كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 297-336
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطلاق

صفحات 297-336
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال: وإن اشترى عبداً بشرط العتق، أي: عن غير الكفارة أو عنها، فأعتقه عن الكفارة- لم يجزئه؛ لأنا إن قلنا: يجب عليه عتقه، كان عتقه مستحقّاً [عن غير الكفارة] فلم يجزئه عنها كالقريب، وإن قلنا بعدم الوجوب؛ فلأنه لم يقع خالصاً عن الكفارة، بل لها وللشرط؛ بدليل أنه يسقط حق البائع من الفسخ، وحكى في "الحاوي" وجهاً: أنه يجزئ إذا قلنا: إن البيع جائز والشرط باطل، وقال الخراسانيون: إن قلنا: إن العتق حق للبائع وطالبه به فأعتقه عن الكفارة، لم يجزئه، وإن أسقط الآدمي حقه من الطلب، [وقلنا: يسقط،] فهل يجزئ؟ فيه وجهان، [أصحهما في "النهاية" في باب الشروط الفاسدة في البيع: أنه يجزئ].
وفي "الزوائد" حكاية وجه: أنه إن اشتراه بشرط العتق عن الكفارة وصححنا الشراء، أجزأه.
فرع: لو قال: إن وطئتك، فلله علي أن أعتق عبدي هذا عن ظهاري- وكان مظاهراً- ثم وطئها، وأعتقه عن ظهاره: [فهل يجزئ؟] فيه وجهان، المذهب منهما: الإجزاء.
قال: وإن أعتق عبداً عن الكفارة بعوضن لم يجزئه.
صورة المسألة: ما إذا قال له غيره: أعتق عبدك هذا عن كفارتك على عشرة دراهم في ذمتي مثلاً، فأعتقه على ذلك- فالمذهب المنصوص: أنه لا يجزئ عن الكفارة كما قاله الشيخ، ويقع العتق عن المستدعي كما حكاه ابن الصباغ والبندنيجي في كتاب الأيمان، ويستحق المعتق العشرة؛ لأن النية قد فسدت بسبب العوض، وفساد النية يمنع الإجزاء، ومن أصحابنا من قال: إذا قال: أعتقت عبدي عن كفارتي على أن لي [عليك] العشرة، أجزأه ولم يجب العوض، وإن قال: أعتقته على العشرة عن كفارتي، لم يجزئه وأبداه ابن الصباغ احتمالاً على المذهب في وقوع العتق عن المستدعي من حيث إنه لم يرض بإعتاقه عنه، وينبغي أن تكون التسمية فاسدة؛ لبطلان الشرط، وحكى ابن يونس ذلك وجهاً.

ولا فرق في ذلك بين أن يقول المعتق بعد الاستدعاء: أعتقته عن كفارتي على العشرة، أو [يقول]: أعتقته عن كفارتي؛ لأن الإيجاب مبني على الاستدعاء.
نعم، لو قال: لم أرد إجابته، قُبِل.
وذكر البندنيجي فرعاً لهذه المسألة فقال: لو قال: أعتق عبدك عن كفارتك، ولم يذكر له جعلاً، فأعتق السيد عبده عن كفارته- لم يجزئه عن كفارته؛ لأن الظاهر أن العتق وقع على جعل؛ لأن الإعتاق وقع جواباً لكلامه، وما قاله فيه نظر.
هذا قاله العراقيون فيما وقفت عليه في [هذه] المسألة، وقدم بعض المراوزة على الكلام في هذه المسألة مقدمة فقال: إذا قال لغيره: أعتق عبدك عن نفسك على عشرة دراهم في ذمتي فأعتقه على ذلك- نفذ العتق، وفي استحقاق العشرة وجهان: [فإن قلنا: إنه يستحقها، فهل يقع العتق عنه أو عن المستدعي؟ فيه وجهان]، أصحهما: أنه يقع عن المعتق؛ لأنه لم يعتقه عن باذل العوض ولا هو استدعاه، وهذا ما أورده المتولي والبغوي.
رجعنا إلى مسألتنا، فإن قلنا: إن العتق يقع عن المستدعي، كان عدم الإجزاء لوقوع العتق عن غيره، وإن قلنا: بأنه يقع عن المعتق ويستحق العوض فعدم الإجزاء لكون العتق لم يقع خالصاً عن الكفارة، وإن قلنا بأنه لا يستحق العوض فلفساد نيته.
ويمكن أن يكون من صور المسألة ما إذا قال لعبده: أعتقتك عن كفارتي على عشرة دراهم في ذمتك؛ فإنه لا يصح عن الكفارة، على ما حكاه الغزالي وغيره.
وحكى أبو الحسين وجهاً: أنه يجزئه؛ لأن العتق حاصل والعوض ساقط فأشبه ما إذا [قيل له]: صلِّ الظهر لنفسك ولك كذا، فصلى تجزئه صلاته.
قال الرافعي: ويمكن أن يخرج من وجوب العوض على غير العبد في الصورة السابقة وجه في وجوبه على العبد.
[قلت: وينبغي] أن يجيء في الإجزاء عن الكفارة في الصورة السابقة- إذا قلنا:

لا يستحق العوض- الوجه المنسوب لأبي الحسين في هذه الصورة، ولم يذكره.
فرعان: العبد الموصي بمنفعته إذا أعتقه الوارث عن الكفارة، لا يجزئه في أصح الوجهين، والعبد المستأجر يجزئ [عتقه] عن الكفارة إن قلنا: إنه يرجع بأجرة منافعه، وإن قلنا: لا يرجع، فلا يجزئ.
قال: وإن أعتق شِرْكاً له في عبد، وهو موسر، ونوى، أي: عند التلفظ بالعتق، عِتْقَ جميعه- أجزأه، وقوم عليه نصيب شريكه: أما تقويم نصيب الشريك فمحل الكلام فيه كتاب العتق، وأما الإجزاء؛ فلأنه أعتق بالمباشرة والسراية، والسراية كالمباشرة بدليل القصاص.
وفي "تعليق" القاضي الحسين وجهان آخران: أحدهما- عن القفال-: أن ذلك لا يجزئ إذا وجَّه العتق على نصيبه خاصة، [ووجهه- على ما حكاه الإمام- بأنه معتد بالإعتاق، وهذا لا يسمى معتقاً] للرقبة؛ إذ العتق في البعض يقع شرعاً من غير إيقاعه، ويحسن منه أن يقول: ما أعتقت العبد بكماله، وإنما أعتقت نصفه وعتق الباقي عليّ.
ونقلاً عنه بناء الوجهين على ما إذا نوى استباحة صلاة بعينها وفيه أوجه: أحدها: أن الطهارة لا تصح.
والثاني: أنها انعقدت لتلك الصلاة بعينها دون غيرها.
قال الإمام: وهذا على نهاية الضعف، وما كنت أظن أن القفال يذكر هذا الوجه؛ فإنه فاحش بالغ في الفساد.
والوجه الثالث: أن الطهارة تصح وتصلح لجميع الصلوات، ووجه التخريج: أنه في مسألتنا خص نصيبه بتوجيه العتق عليه وإن حصل العتق في الباقي، وفي الطهارة: خصص النية تخصيصاً لا يقف الشرع عنده، والأصح في المسألتين: أن التخصيص لا أثر له، والطهارة تصلح للصلوات، والعتق بجملته يقع عن الكفارة؛ لأنه وإن وجه العتق على نصيبه فيسري ذلك إلى نصيب شريكه كما لو أطلق فلم يكن

للتخصيص معنى يتغير به الحكم.
هذا آخر كلامهما، وفيما نقل عن القفال من البناء نظر من حيث إن الخلاف في مسألة الوضوء مفروض- على ما حكاه الإمام والرافعي في موضعه- فيما إذا نوى صلاة بعينها ونفى غيرها، فإن كانت الصورة ها هنا كذلك بأن قال: أعتقت نصيبي منك دون نصيب شريكي، لم يتجه إلا الجزم بعدم إجزاء نصيب الشريك، وإن كانت صورة المسألة ما إذا أعتق نصيبه وسكت عن نصيب شريكه، فوزانه في مسألة الوضوء: أن ينوي استباحة صلاة الظهر من غير تعرض لنفي ما عداها، وو في هذه الحالة يرتفع حدثه بالنسبة إلى جميع الصلوات؛ فإن ذلك لا يتقاعد عن نية استباحة مس المصحف، وإذا كان كذلك اتجه الإجزاء قولاً واحداً على مقتضى ما ذكره مع عدم نية العتق في نصيب الشريك، فضلاً عنه مع وجودها.
نعم، قد تظهر صحة البناء إن كان الخلاف يجري في الوضوء فيما إذا نوى استباحة صلاة الظهر من غير تعرض لنفي غيرها ولا لإثباته، وهو الظاهر من الكلام ها هنا، ويكون الفساد جاء من ضعف المبني عليه، وفي "الوسيط": أنه إذا وجه العتق على جملة العبد، وقال: أعتقتك عن الكفارة- نفذ وأجزأه.
وقال القفال: لا يجزئ.
وهذا يدل على أنه يخالف فيه، وإن وجه العتق على جميعه، والمفهوم من كلام القاضي والإمام خلافه، على ما حكاه في أول الفصل وآخره.
الوجه الثاني: أنه لابد وأن ينوي عند أداء المال إلى الشريك عتق نصيب الشريك إذا قلنا: إن السراية تحصل إذ ذاك، ما إذا نوى عند التلفظ عتق نصيب نفسه، ففي "الشامل": أن نصيب الشريك لا يجزئ على الأصح إن قلنا: إن العتق يسري باللفظ، أو قلنا: إنه مراعي؛ لأن العتق يسري دون وقوعه عن الكفارة.
وإن في التعليق وجهاً: أنه يجزئ؛ لأنه يسري إليه العتق الواقع عن الكفارة.
وإن قلنا: إنه يسري بأداء القيمة- ولم ينو- لم يجزئه، وسأذكر وجهاً عن الفوراني فيما إذا أعتق نصيبه وهو معسر، ثم اشترى باقيه وأعتقه ولم ينو الكفارة: أنه يجزئه ويتجه جريانه ها هنا أيضاً، وإن نوى فوجهان: أحدهما- وهو اختيار الشيخ أبي حامد

والقاضي أبي الطيب-: أنه لا يجزئ؛ لأن سبب استحقاق العتق إنما هو عتق النصف الأول، فإذا لم تقارن النية سبب الاستحقاق لم يجزئه.
والثاني: أنه يجزئه، وهو الذي حكاه الغزالي في "الوجيز" ورجحه الرافعي، وقائله في الحقيقة يجعله مخيراً على هذا القول بين أن ينوي عند التلفظ أو عند الأداء.
فإن قيل: كيف قلتم بإجزاء حصة الشريك وهي مستحقة للعتق عن غير الكفارة، وعندكم إذا استحق العتق بغير الكفارة لا يجزئ عنها كأم الولد؟ فالجواب أن سبب استحقاق العتق في الباقي إعتاق نصيبه وقد اقترن به نية الكفارة، والعتق في الباقي تَبَعٌ للعتق في نصيبه، وكما يتبعه في أصل العتق، جاز أن يتبعه في الوقوع عن الكفارة، وهناك لم تقترن النية بسبب العتق، وليس نفوذ العتق في المستولدة على سبيل التبعيَّة.
ولو كان المعتق معسراً نفذ العتق في نصيبه، وإذا ملك باقيه وأعتقه عن الكفارة- أجزأه، ولو لم ينو الكفارة عند إعتاق الباقي لم يجزئه، وفيه وجه حكاه الفوراني إلحاقاً بما إذا فرق الوضوء وجوزناه؛ فإنه لا يجب تجديد النية، والله أعلم.
قال: وإن أعتق نصف عبدين، أي: وهو معسر- فقد قيل: يجزئه، وهو الذي ذهب إليه أكثر الأصحاب على ما دل عليه كلام ابن الصباغ؛ لأن الأشقاص تنزل منزلة الأشخاص في الزكاة كما إذا ملك نصف ثمانين شاة ونصفها الآخر لذمي- فإنه يلزمه ما يلزمه لو ملك أربعين شاة، وكذا لو ملك نصف عبدين، لزمه صاع في الفِطرة كما لو ملك عبداً.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الشافعي رضي الله عنه نص على إجزاء أنصاف الرقاب عن الكفارة فقال: ولو أعتق رقبتين عن كفارتي ظهار، أو ظهار وقتل، أجزأه، ويقع نصفه عن كفارة هذا، ونصف عن [كفارة] ذاك، وإنما كان كذلك؛ لأن الجملة إذا قوبلت بالجملة، تتوزع آحادها على آحادها.
فإن قيل: ما ذكرتم موجود في الأضحية وقد جزمتم بعدم الإجزاء.
قلنا: فرق الأصحاب بينهما بأن التشقيص عيب، ومطلق العيب يمنع الإجزاء في

الأضحية، ولا كذلك ها هنا، وهذا الفرق قد يمنع؛ فإن الأضحية- أيضاً- لا يمنع من الإجزاء فيها إلا ما ينقص اللحم، والتشقيص لا ينقص اللحم.
قال: وقيل: لا يجزئه، وبه قال ابن سريج وابن خيران؛ لأنه مأمور بإعتاق رقبة، ونصفا رقبة ليس برقبة في برٍّ ولا حِنْث؛ فكذلك ها هنا.
ولأن ما أمر بصرفه إلى شخص واحد في الكفارات لا يجوز صرفه إلى اثنين كالمد في الطعام، والقائل به قال: مراد الشافعي بما ذكر من التوزيع أن إعتاقه وقع كذلك، [لا أن] العتق وقع كذلك، والجملة إذا قوبلت بالجملة [تتقابل الجملة بالجملة، ولا] تتقابل الآحاد بالآحاد؛ كما لو وجب [عليه] في زكاة الفطر صاع حنطة عن عبد وصاع شعير عن آخر، فأخرج صاع حنطة وصاع شعير إلى المستحقين

دفعة واحدة عنهما- فإنه يجزئ، وتقع الحنطة عن أحدهما والشعير عن الآخر.
وأجاب عن القياس على الزكاة بأن الحكم فيها- إذا كانت الصورة موافقة للصورة التي نحن فيها- موافق لما ذكرناه؛ فإنه لا يجزئ إخراج نصف شاتين عن شاة واحدة.
قال: وقيل: إن كان الباقي حرّاً أجزأه وإن كان عبداً، لم يجزئه، وهذا هو الأظهر في "الرافعي" و"النووي"، لأن المقصود إفادة الاستقلال بالتصرف، وإذا كان الباقي حرّاً حصل، ولاقائل به جرى على موجب النص؛ فإن المسألة التي وجد فيها النص وجد فيها التكميل في الحرية.
وفي "الشامل": أن القائل بالوجه الأول أجاب عن ذلك بأن التكميل لم يحصل بما أعتقه عن الكفارة، وإنما حصل بانضمام عتق النصف الآخر إليه؛ فلم يجزئه.
وقد ظهر لك بما ذكرناه: أن المسألة التي وجد فيها النص لم يختلف أحد من أصحابنا في حصول الإجزاء فيها، وقد صرح بذلك ابن الصباغ.
وفي "الرافعي": أن الإمام ذكر أن منهم من أثبت خلافاً فيها.
والذي رأيته في "النهاية" في هذا الموضع: إجراء الخلاف فيما إذا أعتق نصف عبدين خالصين له عن كفارة واحدة، وجعله بمنزلة ما إذا أعتق نصفين من عبدين باقيهما حر دون ما عداه.

قال: وإن كان عادماً للرقبة وثمنها، أو واجداً وهو محتاج إليها للخدمة أو إلى ثمنها للنفقة- كفَّر بالصوم: أما إذا كان عادماً؛ فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3]، وما ذكرناه من الحديث.
وأما إذا كان محتاجاً؛ فلأن الحاجة تستغرق ما معه فصار كالعادم في جواز الانتقال إلى البدل كمن وجد الماء وهو محتاج إليه.
واستشكل الإمام ذلك وقال: ظاهر الآية يشعر بالإمكان، ومقتضاه العتق حتى إذا كان للوجدان وجه؛ فلا سبيل إلى الحيد عن الرقبة والتعليق بالصيام، والممكن في دفع ذلك- والله أعلم- الالتفات إلى محل الإجماع؛ فإن الذين كفَّروا بالصيام كانوا أصحاب مساكن يأوون إليها [وهم] يصومون عن الكفارة، ومن ادعى أن أحداً لم يصم عن الكفارة إلا وهو خَلِيٌّ عن مال المسكن، فقد ادعى بعيداً.
واعلم أن المراد بالحاجة إلى الخدمة: أن يكون ذلك بسبب مرض أو كِبَرٍ أو زمانة أو ضخامة لا يقدر معها على خدمة نفسه، أو كان ممن لا يخدم نفسه في العادة مع الصحة، أما لو كان ممن يخدم نفسه كالتجار وأوساط الناس، ففي "الشامل" وغيره وجهان، أصحهما في "الرافعي": أن يلزمه الإعتاق، والمراد بالنفقة: ما يصرفه في قوته أو قوت عائلته أو كسوتهم وما لابد منه من الأثاث، وكذا شراء عبد يحتاج إليه للخدمة، وهل تتقدر النفقة والكسوة بمدة؟ قال الرافعي: لم يقدر الأصحاب ذلك، ويجوز أن تعتبر بكفاية العمر، ويجوز أن

[تعتبر بسنة]؛ لأن المؤنات تتكرر فيها، ويؤيده أن صاحب "التهذيب" قال: يترك له ثوب الشتاء وثوب الصيف.
قلت: قد تعرض الأصحاب لذلك في كفارة اليمين وقالوا- على ما حكاه المحاملي وغيره-: إن الرجل إذا لم يكن له كفاية على الدوام ومن تلزمه نفقته، فإنه تحل له الصدقة والكفارة بسهم الفقر، ولا يلزمه التكفير بالمال، بل فرضه الصيام.
وفي "الحاوي" كلام سأذكره ثمَّ [مخالف] لذلك.
وحكم المسكن حكم العبد في حق من لا يخدم نفسه؛ فلا يجب صرفه في ثمن رقبة، إلا أن يكون واسعاً فيجب بيع الفاضل عن حاجته [وصرف في ثمن رقبةٍ، ولفظ المحاملي في "المجموع": أنه يلزمه أن يبيع ذلك]، ويشتري منه قدر حاجته، ويصرف الفضل في الكفارة.
ولو كان المسكن ضيقاً نفيساً، يمكن بيعه وشراء مسكن يليق بحاله ورقبة من ثمنه، وجب ذلك إن لم يكن قد ألفه، وإن كان قد ألفه فوجهان: الأظهر منهما في "الذخائر"، وهو ما ذكره ابن الصباغ: أن الحكم كذلك.
والثاني- وهو الأظهر في "الرافعي" وغيره-: أنه لا يجب بيعه.
وهكذا الحمك فيما لو كان العبد الذي يخدمه نفيساً أو عليه ثوب نفيس.
فروع: لو كان له ضيعة أو رأس مال يتجر فيه، وكان يحصل منهما كفاية بلا مزيد، ولو باعهما لتحصيل عبد ارتَّد إلى حد المساكين- لم يكلف ذلك، ولفظ الغزالي يشعر بإثبات خلاف فيه.
قال الرافعي: وهو صحيح؛ فإنا قد ذكرنا في كتاب الحج وجهين في أنه هل يلزمه بيعهما وصرفهما إلى الحج.
وفي "تعليق" إبراهيم المرْوَرُّوذِي ترتيب ما نحن فيه على الحج: إن قلنا: لا يباع في الحج، فها هنا أولى، وإن قلنا: يباع هناك فها هنا، وجهان، وكذلك هو محكي في

"تعليق" القاضي [الحسين] أيضاً.
والفرق: أن الكفارة لها بدل، ولأجل هذا الفرق كان المسكن والخادم يبيعها في الحج على المشهور، ولا يباعان ها هنا.
وفي "المجرد" للقاضي أبي الطيب ذكر وجهين فيما إذا ملك بضاعة لا يكفيه ما يحصل منها وتحل له الزكاة: هل يلزمه الإعتاق؟ أو يجوز له العدول إلى الصيام؟ قال الرافعي: وإذا [كان الخلاف جارياً] في المسكين ففي الذي يخاف المسكنة أولى.
قلت: قد يظهر عدم الأولوية؛ فإن المسكين قد ألف أخذ الصدقة فلا يلحقه بعد العتق كبير مشقة، ومن لم يألف أخذ الصدقات كانت المشقة عليه بأخذها أعظم.
قال: وإن كان واجداً لما يصرفه في العتق في بلده عادماً له في موضعه، فقد قيل: يكفر بالصوم.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الأصح؛ لتوقف حل الوطء في الحال عليه، وفي التأخير إضرار به؛ فصار كالمحَصر إذا وجد ثمن الهدي ولم يجد الهدي فإنه ينتقل إلى البدل ويتحلل.
قال: وقيل: لا يكفر، أي: بل يصبر [إلى أن] يجد المال كما في كفارة القتل واليمين والجماع، وهذا ما اختاره المراوزة، [وسياق] كلام المتولي يشعر بترجيحه، وادعى الجيلي والنووي أنه الأصح، والفرق- على الأول-: ما ذكرناه من لحوق الضرر، بخلاف غيرها من الكفارات؛ فإنه لا ضرر فيها لأنها على التراخي، وبتقدير أن يموت لا تفوت، بل تقضي من تركته، ويخالف ما إذا لم يكن عنده ثمن

الماء حيث يتيمم للقضاء غير الواجب على الفور؛ لأنه لا يمكن تداركه بعد الموت، كذا قاله الرافعي.
وظاهر إطلاقه القول بأن الكفارات على التراخي، وأنه لا فرق بين أن يكون وجوبها بسبب هو [عاصٍ فيه أو لا.
وفي "الوسيط" في كتاب الحج أن الكفارة إذا وجبت بسبب هو] عاص فيه، فهل تكون واجبة على الفور؟ فيه خلاف كقضاء الحج الفاسد بالجماع، وإذا قلنا بالوجوب فقد يظهر أنه يجب عليه التكفير بالصوم حتماً كما في كفارة الظهار وغيرها؛ للخروج عن الواجب، أو يقال: عدم المال يقتضي تأخير الوجوب.
واعلم أن الحكم فيما إذا وجد المال ولم يجد الرقبة، كالحكم فيما إذا وجد الرقبة والمال غائب.
فروع: لو وجد الرقبة ثمن غالٍ وهو قادر عليه، لم يلزمه الشراء؛ كما لو بيع الماء بثمن غال، كذا حكاه الرافعي ها هنا، وفي "التهذيب"- أيضاً- ثم قال: ورأي الشيخ أنه يجب أن يشتريها.
وهو موافق لما حكيته عن القفال والطبري عند الكلام في نكاح الأمة، ويخالف المتيمم؛ فإنه لا يجب عليه أن يشتري الماء بالثمن الغالي؛ لأن الحاجة إليه تتكرر فيتكرر الضرر، بخلاف غيره، ولو وهبت له الرقبة أو ثمنها لم يجب عليه القبول، ولو بيعت له بثمن مؤجل وهو يقدر عليه في بلده، قال الطبري: يجب عليه شراؤها، وأحال الرافعي الحكم فيه على نظيره في التيمم، والذي حكاه فيه: أن الأظهر من الوجهين الوجوب، وفي التيمم فروع أخر تناسب ما نحن فيه؛ فلتطلب منه.
قال: وإن اختلف حاله ما بين أن يجب إلى حال الأداء، وكان موسراً [في إحدى الحالتين] ومعسراً في الأخرى- اعتبر حاله عند الوجوب في أصح الأقوال؛ لأنه حق مستوفى على جهة التطهُّر فاعتبر فيه حال الوجوب كالحد، وهذا نصه في الأيمان.

قال: ويعتبر حاله عند الأداء في الثاني؛ لأنها عبادة لها بدل من غير جنسها فاعتبر فيها حالة الأداء كالوضوء والتيمم والقيام والقعود في الصلاة، وهذا نصه ها هنا، واختاره المزني، وهو الأصح في "التهذيب" والرافعي وغيرهما، وقال القاضي: هذان القولان مأخوذان من أن المغلَّب في الكفارة شوائبُ العقوبات أو شوائب العبادات؟ إن قلنا بالأول اعتبرنا حال الوجوب، وإن قلنا بالثاني فحال الأداء.
قال الإمام: وهذا فيه نظر مع إيجابنا الكفارة على من لا نُؤَثِّمه، وقطعنا بانقطاع العقوبة عمن هو في مثل حاله.
قال: ويعتبر أغلظ الحالين [عليه] في الثالث؛ لأنه حق في الذمة بوجود المال، فيراعى أغلظ الأحوال كالحج؛ فإنه يجب متى تحقق اليسار.
والقائلون بالقول الثاني فرقوا بين ما نحن فيه وبين الحد؛ فإنه لا تجوز الزيادة عليه، وفي مسألتنا لو أخرج العتق مع وجوب الصيام أجزأه، فجاز أن يزيد بتغيُّر الحال.
وأجابوا عن الحج بأنه يعتبر فيه حالة الأداء؛ ولهذا لو وجب عليه وهو صحيح، ثم زمن جازت له الاستنابة فيه.
واعلم أن ذكر الشيخ القول الثالث فيما إذا كان موسراً في إحدى الحالين معسراً في الأخرى، مع تصديره الكلام بما إذا اختلف حاله فيما بين أن يجب إلى حال الأداء- مشعر بأنه إذا تخلل اليسار بين الحالين لا عبرة به، وهو يوافق ما صرح به الإمام [وأشار إلى اتفاق الاصحاب عليه، والذي دلَّ عليه كلامه] في "المهذب"، وهو الذي ذهب إليه الأكثرون- منهم القاضي أبو الطيب والمحاملي والبندنيجي وصاحب "التهذيب"-: أنه يعتبر أغلظ حالَيْهِ من وقت الوجوب إلى الأداء، حتى لو كان معسراً من وقت الوجوب إلى الأداء وأيسر في وقتٍ ما، كان

واجبه الإعتاق؛ أخذاً بالاحتياط.
التفريع: إن قلنا: الاعتبار بحال الوجوب، وكان موسراً فيه- ففرضه الإعتاق، وإن أعسر من بعد فلا يجزئه الصوم، ولكن يستحب له أن يأتي به؛ ليكون ببعض أنواع الكفارة إن اخترمته المنية.
وإن كان معسراً ففرضه الصيام، ولا يلزمه الإعتاق وإن أيسر بعد، لكنه يجزئه.
وفي "النهاية": أن صاحب "التقريب" حكى وجهاً: أنه لا يجزئه إلا الصوم؛ لتعينه في ذمته، وهو جارٍ فيما إذا كان فرضه الصيام على الأقوال كلها، ويكلف الإعتاق باستقراض على ما حكاه الرافعي، وإن كان غيره قد جعل الجواز دليلاً.
على الجواز هنا.
وإن قلنا: الاعتبار بحالة الأداء، فإن كان موسراً يومئذ ففرضه الإعتاق وإن كان معسراً [من قبل، وإن كان معسراً] ففرضه الصوم وإن كان موسراً من قبل.
ولو شرع في الصوم ثم أيسر، كان له المضي في الصيام، ولم يلزمه الإعتاق.
وقال المزني: يلزمه الانتقال إلى [العتق، وعن] رواية الشيخ أبي محمد مثله.
والمشهور الأول.
نعم، هل يجوز له الخروج منه؟ فيه وجهان كالوجهين في المتيمم إذا رأي الماء في الصلاة التي لا يسقط فرضها بالتيمم.
وإن اعتبرنا أغلظ الحالين.
فإن كان موسراً عند الوجوب أو الأداء فعليه الإعتاق، ولو كان معسراً في الحالين وأيسر بينهما، فعلى ما حكاه الإمام فرضه الصوم على الأقوال كلها، وعلى ما ذهب إليه الأكثرون يكون على القولين الأولين فرضه الصوم، وعلى القول الثالث فرضه الإعتاق، ولو كان موسراً في الحالين وتخلل بينهما إعسار، ففرضه الإعتاق على جميع الأقوال.
ولو كان حال الوجوب عاجزاً عن العتق والصوم، وأيسر قبل التكفير: فإن اعتبرنا

حال الوجوب، ففرضه الإطعام، فلو أعتق أو صام أجزأه، ويتجه أن يجري [فيه] الوجه المذكور فيما إذا أعتق وكان واجبه الصوم.
وإن اعتبرنا حال الأداء أو أغلظ الحالين، وجب العتق.
ثم هذا كله في الحر، أما العبد إذا وجبت عليه الكفارة، ثم عَتَقَ وأيسر قبل التكفير: إن قلنا: الاعتبار في الحر بحالة الوجوب، ففرضه الصوم، وهل يجزئه الإعتاق؛ تفريعاً على المذهب في أنه يجزئ الحر؟ فيه وجهان- ويقال: قولان-: أحدهما: لا؛ لأنه لم يكن أهلاً للإعتاق يوم وجوب الكفارة؛ بناءً على أن العبد لا يملك.
وأصحهما: نعم، وهو المذكور في "التتمة"؛ لأن الإعتاق في المرتبة العليا.
وأما إذا اعتبرنا حالة الأداء، فهل يلزمه الإعتاق؟ فيه وجهان أو قولان: أظهرهما- وبه أجاب إبراهيم المروروذي، وصاحب "التهذيب"-: نعم؛ كما لو كان معسراً، وأيسر حينئذ.
والثاني- وهو المذكور في "الشامل"-: أنه لا يلزمه؛ لأنه لم يكن من أهل الإعتاق يومئذ.
فائدة: قال الإمام: إذا قلنا: الاعتبار بحال الأداء، ففي التعبير عن الواجب قبل الأداء غموض، ولا يتجه إلا أن يقال: الواجب أصل الكفارة، ولا توصف خصلة على التعيين بالوجوب، أو يقال: يجب ما يقتضيه حال الوجوب، ثم [إذا تبدل] الحال تبدل الواجب.
كما أنه يجب على القادر صلاة القادرين، ثم إذا عجزت تبدلت صفة الصلاة، والله أعلم.
قال: وكفارة الصوم أن يصوم شهرين متتابعين؛ للآية، والخبر، ومعنى التتابع: أن يوالي بين صوم أيامها فلا يفطر فيها ولا يصوم عن غير كفارة.
قال: بالأهلة، أي إن ابتداء الصيام في أول الشهر؛ لأن الأشهر في الشرع بالأهلة، قال الله- تعالى-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 188]. قال: فإن دخل في أثناء الشهر، لزمه شهر تام بالعدد، لأنه قد تعذر الرجوع إلى

اعتبار الهلال فاعتبرنا العدد الذي يعم فيه.
قال: وشهر بالهلال تم، أو نقص؛ لإمكان اعتباره بالهلال، وفيه وجه حكيت مثله في كتاب الطلاق عن رواية الإمام: أنه إذا انكسر الشهر الأول انكسر ما بعده، واعتبرناه بالعدد، فعلى المذهب: إن كان صومه في الخامس من الشهر وكان ذلك الشهر تامّاً، كان انقضاء الشهرين بصوم الرابع من الشهر الثالث، فإن كان ناقصاً فيصوم الخامس.
قال: وإن خرج منه، أي: ولو في اليوم الأخير مما يمكن التحرز منه كالعيد، أي: عيد النحر؛ إذ الفطر لا يتصور الخروج به؛ لأنه مسبوق [بشهر] رمضان، وبشهر رمضان يبطل التتابع؛ لأنه ترك صومه عن الكفارة لأمر يمكنه التحرز منه فأشبه ما لو تركه لغير ذلك.
ولو كان المكفر أسيراً، فاجتهد ووافق آخر صومه ذلك، ففي كتاب القاضي ابن كج: أن في انقطاع تتابعه الخلاف الآتي في الإفطار بالمرض.
واعلم أن العبارة الصحيحة فيما إذا شرع في الصوم في وقت يعلم دخول ما يقطع التتابع قبل فراغه منه، أن يقال: لا ينعقد صومه ابتداء عن الكفارة؛ لتحقق عدم الشرط.
نعم، هل ينعقد نفلاً أوي فسد؟ فيه القولان المذكوران فيما إذا تحرَّم بالظهر قبل الزوال فيما حكاه الإمام.
ثم لا فرق في انقطاع التتابع برمضان بين أن ينوي صومه عن الكفارة أو عن رمضان أو عنهما.
وفي "الشامل" وغيره: أن القاضي أبا الطيب حكى في "المجرد" عن أبي عبيد ابن حربويه: أنه إذا نوى صومه عنهما أجزأه عنهما.
وغلط فيه.
قلت: حكى الغزالي وجهاً في أن المسافر في رمضان إذا نوى بصومه التطوع أنه يصح، ويتجه جريان مثهل ها هنا أيضاً.
قال: وإن أفطر بما لا يمكن التحرز منه كالمرض، أي: المسوغ للفطر، ففيه قولان:

أصحهما- وهو الجديد-: أنه يبطل؛ لأن المرض لا ينافي الصوم، وقد أفطر باختياره؛ فبطل كما لو أجهده الصوم فأفطر، ولأن التدارك ممكن فليفطر ثم ليتدارك.
والثاني- وهو القديم واختاره المزني-: أنه لا يبطل؛ لأن التتابع لا يزيد في الرتبة على أصل الوجوب في شهر رمضان.
ثم المرض يسقط الوجوب عنه؛ فكذلك التتابع.
والإغماء إذا قلنا: إنه يفطر به، قال المحاملي: هل يقطع التتابع كالمرض؟ على قولين.
وهذا يشعر بأنه مرتب على المرض وهو ما صرح به الماوردي، وكذلك في المجنون، وفي "المهذب": الإغماء كالمرض.
وفي "الرافعي": أن في المجنون طريقين: أحدهما: طرد القولين.
والثانيك القطع بأنه لا يقطع التتابع؛ لعدم الاختيار، ولمنافاته الصوم كالحيض.
وذكر مجلي فيه تفصيلاً من عند نفسه، فقال: إن أطبق، ولم يُرْجَ زواله إلى الموت، سقط عنه الفرض إن لم يكن تمكن من أدائه قبل الجنون، وإن كان قد تمكن كان بمثابة من يكون عليه صوم فيموت.
وإن كان غير مُطْبِق، وكان وقت الإفاقة متسعاً للشهرين- كان الحكم في الاستئناف كالحكم في المرض، بل آكد.
وإن كان لا يتسع لذلك، وكان لا يرجي برؤه، فلا ينقطع التتابع كالحيض، وإن كان يرجي برؤه، انتظر.
والمكره على الفطر بنفسه، إن قلنا: إنه يفطر، بطل التتابع لندوره، على ما حكاه ابن الصباغ وغيره.
وحكى ابن كج في انقطاعه الخلاف المذكور في المريض، وذكر- أيضاً- فيما إذا استنشق فوصل الماء إلى دماغه، وقلنا: إنه يفطر- أن في انقطاع تتابعه الخلاف في المريض.
قال: وإن أفطر بالسفر فقد قيل: يبطل؛ لأن السبب حصل باختياره، وقيل: على قولين- إن قلنا: [إن] الفطر بالمرض لا يقطعه، على ما حكاه الحاملي

وغيره-: أحدهما: لا ينقطع أيضاً؛ لأن السفر يبيح الفطر فأشبه المرض.
والثاني: أنه ينقطع، والفرق بينهما: أن المرض الذي هو السبب في الفطر ليس باختياره، بخلاف السفر.
فرع: لو وطئ المظاهر منها ليلاً قبل تمام الشهرين عصى، ولم ينقطع التتابع؛ لأن الجماع لم يؤثر في الصوم، فلم يقطع التتابع كالأكل.
واستدل له الشافعي بأنا لو أوجبنا الاستئناف، لوقع صوم الشهرين بعد التَّمَاسِّ، ولو لم نوجبه لكان بعض الشهرين قبل التماس، وهذا أقرب إلى ما هو مأمور به من الأول.
فائدة: جرت عادة الأئمة- رحمهم الله تعالى- في هذا الموضع بذكر ما يتعلق بإبطال التتابع في كفارة القتل والجماع في رمضان- إذا قيل بوجوبها على المرأة- وما لا يبطله، فلنقتد بهم، ونقول: الحيض لا يقطع التتابع، بل تبني عليه إذا طهُرت؛ لأن ذات الأقراء لا تخلو عن الحيض في الشهرين غالباً، والتأخير إلى سن اليأس يحظر، وهذا إذا لم تجر عاتها بانقطاع الحيض مدة يدخل فيها الشهران، أما لو كانت عادتها أن تحيض كل ثلاثة أشهر حيضة، لزمها أن توقع الصيام في زمان لا يتخلله الحيض، ويقطعها الحيض، على ما حكاه ابن الصباغ في كتاب الأيمان عن الأصحاب.
والنفاس ملحق بالحيض- على ما حكاه البغوي وغيره- وفيه وجه: أنه يقطع التتابع؛ لندوره.
والحامل والمرضع إذا أفطرتا: إن كان لخوفهما على أنفسهما فهو كالمرض، وإن كان للخوف على الولد: فمنهم من ألحقه بالمرض أيضاً، ومنهم من قطع بانقطاع التتابع؛ لأنهما تفطران لغيرهما، بخلاف المرض؛ ولهذا فارقتا المريض في لزوم الفدية في رمضان، كذا حكاه في "المهذب" وغيره، وقال مجلي: يتخرج ها هنا طريق آخر وهو التفرقة بين الحامل والمرضع كما في الفدية في رمضان.
فرع: هل يجوز الخروج من الكفارة بنية الاستئناف؟ قال الإمام: يجوز أن يقال: له

أن يخرج بألا ينوي صوم الغد، أما إذا خاض في صوم يوم، فيبعد أن يتسلط على إبطاله.
أما ترك الصوم في بقية لاشهرين، فليس فيه تعرُّض لإفساد العبادة، ويتجه أن يقال: ليس له؛ فإن بإقدامه يخرج عن الفريضة، ويقوى هذا على قولنا ببطلان الصوم تبيُّناً.
والأظهر من الاحتمالين عند الغزالي: جواز الترك واستئناف الشهرين.
وقال الروياني: الذي يقتضيه قياس المذهب: أنه لا يجوز؛ لأن صوم الشهرين عبادة واحدة كصوم يوم واحد فيكون قطعه كقطع فريضة شرع فيها، وإنه غير جائز.
قال الرافعي: وهذا أحسن.
قلت: وما اختاره الغزالي ها هنا موافق لما اختاره في التيمم؛ حيث قال: إن الوقت إذا كان متسعاً في الشروع ليس بملزم إذا لم يكن ثم خلل.
ولذلك نص الشافعي على أن المنفرد إذا أدرك جماعة يقطع الصلاة فكيف يقطع الفرض لأجل الفضيلة لولا جوازه؟! وما ذكره الروياني قد نص عليه الشافعي في "الأم" في كتاب فرض الصوم حيث قال: إذا شرع في صوم رمضان أو قضاء رمضان أو نذر أو كفارة أو صلاة مفروضة أو منذورة، لا يجوز له الخروج منها بوجه إلا لعذر، فإن خرج أثم لذلك، وأفسده، وصححه الشيخ أبو حامد الإسفراييني في "تعليقه"، وهو المفهوم من قول الشيخ في باب صوم التطوع: ومن دخل في صوم تطوع.
قال: [ومن لم] يستطع الصوم؛ لكبر أو مرض لا يرجى برؤه- كفَّر بالإطعام؛ للآية ولم يعتبر الإمام والغزالي في المرض ألا يرجى زواله؛ بل قالا: لو كان يدوم شهرين في الغالب على الظن المستفاد من اطراد العادة في مثله، أو من مراجعة الأطباء، كان له أن يعدل إلى الإطعام، ولا ينتظر زواله ليصوم، بخلاف ما إذا كان له مال غائب؛ حيث قلنا: لا يجوز له الصيام على رأيٍ، بل ينتظر.

والفرق [بينهما]: أن هذا منوط بالاستطاعة، وهي غير موجودة مع المرض، والانتقال إلى الصوم منوط بالعدم، ومن له مال غئاب واجد.
وأيضاً: فحصول المال يتعلق باختياره، والاختيار في مقدمات الشيء والتسبُّب إليه كالاختيار فيه نفسه، وزوال المرض لا يتعلق بالاختيار.
وحكى الإمام عن القاضي: أنه جوز الانتقال إلى الإطعام بكل ما يجوز الإفطار به في رمضان.
واستشكله من حيث إنه يقتضي جواز الانتقال إلى الإطعام بالمرض وإن لم يغلب على الظن استمراره شهرين، كما ذكراه.
وقضية كلام الأكثرين: الأول، على ما حكاه الرافعي، ومنهم صاحب "التهذيب".
وقد صرح المتولي بتنزيل المرض عند رجاء الزوال منزلة المال الغائب حتى لا يعدل بسببه إلى الإطعام في غير كفارة الظهار، ويجيء في كفارة الظهار الخلاف المتقدم.
فعلى هذا: لو كان المرض [لا] يرجي زواله، فأطعم، ثم برئ على ندور- قال الرافعي: يشبه أن يلحق بما إذا أعتق عبداً لا يرجى زوال مرضه، ثم اتفق الزوال.
قلت: وشَبَهُهُ بالمعضوب إذا استناب في الحج ثم برئ أقربُ.
والمشقة الشديدة الحاصلة من الصوم أو خوف زيادة المرض، تلحق بعدم الاستطاعة فميا ذكرناه، ولا يلتحق به السفر على الظاهر؛ لأن المسافر مستطيع للصوم.
وفي جواز العدول إلى الإطعام بعذر الشَّبَق وغلبة الشهوة وجهان، أظهرهما عند الإمام والغزالي: أنه لا يجوز، والأكثرون مالوا إلى الجواز، وبه أجاب أبو إسحاق، ولم يورد القاضي الحسين غيره؛ للحديث.
قالوا: ويخالف هذا صوم رمضان حيث لا يترك بهذا العذر؛ لأنه لا بدل له، ولصوم الكفارة بدل.
قال: فيطعم ستين مسكيناً؛ لقوله- تعالى-: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة: 3].

[فقوله]: فإطعام مصدر معناه: فعليه أن يطعم ستين مسكيناً؛ لأن المصادر تقدر بـ "أن" والفعل، وللخبر السابق، والله أعلم.
قال: كل مسكين مدّاً من قوت البلد، أي: إذا كان مما تجب فيه الزكاة: أما اعتبار المد فاستدل له الأصحاب بما جاء في حديث الأعرابي الذي جامع في نهار رمضان أنه أتى بعَرَقٍ من تمر خمسة عشر صاعاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خُذْ هَذَا، وَأَطْعِمْ عَنْكَ سِتِّينَ مِسْكِيناً"، وهذا المبلغ إذا قُسم على ستين، حصل لكل منهم مد لا صاع، وكفارة الظهار ككفارة الجماع.
وأجابوا عما جاء في الحديث الذي حكيناه عن رواية أبي داود عن سلمة بن صخر البياضي من كونه أمره أن يدفع إلى ستين مسكيناً وَسْقاً- وهو ستون صاعاً- بأن ذلك محمول على الجواز، وحديث الأعرابي محمول على الإجزاء؛ لأجل الجمع بينهما، كذا قاله ابن الصباغ، وفيه [نظر؛ من حيث إن الواقعة غير الواقعة، وقوله- عليه الصلاة والسلام- لسلمة: "أَطْعِمْ"، كان في معرض] بيان الواجب؛ لأنه جاء في الحديث بالسند المذكور أن سلمة قال: أنا صابر لأمر الله؛ فاحكم بما أنزل الله.
وأما اعتبار قوت البلد فقاسه الأصحاب على كفارة اليمين، وقال أبو عبيد بن حربويه: يعتبر فيه أن يكون من غالب قوته، كما قال في زكاة الفطر؛ اعتباراً بزكاة المال.
قال ابن يونس: وليس بشيء، لقوله- تعالى-: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89]، والأوسط: الأعدل، وأعدل ما يطعم أهله من قوت البلد.
وفي "الرافعي" حكاية وجه نقله السرخسي: أن الأرز لا يجزئ، وأن ابن كج حكى أنه لا يجزئ إذا نُحِّيت عنه القشرة العليا، وأن الظاهر الإجزاء.
ثم إن كان في القشرة العليا، فيخرج قدر ما يعلم اشتماله على [مدٍّ من] الحب.
ولم يجر في الفطرة ذكر هذا الخلاف في الأرز، وجرى بذكر قولين في العدس

والحمص.
قال: ويشبه أن يجيء في كل باب ما نقل في الآخر.
قال: وهو رطْلٌ وثلث، أي: بالبغدادي، إذ ذلك زنة مده صلى الله عليه وسلم، وقد قال: "الْمِيزَانُ مِيزَانُ [أَهْلِ] مَكَّةَ، وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ"، ومعناه الاعتبار بكيل المدينة وبوزن الحجاز، ومراد الشيخ بالتنبيه ها هنا على ذكر قدر المد: الاحتراز عن مذهب مالك؛ فإنه قال: الاعتبار في كفارة الظهار بمد هشام بن عبد الملك بن رموان، وهو أزيد من مد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قيل: هو مدان بمده صلى الله عليه وسلم، وقيل: مد ونصف، وقيل: مد وثلث، ورد أصحابنا ذلك بأن ذلك لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أُحْدِثَ بعده، ولا يجوز أن يعتبر بمد لم يكن على عهده وحدث من بعده صلى الله عليه وسلم.
ثم اعتبار الرطل والثلث فيما إذا كان المُخْرَج يستوي كيلُه ووزنه، بأن يكون إذا وزن رطل وثلث جاء ملء مدٍّ، وإذا كِيلَ مدٌّ كان وزنه رطلاً وثلثاً.
قال البندنيجي في كتاب الأيمان: وقد قال بعض أهل العلم: إن الذي يستوي كيله ووزنه: العدس والماش، أما إذا اختلف الكيل والوزن، فالمعتبر الكيل لا الوزن.
وقد ذكر في باب زكاة الفطر كلام يتعلق بذلك؛ فليطلب منه.
قال: فإن أخرج من دون قوت البلد من حبٍّ تجب فيه الزكاة، ففيه قولان تقدم مثلهما في زكاة الفطر: أحدهما: يجزئه؛ لأنه قوت تجب فيه الزكاة فأشبه قوت البلد.
والثاني: لا يجزئ- وهو الأصح- لأنه أخرج غير الواجب.
قال الرافعي: وحقيقة القول بالإجزاء ترجع إلى أنه يتخير بين الأجناس المجزئة، وهو مشابه لوجه أو قول حكيناه في زكاة الفطر كذلك.
قلت: وقد صرح به الماوردي في كفارة اليمين، وحكى- أيضاً- أنا إذا اعتبرنا

غالب قوت البلد، فأخرج الأجود كالقمح عن الشعير: فهل يجزئ؟ فيه وجهان، وجه المنع: أن العدول عنه يصير كالقيمة.
قال: وإن كان قوت البلد مما لا زكاة فيه، فإن كان أَقِطاً فعلى قولين: أحدهما: لا يجزئه؛ لأنه [طعام] لا تجب فيه الزكاة فلا يجزئ كالفاكهة.
والثاني:- وهو الأصح في "النووي"، وظاهر ما نقله المزني ها هنا، على ما حكاه الماوردي-: أنه يجزئ؛ لأنه مكيل مقتات فأشبه ما تجب فيه الزكاة.
وفي "الحاوي" في كفارة اليمين: أن أبا علي بن أبي هريرة جعل هذين القولني مبنيين على [اختلاف قولي] الشافعي في أن قول الصحابي إذا لم يعضده قياس: هل يؤخذ به، أو يعدل إلى القياس؟ فعلى قوله القديم: يؤخذ بقول الصحابي؛ فعلى هذا يجوز إخراج الأقط في الزكاة والكفارة؛ أخذاً بقول أبي سعيد.
وعلى قوله الجديد: يعدل عنه إلى القياس؛ فعلى هذا لا يجوز إخراج الأقط.
فافهم هذا الاختلاف.
ثم هذا يختص بأهل البادية أم يعم الحاضر والبادي؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج.
قال: وإن كان لحماً أو لبناً- وفي معنى ذلك السمك والجراد- فقد قيل: لا يجزئه، وهو الأصح، والذي حكاه ابن الصباغ؛ لأنه لا يدخله الكيل، ولا تجب فيه الزكاة؛ فأشبه الخضراوات.
وقيل: على قولين، كالأقط.
وفي "الرافعي" ترتيب الخلاف على الخلاف في الأقط، [وأولى] بعدم الإجزاء.
قال: وإن كان في موضع لا قوت فيه، أي: مجزئاً إخراجه- أخرج من قوت أقرب المواضع إليه [أي: الغالب فيه؛ لأنه الممكن، فلو كان أقربَ المواضع إليه] بلدان مختلفا القوت: فإن كان أحدهما أغلب، أخرجه، وإن تساويا نظر: فإن لم تكن

قيمة أحدهما أرفع، فهو [مخير بينهما]، وإن كانت أرفع، قال أبو إسحاق: يجزئ أن يخرج الأعلى منهما، وإن أخرج الأَدْوَنَ جاز، كذا حكاه المحاملي في كتاب الأيمان والبندنيجي- أيضاً- وقال: كما هو في البلد [الواحد].
وحكى الماوردي في أصل المسألة قولاً: أنه لا يتعين [قوت] أقرب البلاد إليه، بل يكون مخيراً بين جميعها.
قال: ولا يجزئ فيه الدقيق ولا السَّوِيق ولا الخبز؛ لأن ذلك ناقص المنفعة فأشبه المعيب.
وروى عن الإصطخري أنه قال بالإجزاء، وساعده على إجزاء الخبز ابنُ أبي هريرة والصيمري، وهو الذي اختاره القاضي الروياني لنفسه.
وروى عن ابن خيران أنه يعطي كل [مسكين] رطلين خبزاً وقليل أُدْمٍ.
والظاهر الأول، وادعى في "المهذب" فساد خلافه.
قال: ولا القيمة؛ لأنه أَحَدُ ما يكفر به؛ فلا تجزئ فيه القيمة كالعتق.
قال: فإن غدَّاهم وَعَشَّاهم بذلك، أي: مما يجزئ كالتمر والزبيب- لم يجزئه، أي: بل لابد من التمليك التام؛ لأن ما وجب للفقراء بالشرع، وجب فيه التمليك كالزكاة، ولأنهم يختلفون في الأكل؛ فلا يتحقق أن كل واحد منهم تناول القدر المجزئ.
نعم، لو وضع بين أيديهم ستين مدا وقال: ملكتكم هذا بالسوية، أو أطلق، فقبلوه- جاز.
وقال الإصطخري: لا يجوز؛ لأن عليهم مؤنة القسمة.
والمذهب: الأول؛ لأن هذه مؤنة خفيفة.
ولو قال: خذوا، ونوى الكفارة، أجزأه إذا أخذوا بالسوية، وإن أخذوا متفاضلين، لم يجزئه إلا واحد؛ لأنا نتيقن أن أحدهم أخذ مدّاً، فإن تيقن أن عشرة منهم مثلاً أخذ كل واحد منهم مدّاً، أجزأه ذلك القدر ويتدارك الباقي.
ولو دفع إلى ثلاثين مسكيناً ستين مدّاً أجزأه منها ثلاثون، ويصرف إلى ثلاثين غيرهم ثلاثين مدّاً.
وإن صرف الستين إلى مائة وعشرين دفع إلى ستين منهم تكملة الستين [مدّاً]، ويسترد الزائد في الصورتين إن شرط كونه كفارة، وإلا لم يسترد.

قال: ولا يجوز دفعه إلى مكاتب؛ لأن المسكين [من] هو محتاج إلى تتمة الكفاية، والمكاتب غني بما تحت يده أو بما في يد السيد لقدرته على تعجيز نفسه، ويخالف الزكاة؛ فإن الغني يأخذ منها وهو العامل والغازي والمؤلفة والغارم، وإذا لم يجز الصرف إلى المكاتب لقدرته على الاستغناء بما في يده سيده فالعبد بذلك أولى.
نعم، لو كان السيد ممن يجوز الصرف إليه، فدفع إلى العبد بإذن السيد- جاز، وبغير إذنه ينبني على قبوله الهبة بغير الإذن.
وكذلك لا يجوز دفعه إلى هاشمي ولا مُطَّلبي؛ لاستغنائه بخُمُس الخمس.
[قال: ولا إلى كافر، أي: ذميّاً كان أو غير ذمي؛ لأنها كفارة فلا يجوز صرفها إليه كالعتق].
قال: ولا إلى من تلزمه نفقته، أي: من ولد ووالد وزوجة؛ لأنه غني بالنفقة، ولأنه يسقط بذلك في القريب واجبَيْنِ؛ فلم يجز كالزكاة.
ويجوز للزوجة أن تدفع للزوجها في كفارة القتل وغيرها؛ لعدم ما ذكرناه.
والضابط فيمن يجوز الصرف إليه-[على ما] حكاه الغزالي-: وغيره كل مسكين يجوز صرف زكاته إليه، ويجوز الصرف للفقراء من طريق الأولى.
فائدة: قال النووي: كان ينبغي أن يقول الشيخ: [إلى] من تلزم نفقته، بغير هاء الضمير؛ لأن الصحيح: أنه لا يجوز دفعها إلى أجنبي [تجب] نفقته على قريب أو زوج.
وفيما قاله بحث ننبه عليه في كتاب [النفقات]، إن شاء الله تعالى.
فرع: لو دفع الكفارة إلى غير من يستحقها، ولم يعلم ثم علم، نظر: إن كان الدافع إليه من عليه الكفارة فلا يجزئه إذا ظهر كافراً أو عبداً أو من ذوي القربى وإن بان أنه غني، ففي وجوب الإعادة قولان؛ من حيث إن الغني لا علامة عليه.

وإن كان الدافع الإمام، وبان أنه دفعها إلى كافر أو عبد أو قريب ففي وجوب ضمانها عليه قولان: أحدهما: أنه يضمنها، ويعيدها؛ كما يلزم رب المال أن يعيدها.
والقول الثاني: لا يضمنها، وتقع موقع الإجزاء.
وإن بان أنه غني، أجزأه قولاً واحداً، [كما] حكاه الماوردي والمحاملي في كتاب الأيمان.
قال: ولا يجوز أن يدفع إلى أقل من ستين مسكيناً، أي: ما يدفعه للستين؛ لأن الآية اشتملت على وصفٍ وهو المسكنة، وعلى عدد وهو الستون؛ فكما لا يجوز الإخلال بالوصف لا يجوز الإخلال بالعدد كما في قوله- تعالى-: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]؛ فإن فيه تعرضاً لوصفٍ وعددٍ.
وكما لا يجوز الإخلال بالوصف لا يجوز الإخلال بالعدد حتى لا تكون شهادة الواحد كشهادة الاثنين.
ولا فرق فيمن يجوز الدفع إليه بين أن يكون كبيراً أو صغيراً عاقلاً أو مجنوناً.
نعم، يشترط أن يدفع على ولي [الصغير والمجنون].
وفي "الرافعي" حكاية وجه: أن الرضيع لا [يصح الصرف] إليه؛ لأن طعامه اللبنُ دون الحَبِّ.
فرع: دفع الطعام إلى الإمام، هل يبرئ؟ حكى القاضي الروياني في التجربة أنه إذا دفعه إليه، فتلف في يده قبل التفريق على المساكين- أن ظاهر المذهب أن الفرض لا يسقط عن المكفِّر، بخلاف الزكاة؛ لأن الإمام لا يَدَ لَهُ في الكفارة، وهذا يدل على أنه لا يبرئ.
قال: ولا يجزئ شيء من الكفارات إلا بالنية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"، ولأن الكفارة حق مالي وجب تطهيراً؛ فلم يجزئ من غير نية كالزكاة.
قال: ويكفيه في النية أن ينوي العتق، أي: عند التلفظ به، أو الصوم، [أي]: كما

بينه في كتاب الصيام، أو الإطعام، أي: عند الصرف إلى المساكين، عن الكفارة، أي: ولا يحتاج إلى نية الوجوب؛ لأن الكفارة لا تكون إلا واجبة، ولا إلى تعيين سببها من صوم أو ظهار أو يمين أو قتل؛ كما لا يجب تعيين المال الذي يخرج الزكاة عنه، [وفي تقدم النية وجه: أنه يجوز كما هو في الزكاة]، وهذا هو ظاهر نصه في كتاب الأيمان؛ ولذلك جعله البندنيجي ثَمَّ المذهبَ، وجعل الماوردي محل الخلاف ما إذا نوى عند عزلها، وجزم القول بعدم الإجزاء فيما إذا نوى قبل عزلها، ووجَّهَهُ بأنها تجردت عن الفعل فكانت قصداً ولم تكن نية، وإذا اجتمعت عليه كفارة جماع ويمين- مثلاً- فأعتق رقبة بنية الكفارة، وقع محسوباً عن واحدة منهما، وكذا لو صام أو أطعم.
وفرق بينه وبين الصلاة حيث يعتبر فيها التعيين: بأن الأمر في العبادات البدنية أضيق؛ ولذلك لا يجزئ فيها التوكيل، بخلاف المالية، وبأن المالية نازعة إلى الغرامات؛ فاكتفي فيها بأصل النية، وبأن العبادات البدنية مراتب متفاوتة، وما يتعلق بها من النصب والتعب يختلف موقعه، ووجَّهوه بالمشقة في صلاة الصبح من وجه وفي صلاة الظهر من وجه آخر؛ لاختلاف الوقت وأعداد الركعات، والعتق في الظهار واليمين واحد لا اختلاف فيه؛ فلم يحتج إلى تعيين.
ثم إذا عيَّنَ بعد ذلك ما أتى به عن كفارة تَعيَّنَ، ولا يتمكن من صرفه إلى غيرها كما لو عين في الابتداء، ولو عين في الابتداء كفارة الظهار- مثلاً- وكانت عليه كفارة يمين، لم يجزئه عن اليمين، سواء كان عمداً أو خطأ؛ لأنه نوى غير ما [وجب] عليه فلا ينصرف إلى ما عليه؛ كما لو نوى عند إخراج الزكاة مالاً معيناً وكان تالفاً لا ينصرف إلى غيره، وكما لو نوى الاقتداء بمعين وكان الحاضرُ غَيْرَهُ، لا ينصرف الاقتداء إليه.
وهذا بخلاف ما لو [كان] عين رفع حدث من الأحداث وبان خلافه؛ فإنه يرتفع على المذهب، والفرق: أن رفع الحدث المنويِّ يتضمن رفع باقي الأحداث على المذهب، وقد تضمنت نيته رفع الموجود، وعتق رقبة عن كفارةٍ لا يتضنم

إجزاءها عن كفارة أخرى؛ فلذلك لم يجزئه.
ثم ما ذكرناه من أن نية العتق تعتبر عند التلفظ به يشمل العتق المنجَّز كما إذا قال لعبده: أنت حر، والمعلَّق كما إذا قال: إن دخلت الدار فأنت حر، ويجيء فيه الوجه الآخر، ولا خلاف أنه لا يجوز تقديم التكفير على الظهار فضلاً عن نيته، وقد تقدم الكلام فيه.
نعم، لو قال: إن دخلتِ الدار فأنت علي كظهر أمي إن كلمتك، فهل يجوز أن يكفر بعد الدخول وقبل الكلام بالعتق؟ فيه خلاف، والأصح: أنه لا يجوز، ويجري الخلاف فيما لو كفر بالإطعام وهو من أهله- على ما حكاه الرافعي- وفيه نظر يظهر لك من علة عدم جواز التكفير بالصوم في كفارة اليمين قبل الحنث، وأما الصوم فلا يجوز تقديمه؛ لأنه عبادة بدنية.
قال: وقيل: يلزمه أن ينوي في الصوم [التتابع] في كل ليلة؛ ليكون [متعرضاً لخاصَّة] هذا الصوم، وشبّه ذلك بالجمع بين الصلاتين؛ لما فيه من ضم بعض العبادات إلى بعض.
قال: وقيل: في أول الصوم؛ لأن التمييز يحصل بذلك.
قال: والصحيح: أنه لا يلزمه ذلك، أي: ويكفي التتابع من حيث الفعل؛ لأن التتابع شرط في العبادة فلم تشترط نيتُهُ في أداء العبادة؛ كستر العورة في الصلاة.
فرع: لو نوى الصوم بالليل قبل طلب الرقبة، ثم طلبها بالليل فلم يجدها-[لم يجزئه] صومه إلا أن يجدد النية بعد الفقد؛ لأن تلك النية تقدمت على وقت جواز الصوم، حكاه الروياني في البحر.
قال: وإن كان المظاهر عبداً، كفر بالصوم؛ لعجزه عن غيره، وليس للسيد منعه منه، وإن كان له منعه في كفارة اليمين- على ما سيأتي- لما فيه من الإضرار

بالعبد باستمرار التحريم.
ثم هذا تفريع على الجديد في أن العبد لا يملك بتمليك السيد، أما إذا فرعنا على القديم فملَّكه سيده طعاماً ليكفر به، وكان عاجزاً عن الصيام- جاز، وعليه أن يكفر به.
وإن ملكه عبداً ليعتقه، لم يجزئ؛ لأن العتق يستعقب الولاء، ولا يمكن إثبات الولاء للعبد، وهذا قد صرح به الشيخ في كفارة اليمين.
وعن القفال تخريج قول: أن إعتاقه يجزئ عن الكفارة، والولاء موقوف: إن عَتَقَ فهو له، وإن رَقَّ فلسيده.
ورأى الصيدلاني: أنا إذا أوقفنا الولاء هل يكون الوقوع عن الكفارة تبعاً للولاء، وهذا ما قطع به القاضي الحسين- على ما حكاه الإمام في [الأيمان- ويظهر أثر ذلك في المنع من الوطء حتى يتبين الأمر، وسنذكر طرفاً من ذلك] في باب كفارة اليمين.
فرع: هل للعبد أن يكفر بالصوم عند إذن السيد له في التكفير بالعتق وقلنا بصحته؟ فيه تردد أبداه الإمام [في كتاب الأيمان] من عند نفسه.
ومَنْ بعضُهُ حر وبعضه رقيق كالحر في التكفير بالمال على ظاهر المذهب.
قال: وإن كان كافراً، أي أصليّاً، كفَّر بالمال، أي: من عتق أو إطعام- كما سنذكره- لأنه قادر على العتق والإطعام في غير الكفارة؛ فكذلك في الكفارة، ويخالف الزكاة حيث لا تجب عليه بلا خلاف وإن كان مصرفها للآدميين؛ لأنها أثبتت وظيفة عبادة على المسلم وليس فيها معنى التغليظ، والكفارة مضاهية للحدود؛ فلذلك اعتبرت فيها النية.
قال: دون الصوم؛ كما لا يصوم عن غير الكفارة، والمعنى فيه: أن الكفارة المالية المغلَّب فيها جانب المدفوع إليه؛ لشبهها بالغرامات؛ فلذلك روعي فيها جانبه، بخلاف البدنية التي لا يتعلق بها حق دمي؛ لعدم [ما ذكرناه].
ثم التكفير بالعتق يتصور منه إذا كان في ملكه أو ملك مورِّثه عبد كافر، فأسلم، أو

جوزنا له شراء العبد المسلم، أو لم نجوزه وجوزنا له أن يقول لغيره: أعتق عبدك [عني]- وهو الصحيح- كما هو مذكور في البيع.
أما إذا لم نجوز [له] ذلك، فلا يتصور في حقه العتق في حال الكفر؛ فما دام موسراً [لا يجوز] له الوطء، ويقال له: إن أردت الوطء فأسلم وأعتق، لأن الرقبة موجودة، والتعذر لمعنى فيه.
وكذا لو كان معسراً عن الرقبة، وهو قادر على الصوم، لا يجوز له العدول إلى الإطعام؛ لأنه يمكنه أن يسلم فيصوم، فإن كان عاجزاً عنه لمرض أو هَرَمٍ فحينئذ [يطعم في كفره]، هكذا أورده البغوي، وحكاه الإمام عن القاضي الحسين، ثم قال: وفيه نظر؛ فإن الخطاب بالعبادة البدنية لا يجب على الكافر [الأصلي]؛ فكأنا لصوم مخرج من كفارة الذمي، وهي آيِلةٌ- في حقه- إلى الإعتاق والإطعام.
قال الرافعي: وقد يجاب عن ذلك بأنا لا نحمل الذمي على الإسلام ولا نخاطبه بالصوم، ولكن نقول: لا نمكِّنك من الوطء إلا هكذا، فإما أن تتركه أو تسلك طريق الحِلِّ.
وأيضاً: فالإطعام بدل عن الصيام، وتقرير البدل في حق من لا يتحقق في حقه المُبْدَل مستبعدٌ، وهذا أبداه الإمام في تردده، وأقام الغزالي ما ذكره الإمام المذهب، واستبعد ما حكي عن القاضي.

فروع: العاجز عن جميع خصال الكفارة: هل تستقر الكفارة في ذمته؟ فيه خلاف ذكر مثله في كتاب الصيام، والظاهر الاستقرار، وهذا ما أشار إليه الشيخ [الإمام] بقوله: "وإذا وجد ذلك، وجبت الكفارة واستقرت".
قال الرافعيك وقد بني الخلاف على أن الاعتبار في الكفارة بحال الوجوب أم بحال الأداء؟ إن اعتبرنا حال الوجوب لم يستقر عليه شيء وكان للمظاهر أن يطأ [و] يستحب أن يأتي بما يقدر عليه من الخصال [من بعد.
وإن اعتبرنا حال الأداء لزمه أن يأتي بما يقدر عليه من الخصال]، ولا يطأ المظاهر حتى يكفر.
ومن لم يجد إلا بعض الرقبة كمن لم يجد شيئاً؛ فيصوم، فإن لم يقدر- والحالة هذه- على الصيام ولا الإطعام فعن أبي الحسين بن القطان تخريج أوجه فيه: أحدها: أنه يخرج المقدور عليه، ولا شيء عليه غيره.
والثاني: يخرجه، وباقي الكفارة في ذمته.
والثالث: لا يخرجه أصلاً.
ولا يجوز تفريق الكفارة الواحدة بأن يعتق نصف عبد ويصوم شهراً، أو يصوم شهراً ويطعم ثلاثين مسكيناً، والله أعلم.


باب اللعان

"اللعان": مصدر: لاعن يلاعن لعاناً.
ويقال: تَلاعَنَا، والتعنا، وهو مشتق من اللعن، واللعن: هو الإبعاد والطرد.
يقال: لعنه الله، أي: أبعده وطرده، والتعن الرجل: إذا لعن نفسه، ورجل لُعَنة- بفتح العين- إذا كان يلعن الناس، ولُعْنَة- بسكون العين- إذا لعنه الناس.
وسمي المتلاعنان بذلك؛ لما يعقب اللعان من المآثم والطرد والإبعاد؛ فإنه لابد وأن يكون أحدهما كاذباً في لعانه.
فيأثم ويكون ملعوناً مطروداً.
وقيل: لأن كلّاً منهما يبعد عن صاحبه بتحريم النكاح بينهما أبداً.
وهو في الشرع: عبارة عن كلمات معلومة جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه وألحق العار به.
واختير لفظ "اللعان" على "العضب" والشهادة- وإن [كان] ذلك موجوداً في لعانهما-: قال الإمام: لأن اللعن كلمة غريبة في مقام الحجج من الشهادات والأيمان، والشيء يشتهر بما يقع فيه من الغريب، وعلى ذلك جرى معظم مسميات سور القرآن.
وقال غيره: لأن اللعنة متقدمة في الآية وفي صورة اللعان، ولأن جانب الزوج فيه أقوى من جانبها؛ لأنه قادر على الابتداء دونها، ولفظة "اللعنة" من جانبه، ولأنه قد ينفك لعانه عن لعانها، ولا ينعكس.
وأطلق على ما تأتي به المرأة من الألفاظ: لعان؛ من باب التغليب، قاله القاضي الحسين.
وهو عند الجمهور يمين.

وقيل: شهادة.
وقيل: يمين فيه شبهة من شهادة.
وقيل عكسه، قاله النووي.
واستدل ابن الصباغ على أنه يمين بقوله- عليه السلام- لامرأة هلال بن أمية- وقد أتت بولد على النعت المكروه-: "لَوْلا الأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَانٌ".
والأصل فيه الكتاب قوله- تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6 - 9] الآيات.
وسبب نزولها: ما روي عن ابن عباس، أن هلال بن أمية، قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشَرِيك بن السحماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ"، قال يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة؟! فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ".
قال هلال: والذي بعثك بالحق، إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الجلد.
فنزلت هذه الآيات.
قال: يصح اللعان من كل زوج بالغ عاقل؛ للآية، ولما روى سهل بن سعد الساعدي أن عُوَيْمِراً العجلاني قال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً وجد مع امرأه رجلاً؛ فقتله، فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَدْ أَنْزَلَ اللهُ- تَعَالَى- فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَاتِ بِهَا" قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: رويتم أن سبب نزولها قصة هلال، وهذا يدل على أن هذا السبب.
قلنا: من العلماء من قال به- على ما حكاه القاضي- ومن قال بالأول، حمل قوله- عليه السلام- ها هنا على أن المراد أنه بين حكم الواقعة بما أنزل في حق

هلال، والحكم على الواحد حكم على الجماعة.
أما غير الزوج فلا يصح لعانه؛ لأجل القذف؛ لأن الله- تعالى- لم يجعل لغير الأزواج مخرجاً من القذف إلا بالبينة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 3] الآية.
ويفارق الزوج من حيث إنه لا حاجة به إلى القذف واللعان؛ لأنه لا ضرر عليه في زنى الأجنبية ولا مَعَرَّة، وهو مندوب إلى الستر؛ فإذا أظهر ذلك غلظ عليه، ولم يجعل له الخروج إلا بالبينة، فحيث إن الزوج عليه ضرر في زنى زوجته من لحوق النسب الفاسد والمعرة، فهو محتاج إلى قذفها وإظهار زناها، فإذا فعل خُفِّف عنه بأن جعل له الخروج بالبينة واللعان.
وأما الصبي والمجنون، فلا يصح لعانهما- أيضاً- للخبر المشهور، [ولأنه قول] يقتضي الفراق؛ فاعتبر في مصدره البلوغ والعقل كالطلاق.
واعلم أن اقتصار الشيخ في صفة الزوج على ذكر البلوغ والعقل مع لفظة "كل" يعرفك أنه لا فرق فيه بين أن يكون من أهل الشهادة أو لا، وهو جار على عمموه؛ لظاهر الآية، إلا إذا كان الزوج أخرس، وكان الخرس ممكن الزوال؛ فإنه لا يصح لعانه بالإشارة ولا بالكتابة على وجه ما لم يُؤْيَسْ من نطقه، وفيه وجه: أنه ينتظر ثلاثة أيام، ولا يزيد عليها، وهذا أحسن، وذكر الإمام أن الأئمة صححوه.
قال الرافعي: وعلى هذا فالوجه أن يقال: لو كان يتوقع زواله إلى ثلاثة أيام فينتظر، وإلا فلا ينتظر أصلاً، وإذا كان أعجميّاً وهو يحسن العربية، فإنه لا يصح لعانه بغير العربية، على وجه، وهو ما حكاه ابن الصباغ.
ثم حيث صححنا اللعان بغير العربية وكان القاضي لا يعرف ذلك- أحضر مترجماً، وفي اعتبار العدد في المترجم خلاف يأتي بيانه في كتاب الأقضية إن شاء الله تعالى.
قال: وإذا قذف زوجته من يصح لعانه، وأبي: حيث يجوز له القذف، فوجب عليه الحد أو التعزير، وطولب به، أي: من جهة المرأة- فله أن يسقطه باللعان، أي: مع قدرته على إقامة البينة: أما عند وجوب الحد؛ فللآية، وأما عند وجوب التعزير،

فبالقياس على الحد من طريق الأولى، وفي [التعزير] وجه نقله الإمام وغيره: أنه لا يسقط باللعان، أما إذا طولب بالحد من جهة الرجل المرمي معها، ولم تطالب هي ولم تَعْفُ- فهل له أن يلاعن لإسقاطه؟ فيه وجهان حكاهما أبو الفرج السرخسي.
قال الرافعي: وقد ينبنيان على أن حقه يثبت أصلاً أو تبعاً، وسيأتي الكلام في ذلك.
أما إذا عفت المرأة عن حدها، وطولب بحد الرجل- كان له إسقاطه باللعان، قاله ابن الصباغ وغيره.
وكذا لو أقيم عليه الحد للمرأة، وقلنا: إنه يجب عليه [حدان لكل منهما حد، أما إذا قلنا: إنه يجب عليه] حد واحد، وهو ما قطع به بعضهم ها هنا، وإن أجري في قذف شخصين بكلمة واحدة قولين [فيه]، فليس للأجنبي المطالبة أصلاً.
فائدة: الحالة التي يجوز للزوج فيها القذف إذا لم يكن ثم ولد: أن يشاهدها وقد زنت، أو شاع في الناس أن رجلاً قد زنى بها، ورأى ذلك الرجل يخرج من عندها في أوقات الريبة، أو أقرت عنده بالزنى ووقع في قلبه صدقها، أو أخبره بذلك ثقة.
ولو شاع في الناس أنه زنى بها ولم يره، أو رآه ولم يشع في الناس- ففي جواز القذف وجهان.
وفي "الرافعي" أن الإمام قال: إنه لو رآها معه تحت شِعَارٍ على هيئة منكرة، أو رآها [معه] مرات كثيرة في محل الريبة- كان ذلك كالاستفاضة مع لارؤية، وتابعه عليه الغزالي وغيره.
ولا يجوز القذف عند عدم ما ذكرناه ولا اللعان، وإذا كان ثَمَّ ولد فسيأتي الكلام في وجوبه وجوازه في الباب الثاني، إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: لم قيدتم المسألة بما إذا كان يمكنه إقامة البينة؟ قلنا: لأنه حينئذ يكون مخيراً: إن شاء لاعن، وإن شاء أقام البينة، أما إذا لم تكن بينة فقد يظهر أن اللعان- والحالة هذه- يكون واجباً؛ لأنه يدفع به أمراً محرماً لا يمكن إباحته وهو الجلد،

ودفع الحرام واجب عند القدرة.
ومما يدل عليه مفهوم ما سنذكره من لفظ الشافعي: أنه ليس عليه أني لتعن حتى تطلب المرأة حقها، وفي "الحاوي" إطلاق القول بعدم وجوبه، وأنه بالخيار، وفيما ذكره أيضاً فائدة نفي توهم أن اللعان لا يجوز مع القدرة على البينة؛ أخذاً من ظاهر قوله- تعالى-: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: 5]، لأن معنى الآية: إن لم يتفق شهادة وشهود إقامة الشهود، فشهادة أحدهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 281]، ومعناه إن لم يتفق إقامة رجلين، فرجل وامرأتان.
تنبيه: مراد الشيخ بالتعزير الذي يسقط باللعان: التعزير الذي سببه القذف، كما إذا كانت صغيرة يمكن جماعها أو مجنونة أو أمة أو كتابية، يدل عليه أنه أتى بالفاء في قوله: فوجب عليه الحد، وهي فاء السببية، "أو" عاطفة لـ "التعزير" على "الحد"، وذلك يقتضي التشريك في الحكم.
أما التعزير الواجب لأجل الأذى: كنسبة الصغيرة التي لا يوطأ مثلها إلى الزنى، وقذف من ثبت زناها، ونظير ذلك- فسيأتي الكلام فيه.
وبناء الشيخ فعل الطلب لما لم يُسَمَّ فاعله، فيه إشارة إلى أن الطلب لا يختص بها، بل تارة [يكون] من الزوجة، وتارة يكون من وكيلها، وتارة من وارثها أن الحكم فيها واحد.
وقذف من لا يصح لعانه كالصبي المميز، يوجب التعزير في حال الصبا، فإن بلغ قبل أن يستوفي لم يلاعن لأجله.
وعنه احترز الشيخ بقوله: "لا يصح لعانه"، وقد حكي عن القفال في هذه الصورة: أنه يسقط.
فرع: إذا وجب عليه الحد، فادعى أنه كان في حال القذف مجنوناً، وعرفت له حال جنون: فهل يقبل قوله في ذلك؟ فيه قولان: المنصوص منهما- وهو الأصح في

"المحاملي"-: أن القول قول القاذف، ومقابهل مخرج، وممَّ خُرِّجَ؟ قال الشيخ أبو حامد: من مسألة الملفوف.
وقال ابن سراقة: من اختلاف قولَيْه في اللقيط إذا قذف وادعى أنه عبد.
قاله الماوردي.
وفي "النهاية" حكاية طريقة أخرى: أنه إن عُرِفَ له حال جنون، فالقول قوله، وإن لم يعرف فقولان.
فتحصلنا على ثلاثة أقوال في المسألة.
قال الإمام: ومثل هذا الخلاف يجري فيما لو أقرَّ ببيع أو غيره من عقود المعاملات، ثم قال: أردت أني بعت في حال جنوني [أو صباي]، لكن دعوى الصِّبا مثل حال الجنون إذا عرف، وفي "الحاوي": الجزم بقبول قوله إذا عرف له حال جنون، وكان ثبوت القذف عليه بإقراره، واتصل به: [إنه صدر مني في حالة الجنون]، وحكاية القولين فيما إذا ثبت [القذف] بالبينة، فقال عند ثبوته: كنت عند قذفي مجنوناً، ولم يتعرض لنية بحاله [.....]. قال: فإن عَفَا عن ذلك، أي: ولم يكن هناك ولد- لم يلاعن؛ لأن اللعان حجة ضرورية؛ إنما يستعمل لغرض مهم: وهو قطع النسب، ودرء العقوبة، وقد انتفى ذلك.
قال: وقيل: له أن يلاعن لغرض قطع النكاح، ولدفع عار الكذب، والانتقام منها بإيجاب حد الزنى عليها، وإلصاق العار بها.
قال: وليس بشيء؛ لأن هذه الأغراض ضعيفة، وقطع النكاح ودفع العار عن نفسه متيسر بالطلاق.
ويجري الخلاف فيما لو أقام البينة على زناها، أو صَدَّقته، أو حُدَّ وأراد أن يلاعن لأجل الفرقة، كذا قاله المتولي.
ووجَّه القاضي الحسين قول الجواز بأن اللعان يفيد وقوع الفرقة، وتأبُّدَ التحريم،

ونفي الولد، ودرء الحدّ، [وإيجاب الحدّ عليها]؛ فبأن يفيد أحدها [أولى]؛ لأن ما قدر على الكثير كان على القليل أقدر.
قال: وإن لم يطالب ولم يعفُ، فقد قيل: له أن يلاعن، وهو ظاهر كلام الشافعي على ما حكاه المتولي، وبه قال أبو إسحاق، ورجحه الإمام.
وقال: إنه المذهب الصحيح؛ لأن الحدّ واجب عليه [في ظاهر الحكم]، ولها المطالبة متى أرادت؛ فكان له إسقاطه؛ كرجل ثبت عليه دين، وله حجة على الإبراء، له أن يقيمها وإن كان صاحب الدين لا يطالبه، كذا قاله المتولي، وفيه نظر.
قال: وقيل: ليس له أن يلاعن، وهو ما رواه المزني عن الشافعي؛ فإنه قال: ليس عليه أن يلتعن حتى تطلب المرأة حدّها.
ورجَّحه الجمهور على ما حكاه الرافعي؛ لأنه لا نسب، والحدّ غير مطلوب، وإنما يصار إلى اللعان إذا أرهقته الضرورة إليه.
والقائل الأول قال: النص دال على عدم الوجوب، ولا يمنع الجواز، وهو ما ادعيناه.
ثم لا فرق في جريان الخلاف بين أن يكون الطلب ممكناً في الحال كما إذا كانت الزوجة مكلفة، أو لا: كما إذا كانت صغيرة أو مجنونة، وادعى البندنيجي أن المذهب جواز لعانه في حال الصبا، وادعى ابن الصباغ أن الأصح جواز اللعان فيما إذا كانت مجنونة، وأنه ظاهر كلام الشافعي؛ موجّهاً ذلك بأنه حجة [له] يسقط بها حقّاً؛ فكان له ذلك كقضاء الدين.
وقال الرافعي: إن رُتب الوجهان في الصغيرة والمجنونة على الوجهين في السكوت كانت هذه أولى بالمنع؛ لأنه لا يتوقع الطلب إلا بعد البلوغ والعقل، وهناك يتوقع لحظة فلحظة.
وإن رُتبا على الوجهين في صورة العفو كانت هذه أولى بالجواز؛ لأن الطلب يُتوقَّع في الجملة.
[فرع: إذا لاعن عند قذف الصغيرة التي يمكن جماعها، فبلغت- فهل لها أن تلاعن؟ فيه وجهان في "الحاوي"].

قال: وإن قذفها بالزنى، ومثلها لا يوطأ: كابنة سَبْعٍ، عُزِّر؛ للمنع من الإيذاء، والسبِّ، وزجراً عن الخوض في الباطل.
قال: ولم يلاعن، أي: وإن بلغت وطلبت؛ لأن اللعان لإظهار الصدق، وإثبات الزنى، وكذبه مقطوع به، وفيه وجه حكاه الإمام وغيره: أنه يلاعن.
وقد أُجْرِيَ مثل هذا الخلاف فيما إذا قال للبالغة: زنى بك ممسوحٌ أو صبيٌّ ابن شهرٍ، أو قال للرتقاء [أو] القرناء: زنيت.
قال: وإن قذفها وهي زانية، أي: ثبت زناها بإقرارها أو بالبينة- عُزِّر؛ لأنه آذاها بما تكره؛ فعُزِّر كما إذا قذف صغيرة.
قال: ولم يلاعن على المذهب، أي: الذي رواه المزني؛ فإنه قال: [عُزِّر] إن طلبت ذلك، ولم يلتعن؛ لأن اللعان لإظهار الصدق، وإثبات الزنى، والصدق ظاهرن والزنى ثابت؛ فلا معنى للعان.
وقيل: يلاعن؛ دفعاً للعقوبة كما في تعزير التكذيب، وأيضاً؛ فلقطع النكاح، ودفعاً للعار، ومستند قائله ما رواه الربيع؛ فإنه قال: يعزر إن طلبت ذلك؛ إن لم يلتعن.
فجعل عدم الالتهعان شرطً التعزير، وذلك يشعر بأن له أن يلاعن.
وقد أُبت القولين ابن القطان، وابن سلمة، والداركي، والأصح منهما: الأول، وبه قطع أبو إسحاق والقاضي أبو حامد، وجعلا ما رواه الربيع من كيسِهِ.
قال الرافعي: وهذا الطريق أظهر، وقطع بعض الأصحاب بالقول الثاني، والقائلون به اختلفوا في تأويل رواية المزني: فمنهم من جعل قوله: ولم يلتعن، معطوفاً على قوله: إن طلبت، لا على قوله: عُزِّر، وكأنه قال: عزر إن طلبت التعزير، وامتنع هو من اللعان.
ومنهم من حمله على ما إذا قذفها بزنى أضافه إلى ما قبل الزوجية، وأقام عليه البينة، ثم أعاد القذف بذلك الزنى.
فائدة: ظاهر النص أن اللعان مشروط بطلبها، وفيه وجه حكاه الإمام وغيره: أن

للقاضي أن يطلبه ويستوفيه، وهو جارٍ في هذا النوع من التعزير.
قال: وإن قذف امرأته ولم يلاعن؛ فحُدَّ، ثم قذفها ثانياً- أي بذلك الزنى- عُزّر؛ لما في ذلك من الإيذاء، ولا يجب عليه الحد؛ لأن الحد إنما يجب بالقذف، والقذف: ما احتمل الصدق والكذب، وهذا قد ظهر كذبه في هذا القذف؛ لعجزه عن إقامة البينة واللعان عليه.
قال: ولم يلاعن؛ لأنه تعزير أدبٍ وسبّ، وفيه الوجه المذكور في نظائره، أما لو قذفها بغير ذلك الزنى فهل يجب الحدُّ أو التعزير؟ فيه وجهان: أصحهما عند البغوي الاثني، وعند أبي الفرج الزاز الأول، وهل له أن يلاعن لإسقاط العقوبة؟ فيه وجهان، أصحهما: لا؛ لظهور كذبه بالحدّ، ولو قذف زوجته ولاعن، ثم قذفها ثانياً بذلك الزنى، أو أطلق- لم يجب عليه إلا التعزير للأذيَّة.
ولا فرق بين أن تكون قد لاعنت لإسقاط الحدّ عنها أو لا.
وإن قذفها بزنى آخر فهل يجب عليه الحدّ؟ فيه وجهان: أصحهما، فيما إذا لم تكن لاعنت باتفاق الأصحاب: أنه لا يجب إلا التعزير.
وأصحهما: فيما إذا كانت لاعنت عند الغزالي والشيخ أبي علي والمتولي: وجوب الحدِّ، وهو الذي أورده ابن الصباغ، وقال الرافعي: إنه أقرب.
وعند القاضي أبي الطيب والبغوي والروياني وجوب التعزير.
وفي "الرافعي": أن القفال وأبا علي والصيدلاني حكوا الخلاف في هذه الصورة قولين، وأن القول بوجوب الحدّ هو القديم.
وحكى- أيضاً- طريقة قاطعة بوجوب الحدّ عن ابن سريج.
ثم الخلاف- على ما حكاه المتولي- جارٍ فيما إذا قذفها بزنى أضافه إلى ما قبل اللعان، سواء كان في حال الزوجيَّة أو سابقاً عليها، وليس له على كل حال أن يسقط هذه العقوبة باللعان؛ لارتفاع النكاح.
فرع: لو قذفها أجنبي بعد لعان الزوج نظر: إن كان بغير الزنى الذي قذفها به الزوج، حُدَّ، وإن كان به ولم تلاعن هي فوجهان، وإن لاعنت وجب، وقيل: على الخلاف، والأظهر: الوجوب.
قال: وإن قذفها وانتفى عن ولدها، لاعن: أما إذا عيّن الزاني؛ فلقصة هلال بن

أمية، وأما إذا لم يعينه؛ فلقصة عويمر العجلاني.
قال: وإن قذفها وانتفى عن حملها، فله أن يلاعن؛ لحديث هلال بن أُميَّة، فإنه لاعن عن الحمل قبل وضعه، وله أن يؤخر إلى أن تضع؛ ليلاعن على يقين.
وفي طريقة المراوزة حكاية طريقة أخرى: أن لعانه في حال الحمل يخرج على قولين تأتي حكايتهما من بعد، وسنذكر الفرق بينهما ثَمَّ.
ثُمَّ هذا إذا لم يقم البينة على زناها، [أما إذا أقام البينة على زناها] فقد نص الشافعي على أنه لا يلاعن حتى تضع.
واختلف الأصحاب على طريقين: فمنهم من جزم بما نص عليه، ومنهم من خرجه على قولين.
قال: وإن انتفى عن ولدها، وقال: وطئك فلان بشبهة، أي: وصدقه فلان، وادعى الولد- عرض على القائف، ولم يلاعن لنفيه؛ لأن له طريقاً آخر ينقطع به النسب، وهو العرض على القائف وإلحاقه بفلان، وإنما يُصار إلى نفي النسب باللعان إذا لم يكن للإسقاط طريق آخر؛ ألا ترى أن ولد الأمة لا ينتفي باللعان على الأصح؛ لإمكان نفيه بدعوى الاستبراء؟! وهذه طريقة الشيخ أبي حامد، وادّعى الرافعي أن عليها الأكثرين.
فإن ألحقه القائف بفلان لحقه، وإن ألحقه بالزوج فله إذ ذاك أن يلاعن، وكذا إن لم يكن قائفٌ فإنه ينتظر بلوغ الولد: فإن بلغ وانتسب إلى فلان لحقه، وإن انتسب إلى الزوج كان له أن يلاعن، وإن لم يصدقه فلان على الوطء أو لم يدّع الولد، فالولد ملحقٌ بالنكاح، وللزوج نفيه باللعان.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل