كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 158-197
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الشهادات

صفحات 158-197
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ثم قد يقال: إنه احترز بما ذكره عما إذا ردت شهادته في القذف، لنقصان العدد إذا أوجبنا عليه الحد، فإنه لا يجب الاستبراء عند الجمهور، ولا يقال: إن نفس إقدامه على الشهادة بذلك معصية، لأن العدد لو تم عمل بقوله، ولو كان نفس الإقدام معصية لما عمل به، لما سنذكره عند الكلام في حد شهود القذف، لكن إطلاق الأصحاب القول بتفسيقه بناء على إيجاب الحد عليه يدل على أنه معصية، وحينئذ فيكون كلام الشيخ يشمله، ويقتضي وجوب الاستبراء، وهو خلاف ما أورده الأصحاب كما عرفته.
واعلم أن التوبة في الباطن التي تتبعها التوبة في الظاهر المرتب عليها غفران الذنب وغيره تحصل- كما قال الأصحاب فيما إذا كانت المعصية لا يتعلق بها حد لله تعالى، ولا مال، ولا حق للعباد: كوطء الأجنبية فيما دون الفرج، وتقبيلها، والاستمناء، ونحو ذلك- بأمرين: الندم على ما كان، والعزم على ألا يعود إلى ذلك في المستقبل.
قال القاضي أبو الطيب: وقد يعبر عن ذلك بعبارة أخرى، فيقال: أن يستغفر الله تعالى عما مضى، ويترك الإصرار في المستقبل، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:135]، هذا هو العزم على ألا يعود، كذا قاله البندنيجي والقاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ والبغوي.
وذكر الرافعي وغيره من المتأخرين أمرًا ثالثًا: وهو ترك مثل ذلك في الحال، فإذا فعل ذلك لله تعالى قبل الحشرجة والمعانية، قبلت توبته عما ذكرناه وعن فإذا فعل ذلك لله تعالى قبل الحشرجة والمعاينة، قبلت عما ذكرناه وعن غيره بالشرط الذي سنذكره، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الآية] [الشورى:25]، وقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:31]، وقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر:3]، وقوله- عليه السلام-: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)).

وقد روى عن عمر أنه قال: بقية عمر المرء لا قيمة له يدرك [به] ما فات، ويحيي به ما مات، ويبدل حسناته سيئات.
أما إذا فعل [ذلك] بعد الحشرجة والمعاينة فلا ينفعه ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية [النساء:17].
واحترز الرافعي بقوله: ((ترك مثل ذلك في الحال)) عن الإقلاع عن معصية [خاصة] يوقعها بشخص [دون شخص]، فإن التوبة لا تحصل منها، وفيه تنبيه على مذهبنا: أنه لا يشترط في صحة التوبة عن معصية الإقلاع عن كل المعاصي كما حكاه القاضي أبو الطيب، خلافًا للمعتزلة، فإنهم اشترطوا ذلك.
وإن تعلق بالمعصية حق مالي: كمنع الزكاة، وكذا الكفارات- كما قاله البندنيجي، وفيه نظر إن لم نوجبها على الفور- وكالغضب والجنايات الموجبة للمال، فيعتبر [مع] ما ذكرناه في صحة التوبة: أن يخرج من ذلك الحق حسب الإمكان، فيؤدي الزكاة، ويرد المغصوب على الوجه المأمور به شرعًا إن كان باقيًا، وبدله إن كان تالفًا، أو يستحل فيبرئه المغصوب منه إن كان حيًا، فإن كان قد مات فعل ذلك مع وارثه.
وإن غاب وانقطع خبره، دفعه إلى قاض يعرف سيرته وديانته، فإن تعذر تصدق به على الفقراء بينة الغرامة له، [كذا] ذكره العبادي في ((الرقم))، والغزالي في غير كتب الفقه، وهذا إذا كان موسرًا، فلو كان معسرًا، عزم على الأداء إذا أيسر.
قال أبو الطيب: ومتى أيسر أداه.
فلو مات قبل أن يغرم، قال الرافعي: فالمرجو من فضل الله- تعالى جده- المغفرة.
وإن تعلق بالمعصية حق غير مالي، فإن كان حدًا لله تعالى: كما إذا زنى، أو سرق أو شرب الخمر- فإن لم يظهر ذلك بشهادة، قال القاضي أبو الطيب: فالأفضل أن يستر نفسه.

وقال القاضي الحسين: يكره أن يظهر ذلك، لقوله- عليه السلام-: ((من أصاب من هذه القاذورات [شيئًا] فليستتر بستر الله تعال، فإن من بيد [لنا] صفحته نقم فيه حد الله))، وفي هذه الحالة تحصل التوبة بما ذكرناه في الصورة الأولى.
قال الأصحاب: ولو أراد أن يبدي ذلك، ليقام عليه الحد، لم يحرم قال البندنيجي: اللهم [إلا] أن يتقادم عهد ذلك، ونقول: إن الحد يسقط بتقادم العهد، كما حكيناه قولًا في بابه، فلا يحل له التمكين من الاستيفاء، لأنه ليس هناك حد فيستوفى منه.
قال ابن الصباغ: وهكذا نقول على هذا القول: إذا اشتهر ذلك بين الناس، ولم تقم به بينة عند الحاكم.
نعم، لو ظهر بالشهادة عليه، فإنه يجب عليه أن يظهر ذلك للإمام، ليقيم عليه الحد، ولا يجوز له أن يكتم ويستر على نفسه، لأنه لا غرض له في كتمانه وقد قامت به البينة.
وفي هذه الحالة تتوقف التوبة على فعل ذلك مع ما تقدم، فإن لم يستوف منه صحت توبته، كما قاله الماوردي، وتبعه في ((البحر))، وكان المأثم في ترك الحد على من يلزمه [استيفاؤه] من الإمام أو من ينوب عنه، ولا يجري الخلاف السابق في [أن] الحد هل يسقط أم لا بتقادم العهد والتوبة، لأن محله إذا لم يثبت عند الحاكم- كما قاله الماودري هنا- أما إذا ثبت- كما صورنا- فلا يسقط قولًا واحدًا، وقد تكلمنا على ذلك في باب حد الخمر.
وإن كان حقًا للعباد، قال الماوردي: فإن لم يكن ذلك حدًا: كمن تعدى فضرب إنسانًا فآلمه، احتاج- مع ما ذكرناه في الحالة الأولى في صحة التوبة- إلى استحلال المضروب باستطابة نفسه، ليزول عنه الإثم في حقه، فإن أحله منه، وإلا مكنه من نفسه، ليقابله على مثل فعله، [لأن ذلك ما في وسعه] كما

فعل عمر- رضي الله عنه-[في الذي] ضربه حين رآه يصلي مع النساء.
وكلام القاضي الحسين موافق لذلك، وقال: إن صاحب هذا الحق إذا كان قد مات لا يأتي إلى وارثه، بل يستغفر لذلك الميت.
وإن [كان] ذلك الحق قصاصًا في نفس أو طرف أو حد قذف، فالتوبة- كما قالوا-: أن يأتي بما تقدم، ويأتي المستحق ويمكنه من الاستيفاء، فإن لم يعلم المستحق، فيجب في القصاص أن يخبره، ويقول: أنا الذي قتلت أباك، ولزمني القصاص، فإن شئت فاقتص، وإن شئت فاعف.
وفي حد القذف: هل يخبر؟ الذاي أجاب به العباد وغيره هاهنا: نعم، كما في حق القصاص.
وحكى الغزالي فيما إذا أتى ببعض كنايات القذف، وأراد القذف، ولم يحلفه المقذوف على النية- ترددًا في أنه هل يخبره بذلك، أو يخفيه ولا يؤديه؟ قال الرافعي: وفي مثله في الغيبة رأيت في ((فتاوى)) الحناطي: أنها [إذا] لم تبلغ المغتاب، كفى الندم والاستغفار، وإذا بلغته، أو طرد طارد قياس القصاص والقذف فيها- فالطريق: أن يأتي المغتاب، ويستحيل منه، فإن تعذر بموته، أو عسر لغيبة فيها مشقة- فيستغفر الله تعالى، ولا اعتبار بتحليل الورثة، كذلك ذكره الحناطي وغيره.
قال العبادي: والحسد كالغيبة، وهو أن يهوى زوال نعمة الغير، فيأتي المحسود، ويخبره بما أضمره، ويستقيله ويسأل الله تعالى أن يزيل عنه هذه الحالة.
قال الرافعي: [و] في إلزام الإخبار عن مجرد الإضمار بعد.
فرع: إذا قصر الشخص فيما عليه من الدين والمظلمة، ومات المستحق، واستحقه وارث بعد وارث- فمن المستحق له في الآخرة؟ قال القاضي الحسين في ((تعليقه)): إن كان صاحب الحق قد ادعاه فجحده من هو عليه، وحلف عليه- فلا خلاف أنه يكون للأول في القيامة.
وإن كان صاحب الحق لم يحلفه، فثلاثة أوجه: أحدها: أنه للأول، وهو الصحيح، وعليه ينطبق قول أبي عبد الله الحناطي

لما سئل عن ذلك حيث قال: يرثه الله تعالى بعد موت الكل، ويرد إليه في القيامة.
والثاني: أنه يكون للكل.
والثالث: أن ذلك يكون للأخير، وأن لمن فوقه إلى الأول ثواب المنع، ويقرب من هذا ما حكي عن ((الرقم)): أنه يكتب الأجر لكل وارث، ثم يكون الثواب لمن بعده.
وقد حكي عن رواية أبي عبد الله الحناطي وجه: أنه لآخر من مات من الوارثين.
ولا خلاف- كما قاله القاضي الحسين وغيره- في أنه لو دفع [الحق، أو خرج منه إلى بعض الوارثين عند انتهاء الاستحقاق إليه، أنه يخرج] عن المظلمة إلا بما سوف وماطل، وكذا إذا أبراه ذلك الوارث، والله أعلم.
قال: وإذا شهد الكافر، أو الصبي، أو العبد في حق، فردت شهادتهم، ثم أسلم الكافر، وبلغ الصبي، وعتق العبد، وأعادوا تلك الشهادة- قبلت، لأنه لا عار على هؤلاء فيما لأجله ردت شهادتهم، فإن الكافر يناظر على دينه، ويفتخر به، والصبي والعبد ليس الصبا والرق إليهما، فإذا كان كذلك لم يلحقهم تهمة في الإعادة في حال الكمال.
وأيضًا: فإن [رد] شهادتهم ثابت بالنص، ولم يكن للاجتهاد فيه مساغ، ولم يجب الإصغاء إليها، فكان جودها كعدمها، ولو لم ترد حتى أسلم، وبلغ، وعتق- قبلت، فكذلك في هذه الحالة، وهذا يوضحه ما ذكرناه عند الكلام في قول الشيخ: فإن كانوا فساقًا، قال للمدعي: زدني في الشهود.
ثم لا فرق فيمن ردت شهادته للكفر ثم أسلم وأعادها بين أن يكون متظاهرًا بكفره أو كاتمًا له.
وعن كتاب ابن كج حكاية وجهين في قبول شهادة المتكاتم.
وقال الرافعي: إن قضية كلام الأصحاب تقتضي المنع.
وكذا لا فرق فيمن ردت شهادته للرق، ثم أعادها بعد الحرية بين أن يكون قنًا

أو مكاتبًا، يشهد لسيده أو لغيره، كما قاله القاضي الحسين.
قال: وإن شهد الفاسق، أو من لا مروءة له، فردت شهادته، ثم تاب، وحسنت طريقته، وأعاد تلك الشهادة- لم تقبل، لأنه يتغير برد شهادته بسبب فسقه الصادر منه، فلا يؤمن أنه أصلح حاله [وأرى] الناس العدالة، ترويجًا لشهادته، ولدفع العار عن نفسه.
قال القاضي الحسين: ولأن رد شهادة الفاسق إنما كان بالاجتهاد، ويجوز أن يكون هو صادقًا في الشيء المشهود به، فرده تعلق باجتهاد القاضي، فلو قبلت شهادته المعادة، لأجل عدالته، وهي أيضًا مدركة بالاجتهاد- لأدى إلى نقض الاجتهاد [بالاجتهاد]، وهذا ما نص عليه الشافعي في الصورتين.
وعن المزني وأبي ثور: أن شهادة الفاسق إذا تاب، وأعادها، قبلت، كما في شهادة الكافر ونحوه.
والفرق على المذهب ما ذكرناه.
قال ابن الصباغ: وقد ذكر في ((التعليق)) فرقًا آخر: وهو أن المانع من قبول الشهادة في حق الكافر والصبي والعبد قد زال قطعًا، بخلاف الفاسق.
قال: وهذا ليس بصحيح، لأنهم سواء في قبول شهادتهم في غير هذه الشهادة، وإن اختلفا فيما ذكر، والراجح عن الشهادة [أداءً حكمه] في إعادة تلك الشاهدة حكم الفاسق فيما ذكرناه.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في الفاسق بين المتكلم لفسقه، أو المتظاهر به والمعلن، وهو ما جزم به القاضي أبو الطيب حيث ذكر حكم المتكاتم كما ذكرناه، وألحق به المتظاهر بالفسق.
وقال القاضي الحسين في موضع: إنه لا خلاف في قبول شهادة المعلن بالفسق، المعادة بعد التوبة.
وهو قضية التعليل الذي حكيناه عنه، لأن الرد في هذه الحالة لم يكن بالاجتهاد، بل هو ملحق برد شهاد الكافر، ولذلك قال الماوردي بعد ذكره [مثل] ما ذكرناه عن القاضي في تعليل المسألة الثانية:

وقضية هذه العلة سماع شهادة المعلن بالفسق إذا أعادها بعد التوبة، ولو قيل به لكان وجهًا.
لكن هذا الكلام منه يقتضي أن المذهب عدم القبول فيه.
وكذلك حكى الرافعي: أن الروياني اختاره بعد أن قال: إنه ينسب إلى ابن أبي هريرة، وروى وجهًا آخر معه، وذكر أنه منسوب إلى أبي إسحاق: أنها تقبل، وأن القاضي أبا الطيب اختاره.
والرافعي في ذلك متبع لابن الصباغ، فإنه [قال: إن] القاضي أبا الطيب قال: إنها تسمع، كشهادة الكافر.
والذي رأيته في ((تعليقه)) ما ذكرته أولًا، [ولا] فرق بينه وبين الكافر ومن في معناه، لأن ذلك لا يتغير بأول شهادة ردت [له]، ولا ما بعدها، بخلاف المعلن بالفسق، فإنه إذا ردت شهادته في أول مرة تلحقه منقصة.
وقد حكى القاضي الحسين في المسألة الوجهين أيضًا في موضع آخر، كما حكاهما غيره من المراوزة.
فرع: إذا ردت شهادة شاهدي الفرع لفسق شاهد الأصل، ثم حسنت حاله، فأعادا تلك الشهادة، أو أعادها هو بنفسه- لم تقبل.
قال القاضي الحسين: وكذا لو شهد على شهادته غير هذين الشاهدين قبل أن ترد شهادة هذين، أو بعده، فجاءا فشهدا- لم تقبل.
وقد نسب الرافعي هذا النقل إلى ((أمالي)) أبي الفرج، وقال: إن شهادة شاهدي الفرع لو ردت، لفسقهما، ثم أعادها شاهد الأصل، أو غيرهما- قبلت، وهو كذلك في ((تعليق)) القاضي أيضًا.
فرع: إذا شهد العدو على عدوه، فردت شهادته، ثم زالت العداوة، وأعادها فعن أبي إسحاق: أنها لا تقبل، وهو الذي صححه- كما قال الرافعي- في ((المهذب))، و ((التهذيب)).
وعن أبي إسحاق: أنها تقبل، كذا قاله القاضي الحسين، ولم يورد البندنيجي في كتاب اللعان غير الوجه الأخير.

قال: وإن شهد الوارث لمورثه بالجراحة قبل الاندمال، فردت شهادته، ثم اندمل الجرح، وأعاد [تلك] الشهادة- فقد قيل: تقبل، لأن شهادته إنما ردت خشية من موته من تلك الجراحة، فيكون كأنه شهد لنفسه، فإذا برئ زال هذا [المعنى، وهذا] ما اختاره في ((المرشد)).
وقيل: لا تقبل، كشهادة الفاسق إذا أعادها بعد التوبة، لأنهما جميعًا ردا، لأجل التهمة، وهذا ما قال به أبو إسحاق، واختاره النواوي، وقيل: إنه ظاهر المذهب، ولم يحك القاضي الحسين في باب الشهادة على الجناية غيره، وطرده فيما إذا شهد بالجراحة قبل الاندمال وهو وارث، ثم حدث للمجروح ابن يحجبه، فأعاد تلك الشهادة.
وفي ((الحاوي)) حكاية الوجهين في هذه الصورة أيضًا.
قال القاضي أبو الطيب: والقائلون بالأول فرقوا بأن العلة المانعة لقبول شهادته قد زالت يقينًا، وهو كونها غير مندملة، خشية حصول المشهود به [له]، وليس كذلك الفسق.
وقد نسب القاضي الحسين هاهنا القول بعدم القبول إلى القفال، وقال: إن أصحابنا ذكروا في المسألة وجهين، كالسيد إذا ردت شهادته لمكاتبه، فعتق، وأدى السيد تلك الشهادة، هل تقبل أم لا؟ فيه قولان.
وفي ((الشامل)) حكاية القبول في مسألة المكاتب عن بعض الأصحاب، ومقابله إلى تخريج ابن القاص، ولأجل ذلك حكى الفوراني وغيره الخلاف في المسألة وجهين، واختار في ((المرشد)) منهما القبول.
وكذا الخلاف يجري- كما حكاه القاضي عن ابن سريج- فيما إذا شهد المولى لعبده بما لا يعود نفعه إليه: كالنكاح، فردت شهادته، ثم عتق العبد، فأعاد السيد تلك الشهادة، فهل تقبل؟ فيه قولان: والأصح: لا، لأن الرد كان للتهمة.
ومقابله منسوب في ((الرافعي)) إلى ابن القاص.
والخلاف جارٍ- أيضًا، كما قال الرافعي- فيما لو شهد اثنان من الشفعاء بعفو

شفيع ثالث قبل أن يعفوا، فردت شهادتهما، ثم أعادها بعد عفوهما.
ومن ردت شهادته لوقوعها قبل الاستشهاد، ثم أعادها بعده، هل تسمع؟ سيأتي الكلام فيها، إن شاء الله تعالى.
قال: ويقبل في المال وما يقصد به المال: كالبيع، والإجارة، والرهن، والإقرار، والغصب، وقتل الخطأ- رجلان، ورجل وامرأتان، لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:282]، فكان محمولًا على عمومه في كل حق إلا ما خصه دليل، قال القاضي أبو الطيب: ولأنه إجماع.
ولا فرق في شهادة الرجل والمرأتين بين أن تتقدم شهادة الرجل أو تتأخر، صرح به القاضي أبو الطيب، والحسين، والإمام.
وكذا لا فرق بين أن يقدر على رجلين، أو لا يقدر إلى على رجل وامرأتين، لم يختلف أصحابنا في ذلك.
والخنثى المشكل في هذا المقام كالمرأة.
قال: وشاهد ويمين المدعي، لما روى الشافعي بسنده عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: ((أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قضى باليمين مع الشاهد))، قال عمرو: في الأموال.
وهذا الخبر وإن كان منقطعًا، لأن عمرًا لم يلق ابن عباس، فقد رواه خالد

الزنجي، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، كما خرجه مسلم.
ورواه الشافعي من حديث آخر عن أبي هريرة: ((أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قضى باليمين مع الشاهد)).
وروى من طريق آخر عن علي بن أبي طالب: ((أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى بالشاهد الواحد مع يمين من له الحق)).
وروي عن غيره- أيضًا- ومجموع من رواه من الصحابة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- كما قال الماوردي- ثمانية: علي، وابن عباس، وأبو هريرة، وجابر، وعبد الله بن عمرو ابن العاص، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وسعد بن عبادة، رضي الله عنهم.

وروى الدارقطني في ((سننه)) حديثًا أسنده إلى أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((استشرت جبريل- عليه السلام- في القضاء [باليمين مع الشاهد]، فأشار علي بذلك في الأموال لا يعدو يذلك)).
وهذا هو ظاهر المذهب، كما قال في ((البحر))، سواء تمكن من البينة الكاملة أو لم يتمكن.
ولم يحك القاضي [أبو الطيب] في باب عدد الشهود في ضمن تعليل الحكم في مسألة منه سواه.
وفي ((الحاوي): أن هذا إذا لم يتمكن من البينة الكاملة، وهي شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، فإن تمكن من ذلك ففي الحكم بالشاهد واليمين وجهان.
وعلى المشهور: هل يشترط تقديم شهادة الشاهد وتزكيته [على اليمين، أم يجوز تقديم اليمين على شهادة الشاهد وتزكيته؟] المذهب في ((تعليق)) القاضي أبي الطيب- وقال: إنه الذي عليه عامة أصحابنا-: الأول، ولم يحك القاضي الحسين والإمام ومن تبعه سواه.
وحكى القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما عن ابن أبي هريرة: أنه يجوز أن يحلف قبل إقامة الشهادة وقل التزكية.
وللإمام احتمال في جواز الحلف بعد إقامة الشهادة وقبل التزكية.

قلت: ويمكن بناء الوجهين [على الوجهين] في أن المدعي هل يحتاج في يمينه على تصديق الشاهد، فيقول: والله إن شاهدي لصادق فيما شهد [لي] به، وإني مستحق لكذا، أو يكفيه الاقتصار على الحلف على الاستحقاق؟ وفيه خلاف حكاه صاحب ((البحر)) هاهنا، والماوردي في باب صفة اليمين، وحكيته عن رواية الإمام في باب صفة القضاء عند الكلام في [باب] القضاء على الغائب.
فإن قلنا بالاحتياج إلى تصديق الشاهد كما حكيته عند الكلام في نكول المدعي عن اليمين عن القفال، وهو الذي أورده [ابن] الصباغ في باب الامتناع من اليمين والإمام هنا، [و] ادعى أن الأصحاب لم يختلفوا فيه، وتبعه الغزالي، والرافعي، ووجه ذلك بأن اليمين والشاهد حجتان مختلفتا الجنس، [فاعتبر] ارتباط إحداهما بالأخرى، لتصيرا كالنوع الواحد- فيظهر أن يقال: لا بد من تقدم الشهادة، ليقع التصديق بعدها.
وإن قلنا: لا نحتاج إلى تصديق الشاهد، كما حكاه ابن أبي الدم عن الإصطخري، ووجهه الماوردي بأن يمينه بمثابة الشاهد الآخر، وليس يلزم الشاهد أن يشهد بصدق الآخر- فيظهر أن يقال بمجيء الخلاف في جواز تقديم اليمين على الشهادة.
[ثم] قال الإمام تفريعًا على الاحتياج إلى تصديق الشاهد في اليمين: ولو قد ذكر الحق، وأخر تصديق الشاهد، فلا بأس، ولم أر أحدًا يضايق فيه.
فرع: إذا حصل القضاء عند وجود الشاهد واليمين، فهل يستند إلى الشاهد فقط، أو إلى اليمين فقط، أو إليهما؟ فيه ثلاثة أوجه، أصحها: ثالثها، وهو الذي ينتظم عليه تعليل الأصحاب اشتراط التعرض لصدق في اليمين، كنا قال الرافعي.
وتظهر فائدة الخلاف في الغرم عند الرجوع، فإن قلنا بالشاهد فقط كان الغرم عليه عند رجوعه، وإن قلنا باليمين فقط فلا شيء على الشاهد، وللإمام احتمال فيه أخذه من تغريم شهود التزكية، لأن به حصل ترويج اليمين، كما

حصل بهم ترويج شهادة الشاهد.
وإن قلنا باليمين والشاهد، كان عليهما.
وقال ابن أبي الدم: إن الشيخ أبا على قال: إذا قلنا: إن القضاء استند إلى الشاهد فقط، فلا صائر إلى أنه يغرم الكل، وهذا يدل على ضعف هذا الوجه.
وقد عد الأصحاب مما يثبت بالشاهد واليمين حق الخيار، والفسخ بالرد بالعيب، والإقالة، والفلس، والضمان، والشفعة، والمساقاة، والمسابقة، وحصول السبق فيها، وقبض المال، والرجوع في التدبير، وعجز المكاتب عن أداء النجوم، ووجوب المهر بوطء الشبهة، وكذا بتسميته في النكاح بعد التوافق عليه، وثبوت طاعة المرأة، لاستحقاق النفقة، واستحقاق الصيد بإزمانه، والسلب بقتل الكافر، وجناية العمد التي لا توجب قصاصًا، لاقتران، المسقط بها: كقتل الوالد الولد، والمسلم الكافر، والحر العبد، وكالجائفة، والهاشمة، والمنقلة إذا لم يتقدمها إيضاح، وكذا ما قبل الموضحة إذا لم نوجب فيه القصاص.
أما إذا كانت [الجناية] توجب القصاص، لكنه عفى عنه، وأراد إثباتها باليمين مع الشاهد، أو بالرجل [والمرأتين- فوجهان]: أصحهما في الحاوي: الثبوت، لأنه لا قصاص، والمقصود المال.
قلت: ويؤيده ما ذكرناه: أن الجديد: أن الواجب في قتل العمد أحد الأمرين، وأنه إذا اختار أحدهما حكمنا بأنه الذي كان وجب بالقتل.
وأصحهما في الرافعي، ولم يحك القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وكذا البندنيجي غيره، وعزاه إلى نصه في ((الأم)) -: المنع.
وحكى عن أبي بكر الطوسي طريقة قاطعة به، لأنها في نفسها موجبة للقصاص لو ثبت، ولأنه ينبغي أن يثبت القصاص حتى يكون للعفو اعتبار.
ولو أقام على الهاشمية والمنقلة المسبوقة بالإيضاح شاهدًا وامرأتين، أو شاهدًا ورام الحلف معه- فالنص: أنه لا يثبت أرش الهاشمة والمنقلة بذلك، بل لابد من شهادة رجلين.
والنص فيما إذا رمى إلى زيد، ومرق السهم منه، وأصاب غيره: أنه يثبت

الخطأ الوارد على الثاني برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين.
وفيهما طريقان: أحدهما: أن فيهما قولين: أحدهما: ثبوت الهشم، وقتل الخطأ برجل وامرأتين، وإن لم تثبت الموضحة وقتل العمد.
والثاني: المنع، لاشتمال الجناية على ما يوجب القصاص: وهو الموضحة، وقتل العمد، وهما لا يثبتان برجل وامرأتين.
وقد حكى الماوردي هذين القولين في باب الشهادة بالجناية، وفي باب اليمين مع الشاهد [في الصورتين منصوصًا] عليهما في ((الأم)) وصحح القول بثبوت قتل الخطأ بالشاهد واليمين، وعلى ذلك جرى الرافعي، فقال: أصح] الطريقين: تقرير النصين، لأن الهشم المشتمل على الإيضاح جناية واحدة، وإذا اشتملت الجناية على ما يوجب القصاص، احتيط لها، ولم تثبت إلا بحجة كاملة.
وفي صورة مروق السهم، حصلت جنايتان لا تتعلق إحداهما بالأخرى.
وذكر الإمام أن المدعي لو قال: أصاب سهمه الرجل الذي قصده، ونفذ منه إلى أبي، فقتله، ولم تكن الجناية الأولى متعلق حق المدعي- فيجب القطع بثبوت الخطأ بالبينة الناقصة، ومحل التردد ما إذا كانت الجناية الأولى متعلق حق المدعي.
قال: وفيه احتمال، لأن الجناية في الجملة عمد منفض إلى خطأ.
وذكر أنه لو ادعى [أنه] أوضح رأسه، ثم عاد وهشمه- ينبغي أن يثبت موجب الهاشمة رجل وامرأتين، لأنها لم تتصل بالموضحة، ولم تتحد الجناية.
وذكر في ((الوسط)): أنه لا خلاف: أنه لو ادعى قتل عمرو خطأ، فشهدوا، وذكروا مروق السهم إليه من زيد- لم يقدح في الشهادة، لأن زيدًا ليس مقصودًا بها.
وإذا قلنا بثبوت الهاشمة المسبوقة بالإيضاح، وأوجبنا أرشها- فعن صاحب ((التقريب)): أن في ثبوات القصاص في الموضحة وجهين: وجه الثبوت: التبعية، كما أن الولادة على الفراش إذا تثبتت بشهادة النسوة ثبت

النسب [تبعًا، وإن لم يثبت النسب] بشهادتهن ابتداءً، واستضعف الشيخ أبو علي والأئمة ذلك، وقالوا: الأقرب أن يقال: لا يجب قصاص الموضحة، وفي أرشها وجهان: وجه الوجوب: أنا وجدنا متعلقًا لثبوت المال، فلا يبعد أن يستتبع مال مالًا.
وقد أبعد بعض الأصحاب فقال: إذا ادعى مدع قصاصًا ومالًا من جهة لا تتعلق بالقصاص، وأقام على الدعويين رجلًا وامرأتين- لا يثبت المال، كما لا يثبت القصاص.
والمذهب المشهور: أن المال يثبت وإن لم يثبت القصاص.
وقد عد مما يثبت بالشاهد واليمين: الديون، والحوالة، والإبراء حتى من نجوم الكتابة: الأول منها والأخير، ولم يحك العراقيون سواه.
وعن رواية الموفق بن طاهر عن الربيع: أن الإبراء لا يثبت إلا بشاهدين [ذكرين، وعن غيره حكاية وجه في أن النجم الأخير من نجوم الكتابة لا يثبت إلا بشاهدي،] لترتب [العتق عليه].
والأصح في ((التهذيب)) خلافه.
والأجل يثبت بالشاهد واليمين عند العراقيين، كالخيار.
وقيل: [إنه] لا يثبت إلا بشاهدين، لأنه ضرب من السلطة، فكان كالوكالة.
قال القاضي الحسين: وهو مأخوذ من كلام الشافعي، لأنه شرط في المال الانتقال من مالك إلى مال، والأجل لا ينتقل، لأن من عليه الأجل إذا مات بطل.
والصحيح الأول.
والقراض ملحق في ((الشامل))، وكذا في ((تعليق)) أبي الطيب في باب الشهادة على الجناية- بما المقصود منه المال.
والشركة في ((الوسيط)) ملحقة به أيضًا.
وحكى ابن أبي الدم: أن القاضي الحسين قال: عقد القراض والشركة لا يثبت إلا بشاهدين، وبه أجاب في ((التهذيب)).

وقال الرافعي: إنه الأظهر، لأنه إثبات وكالة على المال المشترك.
قال ابن أبي الدم: وهذا يقوله القاضي تفريعًا على المذهب، وإلا فمن مذهبه، أن الوكالة بالمال تثبت بالشاهد والمرأتين، والشاهد واليمين، فعقد القراض والشركة أولى.
وعن رواية القاضي ابن كج حكاية وجه: أن الرهن لا يثبت إلا بشاهدين.
والتقويم ملحق عند أبي إسحاق المروزي بما نحن فيه، فيثبت بالشاهد [والمرأتين، والشاهد] واليمين.
وقال ابن أبي هريرة: [لا مدخل للنساء فيه].
وقال الزبيلي: قال أبو الحسن: والأولى قول أبي إسحاق.
قال: وأما الوقف فقد قيل: يقبل فيه ما يقبل في المال، أي: وإن قلنا: إنه ينتقل إلى الله تعالى، لأن المقصود منه تمليك الموقوف عليه منفعة الوقف، فأشبه الإجارة، وهذا قول ابن سريج وأبي الطيب بن سلمة، وينسب إلى النص هاهنا، ورجحه الإمام والبغوي والنواوي.
وقيل: إن قلنا: إنه ينتقل إلى الآدمي قبل، [كالبيع].
وإن قلنا: [إنه] ينتقل إلى الله تعالى، لم يقبل، كالعتق، وهذا قول أبي إسحاق.
قال الرافعي: وإلى ترجيحه مال العراقيون، ونسبوه إلى عامة الأصحاب.
وقال الغزالي: إنه بعيد غير معتد به.
وكلام الماوردي يقتضى ترجيح الأول، فإنه قال: إن القائلين به فرقوا بين بين الوقف على القول بالانتقال إلى الله تعالى، وبين العتق بفرقين:

أحدهما: أن أحكام الملك باقية على الوقف في ضمانه باليد، وغرامته بالقيمة، وزائلة عن المعتق، لأنه لا يضمن باليد، ولا يغرم بالقيمة.
والثاني: أن المقصود بالوقف تمليك المنفعة التي هي مال، والمقصود بالعتق كمال أحكامه في ميراثه، وشهادته، وولايته.
وفي ((حلية)) الشاشي في كتاب الوقف طريقة أخرى، وهي إن قلنا: إن الوقف ينتقل إلى الله تعالى، لم يقبل إلا شاهدان، وإن قلنا: إنه ينتقل للموقوف عليه، فوجهان.
ولا خلاف أنه لو ادعى ورثة ميت على رجل أنه غصب هذه الدار، وكانت لأبينا وقفها علينا، أو على فلان منا، وأقاموا شاهدًا، وحلفوا معه-: أنه يثبت الغصب بذلك، وكذا الوقف إن قلنا: إنه يثبت بالشاهد واليمين، [وإن قلنا: لا يثبت بالشاهد واليمين]، كان ثبوته في هذه الصورة بالإقرار.
وقد فرع الشافعي على القول بثبوت الوقف بالشاهد واليمين فروعًا، وذلك مما يدل على أنه رآه الصحيح، لأن الأصحاب قالوا ذلك: فمنها: إذا ادعى شخص أن أبي وقف داره هذه علي وعلى أخوي [دون غيرنا] من ورثته، فإذا انقرضنا فعلى أولادنا ما بقوا، ثم على الفقراء، وصدقه أخواه، وكذبهم بقية الورثة، فأقاموا شاهدًا واحدًا بذلك.
هكذا صور المسألة ابن سريج، وأبو إسحاق، والقاضي أبو حامد، وقالوا: إن كلام الشافعي محمول عليها، قال الأصحاب: وهو الصحيح، ولهم [بعد ذلك] ثلاث أحوال: إحداها: أن يحلفوا معه، فيثبت لهم مدة حياتهم، فإذا انقرضوا في حالة وحدة، انتقل إلى أولادهم، لكن بيمين من جهتهم، أم يكفيهم يمين آبائهم؟ فيه وجهان في الطريقين، وبناهما القفال وطوائف من الأصحاب على أن الوقف ينتقل إلى البطن الثاني من الواقف كما انتقل للبطن الأول منه، أو ينتقل إليهم من البطن الأول؟ وفيه خلاف مشهور.
فعلى الأول: يحتاجون إلى الحلف، كما احتاج إليه البطن الأول، وهو الذي [قال به] ابن سريج، كما حكاه الماوردي وغيره.

وقال البندنيجي: إن ابن سريج حكاه وجهًا، وإنه ليس بشيء.
وقضية البناء المذكور أن يكون هو الصحيح، لأن الصحيح أنهم يتلقون من الواقف، وسنذكر عن ابن الصباغ ما يعضده.
وعلى الثاني لا يحتاجون إلى اليمين كما لو كان ذلك في ملك، ثم انتقل إلى وارث الحالف، فإنه لا يحتاج إلى اليمين، ولأن البطن الأول قد استقلوا بإثباته، فأشبه ما لو أقاموا شاهدين، وهذا قول أبي إسحاق وغيره، وهو ظاهر المذهب، والأصح عند الماوردي، والشيخ أبي حامد ومن في طبقته، ولأجل ذلك قال البندنيجي والقاضي أبو الطيب: إنه المذهب الصحيح.
وعلى هذا الخلاف يتفرع ما إذا انقرض البطن الثاني، وانتهى المال إلى الفقراء، فعلى قول أبي إسحاق، يصرف المال إليهم، وعلى قول ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: يصرف إليهم، للضرورة.
والثاني: لا حق لهم فيه، ويعود ملكًا طلقًا، قاله الماوردي والبندنيجي وغيرهما.
وفي ((الشامل)): أن القاضي أبا الطيب ذكر في ((المجرد)) وجهًا ثالثًا حكاه الغزالي أيضًا: أن يكون وقفًا يرجع إلى قرابة الواقف، لعدم استحقاق الفقراء، كالمنقطع الآخر.
قال القاضي الحسين: وهذا الخلاف إذا كان الفقراء غير متعينين، أما إذا كانوا متعينين، فعندي حكمهم حكم الأولاد، وهذا ما أورده البغوي، وتبعه الرافعي.
قال الإمام: ولا خلاف أن البطن الثاني إذا قلنا: لابد من يمينهم، فلم يحلفوا-[أنه] لا يعود مطلقًا، ولا يسلم لمن كان في يده إذا كان البطن الأول قد ادعوه على من هو في يده، كما سنذكره.
ولو كان انقرض الإخوة واحدًا بعد واحد، فنصيب الأول يعود إلى أخويه، ونصيب الثاني يعود إلى الباقي، إذا كان الواقف قد شرط أن من مات انتقل نصيبه إلى من بقي في طبقته، وكذا لو أطلق على أحد الوجهين في ((الحاوي))،

لكن هل يحتاج من انتقل إليه شيء أن يحلف؟ إن قلنا بقول أبي إسحاق، فلا.
وإن قلنا بقول ابن سريج، فوجهان: أصحهما في ((الوسيط)) وغيره: أنه لا يحلف أيضًا، لأنه قد حلف مرة على الجملة، بخلاف الأولاد.
والوجه الآخر في حالة إطلاق الوقف: أن نصيب الميت يستحقه الفقراء والمساكين حتى ينقرض جميعهم، فيستحقه البطن الثاني، وهذا يظهر أن يكون قائله يرى بمذهب أبي إسحاق، أبو بمذهب ابن سريج، ويرى أنه يصرف الريع إلى الفقراء عند انقراض البطن الثاني، للضرورة.
والحالة الثانية: أن ينكل الإخوة الثلاثة عن اليمين، فتكون الدار تركة [في] الظاهر، فإن كان على الميت دين يستوعبها، قضى من ثمنها، وبطل وقفها.
وإن لم يكن دين، وكان ثم وصايا، قضى منها ما يحتمله الثلث.
وإن لم يكن وصايا ولا ديون، صار نصيب الثلاثة منها وقفًا بإقرارهم، وكذلك نصيبهم بعد إخراج الموصى به، وقضي الدين إن كان لا يستوعب التركة، وإذا انقرضوا انتقل إلى البطن الثاني بغير يمين، وينتقل من بعدهم للفقراء، كذا قاله الماوردي والقاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ.
قال الرافعي: والذي ذكره القاضي ابن كج والإمام والبغوي في كتبهم: أنها لا تصرف إلى أولادهم بغير يمين، يعنون: على سبيل الوقف، ولا يكون إقرار الأولين لازمًا عليهم.
قال الرافعي: ويمكن أن يكون هذا الاختلاف مبينًا على أن البطن الثاني يتلقون من الواقف، أو من البطن الأول؟ قلت: كلام الإمام يأباه، لأنه نفي استحقاقهم عند عدم حلفهم بلا خلاف، وقال فيما إذا حلفوا: في استحقاقهم قولان، بناء على أنهم يتلقون من الواقف، أو من البطن الأول؟ فعلى الأول: يستحقون، إذا حلفوا، وعلى الثاني: لا، [وكذا قاله البغوي والغزالي في ((الوسيط)).

وقضية كلام الرافعي على الثاني: نعم، بل الجمع بين النقلين أظهر من ذلك، لأن صورة المسألة التي قال فيها الماوردي وغيره ما ذكرناه: إذا ادعى بعض الورثة أن أباهم وقفها عليهم دون باقي الورثة، وهي في يد الورثة، وصورة المسألة التي قال فيها الإمام ما ذكرناه: إذا ادعى ثلاثة على رابع في يده دار: أن أباهم وقفها عليهم، وكانت ملكه إلى حين الوقف، ونكلوا، وماتوا، فلا تصرف للبطن الثاني بلا يمين، لأن البينة لم تكمل حتى تنتزع الدار من صاحب اليد المدعي ملكها، بخلاف الصورة السابقة، لأن للناكلين عن اليمين بعد دعوى الوقف يدًا على بعضها، فلذلك حكم عليهم بموجب إقرارهم.
ولو مات الباقون من الورثة قبل موت الإخوة الثلاثة- والصورة كما ذكرنا أولًا- وعاد نصيبهم إلى الثلاثة، صار جميع الدار وقفًا بإقرارهم.
وكذا إذا عاد إليهم من نصيب بقية الورثة شيء كان هذا حكمه، ولهم تحليف الوارث على نفي العلم [بالوقف]، وهل للبطن الثاني الحلف مع الشاهد عند نكول الثلاثة فيما نحن نتكلم فيه؟ فيه قولان: قال بعضهم: إنهما منصوصان.
وبعضهم قال: هما مبنيان على أن الوقف المنقطع الابتداء، هل يصح أو يبطل؟ فإن قلنا: يبطل، لم يحلف البطن الثاني، لأنه بطل بنكول البطن الأول، وإن قلنا: لا يبطل، حلفوا.
وقضية هذا البناء أن نقول: لا يكون نصيب الناكلين وقفًا عليهم بإقرارهم، لأنه بطل بنكولهم عن اليمين، وهذا لم أره لأحد.
[وبعضهم] قال: هما مبنيان على أن البطن الثاني يتلقون من البطن الأول، أو من الوقف؟ فإن قلنا بالأول، لم يحلفوا، كما [لو] أقام شخص بملك له شاهدًا، ونكل عن اليمين، ثم مات، فإن وارثه لا يحلف [كما حكاه القاضي الحسين، ولم يورد الإمام سواه].
وإن قلنا بالثاني حلفوا، وحلفهم رآه الماوردي أظهر، وقال القاضي أبو الطيب

وابن الصباغ: إنه الصحيح، واختيار الشافعي: ثم في محل هذين القولين وجهان: أحدهما- عن أبي إسحاق-: أنه إذا انقرض البطن الأول، فإن لم ينقرضوا فلا يحلفون قولًا واحدًا.
والثاني- عن ابن أبي هريرة-: أنه عند بقاء البطن الأول، فإذا انقرضوا حلفوا قولًا واحدًا.
قال الماوردي: وقول أبي إسحاق أشبه بالصواب.
الحالة الثالثة: أن يحلف واحد من الثلاثة، وينكل الباقيان، فتصير ثلث الدار وقفًا عليه، والثلثان ميراثًا للأخوين، وبقية الورثة، ولا يرث الحالف معهما شيئًا، قاله الماوردي والبندنيجي والمحاملي والبغوي وغيرهم.
وفي ((الشامل)): أن الفاضل بعد قضاء الدين والوصايا من الثلثين يقسم على جميع الورثة، ما يحصل للبنين الثلاثة يكون وقفًا على الناكلين، لأن الحالف يعترف لهم بذلك.
كذا حكاه الرافعي عنه، وهو أفقه.
وقال الماوردي وغيره: إن الذي يكون وقفًا عليهما حصتهما من الميراث بمقتضى إقرارهما.
وقال: إن في حلف البطن الثاني القولين.
والإمام لما صور المسألة بما ذكرناه قال: يكون ثلث الدار وقفًا على الحالف، ولا يثبت للناكلين حق، بل تترك حصتهما في يد المدعى عليه، فإنه لم تقم عليه حجة في ذلك المقدار.
وإذا مات الإخوة الثلاثة- والصورة كما ذكرنا أولًا- انتقلت حقوقهم إلى البطن الثاني، [لكن] نصيب من لم يحلف من الإخوة يكون منتقلًا إليهم بغير يمين، ونصيب من حلف هل ينتقل إليهم بيمن أو بغير يمين؟ [فيه الوجهان السابقان.
ولو كانت الصورة كما صورها الإمام- كان قضية قوله السابق: أن نصيب من قد حلف هل ينتقل بيمين أو بغير يمين؟ فيه الخلاف، ونصيب من لم يحلف لا

ينتقل إليهم بدون اليمين، وهل ينتقل باليمين؟] فيه الخلاف، وكذلك قال في ((الوسيط)) - فإنه لاحظ تصوير الإمام-: إن ولد الحالف يستحق [إن حلف، وإن لم يحلف فقولان، وولد الناكل لا يستحق] إن لم يحلف، وإن حلف فقولان.
وهي عبارة الإمام، وفيها نظر من جهة قوله: ((ولد الحالف ... وولد الناكل))، فإن البطن الثاني يستحقون بشرط الواقف ما كان للبطن الأول عند إطلاق الوقف من غير أن يختص كل واحد بنصيب أبيه، وقد صرح به الماوردي والصورة كما ذكرنا، وقد أشار إلى ذلك الإمام أيضًا في موضع آخر كما سنذكره.
ولو مات الأخوان الناكلان، قال الماوردي: انتقل نصيبهما إلى الأخ الحالف بغير يمين.
وفي ((الرافعي)): أن في احتياجه لليمين- والصورة كما ذكرناه- ما سبق من الوجهين.
قلت: ولا وجه لجريانهما، لأن البطن الثاني في احتياجهم لليمين فيما كان حلف عليه البطن الأول أشد من احتياج بعض البطن الأول إذا عاد إليه ما كان للبعض الآخر إذا كان قد حلف كما تقدم، وقد قلنا: إن نصيب الناكلين ينتقل إلى البطن الثاني بغير يمين، فللأخ الحالف من طريق الأولى.
نعم: لو كانت الصورة كما ذكرها الإمام، كان في احتياجه لليمين الوجهان بلا شك.
ولو مات الأخ الحالف، وبقي أخواه، قال الماوردي: فإن قلنا: إن البطن الثاني يأخذون بغير يمين عند فقط البطن الأول، انتقل إليهما نصيبه.
وإن قلنا: لا ينتقل إليهم إلا بيمين، لم ينتقل نصيبه إليهما، لنكولهما عن اليمين، وفي انتقاله للبطن الثاني إذا حلفوا وجهان.
فإن قلنا: لا يصرف إليهم، فوجهان: أحدهما: يصرف إلى الفقراء إلى أن ينقرض الأخوان، فيكون للبطن الثاني.
والثاني: يصرف إلى أقرب الناس للواقف، ويستوي فيه الناكلان وغيرهما عند استواء الدرجة.

وفي ((تعليق)) القاضي أبي الطيب والبندنيجي و ((الشامل)) وغيرهما: أن الحالف إذا مات ففي نصيبه ثلاثة أوجه: أحدها: ينتقل إلى إخوته، وهل يحلفون؟ فيه وجهان.
والثاني: ينتقل للبطن الثاني، وهل يحلفون؟ فيه الوجهان.
قال الإمام: ولا فرق على هذا بين أولاد الحالف وأولاد الناكلين، بل يصرف للجميع، وهذا أضعف الوجوه عند الإمام، وهو أصحها عند الأكثرين، كما قال الرافعي، وأنهم نقلوه عن إشارته في ((الأم)).
والثالث: ينتقل إلى أقرب الناس للواقف، لأن الأخوين لا يمكن تحليفهما، لنكولههما، والبطن الثاني لا يستحقونه، لعدم انقراض البطن الأول، فصار كالمنقطع.
قال الإمام: وهل يلحفون؟ فيه الوجهان.
ثم إذا انقرض الناكلان، يرجع إلى البطن الثاني، وهل يحلفون؟ قال ابن الصباغ وغيره: فيه الوجهان.
ولو امتنع الناكلان على قولنا: يصرف إليهم باليمين، قال الإمام: انحصر الكلام في أنه [هل] يصرف إلى البطن الثاني، أو إلى أقارب الواقف؟ فلو امتنع البطن الثاني من الحلف- أيضًا- على قولنا: إنه يصرف إليهم باليمين، انحصر النظر إلى الوقف المتعذر المصرف، فإن قلنا: إنه يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف باليمين، فامتنعوا منها، فهذا وقف لا ندري له مصرفًا، وحكمه مستقصًى في كتاب الوقف.
وفي ((تعليق)) القاضي الحسين وجه في أصل المسألة: أن نصيب الحالف يصرف إلى ورثته، لأنا جعلنا الناكلين كالمعدومين.
ولو كانت الإخوة الثلاثة هم المستوعبون لميراث أبيهم، كانت الدار وقفًا عليهم بإقرارهم، لا بالشاهد واليمين، وانتقل الوقف عنهم إلى البطن الثاني بغير يمين.
نعم: لو كان على الواقف دين يحيط بالدار، فإن قضوه من مالهم خلصت وقفًا لهم، وإن لم يقضوه فالقضاء [يقع حينئذ] بالشاهد واليمين إن كان الوقف في

الصحة، وإن لم يكن لهم بينة، فلهم تحليف أرباب الديون على نفي العلم بالوقف، [فإن حلفوا قضيت الديون من ثمنها، وإن نكلوا حلف الإخوة وثبت الوقف] وأن نكلوا- أيضًا- صرف ثمنها لأرباب الديون.
ومنها: لو ادعى ثلاثة إخوة: أن أباهم وقف هذه الدار عليهم وعلى أولادهم ما تناسلوا، فإذا انقرضوا فعلى الفقراء، وأقاموا بهذه الدعوى شاهدًا، وحلفوا معه، ثم حدث لأحدهم ولد- فإنه يشركهم في الوقف، لكن نصيبه- وهو الربع- يوقف على حلفه بعد البلوغ، كما نص عليه، لأنه من جملة البطن الأول، فكان في الافتقار إلى اليمين كأحد الثلاثة.
وعن أبي الفرج السرخسي: أنه أجرى وجهًا: أن الصغير لا يحتاج إلى اليمين في هذه الصورة، كما لا يحتاج إليها البطن الثاني على وجه، وأنه نقل وجهين في أن الربع الموقوف على النص يوقف في يد الثلاثة أو في يد أمين؟ والأقرب: الثاني.
والصحيح باتفاق الأصحاب: احتياج الصغير إلى اليمين.
قال ابن الصباغ: وهذا يشهد لابن سريج في إيجاب اليمين على البطن الثاني، لأن هذا الولد الحادث إن كان مشاركًا للبطن الأول، فإن الوقف ثبت له بعد ثبوته لهم، فصار بينه وبين الواقف واسطة.
قال الأصحاب: فإن قيل: هلا دفعتم نصيبه إليه من غير يمين، لأن الثلاثة المستحقين قد اعترفوا بذلك، ألا ترى أنه لو كان في يد ثلاثة دار، فاعترفوا لصغير فيها بشرك، فإنه يسلم إلى وليه؟ قال الماودري: لأصحابنا عن ذلك أجوبة: أحدها- وهو قول أبي الفياض البصري-: أن [جواب] الشافعي محمول على أن الواقف شرط في وقفه أن [من] لم يقبله وفر نصيبه على شركائه، فلذلك حلف الحادث إن صدقه الشركاء، لأنه يصير من أهله بقبوله [وقبوله] يكون بيمينه، لأنه سهمه إذا لم يقبل عائد إليهم.

ولو لم يشرط الواقف هذا، استحق الحادث سهمه باعتراف شركائه بغير يمين، كالدار المملوكة بين الشركاء الثلاثة إذا اعترفوا بشريك رابع فيها.
الثاني- وهو قول بعض البصريين-: أن جواب الشافعي محمول على إطلاق الوقف، إذا قيل: إن سهم من لم يقبل أو قبل ومات يرجع إلى بقية شركائه، فأما إذا قيل: إن سهمه راجع للفقراء والمساكين، لم يستحلف، ولم يرجع على الشركاء إن لم يحلف، لأن أصحاب الشافعي اختلفوا [في مذهب] في الوقف إذا لم يقبله أحد أربابه، هل يكون نصيبه مع إطلاق شرط الوقف عائدًا على شركائه، أو على الفقراء والمساكين؟ على وجهين.
والثالث- وهو قول الشيخ أبي حامد-: أن جواب الشافعي محمول على الأحوال كلها في أن الحادث لا يستحق نصيبه- وإن اعترف له الشركاء- إلا بيمينه، وفرق بين الوقف وبين الدار المملوكة بفرقين: أحدهما: أنهم في الوقف [مقرون على الواقف، وفي غير الوقف مقرون على أنفسهم.
والثاني: أن في الوقف] حقًا للبطن الثاني، فلم ينفذ إقرارهم عليهم، وليس في الملك حق لغيرهم، وهذا ما أورده ابن الصباغ وغيره.
ثم إن حلف الصغير بعد بلوغه، صرف إليه ما وقف له، وهو ربع الريع من حين وضع إلى وقت حلفه، ويصير الربع مما يتجدد له ما لم يحدث ولد آخر.
وإن نكل عن اليمين رد نصيبه إلى أبيه وعميه، لأنه صار كالمعدوم، هكذا نص عليه.
فإن قيل: كيف يرد عليهم وهم معترفون بأنه للصغير، ولا حق لهم [فيه]، وقد قال المزني- لأجل ذلك-: إن الربع الموقوف لا يصرف إليهم، بل هو وقف [قد] تعذر مصرفه؟

قيل: لأنه بامتناعه عن اليمين قد رد الوقف وإذا بطل في حقه، عاد إليهم، كذا قاله ابن الصباغ.
وحكى الرافعي [و] غيره جوابين.
أحدهما: أن صورة النص إذا شرط الواقف شركة من يحدث إن رغب في الوقف، ولم يرده، فإذا لم يحلف مع الشاهد كأنه رده.
فإن أطلق فقد حكى الشيخ أبو حاتم القزويني: أنه لا يعود إليهم، ويكون وقفًا قد تعذر مصرفه، وبه أجاب ابن كج.
وعن آخرين أنه يعود إليهم، وهو الأشهر.
قلت: وهذا منطبق على قول أبي الفياض البصري الذي حكيناه من قبل.
والثاني: أن الواقف جعل الثلاثة أصلًا في الاستحقاق، ثم أدخل من يحدث على سبيل العول، فإذا سقط الداخل فالقسمة على الأصول كما كانت.
وشبهه في ((التهذيب)) بما إذا مات إنسان على ألف، وجاء ثلاثة، وادعى كل واحد ألفًا على الميت، وأقام شاهدًا واحدًا، فإن حلفوا معه فالألف بينهم، وإن حلف اثنان فهو لهما، وإن حلف واحد فهو لذلك الواحد.
لكن قال الإمام: إن المزني لا يسلم المسألة، ويقول: ليس لصاحب الدين الأول إذا لم يحلف الثاني- أي: إذا اعترف بدينه- إلا أخذ حصته.
نعم، لو أبرأ الثاني، كان للأول أخذ الجميع، لأن الثاني بطل حقه، والنكول لا يبطل الحق، ألا ترى أنه لو [لم يحلف] مع الشاهد، ثم أتم البينة، سمعت وحكم بها.
وكيفما قدر الجواب، فالظاهر عند الأصحاب موافقة النص.
ورأى الإمام: أن يجعل ما أعرض به المزني قولًا مخرجًا له، واستحسنه، وإذا قيل به، فنصيب المولود وقف تعذر مصرفه، فيجئ فيه الخلاف السابق.
ويجيء مما ذكرناه عن بعض البصريين من قبل وجهًا هاهنا-: أنه لا يصرف نصيب الصغير إليهم إذا كان الوقف مطلقًا كما تقدم.
ولو مات المولود قبل بلوغه، أو بعده وقبل النكول، قام وارثه مقامه، فيحلف، ويستحق الغلة الموقوفة دون ما يحدث بعد موته، فإنه يكون لأبيه وعميه، وهل يحتاجون إلى اليمين.

قال الإمام: إن فرعنا على ما قاله المزني ففيه الخلاف فيما إذا مات بعض البطن الأول في وقف الترتيب، وقد حلف الكل، هل يحتاج الباقون إلى التجديد؟ فإن فرعنا على النص، فلا حاجة إلى التجديد، فيقدر أن المولود لم يكن.
ولو مات الولد بعد بلوغه ونكوله، لم يستحق ورثته شيئًا من الغلة الموقوفة، لأنه أبطل حقه منها، ويكون حكمها ما تقدم.
وقد ألحق الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب بهذه الصورة ما إذا كان لأحدهم ولد صغير حالة دعواهم الوقف.
قال ابن الصباغ: وليس بصحيح، لأنا قد ذكرنا في المسألة قبلها إذا كانوا ثلاثة بالغين، فحلف اثنان، وامتنع الثالث- كان نصيبه مقسومًا بين الورثة بعد قضاء الدين منه والوصية، ولا فرق بين البالغ الممتنع وبين الصغير إذا امتنع بعد بلوغه، ويفارق ما نص عليه في الولد الحادث، لأن بأيمان الثلاثة مع شاهدهم حكمنا بأن جميع الدار وقف، فلا يبطل ذلك بامتناع من حدث، وفي الموجود لا يمكن الحكم بوقف جميعه بيمين بعض الموقوف عليهم، وعلى هذا يكون الحكم كما ذكرنا في نكول أحد الإخوة، صرح به الماوردي.
قال: وما لا يقصد به المال، أي: وهو مما يطلع عليه الرجال: كالنكاح والطلاق، والعتاق، والنسب، والولاء، والوكالة، والوصية إليه، وقتل العمد- الذي يقصد به القصاص، وسائر الحدود غير حد الزنى- لا يقبل فيه إلا شاهدان ذكران، لأن الله تعالى نص في الشهادة سوى الأموال على الرجال دون النساء في ثلاثة مواضع: في الطلاق، والرجعة، والوصية، فقال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2]، وقال تعالى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:106]، قوال صلّى الله عليه وسلّم: ((لا نكاح إلى بولي مرشد وشاهدي عدل))، فنص الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم على شهادة الرجال، فلم يجز أن يقبل فيها شهادة النساء، كالزنى.
وأيضًا فقد روى مالك عن عقيل عن ابن شهاب، قال: مضت السنة من

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق.
وهذا وإن كان مرسلًا [فهو لازم] للخصم- وهو أبو حنيفة وأصحابنه- لأن المراسيل حجة عندهم.
وقال [الزهري: جرت] السنة من النبي صلّى الله عليه وسلّم والخليفتين من بعده ألا تقل شهادة النساء في الحدود.
ولأن كل ما لم يقصد منه المال إذا لم تقبل فيه شهادة النسوة على الانفراد، لم تقبل فيه شهادتهن مع الرجال، كالقصاص، وقد وافق الخصم عليه.
قال الماوردي: فإن اعترضوا بالوكالة والوصية، وقالوا: المال يتعلق بهما، فهلا كان إثباتهما بشاهد وامرأتين.
قلنا: ليس عقد الوصية والوكالة بمال، ولا أريد بهما المال، وإنما هما تولية أقيم الرجل فيها مقام غيره، ولهذا يقع المال لغير المتصرف.
على أن القاضي الحسين قال في الوكالة في الأموال: لا نص فيها، ولا يبعد ثبوتها بالشاهد والمرأتين.
وقد حكاه ابن القاص في ((أدب القضاء)) له عن ابن سريج، كما حكاه ابن أبي الدم.
وعن الشيخ أبي عاصم نقل قول غريب: أن القذف إنما يثبت بشهادة أربعة، لأنه نسبه إلى الزنى، فكان كالإقرار على قول.
وقد عد مما لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين: الإسلام، والردة، والبلوغ، وانقضاء العدة، والعفو عن القصاص، والحد، والحد، والإيلاء، والظهار، والموت، والإعسار على المذهب، والخلع من جانب المرأة، والتدبير، والاستيلاد، وكذا الكتابة على الأصح- وحكى ابن كج وجهًا: أنها تثبت برجل وامرأتين- والقضاء، والولاية- إن أحوجنا فيهما إلى البينة- والوديعة، كما حكاه أبو الطيب في باب الشهادة بالجناية، والشهادة على كتاب القاضي كما تقدم، والشهادة على الشهادة كما سيأتي، والإحصان، وكفالة البدن، والشهادة برؤية غير رمضان، وبهلال رمضان- محل الكلام فيهما كتاب الصيام- وجرح الشهود، وتعديلهم، اللهم

إلا أن يدعي تكذيب [المدعي] لشهوده، فإنه يحكم في ذلك بالشاهد واليمين.
قال في ((البحر)): لأن تكذيب المدعي لبينته يوجب سقوط حقه، ولا يوجب جرح الشهود.
و [حكى ابن أبي الدم: أن الشيخ أبا علي حكى عن ابن خيران أن جرح الشهود] بالمال يثبت بالشاهد واليمين على وجه.
وقد ألحق القاضي أبو الطيب بهذا القسم قطع اليد من الساعد عمدًا.
وقال الشيخ أبو حامد: إنه يثبت بالشهد واليمين، لأنه لا قصاص فيه.
قال أبو الطيب: وهو غلط، لأن له أن يستوفي القصاص من الكوع، فلا يثبت ذلك بالشاهد واليمين.
وقد نص الشافعي على أنه لا يقبل شاهد وامرأتان، وشاهد ويمين في الهاشمة، والمأمومة- أي: المشبوقة بالإيضاح- لأن المشجوج لو أراد القصاص من موضحته، كان له ذلك.
وجواب الشيخين يتخرج على القولين السابقين في مسألة الهاشمة.
فرع: لو ادع شخص على آخر أنه غصب منه مالًا، فقال: إن كنت غصبت فامرأتي طالق، فأقام المدعي شاهدًا، وحلف معه، أو شاهدًا وامرأتين على الغصب- ثبت، ويترتب عليه الضمان، ولا يقع الطلاق، نص عليه الشافعي، كما قاله الماوردي.
وشبهه الأصحاب بما إذا قال لزوجته: إن ولدت فأنت طالق، فأقامت أربعًا من النسوة على الولادة- ثبتت الولادة والنسب، ولا يقع الطلاق.
وكذا إذا علق الطلاق على رمضان، فثبتت الرؤية بشاهد واحد- وجب صومه، ولا يقع عليه الطلاق.
ولو كان الغصب قد ثبت برجل وامرأتين، وقضى به القاضي، فقال المدعى عليه: إن كنت غصبت فزوجتي طالق، قال الرافعي: فقد قال ابن سريج- ووافقه عامة الأصحاب- بوقوع الطلاق.
قال القاضي الحسين: لأنا لو منعنا وقوعه، لعرضنا حكم الحاكم للنقض والإبطال، ولا وجه له.

وعن الشيخ أبي [حامد: أنه] قال: لا يقع كما لو تقدم ((التعليق))، وقد عكس الإمام هذا الترتيب قبيل كتاب الديات، فقال: لو ثبت الغصب بشاهد وامرأتين، وقضى به القاضي، ثم قال المحكوم عليه: إن كنت غصبت فامرأتي طالق ثلاثًا، قال: الطلاق يقع، فإن الغصب تمهد.
ولو أنكر الغصب أولًا، وحلف على نفيه، ثم حلف بالطلاق لما ادعى عليه الغصب، وأثبت بالشهد واليمين، واتصل القضاء [به]- ففي وقوع الطلاق خلاف سنذكره في الدعاوى والبينات، والأظهر: أنه لا يقع.
وعهدي أني ذكرت طرفًا [من] الكلام في ذلك في باب الشرط في الطلاق من هذا الكتاب أو غيره، وما يدفع ما قرر به القاضي الروياني كلام ابن سريج هاهنا، فلذلك لم أذكره، فليطلب من ثم.
قال: وإن شهد في قتل العمد شاهد وامرأتان، لم يثبت القصاص، ولا الدية، لأنا على قول نقول: موجب العمد القود لا غير، والدية تثبت بدلًا عنه بالعفو، يدل عليه عدم اجتماعهما، وقد تقدم أن القصاص لا يثبت برجل وامرأتين، وإذا لم يثبت لم يثبت بدله.
وعلى [قول] نقول: الواجب أحد الأمرين لا بعينه: القود، أو الدية، وإنما يتعين بالاختيار، فلو أوجبنا الدية دون القصاص، لأوجبناها معينة، وهذا يخالف موجب هذا القول.
وأبطل الإمام في باب الشهادة بالجناية إيجاب الدية في مسألتنا على قولنا: إن الواجب أحد الأمرين، بأمر آخر، فقال: نحن لا نشك أن المقصود الذي هو الأصل في جراح العمد القصاص، وليس المعنى بقولنا: المال أحد الموجبين، أنه يضاهي القصاص، فإن غرض الشرع إثبات ما يزجر المعتدين، ولا يقع الزجر فيما فهمناه من مقصود الشرع بالغرم المالي، والدية حيث يفوت القصاص إنما تثبت حتى لا تتعطل الجناية، ولا تقع هدرًا.

ويخرج لنا من هذا: أنا وإن قلنا: [إن] المال موجبه، فلسنا ننكر كون القصاص مقصودًا.
وفي ((الإنابة))، في باب الشهادة بالجناية: أنه لو أقام شاهدًا واحدًا على القتل عمدًا، ولم نجعله لوثًا، ورام أن يحلف معه يمينًا واحدًا، ويستحق الدية، تفريعًا على قولنا: إن اليمين لا تتعدد في مثل هذه الصورة، فإن قلنا: موجب العمد القود فقط، فليس له أن يحلف مع الشاهد الواحد، وإن [قلنا]: موجب العمد أحد الأمرين، فهل يستحق الدية؟ فعلى قولين، بناء على أن من ادعى موضحة، وأقام شاهدًا واحدًا، وحلف معه- فهل يستحق الأرش؟ فعلى قولين.
وهذا الخلاف هو الذي حكينا في باب [اليمين في] الدعاوي: أن الإمام وعد بذكره في باب الشهادة على الجناية، وقال: إنه مطرد فيما إذا أقام شاهدًا وامرأتين، وهو ظاهر، لأنه إذا جرى في الشاهد واليمين، فجريانه في الشاهد والمرأتين أولى، لأن هذه الحجة أقوى من تلك بالاتفاق.
والغزالي في ((الوجيز)) أطلق القول فيما إذا أقام على العميد رجلا وامرأتين بأن المال يثبت وإن لم تثبت العقوبة، وهذا منه محمول على ترجيحه القول بأن الواجب في قتل العمد أحد الأمرين، كما ذكرنا أنه الجديد، وترجيح أحد القولين اللذين حكاهما الفوراني، وأشار إليهما إمامه.
والرافعي قال: إنه غلط ولا محمل له إلا السهو، فإن الذي نص عليه الأصحاب: أن الدية لا تثبت، والله أعلم.
قال: وإن شهد في السرقة شاهد وامرأتان، لم يثبت القطع، ويثبت المال، لأن في السرقة حقين: أحدهما: للآدمي، وهو المال.
والثاني: لله تعالى، وهو القطع.
والأموال تستحق بشاهد وامرأتين، والحد لا يجب إلا بشاهدين كما تقدم، وليس الغرم هاهنا بدلًا من القطع، بدليل اجتماعهما، بخلاف الدية مع القود، كما تقدم.

ولأن المال في السرقة أصل، والقطع فرع، فجاز أن يثبت حكم الأصل مع سقوط حكم الفرع، ويخالف الدية، فإن القود في القتل أصل، والدية فرع، فلم يجز أن يثبت حكم الفرع مع سقوط أصله.
وهكذا الحكم فيما إذا شهد له بالسرقة رجل، وحلف معه، وهذا ما ادعى الإمام في كتاب السرقة الوفاق عليه.
وقد شبه الأصحاب هذا بما ذكرناه في مسألة الغصب، وهو إذا حلف بالطلاق: أنه ما غصب، فقام على الغصب شاهد وامرأتان، أو شاهد وحلف معه- فإنه يثبت الغرم، ولا يقع الطلاق، لكنا قد حكينا عن الإمام في هذه الصورة من الغصب رواية وجه في أن الطلاق يقع، وقضية التشبيه أن يحكم بالقطع في مسألة السرقة على وجه، وقد حكاه الإمام في باب الشهادة على الجناية، حيث قال: حكى من يوثق به عن القاضي أنه لو شهد رجل وامرأتان على سرقة توجب القطع، قال: يثبت المال، وفي القطع وجهان، وهذا على نهاية البعد، فإن إثبات القطع- وهو حق لله تعالى- بشهادة رجل وامرأتين محال.
ثم قال: وهذا بمثابة ما لو أقر العبد بسرقة مال، فالقطع يثبت، وفي المال قولان.
انتهى.
وما ذكرناه من ثبوت المال هو المنصوص، و [هو] الصحيح عند المراوزة، وبه جزم العراقيون، وقال الإمام في كتاب السرقة: إن بعض أصحابنا أبعد فلم يثبت المال إذا تضمنت الدعوى سرقة، ولو ثبت لأوجبت القطع، وحكاه الفوراني والبغوي وغيرهما.
فرع: لو شهد رجل وامرأتان على صداق في نكاح ادعته المرأة، ثبت الصداق وإن لم يثبت النكاح، فإن الصداق [مال] ينفك عن النكاح، وهذا ما أورده الجمهور، وحكام الإمام في أواخر باب الرجعة عن شيخه، وأن الشيخ أبا علي قال: لا يثبت الصداق، لأن النكاح لم يثبت، وهو فرع له.
قال الإمام: وهو أفقه.

قال: وإن كان في يد رجل جارية لها ولد، فادعى رجل أنها أم ولده، وولدها منه- أي: علقت في ملكه، وقد غصبها من هي في يده، [وأقام-أي:] على ذلك- شاهدًا وامرأتين، أو شاهدًا وحلف معه، قضي له بها، لأمرين: أحدهما: أن أحكام الرق جارية عليها في استخدامها، والاستمتاع بها، وإجارتها، وتملك منافعها، وأخذ قيمتها من قاتلها، والرق مال يحكم فيه بالشاهد واليمين، والشاهد والمرأتين.
[والثاني: أنه] لما حرم عليه بيعها، صار الملك والدعوى مقصورًا على منافعها، والمنافع في حكم الأموال تثبت بالشاهد والمرأتين، والشاهد واليمين.
قال: [وتعتق بموته]، عملًا بإقراره الذي تضمنه دعواه وإن كان إذ ذاك غير صاحب اليد، كما نقول فيمن ذكره حرية عبد، ثم ملكه ببيع أو إرث، فإنه يعتق، كذا قاله القاضي أبو الطيب وغيره.
وفي ((الحاوي)): أن أصحابنا اختلفوا في عتقها، هل حصل بإقراره أو البينة؟ وأن مأخذ الاختلاف التعليل الساق.
قال: وفي نسب الولد وحريته قولان.
القولان ينبنيان- كما قال الأصحاب- على أنه هل يحكم له بالولد بهذه البينة، أو لا يحكم له؟ وفيه قولان: أحدهما: نص عليه في ((الأم))، ونقله المزني في ((المختصر)): أنه لا يحكم له به، لأنه ليس يدعي الملك والرق في الولد، وإنما يدعي نسبه وحريته، وهما لا يثبتان بالشاهد والمرأتين، والشاهد واليمين، وهذا ما أجاب به الروياني في ((الحلية))، وهو الصحيح.
والقول الثاني- قال المزني: ((إن الشافعي قاله في موضع آخر))، ولم يوجد في شيء من كتبه، كما قاله الماوردي-: أنه يحكم له به تبعًا لأمه، لأنها في الدعوى أصل متبوع، وهو فيها فرع تابع، فأوجب ثبوت الأصل ثبوت فرعه كما لو ثبت غصب

جارية، فإنه يحكم لمدعيها بالولد الحاصل منها في يد الغاصب.
قال الإمام: ولأن الولد في دعواه جزء من الجارية، وبه يثبت الاستيلاد، فإذا اختص بالجارية على صفة أمية الولد تعدى الاختصاص إلى الولد، وهذا ما اختاره المزني، كما قاله القضاة: أبو الطيب والحسين والماوردي، والبندنيجي والفوراني وابن الصباغ، وغيرهم، وأنه استشهد له بأن الشافعي نص على أن الشخص إذا ادعى عبدًا في يد غيره يسترقه: أنه كان عبده، وأنه أعتقه، وغصبه صاحب اليد بعد حريته، وأقام بما ادعاه من الملك والعتق شاهدًا وامرأتين، أو شاهدًا وحلف معه- أنه يقضي له وإن كان مقصود الدعوى استحقاق الولاء، لأنه تابع لدعوى رق وعتق، كذا دعوى الولد، لأنه تابع لرق أمه، فإنه جزء منها.
واختلف الأصحاب في مسالة الاستشهاد على طريقين: إحداهما- وبها قال ابن سريج-: أن فيها أيضًا قولين، [وما ذكره الشافعي تفريع على أحد القولين].
والثانية- وبها قال أبو إسحاق، وجمهور أصحابنا، كما قال الماوردي، ولم يحك القاضي الحسين والبغوي والروياني سواها-: أن المسألة على قول واحد، كما قاله المزني، [لكن] الفرق بينهما وبين ولد أم الولد: أن العبد المدعى هناك مدعيه يدعي ملكًا متقدمًا في العبد، وحجته تصلح لإثبات الملك، وإذا ثبت الملك ترتب عليه العتق بإقراره، وفي صورة الاستيلاد إنما قامت الحجة على ملك الأم، لا جرم رتبنا العتق عليه إذا جاء وقته بإقراره، وأما الولد فقضية الدعوة والحجة كونه حر الأصل نسيبًا، والحرية النسب لا يثبتان بهذه الحجة، فلذلك افترقا.
نعم، لو أن المدعي في مسألة الاستيلاد قال لصاحب اليد: استولدتها في ملكك، ثم اشتريتها مع الولد، فيعتق الولد علي، وأقام عليه حجة ناقصة فالعتق الآن يترتب على الملك الذي قامت به الحجة الناقصة، فيكون على الطريقين:

فإن قلنا بالقول الأول، لم يحكم بحرية الولد، وكذا بنسبه، كما نص عليه في كتاب الدعاوي والبينات، كما قال الفوراني.
وقيل: إنه يحكم بنسبه خاصة، بناء على جواز استلحاق عبد الغير.
قال الفوراني- كما نص عليه في التقاط المنبوذ-: وإن قلنا بالقول الثاني، ثبت نسب الولد وحريته بإقراره، كأمية الولد.
وقد سلك الإمام، وتبعه الغزالي في مسألة الكتاب والمسألة المستشهد بها طريقًا آخر، فقال: اختيار المزني: أن حرية الولد لا تثبت، ولا تقبل هذه الحجة في حق الولد، وأن النص الذي نقله في مسألة العبد: أن المدعي لا يثبت، ويقر العبد في يد المدعى عليه، وأنه احتج به فقال: إذا لم يثبت العتق فيها مع أن قضية دعواه وحجته ترتيبه على الملك، وتواردهما على شخص واحد، فلألا يثبت في الولد- وهو شخص مستقل بقيام الحجة على الملك في الأم- كان أولى.
ثم قال: إن للأصحاب طريقين في مسالة العبد: إحداهما: طرد القولين.
والثانية: القطع بأنه لا يثبت المدعى، ولا ينزع العبد، ولا يحكم بعتقه، لأن في مسألة الاستيلاد الحجة صالحة للاستيلاد يقتضي ولدًا، وفي عتق العبد لا [شيء] يتعلق به الحجة والقياس: القطع في المسألتين، فإنه حرية الولد وعتق العبد لا يثبت.
قال الرافعي: هذا كله محال عن وجهه، وإن شئت فراجع ((المختصر))، تتيقن أن الأمر على ما حكاه غيره.
قال: ولا يقبل في حد الزنى واللواط وإتيان البهيمة إلا أربعة من الرجال.
ووجهه في حد الزنى واللواط قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء:15]، وقوله تعالى]: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ بالنور:13]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية [النور:4]، فجعل التخلص من حد القذف بأن يشهد أربعة شهداء بالزنى، وإنما

يتخلص من القذف بثبوت الزنى، فدل على أن الزنى لا يثبت بأقل من أربعة، ويؤيده ما روى مسلم عن أبي هريرة أن سعد بن عبادة قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((لو وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم)).
ولأن الزنى واللواط لما كانا من أغلظ الفواحش المحظورة وأضرها، كانت الشهادة فيهما أغلظ، ليكون أستر للمحارم، وأنفى للمعرة، وإنما لم تسمع فيهما شهادة النسوة، لأن سماع شهادتين رخصة فيما خف، فلم يجز أن تسمع في مواضع التغليظ.
وأما في إتيان البهيمة، فلأنه إثبات وطء هو فاحشة، أو إتيان فرج في فرج يوجب الغسل، فأشبه وطء القبل، وهذا ظاهر النص.
وقيل: إن قلنا: إن الواجب في إتيان البهيمة التعزيز، قبل فيه شاهدان، لخروجه عن حكم الزنى في الحد، فخرج عن حكمه في الشهادة، وهذا قول المزني وابن خيران، وحكاه الماوردي قولًا، وقد قال بمثله المراوزة في اللواط، بناء على إيجاب التعزيز فيه.
قال: وليس بشيء، لأن نقصان العقوبة لا يدل على نقصان الشهادة: كزنى الأمة.
والقولان جاريان- كما قال الماودري- في باب حد الزنى في الشهادة على إتيان المرأة فيما دون الفرج، وكلام القاضي الحسين يقتضي أنه لا خلاف في ذلك، لأنه حكى أن ابن خيران قال في إتيان البهيمة: يثبت بشاهدين كالمفاخذة والقبلة.
[وفرق بأن ذلك من جنس إيلاج الفرج في الفرج، بخلاف المفاخذة والقبلة].
ولا فرق عندنا في شهود الزنى بين أن يشهدوا مجتمعين أو مفترقين، ولا بين أن يشهدوا به عن قرب عهد به أو [عن بعد] عهد.
قال: وإن شهد ثلاثة بالزنى، وجب على الشهود حد القذف في أحد القولين، لما روي أن المغيرة بن شعبة كان أميرًا على البصرة من قبل عمر، وكان مناكحًا، فخلا بامرأة في دار كان ينزلها، وينزل معه فيها أبو بكرة، وناقع، ونفيع، وزياد بن أمية، وكان جميعهم من ثقيف، فهبت ريح، ففتحت الباب على المغيرة،

فرأوه على بطن المرأة يفعل بها كما يفعل الرجل بامرأته، فلما أصبحوا تقدم المغيرة ليصلي، فقال أبو بكرة: تنح عن مصلانا.
وانتشرت القصة، فبلغت عمر، فكتب أن يرفعوا جميعًا إليه، فلما قدموا إليه، وحضروا مجلسه، بدأ أبو بكرة، فشهد بالزنى، ووصفه، فقال علي للمغيرة: ذهب ربعك، ثم شهد بعده نافع، فقال علي: [ذهب] نصفك، ثم شهد بعده شبل بن معبد، فقال علي للمغيرة: ذهب ثلاثة أرباعك، فقال عمر: أدوا الأربعة، فأقبل زياد ليشهد، فقال عمر: إيهًا أبا العفان، قل ما عندك، وأرجو ألا يفضح الله أحدًا على يدك من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتنبه زياد، فقال: رأيت أرجلًا مختلفة، وأنفاسًا عالية، ورأيته على بطنها، وأن رجليها على كتفيه كأنهما أذنا حمار، ولا أعلم ما وراء ذلك.
ورواية أبي بكر بن المنذر: [أنه] لما أقبل زياد قال عمر: جاء رجل لا يشهد إلا بالحق، فقال زياد: رأيت مجلسًا قبيحًا، وابتهارًا، ولا أدري أنكحها أم لا، فقال عمر: الله أكبر، قم يا يرفأ فاجلد هؤلاء، فجلد الثلاثة حد القذف، فقال عمر لأبي بكرة: تب أقبل شهادتك، فقال: والله لا أتوب، والله زنى، والله زنى، والله زنى، فهم عمر بجلده، فقال له علي: أراك إن جلدته رجمت صاحبك، فتركه.

ولم يخالف في هذه القصة أحد من الصحابة، فصار إجماعًا، ويدل عليه من طريق المعنى شيئان: أحدهما: أن الشهادة بالزنى أغلظ من القذف به، لأنه يقول في القذف: زنيت، ولا يصفه، وفي الشهادة بالزنى يقول: زنيت، ويصفه، والقذف لا يوجب حد المقذوف، والشهادة توجبه، فلما كانت أغلظ كانت بوجوب الحد إذا لم يتم العدد أولى.
والثاني: أن سقوط الحد عنهم ذريعة إلى تسرع الناس إلى القذف إذا أرادوه أن يخرجوه مخرج الشهادة حتى لا يحدوا، ففي حدهم صيانة للأعراض في توقي القذف، فكان أولى وأحق، وهذا ما صححه النواوي، وهو الأظهر في ((الحاوي)) في باب حد الزنى، وقال: إنه المنصوص عليه في أكثر كتبه من قديم وجديد، وعلى هذا: لا تقبل شهادتهم حتى يتوبوا كما تقدم، وهل تقبل روايتهم قبل التوبة؟ فيه وجهان في ((الحاوي)): المشهور [منهما]- كما تقدم-: القبول، وينسب إلى أبي حامد.
وأقيسهما- كما قال-: عدم القبول، كالشهادة.
والقول الثاني: [أنهم] لا يحدون، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:4] فبين أن الزاني الذي يجب عليه الحد هو الذي يحتاج إلى أربعة، وكل واحد من هؤلاء لا يحتاج إلى أربعة، وإنما يحتاج إلى ثلاثة، فوجب ألا يكون ممن يجب عليه حد القذف.
ولأن نقصان العدد معنى لا يمكن الشاهد الاحتراز منه، فوجب ألا يتعلق به وجوب الحد، أصله: رجوع أحدهم عن الشهادة، فإن الشافعي قد نص على أن الواحد منهم إذا رجع لا يجب على الثلاثة حد، وإن وجب الحد على الراجع على أحد القولين، كما قاله أبو الطيب.
ودعوى الإجماع غير مسلمة، لأن أبا بكرة مخالف، وخلاف الواحد يمنع انعقاد الإجماع.

والفرق بينه وبين من جاء قاذفًا: أنهم ثم لو كثروا لم يندفع الحد عنهم، وهنا بخلافه.
[و] لأن القاذف عاص بقذفه، فاسق بفعله، لأنه فعل ما نهي عنه، وليس كذلك الشاهد، فإن الشهادة إما مأمور بها أو مباحة مأذون [له] فيها، وهذا ما ادعى الماوردي أنه مخرج.
والقولان يجريان فيما لو حضر الرابع، وتوقف، وفيما لو شهد اثنان أو واحد، كما صرح به الماوردي والإمام في باب حد الزنى، وقد تعلق بما ذكرناه أمران: أحدهما: ما معنى قول علي لعمر: ((أراك إن جلدته رجمت صاحبك؟)) قال الماوردي معناه: إن كان هذا القول غير القول الأول، فقد كملت الشهادة، فارجم صاحبك، وإن كان هو الأول فقد جلدته بغير استحقاق، فارجم صاحبك بغير استحقاق.
الثاني: قال العلماء: الصحابة عدول، وهذه القصة تقتضي الطعن في المغيرة، أو فيمن شهد عليه، فما العذر؟ قيل: إن المغيرة كان يرى جواز نكاح السر، واعتمده في هذه القصة، فهو شبهة في حقه وإن كان يحد عليه.
وقد قيل: إن كان يبتسم عند الشهادة عليه، فقيل له في ذلك، فقال: إني أعجب مما أريد أن أفعل بعد شهادتهم، قل: وما تفعل؟ قال: أقيم البينة أنها زوجتي.

فرع: لو شهد اثنان على إقرار شخص بالزنى، وقلنا: لا يثبت الإقرار بالزنى بشهادة رجلين- قال القاضي الحسين في ((فتاويه)): فلا حد على الشاهدين، لأنهما لم ينسباه إلى الزنى.
قال: وإن شهد أربعة أحدهم الزوج- أي: ولم يتقدم منه قذف- فقد قيل: يحد الزوج قولًا واحدًا، لأنه ليس من أهل الشهادة على هذا الزنى، فكان كما لو أتى به بغير صيغة الشهادة.
ولأنه روى عن ابن عباس أنه قال في أربعة شهدوا على امرأة: أنها زنت، وأحدهم زوجها، فقال: يلاعن الزوج، ويحد الثلاثة، فلم يجعل لشهادة الزوج حكمًا، وأوجب عليه أن يلاعن، وهو قول صحابي لم يظهر مخالفه، فإن قد اشتهر فهو إجماع، وإلا فهو حجة على الخصم، لأنه يترك القياس به، كا هو قول قديم للشافعي، وهذا نصه في كتاب اللعان، كما قال ابن الصباغ، وقال الماوردي ثم: إنه قول أبي إسحاق.
قال: وفي الثلاثة قولان سبق توجيههما.
وقيل: في الجميع قولان، لإتيانهم بلفظ الشهادة، وهذا القائل يجعل نقصان الصفة بمثابة نقصان العدد.
أما إذا تقدم على شهادة الزوج قذفه، قال ابن الصباغ: حد قولًا واحدًا.
وعلى كل حال إذا قلنا بوجوب الحد عليه وعلى الشهود، فهل يجوز إقامة الحد على الشهود قبل لعان الزوج ولعانها؟ فيه وجهان مبينان على خلاف الأصحاب في أن الزوج إذا لاعن وحدت، هل تسقط حصانتها بالنسبة إلى الأجانب كما سقطت بالنسبة إلى الزوج أم لا؟ فعند ابن سريج: لا، فعلى هذا يجوز إقامة الحد على الشهود قبل اللعان.
وعند أبي إسحاق: نعم، فعلى هذا لا يحد الشهود إلا بعد لعان الزوج ولعانها، قال الماوردي في كتاب اللعان.
فرع: لو شهد بدل الزوج عبدٌ أو كافر أو امرأة أو فاسق، فما حكمه وحكمهم؟ الكلام في ذلك ينبني على ما لو كان الأربعة عبيدًا أو فساقًا أو أعداء للمشهود عليه.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل