كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال: وليس بشيء؛ لأن الخل عين العصير وإنما تغير من صفة إلى صفة، فاشبه ما لو طرأ على العين بياض ثم زال، ومخالف السمن فإن الثاني عين الأول قطعاً.
وقال الماوردي: إن هذا الخلاف يعني المشهور الذي ذكرناه [أولاً] مخرج من الخلاف فيما لو قلع سنَّ مَنْ أثغر ثم عاد سنه بعد أخذ أرشه؛ هل يجب رد الأرش أم لا؟ فإن قلنا: يجب، ردها وما نقص وإن قلنا: لا يجب رد الأرش؛ غرم قيمة العصير، والجمهور على ضمان العصير بالمثل لا بالقيمة.
وحكى الرافعي وغيره على قول ضمان المثل من العصير وجهاً أن الخل يكون للغاصب كالوجه الذي حكيناه فيما إذا غصب الخمر فتخللت في يده.
واعلم أن ما ذكرناه من الخلاف جار فيما لو غصب بيضة فتفرخت عنده، أو بذراً فرعه فنبت وازداد، أو بذر قزّ فصار قزّا فعلى [القول] الأول وهو الصحيح يكون ذلك للمالك ولا يغرم [له] الغاصب إلا ما نقص عن قيمة الأصل، وعلى الثاني يغرم البدل، والحاصل للمالك على أظهر الوجهين، وللغاصب على مقابله.
فرع: لو انقلب العصير خمراً ولم ينقلب خلاًّ.
قال الماوردي: وجب على الغاصب قيمته، وهل له أخذ الخمر؟ فيه وجهان:
قال: وإن غصب صَليباً أو مِزماراً فكسره [أي الكسر المأمور به لم يضمن الأرش لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئاً حَرَّمَ ثَمَنَهُ" وهذه الصنعة محرمة فلا قيمة لها] أما إذا زاد علىلكسر المأمور به بحيث فوت بكسره صلاحيته لمنفعة مباحة كانت تحصل مع الكسر المأمور به - لزمه ما بين قيمته مكسوراً
[بالكسر المباح] وغيره [وقد اختلف الأصحاب في حد الكسر المأمور به] على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكسره [حتى تنتهي] إلى حد لا يمكن اتخاذ آلة محرمة [منه] لا الأولى ولا غيرها.
والثاني: أن يزيله عن حالته الت قصدت لاستعامله عليها، فالصليب يرفع أحد الجسمين عن الآخر والعود يزيل وجهه حتى يبقى جفنه، وهذا ما حكاه [الروياني] في البحر.
والثالث وهو أظهرها: أن يكسره بحيث لا يمكن إعادته إلى تلك الحالة إلا مع عسر.
قال الرافعي: وما ذكرناه من الاقتصار على تفصيل الأجزاء، فهو [فيما] إذا تمكَّن المحتسب منه، أما إذا منه من هو في يده وكان يدفع عن المنكر؛ فله إبطاله بالكسر [قطعاً].
قال الإمام: ولم يكتف أحد من أصحابنا بقطع الأوتار مع ترك الآلات، وادعى في الوسيط في ذلك الإجماع.
تنبيه: [الصليب] يجمع على صُلُب وصُلبَان، وثوبٌ مصلَّبٌ: عليه نقش؛ كالصَّليب.
قالا لماوردي: وهو موضوع على معصية؛ لزعمهم أن عيسى ابن مريم – عليه السلام – قتل وصلب على مثله واعتقدوا إعظامه طاعة، والتمسك به قربة، وقد أخبر الله تعالى بكذبهم فيه ومعصيتهم به فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 157] وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ [النساء: 157]
[وفيه تأويلان: أحدهما: أن الكناية راجعة إلى عيسى، وتقديره وما قتلوا عيسى يقيناً].
والثاني: أنها ترجع إلى العلم به، وتقديره: وما قتلوا العلمَ به يقيناً، من قولهم: قَتلت ذلك علماً إذا تحققته ومنه جاء [الحديث به]: قتلت الأرض جالها، [وقتلت أرض عالمها].
المزمار: بكسر الميم، واحد المزامير وزَمَرَ َزمِر، [ويزمُز] زمراً، فهو زمار.
وقال الجوهري: ولا يكاد يقال: زامر، قال: ويقال: للمرأة زمَّارة.
قال: ويقال للمزمار: مزمور، بفتح الميم وضمها.
قال النواوي: وبالوجهين ضبطناه في الحيدث الصحيح.
قال: وإن اختلفا في رد المغصوب؛ فالقول قول المغصوب منه؛ لأن الأصل عدم الرد، وإن اختلفا في تلف الغصوب، فادعاه الغاصب وأنكره المالك، فالقول قول المالك على وجه؛ لأن الأصل البقاء.
والأصح أن القول قول الغاصب؛ لأن ذلك قد يكون [خفيًّا، وقد] يعجز عن إقامة البينة، فلو لم يصدقه [الجلد انحبس] عليه، ولم يجد منه مخرجاً فعلى هذا إذا حلف هل يلزمه البدل؟ فيه وجهان:
وجه المنع: [أن المالك] يزعم أن العين قائمة، فلا يستحق القيمة.
والأصح: أن له ذلك إذ تعذر الرجوع عليه بسبب الحلف.
قال: وإن اختلفا في قيمته فالقول قول الغاصب) لأنه غارم والأصل براءة ذمته، وعلى المالك البينة بقدر القيمة إن لم يرض بما قاله الغاصب، ويكفي فيها عند [أبي إسحاق] شاهد ويمين، [وشاهد] وامرأتان.
وعن ابن أبي هريرة طريق ذلك [طريق] الحكم فلا
مدخل للنساء فيه.
قال أبو الحسن، والأولى قول أبي إسحاقك كذا حكاه الزبيلي في [كتابه] أدب القضاء له، [و] ينبغي للبينة أن تشهد بأن قيمة المغصوب كذا، فلو أقام منيشهد على الصفات دون القيمة لم يجز للمقومين [أن يعتمدوا] على الوصف في التقويم؛ لأن المشاهدة هي المعرفة للقيمة.
وعن صاحب التقريب رواية قول غريب: أن لهم الاعتماد على الصفات، وينزل على أقل الدرجات؛ كما في السلم.
والفرق على الأول: أن السلم من باب الرخص فلا يقاس عليه، فعلى هذا لو أبعد الغاصب في التقليل فيطالب بأن يرتقي إلى [أول] درجة تحتمل هذه الصفات.
ولو ذكر الغاصب أن القيمة مائة، فأقام المالك بينة بأنها فوق المائة ولم يعينوا قبلت [هذه] الشهادة في وجوب الزيادة على المائة على الأصح، وهو الذي عليه الأكثرون.
وفائدة ذلك: أن يزيد على ما ذكره ويرتقي، فإن زاد فقالت البين: كانت القيمة أكثر من ذلك فيكلفه الزيادة إلى أن ينتهي إلىموقف لا يقطع الشهود بالزيادة عليه.
قال الإمام: ولا ينحصر ما صورناه بالغصب، بل لو ادعى رجل على ىخر ألف درهم فاعترف المدعي عليه بخمسمائة، فأقام المدعي بينة أن له عليه أكثر من خمسمائة، فالأمر فيه على التفصيل الذي ذكرناه.
ولو وقع اختلاف المالك والغاصب في صفات المغصوب، فقال المالك: إنه
كان سالم الأعضاء، و [قال] الغاصب إنه [كان] مقطوع اليد؛ فالقول قول المالك على الأصح من القولين.
ولو قال الغاصب به عيب من أصل الخلقة مثل كونه أكمه، أو أنه ولد أعمى، أو أعرج، أو عديم اليد، فالقول قوله على الأصح.
وقيل: القول قول المالك في نفي ذلك.
وقيل: إن كان ما ادعاه الغاصب مما يندر من العيوب؛ فالمصدق المالك، وإن كان مما لا يندر؛ فالمصدق الغاصب.
ولو ادعى المالك أن المغصوب كان كاتباً أو محترفاً، وأنكر الغاصب فالقول قوله على الأصح.
وحكى العراقيون: أن القول قول المالك؛ لأنه أعرف بحال مملوكه.
وحكى الماوردي الخلاف في أن القول قول المالك أو قول الغاصب في الصورتين الأوليين في كتاب العتق، وفحوى كلامه الجزم في الأخير بأن القول قول الغاصب.
ولنختم الباب بفروع تتعلق به.
وهو إذا غصب أرضاً فحاله فيها تنقسم أربعة أقسام:
الأول: أن يبني فيها، ويغرس، فينظر إن كان البناء والغراس له – أجبر على قلعه مجناً، ولا يجبر على أخذ قيمة البناء والغراس.
وإن كان قلعه يضر بالأرض لما روى هشام بن عروة عن أبيه أن رجلاً غصب أرضاً من رجلين من بني بياضة من الأنصار فغرسها نخلاً [عما] فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقلعه، فروي عنه أنه قال [:"لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقُّ" قال] عروة فأخبرني من رأي القوس يعمل في أصولها.
وفي قوله: [نخلاً عما] تأويلان:
أحدهما: طوالا.
والثاني: أنها [قد] عمت بخيرها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:" ... عَمَّتكُمُ النَّخْلَةَ" يعني: عمت بخيرها.
