كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 403-442
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 403-442
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قصد آخر؛ وهذا من تخريج الإمام؛ بناء على أن صرف نية الوضوء إلى قصد التبرد هل تؤثر فيه أم لا؟ وقد رأيته في "تعليق القاضي أبي الطيب" مجزوماً به قبيل الكلام في الرمي أيام منى.
وهذا الخلاف في طواف الفرض، سواء كان في حج أو عمرة.
وأما طواف الوداع، فلا شك في أنه لا بد من النيَّة لفقد ما ذكرناه من علة عدم اشتراطها آنفاً؛ لأنه يقع بعد التحلل التام.
ومن طريق الأولى اشتراطها في الطواف المنذور والنفل، وقد صرح به في "الوسيط" حيث قال: "أما الطواف ابتداء فعبادة مفتقرة إلى النية".
وطواف القدوم يحتمل إجراء الوجهين فيه؛ كما يشعر به إيراد الشيخ وسياق كلامه؛ لأنه من سننه الداخلة في العبادة.
بل قال المزني: إنه نسك فيه؛ حتى يجب بتركه الدم، وهو الذي حكاه القاضي أبو الطيب عن بعض الأصحاب عقيب الكلام في طواف الوداع، وإذا كان من سننه [أو نسكاً] [له]، كانت النية منسحبة عليه؛ كما في سنن الوضوء.
لكن في ابن يونس ما يفهم الجزم باشتراط النية فيه.
وما حكيته في باب الإحرام عند الكلام فيما إذا أحرم مطلقاً عن الشيخ أبي حامد يفهم جزمه بعدم اشتراط النيَّة فيه.
وقد أفهم ما ذكرناه من قياس القول الأول: أنه لا يجري مثل القول الثاني في

الوقوف بـ"عرفة"، [وبـ"مزدلفة"]، وهو المذكور في "تعليق القاضي أبي الطيب"؛ فإنه قال: أفعال الحج كالوقوف بـ"عرفة" وبـ"مزدلفة"، والطواف، والسعي، هل يفتقر كل فعل منها إلى نيّة أم لا؟ اختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة مذاهب: قال أبو إسحاق: ليس شيء منها يفتقر إلى نية سوى الطواف؛ لأنها أبعاض الحج، ونية الحج تشملها؛ [كما أن الركعات أبعاض الصلاة، ونية الإحرام تشملها] وإنما افتقر الطواف إلى النية؛ لأنه صلاة، والصلاة تفتقر إليها.
وقال ابن أبي هريرة: ما كان من هذه المواضع يختص بفعل [: كالسعي، والطواف والرمي- افتقر إلى النية، وما لم يكن يختص بفعل]، وإنما هو لبث مجرد: كالوقوف بـ"عرفة"، و"مزدلفة"، فإنه لا يفتقر إلى نية.
وحكى ابن المرزبان عن بعض أصحابنا: أن جميع ذلك لا يفتقر إلى النية.
لكن في "تعليق القاضي الحسين" في باب فوات الحج بلا إحصار: أن الشافعي- رضي الله عنه- قال: القصد والإقامة يعتبر في الحج في أربعة أشياء: في الإحرام، و [في] الوقوف، والطواف، والسعي.
وقد حكى في "التتمة" وجهين في افتقار كل ذلك إلى النية، وسنذكرهما من بعد، واعلم أن قولنا: "إن الطواف الفرض يفتقر إلى النية"، نريد بذلك نية أصل الفعل، لا كونه فرضاً؛ يدل على ذلك: أن الأصحاب قالوا: لو طاف للوداع، ولم يكن قد طاف طواف الزيارة، انصرف إليه.
وإن قلنا: إن طواف الوداع واجب؛ كما لو أحرم بحج منذور، وعليه فرض الإسلام – ينصرف إلى حج الإسلام، وفيه شيء سنذكره؛ ولذا قالوا لو طاف المحرم بالحج معتقداً أنه محرم بعمرة، أجزأه عن الحج؛ ذكره في "الروضة" عن الروياني.
قال: ثم يصلي ركعتي الطواف؛ لما روى أبو داود عن عبد الله بن أبي أوفي أن

رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر، وطاف بالبيت، وصلى خلف المقام ركعتين، ومعه من يستره من الناس، فقيل لعبد الله: أدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة؟ قال: لا.
وفي رواية: "ثم أتى الصفا والمروة، فسعى بينهما سبعاً ثم حلق رأسه"، وأخرجه البخاري ومسلم، لكنه مختصر.
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف بالبيت في الحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت، ثم يمشي أربعاً، ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة، والسجدة يعبَّر بها عن الركعة كثيراً.
وقد جاء مفسراً في رواية مسلم عنه – أيضاً- أنه قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، وبين الصفا والمروة سبعاً جميعاً، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة".
قال: والأفضل أن يكون خلف المقام؛ لما رواه جابر في صفة حج رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثم نفر إلى مقام إبراهيم- عليه السلام- فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]، فجعل المقام بين البيت وبينه، وكان أبي يقول – ولا أعلمه ذكره إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -: كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و {قُلْ يَا أَيُّهَا

الْكَافِرُونَ} "، انتهى.
والقائل: "كان أبي" هو جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر، كأنه شك في هذا الفصل: هل رفعه جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فإن قيل: الآية والخبر ظاهرهما دال على الوجوب؟ قبل في جوابه: هي صلاة؛ فلا تختص بمكان معين؛ كسائر الصلوات؛ فلذلك حملناهما على الاستحباب.
قال القاضي الحسين: ولو لم يفعلها خلف المقام، فالمستحب أن يفعلهما في الحجر؛ [لأن ابن عمر فعلهما في الحجر] تحت الميزاب.
قال في "التهذيب": فإن لم يفعل، ففي المسجد؛ فإن لم يفعل، ففي أي موضع شاء.
قال: يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لما ذكرناه من خبر جابر.
قال: وهل تجب هذه الصلاة أم لا؟ فيه قولان: أصحهما: أنها لا تجب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم [في قصة الأعرابي]: "خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة" فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع"، وهذه زائدة على الخمس.
ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود، لم يشرع لها أذان ولا إقامة، ولا تتقيّد بوقت مخصوص؛ فلم تجب بالشرع؛ كسائر النوافل.
وأيضاً: فقد ذكر الشافعي – رضي الله عنه- في القديم: أنه لو صلى فريضة بعد الطواف، حسبت له عن ركعتي الطواف؛ لرواية ذلك عن ابن عمر، ولم يذكر له مخالفة، ولو كانت واجبة لما دخلت في ضمن فريضة؛ لأن الواجبين لا يتداخلان؛ كذا قاله القاضي، وفيه شيء ستعرفه.
ووجه الوجوب: أنه صلى الله عليه وسلم لما طاف راكباً، نزل فصلى الركعتين خلف المقام، فلو

كانت غير واجبة، لصلى على الراحلة.
وأيضاً: فقد أطبق الناس على فعلهما، والسنن يندر فيها الاتفاق العملى.
ولأنها تابعة للطواف، فكانت واجبة، كالسعى.
والقائلون بالأول قالوا: [الحديث] لا حجة فيه؛ لأن صلاة النافلة على الراحلة لا تجوز في البلد، والطواف في البلد.
والسعي لم يجب؛ لكونه تابعًا للطواف، بل هو ركن في نفسه.
وأيضاً: فهو إذا أتى به مع طواف لا يأتي به مع آخر، فلم يكن من أتباعه، والصلاة تتبعه حيث فعل؛ فكانت من هيئاته.
ومحل القولين بالاتفاق في طواف الفرض؛ ولأجل ذلك قال الإمام; وإذا كان الطواف مفروضاً، فللشافعي - رضي الله عنه - في ركعتيه قولان"، أما الطواف المتنفل به: كطواف القدوم، ونحوه - فقد ألحقه الماوردي بطواف الفرض في العمرة والحج.
وقال القاضي الحسين: إنهما سنة فيه قولاً واحداً؛ كما أن التشهد إذا كان واجباً، فالصلاة فيه على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة، وإذا كان سنة، فهي فيه سنة.
قال: وغلط ابن الحداد حيث جعل في ركعتي طواف النفل القولين.
وقد جعل الإمام ما جزم به القاضي الأصح، واعتذر [عن] ابن الحداد، فقال: ولا أراه يصير إلى إيجابهما على التحقيق، ولكنه رأى ركعتي الطواف جزءاً منه، ولم ير الاعتداد بالطواف المتطوع به دونهما؛ قإنه لا بد أن يشترط في النفل ما يشترط في الفرض: كالطهارة، والركوع.
وإذا كان كذلك، فقد تحقق من معاني كلام الأصحاب: أن الركعتين معدودتان من الطواف، أو لهما حكم الانفصال عنه.
وعلى هذا الخلاف ينبغي أن يخرج اشتراط الموالاة بينهما وبينه إن اشترطنا الموالاة فيه نفسه، لكن سنذكر عن الأصحاب خلاف ذلك.
التفريع: إن قلنا بالقول الصحيح، فيجوز له فعلهما قاعداً مع القدرة على القيام،

