كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فرع: وإن تركهما تيمم وصلى وأعاد.
والعراقيون قالوا: فيما يلزمه في هذه الحالة ثلاثة أوجه:
أحدها: ما ذكرناه عن القاشي الحسين, وهو الذي نقله المزني عن الشافعي: أنه
يتيمم ويصلي, وعليه الإعادة.
والثاني- قاله ابن سريج -: أنه يتوضا بالثاني ويصلي ولا تجب عليه الإعادة؛
كم صلى إلى جهة بالاجتهاد, ثم إلى أخرى باجتهاد آخر.
قال: والذي نقله المزني لا نعرفه للشافعي.
قال أبو الطيب بن سلمة: وهذا الذي قاله ابن سريج غير صحيح, والذي نقله
المزني رأيته في "حرملة", ويفارق مسالة القبلة؛ لأنا في القبلة لا نأمره بفعل فاسد
قطعا؛ لانه محتمل أن تكون هذه الجهة الثانية هي جهة القبلة, وليس كذلك هنا؛ فإنا
نتحقق أنا نأمره بفعل فاسد, أو بنقض الاجتهاد بالاجتهاد, وإنما قلنا ذلك؛ لأنا
[إن] لم نأمره بإيراد الثاني على موارد الأول فهو مصل بغير طهارة من حدث أو
خبث, وذلك يمنع الصحة, وإن أمرناه بأن يورده على موارد الأول فذاك نقض
للاجتهاد بالاجتهاد, وهو لا يجوز, والإمام حكى عنه أنه أوجب إيراد الماء الثاني
على موارد الأول.
وقال ابن الصباغ: إن هذا ليس عندي بنقض للاجتهاد فيما فعله بالاجتهاد؛ لأنا
ليس نبطل طهارته الأولى وصلاته, وإنما نأمره بغسل ما على بدنه من الماء الذي
غلب على ظنه أنه نجس, ويكون ذلك بمنزلة منعنا له من استعمال بقية الإناء وحكمنا
بنجاسته.
قال: وعلى هذا ينبغي أن يغسل ما أصاب غير موضع الوضوء من الأول فإن
مواضع الوضوء يطهرها الوضوء من الحدث ومن النجاسة.
قلت: وهذا قد حكينا فيه خلافا من قبل.
والثالث: أنه يتيمم ويصلي، ولا يعيد؛ كمن به قروح أو وجد الماء وهو محتاج
إليه للعطش؛ لأنه معذور.
ومن رجح مانقله المزني قال: العذر هنا منسوب إلى تفريطه، ولا كذلك ثم.
ولو كان الإناء الذي غلب على ظنه طهارته وتوضأ منه أولا لم يبق منه شيءٌ، قال
الرافعي: فلا يجب عليه إعادة الاجتهاد.
وفي "التتمة" حكاية وجهين في وجوب الإعادة؛ كما إذا انصب أحد الإناءين قبل
الاجتهاد.
وكيف كان فإذا أعاد الاجتهاد وأدى اجتهاده إلى طهارة غير الأول، فإن قلنا عند
بقاء الأول: إنه يتيمم ويصلي [ولا] يعيدن فهاهنا أولى، وإن قلنا ثم إنه يتيمم
ويصلي ويعيد كما نقله المزني - فهاهنا يتيمم ويصلي وهل تجب عليه الإعادة؟ فيه
وجهان:
وإن قلنا بمذهب ابن سريج توضأ بالثاني وصلى ولا إعادة عليه، وأورد الثاني
موارد الأول؛ كما سلف.
ولو كان قد بقي من الإناء الأول بقية لا تكفيه لطهارته: فإن قلنا: [إنه يجب عليه
استعمال الوجود، كان كما لو بقي منه قدر ما يكفيه للطهارة.
وإن قلنا]: لا يجب
عليه استعماله، كان كما لو لم يبق منه شيءٌ آخر.
وإذا اجتهد ولم يغلب على ظنه طهارة إناء، قال البندنيجي: فعليه أن يعيد
الاجتهاد إلى أن يخشى خروج الوقت، فإن لم يظهر له شيءٌ صلى بالتيمم، وأعاد
الصلاة إذا عرف الطاهر وعليه بعد ذلك أن يعيد الاجتهاد إلى أن يظهر له الطاهر.
وغيره قال: إن إذا لم يظهر له الطاهر من النجس أراقهما، أو صب أحدهما في
الآخر، وتيمم.
ويجيء وجه ابن سريج في جواز تقليد غيره في ذلك؛ كما جرى مثله في
الأوقات، وقد يفرق بينهما.
قال: وإن اشتبه ذلك، أي: البعض الذي وقعت فيه النجاسة على أعمى؛ ففيه
قولان:
أحدهما: يتحرى -[أي]: وجوبا - لأن له طريقا إلى معرفة الطاهر من النجس
بالأمارات: كالشم، واللمس، والاستماع؛ فوجب عليه إذا لم يجد ماءً طاهراً بيقين؛
كما في الأوقات؛ وهذا مانص عليه في "الأم" وهو أصح في الرافعي، ولم يحك
الماوردي، وكذا القاضي الحسين في باب استقبال القبلة غيره.
والثاني: لا يتحرى - أي لا يجوز له أن يتحرى - لأن [للنظر أثراً في] حصول
الظن بالمجتهد فيه، وقد فقد؛ فعنع من الاجتهاد؛ كما في القبلة؛ وهذا منا نص عليه
في "حرملة".
التفريع: إن قلنا بالأول جاء الخلاف في جواز اجتهاده عند قدرته على ماء
طاهر بيقين، وإذا اجتهد ولم يظهر له شيءٌ، قال الشافعي" إن كان هناك بصير قلده".
واختلف الأصحاب في تأويله: فقال بعضهم: أراد إذا كان البصير يعلم الطاهر من
النجس، فأما إذا كان باجتهاد فلا [يجوز أن] يقلده؛ لأن المجتهد لا يقلد المجتهد.
وقال بعضهم: يرجع إلى اجتهاد البصير، وهو ما صححه الرافعي.
والتأويل الأول بعيد؛ فإنه إذا كان بصيراً يعلم الطاهر منهما من النجس لا يسوغ له
الاجتهاد.
وإن قلنا بالثاني تعين عليه تقليد بصير، فإن لم يجد من يقلد، أو لم يظهر للبصير
شيءٌ - قال الشافعي: لا يتيمم، بل يتوضأ بما أدى إليه تخمينه على أبلغ مايقدر عليه.
قال القاضي أبو الطيب: ولا يعيد.
وعن الشيخ أبي حامد أنه يتيمم ويصلي ويعيد، وهو الأصح في" الروضة".
وقال ابن الصباغ: إن ما يذكر أبو حامد أقيس وما ذكره أبو الطيب أقرب
إلى نص الشافعي.
والخلاف في جواز اجتهاده في الأواني جار في اجتهاده في الثياب [كما] قال
الإمام وغيره.
وقد أفهمك كلام الشيخ: أنه لا فرق فبما ذكره بين أن يكون فيما وقعت فيه النجاسة
من الآنية أقل من الباقي أو مثله أو أكثر منه، والحكم عندنا كذلك؛ قياساً على ما إذا
وقد أفهمك كلام الشيخ: أنه لا فرق فيما ذكر بين أن يكون ما وقعت فيه النجاسة
من الآنية أقل من الباقي أو مثله أو أكثر منه، والحكم عندنا كذلك؛ قياساً على ما إذا
اشتبه عليه مثل ذلك في الثياب، وقد وافق الخصم-: وهو أبو حنيفة - على جوازه.
نعم، لو كانت الآنية ثلاثا، وقد وقعت النجاسة في اثنين منها، واجتهد ثلاثة فيها،
وأدى اجتهاد كل واحد إلى طهارة إناء - لا يجوز أن يقتدي بعضهم ببعض في صلاة
مابتلك الطهارة؛ كما لو وقعت النجاسة في أحد الإناءين، فاجتهد فيهما اثنان، وأدى
اجتهاد أحدهما إلى طهارة إناء واجتهاد الآخر إلى طهارة الآخر.
على ان في مسألة الاستشهاد وجه حكاه الشيخ أبو محمد في "كتاب الحج":
أنه يجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر؛ بناء على قول في أن من أحرم بنسك ثم نسيه،
هل يتحرى؟ وإذا ثبت في هذه الصورة جرى في الأخرى.
ولو كان النجس من الثلاثة واحداً وقد أدى اجتهاد كل شخص إلى طهارة واحد-
ففي جواز اقتداء بعضهم ببعض كلام سبق في باب صفة الأئمة، وذكره [ثم أمس،
والله أعلم].
قال: ومن اشتبه عليه ماء وبول - أي: من بصير أو أعمى - أراقهما وتيمم؛ لأنه لا
يمكنه أن يجتهد فيهما؛ فإن الاجتهاد يقوي مافي النفس من الطهارة الأصلية، والبول
لا أصل له في التطهير؛ فامتنع العمل به، وإذا لم يتمكن من الاجتهاد، وليس معه ماء
آخر تعين التيمم والإراقة؛ لأجل ألا يتيمم ومعه ماء متيقن طهارته؛ فتلزمه الإعادة.
وصب أحدهما في الآخر في معنى الإراقة.
فإن قيل: هو غير قادر على استعمال الماء، والصلاة بالتيمم مع وجود الماء الذي
لا يقدر على استعماله تجزئه، ولا تقتضي القضاء؛ دليله ما إذا حال بينه وبينه سبع.
قيل: قد أبداه بعض الأصحاب احتمالاً فجوز التيمم قبل صبه وخلط أحدهما
بالآخر، وحكاه في "التهذيب" وجهاً، لكن المذهب الأول، و [الفرق] أنه فير
مقصر في مسألة السبع، والمنع من استعمال الماء هنا جاء من تقصيره.
فإن قيل: إذا كان الماء في هذه الحالة في حكم المقدور عليه بالنسبة إلى عدم
إسقاط القضاء كالصلاة بالتيمم - فينبغي أن يتخرج وجوب القضاء إذا تيمم بعد
إراقته على الخلاف فيما إذا صب الماء بعد دخول الوقت؛ كما سيأتي.
قيل: هو ثم متعد بالصب وهاهنا هو مأمور به، أو هو محتاج إلى الإبقاء ثم وإلى
الإراقة هنا، وما ذكره الشيخ هو ماذكره العراقيون، وألحقوا به في عدم الاجتهاد ما
إذا اشتبه عليه ماء وماء ورد انقطعت رائحته، لكنهم قالوا في هذه الصورة يتوضأ من
كل منهما.
وفي طريقة الوراوزة حكاية وجه: في أنه يجتهد فيهما.
قال الإمام: وهو متجه في القياس، ولم يحك في "التتمة" غيره؛ تفريعاً على
اشتراط الاجتهاد في الأواني: نعم، لا يجوز الهجوم هنا ولا الأخذ بمجرد الظن كما
حكاه عن رواية الشيخ أبي محمد بلا خلاف.
والملوردي قال: إن اجتهاده في الماء وماء الورد؛ لأجل الصلاة فلا يجوز.
وإن كان لأجل العطش حتى يشرب ماء الورد، ويبقى الماء - يجوز.
ثم إذا اجتهد وظهر له ماء الورد أعده لشربه وبقي الآخر محكوماً عليه بأنه ماء؛
فيجوز له حينئذ أن يستعمله في الطهارة.
وقد نجز شرح مسائل الباب؛ فلنختمه بشيء يتعلق به:
إذا اشتبه عليه الطاهر من الطعام المأكول بالنجس منه، فهو كما إذا اشتبه الماء
الطاهر بالنجس حتى تجري طريقة أبي إسحاق فيه إن كان مضطرا إلى الأكل، وإلا
فيجوز وجهاً واحدً كما قاله في "التتمة" و "الروضة".
ولو اشتبه عليه الطعام المأكول بغيره، فهو كما لو اشتبه عليه ماء وبول قاله
القاضي الحسين.
وقال فيما إذا اشتبه عليه ميتة بمذكاة: لا يجتهد على الأصح، وإذا اجتهد فطريقه
أن يضع اللحم على الماء، فإن طفا فهو الميتة.
ولو اختلطت ميته بمذكيات، بلد أو إناء بول بأواني بلد، فله الأخذ من غير
اجتهاد، وإلى متى يأخذ؟ قال في "البحر" فيه وجهان:
أحدهما: إلى أن يبقى واحد.
والثاني: إلى أن يبقى قدر لو كان الاختلاط به ابتداء منع الجواز.
ولو اشتبه عليه غنمه بأغنام الناس, أو طيوره بطيورهم, أو رحله برحالهم جاز له
الاجتهاد؛ قاله القاضي الحسين.
ولا يجوز لمن اشتبه عليه منكوحته بأجنبية الاجتهاد في الزوجة بحال؛ إذ لا أمارة
عليها والله أعلم.
باب السواك
السواك - بكسر السين - والمسواك: اسم للخشب الذي يوضع على الأسنان حتى
يقلع الوضر والقلح -: وهو صفرة الأسنان - من: ساك، إذا دلك، يقال: سكت الشيء
سوكا؛ إذا دلكته، وقيل: من التساوك، وهو التمايل، يقال: جاءت الإبل تساوك؛ إذا
كانت أعناقها تضطرب من الهزال؛ كذا قاله الخليل بن أحمد، ونقله ابن فارس.
قال: السواك سنة عند القيام إلى الصلاة - أي: عند إرادة الصلاة - يشهد له ما روى مسلم عن حذيفة قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام ليتهجد يشوص فاه
بالسواك"؛ فإن "كان" تشعر بالحالة الدائمة, والشوص: الدلك, وعن أبي عبيد
أنه الغسل.
وقال - عليه السلام-: " فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك سبعون
ضعفا" أخرجه البزار عن عائشة, وهو يدل على أن ذلك غير واجب علينا.
وكذا ما رواه البزار عن العباس بن عبد المطلب قال: " كانوا يدخلون على النبي
صلى الله عليه وسلم ولم يستاكوا, فقال: " ما لكم تدخلون علي قلحا؛ استاكوا فلولا أن أشق على أمتي
لفرضت عليهم السواك عند كل صلاة" ورواية مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
قال الشافعي: ولو كان واجباً لأمرهم به شق [عليهم] أو لم يشق.
قال: وعند كل حال يتغير فيه الفم من أزم وغيره.
والأزم - بفتح الحمزة وإسكان
الزاي -: الإمساك عن الأكل؛ ولهذا يقال: نعم الدواء الأزم، وقيل: إنه السكوت،
وأصله إمساك الأسنان بعضها على بعض.
وعبارة البندنيجي: أنه السكوت الطويل، وقيل: فرط الجوع وغيره: كالنوم، وأكل
ما له رائحة كريهة: كالثوم ونحوه.
قال الماوردي: وكذا كثرة الكلام.
والأصل في ذلك ما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك.
أخرجه البخاري، والنائم ممسك عن الأكل والكلام، والفم يتغير بسببه غالباً؛ لأجل
طبق الفم وانحباسا لأبخرة المتصاعدة من المعدة، لكن التغير قد يقل ويكثر؛ بسبب
طول ذلك وقصره.
وأكل ماله رائحة كريهة في معنى المنصوص عليه؛ فألحق به.
قال القاضي الحسين: وينبغي للمستاك أن ينوي بالاستياك السنة؛ كما ينبغي
للرجل ان يقصد بالجماع حصول النسب، وإن كان المقصود يحصل [بدونه].
وقد أفهم كلام الشيخ أن السواك ليس بسنة فيما عدا [الحالتين اللتين ذكرهما]
وما نقله المزني عن الشافعي يفهم أخص منه؛ فإنه قال: "قال الشافعي: وأحب السواك
للصلوات عند كل حال يتغير فيه الفم"، قال القاضي الحسين: وهذا يدل على
أنه إنما يستحب السواك إذا اجتمع شيئان: الصلاة، وتغير الفم، وليس كذلك، بل إذا
وجد أحدهما استحب.
وهذا الجواب له مفهوم كمفهوم كلام الشيخ، لكن الأصحاب مصرحون بأنه
سنة في غير هاتين الحالتين وهو فيهما آكد من غيرهما.
وتحقيق الكلام في ذلك يتوقف على بيان أصل مقصود في نفسه، وهو أن السنة
إذا أطلقت مايراد بها؟ فهي في اللغة: الطريقة؛ ومنه قال جابر: "مضت السنة في كل
أربعن جمعة".
وفي الشرع اختلف فيه، فقيل: ماكان فعله راجحاً على تركه في نظر الشرع، مع
جواز تركه.
وقيل: ماعلم وجوبه أو ندبيته بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بإدامته عليه؛ وهذا مع الأول
هو المذكور في كتب الأصول.
ورأيت في "التهذيب" "وتعليق القاضي الحسين" في صلاة التطوع: أن السنة ما
واظب النبي صلى الله عليه وسلم على فعله، ومافعله مرة أو مرتين فهو مستحب، وليس بسنة.
فإذا عرفت ذلك نزلت عليه ماصرح به الأصحاب، وما أفهمه كلام الشيخ
والقاضي الحسين؛ فإنه على الحد الأول والثاني يصح أنه سنة في [غير] الحالتين
المذكورتيين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث عليه، وأمر به مطلقاً، فقال: " السماك مطهرة للفم، مرضاة للرب" رواه النسائي.
وقال فيما رواه مالك عن ابن شهاب عن ابن السباق: "وعليكم بالسواك" وقال:
"طهروا أفواهكم بالسواك! فإنها مسالك القرىن".
وعلى الحد الثالث لا يصح سنة في غير الحالتين المذكورتين؛ لأنه لم يصح أنه
دوام صلى الله عليه وسلم على فعله في حالة غيرهما.
فإن قلت: قد روى مسلم عن شريح بن هانئ قال: سألت عائشة، بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك [ولفظ"كان" يؤذن بالدوام].
قلت: يحتمل أن يكون يفعل ذلك؛ لأجل تغير حصل في فمه، وفيه بعد إذا قد
روى النسائي عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين ثم ينصرف فستاك.
وبالجملة: فاستحبابه في الحالتين اللتين تعرض لهما الشيخ أشد وآكد من
غيرهما؛ فيجوز أن يضم إلى كلام الشيخ بعد قوله: "سنة مؤكدة"-: ويتأكد أيضاً
في حالة اصفرار الأسنان وغن كان ذلك بسبب غير التغير.
قال الرافعي: ويشهد له [قوله] عليه السلام-: "ما لكم تدخلون علي
قلحاً؟! استاكوا".
وكذا يتأكد في حالة قراءة القرآن والوضوء.
وحكى الإمام عن شيخه أنه كان يقول: ينبغي أن يستاك عند كل صلاة، فإن
أخطأ ذلك فعند كل طهارة، فإن أخطأ ذلك ففي اليوم والليلة مرة.
وعن ابن سريج أنه عد السواك من سنن الوضوء، ويشهد له ما روي عن عائشة
أنها قالت: "كان يوضع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه وسواكه".
وروى النسائي عن أبي هريرة أنه - عليه السلام - قال:"لولا أن أشق على أمتي
لفرضت عليهم السواك مع كل وضوء".
وعن ابن سريج أنه لم يعده من سننه؛ فإن حديث عائشة هذا مطلق، يجوز أن
يحمل على ماورد مقيدا، وهو ما روي أنه - عليه السلام - كان يعد وضوءه وسواكه
قبل أن ينام، وما روته عائشة قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلا يتسوك قبل أن يتوضأ" رواه أبو داود.
قال: ويكره للصائم - أي فرضاً أو نفلا - بعد الزوال، أي: سواء أراد الصلاة أو
لا؛ لقوله - عليه السلام -: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"
رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
والخلوف - يضم الخاء واللام-: تبدل الرائحة، والسواك يزيل ذلك؛ فكره.
ونظمه دليلا: أنه أثر عبادة مشهود له بالطيب؛ فكرهت إزالته؛ كدم
الشهيد، واختصاصه بما بعد الزوال؛ لأن التغيير قبل ذلك يكون من أثر الطعام، وبعد الزوال يكون بسبب الصيام؛ فهو المشهود له بالطيب وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "استاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه إلا كان نوراً بين عينيه يوم القيامة" وبهذا الخبر يختص قوله - عليه السلام -: "من خير خصال الصائم السواك" كما رواه ابن ماجه، ويحمل على ماقبل الزوال، وكذا قول عامر ابن ربيعة "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ما لا أحصي] يستاك وهو صائم"، كما أخرجه
الترمذي، وقال: إنه حسن.
وقد حكى في "الروضة" قولاً غريباً: أنه لايكره السواك للصائم بعد الزوال؛
ولعل مستنده الأخذ بظاهر هذين الخبرين.
قال: والمستحب أن يستاك بعود من أراك؛ لما روى أبو زجرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يستاك بالأراك، تعذر عليه استاك بعراجين النخل، فإن تعذر استاك بما وجد.
وتقديم الأراك على غيره؛ [لأجل أنه] طيب الطعم والريح؛ فيقوم مقامه في ذلك
السعد والأشنان، لكن في الأراك أمر زائد عليهما، وهو أن فيه تشعيرة تظهر عند بله،
فإذا كبس باليد على الأسنان دخلت فيما بينها فأزالت ما فيه من تغير؛ فلذلك قدم.
قال: وأن يستاك بيابس قد ندي بالماء؛ كي لا يجرح لثته لو لم يبله، ولا يحصل
المقصود إن كان قد بلغ غاية اللين بالنقع في الماء.
واللثة - بكسر اللام وتخفيف الثاء-: لحم الأسنان، وقيل: مغرسها.
وعبارة بعضهم:"يكون عوداً بين عودين لا يابساً؛ فيجرح اللثة، ولا ليناً؛ فلا ينقي.
ولو كان أصبعه في تحصيل الإنقاء كاليابس المندى بالماء؛ ففي الاكتفاء بالاستياك
به خلاف، وأطلق أبو الطيب والبندنيجي القول بأنه لا يكفي؛ حملاً على أن الغالب
أنه لا يتأثر له في الإنقاء.
وأطلق المحاملي والقاضي الحسين القول بجوازه.
وحكى الرافعي وجهاً ثالثاً: أنه إن وجد غيره لا يجزئه، وإلا كفاه؛ لمكان الفقد.
ولا خلاف في أنه لو وضع عليه خرقة خشنة واستاك به، أجزأه؛ وكذا استياكه بكل
عين تزيل القلح؛ ولا يرد على ذلك ما إذا تمضمض بماء الغاسول ونحوه فإنه لا
يحصل سنة السواك وإن أزال القلح؛ لأنه لا يسمىى: مستاكاً.
على أن الإمام قال: إنه
ليس عرباً عن احتمال بعيد.
قال: والمستحب أن يستاك عرضاً ويدهن غبا ويكتحل وتراً؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: " استاكوا عرضاً وادهنوا غبا واكتحلوا وتراً".
وقد روى أبو داود مرسلا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا شربتم فاشربو مصا
وإذا استكتم فاستاكوا عرضاً".
وهل المراد: عرض الأسنان - وهو عرض الوجه - أو عرض الفم: وهو [في]
طول الوجه؟ يحتمل وجهين، لكن الذي ذكره أبو الطيب والمتولي: الأول لأنه أمكن
وأسهل.
وادعى الماوردي وجماعة أن الثاني مكروه؛ لما فيه من إيذاء اللثة أو فساد
العود.
وفي "النهاية": أنه يستاك في عرض الوجه وطوله محاولاً إزالة القلح، فإن اقتصر
على أحد الجهتين، فينبغي أن يكون في عرض الوجه.
قال ابن الصباغ: ويستحب أن يبتدئ من الجانب الأيمن - أي: من فمه - إلى
الوسط، ثم يفعل يالأيسر مثل ذلك؛ لأنه - عليه السلام - كان يحب التيامن في
كل شيء.
واستحب الماوردي أن يمر الآلة على ظاهر أسنانه [وباطنها وعلى أطراف
أسنانه] وكراسي أضراسه، ويمره على سقف حلقه إمراراً خفيفاً؛ ليزول الخلوف
عنه.
والغب - كما قال ابن فارس -: أن ترد الإبل الماء يوما وتدعه يوماً؛ وبهذا
فسره الإمام أحمد في الحديث، وبه قال بعض الشارحين.
وقيل: المرادبه: أن يدهن ثم يترك على أن يجف، ثم يدهن؛ وهذا قول من فسر
الغب بالوقت بعد الوقت.
وفي "غريب" الهروي: يقال: أغب الرجل، إذا جاء زائراً بعد أيام.
والوتر في الاكتحال: أن يضع في كل عين ثلاث مرات.
وقيل: المراد: أن يكون المجموع وتراً؛ فيضع في اليمنى ثلاثاً وفي اليسرى مرتين،
والأول أصح؛ لما روى الترمذي في شمائله - عليه السلام - أنه كانت له مكحلة
يكتحل منها كل ليلة ثلاثا في هذه وثلاثاً في هذه.
ولو خالف واكتحل شفعا حصل بعض السنة، روى أبو داود أنه - عليه
السلام -قال:" من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج".
قال: ويقلم الظفر، وينتف الإبط - أي: من اعتاده، وإلا فليلحقه - ويحلق العانة،
ويقص الشارب؛ [أي] ويستحب ذلك؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله -
صلى الله عليه وسلم-"الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط متفق عليه.
والاستحداد: حلق العانة؛ مأخوذ من استعمال الحديد.
والإبط: بكسر الهمزة وسكون الباء.
وكما يسستحب نتف الإبط يستحب نتف الأنف أيضاً.
والأولى في قص الأظفار أن يكون مخالفا؛ فإنه ورد حديث:"من قص أظفاره
مخالفاً لم يرى في عينه رمداً".
وفسره أبو عبد الله بن بطة بأن يبتدئ بخنصر اليمنى، ةثم بالوسطى ثم بالإبهام،
ثم بالبنصر، ثم بالمسبحة، ثم بإبهام اليسرى، ثم الوسطى، ثم بالخنصر، ثم بالسبابة،
ثم بالبنصر.
وفي "الإحياء": انه يبتدى في اليدين بمسبحة اليمنى، ويختم بإبهامها، وفي
الرجلين بالخنصر من اليمين، ويختم بخنصر اليسرى؛ كما في التخليل.
وأما وقت وقت ذلك: فقد تعرض له الشيخ في باب هيئة الجمعة ولا يعارضه ما روى
عن أنس، قال: وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة
ألا تترك أكثر من أربعين يوماً.
نعم، روى عن وصية على - كرم الله وجهه -: أن
تقليم الأظافر يكون في كل عشرة أيام، ونتف الإبط في كل أربعين يوماً، وحلق العانة
في كل عشرين يوماً ونتف الأنف في كل ثلاثين يوماً والحق الرجوع في ذلك إلى
الحاجة.
قال: ويكره القزع، [والقزع]: حلق بعض الرأس، سواء كان من [موضع]
واحدا، أو متفرقاً؛ أخذاً من قولهم للقطعة من السحاب: قزعة.
ودليل كراهته: ما روى [البخاري] عن ابن عمر قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
نهى عن القزع" وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى غلاماً قد بعضه، وترك
بعضا، فنهاهم عن ذلك.
أخرجه مسلم وفي رواية: "احلقه كله أو دعه كله".
أخرجه أبو داود
ثم النهي لأجل مافيه من التشويه، وهو دأب أهل الشطارة.
وكذا يكره نتف الشيب وخضبه بالسواد؛ كما ذكره في "التهذيب".
وفي"الحاوي" أن خضبه بالسواد حرام إلا في الجهاد.
ويجوز خضاب الشعر بالحناء، وهو سنة؛ قال - عليه السلام-: "إن أحسن ما
غيرتم به الشيب الحناء والكتم" رواه النسائي وخضابه بالحمرة والصفرة منه أيضاً.
واعلم أن ذكر الشيخ القزع في هذا الباب؛ لأنه مناسب لما تقدمه من الآداب،
وأدخل مأتقدمه في الباب؛ لتعلق بعضه بحديث السواك، وتعلق بعضه ببعض في
الحديث، وإلا فكراهة القزع مذكورة في "المهذب" في باب العقيقة، وثَم ذكره في
"الروضة" وتعرض لأمور [أخر]:
منها: أن حلق جميع الرأس لا بأس به لمن لا يخف عليه تعاهده ولا بأس بتركه
لمن خف عليه.
ومنها: أنه يستحب فرق جميع الرأس.
ومنها غسل البراجم, وهي عقد الأصابع ومفاصلها, يلتحق بها إزالة ما يجتمع
من الوسخ في معاطف الأذن وصماخها في الأنف وسائر البدن.
ومنها: يستحب ترجيل الشعر, وتسريح اللحية؛ ويكره تبييضها بالكبريت أو
غيره؛ استعجالا للشيخوخة, ونتفها [أول طلوعها] إيثارا للمرودة وحسن الصورة.
وكذا يكره تصفيف شعر اللحية طاقة فوق طاقة, تحسينا, والزياده فيها والنقص
منها بالزيادة في شعر العذارين من الصدغين, أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس,
ونتف جانبي العنفقة وتركها شعثة إظهارا لقلة المبالاة بنفسه, ولا بأس بترك سبالته,
وهما طرفا الشارب.
قال: ويجب الختان؛ لقوله تعالى: ﴿واتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ [النساء: 125] ,
وإبراهيم أول من اختتن, ويروى أنه ختن نفسه بالقدوم بالتشديد: وهو الفأس,
وبالتخفيف: وهو اسم المكان الذي اختتن فيه.
قال الماوردي: وقد قيل: إنه اختتن وهو ابن سبعين سنة, وقيل: ثمانين, ولا يفعل
ذلك في هذا السن إلا عن أمر الله تعالى, روى البخاري في باب قوله تعالى: ﴿واتخذ
الله إبراهيم خليلا﴾ [النساء: 125] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم".
وروي أنه - عليه السلام - قال لرجل أسلم: "ألق عنك شعار الكفر واختتن" ,
وهذا أمر, والأمر للوجوب.
وروي أنه قال - على وجه المبالغة:- "أيما رجل حج قبل أن يختتن لم يقبل
حجه".
ولأنه قطع جزء [سليم] من البدن لا يستخلف؛ تعبدا؛ فكان واجبا؛ كالقطع في
السرقة.
واحترزنا بالقيد الأول عن الظفر والشعر, وبالثاني عن القطع للأكِلَة؛ فإن ذلك
ليس بواجب.
وقد استدل له الجيلي بأن بقاء ما يجب قطعه يحبس النجاسة, وذلك يمنع صحة
الصلاة, وفيه نظر؛ لأن القاضي أبا الطيب ذكر أن الخصم استدل على أن ذلك سنة
بأنه أمر به حتى [لا] يجتمع تحتها بول, وهذا القدر من النجاسة لا يجب إزالته
عندنا, وإنما هو مستحب؛ فيجب أن يكون القطع مثله, فأجاب عنه, ولم يمنعه
الحكم؛ وذلك يدل على أنه عندنا كذلك, وما ذكره الشيخ هو الصحيح ووراءه
وجهان في "الرافعي":
أحدهما: أنه سنة مؤكدة.
والثاني: أنه واجب في حق الرجال, مستحب في حق النساء؛ وهذا قد حكاه
القاضي الحسين مع الأول.
وعن ابن كج حكاية قولين من غير تفصيل.
والذي جزم به المعظم: الأول.
وإذا قلنا به فالواجب في حق الرجال قطع الجلدة التي تواري الحشفة - ويقال
لها: القلفة, وللقطع إعذار - حتى تنكشف جميع الحشفة.
وقال الإمام: ولو بقي مقدار لا ينبسط على سطح الحشفة وجب قطعه؛ حتى لا
يبقى جلدا متجافيا.
وعن ابن كج أنه قال: عندي أنه قطع شيء من القلفة وإن قل, بشرط أن يستوعب
القطع تدوير رأسها.
والواجب في حق المرأة قطع اللحمة كما قال الرافعي، أو الجلدة - كما قال
الماوردي - التي في أعلى الفرج فوق ثقب البول وهي تشبه عرف الديك، فإذا
قطعت بقي أصلها كالنواة، ويكفي أن يقطع ما يقع عليه الاسم.
وروي أنه - عليه
السلام - قال لأم عطية - وكانت تخفض النساء -: "يا أم عطية إذا خفضت فأشمي ولا
تنهكي؛ فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزواج" أي: لا تبالغي في القطع؛ فإنه يؤثر
انقطاع الشهوة؛ كما قاله القاضي الحسين، واتركي الموضع أشم، أي: مرتفعاً.
وقوله: "أسرى للوجه" أي: أصفى، وقيل عني به: ما يحصل لها في نفس الزوج
من الحظوة بها.
وختان المرأة يسمى: خفضاً، كما يسمى ختان الرجل إعذاراً.
ومحل الوجوب بعد البلوغ؛ لأنه واجب في البدن، وليس الصبي من أهله،
ويخالف العدة فإنها تتعلق بمضي الزمان؛ وكذا أطلقه الجمهور.
وادعى القاضي الحسين أنه لا خلاف فيه، مقتضاه أنه لا يجب إلا على الشخص
نفسه وإن كان عبداً؛ كما صرح به الأصحاب في كتاب الرهن.
وقال البغوي هنا: إن عللى السيد أن يختن عبده، أو يخلي بينه وبين كسبه حتى
يختنة نفسه.
وعبارة القاضي الحسين في باب صلاة الإمام قاعداً بقيام: " إن كان له عبد غير
مختون، فعلى مالكه أن يخلي بينه وبين كسبه زماناً يحصل فيه أجرة الختان
بالكسب، ـ وإن لم يخله يجب عليه أن يختنه من ماله؛ وكذا أجرة تعليم الفاتحة".
قال الماوردي: ويؤخذ من توجه عليه الختان في أول إمكانه، ولا يؤخر إلا بعذر؛
فإن امتنع منه ولا عذر، ختنه السلطان.
وفي "الزوائد" للعمراني أن القاضي ذكر في كتاب الختان أن الصيدلاني
وأبا سليمان المروزي صاحب المزني قالا: "يعصي الأب يترك ولده حتى يبلغ"، وأن
القاضي قال: "وظاهر كلام الصيدلاني أن الأب لا يجب عليه ختان ابنه قبل
البلوغ؛ لأنه [لا] يعصي إلا بترك واجب".
والمشهور، والذي جزم به الجمهور الأول، لكنهم قالوا: إنه يجوز قبل البلوغ،
وادعى القاضي الحسين أنه لا خلاف فيه، ومع جوازه فهو سنة؛ كما صرح به
الأصحاب، لكن في أي وقت؟ الذي حكاه الماوردي وأبن الصباغ: أنه يوم السابع إن
لم يكن ضعيفاً لا يحتمله؛ لما روي أنه - عليه السلام - ختن الحسن والحسين في
اليوم السابع؛ وهذا نسبه أبو الطيب إلى ابن هرية.
وعلى هذا هل يدخل يوم الولادة في العدد؟ فيه وجها:
قال ابن أبي هريرة: نعم.
وقال الأكثرون: لا.
فلو أخر عن السابع، [قال الماوردي]: والمستحب أن يختن في الأربعين، فإن
أخر عنها، فالمستحب أن يختن في السنة السابعة؛ لأنه الوقت الذي يؤمر فيه بالطهارة
والصلاة.
وقال القاضي الحسين في "التعليق"، وهو المذكور في "التهذيب": "عندي أن وقته
بعد استكمال العشر، فأما قبله فلا يجوز بحال؛ لأنه - عليه السلام - أمر بضربه
وتأديبه للصلاة وغيرها بعد العشر؛ فدل على أن بدنه لا يحتمل الألم قبلها، ويحتمله
بعدها ذكره في كتاب الحدود، وفي باب الصلاة قاعداً بقيام.
وهذا كله إذا كان البي يطيقه، فلو كان ضعبفا لا يطيقه، فيؤخر إلى الوقت الذي
يحتمله؛ حتى قال الإمام: لو كان اللرجل على خلقة من الضعف بحيث لو [ختن]
خيف عليه لم يجز أن يختن، بل ينتظر الممكن بأن يصير بحيث يغلب على الظن
سلامته لو ختن؛ وبه صرح الماوردي أيضاً؛ موجهاً له بانه لا تعبد بما يفضي إلى
التلف.
ثم كل موضع قلنا: يجوز ختانه، فيستوي فيه الأب والجد والحاكم والوصي؛
صرح الماوردي، ويكون مؤنة الختان من مال الصبي؛ كما قاله القاضي الحسين
والإمام لأنه يجب عليه بعد البلوغ.
وفي "الرافعي" وجه آخر: أنها في مال الأب، وهو في غيره منسوب للقاضي
الحسين، وقال: في "تعليقه" في باب صلاة الإمام قاعدا بقيام: إن أجرة الختان وتعليم
القرآن، إن كان للولد مال كانت في ماله، وإلا فعلى الأب.
[وقال فيه: إن ما يهدي عند ختان الولد يكون ملكا للولد، والأب يقبلها له].
فرع: الخنثى المشكل هل يجب خناته؟ المشهور نعم، فيختن الفرجين وجوبا؛ لأن
أحدهما أصلي فيجب خناته، ولا يعرف؛ فتعين ختانهما؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به
فهو واجب، وقد شبه ذلك بإتلاف الزوج البكارة؛ ليصل إبلى حقه من الوطء.
وفي "التهذيب" في كتاب النكاح: أنه لا يجوز؛ لأن الجرح على الإشكال لا
يجوز.
ثم على الأول من يتولاه؟
قال العمراني في " الزوائد": قال القاضي في كتاب الجنايات: إن كان صغيراً ختنه
الرجال والنساء على طريقة مشايخنا بخراسان: الصيدلاني والمروزي.
وعلى طريقة البندنيجي لا يختن الصغير إذا كان خنثى، لا وجوباً ولا استحباباً؛
لأنه لا يتعين المحل، وإن كان بالغاً نظر: فإن كان يحسن ذلك تولاه، وإن لم يحسن
ولم يمكنه؛ لعجزه أو جزعه اشترى له جارية تحسن ذلك.
فإن لم توجد جاز أن يتولاه اللرجال والنساء؛ لأنه موضع ضرورة.
ولو خلق لشخص ذكران عاملان لم يتميز الأصلي منهما من الزائد ختنا جميعاً.
واعلم أن إدراج الشيخ الختان في هذا الباب وإن ذكره الأصحاب في ذيل باب
حد الخمر؛ اتباعاً للمزني في "المختصر"؛ لأجل مارواه أبو المليح عن أبيه عن النبي
صلى الله عليه وسلم انه قال: "عشر من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، وإحفاء الشارب، وإعفاء
اللحية، وقلم الأظافر، وغسل البراجم، ـ وحلق العانة، ونتف الإبط، والختان"
وقد تقدم ذكر مناسبة بقية الفطر هنا؛ فكذا بقيتها.
وكما يجب الختان يجب قطع السرة، لأنه لا يتأتى ثبوت الطعام إلا بذلك والله أعلم.
باب صفة الوضوء
الوضوء - بفتح الواو -: الماء، وبضمها: الفعل، وهو المثوب عليه، مشتق من
الوضاءة، وقد قيل: هما جميعاً بالفتح، وحكي ضمهما، وهو شاذ، والمشهور الأول.
قال: إذا أراد - أي: الذي ليس بمتوضئ الوضوء نوى؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم
إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة: 6] إلى آخرها؛ لأن تقديرها: إذا قمتم إلى الصلاة،
فاغسلو للصلاة وجوهكم، كما يقال: إذا لقيت الأمير فتلبس، أي: للقائه، وإذا
لقيت العدو فتأهب أي: للقائه، وإذا رأيت العالم فقم، أي: له.
وقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين﴾ [البينة: 5] والوضوء عبادة.
وقوله عليه السلام: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىٍ ما نوى" متفق
عليه، والوضوء عمل لأنه طهارة موجبها في غير محلل موجبها؛ فافتقرت إلى النية
كالتيمم؛ وبهذا يخرج إزالة النجاسة.
والنية عبارة عن القصد بالقلب؛ يقول العرب: نواك الله بحفظه، [أي: قصدك
الله بحفظه].
وعبارة بعضهم: "أنها تصميم القلب على فعل الشيء"، والماوردي قال: إنها قصد
الشي مقترناً بفعله، فإن قصده وتراخى عنه، فهو عزم، كذا قاله في كتاب الأيمان
والقصد بالنية تمييز رتب العبادات عن العادات أو تمييز رتب العبادات.
قال: رفع الحدث، أو الطهارة للصلاة، أو الطهارة لأمر لا يستباح إلا بالطهارة:
كمس المصحف وغيره، أي: كالطواف، وسجود التلاوة، والشكر، ومس المصحف
وحمله؛ لأن ذلك عين العبادة.
واحترز بقوله: "للصلاة" عن نية مطلق الطهارة؛ [فإنها لا تكفي] عند
الجمهور؛ لترددها بين طهارة الحدث والخبث، واللغوية والشرعية.
وحملوا ما نقله البويطي من قول الشافعي: " لو نوى طهارة مطلقة أجزأه" على
إرادة الطهارة للصلاة أو من الحدث، والماوردي أجراه على ظاهره ولم يحك سواه،
وحكى وجهين فيما لو نوى الوضوء، ووجه المنع بأنه ينقسم إلى الوضوء عن حدث
ووضوء مجدد، واتفقوا على أنه لو نوى فرض الوضوء أو الوضوء المفروض أجزأه؛
لانتفاء ما سبق من الاحتمال.
وقد أفهم كلام الشيخ اموراً:
أحدهما: أنه لا فرق في إجزاء نية رفع الحدث بين أن يكون عليه مع الحدث
الأصغر الحدث الأكبر أو لا يكون, ولا بأن يكون ماسحاً على الخفين أو لا، فلا
خلاف في ذلك إذا لم يكن عليه غير الأصغر وليس بماسح، أمل إذا كان ماسحاً على
الخفين فالمشهور الإجزاء.
ومن الأصحاب من قال: لا يجزئه إلا نية الاستباحة كما في التيمم؛ بناء على أنه لا
يرفع الحدث عن الرجلين، وهو غريب.
ولو كان عليه مع الحدث الأصغر حدث أكبر: فإن قلنا باندراج الأصغر في الأكبر
أجزأت عنهما نية رفع الحدث، وإلا فلا تجزئ عن واحد منهما؛ قاله الماوردي.
والجمهولا أطلقوا القول بإجزاء نية رفع الحدث من غير تفصيل.
الثاني: أنه لا يحتاج مع شيء مما ذكره التعرض غلى إضافة ذلك إلى الله تعالى
والغزالي حكى في اشتراط ذلك وجهين، وهما من تخريج الإمام؛ فإنه قال:
الوضوء من القربات؛ ولذلك أوجب الشافعي النية فيه، وإذا كان كذلك انقدح ذكر
خلاف في أنه هل يشترط أن يضيف الوضوء إلى الله - تعالى - كما في الصلاة؟
لكن قد قطع أئمة المذهب بأنه لو نوى أداء الوضوء أو [فريضة الوضوء]
صحت نيته وارتفع حدثه؛ فالوجه أن يكتفي بما ذكر الأئمة.
قال الرافعي: ولا يجعل اعتبار النية في الوضوء على سبيل القربات؛ بل الاعتبار
التمييز.
الثالث: أن نيته على غير هذا [النحو] الذي ذكر لا تصح، وذلك يشمل
صوراً لا يسلم بعضها من نزاع:
منها: ماإذا نوى استباحة مالا يستباح إلا بالطهارة كالصلاة وغيرها؛ فإن المشهور
من المذهب إجزاؤها، ومن الأصحاب من قال: لا تجزئ؛ لأن هذه الأشياء تستباح
مع بقاء الحدث بالتيمم، وهذا يشابه قول من اشترط من أصحابنا التعرض في الصلاة
إلى الفرضية؛ احترازاً من طهر الصبي، والصحيح الأول، ويمكن أخذه من قول
الشيخ: "نوى رفع الحدث" لأنه يشمل ما إذا أتى بذلك مطابقة أو تضمناً، ونية
استبحة مالا يستباح إلا بطهارة تضمنت رفع الحدث؛ فكذلك إجزاؤه.
وأيضاً فإنه تعرض في صفة الغسل إلى أن نية الاستباحة كافية فيه، وتعرض هنا
إلى ذكر هيئة أخرى لم يتعرض لمثلها ثم؛ فكان كلامه في كل باب تنبيها على مالا يقبل
مثله في الباب الآخر.
والحكم فيما لو نوى استباحة صلاة معينة ولم يتعرض لغيرها بنفي ولا إثبات،
كالحكم فيما لو نوى استباحة [الصلاة.
نعم، لو نوى استباحة] صلاة معينة دون
غيرها ففي صحة نيته أوجه:
أصحابها: أن الحكم كذلك، ويستبيح سائر الصلوات.
والثاني: لا؛ لمخالفة وضع النية.
والثالث: يستبيح ما عينه دون ما نفاه.
ثم لا فرق فيما إذا لم يحدد صلاة معينة - وقلنا يرتفع حدثه - بين أن يمكن
أداؤها بذلك الوضوء أم لا؛ كما حكاه الروياني في "تلخيصه" عن والده، مع وجه
آخر: أنها إذا لم يمكن تأديتها بهذا الوضوء لا تصح نيته.
ومنها: ما إذا نوى رفع الحدث الأكبر، وقد جزم الماوردي بأن ذلك يجزئ،
بخلاف ما إذا كان جنباً فنوى رفع الحدث الأصغر - لا يجزئه؛ لأنه يصح أن يرتفع
الأدنى بالأعلى دون العكس.
وفي "الرافعي" وجه: أنه [لا يجزئه] في الأولى أيضاً؛ لأنه نوى طهارة غير
مرتبة، وهو المختار في"تلخيص الروياني".
وقال القاضي الحسين: لعل الخلاف مبني على أن الحدث الأصغر يحل جميع
البدن أم لا؟ فإن قلنا: يحل، أجزأه، وإلا فلا؛ إذا كيف يصح الفرض بنية النفل؟!
وكيف كان الأمر فالصحيح الأول؛ لأن النية لا تتعلق بخصوص الترتيب نفياً
وإثباتاً.
وفي "التتمة": أنه يرتفع حدثه عن الوجه واليدين، وهل يرتفع عن الرأس
والرجلين؟ إن قلنا: [إن] غسل الرأس يقوم مقام مسحها، ارتفع عنها أيضاً، وإلا
فلا.
ومنها: ما إذا نوى استباحة ما يستحب فعله على الطهارة: كقراءة القرآن، وحديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم والعلم، وزيارة قبره - عليه السلام - والجلوس في المسجد، والسعي
بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة - فللأصحاب في الاكتفاء بذلك وجهان:
أصحهما عند الماوردي وغيره: ما أفهمه كلام الشيخ.
وبعض المتأخرين [رجح مقابله]؛ لأن المقصود المتطهر تحصيل المستحب،
وهو لا يحصل بدون رفع الحدث؛ فكانت نية ذلك متضمنة له، وهذا ظاهر نصه؛ فإنه
قال:"لو توضأ لنافلة أو قراءة مصحف أجزأه".
والوجهان جاريان - كما قال الماوردي وغيره - فيما إذا نوى تجديد الوضوء،
وكلام المتولي يخصهما بما إذا نوى ذلك مع علمه بأنه محدث، وكلام ابن الصباغ
في أثناء فروع ابن الحداد يخصهما بما إذا نوى ذلك وهو يعتقد أنه متطهر، وادعى
في باب صفة الصلاة عند الكلام في النية: أن الأظهر ارتفاع حدثه، وفي هذه الحالة
ادعى الإمام أن المذهب أنه لا يصح وضوءه.
ومنهم من بنى الخلاف في هذه الصورة على الصورة الأولى، وأولى بألا تجزئ؛
وبهذا ينتظم في المسألة ثلاثة أوجه؛ كما حكاها القاضي الحسين، ثالثها: تصح في
الأولى دون الثانية، وهو اختيار القفال، والأصح في "الإبانة".
ولا خلاف في أنه إذا نوى استباحة مالا يستحب له الطهارة: كزيارة الوالدين،
وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، و [دخول السوق]- لاتصح نيته.
ومنها: إذا نوى رفع الحدث والتبرد، والذي نص عليه في البويطي الصحة، ولم
يورد الجمهور غيره؛ لأن التبرد حاصل وإن لم ينوه؛ فأشبه ما إذا نوى عند دخول
المسجد الفريضة والتحية؛ فإنه لا يضره.
وعن ابن سريج أنه لا يصح لأجل الشريك؛ كما أفهمه كلام الشيخ.
ومنها: لو نوى رفع حدث معين من بول، أومس، أو لمس، أو نوم.
وللأصحاب
فيه تفصيل: فقالوا: إن لم يكن عليه غير ما نواه أجزأه ذلك، وإن كان عليه غيره؛ ففيه
ثلاثة أوجه حكاها أبو الطيب وغيره:
أصحها: أنه يجزئه.
والثاني: لا يجزئه؛ لأن المنع من الصلاة تعلق بمحل حدث على انفراده، فإذا نوى
رفع بعض الأحداث ارتفع مت نوى، وخلفه ما بقي أيضاً.
والثالث: إن كان مانواه أول الأحداث ارتفع وما بعده بارتفاعه؛ لأنه الذي صادف
الطهارة فأقسدها، وبواقي الأحداث لم تفسد الطهارة.
وإن كان الحدث الذي نوى رفعه غير الأول لم يرتفع البواقي.
وعكس ابن الصباغ ذلك، فقال: إن نوى رفع الأخير صح؛ لأنه أقرب.
وإن نوى ما
قبله فلا.
وجزم الماوردي والمتولي بأنه إذا عين حدثا، ولم ينف ما عداه [ارتفع الجميع.
أما
إذا نفى ما عداه]، ففي صحة نيته وجهان.
وزاد المتولي ثالثاً: أنه إن عين الأخير صحت نيته، وإن عين غيره لم تصح.
والشيخ أبو محمد عكسه، فقال: إن عين الأول صح، وإن عين غيره لم تصح.
وقد حصل في كل حالة أربعة أوجه، وإذا جمعتها جاء منها وجه خامس: أنه إن