وقيل: بل عنى أنها خلقت من فضل طينة آدمن فصارت عمة في النسب، والعروق أربعة:
عرقان ظاهران: البناء، والغراس، وعرقان باطنان: البئر، والنهر، كذا نبه عليه الماوردي في أثناء الباب.
إذا ثبت ذلك فإذا قلع البناء والغراس نظر في الأرض؛ فإن لم تنقص بالقلع فلا شيء على الغاصب سوى الأجرة، وإن نقصت؛ لكونها صارت حفراً، فالغاصب ضامن لها غير أن الشافعي قال هنا: يرد ما نقصت الأرض، وقال في البيوع في رد الحجارة المستودعة: إن عليه تسوية الأرض، فاختلف الأصحاب كذلك في المسألة؛ فبعضهم خرج المسألتين على قولين، وبعضهم فرق بأن الغاصب متعد فغلظ حكمه بالأرش والبائع غير متعد فخفف حكهم بتسوية الأرض، فعلى هذا [هل] تجب الأجرة مع الأرش أو [يتم] أكثرها؟ فيه وجهان في البحر كما في الثوب وغيره، واستبعد مجيء القول الثاني هنا.
ولو باع الغاصب [ذلك من مالك الأرض صح، ولو باعه من غيره، فإن كان بشرط البقاء بطل، وإن كان بشرط القلع والنقص] جاز، وإن أطلق فوجهان:
ولو باع مالك الأرض الأرض صح، وكان للمشتري إجبار الغاصب على
القلع، ولا يستحق البائع أرش نقص الأرض بالقلع؛ لأن المشتري دخل على عيبه.
قال الماوردي ويكون البيع سبباً لسقوط الأرش عن الغاصب، ولو كان البناء، والغراس [لصاحب الأرض، فإن رضي بأن يأخذها لذلك أخذها، ولا شيء عليه من مؤنة الغراس، والبناء]، وليس للغاصب أن يزيل ذلك، ولو طالبه المالك بالإزالة؛ نظر إن كان له فيه غرض صحيح أجبر عليه، ولزمه غرم تنقيص الغراس والبناء عما كان قبل الغراس والبناء، وعليه نقص الأرض أيصاً، وإن لم يكن في قلعه غرض صحيح لقاصد؛ فهل يجبر على القلع؟ فيه وجهان:
فإن قلنا بعدم الإجبار فللمالك مطالبته إذا لم قلع بأرش ما ينقصه القلع عن الحالة التي كان عليها المغصوب قبل الغرس والبناء؛ لأنه لما استحق المطالبة به مع التزام مؤنة القلع؛ فأولى مع عفوه عنها.
وإن قلنا بمقابله، فلا.
ولو كان الغراس والبناء مغصوبين من ثالث فلكل من رب الأرض والغراس والبناء أن يأخذ الغاصب بالقلع [إن كان له غرض]، ويرجع كل منهما عليه بأرش ما نقص، ولو اشترى مالك الأرض الغراس والبناء – كان له مطالبة الغاصب بالقلع إن كان له غرض ويرجع بنقص البناء والغراس دون الأرض.
ولو هرب الغاصب عن أن يلتزم لهما مؤنة القلع، واختلفا في تحملها ففيمن يجب عليه منهما؟ فيه وجهان.
ولو كان [الغراس في أرض] فقلعه الغاصب، فإن كان باقياً؛ ففي كيفية ضمانه لأصحابنا ثلاثة أوجه:
أحدها: ما بين قيمة [الشجر قائماً ومقلوعاً.
والثاني: يضمن ما بين قيمة] الأرض ذات شجر قائم وبين قيمتها والشجرُ مقلوع منها؛ لأن تعديه قد سرى إلى الأرض.
والثالث: أنه ضمن أغلظ الأمرين.
وإن كان قد استهلك الشجر بعد قلعه، فعلى الأول يضمن قيمة الشجر قائماً، وعلى الثاني ما نقص من قيمة الأرض بقلع الشجر، وعلى الثالث أغلظ الأمرين كذا قاله الماوردي.
القسم الثاني: أن يدفن فيها ميتاً، فإن الغاصب يجبر على نبشه، وإن كان فيه انتهاك حرمة الميت، ثم إذا نبش ضَمِن أرش نقصها كما تقدم، فلو قال المالك: أنا أقر الميت في الأرض إن ضمن لي نقص الأرض بالدفن فيها؛ ففي إجبار الغاصب على بدله وجهان في الحاوي.
القسم الثالث: أن ينقل ترابها، وله حالتان:
أحداهما: أن يكون [قد] كشطه من على وجه الأرض، فللمالك إجباره على رده على صفته إن كان باقياً، ومثله إن كان تالفاً؛ سواء كان للمالك به نفع أم لا، وسواء عظمت مؤنة ذلك أو خفت، ولو لم يجد مثله ضمن القيمة، وفيها وجهان:
أحدهما: وهو ما نقله المزني عن الشافعي في "الكبير" -: أنه تقوم الأرض وعليها الراب الذي أخذ منها، ثم تقوم بعد اخذه منها، ويجب مابينهما.
والثاني: -أكثر الأمرين من هذا أو من قيمة التراب بعد نقله عن الأرض، حكاه الماوردي، ولو لم يطالبه المالك بالرد نُظر فإن كان للغاصب في الرد غرض؛ بأن دخل الأرض نقص يرتفع برد التراب، أو كان قد نقله إلى ملكه أو إلى دار غيره أو إلى شارع يحذر من التعثر به الضمان، فله الاستقلال بالرد، إن لم يتيسر [عليه في الصورتين الأخريين، نقله إلى موات أو نحوه كما قيده
الإمام والماوردي، دون ما إذا تيسر] وله عند إعادته بسطه كما كان، فإن منعه المالك مِنْ بَسْطه لم يبسطه وإن كان في الأصل مبسوطاً، وإن لم يكن له غرض فإن منعه [المالك] من الرد لم يرده، وإن لم يمنعه وخالف فهل يفتقر إلى الإذن؟ فيه وجهان في التتمة؛ بناء على وجهين في أنه لو منعه فخالف ورد، هل للمالك مطالبته بالنقل ثانياً؟ إن قلنا: لا، رده من غير إذنه، وإن قلنا: نعم، فلا بد من إذنه وهو الأظهر.
الحالة الثانية: أن يحفر في الأرض بئراً وينقل ترابها، فإن أمره المالك بطمِّها لزمه، إن كان له فيه غرض صحيح، وألا فوجهان حكاهما الماوردي، وإن لم يأمره، كان له أن يستقل به، خلافاً للمزني، فلو تراضيا على تركها فذاك لهما، وعلى الغاصب ضمان ما يسقط فيها، لتعديه بحفرها، وليس لرب الأرض أن يطالبه بمؤنة السد، وإنما له أن يأخذه متى شاء بالسد كذا قاله الماوردي، ولو منعه المالك من السد، وقال: رضيت باستدامة البئر، فإن كان للغاصب غرض في الطم سوى دفع ضمان التردي كما ذكرناه فله الطم، وإن لم يكن له غرض سواه فوجهان، أظهرهما:- وهو قول ابن أبي هريرة -: المنع، ويندفع عنه الضمان؛ لخروجه عن أن يكون جناية وتعدياً.
وقد عبر الماوردي وغيره عن محل الوجهين فيما إذا أبرأه المالك من الضمان.
وقال الإمام: ليس معناه حقيقة الإبراء، فإن الضمان حق عساه يثبت للمتردي فكيف يبرئ عن حق الغير قبل ثبوته، وإنما المارد الرضا بإنقاء البئر.
وقال أيضاً: إن محل جواز الطم له إذا كان بعين التراب المنقول، أما إذا كان قد تلف؛ ففي جواز الطم بتراب آخر دون إذن المالك وجهان.
قال الرافعي: - والظاهر أنه لا فرق بين ذلك [التراب] وغيره، ولو لم يقل المالك: رضيت باستدامة البئر واقتصر على المنع من الطم ففي التتمة: أنه كما لو صرح بالرضا.
وقال الإمام: لا يتضمنه.
ولو كان الغاصب قد طوى [البئر] من مال نفسه فله نقضه، وللمالك إجباره عليه، فإن وهب ذلك منه لم يلزمه القبول على أظهر الوجهين، ثم إذا أعاد هبة الأرض إلى ما كانت في الحالتين إما بطلب المالك أو دونه، فإن لم يدخل الرض نقص فلا أرش عليه، [وعليه الأجرة]، وإن دخلها نقص ففي كيفية جبره ما ذكرناه في حال البناء والغراس.
القسم الرابع: أن يترك الأرض في يده من غير أن يتصرف [فيها] فيجب عليه أجرة مثلها، فلو نقصت بسبب ترك الزراعة؛ كأرض البصرة – ضمن أرش النقص قاله [القاضي الروياني] في البحر.
[والله أعلم].
آخر: غصب المشاع متصور عندنا.
قال الشافعي في كتاب الشركة: إذا كان العبد بين شريكين فغصب رجل حصة أحدهما، ثم [إن] الغاصب والشريك الآخر باعا العبد من رجل فالبيع جائز في نصيب الشريك البائع، ولا يجوز بيع الغاصب، كذا حكاه [عنه] القاضي أبو الطيب في شرح الفروع في مسألة أولها:
لو أن رجلاً وكَّل شريكه في عبد أن يبيع نصيبه [مع نصيبه] وإذا كان ذلك متصوراً فتصوره في غير الغاصب من طريق الأولى، لكن قد أشار الأصحاب عند الكلام في ما إذا أقر بعض الورثة [بنسب] وكذبه الآخر [إلى] أن الوارثَين إذا وضعا أيديهما على التركة يكون يد كل واحد منهما على جميعها كما سنذكره ثَمَّ إن شاء الله تعالى، وفيه نظر.
والله أعلم.
كفاية النبيه شرح التنبيه
الجزء الحادي عشر يحتوي على الأبواب التالية الشفعة- القراض- العبد المأذون- المساقاة- المزارعة- الإجارة الجعالة- المسابقة- إحياء الموات- اللقطة- اللقيط
بسم الله الرحمن الرحيم
باب الشفعة
الشفعة من شفعت الشيء إذا ضممته وثنيته، ومنه شفع الأذان، وسميت شفعة؛ لضم نصيب إلى نصيب، وقيل: من الزيادة.
ولهذا إذا ضم إلى الوتر غيره صار شفعاً.
فسميت شفعة؛ لأن الشفيع يضم نصيب شريكه [إلى نصيبه] فيصير نصيبه زائداً بعد أن كان ناقصاً.
وهذا قول ثعلب، كما حكاه عن الهروي في الغريبين.
وقيل: من التقوية والإعانة، يقال: شَفَعْتُهُ عند السلطان فشفعني فيه؛ لأن كل واحد من الفردين يتقوى بالآخر، ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: 85] أي: من أعان محسناً في إحسانه، ومنه الحديث: "القرآن شافع مشفع".
ومنه: شاة شافع: التي معها ولدها لتقويتها به، قاله الرافعي، وفي تعليق القاضي الحسين أن الشاة الشافع: السمينة.
وقيل: من الشفاعة؛ لأن في الجاهلية كان [الرجل] إذا أراد بيع منزل أو حائط أتاه الجار أو الشريك أو الصاحب ليشفع إليه [فيما باع] فيشفعه، وهذا قول ابن قتيبة في غريب الحديث كما حكاه الماوردي.
وقد فسرت في [الشريعة: بحق تملك] قهري يثبت للشريك القديم على الشريك الحادث بسبب الشركة بالبدل الذي تملك به لدفع الضرر.
والأصل في مشروعيتها من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 3] وهي منه؛ لأن فيها إزالة الضرر عن الشريك.
ومن السنة أحاديث: منها ما روى مسلم عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "الشُّفْعَةُ في كُلِّ شِرْكٍ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ، لا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَريكِهِ فَيَاخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبي فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤذِنَهُ".
ومنها: ما روى البخاري ومسلم وأبو داود بسند كل منهم عن جابر.
أنه قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شركة لم تقسم، ربعة أو حائط "لاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَركَ، فَإِنْ بَاعَهُ وَلَمْ يُؤذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ".
وقد اختلف في المعنى الذي لأجله ثبتت على قولين:
أحدهما: دفع ضرر مؤنة القسمة واستحداث المرافق وغيرها، وهو اختيار الشافعي.
والثاني: وإليه ذهب ابن سريج: دفع ضرر سوء المشاركة.
ولهذا الاختلاف فائدة تظهر من بعد.
قال- رحمه الله-: لا تجب الشفعة أي: لا تثبت إلا في جزء مشاع، من عقار أي: [من] أرض محتمل القسمة، فأما الملك المقسوم فلا شفعة فيه؛ لما ذكرناه من [حديث] جابر الذي رواه البخاري.
وقد روى عنه أيضاً: "إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة".
وأخرجه أبو داود والترمذي وإن اختلفت ألفاظهم، وقال الترمذي: إنه
حديث حسن صحيح.
وجه الدلالة منه: أنه ذكر الشفعة بالألف واللام، وليس لهما معهود يرجع اللفظ إليه؛ فثبت أنه للجنس.
وكلمة إنما موضوعة للحصر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: 171].
وقد قال الأزهري: قال أهل اللغة: إنما تقتضي إيجاب شيء ونفي غيره وذلك يدل على المدعي.
فإن قيل: فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ .. "، وروى البخاري عن أبي رافع [قال]: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ".
وروى الترمذي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِباً إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِداً"، وذلك يقتضي ثبوت الشفعة للجار.
قلنا: قد روى صاحب "التقريب" عن ابن سريج أنه أثبتها للجار الملاصق دون المقابل فيشبه أن يكون مستنده ذلك، وروي عن الروياني أنه قال: رأيت بعض أصحابنا يفتي به، وهو الاختيار.
وذكر الإمام أن الشيخ أبا علي لم يثبت ذلك عن ابن سريج، وحمل كلامه على أنه لا يعترض في الظاهر علي الشافعي إذا قضى له الحنفي بشفعة الجوار،
وأن في الحِل في الباطن خلافاً، والمذهب الأول.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "أَحَقُّ بِصَقَبِهِ" المراد [بالصقب] بالسين والصاد: القرب، كما حكاه ابن الصباغ، فيكون معنى الخبر: أحق بقربه، وهذا مجمل فلا بد فيه من حمله على معنى صحيح.
ونحن نحمله على الرحبة تكون للرجل، فيتنازع اثنان في الانتفاع بها، فيكون الجار الأقرب أحق بالانتفاع بها.
وأيضاً: فإن المراد بالجار: الشريك؛ لأن جميع أجزاء ملك شريكه مجاورة لجميع أجزاء ملكه، فهو أحق باسم الجوار من الجار المقاسم.
ومعنى الجوار: القرب؛ ولهذا تسمي العرب الزوجة: جارة لقربها، قال الأعشى في جملة أبيات:
أجارتنا بيني فإنك طالقه ... ..... .... .... .... ..... وموموقة ما كنت فينا ووامقه.
قال الماوردي: وكان السبب في قول الأعشى ذلك، أنه تزوج امرأة كرهه قومهأ، وأخذوه بالنزول عنها فلم يقنعوا منه بالطلقة الأولى والثانية، فلما طلقها الثالثة كفوا عنه.
ومن جهة المعنى: أن الشفعة شرعت لدفع الضرر بها [لا] لدخول الضرر
منها، وفي وجوبها للجار ضرر داخل لتقاعده بالملك عن بدل النجش من الثمن؛ لتيقنه بأن غيره لا يقدم على ابتياعها مع علمه بشفعته، ولا يوجد مثل ذلك في المشترك؛ لأن الشريك يقدر على دفع هذا الضرر بالمقاسمة، وما كان موضوعاً لدفع الضرر [لا يجوز] أن يدخل منه الضرر.
قال: وغير العقار من المنقولات فلا شفعة فيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا شُفْعَةَ إِلا في رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ"، ولأن المنقول لا يبقى دائماً، والعقار يتأبد؛ فيتأبد ضرر المشاركة فيه، والشفعة تملُّكُ قَهْريُّ فلا يحكم بثبوته إلا عند شدة الضرر.
فإن قيل: قد روى البخاري عن أبي هريرة أنه قال: "جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لمْ يُقْسَمْ"، وهذا عام.
فجوابه: أنه محمول على ما لم يقسم من العقارات، يدل عليه تتمة الحديث: فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة.
فأثبت جنس الشفعة فيما لم يقسم ثم فسر ذلك بتفسير لا يتناول إلا ما لا ينقل ولا يحول؛ لأن الحدود وصرف الطرق إنما تستعمل في الأرض.
قال: وأما البناء والغراس فإنه إن بيع مع الأرض أي: الحاملة لذلك والمتخللة بينه، إذا كانت تقسم قال: ففيه الشفعة؛ للخبر الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود؛ [إذا] الربعة والربع: المنزل الذي يربع به الإنسان ويتوطنه، يقال: هذا ربع بفتح الراء، وهذه ربعة.
وقيل: الربع: اسم للدار ببنائها، والحائط: اسم للبستان بغراسه.
ولأن البناء والغراس متصلان بالأرض، فصارا كأجزائها؛ ولهذا يندرجان تحت
مطلق [بيع الأرض].
أما إذا بيع ذلك مع الأرض الحاملة [له] لا غير، وكان ذلك عريضاً بحيث يقبل القسم فهل تثبت فيه الشفعة أم لا؟ فيه وجهان في الطريقين: أقيسهما في الرافعي: المنع؛ لأن الأرض في هذه الحالة تابعة والمنقول متبوع، والعبرة بالمتبوع لا بالتابع، وهذا ما ادعى في [البحر] أنه المشهور [عند أهل العراق.
وقال الإمام أبو محمد الجويني: إنه المذهب المشهور] ولا فرق في جريان الخلاف بين أن ينص على إدراج المغارس والأساس في البيع، أو يقول باندراجها في البيع عند إطلاق بيع البناء والغراس على وجه، صرح بذلك الرافعي.
فرع: إذا كانت دار ذات علو مشترك وسفلها لغير الشركاء، فباع أحد الشركاء في العلو نصيبه- نظر في السقف: فإن كان لرب السفل فلا شفعة، وإن كان لرب العلو ففي ثبوت الشفعة وجهان في الطريقين؛ وجه الجواز: أن السقف كالعرصة، وهو المختار في "المرشد"، وفي "البحر" والرافعي: عدمه أحسن.
ولو كان السفل لاثنين، ولأحدهما العلو، فباعه صاحبه مع نصيبه من السفل ثبت للشريك في السفل الشفعة [فيه].
وهل تثبت له في نصف العلو تبعاً؟ فيه جوابان للقفال، أصحهما: عدم الثبوت ومثل ذلك [الخلاف جار] فيما لو
كانت الأرض مشتركة بين اثنين ولأحدهما فيها غراس فباعه مالكه مع نصيبه من الأرض.
قال: وإن بيع منفرداً فلا شفعة فيه؛ لأنه منقول فأشبه العبد وادعى الروياني في [ذلك] نفي الخلاف، وحكى أبو الفرج السرخسي أنه يثبت فيه الشفعة؛ لثبوتها في الأرض.
وقال الإمام: إن بعض الأصحاب خرجها على تفصيل القول في القسمة، وقال: إن قلنا: [إن ما لم يقسم] لا شفعة فيه؛ فلا شفعة فيها، إذا كانت مما لا تقسم وإن قلنا: بثبوت الشفعة فيه أو كان المبيع جداراً عريضاً، أو سقفاً كاملاً لها؛ ففي المسألة قولان:
وجه الثبوت: أنها لا تعد من المنقولات، والمذهب الأول.
قال: وإن كان على النخل أي: التي في الشقص طلع غير مُؤَبَّر- أي حال العقد- فقد قيل: يؤخذ مع النخل بالشفعة: لأنه تبع للأصل في البيع، فكذلك في الأخذ.
وهذا ما نقله المزني، وهو الأصح في "التهذيب".
فعلى هذا: لو تأخر الأخذ لغيبة الشفيع حتى أُبِّرَت، فهل يأخذها؟
فيه وجهان: أصحهما في الرافعي، و"التتمة"، وتعليق القاضي الحسين: نعم، لأن حقه تعلق بها، وزيادتها كزيادة الشجر تطول أغصانها، وبُسُوقها.
وعلى هذا لا فرق بين أن [تكون تابعة] للنخل، أو قطعت، كما صرح به في "البحر".
والثاني: لا، وبه قال القاضي أبو الطيب؛ لخروجها عن أن تكون تابعة للنخل.
فعلى هذا هل يحط من الثمن شيء لأجل الثمرة؟ الذي جزم به القاضي الحسين: نعم، وغيره حكى وجهين، وقال: إنهما مبنيان على الخلاف في أن الثمرة غير
المؤبرة يقابلها قسط من الثمن أم لا؟
والأصح: المقابلة.
قال: وقيل: لا يؤخذ أي: الطلع بالشفعة؛ لأنه منقول فأشبه الزرع، وهذا الخلاف قد أثبته بعضهم قولين، وبعضهم وجهين، وهو يجري فيما إذا كان المبيع شقصاً من طاحونة، وقلنا بدخول الحجر الأعلى في البيع في أنه هل يأخذه بالشفعة أم لا؟
وأما الأسفل إذا قلنا بدخوله [في البيع] [له] أخذه بالشفعة جزماً.
قلت: ويتجه جريان الخلاف في كل ما لا يمكن الانتفاع به مع كونه منقولاً إلا بشيء ثابت في الأرض كغطاء التنور ونحوه كما ذكرناه في البيع.
قال: وما لا ينقسم كالرحى، والحمام الصغير والطريق الضيق أي ونحو ذلك كالعضائد الصغار، وفي بعض النسخ: والبئر [فلا شفعة فيه؛ لقول عثمان- رضي الله عنه- لا شفعة في بئر ولا فحل، والأُرف تقطع كل شفعة.
وأراد: البئر التي] لا تقبل القسمة، وفحل النخل، ولا يعرف له مخالف من الصحابة.
ولأن كل من ليس له المطالبة بالقسمة، ليس له المطالبة بالشفعة، أصله الجار المقابل.
ولأن الشفعة تثبت لدفع الضرر عند طلب القسمة، ببدل المؤن وبضيق المكان واستحداث المرافق من المصعد والمبرز والبالوعة ونحوها، وذلك مفقود هنا.
والمراد بـ"الأرف" في حديث عثمان: المعالم والحدود بين المواضع المقسومة.
وهي [بضم الهمزة وفتح الراء].
واحدها أرفة.
ويقال: الإرث بالثاء أيضاً، قاله في المستغرب.
وحكى الجيلي عن الأزهري أن الأرف بضم الهمزة وفتح الراء
المهملة وضم الفاء: الحدود بين المواضع المستوية، وبفتح الهمزة وسكون الراء: المعالم والحدود بين الأرضين.
قال: وقيل فيه قولان:
أحدهما: لا تثبت؛ لما ذكرناه.
والثاني: تثبت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم "الشُفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسْمْ"؛ ولأنها شرعت لدفع الضرر عن الشريك، والضرر فيما لا يقبل القسمة أدوم منه فيما يقبلها؛ فكان ثبوتها فيه بطريق الأولى.
وما ذكره القائل الأول من أن الشفعة إنما تثبت لأجل الضرر اللاحق بسبب القسمة، لا يصلح أن يكون علة؛ لأن ذلك ثابت مع بقاء الشريك الأول فلم يجدده البيع، وهذا ما صار إليه ابن سريج واختاره أبو خلف السلمي والروياني.
وقال: إن الفتوى عليه اليوم، ومنهم من حكاه عنه قولاً مخرجاً كما حكاه الشيخ، وعلى ذلك جرى ابن الصباغ والمذهب الأول؛ لما ذكرناه.
ولأن إثبات الشفعة فيه يُضِرُّ بالبائع؛ لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بقسمته، وقد يمتنع المشتري من الشراء؛ لأجل الشفعة فيقل ثمنه والضرر لا يزال بالضرر.
وما ذكره من الحديث شاهد لنا؛ فإن قوله صلى الله عليه وسلم: [إنما الشفعة] فيما لو يقسم يقتضي أن يكون ذلك فيما يقبل [القسمة]، فإنه لو أراد نفي القسمة جملة لقال: فيما لم ينقسم، والذي يؤيد هذا وأن المراد ما يقسم ولكنه لم يقسم
بعد: قوله صلى الله عليه وسلم: "فَإِذَا وَقَعَت الْحُدُودُ [وَصُرِفَتِ الطُّرق] فَلاَ شُفْعَةَ".
وهذا بيان لما اشتمل عليه اللفظ الأول.
وعلى الخلاف يخرج ما إذا كان لشخص في دار عشرها ولآخر تسعة أعشارها، وكانت بحيث لو طلب صاحب العشر القسمة لم يُجِبْ إليها، فباع صاحب العشر نصيبه- فإن قلنا: إن الشفعة تثبت فيما لم يقسم، ثبتت، وإلا فلا.
ولو باع مالك [التسعة أعشار نصيبه] وقلنا: لا تثبت الشفعة ففيما لم يقسم، فهل تثبت الشفعة لصاحب العشر؟ فيه وجهان [ينبنيان على أن صاحب الأعشار إذا طلب القسمة هل يجاب إليها أم لا]؟ فيه وجهان يأتيان [من بعد]، إن شاء الله تعالى.
هكذا حكاه الإمام، والغزالي، والرافعي ومقتضاه: أن الشفعة إنما ثبتت على المذهب خوفاً من طلب المشتري القسمة، والذي ذكره الشيخ في المهذب أنها إنما تثبت لدخول غير شريكه عليه، فيتأذى به فتدعو الحاجة إلى مقاسمته فيدخل عليه الضرر.
قلت: وعلى هذا ينعكس التفريع على المذهب فيقال: إن باع صاحب الأعشار نصيبه فلا شفعة لصاحب العشر؛ لأنه لو طلب القسمة لم يجب إليها كما حكاه المراوزة والشيخ؛ لعدمك [انتفاعه] بالقسمة، فيكون طلبها منه سفها، فإن باع صاحب العشر نصيبه ثبتت الشفعة للآخر على الأصح؛ لأنه لو طلب القسمة أجيب إليها على الصحيح كما ذكره المراوزة والشيخ؛ لأنه ينتفع بها، وعلى ذلك جرى القاضي الحسين في تعليقه ومجلي، وقد يصار إلى هذا الترتيب مع نظرنا إلى الخوف من طلب المشتري القسمة، إذا راعينا ما حكاه أئمة العراق عن الشيخ [في الإجبار على القسمة]، فإنهم قالوا: إن كان الضرر فيها على الممتنع أجبر، وإن كان على الطالب فوجهان، والله أعلم.
أما الطاحون الكبير الذي يمكن أن يجعل طاحونين لكل منهما حجران،
والحمام الذي بيوته واسعة بحيث يمكن جعل كل بيت [منها] بيتين، أو كل بيت حماماً، والبئر الواسعة التي يمكن أن تجعل بئرين، لكل واحد منهما بياض يقف عليه المستقي، ويلقي فيه ما يخرج منهما، ولم تنقص القيمة [بالقسمة] نقصاناً فاحشاً، أو كان مع البئر بياض بحيث يمكن جعل البئر في سهم والبياض في سهم، كما قاله ابن الصباغ وأبو الطيب- تثبت فيه الشفعة.
وحكى الإمام والقاضي الحسين- فيما إذا كانت قسمة البئر غير ممكنة والبياض الذي عليها يمكن قسمته- وجهين في ثبوت الشفعة: وجه الثبوت: القياس على ثبوتها في الأشجار إذا بيعت تبعاً للأرض.
ووجه المنع: أنها مباينة عن الحريم؛ إذ هي بقعة أخرى فلم تتبع الحريم بخلاف الغراس فإنه متصل بالشقص [في محل الشفعة].
وخص في "البحر" الجواز في مسألة البئر عند البياض بما إذا لم يكن فيها ماء، وقال فيما إذا كان فيها ماء ولم يكن لها بياض: إنه ينظر فإذا كانت واسعة لها عينان، ويمكن أن تجعل بئرين، ويجعل بينهما حاجز مثل الحريرة، فهذه تثبت [فيها] الشفعة.
وإن كان فيها عين واحدة لا تثبت فيها؛ لأنه لا يجبر الشريك على قسمتها.
وقال في الرحى: الواحد إذا لم يمكن قسمته، لكن كان معه في البيع البيت الذي لا يستغني عنه الرحى، كالذي يجعل فيه الطعام ويرد إليه البهائم التي تعمل في الرحى، وقيمتهما واحدة: إن ذلك مما يمكن قسمته وتثبت فيه الشفعة.
ومحل عدم الثبوت: إذا لم يكن مع الرحى بيت، وهو في ذلك موافق لما في "الشامل".
وأما الطريق الواسع الذي يمكن قسمته [إذا كان مملوكاً] كالسكة المفسدة الأسفل إن بيع منه شيء منفرداً، ثبت فيه الشفعة.
وإن بيع مع الدار التي يستطرق إليها منه، نظر: إن كان للدار طريق غيره، تثبت
فيه الشفعة دون الدار على الأصح، وإذا أخذه الشفيع امتنع على المشتري التطرق منه.
وفي البحر، والرافعي عن ابن سريج: أن الشفعة تثبت في الدار للشريك في الطريق أيضاً.
وإن لم يكن للدار طريق غيره، نظر: فإن كان الطريق بحيث إذا قسم نصفين كفى أحد النصفين للاستطراق، ثبتت الشفعة في أحد النصفين بلا خلاف.
وهل تثبت في النصف الآخر؟
الحكم فيه كما لو كان لا يمكن الاستطراق إلا في جميعه، وفيه أربعة [أوجه]:
أصحها عند القاضي أبي الطيب وغيره من العراقيين: أنها لا تثبت.
وهو ظاهر المذهب في "البحر"؛ وبه قال ابن سريج، وأبو إسحاق.
والثاني: أنها تثبت لإمكان القسمة.
ونسبه الروياني إلى ابن أبي هريرة.
والثالث: [إن مكن] الشفيع المشتري من التطرق فيه تثبت، وإلا فلا، وهذا ما ذهب إليه أبو الفرج السرخسي، واختاره في "المرشد".
والرابع: أن الشفعة تثبت وللمشتري الاستطراق، حكاه ابن الصباغ وغيره.
قال الروياني: فعلى هذا إن أخذ أهل الدرب جميعهم الحصة المبيعة بالشفعة واقتسموا، كان للمشتري الاستطراق في حصة كل [واحد] منهم، وإن أخذها بعض الشركاء في الدرب [و] اقتسموا، فهل يثبت للمشتري الطروق في حصة الآخذ خاصة أو في حصة كل من الشركاء؟ فيه وجهان.
والحكم فيما إذا أمكن اتخاذ ممر الدار المشتراة من سكة نافذة عند القاضي أبي الطيب، وابن الصباغ، كالحكم فيما إذا كان لها ممر آخر.
وعند الشيخ أبي محمد: كما إذا لم يكن لها ممر لكن بشرط أن يلحقه في
الفتح [عسر وتلحقه] مؤنة لها وقع.
فرع: شركة مالكي بيوت الخان في صحنه، كشركة مالكي الدور في الدرب.
وكذا الشركة في مسيل ماء الأرض دون الأرض.
وفي بئر المزرعة [دون المزرعة].
تنبيه: [اختلفت أقوال] الأئمة فيما يمكن قسمته على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي لا تنقص القسمة قيمته نقصاناً فاحشاً، كما لو كانت قيمة الدار مائة، ولو قسمت عادت [قيمة] كل نصف [إلى] ثلاثين.
قال البندنيجي: وهذا ما صار إليه عامة الأصحاب والشيخ؛ يعني أبا حامد.
وقال الإمام: إن العراقيين زيفوه.
والثاني: أنه الذي يبقى منتفعاً به بعد القسمة بوجه ما.
والثالث: أنه الذي إذا قسم أمكن أن ينتفع به من الوجه الذي كان ينتفع به [قبل] القسمة.
فإن كانت مزرعة أمكنت الزراعة في كل حصة، وإن كانت داراً مسكونة أمكن السكن فيما يقسم وإن كان بتجديد مرافق كما ذكره الإمام، ولا عبرة بإمكان الانتفاع [به] من وجه آخر؛ للتفاوت العظيم بين أجناس المنافع، [وهذا ما] صححه الإمام، والرافعي.
وقال في "البحر": إنه الذي رواه العراقيون مع الأول.
وكلام الشيخ في منع الشفعة في الحمام الصغير منطبق عليه.
[وفي تعليق البندنيجي في كتاب القسمة أن الشافعي قال: وإن كان ينتفع واحد منهم بما يصير إليه أجبرتهم، [و] هذا اللفظ يحتمل الوجه الثاني وهو ظاهر
فيه، ويحتمل الوجه الثالث].
وفي الوسيط حكاية وجه: أن المعتبر: أن تبقى تلك المنفعة من غير تضايق، كالدار الفيحاء وعرصة الدار.
[وعلى ذلك ينطبق قول الماوردي في كتاب القسمة: إن ظاهر مذهب الشافعي أن النقصان الذي يحصل به الضرر المانع من القسمة نقصان المنفعة [والله أعلم]].
قال: ولا شفعة إلا فيما ملك بمعاوضة يريد أن الذي يستحق أخذه بالشفعة هو المملوك بعقد المعاوضة.
قال: كالبيع، والإجارة، والنكاح، والخلع، وكذا السلم والقرض والجعالة بعد العمل، ومعاوضته عن نجوم الكتابة إذا حصل العتق، وعن المتعة، وفي الصلح عن دم العمد، أو جراحة لها أرش مقدر إذا جوزنا ذلك بشرطه وغير ذلك.
ووجه ثبوتها في البيع: ما روى البخاري ومسلم، وأبو داود، بسند كل منهم عن جابر [أنه] قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شركة لم تقسم، ربعة أو حائط: "لاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤذِنَ شَريكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِنْ بَاعَهُ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ".
وفيما عداه: القياس عليه بجامع الاشتراك في المعاوضة مع لحوق الضرر الذي تقدمت الإشارة إليه، ولا فرق في ذلك بين أن يعتاض عنه ما ثبت في الذمة بعقد السلم والقرض، أو لا.
وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسي أن صاحب "التقريب" قال: إذا كان ما يقابل الشقص مما لا يثبت في الذمة [بعقد] السلم، ولا بالقرض؛ فلا شفعة [فيه]؛ لأنه تعذر أخذه بما ملك به المتملك، وهو
غريب.
قال: فأما ما ملكه بالإشارة أو بوصية أو هبة أي لا تقتضي ثواباً كهبة الأعلى للأدنى فلا شفعة فيه؛ لأنه مملوك بغير بدل، فلا تجب فيه الشفعة، كما لو ملكه بالإرث.
قال الرافعي: ولأن الموهوب له والموصى له يقلد المنة من المواهب والموصي بقبول تبرعهما.
ولو أخذ الشفيع [لأخذ عن استحقاق وتسليط، فلا يكون متقلداً للمنة، ووضع [الشفعة] على أن يأخذ [الشفيع] بما أخذ به المتملك.
أما إذا كان الهبة تقتضي الثواب إما عند الشرط أو عند إطلاق هبة الأدنى للأعلى وقلنا: إنه يستحق الثواب فهل تثبت الشفعة فيه؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم؛ لأنه مملوك بعقد معاوضة.
فعلى هذا هل يأخذه قبل قبض الموهوب [أم لا؟]؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم؛ لأنه صار بيعاً.
قال الرافعي: وهذا الخلاف مبني على أن الاعتبار باللفظ أم بالمعنى؟
ولو قايل المشتري البائع في صورة إسقاط الشفيع حقه بسبب
الشراء، ثبتت له الشفعة بسبب الإقالة إن قلنا: إنها بيع كما صرح به القاضي الحسين.
وإن قلنا: إنها فسخ، فلا، وكذا لو رد عليه بالعيب؛ لأن الفسوخ وإن كانت تشتمل على تراد العوضين، فلا تعطى أحكام المعاوضات؛ ألا ترى أنه يتعين فيها العوض الأول؟
ولا نزاع في ثبوتها بالتولية.
فروع:
لو قال لأم ولده: إن خدمت ورثتي شهراً، فلك هذا الشقص، فخدمتهم شهراً ملكت الشقص.
وهل تثبت فيه الشفعة؟ فيه وجهان:
وجه المنع وهو الأصح: أن ذلك وصية [في الحقيقة لأنها] تعتبر من الثلث.
لو دفع المكاتب عن نجوم كتابته شقصاً، ثم عجز ورق، فهل للشفيع [في الشقص شفعة]؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا.
لو حضر رجل مغنماً، فأعطاه الإمام لحضوره شقصاً من دار، فهل تثبت فيه الشفعة؟
نظر: إن أعطاه عن رضخ فلا؛ لأنه تبرع.
وإن أخذه بسهم مستحق؛ ففيه وجهان:
وجه الثبوت: أنه اعتاضه بدلاً عن حضور وعمل.
فعلى هذا يأخذه الشفيع بقدر سهمه من الغنيمة، حكاه في "البحر"
قال: وما ملكه بشركة الوقف لا يستحق.
أي: الموقوف عليه فيه الشفعة؛
لأن الوقف لما لم يستحق أخذه بالشفعة لم يستحق به الأخذ، وهذا ما جزم به القاضي أبو الطيب.
وقيل: إن قلنا: إن الملك للموقوف عليه؛ كان له الأخذ بالشفعة؛ لأنه يلحقه الضرر في ماله من جهة الشركة، وهذا ما اختاره في "المرشد".
ونسب الماوردي في كتاب الوقف مقابله إلى أبي إسحاق.
وبنى الغزالي الخلاف على أن الوقف والملك هل يقسم أم لا؟ وحكاه الرافعي مرتباً على القول بجواز القسمة، وجزم بالمنع على القول بامتناعها.
ثم إذا قلنا بثبوت الشفعة للموقف عليه، فلو كان الوقف على جهة عامة كان للناظر الأخذ بالشفعة، إذا رأى المصلحة في ذلك.
ولا نزاع في أن المسجد إذا كان له حصة مملوكة من دار، بابتياع قيمة ذلك، أو اتهابه ليصرف ريعها في عمارته، وبيع من تلك الدار حصة، ورأى القيم أخذها بالشفعة أن له ذلك، كما صرح به القاضي الحسين، وكذلك الرافعي، وقاسه على ما لو كان لبيت المال شركة في دار، فباع الشريك نصيبه، فإن للإمام الأخذ بالشفعة.
وفي "البحر" حكاية وجهين فيما إذا مات الشفيع قبل العلم بالشفعة، ووارثه بيت المال، أن الإمام هل له الأخذ أم تبطل الشفعة؛ لأنها تثبت لدفع الضرر، وهاهنا لا يتعين [للضرر] واحد.
ومقتضى هذا أن يجري هذا الوجه فيما لو بيع ما لبيت المال فيه شركة.
تنبيه: اقتصار الشيخ على منع ثبوت الشفعة لمن سبب ملكه الوقف، يعرفك أنها تثبت لكل من ملك بغيره سواء كان بعقد معاوضة أو بغيره، وهو ما صرح به غيره حتى طرده في "المرشد" في المُعْمَر والمُرْقَب، والشيخ أبو محمد فيما إذا ملك عبده شقصاً من دار وقلنا: إنه يملك.
وقال الإمام: فيه احتمال ظاهر من حيث إن ملك العبد ضيعف، والشفعة لا تستحق بالملك الضعيف عند كثير من أصحابنا، وأشار- رضي الله عنه- بذلك إلى الملك في زمن الخيار وسنذكره، ثم إذا قلنا بالثبوت للعبد، فهل يحتاج في
الأخذ إلى إذن من جهة السيد؟ فيه وجهان.
فائدة: ثبوت الخيار في الملك الذي يستحق به الشفعة، هل يمنع استحقاق الشفعة؟
قال الماوردي: إن كان خيار عيب لم يمنع؛ لبقائه على ملك مشتريه، وإن كان خيار رؤية، لم يملك به المشتري الشفعة، سواء قيل بصحة البيع أو بفساده؛ لأنه إما غير مالك أو غير مستقر الملك إن صح البيع.
وأما البائع فإنه يملك به الشفعة إن أبطلنا البيع.
وفي ملكها مع القول بالصحة وجهان مبنيان على اختلافهم في لزوم البيع في خيار الرؤية قبل وجود الرؤية.
وأما خيار المجلس فلا يملك البائع فيه شفعة بالشقص الذي باعه في مجلس بيعه وخياره، سواء قيل: إن ملكه قد انتقل بالعقد أو لا؛ لأنه ببيعه راض بإسقاط شفعته.
وأما المشتري، فإن فسخ العقد فلا شفعة له [بما لم] يستقر ملكه عليه.
وإن تم له البيع، فله الشفعة، وكذا لا شفعة له إن قلنا: لا ملك له قبل انقضاء الخيار.
وإن قلنا بانتقال الملك [إليه]، أو بقول الوقف، ففي استحقاقه الشفعة وجهان:
وجه المنع: أن ملكه غير مستقر؛ لأنه لا يجوز له أن يعاوض، فلم يجز أن يملك به.
وأما خيار الشرط فإن كان لهما؛ فحكمه حكم خيار المجلس، وكذا إن كان الخيار للمشتري وحده.
وإن كان [الخيار] للبائع وحده ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا شفعة لواحد منهما.
أما البائع؛ فلما في بيعه من الرضا بإسقاط حقه.
وأما المشتري؛ فلعدم ملكه واستقراره.
والثاني: أنها للبائع؛ لأن في اشتراطه الخيار [لنفسه] تمسكاً بما تعلق به من حقوق.
والثالث: إن تم البيع بينهما، فالشفعة للمشتري.
وإن انفسخ فللبائع، كذا حكاه الماوردي.
وفي كلام الرافعي ما يقتضي خلافه في بعض ذلك؛ فإنه قال: لو باع أحد الشريكين نصيبه بشرط الخيار لزيد، ثم باع الشريك الآخر نصيبه في زمن الخيار بيعاً بتاً لعمرو، فلا شفعة في المبيع الأول لبائع عمرو؛ لزوال ملكه، ولا لعمرو وإن تقدم ملكه على ملك زيد، إذا فرعنا [على] أن الخيار يمنع الملك؛ لأن سبب الشفعة البيع وهو سابق على ملكه.
وأما الشفعة في المبيع لعمرو فموقوفة إن توقفنا في ملك زيد، ولبائع زيد إن أثبتنا الملك له، ولزيد إن قلنا بانتقال الملك إليه.
وعلى هذا قال المتولي: إن فسخ البيع قبل العلم بالشفعة بطلت شفعته إن قلنا: إن الفسخ بخيار الشرط يرفع العقد من أصله.
وإن قلنا: يرفعه من حينه فهو كما لو باع ملكه قبل العلم بالشفعة.
وإن أخذه بالشفعة ثم فسخ البيع، فالحكم في الشفعة كالحكم في الزوائد الحادثة في زمن الخيار.
قال: ويأخذ الشفيع [الشقص بالعوض] الذي استقر عليه العقد هكذا هو نسخة عليها خط المصنف رحمه الله؛ لأنه جاء في حديث جابر: "فَإِنْ بَاعَهُ فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ".
قال الماوردي: ولأن عدولهما عن الثمن لا يخلو من ثلاثة أحوال فاسدة.
إما أن يأخذه بما يرضى به المشتري، وفي ذلك إضرار بالشفيع.
وإما أن يأخذه بما يرضى به الشفيع، وفي ذلك إضرار بالمشتري.
وإما أن يأخذه بالقيمة، وقد تكون أقل من الثمن فيستضر المشتري، أو أكثر فيستضر الشفيع، وإذا بطلت هذه الأحوال ثبت أخذه بالثمن.
ثم اعتبار الشيخ الأخذ بما استقر عليه العقد، يعني من زيادة أو نقصان في مدة الخيار؛ بناء على ما هو الصحيح من إلحاق الزيادة والنقص في حال الخيار بالعقد، وقد ذكرنا في باب المرابحة ما قيل في ذلك، وعليه ينبني أمر الشفيع.
قال: فإن كان له مثل أي العوض كما إذا كان من الدراهم والدنانير أو الحبوب والأدهان- أخذه بمثله؛ لأنه الأعدل، فلو كان الثمن مائة رطل من الحنطة فهل يكال ويدفع للمشتري قدرها بالكيل، أم يعطى له مائة رطل [من الحنطة]؟ فيه وجهان.
والذي ذهب إليه الجمهور منهما وبه جزم في "البحر": الأول.
والذي حكاه القاضي الحسين: الثاني، موجهاً له بأن ذلك في مقابلة الشقص؛ ولذلك اختاره الغزالي، وقال: إنه حسن [بالغ].
فرع: لو كان المثل منقطعاً عند إرادة الأخذ.
قال المتولي: فللشفيع الأخذ بالقيمة كما لو اشتراه بما لا مثل له.
قال: وإن لم يكن له مثل أي كالثوب والعبد ومنفعة البضع والمنافع في الإجارة، والجعالة، وحق القصاص، ونحو ذلك أخذه بقيمته [أي بقيمة] العوض؛ لأنها مثل في المعنى، ولأن ما يضمن بالمثل إذا كان له مثل- ضمن بالقيمة إذا لم يكن له مثل، كما لو أتلف على رجل مالاً.
قال: وقت لزوم العقد كما يعتبر قدر الثمن فيه، وهذا الذي أورده في المهذب، هو من تخريج ابن سريج.
وقد صححه [الروياني] في "البحر"، واختاره في "المرشد"، واقتصر عليه أيضاً صاحب "التهذيب"، والشاشي في "حليته"، وصاحب "الفروع".
كما حكاه في "البيان".
والذي نص عليه الشافعي كما حكاه البندنيجي، وذهب إليه جمهور الأصحاب: أنها معتبرة بحالة العقد؛ لأنها وقت وجوب الشفعة، فلا اعتبار بما يحدث بعدها من زيادة [أو نقصان؛ لأن الزيادة تكون] في ملك البائع،
[والنقصان عن ملكه، وليس على الشفيع شيء مما يحدث].
وفي هذا التعليل ما يرشد إلى أن هذا تفريع على القول بانتقال الملك بنفس العقد.
أما إذا قلنا بأنه لا ينتقل إلا بزوال الخيار، فالوجه ما قاله ابن سريج.
وفي "الذخائر" أن بعضهم قال فيما إذا شرط في العقد خيار: إن قلنا: الملك ينتقل بنفس العقد، اعتبرت القيمة حين العقد.
وإن قلنا: لا ينتقل إلا بانقضاء الخيار اعتبرت عند انقضائه.
ثم قال: وهذا ليس بشيء؛ إذ يلزم عليه خيار المجلس ولم يطرده فيه.
والذي جزم به الماوردي أنا نعتبر أقل قيمة من حين العقد إلى [حين] أن يقبض البائع الثمن؛ لأنه إن زاد فالزيادة حادثة في ملك البائع لم يتناولها العقد.
وإن نقص فالنقصان مضمون على المشتري فخرج من العقد.
وعلى ذلك ينطبق ما حكاه فيما إذا كان العوض عبداً، فاعور في يد المشتري ورضي به البائع- أن الشفيع يأخذه بقيمة العبد أعور.
وقياس ما حكيناه عن ابن سريج أن العور إذا حصل في حال بقاء الخيار، فالحكم كذلك وإن حصل بعده أخذه بقيمة عبد سليم.
وهو الذي يقتضيه قياس المذهب في كل حال، وهو ما حكاه [المتولي عن] الجمهور فيما إذا اشترى الشقص بعبد، فخرج معيباً ورضيه البائع.
ووجهه بأن رضا البائع بالعيب نوع مسامحة فصار كما لو حط بعض الثمن، وكما لو اشترى [بألف] من نقد جيد، فوفاه من نقد دونه ورضي به، فإن الشفيع لا يأخذ إلا بالجيد.
وحكي عن ابن سريج أنه يأخذه بقيمة عبد معيب.
وإن كان عوض الشقص منفعة في إجارة، أو جعالة رجع بمثل أجرة تلك المنفعة، وذلك في الجعالة بعد الفراغ من العمل.
وإن كان منفعة بضع، كما لو أصدقها شقصاً، أو خالعها على شقص، رجع
بمهر مثلها حال العقد والخلع على الصحيح.
وفي "البحر" أنه يحكى عن القديم في مسألة الصداق أنه يأخذه بقيمة الشقص لا غير، وحكاه المتولي عن بعض الأصحاب وجهاً مخرجاً في الصداق.
والخلع أيضاً من قول لنا في الصداق إذا رد بالعيب، أن الزوجة تأخذ قيمته لا مهر المثل.
وإن كان الشقص مقرضاً أخذه بقيمته، وإن قلنا: يرد في القرض المثل الصوري؛ لأن أخذ الشفيع كالإتلاف، قاله المتولي.
وإن كان الشقص عوضاً عن نجوم الكتابة أو متعة أو عن دم عمد، أخذه بقدر النجوم والمتعة والدية.
تنبيه: في قول الشيخ: أخذه بقيمته وقت لزوم العقد ما يعرفك أن الأخذ في زمن الخيار غير جائز؛ لأن الأخذ لا يكون إلا بثمن المثل أو قيمته، وذلك لا يجوز إلا بعد اللزوم؛ فلزم منه تأخر الأخذ إلى اللزوم.
وقد قال الأصحاب: إن الحكم كذلك فيما إذا كان خيار البائع باقياً؛ لأن في الأخذ قبل انقضائه- إن قلنا بعدم انتقال الملك- تسليط على ملك البائع، ووضع الشفعة أخذ ملك المشتري، وإن قلنا: بانتقال [الملك] ففيه إبطال لحقه، وفي ذلك إضرار به.
وعن صاحب "التقريب" احتمال في جواز الأخذ في هذه الصورة الأخيرة.
وإن كان الخيار للمشتري وحده، وقلنا: لا ملك له فكذلك الحكم؛ لما أشرنا إليه.
وعن صاحب "التقريب" وجه أن له الأخذ في هذه الحالة، ويتبين بالأخذ الملك قبيله وينقطع الخيار.
وإن قلنا: إن الملك له، فالذي رواه المزني، أن للشفيع الأخذ، وكذلك هو منصوص في الأم، وهو الأصح عند عامة الأصحاب، لأنه مسلط عليه بعد لزوم الملك واستقراره، فقبله أولى.
وروى الربيع قولاً أنه ليس له الأخذ حتى ينقضي الخيار.
وقال أبو إسحاق المروزي: إنه الصحيح، واختاره القفال كما حكاه في "البحر"، وكلام القاضي أبي الطيب يدل على اختياره، فإنه وجهه بأمرين:
أحدهما: أنه خيار مشروط لأحد المتبايعين، فوجب أن يمتنع الشفيع عن الأخذ، أصله خيار البائع.
والثاني: أن المشتري إنما شرط هذا الخيار لينظر أي الأمرين أحظ له، وفي أخذ الشفيع إبطال لهذا الغرض فلا يجوز، وما ذكروه فيبطل بما إذا كان الخيار للبائع، فإن البيع إذا استقر للمشتري بانقطاعه أخذ الشفيع الشقص، وقبل [أن يستقر بانقطاعه] ليس له الأخذ.
وقد روى الإمام ومن تبعه عن بعضهم القطع به.
ولا فرق فيما ذكرناه بين خيار المجلس وخيار الشرط.
فرع: إذا قلنا بعدم جواز الأخذ في زمن الخيار، لو قال المشتري: اشتريت بشرط الخيار، وكذبه الشفيع.
قال أبو حامد في "الجامع": القول قول المشتري مع يمينه حكاه في "البحر".
قال: وإن كان الثمن مؤجلاً ففيه [ثلاثة] أقوال:
أحدها: أنه مخير بين أن يعجل ويأخذ، وبين أن يصبر إلى أن يحل فيأخذ؛ لأن مطالبته بالمال في الحال تجحف به؛ لإلزامه زيادة على ما لزم المشتري؛ فإن الأجل يقابله قسط من الثمن.
وأخذه بثمن مؤجل يجحف بالمشتري؛ لاختلاف الذمم.
ولهذا إذا مات من عليه دين مؤجل؛ حكم بحلوله وعدم انتقاله إلى ذمة الورثة، وإن رضوا به مع إقرارهم بالحلول.
وأخذه بسلعة تساوي الثمن خروج عن وضع الأخذ بالمثل والقيمة، فلما بطل ذلك تعين ما ذكرناه.
وهذا هو الجديد.
قال: والثاني: يأخذه بثمن مؤجل؛ لأنه الثمن، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ [بِهِ] " أي بالثمن.
وهذا قوله في القديم، ونسبه الإمام إلى رواية حرملة.
وقال ابن الصباغ: إن الشيخ أبا حامد اختاره.
ومحله كما قال في "التتمة": إذا لم يكن الشفيع معسراً ولا مطولاً.
فإن كان، فليس له الأخذ.
وكذلك حكاه الإمام عن الشيخ أبي علي وأنه أقام الكفيل مقام الملاءة.
وحكى أن من الأصحاب من لم يشترط ملاءة الشفيع، ولا الإتيان بكفيل، وأحل الشفيع محل المشتري، واستبعده.
وعلى هذا القول إذا مات أحدهما حل عليه ولم يحل على الآخر.
قال: والثالث: أنه يأخذه بسلعة تساوي الثمن؛ لتعذر أخذه بثمن مؤجل أو حال [لما ذكرناه]، فتعين هذا؛ لأنه أقرب إلى العدل، فعلى هذا إذا كان الثمن مائة إلى شهر أعطاه سلعة تساوي مائة إلى شهر، وهذا حكاه ابن سريج عن النص في كتاب الشروط.
وقال ابن الصباغ عن هذا [القول: إنه أضعف، يعني من الذي قبله، وبعضهم قال: إن هذا] القول من تخريج ابن سريج من قول الشافعي في كتاب الشروط: إنه يجوز بيع الدين.
وحكى مجلي أن الشيخ أبا حامد اختاره وغيره، فعلى هذا لو لم يتفق طلب الشفيع حتى حل الأجل.
قال الإمام: وجب ألا يطالب إلا بالسلعة المعدولة؛ لأن الاعتبار بقيمة عوض المبيع [حال البيع]؛ ألا ترى أنه لو باع بمتقوم يعتبر قيمة يوم البيع.
قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه.
قال مجلي والرافعي: فعلى هذا إذا قلنا: إن حق الشفعة على الفور، فأخر الشفيع الطلب حتى حل الأجل فهل يبطل حقه؟ فيه وجهان: منهم من لم يبطله؛ إذ لا فائدة في طلبه، ومنهم من قال: إن أشهد لم يبطل، وإلا بطل؛ لأن التأخير قد يكون للزهد، وقد يكون لانقضاء الأجل، فلا بد من تميز.
قال: والشفعة على الفور في قول: [أي خيار طلب الشفعة على الفور، كما صرح به في "المهذب"، ووجهه قوله صلى الله عليه وسلم: "الشُّفْعَةُ] لِمَنْ وَاثَبَها".
أي: بادر إليها، وروي [أنها] "كَنَشْطَةِ العِقَالِ: ِان قُيِّدَتْ ثَبَتَتْ، وَإِنْ تُرِكَتْ فَاللَّومُ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا".
وهذا نصه في الجديد والإملاء.
قال: وإلى ثلاثة أيام في قول: لأن التأبيد فيها يضر بالمشتري؛ لأنه لا يبقى على ثقة مما يبنيه ويحدثه، والفور يضر بالشفيع؛ لأنه لا يتمكن من معرفة الحظ والمصلحة: هل هو في الأخذ أو الترك.
[فعلق] على غاية حد القلة وبداية حد
الكثرة، وهذا ما قاله في السير التي يرويها الطحاوي عن المزني كما نقل البندنيجي.
وفي "الذخائر": أنه مذكور في سير حرملة.
قال الماوردي: وعلى هذا لو حصل في خلال الثلاثة أيام زمان تتعذر فيه المطالبة؛ لم يحسب به منها، بل لا بد من ثلاثة أيام يتمكن في جميعها من المطالبة.
ولو عرض بإسقاط الشفعة فيها؛ سقطت كما حكاه الإمام، ثم قال: ولا يبعد [على] قولٍ اشتراط التصريح بما يسقط الشفعة، كما سنذكره من بعد تفريعاً على القول الثالث.
ولهذا القول الذي ذكره الشيخ نظائر في مسائل: قتل المرتد، وتارك الصلاة، وطلاق المولى، وفي العنة، ونفي الولد باللعان، وفسخ الزوجة بإعسار الزوج، وخيار الأمة إذا عُتِقَتْ.
قال: وعلى التأبيد في قول، وإلى أن يصرح بالإسقاط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر الذي حكيناه عن رواية مسلم [في صدر الباب: فَإِنْ أبى فَشَريكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤذِنهُ" فكان على عموم الأوقات ما لم يسقطه].
ولأنه خيار لا ضرر على المستحق عليه في تأخيره، فكان على التراخي كخيار القصاص، وهذا ما قاله في القديم، فعلى هذا ليس للقاضي أن يقطع خياره إذا رفع إليه؛ لأن الحاكم لا يملك إسقاط الحقوق كالدين، قاله الماوردي.
وإذا أخذ الشفيع الشقص بعد أن عمر فيه المشتري، أو أحدث فيه شيئاً، أخذ ما أحدثه بقيمته وقت الأخذ، قاله القاضي أبو الطيب.
قال: أو يعرض بأن يقول: بعني، أو بكم اشتريت- في قول؛ لاشتراك التعريض والتصريح في المقصود بالعفو ومن جملة التعريض طلب القسمة والعمارة واستئجاره منه ومساقاته عليه.
وحكى الإمام عن [صاحب] التقريب تفريعاً على هذا القول: إن المساومة ليست مبطلة؛ فإن [الشفيع قد يبغي الشراء استرخاصاً.
وحكى الماوردي قولاً ثالثاً على قولنا بأن الشفعة على] التأبيد أنها تسقط بأحد أمور ثلاثة: بالعفو الصريح، [أو] بما يدل عليه من التعريض، [أو] بأن يحاكمه المشتري إلى القاضي فيلزمه الأخذ أو الترك، فإن أخذ، وإلا حكم عليه بإبطال الشفعة.
وحكى مجلي عن بعضهم طريقة قاطعة: بأن للمشتري الرفع إلى الحاكم وإجباره على الأخذ أو الترك.
وحكى صاحب "التقريب" قولاً رابعاً في أصل المسألة، أنها تختلف باختلاف المطلوب ومقدار الثمن، فيدوم الطلب إلى حد لا يعد الشفيع فيها مقصراً [بل متروياً].
قال: والصحيح: أنه- أي: الخيار- على الفور لما تقدم، وأخر ذكر الصحيح؛ ليقع عليه التفريع.
والجواب عن قولهم: إن في الفور ضرراً على أحدهما وفي التراخي ضرراً على الآخر- أنه يبطل بخيار الرد بالعيب.
وعن الحديث: أنه عام مخصوص بما ذكرناه من الأحاديث.
وعن قياسهم على خيار القصاص: [منع] كون التأخير لا ضرر فيه على المشتري؛ لأنه إذا عمر شيئاً أخذه بقيمته [وقد تكون قيمته أقل من ثمنه]، وقد يكون [له غرض] في أعيان أمواله، وذلك ضرر ظاهر.
والمراد بالفور: حال اطلاع الشفيع على البيع عند بعض الأصحاب كما في العيب، وهو المتبادر إلى الفهم من إطلاق الأئمة وميل النص إليه.
ومن ألفاظ الشافعي في ذلك: أنه إن علم فطلب [مكانه فهو له]، والمذهب على ما حكاه البندنيجي: أن له الخيار في الطلب وتركه ما لم يفارق مجلس البلاغ كخيار المتبايعين.
والمراد بالطلب: طلب المشتري بالشفعة [ويقوم مقامه طلب الحاكم ليطلب الشفعة] بحضرته، ولا يقوم مقام واحد منهما في القدرة عليه؛ للإشهاد على الطلب، كما صرح بها لأئمة هنا.
وقد حكينا في باب الرد بالعيب وجهاً أنه يقوم مقام طلب الحاكم.
وحكى مجلي عن الشيخ أبي حامد: أن الشفيع متى قدر على مطالبة المشتري فرفع الأمر إلى الحاكم؛ بطلت شفعته.
وليس عليه في السير [إلى الطلب] إرهاق ولا عجلة على خلاف المعتاد، بل يمشي على عادته ولا يكلف بسوق دابته.
وإذا علم بالشراء ليلاً ولم يمكنه السير [فيه] أخر إلى [أن يصبح] وإن علم [بها] نهاراً فله أن يؤخر إلى أن يلبس ثيابه ويجمع ماله ويغلق بابه، وإن كان في أكل فحتى يفرغ منه ويتنظف.
وإن كان في حمام فحتى يفرغ حاجته.
وإن كان في صلاة فحتى يتمها، وكذا لو حضر وقت الصلاة، فله التأخير حتى يؤذن ويقيم ويصلي الفريضة وسننها، كما صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ.
وحكى الإمام عن بعض الأصحاب أنه قال: يجب قطع ذلك سوى الفريضة، وأنه أشار إليه القاضي يعني الحسين.
وعلى الأول لا يفتقر إلى الإشهاد على الطلب على ظاهر المذهب وإن أمكن.
وقيل: باعتباره عند الإمكان.
قال: وإن طلب وأعوزه الثمن بطلت شفعته؛ لأن تأخير الثمن يضر بالمشتري، والضرر لا يزال بالضرر.
وصورة ذلك، كما حكاه الماوردي: أن يبادر بالطلب ويقول: أنظروني بالثمن، فإن للحاكم أن ينظره يوماً ويومين، وأكثره ثلاثة أيام، فإذا لم يحضره في المدة التي أنظره الحاكم إليها؛ بطلت شفعته، وإن أحضره في المدة استمر على حقه
وسنذكر ما قيل في كيفية تملكه.
وإنما أنظرناه هذه المدة؛ لأن تحصيل الثمن في الحال يتعذر في الغالب، فاعتباره يؤدي إلى إسقاط الشفعة والإضرار بالشفيع.
وحكى الإمام عن الأصحاب أنهم عبروا عن النسخة التي أشرنا إليها في التأدية بأن قالوا: كل اشتغال لا يوجب حبس من عليه الحق في الديون، فهو محتمل فيما نحن فيه، وكل اشتغال يجر تطويلاً يسوغ لصاحب الحق استدعاء الحبس معه؛ فهو غير محتمل فيما نحن فيه.
لكن هل يبطل الحق بمجرد ذلك، أم لا بد من إبطال القاضي؟ فيه خلاف للأصحاب.
ثم هل نقول عند اطراد العسرة إن الشفعة لم تثبت أصلاً، أو نقول: ثبتت ثم سقطت؟ فيه خلاف بين الأصحاب أيضاً [كما] حكاه الإمام، وعلى الثاني كلام الشيخ.
فرع: لو قال الشفيع: عندي عقار وأنا أظهره وأحصل الثمن منه فهل ينظر إلى بيعه؟ قال الإمام: إن كان عقاراً لا يطلب مثله فلا تعلق به.
وإن كان [عقاراً] يطلب مثله ولكن تباطأ انتظام بيعه، فهذا مما لو فرض في الديون لا يستحق صاحب الدين طلب الحبس إلى اتفاق البيع.
وهل يبطل حق الشفيع في مثل هذا المقام.
والضياع المعروض معروف؟ فيه احتمال عندنا.
قال: وإن أخَّر الطلب [أي] من غير عذر على الفور بطلت شفعته؛ [للحديث] ومن جملة الأعذار غير ما ذكره الشيخ: عدم علمه بالمشتري ولا قدر الحصة المبيعة، وكذا قدر الثمن، وجنسه، كما صرح به القاضي الحسين والفوراني، ووافقهما في كون الجهل بقدر الثمن عذراً في ترك الطلب: الطبري،