وأن يجمع بينهما وبين الطواف بتيمم واحد، ويجوز أن يقيم مقامهما ركعتين فرضاً؛ اعتباراً بتحية المسجد؛ كما قال الصيدلاني، وهو ما حكيناه عن القديم من قبل.
وقال الإمام: إنه مما انفرد به الصيدلاني، والأصحاب على مخالفته؛ فإن الطواف يقتضى صلاة مخصوصة، والمسجد حقه ألا يجلس الداخل إليه حتى يصلى.
وإن قلنا بمقابله، فهل يجوز فعلهما قاعداً مع القدرة على القيام؟ فيه وجهان في "الحاوي" والبيان: ووجه الجواز: أنهما من توابع الطواف، فلما جاز أن يطوف راكباً ومحمولاً مع القدرة على المشي، جاز أن يصلي قاعداً مع القدرة على القيام.
وهل يجوز أن يجمع بينهما وبين الطواف بتيمم واحد؟ فيه وجهان حكاهما الإمام.
ولا يقوم مقامهما صلاة ركعتين فريضة.
وعلى القولين معاً لا يتعين لفعلهما وقت ولا مكان، حتى لو أقيمتا بعد الرجوع إلى الوطن والتحلل وقعتا الموقع، ولا ينتهيان إلى القضاء والفوات مع بقاء الحياة.
قاله العجلي - وكذا النواوي، وهو متبع في ذلك الإمام، وقال: إنهما ليستا شرطاً في الطواف، ولا ركناً فيه وإن لم يصِر إلى ذلك أحد من الأصحاب، وأنه لا يجبر تأخيرهما ولا تركهما بدم ولا غيره.
لكن في "تعليق القاضي الحسين": أنا إذا قلنا: إنهما غير واجبتين، كان حكمهما في القضاء حكم النوافل.
وإن قلنا بالوجوب، قضاهما.
وحكى القاضي أبو الطيب عن رواية أبي الحسن بن المرزبان عن رواية بعض أصحابنا: أنه قال: إذا لم يصلِّ رجعتي الطواف حتى رجع إلى أهله، لم يحصل له التحلل؛ لأن الركعتين بمنزلة جزء من الطواف، وإذا بقي عليه جزء من الطواف؛ فإنه لا يحصل له التحلل.
قلت: وهذا يؤيد ما وجه به مذهب ابن الحداد في طواف النفل كما سبق، ولعل هذا فيما إذا تركهما من طواف [يعقبه السعي؛ لأنه حينئذٍ يكون سعيه باطلاً؛ لأن من

شرطه أن يقع بعد] [طواف] كامل، ولم يكمل الطواف بدون ركعتيه عند هذا القائل؛ فلذلك قال: إنه لا يتحلل.
أما إذا كان قد تركهما عقب طواف لم يسع بعده، فيظهر أن يحصل له التحلل –أيضاً- إذا صلاهما في منزله؛ إذ لا يتعين لفعلهما مكان كما تقدم.
وقد قال القاضي أبو الطيب: إن الصحيح: أن التحلل يحصل له وإن لم يصل الركعتين؛ لأنهما منفردتان عن الطواف؛ فهما بمنزلة السعي وما بعده.
وفي هذا نظر لا يخفى على متأمل، والله أعلم.
ثم على رأي الإمام: إذا فاتتا بالموت قبل فعلهما؛ قال: فينقدح أن يجبرا بالدم إذا قلنا بالوجوب؛ كسائر الواجبات.
وقد حكي عن الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال: إذا لم يصلهما حتى رجع إلى شعبه - أي: بيته - صلاهما وأراق دماً، وليس إراقة الدم بواجبة -كما تقدم- بلا خلاف، لكنها مستحبة.
وقد حكى النواوي عن الشافعي: أنه استحبها، لكن استحباب ذلك، هل هو مفرع على القول بالوجوب، أو على القولين؟ فيه وجهان: المذكور فى "التتمة"، الأول.
والأصح في "تعليق القاضي الحسين" الثاني.
واعلم أن ركعتي الطواف تقعان للمستأجر لأداء النسك عنه.
قال الإمام: وليس في الشرع صلاة تجزئ فيها النيابة غير هذه.
وفي "الروضة" أن أصحابنا اختلفوا فيمن تقع عنه؟ فقيل: عن الأجير.
والأشهر: أنها عن المستأجر.
فرع: إذا أراد أن يطوف طوافين أو أكثر، استحب له أن يصلي عقيب كل طواف ركعتين، فلو طاف طوافين أو أكثر [بغير صلاة]، ثم صلى لكل طواف ركعتين جاز، لكنْ ترك الأفضل.

ويستحب أن يدعو عقيب صلاة الركعتين خلف المقام بما أحب من أمور الآخرة والدنيا، والله أعلم.
قال: ثم بعود إلى الركن فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن جابراً روى ذلك عنه حين وصف حجه صلى الله عليه وسلم، كما أخرجه مسلم وغيره.
قال الماوردي: ويستحب له بعد استلام الركن، وقبل خروجه أن يقف في الملتزم، ويدعو عنده؛ لأنه - عليه السلام- فعله.
وأن يدخل الحجر ويدعو تحت الميزاب؛ لقوله - عليه السلام – "أما من أحد يدعو تحت الميزاب إلا استجيب له".
وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا جاوز ميزاب الكعبة: اللهم إني أسالك الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب".
وقال ابن الصلاح: وظاهر الحديث الصحيح يدل على أن هذا مما لا ينبغي الاشتغال به عقيب الطواف الذي يستعقب السعي، بل يخرج إلى السعي، ويؤخر ذلك إلى ما بعد طواف آخر، ومن أراد ذلك عقب الطواف المستعقب للسعى، فينبغى

أن يأتي به مقدماً على استلام الحجر.
وقد قال الغزالي: إنه يأتي الملتزم إذا فرغ من الطواف قبل فعل ركعتي الطواف.
قال ابن الصلاح: وهكذا الأمر في دخول البيت.
قال: [ويسعى؛] لأنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه سعى بين الصفا والمروة - كما تقدم ذكره - وهو بيان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ الآية [البقرة: 158]. ومعنى قوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي: من علامات مناسككم.
ومعنى قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]، أي: لا حرج عليه في ذلك.
وسببه: أن الصفا كان عليه صنم يقال: له إساف، وعلى المروة صنم يقال له: نائلة، وكانت الجاهلية إذا سعت يمسحونهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام، كرهه المسلمون؛ لأجل ذلك؛ فنزلت الآية.
وروى مسلم عن عروة قال: قلت لعائشة - رضي الله عنها- ما أرى عليَّ جناحًا [ألاَّ أطوف] بين الصفا والمروة، قالت: "لم"؟ قلت: "لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ " الآية [البقرة: 158]، فقالت: "لو كان كما تقول، لكان: "فلا جناح عليه ألا يطوف بهما"، إنما أنزل الله تعالى هذا في أناس من الأنصار كانوا إذا أهلوا، [أهلوا] [لمناة]، في الجاهلية؛ فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة".
وفي رواية: "ما أتمَّ الله حج امرئ ولا عمرته، لم يطف بين الصفا والمروة".

وهذا من قول عائشة لا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما قاله الماوردي.
فائدة: قال القاضي الحسين: الأصل في السعي قيل: قصة إبراهيم - عليه السلام.
[روي أنه -عليه السلام أمر] ابنيه إسماعيل [وإسحاق] بالمسابقة، فاستبقا، فبسق إسماعيل إسحاق، فأجله في حجره، وإسحاق بين يديه على الأرض، فدخلت زوجته سارة أم إسحاق، فقالت: ولد أمتي تجلسه في حجرك، وولدي على الأرض؟! فحلف إبراهيم - عليه السلام - أن يهاجر يإسماعيل وأمه هاجر، فهاجر بهما إلى مكة، وحمل معهما جراباً من الزاد، وقربة من الماء، ومكة إذ ذاك ربوة حمراء، ليس بها ديار، ولا نافخ نار، فقالت هاجرت "إلى من تكلنا"؟ فقال: "إلى الله"، فقالت: "إذن لا يضيعنا الله"، فلما فني الزاد والماء، تحيرت هاجر فسمعت صوتاً من "صفاً فَزَقَتْهَا بقدر قامة رجل، ثم خفي ذلك الصوت، فنزلت وهي تمشى، فلما بلغت الموضع الذي يُبْدأ السعى منه، سمعت ذلك الصوت من "مروة"، فأخذت فى السعى الشديد، فلما بلغت المكان الذي يقطع فيه السعي، كانت قد سكنت فرجعت إلى سجية المشي حتى رقت "مروة" بقدر قامة رجل، وخفي الصوت، ثم سمعت [ذلك] الصوت من صفا بعد أن نزلت من "مروة"، وبلغت [الموضع الذي يقطع فيه السعي، فأخذت في السعي الشديد، فلما بلغت] الموضع الذي يبدأ فيه السعي، كانت قد سكنت فرجعت إلى سجية المشي حتى رقت] "صفا" هكذا سبع مرات.
وقيل: إنها لما رقت "الصفا" في المرة الأولى في طلب صاحب ذلك الصوت، سمعت ذلك الصوت من "مروة"؛ فنزلت من صفا، وقصدت "مروة"، وهى تمشي،

فلما بلغت الموضع الذي يبدأ فيه السعي، صار ولدها يمري منها، فلم تحب أن تراه في الحال الشديد من العطش، فأخذت في السعي الشديد حتى غاب عن عينها، ثم رجعت إلى سجية المشي حتى رقت "مروة"، ثم سمعت من "صفا" فنزلت من "مروة" وقصدت "صفا"، وهي على سجية المشى، حتى بلغت الموضع الذي يقطع [فيه السعى] فصار ولدها يمري منها، فأخذت في السعي الشديد؛ كراهية أن تراه في الحال الشديد من العطش، حتى بلغت الموضع الذي يبدأ فيه السعي، ثم رجعت إلى سجية المشي حتى رقت "الصفا"، هكذا سبع مرات، فلما كانت في المرة السابعة على "مروة" نظرت فرأت الماء قد نبع من تحت عقب إسماعيل، عليه السلام.
قيل: إن جبريل - عليه السلام - ضرب بجناحه على الأرض؛ [فنبع الماء.
وقيل: إن إسماعيل - عليه السلام - ضرب برجله الأرض]؛ فنبع الماء، وهو ماء زمزم، فابتدرت إليه، فأحاطت عليه التراب، مخافة أن ينفد.
قال - عليه السلام -: "لو لم تحطه، لكان عيناً معيناً".
ثم إن القوافل كانت تجىء من جرهم، فرأوا الطيور يقعن ويجتمعن في ذلك الموضع؛ فعلموا أن به ماء؛ فدنوا منها، وكان يطعمونها الزاد، وتسقيهم الماء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو لم يطعموها الزاد لكانت تسقيهم".
فصار هذا سنة في الحج إلى يوم القيامة، فهذا هو السبب في كيفية السعي.
وأما السبب في أصل السعي، فقد تقدم ذكره في الحديث، وقد زال واستقر حكمه، والله أعلم.
قال: يبدأ بالصفا، والأولى أن يرقى عليها حتى يرى البيت؛ لما روى مسلم وغيره عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم، لما دنا من الصفا بعد فرإغ طوافه، قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت.

قال الإمام: ورؤية البيت تحمل إذا رقى عليه بقدر قامة رجل.
والصفا: مقصور.
ورقي: بكسر القاف: أي صعد، وهي اللغة العالية.
وقول الشيخ: "يرقى" [غير]، مهموز، أيضاً.
وقد ادعى الإمام الوفاق على [أن] الانتهاء إلى أصل الجبل كاف؛ كما دلَّ عليه كلام الشيخ، وحكاه في "المهذب" عن نصه في "الأم".
وعن أبي حفص بن الوكيل من أصحابنا: أن الارتقاء عليها بقدر قامة رجل حتى يصير بحيث يتراءى له البيت - واجب؛ حكاه عنه هكذا القاضى الحسين وغيره.
وحكي عنه - وهو المذكور في الكتاب في باب فرض الحج والعمرة: أن الارتقاء عليها واجب، وأنه طرده في الارتقاء على المروة؛ موجهاً له: بأنه لا يتم سعيه إلا باستيفاء ما بينهما بلا خلاف عندنا، ولا يستوفيه إلا بذلك؛ فوجب؛ كغسل جزء من رأس في الوضوء.
قال الماوردي: وهو خلاف إجماع الصحابة؛ لأن الشافعي روى بسنده: أن أبا النجيح قال: أخبرني من رأى عثمان بن عفان يقوم في أسفل الصفا، ولا يظهر عليه، فلم ينكر ذلك أحد من الصحابة؛ فدلَّ على أنه إجماع.
وأما قوله: "إنه لا يمكن استيفاء ما بينهما إلا بالصعود عليها" فغلط؛ لأنه قد يمكنه بأن يلصق عقبه بالصفا، ثم يسعى فإذا انتهى إلى المروة، ألصق أصابع قدميه بالمروة؛ فيستوفى ما بينهما؛ وهذا منه يدل على أن الواجب من جهة المروة إنما هو إلصاق رءوس الأصابع بها، وقد صرح به القاضي الحسين أيضاً.
ويظهر أن يكون هذا فى المرة الأولى والثالثة والخامة والسابعة، أما في الثانية والرابعة والسادسة والسابعة، [فينبغي] أن يكون الواجب إلصاق العقب بها؛ كما في الصنا، وكلٌّ منهما لا يأبى ذلك.
وقد يفهم من كلام الشيخ "من لم ير البيت": أنه إذا [رقي على الصفا، رأى البيت

من أعلى جدار المسجد، وليس كذلك، بل هو إذا] رقي عليه [رآه] من باب الصفا.
قال: والمرأة لا ترقى؛ طلباً للستر والله أعلم.
قال: ويكبر ثلاثاً، ويقول: الحمد لله [على ما] هدانا)، زاد فى "الشامل": "والحمد على ما أولانا" لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير".
زاد في "الشامل" بعد قوله "يحيي ويميت": "وهو حي لا يموت، بيده الخير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون".
ثم يدعو بما أحب، أي: من أمر الدين والدنيا.
[و] الأصل في ذلك ما روى أبو داود في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر الله ووحده، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة.
وقد أخرجه مسلم، وزاد فيه: أنه استقبل القبلة [وأسقط منه "يحيي ويميت"؛ ولأجل ما اشتمل عليه من الزيادة، استحب أصحابنا استقبال القبلة] في الدعاء؛ ذكره القاضي الماوردي وغيره.
وعن ابن عمر أنه كان يدعو بعد التكبير والتهليل لنفسه.

تنبيه: قوله: "وهزم الأحزاب وحده"، أي: الطوائف التي تحزبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحصروا المدينة.
ومعنى "وحده": أي: هزمهم بغير قتال منكم، بل أرسل عليهم ريحاً وجنوداً؛ قال: الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الآية [الأحزاب: 9، 59]. قال: ثم ينزل من الصفا، ويمشي حتى يكون بينه [وبين] الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد [نحو ستة أذرع؛ فيسعى سعياً شديداً حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد] وحذاء دار العباس، ثم بمشي حتى يصعد المروة، ويفعل مثل ما فعل على الصفا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما نزل إلى المروة مشى حتى إذا انتصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعد مشى حنى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طواف [على] المروة، قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان ليس معه هدي، فليحل، وليجعلها عمرة" رواه مسلم عن جابر.
وكذا أخرجه أبو داود عنه، ولفظه: "حتى إذا انتصبت قدماء، رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعد مشى ... " وأتم الحديث.
وقد روي عن حبيبة بنت أبي تجراة أنها قالت: دخلت دار أبي الحسين مع نسوة من قريش؛ لأنظر كيف يسعى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته، وأراه يدور على ساقه من شدة العدو، وهو يقول: "رأيها الناس: إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا".
واعلم أن السعي الشديد في بطن الوادي من مستحبات السعي، فلو تركه ومشى

في الجميع، جاز؛ لما روى أبو داود أن ابن عمر مشى بين الصفا والمروة، وقال: "إن مشيت، فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، وإن سعيت؛ فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى، وأنا شيخ كبير".
قال في "الروضة": وإذا عجز عن السعي الشديد؛ لزحمة، تشبَّه بالساعين؛ كما قلنا في الرمل.
قال الإمام: ولا يبلغ بالشدة في السعي مبلغاً يبتهر به.
قال الأصحاب: ويستحب للساعي أن يقول بين الصفا والمروة: "رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم؛ إنك أنت الأعز الأكرم؛ لأنه - عليه السلام - قال ذلك وزاد في "الحاوي" في الآخر وتعلم ما لا نعلم".
وزاد الغزالي [تلو ذلك]: ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]. تنبيهان: أحدهما: كلام الشيخ يقتضي أنه يرقى على المروة حتى يرى البيت؛ لأنه هكذا يفعل على الصفا، ولا شك في [أن] الارتقاء عليهما- بقدر قامة رجل – مشروع.
وقد قال الإمام: إن الكعبة كانت تبدو في عصره - عليه السلام - من تلك الجهة - أيضاً - فحال بين الكعبة وبين الراقين في المروة القدر المشروع - الأبنيةُ التي أحدثها الناس.
الثاني: الميل [المعلق]: السود.
وقوله: "المعلق بفناء المسجد"، الفناء: بكسر الفاء ممدود، والمراد: يركن المسجد، وهو المسجد الحرام.
وعبارة الشافعى - رضى الله عنه – "المعلق فى ركن المسجد"، ومعناه: المبني فيه.

وقوله: "وحذاء دار العباس"، هكذا هو مذكور فى كتب الأصحاب.
قال النواوي: وهو غلط، وصوابه: حذف لفظ "حذاء"؛ فيقال: "المعلقين بفناء المسجد ودار العباس"، وهكذا ذكره الشافعي - رضي الله عنه - في "المختصر"، وابن الصباغ، والبغوي، وآخرون.
وقال في "التتمة": وجدار العباس": بالجيم، وبراء بعد الألف، وهو حسن.
والجدار: الحائط.
والعباس المذكور: هو عم الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد قال الإمام: إن المعبر عنه بدار العباس خَانٌ عرفه العامة بدار العباس- رضي الله عنه.
قال: ثم ينزل، ويمشي في موضع ويسعى في موضع سعيه، حتى يأتي الصفا، فيفعل ذلك سبعاً؛ لما تقدم من حديث ابن عمر الذي أخرجه مسلم، وحديث عبد ابن أبي أوفى: أنه صلى الله عليه وسلم أتى الصفا والمروة يسعى بينهما سبعاً.
فإن قيل: قد روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: "لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً"، وهذا يعارض ما ذكرتموه.
قلنا: المراد بالطواف الواحد جملة السعى؛ لأنه شيء واحد، والأشواط فيه كالركعات [في الصلوات]؛ وحينئذ فلا تعارض.
ومراد جابر أنه - عليه السلام - وأصحابه لم يتك" منهم السعي في النسك، لتكرر الطواف، وقد صرح به الأصحاب، وأرشد إليه قول الشيخ من بعد: "فإن كان قد سمى مع طواف القدوم لم يسع".
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أمرين: أحدهما: أن مروره من الصفا إلى المروة، ومروره عن المروة إلى الصفا مرة

واحدة، وأنه يفعل ذلك سبع مرات، وهو قول ابن خيران والصيرفى، أخذاً من قول الشافعي رضي الله عنه.
"ويبدأ بالصفا، ويختم بالمروة"؛ فإنه يقتضي أن هذا في كل مرة.
وقد نقله الماوردي عن الإصطخري والصيرفي وبعض أهل العلم، وهو ابن جريج؛ كما قال، وابن جرير؛ كما قال غيره، وهو الإمام، وأنهم استدلوا بأن الطواف لما كان ابتداؤه من الحجر، وانتهاؤه إليه، وكان ابتداء السعي من الصفا - وجب أن يكون انتهاؤه إليه؛ [قياساً عليه.
ولكن المذهب كما حكاه فى "المهذب" وغيره: أن مروره] من الفنا إلى المروة - مرةٌ، ومن المروة إلى الصفا مرة ثانية؛ لقول جابر في الحديث الذي ذكرناه من قبل "حتى إذا كان آخر طواف على المروة، قال: لو استقبلت عن أمري ما استدبرت .. " إلى آخره.
قال الماوردي: ولأن هذا هو المستفيض في الشرع، ينقله الخاصة والعامة، خلفاً عن سلف، ليس بينهم فيه تنازع؛ فكان ذلك إجماعاً منهم كإجماعهم على أن الظهر أربع [ركعات].
وأما ما استشهدوا به، فهو حجة عليهم؛ لأن [الواجب] في الطواف استيفاء جمح البيت في كل طوفة، وذلك من الحجر إلى الحجر، فأوجبناه عليه، والواجب في السعي استيفاء جميع المسعى، وذلك يحصل بمروره من الصفا إلى المروة؛ فأوجبناه عليه.
قال الإمام: وقد عرض تصنيف لأبي يكر الصيرفي، وفيه ما حكيناه عنه - عن أبي إسحاق المروزي؛ فخط عليه، فرد التصنيف إلى أبي بكر الصيرفي فأعاده، واستقر على مذهبه.
وقد جاء في بعض نسخ التنبيه ما يدل على المذهب، وهو قوله: "يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة" [ولا يصح أن يختم بالمروة] في صورة يصح فيها السعي إلا كذلك.
واحترزنا بقولنا: "يصح فيها السعى" عما لو سعى من الصفا إلى المروة، ثم رجع

إلى الصفا من غير المسعى، وأتى من الصفا في المعى إلى المروة، وفعل ذلك سبعاً - فإنه لا يعتد له بذلك إلا بالمرة الأولى على الصحيح الذي لم يورد في "الحاوي" غيره [وإن كان فيه وجه قد حكاه في "الروضة" عن "البحر" وغيره؛ أنه يصح.
وقال الماوردي- بناء]، على ما ذكرناه من المذهب في مسألة الكتاب-: إن المرة الأولى تكون من الصفا إلى المروة، والثانية من المروة إلى الصفا، والثالثة من الصفا إلى المروة، والرابعة من المروة إلى الصفا، والخامسة من الصفا إلى المروة، والسادسة من المروة إلى الصفا، والسابعة من الصفا إلى المروة، وأنه لو نسي السابع أتى به وكمل سعيه، ولو نسي السادس، وأتى السابع، لم يحسب له إلا خمسة.
ولو نسي الخامس، وأتى بما بعده، بطل السادس، وجعل السابع خامساص، وأتي بالسادس والسابع؛ لأن الترتيب شرط.
وما قاله صحيح، وقد ذكر بعده شيئاً [قد] يظن أنه يخالفه؛ فإنه قال: لو ترك من المسعى ذراعاً، ورجع إلى أهله، لم يحل، ثم ينظر: فإن كان المتروك من السابع، نظر: فإن كان من آخره أتى بذلك الذراع، وإن كان من وسطه أتم سعيه من حيث ترك، وإن كان من أوله من ناحية الصفا عاد وأتى بالسعي [كله وتحلل.
ومراده بالسعي] ذلك المرور فقط، لا بمجموع السعي، ولوكان من السادس لم يعتد له، بالسابع، وكان الحكم في السادس كما تقدم.
الثاني: أن الموالاة لا تشترط في مرات السعي؛ [لأنه أتى بـ"ثم"، و"ثم"] هذا وضعها، وهو الذي حكاه القاضي الحسين وغيره، وهو الصحيح في "التتمة"؛ لأنه

قال: "إن حكمه حكم الطواف".
وقال البندنيجي: إن التفريق اليسير لا يضر، [وكذلك الكثير] بعذر: كالخروج لصلاة مكتوية، وللطهارة، ونحوها.
وإن كان كثيرًا بغير عذر، فعلى قولين: المذكور في "الأم": أنه لا يضر، ويبنى.
وفي القديم: أنه يستأنف.
وقال الماوردي: إن لم يشترط ذلك في الطواف، ففي السعي أولى؛ وإلا فوجهان: أحدهما: وهو قول البصريين -: أنه شرط، فيه كالطواف.
والثاني: لا؛ لأن السعي أخف حالاً عن الطواف؛ لجوازه بغير طهارة.
وعلى هذا إذا أقيمت الصلاة، وهو في المسعى، أو عرض عارض- قطع السعي، فإذا فرغ بنى.
وقد روى أن ابن عمر كان يطوف بين الصفا والمروة، فأعجله البول؛ فتنحى، ودعا بماء، فتوضأ، ثم قام فأتم على ما مضى.
وقد اتفق الكل على [أن] عن شرطه أن يقع بعد [طواف ولو نفلاً، إلا] طواف الوداع؛ فإنه لا يتصور وقوعه بعد.

وادعى الماوردي الإجماع عليه.
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله إلا هكذا، ولو لم يكن تقدم الطواف شرطاً، لفعل خلافه ولو مرة واحدة.
نعم: هل يجوز أن يتراخى عنه، أو يشترط وقوعه عقيبه؟ فيه وجهان في "الحاوي": الذي قاله البصريون الثاني؛ حنى بَعُدَ ما بينهما، لم يجزئه؛ لأن السعي لما افتقر إلى تقديم الطواف عليه؛ ليمتاز عمَّا يفعله الإنسان لغير الله تعالى، وهو تردده إلى حاجةٍ - افتقر إلى فعله على الفور؛ ليقع الامتياز؛ لأنه لا يحصل إلا بوقوعه على الفور.
والذي قاله البغداديون، والقاضي الحسين، وهو المشهور - الأول؛ لأن كلاً منهما ركن، والموالاة بين أركان الحج لا تجب وإن كان الترتيب شرطاً؛ دليله الطواف والوقوف؛ وهذا ما اقتضاه قول الشيخ: "ثم يعود إلى الركن، ثم يخرج من باب الصفا، ويسعى" ووضع [ثم] للتراخي مع الترتيب.
وعلى هذا: لا فرق بين طويل المدة وقصيرها، لكن يشترط ألا يتخلل بينهما شيء.
وقال الغزالي: إنه [لو] تخلل بينهما الوقوف بـ"عرفة" ففيه تردد؛ لأن الوقوف كالحاجز، والذي ذكره أبو علي المنع؛ لهذه العلة، وهو المحكي في البيان عن القفال، والله أعلم.
قال: فإن بدأ بالمروة، لم يعتد بذلك حتى يأتي الصفا فيبدأ به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم "أبدأ بما بدأ الله به" كما تقدم، وقال في آخر: "خذوا عني مناسككم"، وفي رواية أنه

قال: "ابدءوا بما بدأ الله به".
وظاهر الأمرك الوجوب.
تنبيه: اقتصار الشيخ على بيان هذا الحكم في السعي دون باقي أحكامه [يعرفك أن باقي أحكامه] ليس بواجبة، بل مستحب، ومن جملة [ذلك] سعيه راجلاً.
وقد صرح الأصحاب به، وقالوا: يجوز السعي راكباً [، وهو راجلاً أفضل؛ لأنه - عليه السلام- طاف وسعى في حجة الوداع راكبا؛] ليراه الناس، ويقتدوا به، أو ليسألوه؛ فإن الناس غشوه، وغيره ليس كذلك.
وسكوت الشيخ عن ذكر الطهارة والستارة مع ذكره لهما في الطواف، يعرفك أنهما ليسا بشرط في السعي كما صرح [به] الأصحاب؛ لقوله - عليه السلام - لعائشة "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت"؛ فخص الطواف بالنهي؛ فعلم أن السعي غير داخل في النهي.
ولأنه نسك لا يتعلق بالبيت؛ فلم يكن من شرطه ذلك؛ كالوقوف.
قال: والمرأة تمشي، ولا تسعى، لقول ابن عباس: "ليس على النساء معي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة".
ولأن المعنى الذي شرع لأجله السعي في الابتداء إظهار الجَلَد والقوة - كما تقدم - وهو مفقود في حق النساء.
ولأن ذلك يفضى إلى تكشفها.
وعن [الإمام] الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال: "إذا كانت المرأة مشهورة الجمال، فالمستحب لها أن تطوف وتسعى ليلاً، فإن طافت نهاراً، أسدلت

على وجهها سترا".
وقد حكي في "المهذب" ما ذكرناه عن الشافعي.
وأفهم كلامه أنها إنما تمشي، ولا تسعى إذا طافت نهاراً؛ ولأجله قال في "الروضة": وقيل: إن سعت في الخلوة ليلاً، سعت كالرجل".
قال: فإذا كان اليوم السابع من ذي الحجة، خطب الإمام - أي: الأعظم -[أو نائبه] في إقامة الحج؛ إذ لا ينبغي له إذا لم يحضر الحج بنفسه أن يخلي جمعهم عن مقدَّم [يحل] محل الأمير عليهم؛ لأن الحج يجمع صنوفاً من الخلق؛ فيتوقع من الازدحام أمور لا بد في دفعها من التعلق برأي مطاع؛ ولهذا يستحب أن يحضر الجامع سلطان، وقد بعث رسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً في السنة التاسعة من الهجرة، وبعث عليًّا وراءه حتى يقرأ على الكفار سورة براءة.
قال: بعد الظهر بـ"مكة"، وأمر الناس بالغدو إلى "منى" من الغد؛ لما روى [ابن عمر] أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قبل التروية بيوم بعد الظهر، ويعلم الناس المناسك.
وهذه إحدى الخطب في الحج، وهي أربعة يأتي عليها كلام الشيخ.
وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعلها، وكلها بعد الصلاة، إلا خطبة يوم عرفة؛ فإنها قبلها؛ قاله ابن الصباغ، والإمام.
وفيما وقفت عليه من "تعليق القاضي الحسين": أن كلها قبل الصلاة، وأن [كلها] خطبة واحدة، إلا خطبة عرفة فإنها خطبتان.

قال الماوردي: ويستحب للإمام إن كان محرماً أن يفتتح الخطبة بالتلبية، وإن كان حلالاً افتتحها بالتكبير.
ويستحب [له] إن كان مقيماً بـ"مكة" أو من أهلها أن يحرم ويصعد المنبر [محرماً].
وإن كان فقيهاً، قال الشافعي - رضي الله عنه-: "أحب أن يقول لهم: هل من سائل فأجيبه".
وهذا إذا لم يكن الثامن يوم جمعة، "فإن كان قال ابن الصباغ": فإنه يأمرهم أن يخرجوا قبل الفجر؛ فإن الفجر إذا طلع، لم يجز الخروج إلى سفر، وترك الجمعة على أصح القولين.
وفي القول الآخر: يكون مكروهاً.
وقد قال الشافعي - رضي الله عنه – "ولا يصلون الجمعة بـ"منى"، ولا بـ"عرفات" إلا أن تحدث قرية مجتمعة البناء يستوطنها أربعون رجلاً".
وإن كان السابع يوم جمعة، خطب للجمعة، وصلاها، ثم رقي المنبر بعد الصلاة، وخطب للحج؛ قاله المتولي [وغيره].
قال: ثم يخرج إلى منى في اليوم الثامن، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت بها، ويصلي بها الصبح؛ هكذا رواه مسلم عن جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم.
ويستحب للإمام إن لم يكن قد أحرم قبل الخطبة -كما ذكرناه- أن يحرم قبل أن يخرج، ليحرم معه من بقي من الناس غير محرم، ويختار أن يكون إحرامه بعد أن يطوف بالبيت سبعاً؛ توديعاً له، ويصلي ركعتين؛ قاله الماوردي.
قال الأصحاب: والناس مخيرون في اليوم الثامن - وهو المسمى بيوم التروية - يين أن يغدوا بكرة، وبين أن يخرجوا بعد الزوال إلا أن يكون يوم جمعة، فيخرجون قبل الفجر؛ لما تقدم.

ويستحب أن تكون صلاتهم في مسجد الخيف عند الأحجار التي بين يدي المنارة؛ فإنه مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد صلى في مسجد الخيف سبعون نبياً، فمنهم موسى، وكأني أنظر إليه، وعليه عباءتان قطوانيتان، وهو محرم على بعير مخطوم بخطام من ليف، وله ضفيرتان"؛ والمبيت بـ"منى في هذه الليلة؛ للاستراحة، وليس بنسك اتفاقاً؛ فلا يجب بتركه دم، وكذا لو ترك وداع البيت بما ذكرناه من الطواف، لا دم عليه؛ لأنه بخروجه غير مفارق للبيت، وإنما خرج؛ ليعود إليه.
وقد اختلف الناس لم سمي اليوم الثامن يوم التروية؟ فقيل: لأن الناس يروون فيه من الماء؛ لأنه لم يكن بـ"منى" ولا عرفات ماء.
وقيل: إن آدم - عليه السلام - رأى فيه حواء وقيل: لأن جبريل - عليه السلام -[أرى إبراهيم - عليه السلام- فيه أول المناسك.
وقيل: لأن إبراهيم عليه السلام] تروى فيه في ذبح ولده.
وقيل: غير ذلك.
ومنى: يكسر الميم، مقصور، منون، مصروف، ويجوز ترك صرفها، سميت بذلك؛ لما يمنى فيها من دماء الهدي - أي: يراق - ولذلك سمي ماء الظهر منيًّا؛ لأنه يمنى، أي يراق.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: 37].
وقيل: لأن الله تعالى مَنَّ فيها على إبراهيم - عليه السلام - بالفداء.
وقيل: لِمَنِّهِ على خلقه [فيها] بالمغفرة.
وبينها وبين مكة فرسخان، وكذا بينها وبين عرفات فرسخان؛ لكون طريق منى

إلى عرفات أطول من طريق مكة إلى مِنى، وبينها وبينها وبين مزدلفة فرسخ، كما بين مزدلفة وعرفات فرسخ، لكن الفرسخ الذي بين عرفات ومزدلفة أطول وأمد؛ كذا قاله القاضي الحسين.
وقال في "الروضة": المختار أن المسافة بين مكة ومنى فرسخ فقط؛ كذا قاله جمهور العلماء المحققين، منهم الأزرقي وغيره ممن لا يحصى.
قال: فإذا طلعت الشمس على ثبير.
ثبير هذا بثاء مثلثة مفتوحة، ثم باء ثانية الحروف مكسورة، جبل عظيم بـ"المزدلفة" على يمين الذاهب من منى إلى عرفات.
قال: سار إلى الموقف، [واغتسل للوقوف] وأقام بنمرة.
أما استحباب الغسل؛ فلأن ابن عمر كان يغتسل إذا راح لـ"عرفة".
وحكى ابن الخل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأنه موضع اجتماع يسن فيه الاغتسال؛ كالجمعة.
وأما باقي ما ذكره؛ فلأنه صلى الله عليه وسلم لما صلى الصبح بمنى مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، فأم بقبة، فضربت له بـ"نمرة"، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى "عرفة"، فوجد القبة قد ضربت له بـ"نمرة"، فنزل بها كذا رواه مسلم عن جابر وقوله: "فأجاز [رسول الله صلى الله عليه وسلم] "، قيل: هي لغة في تجوز، وجاز، وأجاز بمعنى.
وقيل: جاز الموضع: سلكه، وسار فيه، وأجازه: خلفه، وقطعه.
ونمرة: بفتح النون وكسر الميم، عند الجبل الذي عليه أنصاب الحرم عن يمينك إذا خرجت من مَأزِمَىْ عرفات تريد الموقف؛ قاله الأزرقي وغيره؛ وكذا قاله النواوي.

وقد يفهم أن "نمرة" من "عرفات"؛ كما يفهمه ظاهر الخبر السابق.
وقد جاء عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى عرفة، فنزل بها حتى إذا زالت الشمس، أمرنا بالقصواء، فرحلت له ... وساق الحديث؛ ذكره الماوردي، وهو أبين من الأول؛ ولأجله صرح به في "الشامل"، وتبعه الشيخ زكي الدين: أنها موضع بـ"عرفة".
لكن في "الحاوي": أنها قبل عرفة، وهي إلى الصخرة الساقطة بأصل الجبل عن يمين الذاهب إلى عرفة.
وكلام القاضي الحسين يوافق ذلك في موضع؛ فإنه قال: "وتضرب خيمة الإمام قريبًا من عرفات بـ"نمرة"، أو بوادي عرنة، ولا يدخل عرفات، بل يقيم بها حنى تزول الشمس".
وقال في آخر: "إن نمرة ليست من عرفات"، وهو الذي صرح به البندنيجي أيضاً وحكاه عن نصه في "المختصر" "الأوسط" من الحج.
وقال في "الروضة" إنه الصواب.
واعلم أن بعض الشارحين قال: لو قال الشيخ "سار إلى عرفات"، لكان أحسن من قوله: "سار إلى الموقف"، وكأنه -والله أعلم- يشير بذلك لأمرين: أحدهما: أنه لفظ الشافعي - رضي الله عنه -. والثاني: أن قوله بعد: "ثم يروح إلى الموقف" يكون منتظماً مع هذا القول.
[والجواب عن هذا]: أنا نقول: إن لم تكن نمرة من عرفات، فلا فرق بين أن يقول: "ثم يروح إلى الموقف" أو "إلى عرفات"؛ لأن تقدير الكلام: سار للموقف، ونزل دونه؛ للاستراحة بنمرة، وحينئذ يبقى قوله من بعد: "ثم يروح إلى الموقف" منظماً مع ما تقدم.
وإن كانت نمرة من عرفة كما دلَّ عليه الخبر - فلا فرق يين اللفظين أيضاً، والكلام منتظم؛ لأنا نستحب له أن يوقع صلاة الظهر والعصر بمسجد إبراهيم - عليه السلام- كما سنذكره، وليس كله من "عرفة".
ولفظ الشيخ في "المهذب" "فإذا طلعت الشمس على "ثبير" سار إلى الموقف"،

وقال ثانياً: "ثم يروح إلى عرفة، ويقف".
قال: فإذا زالت الشمس، خطب الإمام، أي: بعد توجهه إلى المصلى، وهو مسجد إبراهيم عليه السلام؛ كما قال الماوردي والقاضي الحسين وغيرهما، وهو خارج عن عرفة - كما سنعرفه - وبينه وبين موقف النبي صلى الله عليه وسلم بالصحراء نحو [ميل، قاله] "في الروضة".
قال خطبةً خفيفة، [وجلس جلة خفيفة] أي: بقدر ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ كما قاله البندتيجي وغيره - ثم يقوم، ويأمر بالأذان، ويخطب الخطبة الثانية، ويفئ منها مع فراغ المؤذن، ثم تقام الصلاة، ويصلي الظهر والعمر.
قال القاضي الحسين: لأن جابراً روى أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.
والذي رواه مسلم عن جابر: أنه - عليه السلام - لما نزل نمرة أقام بها حتى إذا بزغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له، فأتي يطن الوادي، فخطب الناس، تم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يفعل بينهما شيئاً.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بطن الوادي، فخطب، ثم وقف قليلاً، ثم خطب، وأمر بلالاً، فأذن وأقام.
وروى البخاري بإسناده أن سالم بن عبد الله قال: للحجاج: إن كنت تريد أن تصيب السنة، فأقصر الخطبة، وعجل الوقوف.
قال ابن عمر: صدق.
وهذه الخطبة الثانية من الخطب الأربع في الحج، ويعلِّمهم فيها مشروعات الوقوف، وواجباته، والمبيت بـ"مزدلفة"، ويأمرهم بأخذ الحصى من "مزدلفة"، لرمي جمرة العقبة، ويعلمهم الوقوف بالمشعر الحرام، وغير ذلك من المناسك التي يستقبلونها.

قال الشافعي - رضي الله عنه – "وأقل ما عليه أن يعلِّمهم ما يلزمهم من هذه الخطبة إلى الخطبة الثالثة".
فإن كان فقيهاً، قال: "هل من سائل؟ "، وإن لم يكن فقيهاً لم يتعرض للسؤال.
واعلم أن كلام الشيخ يفهم أمرين: أحدهما: أن الإمام يفرغ من الخطبة الثانية مع فرإغ المؤذن من الأذان ثم تقام الصلاة، وهو الذي أورده البندنيجي، والماوردي، وابن الصباغ، والبغوي.
والمنقول في "النهاية"، و"التتمة"، والخلاصة: أنه يفرغ منها مع فراغ المؤذن من الإقامة بعد الأذان، ويكون [الإمام] قد أمره بهما.
وقال الإمام: إن رسول الله.
[هكذا فعل].
الثاني: أنه لا فرق في جمع الإمام بين الظهر والعصر بالناس بين أن يكون آفاقيًّا أو من أهل مكة، أو مقيمًا بها؛ وهو ما صرح به الماوردي حيث قال: إنه سنة هناك للمقيم والمسافر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جمعهما ليتصل له الدعاء بالموقف، فلذلك لم يقع الفرق يين المسافر والمقيم.
وحكم من صلى معه من مسافر ومقيم حكمه في ذلك، إلا أن الإمام إذا جمع، وجب عليه أن ينوي الجمع عند افتتاح الأولى بلا خلاف.
وأما الذين خلفه من المأمومين، ففيهم وجهان: أصحهما [:أن]، عليهم أن ينووا الجمع؛ كالإمام، ويوصي الناس بعضهم [بعضاً] بها، ويخبر من علم من جهل.
والثاني: أنهم إن جمعوا من غير نيَّة، أجزأهم؛ لاختصاص الموضع بجواز الجمع، ولحوق المشقة في إعلام الكل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع هناك من غير أن نادى فيهم بالجمع، ولا أخبرهم به.
و [من] لم يصلِّ مع الإمام؛ لكونه تأخر عنه، فإن كان مسافراً جمع منفرداً كان أو في جماعة، ولا بد في هذه الحالة من نية الجمع.

وإن كان من المقيمين بـ"مكة"، فهل يجوز له الجمع؟ على قولين مبنيين على اختلاف قوليه في جواز الجمع في السفر القصير.
وقد أطلق ابن الصباغ حكاية القولين في أهل مكة من غير [تفصيل بين] أن يصلوا مع الإمام أو منفردين؛ إحالة على ما تقدم في الجمع بين الصلاتين.
والقاضي أبو الطيب حكاهما فيما إذا جمعوا مع الإمام، وكذا غيره.
والقاضي الحسين: نسب المنع [إلى] الجديد، والجواز إلى القديم، وقال: وعلى هذا لأي معنى جاز له؟ فيه معنيان: أحدهما: لأجل النسك.
والثاني: للسفر.
ويظهر أثرهما في أهل "عرفة" هل يَجْمَعُوك؟ فإن قلنا: إنما جاز للمكي؛ لأجل النسك، جاز لهم أيضاً، وإلا فلا؛ لفقد السفر، وهو ما ذكره البندنيجي.
والإمام حكى طريقين في جواز الجمع للمكي: أحدهما: القطع بالجواز؛ لأجل النسك.
والثاني: تخريجه على القولين في السفر القصير؛ وهذا حكم الجمع، ولم يتعرض الشيخ لحكم القصر هنا؛ اكتفاء بما سبق عنه في باب صلاة المسافر؛ فإن الحكم لا يختلف.
ولا يجهر الإمام بالقراءة فيها؛ لأنها صلاة نهارية.
فرع: لو وقع يوم عرفة يوم جمعة، فقد ذكرنا عن الشافعي - رضي الله عنه - أنه لا تصلي الجمعة فيها إلا أن تحدث قرية مجتمعة البناء يستوطنها أربعون رجلاً بصفة الكمال.
قال: ثم يرجع إلى الموقف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من صلاة العصر، ركب حتى [أتى] الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبْل المشاة

بين يديه، واستقبل القبلة، كذا رواه مسلم عن رواية جابر.
وحَبْلُ المشاة - بفتح الحاء المهملة، وسكون الباء الموحدة، وبعدها لام: صَفُّهُمْ، ومجتمعهم في مشيهم.
وقيل: طريقهم الذي يسلكونه في الرمل.
[وعن بعض المحققين من قال: هو بالحاء مصحف، وإنما هو "جبل المشاة" بجيم، وهو جبل الدعاء، [سمي بذلك]؛ لأن المشاة كانوا يقفون عليه].
والمراد بالموقف: عرفات؛ روى أبو داود عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كانت قريش ومن دان بدينها يقفون بـ"المزدلفة"، وكانوا يُسَمَّوْنَ: الْحُمْس، وكان سائر العرب يقفون بـ"عرفة".
[قالت] فلما جاء الإسلام، أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 199]، وأخرجه البخاري ومسلم.
و [قد] قيل: إن قريشاً كانوا لا يخرجون من الحرم يوم عرفة، ويقفون بـ"نمرة" دون عرفة في الحرم، ويقولون: لسنا كسائر الناس؛ نحن أهل الله؛ فلا نخرج من حرم الله.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقف مع [قريش في] الحرم، ويخرج مع الناس إلى عرفة؛ للآية.
قال الماوردي: وفي ﴿النَّاسُ﴾ [البقرة: 199] قولان للعلماء: أحدهما: أنه إبراهيم عليه السلام؛ [لأنه] كان يقف بـ:"عرفة".

والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم [حيث] وقف بها.
وغيره حكى [فيه] ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إبراهيم عليه السلام.
والثاني; أنه آدم عليه السلام، "ويعضده" قراءة من قرأ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 199]. والثالث: أنهم سائر العرب.
وعرفات - كما قال الشافعي في القديم - ما بين الجبل المشرف على بطن عرنة إلى الجبال المقابلة يميناً وشمالاً.
ولفظه في "الأوسط": وعرفة ما جاوز وادي عرفة [إلى الجبال القابلة على عرفة كلها مما يلي حوائط بني عامر وطريق الحصن، فإذا جاوزت ذلك، فليس من عرفة] [وليس الوادي، ولا المسجد من عرفة].
ومراده بالمسجد: مسجد إبراهيم عليه السلام.
وقد قال القاضي الحسين وغيره: إن صدره من عرفة، وهناك يقف للصلاة والخطبة، ومؤخره من جملة [عرفة]؛ فمن وقف فى قاصية، المسجد أجزأه عن فرض الوقوف.
قال الإمام: ويتميز مكان المسجد من عرفات يصخرات كبار، فرشت في ذلك الموضح.
قال بعضهم: ولا منافاة بين هذا وقول الشافعي- رضي الله عنه - لأنه يجوز أن يكون لد فيه بعد الشافعي - رضي الله عنه شيء من عرفة.
قال الإمام: ويطيف بعَرَصَات عرفة جبال وجوهها من عرفة.
واخلف الناس: لم سميت عرفة؟ فقيل: لتعارف آدم وحواء فيها؛ لأنه تعالى أهبط آدم بأرض الهند، وحواء بأرض

جدة، فتعارفا بالموقف.
وقيل: لأن جبريل - عليه السلام - عرَّف فيه إبراهيم - عليه السلام - مناسكه.
وقيل: سميت بذلك للجبال التي فيها، ووقوف الناس عليها، والجبال هي الأعراف.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: 46].
قيل: وهو سور بين الجنة والنار، ومنه قيل: عرف الديك، وكل ناتئ، فهو عرف.
وقيل: لأن الناس فيها يعترفون بذنوبهم؛ فحينئذٍ يغفر لهم.
وقيل: لأنه أطيب تلك الأماكن من قولهم: عرفت المكان، أي: طييته.
قال: والأكل أن يقف عتد الصخرات، أي: ويجعل بطن ناقته - إن كان راكبها - إلى الصخرات؛ اقتداء به عليه السلام.
وقال: بقرب الإمام؛ كما يستحب أن يقرب منه في الصلاة والخطبة.
وإنما حمل فعله - عليه السلام - على الاستحباب؛ "لأن جابراً روى" أنه - عليه السلام - وقف بـ"عرفة"، فقال: "قد وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف"، أخرجه أبو داود ومسلم والنسائي بنحوه.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدمنا عرفة [فقال النبي صلى الله عليه وسلم سلم هذه عرفة،] وكلها موقف، إلا وادي عرنة).

وهذا الحديث يفهم أن وادي عرنة من عرفات إذا جعلنا الاستغناء متصلاً، لكنه لا يصلح موقفاً، وعلى هذا فيحمل ما ذكره الشافعي من حد عرفة على عرفة التي يصلح الوقوف بها.
وقد حُكي [عن] ابن الصباغ أنه قال: الأفضل أن يقف عند الحصيات السود عند جبل الرحمة، وهو الجبل الذي يعرف بجبل الدعاء، وفيه قبة تعرف بقبة آدم، واستحباب الوقوف عنده؛ لكونه موقف الأنبياء؛ كما قال الماوردي.
قال فى "التتمة": يستحب أن يقف عند الصخرات على جبل الرحمة.
وقال الإمام: إنه [لا نسك في الرقي] فيه وإن كان يعتاده الناس.
وبالجملة: فأي موضع خلا بنفسه كان أفضل ليتوفر على الدعاء؛ كذا قاله الشافعي - رضي الله عنه-.
قال: وأن يتقبل القبلة؛ للخبر، ولأنه لا بد من استقبال جهة، وجهة القبلة أولى؛ لقوله - عليه السلام – "خير المجالس ما استقبل به القبلة".
ويستحب – أيضاً- أن يكون متطهراً؛ قاله في "الروضة" قال: وأن يكون راكباً في

أحد القولين؛ اقتداء به عليه السلام.
والمعنى فيه: أنه يقوى على الدعاء الذي هو المقصود في هذا الموقف؛ ولهذا استحب للواقف بـ"عرفة"، الفطر فيه؛ وهذا هو الصحيح، والمنصوص عليه في القديم، كما قال الماوردي، و"االإملاء" كما قال في "المهذب" و"الشامل".
قال: وفيه قول آخر: أن الراكب وغيره سواء؛ لتأويهم في حصول المقصود، وهو الحصول بـ"عرفة"، وركوبه صلى الله عليه وسلم كان ليراه الناس، فيتعلموا منه مناسكهم؛ وهذا ما نص عليه في "الأم".
قال الأصحاب: [ويستحب] أن يبرز للشمس، ويظهر نفسه لها؛ لأنه – عليه السلام - رأى يوم عرفة رجلاً يطلب الفيافي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أضح لمن أحرمت له، أي: اخرج [إلى] الشمس، لأن الشمس: الضح.
قال: ويكثر من الدعاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الدعاء يوم عرفة".
ولأنه أعظم الأيام التي يرجى فيها الإجابة؛ روى مسلم عن عائشة - رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة،

وإنه [ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء] ". قال الأصحاب: ويستحب أن يرفع يديه [فيه] بحيث لا تحاذيان رأسه، ولا يفرط في الجهر به؛ فإنه مكروه.
قال: ويكون أكثر قوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير"؛ لأن عليَّ بن أبي طالب روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يقول عقيبه: "اللهم اجعل في سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي قلبي نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهور"؛ كذا حكاه في "الحاوي".
وفي "تعليق القاضي الحسين": أن عليًّا قال: كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند عرفة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير".
والمشهور أنه - عليه السلام - قال: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: "لا إله إلا الله وحدم لا شريك له".
وقد سئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة؟ فقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك لهم"، فقيل له: هذا ثناء وليس بدعاء، فقال: أما سمعت قول الشاعر: إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرءُ يَوْماً كَفَاهُ من تعرّضِهِ الثَّناءُ

وفي "الشامل": .. .... .... كفاه ما يعوضه الثناء وفي الخبر الصحيح عن الله أنه قال: "من اشتغل بذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".
قال: ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى [طلوع] الفجر الثاني من يوم النحر.
أما وجه كون أوله من الزوال لا قبله -كما قال الإمام أحمد – فلقوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم"، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم وقف بعد الزوال لا قبله؛ كما ذكرناه من خبر جابر.
وسئل [ابن] عمر عن الساعة التي راح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الموقف في هذا اليوم؟ فقال: إذا كان [ذلك] رضاً، فلما أراد أن يروح قال: "أزاغت الشمس؟ " [قالوا: لم تزغ الشمس، قال: " أزاغت الشمس؟، قالوا: لم تزغ] فلما قالوا: زاغت [الشمس] ارتحل؛ أخرجه أبو داود وابن ماجه.
ومعنى زاغت [الشمس]: مالت بالزوال إلى جهة المغرب، ومنه ﴿زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ [الأحزاب: 10]، أي: مالت عن مقلها.
وقد اتفق [الناس] على العمل بما ذكرناه من لدنه صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا، ولو كان جائزاً قبل ذلك ومجزئاً لما اتفقوا على تركه.

وأما وجه كون آخره [عند] طلوع الفجر الثاني من يوم النحر؛ فلما روى عبد الرحمن بن يعمر الدِّيلي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً فنادى: "الحج، الحج يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع تمَّ حجه، أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه".
[قال:] ثم أردف رجلاً خلفه، فجعل ينادي بذلك، أخرجه أبو داود.
ورواه يحيي بن سعيد عن سفيان قال: "الحج" مرة.
وأخرجه الترمذي [والنسائي وابن ماجه].
وعن عروة الطائى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه، وقضى تفثه"؛ أخرجه أيو داود، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح.
وهذا القول كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموقف بجمع كما قال الراوي، ولأنه لم يخالف في ذلك أحد.
وإذ [قد] ثبت ذلك، قال الشيخ: فمن حصل بـ"عرفة" في شيء من هذا الوقت [وهو] عاقل – أي: "وهو محرم" فقد تَمَّ حجه؛ لأنه أتى بالعبادة في وقتها،

وهو من أهلها.
فإن قيل: إن ابن عمر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك عرفة ليلاً، فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفة ليلاً، فقد فاته الحج، فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل"؛ وهذا يدل على أنه إذا وقف بعد الزوال، ولم يتصل وقوفه بالليل، [لا يحمل له الحج؛ كما قال به الإمام مالك رحمه الله.
فجوابه أن في هذا الخبر دليلاً على إدراكه [بالليل]]، وتنبيهاً على إدراكه بالنهار؛ لأن حكم آخر الوقت أما أن يكون مثل أوله أو أضعف، ولا يجوز أن يكون أقوى منه، فلما جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مدركاً بآخره وهو [أول]، الليل، كان أولى أن يكون مدركاً بأوله، وهو عن الزوال.
وتخصيصه - عليه السلام - الليل بالذكر، لأن الفوات يتعلق به؛ إذ الليل يوجد بعد النهار.
وقد عكس بعض أصحابنا ما اقتضاه ظاهر هذا الخبر، فقال: الليل ليس بوقت للوقوف، وحكاه الفوراني قولاً للشافعي - رضي الله عنه.
وقال الأصحاب: إنه لا يصح عنه.
نعم: الخلاف مشهور في [أن] الليلة العاشرة هل يصح الإحرام فيها بالحج أم لا؟ وعن أبي الحسين وجه فيما إذا وقف في أول الزوال، وانصرف لا يجزئه، بل يجب أن يكون الوقوف بعد مضي إمكان صلاة [الظهر] بعد الزوال.
قال: ومن فاته ذلك، أو وقف وهو مغمى عليه - فقد فأنه الحج: أما إذا فاته ذلك، فلفوات الوقت، ولا سبيل إلى قضائه؛ لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد ولم يوجد، ويخالف غيره من العبادات التي [تقضى؛ لأن تلك لم تكن] في مستقبل الزمان ما يمكن فعلها فيه أداء بخلاف الحج؛ ولهذا قلنا: من

أراد التطوع بالأضحية، وفاته يوم النحر وأيام التشريق، لا يضحي بعدها وإن قلنا بقضاء النوافل.
وأما إذا وقف وهو مغمى عليه؛ فلخروجه عن أهلية العبادة، وهذا ما أورده الغزالي [في "الوسيط"] موجهاً له بما ذكرناه، وصححه في "الروضة".
وحكى القاضي أبو الطيب عند الكلام في النيّة في الطواف عن أبي إسحاق دعوى الإجماع عليه، وكذا فيما إذا وقف وهو ناسٍ، وهو يخالف ما لو استغرق وقت الوقوف بالنوم؛ فإنه يتم حجه، قياساً على ما لو نام جميع النهار في رمضان؛ فإنه يصح صومه.
وقد قيل: إن النائم لا يكون مدركاً- أيضاً - حكاه ابن القطان، وليس بشيء.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أموراً: أحدها: أنه لا فرق في إدراك عرفة بين الواقف، والقاعد، والماشي؛ وهو مما لا خلاف فيه.
نعم: في "الروضة" حكاية وجه في المرور المجرد: أنه لا يكفي، وهو شاذ.
الثانى: أنه لا فرق بين أن يكون قد قصد الوقوف، أو قصد غيره، كما إذا أعَارَ فرسه أو بَعِيرَهُ، فتبعه؛ فحصل فيها، أو لم يقصد شيئاً؛ وهو ما ذكره القاضي الحسين.
وقال الإمام: قد ذكرنا اختلافاً في الذي يصرف طوافه عن جهة النسك إلى جهة أخرى، والظاهر أنه لا يجزئ هنا، ولعل السبب فيه أن الوقوف في نفسه لا يتخيل [قربة، والطواف] قربة على حياله.
ثم قال: ولا يمتنع طرد الخلاف في الوقوف إذا صرف قصدًا [إلى غير] جهة النسك.
الثالث: أنه لا فرق بين أن يعرف أنه عرفة أو لا، ولا بين أن يعرف أنه يوم عرفة أو لا، وهو المشهور.
وقيل: يشترط أن يعرف أن موقفه عرفة؛ حكاه ابن القطان عن ابن الوكيل، وحكاه

في "التتمة" فيما إذا جهل اليوم أيضاً.
وقال: إن أصل هذا الاختلاف: أن كان ركن من أركان الحج؛ هل يحتاج إلى نية مفردة؟ فيه طريقان: أحدهما: لا؛ كالصلاة.
والثاني: نعم؛ [لأن] أركانه ينفصل بعضها عن بعض، وكل ركن عبادة مفردة.
فإن قلنا: يحتاج إلى النيّة، فلا يصح مع الجهل بالمكان واليوم، وإلاَّ صح.
وبهذا الخلاف يقوى تخرج الإمام الخلاف في الصورة السابقة.
الرابع: أنه إذا وقف وهو مجنون، فقد فاته الحج من [طريق] الأولى؛ لأنه أسوأ حالاً من المغمى عليه.
وقد قيل فيهما: إنه يتم حجُّهما أيضاً؛ حكاه ابن الصباغ عن رواية ابن القطان، وقال: إنه ليس بشيء، وهو الذي حكاه القاضي الحسين فى المغمى عليه؛ ولأجله اقتضى إيراد البغوي ترجيحه فيه، وصححه الرافعي، وقال الإمام: إنه ظاهر كلام الأئمة.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل