنفسه والثمن ثابت له بإقرار المشتري.
وقيل: إن شهد للشفيع قبل قبض الثمن قبلت شهادته؛ لأنه ينقض حقه] إذ لا يأخذ أكثر مما شهد به، وإن شهد بعده، لم تقبل؛ لأنه يجر إلى نفسه نفعاً من حيث إنه إذا قل الثمن قل ما يغرمه عند ظهور الاستحقاق.
وهذا ما حكاه في الإبانة.
والصحيح هوا لأول لكونه شاهداً على فعل نفسه.
ولو أقام كل واحد منهما بينة على ما يدعيه، ففي "الشامل" وغيره أن الذي حكاه الشيخ أبو حامد: أن بينة المشتري أولى كما أن بينة الداخل أولى من بينة الخارج، وأن القاضي أبا حامد قال: تتعارض البينتان، وأنه الأصح.
فعلى هذا على قول يسقطان، ويكون القول قول المشتري، وهو ما صححه في "التهذيب" وإيراد ابن الصباغ يقتضيه أيضاً.
وعلى قول: يستعملان القرعة.
وهل يحلف من خرجت له القرعة؟ فيه قولان كذا قال الماوردي [وابن الصباغ وغيرهما].
وفي الرافعي أنا على [قول] الاستعمال نوقف أو نقرع.
فرع: لو ادعى المشتري أن الثمن ألف، فقال الشفيع: هو دون الألف ولكن لا أعرف كم ينقص عنه، فله تحليف المشتري على أن الثمن ألف.
ولو قال الشفيع: لا أعلم [أنه ألف] أو دونها، وطلب يمين المشتري على أنه ألف لتهمة رآها، فهل له ذلك؟ فيه وجهان في الحاوي.
قال: وإن ادعى المشتري الجهل بالثمن، أي بأن قال الثمن كف من الدراهم لا أعرف [قدرها] أو صبرة من الحنطة لا أعرف كيلها، وقد تلف ذلك أو تعذرت معرفته، وقال الشفيع بل قدره كذا.

قال: فالقول قوله؛ لإمكان صدقه، ويحلف على نفي العلم بالثمن، فإذا حلف فلا شفعة.
كذا نص عليه الشافعي وبه قال أبو حامد المروروذي والشيخ الإسفراييني؛ لأنه لا يمكن الأخذ بثمن مجهول، قال: وقيل: يقال له: بين، وإلا جعلناك ناكلاً كمن ادعي عليه ألف، فقال في جوابه: لا أعلم كم لك علي [منه].
فعلى هذا إذا لم يبين حلف الشفيع على مبلغ الثمن، وأخذ بالشفعة.
وهذا قول ابن سريج [وأبي علي] بن أبي هريرة، وحملا ما نقل عن الشافعي على ما إذا كان الشفيع أيضاً جاهلاً بقدر الثمن.
وقد حكى الماوردي في صورة جهل الشفيع بالثمن أن له تحليف المشتري: إنه لا يعلم قدر الثمن وتسقط الشفعة.
وحكى البغوي فيها وجهين: أحدهما: أن دعواه تسمع على المشتري بأنه عالم بالثمن، فإذا نكل حلف الشفيع على علمه بالثمن وحبس المشتري حتى يبين قدر الثمن.
وأصحهما: أن دعواه غير مسموعة على هذا النحو.
وطريق دعواه كما حكاه القاضي الحسين وكذا الرافعي عن ابن سريج وغيره أن يعين الشفيع قدراً فإن ساعده عليه المشتري أخذ به وإلا حلفه على نفيه فإن نكل؛ استدل الشفيع بنكوله وحلف على ما عينه، وإن حلف المشتري زاد وادعى ثانياً، وهكذا يفعل إلى أن ينكل فيحلف الشفيع، والصحيح [هو القول] الأول.
ويخالف ما لو ادعى على شخص ألفاً فقال: لا أعلم كم يستحق علي منه، فإن المدعى- هاهنا- هو الشقص لا الثمن المجهول، وبتقدير صدق المشتري ليس له الأخذ بالشفعة فكان ذلك كإنكاره لولاية الأخذ.
وعلى هذا الخلاف لو قال: نسيت مقدار الثمن الذي اشتريت به وكذبه الشفيع.
وادعى الروياني [أن الماوردي] والقفال وافقا ابن سريج وابن أبي هريرة في هذه الصورة [والله أعلم بالصواب].

ولنختم الباب بفروع تتعلق به: إذا باع في مرض موته شقصاً قيمته ألفان بألف من أجنبي وثلثه يحتمله، ولوارثه شفعة في الشقص ففيما يصنع؟ خمسة أوجه: أحدها: أن البيع يصح ولا يأخذ الوارث بالشفعة.
أما صحة البيع مع المحاباة؛ فلكون المشتري أجنبياً، وأما عدم ثبوت الشفعة للوارث؛ فلأنها لو ثبتت كان المريض متسبباً إلى نفع وارثه بالمحاباة.
والثاني: أن البيع يصح ويأخذ الشفيع الشقص بالثمن.
والثالث: لا يصح البيع أصلاً؛ لأنه لو صح لتقابلت فيه أحكام متناقضة.
والرابع: يصح البيع في الجميع ويأخذ الشفيع ما يوازي الثمن [منه]، ويبقى الباقي للمشتري محاباة.
والخامس: لا يصح إلا في القدر الموازي للثمن؛ لأنه لو صح في الكل فإن أخذه الشفيع وصلت إليه المحاباة، وإن أخذ ما وازى قدر المحاباة؛ كان إلزاماً لجميع الثمن ببعض المبيع، وهو خلاف وضع الشفعة.
وقد يقال في العبارة عن هذا الوجه إن ترك الشفيع الشفعة صحت المحاباة مع المشتري، وإلا فهو كما لو كان المشتري وارثاً فلا تصح المحاباة.
والأصح من هذه الأوجه عند العراقيين وصاحب "الإفصاح" والأستاذ أبي منصور والإمام [و] البغوي: الثاني.
وعن ابن الصباغ الأول، [وهي تجري] فيما إذا لم يجزم الورثة عند كون المحاباة أكثر من الثلث، وصححنا البيع في قدر بعض المحاباة.
إذا شهد شاهدان بأن المشتري سلم الشقص المشفوع إلى الشفيع، وآخران بأن الشفيع سلم الشفعة إلى المشتري، ففيه أقوال لابن سريج.
أحدها: أن البينة بينة من في يده الشقص.
والثاني: بينة المشتري؛ لاحتمال أنه سلم الشقص قبل العلم بالعفو عن الشفعة، والأصل بقاء ملكه.

والثالث: أن بينة الشفيع أولى، كذا حكاه صاحب "الإشراف".
والحيلة في إبطال الشفعة بالجوار مباحة قبل العقد وبعده.
قال البندنيجي: لأنها حيلة في إبطال ما ليس بواجب.
وأما الحيلة في إبطال [حق] الشفعة بالمشاركة فينظر فيها؛ فإن كان بعد وجوبها فلا يحل ذلك؛ لأنه حق قد وجب فلا يجوز السعي في إسقاطه، وأما قبل وجوبها كما إذا فعل شيئاً يزهد الشفيع فيها.
قال أبو العباس: يكره ذلك فإذا فعل صح.
وقال أبو بكر الصيرفي في كتاب "الحيل": هو مباح كما حكاه البندنيجي.
وفي كلام الزبيلي في "أدب القضاء" له ما يدل على المنع، فإنه قال: إذا أراد أحد الشريكين في عقار أن يبيع نصيبه من غير شريكه، فلقنه إنسان أن يهب بعض نصيبه من المشتري ويبيع الباقي منه، فإن هذا التلقين لا يجوز؛ لأن فيه إسقاط حق الشفيع، والمشهور الأول، وقد ذكر الأصحاب في ذلك صوراً: منها: أن يبيع الشقص الذي قيمته مائة بمائتين، ثم يأخذ عرضاً قيمته مائة عن المائتين.
وفي هذه الصورة غرر على المشتري.
ومنها: أن يشتري الشقص بمائة وهو يساوي خمسين، ثم يحط عن المشتري بعد المجلس خمسين.
وفيها أيضاً تغرير المشتري، فإنه قد لا يبرأ.
ومنها: أن يشتري عرضاً من المشتري بمائتين وهو يساوي مائة [ثم يعطيه [عن المائتين] الشقص وهو يساوي مائة] [لكن] في هذه الصورة تغرير بالبائع، فإنه بعد شراء العرض [قد] لا يشتري منه بائعه الشقص بما عليه، وذكروا غير

ذلك صوراً.
وعندي صورة أخرى، وهي أن يستاجر المريد لشراء الشقص [الشقص] مدة لا يبقى الشقص لأكثر منها، بأجرة يسيرة، ثم يشتري الشقص بقيمة مثله.
فإن عقد الإجارة لا ينفسخ بهذا الشراء [على] المذهب، ولو أراد الشفيع الأخذ لأخذ [الشقص مسلوب المنافع] مدة بقائه، وهذا مما ينفر به الشفيع فيأمن المشتري المحذور [عن مطالبته] والله [عز وجل] أعلم.

باب القراض

القراض: بكسر القاف لغة أهل الحجاز، وهو مشتق من القرض، وهو القطع.
يقال: قرض الفأر الثوب إذا قطعه؛ ومنه المقراض؛ لأنه يقطع به، فسمي هذا العقد بذلك؛ لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها وقطعة من الربح.
وقيل: اشتقاقه من المقارضة وهي المساواة، والموازنة.
يقال: تقارض الشاعران: إذا ساوى كل واحد منهما صاحبه فيما ينشده من الشعر، فسمي هذا العقد به لتساويهما في استحقاق الربح.
وأهل العراق يسمون هذا العقد مضاربة؛ [لأجل أن كل واحد منهما تصرف بسهم في الربح، فلما حصل لكل منهما التصرف في الربح قيل: مضاربة].
كما يقال: مقاتلة ومشاتمة.
وقيل إنه مشتق من الضرب في الأرض وهو السفر؛ لأن أهل مكة كان أحدهم يدفع للآخر مالاً على أن يخرج به إلى الشام واليمن وغيرهما من المواضع، يبتغون فضل الله تعالى بجزء من الربح، فلذلك سمي مضاربة.
ثم لزم [هذا] الاسم هذه المعاملة سواء خرج أو أقام.
ويقال للمالك من اللفظة الأولى: مقارض بكسر الراء، وللعامل مقارض

بفتحها.
ومن اللفظة الثانية يقال للعامل: مضارب بكسر الراء؛ لأنه الذي يضرب بالمال، ولم يشتقوا للمالك منها اسماً.
وفي "البحر": أن بعض أصحابنا قال: [إن] المضارب اسم رب المال، وأن جماعة من العلماء قالوا به، وهو غلط.
وحقيقة القراض شرعاً: عقد يعقد على النقدين؛ ليتصرف فيه بالبيع، والشراء على أن [ما يكون] في ذلك من ربح يكون بين المالك والعامل؛ إما نصفين، أو أثلاثاً، أو نحو ذلك كما شرطا.
والأصل في مشروعيته من الكتاب قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] وفي القراض ابتغاء فضل الله وطلب نماء.
ومن السنة: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "ضَارَبَ لِخَدِيجَةَ بِأَمْوَالِهَا إِلَى الشَّامِ وَأَنْفَذَتْ مَعَهُ عَبْداً [لِخِدْمَتِهِ] يُقَالُ لَهُ مَيْسَرَةُ".
وروي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان العباس إذا دفع مالاً مضاربة اشترط على صاحبه ألا يسلك به بحراً، ولا ينزل به وادياً، ولا يشتري به ذات كبد رطبة، فإن فعل فهو ضامن، فرفع شرطه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأجازه.
وقد أجمع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على جوازه، قال القاضي الحسين: ولا بد للإجماع من أصل ينعقد عنه، وهو عند بعضهم قياساً على المساقاة، وإن كان مختلفاً فيه.
والجامع أنهما مالان تجب الزكاة في عينهما، ولا يجوز الاستئجار عليهما، ويطلب نماؤهما بكثرة العمل فيهما؛ فجاز المعاملة عليهما ببعض ما يخرج منهما: كالكروم، والنخيل.

وقال الغزالي: مستند إجماعهم: أنهم ألفوا هذه المعاملة [في زمن] للنبي صلى الله عليه وسلم شرعاً أغنى عن النقل، وقد نقلت فيه ما روى الشافعي في اختلاف العراقيين: أن أبا حنيفة روى عن حميد بن عبد الله بن عبيد الأنصاري عن أبيه عن جده أن عمر ابن الخطاب –رضي الله عنه- أعطي مال يتيم مضاربة فكان يعمل به في العراق.
وروي أن عثمان بن عفان- رضي الله عنه- أعطى العلاء بن عبد الرحمن مالا مقارضة.
وروي أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر لقيا عند مصرفهما من غزوة "نهاوند" أبا موسى الأشعري بـ"البصرة" إذ كان عاملاً عليها فقال [لهما] أريد أن أصلكما وليس في يدي ما أصلكما به، وإنما معي مائة ألف درهم من مال بيت المال أدفعها لكما لتشتريا بها سلعة وتبيعانها بالمدينة، وتردان رأس المال على أمير المؤمنين، والربح لكما، فاشتريا [بها] من أمتعة العراق، فربحا عليها بالمدينة ربحاً كثيراً.
فقال لهما عمر: أو كلَّ الجيش أسلف [مثل ما] أسلفكما؟ فقالا: لا.
فقال عمر- رضي الله عنه: لا أراه فعل ذلك إلا لمكانكما مني، ردَّا المال وربحه، فسكت عبد الله، وراجع عبيد الله أباه فقال: يا أمير المؤمنين أليس لو تلف المال كان من ضماننا؟ فقال: بلى، فقال: الربح لنا، وأشار إلى أن الخراج بالضمان، فسكت عمر ساعة.

ثم قال مثل قوله الأول: رُدَّا المال وربحه، فراجعه عبيد الله ثانياً.
وأعاد قوله الأول، فعند ذلك قال عبد الرحمن بن عوف: لو جعلته قراضاً على النصف يا أمير المؤمنين، فأخذ منهما النصف، أي نصف الربح وترك النصف في أيديهما.
وقد ورد هذا الخبر بألفاظ أخرى رواها مالك.
قال الماوردي: وعلى هذا الأثر اعتمد الشافعي.
ووجه التمسك به كما قال القاضي أبو الطيب قول القائل: لو جعلته قراضاً، فلولا أنه [قد] عرفه وخبره لم يقل ذلك، وعمر أجابه إليه ولم ينكره.
وقد اختلف الأصحاب في معنى جعل الربح في هذه القصة نصفين على أربعة أوجه: أحدها: وبه قال ابن سريج أن ما جرى من أبي موسى كان قرضاً صحيحاً؛ لأن الطريق كان مخوفاً، والقرض في هذه الحالة جائز فكان جميع الربح لهما، لكن عمر- رضي الله عنه- استنزلهما عن الربح خيفة أن يكون أبو موسى قصد إرفاقهما لا رعاية مصلحة بيت المال.
الثاني: وبه قال أبو إسحاق أن عمر- رضي الله عنه- أجرى على ذلك في الربح حكم القراض الفاسد؛ لأنهما عملا على أن يكون الربح لهما، و [لو] لم يكن قد تقدم في المال عقد حتى حملهما عليه، ومقتضاه أن يكون الربح لبيت المال، لكن أجرةم ثلهما كانت قدر نصفه فسلمه لهما.
الثالث: أن عمر- رضي الله عنه- أجرى عليهما في الربح حكم القراض الصحيح وإن لم يتقدم معهما عقد؛ لأنه لما كان من الأمور العامة فاتسع حكمه عن العقود الخاصة، فلما رأى المال لغيرهما، والعمل منهما جعل ذلك عقد قراض صحيح، وهذا ذكره ابن أبي هريرة.
الرابع: حكاه القاضي الحسين أن ما فعله أبو موسى كان قرضاً فاسداً؛ لأنه

كان سفتجة شرط عليهما الرد بالمدينة فجر منفعة وكل قرض جر منفعة [فهو] حرام، فكان ترك النصف؛ لأنهما كانا اشتريا في الذمة ونقدا فيه المال، فكان كل الربح لهما غير أنهما لما ارتفقا بمال بيت المال، أراد عمر أن يحصل لبيت المال من جهتهما رفق في مقابلته، وإن اشتريا بعين ما دفع إليهما، فعلى قول الشافعي في القديم: العقد موقوف على إجازة المالك، وعمر قد أجاز ذلك، والله أعلم.
قال- رحمه الله-: من جاز تصرفه في المال، صح منه عقد القراض؛ لأنه تصرف في المال وهذا اللفظ وإن كان من جوامع الكلم؛ لأنه يشمل ما إذا كان المتصرف مالكاً أو ولياً من أب، أو جد، أو وصي، أو حاكم، أو قيم كما صرح به في "الشامل" وغيره، فهو يدخل جواز القراض من الوكيل والعبد المأذون، وهو غير جائز منهما ويدخل عامل القراض وسنذكره ونبين أن كلا من المقارض والعامل يعتبر [فيه أن يكون أهلاً لجواز التصرف] في المال؛ لأن عقد القراض به يتم، وهذا هو الأقرب إلى الفهم.
قال: ولا يصح القراض إلا على الدراهم والدنانير أما صحته عليهما [فبالإجماع، وأما عدم صحته على ما عداها] من ذوات [القيم وذوات] الأمثال؛ فلأن القراض مشروط برد رأس المال واقتسام الربح، وعقده بغيرهما يمنع من هذين الشيئين؛ لأن من العروض ما لا مثل له، فلا يمكن رده، وماله مثل قد تكون قيمته حال العقد أكثر من قيمته حال الرد، وذلك يؤدي إلى أن يفوز العامل بجزء من رأس المال بغير عمل، وإذا كان هذا [ممنوعاً في القراض] وجب منع ما يؤدي إليه.
ولا يقال: إن مثل هذا الاحتمال يجيء في الدراهم والدنانير؛ لأن سوقهما يرتفع مرة وينخفض [مرة] أخرى: لأن ذلك إن وقع فنادر لا يعتد به، ويسير لا يؤثر.
وقد وجه اختصاص هذا العقد بهما [معنى آخر] وهو أن القراض معاملة

تشتمل على إغرار؛ إذ العمل غير مضبوط، والربح غير موثوق به، وإنما جوز للحاجة، فيختص بما يسهل للتجارة عليه في جميع البلدان، وهو الدراهم والدنانير؛ لأنه يرغب فيهما كل واحد، ويؤخذ بهما كل شيء وتنفقان في كل مكان، وتروجان في كل زمان.
قال القاضي الحسين: وهذا أصح؛ لأن السبيكة من الذهب، والنقرة من التبر لا يوجد فيهما المعنى الأول غالباً، ومع هذا يمتنع القراض عليهما للمعنى الثاني.
وقيل يجوز القراض على ذوات الأمثال، حكاه في "الإبانة".
وفي البيان عن المسعودي وقيل: يجوز القراض على الفلوس إذا راجت رواج النقود حكاه المتولي، وادعى الإمام الاتفاق على المنع فيها.
وقيل: إذا مات رب المال، ومال القراض عروض فقارضه الوارث عليه، صح، وإذا كانت قيمته معلومة، ولم يتعلق به حق؛ وهذا قول أبي إسحاق، وهو ظاهر المذهب؛ فإنه قال: فإن رضي الوارث بترك المقارض على قراضه، وإلا فقد انفسخ القراض.
قال القاضي أبو الطيب: والقائل بالمنع حمل النص على ما إذا كان رأس المال ناضاً.
وقال القاضي الحسين: الخلاف مبني على الخلاف في أن الوارث [هل يبنى على حول المورث أم لا؟].
وعلى الوجهين يخرج ما إذا كان المال ناضاً وقد جهل الورثة قدره،

وقارضوا العامل عليه، صرح بها الماوردي.
وقال الإمام: ومن ذكر الوجهين في هذا المقام يلزمه أن يقول بهما إذا فسخ القراض في حال الحياة، ثم أعاده المالك والمال عروض، وقد امتنع بعض الأصحاب من جريانه في هذه الحالة، وهو ما جزم به المحاملي في "المجموع".
ولا خلاف في أن العامل لو مات ومال القارض عروض، فقارض رب المال وارثه عليها لم يصح.
قال أبو الطيب: والفرق أن عمل العامل قد هلك وتعذر بموته، وليس كذلك في موت المالك؛ لأن عمل العامل قائم بحاله.
وفرق في "الوسيط" بأن الوارث لم يشتر المال بنفسه؛ فتكون العروض كلاً عليه بخلاف موت رب المال.
قال: ولا يجوز على المغشوش منها؛ لأن غش الفضة أو الذهب لو ميز عنهما ثم قارضه عليهما لم يصح، فكذلك إذا كانا مختلطين، وبالقياس على ما لو كان الغش أكثر من الفضة أو الذهب.
وقد وافق الخصم وهو أبو حنيفة على عدم الصحة في ذلك، وهذا هو المذهب المثبوت وقد صار إلى تجويز القراض على المغشوش إذا راج: الأقلون من المتأخرين كما حكاه الإمام بعد أن قال: قال القاضي: وأبعد بعض أصحابنا فجوز القراض على المغشوش إذا جرى نقداً.
ومحله إذا كانت قيمته قريبة من مبلغ الخالص وقيمة النحاس ومؤن الطباعين؛ لأن أمثال هذه الدراهم لو فرض في جريانها ركود، لقل المقدار الذي يفرض فواته وجعل المتولي حكم القراض عليها مبنياً على جواز التعامل [بها] وقد ذكرناه.
قال: ولا يجوز إلا على مال معلوم الوزن أي: والصفة حال العقد؛ لأنه موضوع على الفسخ، ورد المال عند المفاضلة وقسمة الربح على مقتضى الشرط وهذا متعذر مع الجهل.
وبما ذكرناه من التعليل يظهر الفرق بين ما نحن فيه وبين رأس مال السلم حيث جاز مجهولاً على قول؛ لأنه لم يعقد ليفسخ حتى يرجع فيه برأس المال.
ويظهر أنه لو دفع للعامل عرضاً يبيعه ويكون ثمنه رأس مال لا يصح؛ لعدم

المعرفة بالقدر والصفة حال العقد مع أن في ذلك معنى آخر يقتضي البطلان لو فقد ما ذكرناه وهو التعليق، فإن القراض لا يحتمله وإن كان وكالة على وجه مخصوص، وجوزنا تعليق الوكالة لما سنذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى.
فرع: لو دفع إليه كيسين في كل منهما ألف درهم معلومة الوصف على أن يكون أحدهما رأس مال والآخر وديعة؛ ففي صحة القراض وجهان في الطريقين: أصحهما: المنع ولا يجري مقابله فيما إذا جعلهما رأس مال وشرط [له] في أحدهما نصف الربح، وفي الآخر ثلثه ولم يعينه؛ كما حكاه الماوردي.
تنبيه: كلاما لشيخ قد يفهم منع القراض على مال في الذمة [إذا قلنا: إن ما في الذمة ليس بمال] وهو ما جزم به في "التهذيب" فيما إذا قارضه على ألف في الذمة ثم عين في المجلس [من غير بيان]، وصرح به الماوردي وغيره فيما إذا كان المقارض عليه ديناً على الغير؛ سواء كان في ذمة العامل أو في ذمة غيره وأذن له في قبضه.
لكن الإمام حكى عن القاضي- فيما خالف فيه صاحب "التهذيب"- الجواز وقطع به، وكلامه في "البحر" يرشد إليه حيث قال: لو قال قارضتك على ألف درهم، وكان له على رجل ألف درهم، فقال: ادفعها إليه- صح، وهو قريب مما حكيته في قرض شيء في الذمة، ثم يعين في المجلس.
ووجه الفساد فيما إذا كان المال في ذمة غيره: عسر التجارة والتصرف فيما في الذمة؛ ولأن ما في الذمة لابد من تحصيله أولاً، وسنذكر أنه لا يجوز في القراض ضم عمل إلى التجارة؛ كذا قال الإمام.
وفيه نظر؛ لأن مثل هذا العمل مغتفر في القراض، ألا ترى أن العامل يصح بيعه بثمن في الذمة بالشرط الذي سنذكره ويتقاضى الثمن من المشتري.
ووجه الفساد فيما إذا كان في ذمة العامل ما ذكرناه أولاً، وعدم صحة قبضه من نفسه لغيره.
وفي "البحر" حكاية وجه عن القاضي الطبري عن ابن سريج: أنه يصح القراض على ما في ذمته؛ لأنه [بمنزلة] الوكيل؛ فأشب ما لو قال: اشتر لي

سلعة بألف درهم، ثم [قال] ادفع الألف الذي [لي] عليك في ثمنها.
وعلى المشهور لو وقع عقد القراض على الدين، وتصرف العامل على حكم القراض؛ نظر إن كان قيما قبضه من غيره، فتصرفه فيه واقع لرب المال، والربح والخسران عليه، وللعامل أجرة مثله فيما فعله من قبض وشراء وغيره.
وإ، كان فيما عزله مما عليه من دين بعد قول رب المال: اعزل الألف الذي لي في ذمتك وقد قارضتك عليه.
فهل يكون الربح [له]، والخسران عليه أو على رب المال؟ فيه قولان خرجهما القاضي في جامعه.
وعلى الأول: وهو الأصح لا تبرأ ذمة العامل بذلك.
وعلى الثاني: تبرأ بالاتجار كذا قال الماوردي.
وفي الرافعي: أنه إذا عزل الألف وقارضه عليها، فإن اشترى بعين الألف، كان كالفضولي يشتري لغيره بعين ماله، وإن اشترى في الذمة، ونقد ما عزله، فوجهان: أصحهما في "التهذيب": أن الشراء للمالك، وهو الذي يقتضي إيراد البندنيجي في "التعليق" ترجيحه؛ فعلى هذا: يكون للعامل أجرة مثله.
والثاني: أنه للعامل؛ لأنه إنما أذن في الشراء بمال القراض إما بعينه أو في الذمة؛ لينقده فيه، فإذا لم يملكه فلا قراض.
وهذا أظهر عند الشيخ أبي حامد؛ وهذا الترتيب إيراد القاضي أبي الطيب، وابن الصباغ يوافقه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: [أنه] إن اشترى بعين الألف؛ فالربح والخسران على العامل، وإن اشترى في الذمة، وقع العقد لرب المال، وعليه أجرة مثل العامل، والربح له، والخسران عليه، ولا يلزم العامل أن ينقد الثمن من ماله، فإن نقده جاز، وسقط الحق عنه؛ لأنه أذن له فيه.
وأبدى احتمالاً في المسألة اقتصر الإمام ومن تابعه عليه، وهو أن ذلك يخرج على أصلين: أحدهما: إذا قال شخص لشخص: اشتر لي بثوبك هذا الفرس، فاشتراه له

[به] وسماه في العقد، فهل يقع العقد للآمر أم لا؟ فيه وجهان: [فإن وقع له، فهل يكون الثوب معوضاً من الآمر أو موهوباً له؟ فيه وجهان].
وعلى القول بعدم وقوع العقد للآمر، هل يقع لمباشره أم يبطل؟ فيه وجهان.
وإن اشترى الفرس بالثوب [له] ونواه في الشراء، فالحكم كما تقدم، إلا على قولنا: إنه لا يصح العقد للآمر فإنه في هذه الصورة يقع للمباشر وجهاً واحداً.
والأصل الثاني: ما إذا قال له: اشتر لي خبزاً بدرهم من مالك، فاشترى له خبزاً بدرهم في الذمة فإن العقد يقع للآمر، وإذا وفاه المأمور، فهل يرجع به عليه؟ فيه وجهان.
فإذا اشترى العامل بعين الألف، فهو كما لو اشترى الفرس بعين الثوب، وإذا اشترى في الذمة، ونقد الألف، فهو كما لو اشترى الخبز ونقد ثمنه، والله أعلم.
ولا خلاف [في] أن الألف لو كان في يده أو في يد غيره وديعة صح القراض عليه، ولو كان في يده غصباً؛ فكذلك على المذهب في "الشامل" وغيره.
وفيه وجه: أنه لا يصح.
قال الغزالي: ولعله غلط.
وعلى الأول هل يبرأ الغاصب بذلك؟ فيه خلاف قدمته في باب الغصب.
قال: ولا يجوز إلا على جزء معلوم من الربح [أي:] كالنصف، والثلث، [والربع] ونحوها نفياً للغرر والمرجع في قدر الجزء إلى ما يتفقان عليه حالة العقد؛ لأنه عقد على منفعة؛ فأشبه الأجرة والصداق، فلو أطلقا العقد كان قراضاً فاسداً، يصح تصرف العامل فيه، وله أجرة مثله، ربح المال أم خسر ويخالف الشركة إذا أطلقت فإنها تقع صحيحة؛ لأن الربح فيها مقسوم على الأملاك وهي معلومة.
وفي "الحاوي" حكاية وجه عن ابن سريج فيما إذا [قال]: قارضتك ولم يزد على هذا: أن القارض جائز، ويقسم الربح بينهما نصفين؛ لأن ذلك هو الغالب،

فحمل إطلاقه عليه، وغلطه فيه بأن الغالب لو كان معتبراً في مثل ذلك؛ لوجب إذا أطلق عقد البيع أن يصح بثمن المثل؛ لأنه الغالب وليس كذلك.
فرع: لو قال: قارضتك على أن لك من الربح مثل ما شرطه فلان [لعامله فلان] فإن كانا يعلمان [مبلغ ذلك] صح، وإن جهل أحدهما ذلك؛ فلا.
قال: [وإن قال]: قارضتك على أن الربح بيننا؛ جاز وكان بينهما نصفين: كما لو قال: هذه الدار بيني وبين فلان فإنها تجعل بينهما نصفين، وإذا قال: بعتكما هذه الدار؛ كانت بينهما نصفين، وهذا قول أبي العباس، واختيار الشيخ أبي حامد.
قال: وقيل: لا يجوز؛ لأنه يحتمل [أن يكون] بينهما نصفين وثلثاً وثلثين وأقل وأكثر، فلما لم يبين واحداً من ذلك؛ كان العوض مجهولاً، وهذا كما لو قال: بعتك بألف مثقال ذهب [وفضة]، فإن البيع لا يصح؛ وهذا ما صححه في "التهذيب".
قال: وإن قال: على أن لك [نصف الربح] صح؛ لأن الربح نماء المال ومقتضى ذلك أن يكون النصف جميعه لرب المال فإذا شرط للعامل منه شيء معلوم؛ بقي الباقي للمالك بالأصل.
وقيل: لا يصح؛ لأنه لم يبين ماله من المال.
قال: والأول أظهر؛ لما ذكرناه، وبه [جزم] المراوزة وكذا الماوردي وجعل مسألة الوجهين فيما إذا قال: تصرف فيه بالبيع والشراء [على أن لك نصف الربح، وقاس وجه المنع على ما لو قال: تصرف فيه بالبيع والشراء]، ولي نصف الربح فإنه يكون قراضاً فاسداً وجهاً واحداً.
ويجري الخلاف الذي حكاه الشيخ فيما لو قال: قارضتك على [أن] المال بالنصف، [أو الثلث].
فعند ابن سريج يصح.
وعند أبي إسحاق المروزي: لا، كذا حكاه البندنيجي وغيره.

قال: وإن قال: على أن لي النصف- لم يصح؛ لأنه ذكر لنفسه بعض الربح الذي هو مالك لجميعه؛ فلم يكن فيه بيان لما بقي.
وهذا قول المزني كما حكاه الفوراني، وابن سريج كما حكاه البندنيجي، وأبو إسحاق، وابن أبي هريرة كما حكاه الماوردي.
وقيل: يصح حملاً على موجب القراض واشتراكهما في الربح، فصار البيان لنصيب أحدهما دالاً على أن الباقي للآخر، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] فإن في ذلك دلالة على أن الباقي للأب، وهذا قول ابن سريج كما حكاه الماوردي والفوراني.
قال: والأول أظهر؛ لأن العامل لا يملك شيئاً إلا بالشرط ولم يوجد.
وعلى هذا الخلاف يبنى ما لو قال: قارضتك على أن لي نصف الربح، ولك ثلثه وسكت عن الباقي، فيكون على الأظهر قراضاً فاسداً؛ للجهل بحكم السدس الباقي وعلى مقابله: يصح.
ولو انعكس الحال فقال: على أن لك نصف الربح ولي ثلثه، كان على الأظهر في المسألة قبلها [قراضاً صحيحاً.
وعلى مقابله] قراضاً فاسداً.
قال: [وإن شرط لأحدهما ربح شيء يختص به.
لم يصح.
صورة ذلك: أن يدفع إليه [ألفين في كيسين]، ويقول: لك ربح هذا أو لي ربح هذا، أو يقول: لك ربح ما يحصل في الثياب، ولي ربح ما يحصل في الدواب، أو نحو ذلك.
ووجه المنع: أنه قد لا يربح في أحدهما؛ فيؤدي إلى فوز المالك بعمل العامل مجاناً، أو العامل يفوز بنماء مال رب المال من غير أن يحصل له شيء، وذلك خلاف وضع القراض.
وهكذا الحكم فيما لو قال: قارضتك على أن لي من الربح درهمين، والباقي بيننا نصفين؛ لأنه قد لا يربح المال إلا درهمين؛ فيؤدي إلى ما ذكرناه.
ويخالفه لو قال: على أن لي أو لك الثلث والباقي بيننا، فإنه يصح؛ لأن أحدهما لا يفوز بالربح دون الآخر.

وهكذا لو قال: على أن لك نصف الربح، وما بقي فثلثه لي وثلثاه لك صح؛ إن علما نسبة ذلك وإن جهلها أحدهما فعند القاضي الحسين: لا يصح.
وعند ابن الصباغ: يصح وحكى صاحب "التقريب" الوجهين.
فرع: لو قال: خذ هذا الألف قراضاً، ولك ربح نصفه، ولي ربح نصفه؛ لم يجز خلافاً لأبي ثور وأبي سعيد كما حكاه المتولي.
ولو قال: ولك نصف ربحه، ولي النصف الباقي- صح.
والفرق أنه إذا جعل له ربح نصفها، صار منفرداً بربح أحد النصفين من غير أن يكون لرب المال فيه حق، [وعمل في النصف الآخر من غير أن يكون له فيه حق]، بخلاف ما لو قال: نصف ربحه؛ فإن هذا المعنى مفقود فيه.
وهذه طريقة ابن الصباغ والبندنيجي والماوردي، وحكاه المتولي عن ابن سريج وهو موافق لما حكاه القاضي الحسين عنه فيما لو قارضه على ألفين غير متميزين على أن يكون لرب المال ربح ألف وللعامل ربح ألف.
وقال: عندي أنه يجوز؛ إذ لا تمييز بين الألفين، ولا فرق بين أن يقول: نصف الربح لك وبين أن يقول: ربح الألف من الألفين لك.
وقال الإمام: إنه متجه حسن، ولا وجه لما قاله ابن سريج إلا فساد اللفظ، فإن الذي يقتضيه موجب العقد قسمة الربح على الشيوع، فإذا قال: نصف الربح لك فهذا جار على الإشاعة، وإذا قال: ربح أحد الألفين لك، لم يوجد ذلك، والمعول في العقود على الألفاظ.
قال: وإن قال: قارضتك على أن يكون الربح كله [لي، أو كله] لك؛ فسد [العقد].
هذا الفصل ينظم مسألتين: إحداهما: أن يقول: قارضتك على أن يكون الربح كله لي.
[والثانية: أن] يقول: قارضتك على أن [يكون] الربح كله لك.
والعقد فاسد فيهما؛ لأن وضع القراض يقتضي الاشتراك في الربح، وقد شرط الاخصتاص [به لأحدهما] فبطل؛ لكونهما شرطا ما ينافي مقتضاه.
قال ابن سريج: وأصل هذا أن كل لفظة كانت خالصة لعقد حمل إطلاقها

عليه، فإن وصل بها ما ينافي مقتضاه بطل.
قال: إلا أنه إذا تصرف [العامل] نفذ التصرف؛ لأن الإذن موجود، ولا فساد فيه، وبه يستفاد التصرف، قال: ويكون الربح كله لرب المال؛ لأنه نماء ملكه، وللعامل أجرة المثل؛ لأنه عقد يستحق المسمى في صحيحه؛ فاستحق أجرة المثل في فاسده كعقد الإجارة.
وفي المسألة الأولى وجه نسبه الماوردي إلى المزني: أنه لا يستحق أجرة المثل؛ لأنه عمل مع الرضا بأنه لا ربح له؛ فهو متطوع بعمله.
والصحيح الأول، وبه قال ابن سريج؛ لأنه عمل في قراض فاسد؛ فصار كالمنكوحة على غير مهر تستحق مع الرضا بذلك مهر المثل.
وحكى المراوزة في المسألتين خلافاً في أن [هذا] الذي جرى، عقد قراض فاسد أم هو في الأولى إبضاع وفي الثانية عقد قرض؟ وبنوا ذلك على أن الاعتبار في العقود بألفاظها أو بمعانيها؟ فإن اعتبرنا الألفاظ كان قراضاً فاسداً، وإن اعتبرنا المعنى، كان في الأولى إبضاعاً، وفي الثانية قرضاً؛ لأن ذلك معناهما.
وقالوا: إذا قلنا في الأولى: إنه قراض فاسد، فهل يستحق أجرة المثل؟ فيه وجهان: وخرجوا على هذه القاعدة ما لو قال: باضعتك على أن الربح كله لك، فعلى قول من نظر إلى اللفظ، جعل الربح كله لرب المال، وجعل للعامل أجرة المثل؛ لأنه لم يعمل مجاناً.
وعلى قول من نظر إلى المعنى، جعل ذلك قرضاً.
ولا فرق في استحقاق أجرة المثل بين أن يحصل في المال ربح أم لا، بخلاف ما لو كان عقد القراض صحيحاً؛ فإنه لا يستحق شيئاص ما لم يكن في المال ربح.
قال القاضي أبو الطيب: والفرق أنه لما استحق المسمى وإن كان أكثر من أجرة المثل عند وجود الربح وصحة القراض، جاز ألا يستحق شيئاً إذا عري عن الربح حتى إذا كان له الفضل في الزيادة، كان عليه الضرر في النقصان.
وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لو كان في المال ربح فاضل عن أجرة المثل، لم يكن له، فكذلك إذا لم يكن فيه فضل استحق أجرة المثل، فتكون الزيادة لما لم تنفعه لا يضره النقصان.

وحكى الإمام عن شيخه وجهاً رواه أنه لا يستحق الأجرة إذا لم يحصل بعمله ربح، وقال: إنه لا اتجاه له.
[فرع:] قال: [وإن قال تصرف] والربح كله لي، فهو إبضاع، لا حق للعامل فيه، وإن قال: تصرف والربح كله لك فهو قرض؛ لأن لفظ تصرف محتمل التصرف على [جهة القراض وعلى جهة] غيره، وقد اقترن به ما يخلصه لأحدهما فغلب حكمه؛ كلفظ التمليك لما كان يحتمل الهبة والبيع إذا اقترن به العوض حمل على البيع لاعتباره فيه.
قال أبو العباس: وهذه القاعدة كل لفظة وضعت لعقدين فأكثر لم ينصرف إطلاقها إلى شيء، فإن عقبها ببعض ما يصلح لبعض تلك العقود؛ أخلصها له.
وفي الحاوي في الأخيرة حكاية وجه أنه يكون قراضاً فاسداً؛ فيكون [الربح جميعه] لرب المال، وللعامل أجرة المثل وهو ما اختاره القاضي الحسين.
ولا نزاع في أنه لو قال: خذه واعمل فيه على أن الربح بيننا نصفين، كان قراضاً صحيحاً.
ولو قال: خذه وتصرف فيه بالبيع والشراء، فمقتضى ما ذكرناه من القاعدة عن ابن سريج [ألا ينصرف] إلى شيء من العقود.
وقد حكى في "البحر" في ذلك وجهين: أحدهما: أنه إبضاع.
والثاني: أنه قراض فاسد.
ولو دفع إليه ألفاً وقال: اشتر به لنفسك، فهل يقع العقد للمباشر أم للآمر؟ فيه وجهان.
فإن قلنا بوقوعه للمباشر، فهل الألف هبة منه أو [قراض؟] فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين.
تنبيه: إبضاع بكسر الهمزة أي: [هو] بضاعة للمالك [ربحها] والعامل وكيل متبرع.
قال أهل اللغة: البضاعة: طائفة من المال يبعثها للتجارة، يقال: أبضعت الشيء واستبضعته: أي جعلته بضاعة.
واعلم أن كلام الشيخ مصرح بأن القارض ينعقد [بلفظ القراض]، وهو لا

شك فيه وفي كلامه في صدر الباب ما يدل على افتقاره إلى القبول حيث قال: صح منه عقد القراض، فإن العقود وضعها الافتقار إلى القبول، وقد صرح بذلك الرافعي و [غيره]، وأثبته الإمام بلا خلاف.
وكما ينعقد القراض بلفظه، ينعقد بلفظ المضاربة [والمعاملة] أيضاً، ويعتبر القبول فيه على الفور، كما في [عقد] البيع ونحوه ولا يفتقر مع ذلك إلى قوله: "بِعْ مَا تَشْتَرِيهِ" على الأصح، وفي "النهاية" وجه ضعيف في الافتقار إليه كما يفتقر إليه في قوله- عند دفع المال إليه مقتصراً على قوله: [اشتر به] على الأصح حتى لو لم يقل ذلك كان الربح كله لرب المال.
وينعقد أيضاً بقوله: خذ هذا الألف وتصرف فيه أو اتجر فيه على أن الربح بيننا مع القبول اتفاقاً، وكذا بدونه عند القاضي الحسين كما لو قال لمن يخاطبه: "بع عبدي" فإنه لا حاجة إلى القبول، بل يكفي قبضه والتصرف فيه، وبهذا جزم في "التهذيب" واستبعده الإمام.
وحكي عن شيخه والطبقة العظمى من نقلة المذهب: أنه لا بد من القبول، ثم قال: وكيف لا يكون كذلك وهذه معاملة اختصت [بمعين] وفيها استحقاق العوض والمعوض، فكيف تثبت من غير قبول، وبهذا خالف الجعالة؛ فإن إبهام العامل فيها جائز، والوكالة؛ فإنها إذن مجرد، وليس العوض فيها مستحقاً.
وينعقد- أيضاً- بقول رب المال أو وارثه أو من يقوم مقامه بعد فسخ عقد القراض: تركتك أو أقررتك على ما كنت عليه على أظهر الوجهين عند الإمام، ولا ينعقد بذلك عند شيخه، وهو مفرع على منع انعقاده بالكتابة.
وهل ينعقد بلا لفظ من ألفاظ العقود، مثل أن يقول رجل للآخر: طلبت من فلان ألف درهم؛ ليكون قراضاً والربح بيننا نصفيفن، فأبى؛ فدفع إليه السامع ألفاً؟ فيه طريقان في "التتمة"، والصحيح عدم الانعقاد، وقال: إن طريقة الانعقاد مخرجة على جواز بيع المعاطاة.
فرع: لو شرط أن يكون للعامل ثلث الربح والثلث لرب المال والثلث لغلامه

نظر في الغلام، فإن كان مملوكاً ولم يكن قد شرط عمله مع العامل صح، ويكون للعامل الثلث ولرب المال الثلثان؛ لأن المشروط لعبده مشروط له، كما أن الموصى به للعبد موصى به لسيده فإنه لا يملك.
وإن شرط أن يعمل معه فكذلك الحكم عند ابن سريج [وأبي إسحاق] وحذاق أصحابنا كما حكاه البندنيجي.
وبعضهم قال بعدم الصحة، ومأخذه اشتراط العمل كما سنذكره.
وإن كان الغلام أجيراً قد انتهت مدة إجارته أو كان [قد] شرط الثلث لوالد رب المال أو [لزوجته أو لأجنبي] نظر إن لم يشترط عمله [مع العامل]؛ لم يصح العقد، سواء كان الشارط العامل أو رب المال؛ لأن الربح في القراض يستحق بمال أو عمل، وهذا خارج عنهما ففسد العقد لفساد الشرط.
ولا يقال: ينبغي أن يصح ويسلم للعامل ما شرطه ولرب المال الباقي.
فإن العامل إنما يستحق بالشرط وقد شرط له الثلث ورضي به، والربح نماء المال وهو ملك ربه، فإذا لم يحصل لمن شرط له [عاد إلى ملكه؛ لأنا نقول: العامل إذا كان هو الشارط فرضاه بالثلث، كان حصول الثلث لمن شرط له] وقد يتعلق له بذلك غرض ولم يحصل، وإذا كان الشارط رب المال فهذا العقد لابد فيه من القبول، وقبول الشرط شرط من القابل فكأنه شرطه كذا أشار إليه الإمام.
وإن شرط عمل المشروط له، قال في الحاوي: لا يصح إلا أن يتصادقا على أن ما سمى [له] لرب المال ويكون ذكر ذلك على سبيل الاستعارة.
وقال البندنيجي: [يصح] قولاً واحداً، وكأنه قارض شخصين بالثلثين، وقراض الواحد لشخصين لا شك عند الأصحاب في جوازه، وكلام القاضي أبي الطيب يقتضي أن كلاً منهما مقارض على النصف، فإنه قال: إذا قارض رجل رجلين بألف صح، ويكون في حكم العقدين فكأنه قارض كل واحد منهما على الانفراد بخمسمائة، ثم قال: فإن قيل: فالمضاربان قد اشتركا في العمل وهذا تجويز شركة الأبدان.

فالجواب: أن كلا منهما عامل لرب المال، وليس في ذلك أكثر من أن المال مشاع، وذلك لا يوجب شركة الأبدان، كما لو كان العامل يتصرف في مال القراض وماله فإنه يصح، ولا يكون شركة، ويعمل في المال بحق الملك وبحق القراض، فكذلك هنا يكون كل واحد منهما يتصرف في نصف المال لحق القراض.
وقال ابن الصباغ: أوضح من هذا الفرق عندي أن يقال: كل واحد منهما يعمل على نصف المال [والربح] واشتراكهما في العمل لا اعتبار به؛ لاشتراكهما في المال: ألا ترى [أن] في شركة العنان يعملان في المال، والربح بينهما على قدر المالين ولا اعتبار [باشتراكهما] في العمل وإن كان له ثلثان في الربح وكذلك هاهنا.
وهذا [منه] يدل على أنه مقارض في النصف ويعمل في الكل.
وكلام الإمام في هذه المسألة مختلف، وآخره يدل على خلاف ما دل عليه كلام ابن الصباغ: فإنه قال في أوائل الباب ما نذكره بالمعنى لا باللفظ وأطلق الأصحاب جواز مقارضة الرجل الواحد رجلين، والذي دل عليه ظاهر كلامهم فساد ذلك إن شرط ألا يستقل واحد منهما بالتصرف دون صاحبه؛ لما في ذلك من التضييق في التصرف.
وإن أثبت لكل منهما استقلالاً بالتصرف، فهذا هو الذي جوزه الأصحاب.
ثم أبدى في أواخر الباب في هذه الحالة إشكالاً، وهو أن أحدهما لا يثق بتصرف نفسه؛ لاحتمال سبق الآخر [بالتصرف.
وقد يتفرع عليه أن أحدهما إذا عمل ولم يعمل الآخر] شيئاً فيستحيل أن يستحق من لم يعمل شيئاً، ويجب أن يكون المشروط للعامل وهو مشكل؛ لأنه لم يشترط له الربح وحده، ثم يلزم منه إذا قيل بذلك أن يختلف الربح بمقدار العملين وهذا أمر لا ينضبط.
ثم قال: ونحن نقول-[من] بعد- مقارضة رجلين على أن يستقل كل واحد منهما بالتصرف في جميع المال فاسد لا شك فيه؛ لما أشرنا إليه فلتخرج

هذه الصورة عن إرادة الأصحاب للحكم بالصحة، وأما إذا قارض رجلين على ألا ينفرد واحد منهما بالتصرف فهذا يتضمن حجراً على كل واحد منهما، فقد قدمنا أن المالك لو شرط على العامل أن لا يمضي أمراً حتى يراجع رجلاً عينه أو رب المال؛ فالقراض فاسد، لكن يعارض هذا الحجر في مسألتنا التعاون والتناصر، وهذا يزيد أثره على ما ينحسم بالحجر.
وينفصل رجوع [أحد] العاملين إلى الثاني عما ذكرناه من الفساد باشتراط مراجعة ثالث أو رب المال بأن الثالث لا حظَّ له في الربح فقد يتبرم بالمراجعة وذلك يجر عسراً في التصرف بخلاف العاملين، وبأن التصرف إذا توقف على مراجعة المالك كان في حكم الهابط بالكلية، وما يسقط استقلال العامل [فإنه] ينافي وضع القراض.
ويتجه: أن يحمل ما قاله الأصحاب على كون كل واحد من [المقارضين مقارضاً] في قسط من المال، وقد ذكرنا أن الشيوع غير ضائر، وكلام الأصحاب في التفريع يشير إلى ذلك فإن مما ذكروه أنه لو قارض رجلين وجعل نصيب أحدهما من الربح أقل جاز، وهذا إنما يفرض إذا كان كل منهما مقارضاً في قسط منفرداً فيه بمعاملة المالك، ولو قدرنا صحة مقارضة رجلين على التناصر؛ فهما كالعامل الواحد في جميع المال، [فليس لرب المال] الاحتكام بتفضيل أحدهما على الثاني، فخرج من مجموع ما ذكرناه ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقارضهما على أن يتصرف كل منهما في جميع المال، وهذا باطل لا شك فيه.
والثاني: أن يتعاونا على العمل في الجميع؛ فهذا محتمل والأظهر البطلان؛ لما ذكرناه آخراً.
والثالث: أن يجعل كلا منهما عاملاً في شطر المال، وهذا جائز لا يرده راد وقد قال الشافعي: تعدد المقارض يتضمن تعدد القراض.
ولا محمل لكلامه

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل