كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قلنا: لنا في استحباب الجهر له قولان:
أحدهما: [يجهر] حكاه الشيخ أبو علي في "الإفصاح"؛ فعلى هذا يندفع السؤال.
والثاني: لا يجهر، وهو ما نص عليه في "الإملاء"، والأصح.
والفرق على هذا: أن الإسرار سنة في الأخيرتين؛ فلا يترك سنة في محلها ليتدارك سنة أخرى؛ ألا ترى أن الطائف إذا ترك الرمل في الطوفات الأول، لا يأتي [به] في الأخيرة؛ لهذا المعنى، وكذا لو كانت يده اليمنى مقطوعة، لا يشير بيده اليسرى في التشهد كما كان يفعل بيمناه؛ لأن بسطها سنة، ولا كذلك القراءة؛ فإن تركها من الأخيرتين؛ [كسنة منسية]، فحسن التدارك فيها.
فرعان:
[أحدهما]: إذا حضر مسبوق فاته بعض الصلاة، قال في "التتمة": فإن كان يرجو حضور جماعة أخرى في ذلك المسجد، أو في مسجد آخر؛ فالأولى ألا يقتدي بذلك الإمام، بل ينتظره حتى تكون جملة صلاته جماعة، وإن كان لا يرجو جماعة أخرى، فالأولى أن يقتدي به؛ حتى يدرك الفضيلة، وما قاله لا يخلو من احتمال، وقد أسلفنا في الباب عن القاضي الحسين خلافه.
[الثاني]: إذا سلم الإمام، وخلفه مسبوق، متى يقوم؟
قال القاضي الحسين في موضعين من كتابه، وتبعه المتولي: يستحب له ألا يقوم حتى يسلم الإمام التسليمة الثانية؛ ليحوز المأموم فضلها.
وعن بعض علماء زمانا: [أنه] لا يفعل ذلك؛ فإن فعله بطلت صلاته.
ووقع لي فيه تفصيل حسن، وهو إن كان جلوس المسبوق مع الإمام فيا لتشهد الأخير في محل جلوس المسبوق للتشهد الأول، فالأمر كما قاله القاضي [الحسين]، وإن لم يكن محلاً لجلوسه الأول، فالأمر كما قاله الآخر.
ثم رأيت في "تعليق" القاضي الحسين في باب: سجود السهو ما يفهم ذلك؛ فإنه قال: إذا سلم إمامه فعليه أن يقوم في الحال؛ فلو لم يقم في الحال،
وطول الدعاء، نظر: إن [لم يكن] محل تشهده؛ بأن أدركه في الثانية، أو في الرابعة، بطلت صلاته؛ لأنه قعد في محل القيام، وإن كان محل تشهده، لا تبطل.
لكن قوله: "أن يقوم بعد سلامه" يحتمل أنه أراد السلام التام، وبه صرح في باب موقف الإمام والمأموم.
والله أعلم.
قال: ومن أدرك [الإمام] قائماً، فقرأ بعض الفاتحة، ثم ركع الإمام؛ فقد قيل: يقرأ، ثم يركع؛ لأنه لما لزمه بعض القراءة، لزمه إتمامها، ولا فرق على هذا بين أن يكون قد تشاغل بدعاء الاستفتاح [حين أحرم أو شرع في القراءة، إلا في دعاء الاستفتاح]، كما سنذكره.
وقيل: يركع، ولا يقرأ؛ لقوله عليه السلام: "وإذا ركع فاركعوا"، ولأن المسبوق تسقط عنه [كل] القراءة؛ لفوات محلها؛ فبعضها أولى، وهذا ظاهر النص، وادعى في "التتمة" أنه المذهب.
قال القاضي الحسين: ولا فرق فيه بين أن يشتغل بدعاء الاستفتاح والتعوذ، أم لا؛ لأنه من جملة معقود صلاته؛ كالفاتحة.
وعن الشيخ أبي زيد أنه إن اشتغل بدعاء الاستفتاح والتعوذ، قرأ بعد ركوع الإمام بقدره، وإن لم يشتغل بشيء من ذلك، ركع مع الإمام، وهذا أصح عند القفال والمعتبرين؛ كما قال الرافعي.
وقال القاضي أبو الطيب في باب صفة الصلاة: إن الشافعي نص في "الأم" على أنه إذا اشتغل بدعاء الاستفتاح والتعوذ، مع علمه بأنه إذا فعل ذلك لا يتمكن من قراءة كل الفاتحة؛ حتى يرفع الإمام رأسه من الركوع- نوى مفارقته، وأتم صلاته لنفسه.
التفريع: إن قلنا بالأول؛ فركع مع الإمام، بطلت صلاته، وإن أتم القراءة، وأدرك الإمام في الركوع [فذاك، وإن لم يدركه في الركوع]، فهذا متخلف عن الإمام بعذر؛ كذا قاله الأصحاب، والمتخلف عن الإمام بالعذر قد ذكرنا حكمه في مسألة الزحام.
وقال القاضي الحسين: إن الحكم كذلك؛ إذا لم يكن المسبوق قد اشتغل بدعاء الاستفتاح والتعوذ، أما إذا كان قد اشتغل به، فهو كالمتخلف بغير عذر، وسنذكره.
وإن قلنا بالثاني؛ فتشاغل بالقراءة، وترك متابعة الإمام؛ فهو كالمتخلف عن الإمام بغير عذر، والمتخلف عن الإمام بغير عذر قال الأصحاب فيه: إن أدركه في الركن الذي تخلف [عنه] فيه؛ لتباطؤ صدر منه- فلا تبطل صلاته وجهاً واحداً، وإن تخلف عنه بركنين، بطلت صلاته وجهاً واحداً، لكن يشترط أن يكونا مقصودين؛ حتى لو تخلف عنه بركن مقصود، وآخر غير مقصود، لا تبطل، أو لا يشترط ذلك؟ فيه وجهان، ثم ما المراد بالسبق بالركن؟ هل الشروع فيه أو الانتقال عنه إلى غيره؟ فيه احتمالان للقاضي الحسين.
والركن المقصود هو الركن الطويل.
والركن القصير كالرفع من الركوع، وكذا من السجود على رأي أبي علي: هل هو ركن مقصود، أم لا؟ تردد فيه الأئمة، وقد ذكرنا حجته في باب سجود السهو:
فمن قائل: لا؛ لأن الغرض منه الفصل؛ فهو إذن تابع لغيره، وهذا ما ذكره في "التهذيب".
ومن قائل: نعم، وادعى بعضهم أنه المذهب؛ بدليل اشتراط الطمأنينة فيه، ولو كان المقصود منه الفصل، لاكتفى به من غير طمأنينة، ولمجاوزته حد أقل الركوع من غير اعتدال؛ فإن الفصل يحصل به.
فإذا عرفت ذلك، عدنا إلى مسألتنا:
فإذا أتم المسبوق الفاتحة، وأدرك الإمام راكعاً كما هو- فقد حصلت له الركعة، ورأيت فيما وقفت عليه من "تعليق" القاضي الحسين: أن المسبوق، إذا أحرم والإمام راكع؛ فاشتغل بالقراءة؛ فحكمه حكم المتخلف عن الإمام بغير عذر.
وقيل: إنه إن قرأ، وأدرك الإمام بعد فراغه من الركوع، لا تصح صلاته، وإن أدركه في الركوع؛ فعلى وجهين.
قلت: ووجه البطلان يظهر أن يجيء في مسألتنا، لكن المنقول فيها عدم البطلان، وحصول الركعة له، وإن رفع الإمام من الركوع قبل فراغه من القراءة؛
فمن قال: إن الرفع من الركوع ركن مقصود، وإن الشروع في الركن يكفي في السبق- حكم ببطلان صلاته؛ لأنه سبقه بركنين عنده، وكذا الحكم عند من قال: إنه غير مقصود، واكتفى بالشروع في الركن، كالفراغ منه.
ومن قال: لابد من الانتقال عنه؛ فلا تبطل صلاته عند من يرى أن النظر إلى التخلف بركنين كيف كانا، أو بركنين مقصودين، وأن الرفع من الركوع مقصود ما لم يسجد والإمام قائم لم يركع، وعند من يرى أنه غير مقصود، لا تبطل صلاته ما لم يرفع من السجود؛ [و] هذا ملخص ما قاله القاضي الحسين في "تعليقه".
وفي "الذخائر" أن بعض أصحابنا قال: إن السجدة الأولى مع الثانية ركن واحد.
فعلى هذا لا تبطل عند هذا القائل ما لم يرفعه رأسه من السجدة الثانية والمأموم قائم لم يركع.
وعلى قول من يكتفي بالشروع في الركن، تبطل عند سجود السجدة الثانية، وهي طريقة حكاها في "التهذيب".
ثم حيث لم نحكم بالبطلان فيما عدا الحالة الأولى، حكمنا بفوات الركعة؛ لأنه لم يدركها مع الإمام، وهذا مما لا خلاف فيه.
وقد سلك بعضهم في ذلك طريقاً [آخر]؛ فقال: إذا تخلف عنه بركن واحد كامل، هل تبطل صلاته، أم لا؟ فيه وجهان حكاهما الإمام:
أحدهما: أنها تبطل؛ لما فيه من المخالفة.
وأظهرهما- وهو الذي أورده الغزالي-: أنها لا تبطل؛ لقوله عليه السلام: "لا تبادروني بالركوع والسجود، فمهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت، ومهما أسبقكم [به] حين سجدت تدركوني حين رفعت".
وإن تخلف عنه بركنين، بطلت صلاته قولاً واحداً، وهل يعتبر أن يكون الركنان والركن مقصوداً إذا قلنا: إن من الأركان ما ليس بمقصود في نفسه، أو
لا يعتبر؟ فيه خلاف.
فإذا تقرر ذلك؛ فإن ركع الإمام، وتباطأ المأموم، ثم أدركه في ركوعه؛ فهذا ليس تخلفاً بركن؛ فلا تبطل به الصلاة وفاقاً، ولو اعتدل الإمام، والمأموم بعد قائم؛ فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان، واختلف في مأخذهما:
فقيل: مأخذهما التردد في أن الاعتدال ركن مقصود، أم لا؟
إن قلنا: نعم، فقد فارق الإمام ركناً، واشتغل بركن آخر مقصود؛ فتبطل صلاة المتخلف.
وإن قلنا: ليس بمقصود، فهو كما لو لم يفرغ من الركوع؛ لأن الذي فيه تبع له؛ فلا تبطل [به] صلاته.
وقيل: إن مأخذهما: أن التخلف بركن واحد هل يبطل، أم لا؟
إن قلنا: نعم، فقد تخلف بركن الركوع تامّاً، فتبطل صلاته.
وإن قلنا: لا؛ فما دام في الاعتدال لم يكن الركن الثاني تامّاً؛ فلا تبطل.
قلت: ومن الطريقين في هذه نأخذ طريقين في أن التخلف بركن واحد هل يبطل، أم لا؟
إحداهما: أنه يبطل قولاً واحداً إذا أتم، وتمامه يكون بانتقاله عنه إلى ركن مقصود؛ إن قلنا في الأركان ما ليس بمقصود في نفسه وهذا ملخص المأخذ الأول.
والثانية: أن التخلف بركن تام هل يبطل، أم لا؟ فيه وجهان، سواء أكان تمامه بانتقاله إلى ركن مقصود، أو غير مقصود، وأثرهما يظهر فيما إذا سجد الإمام السجدة الثانية، ورفع منها قائماً، والمأموم في الجلسة بين السجدتين؛ فعلى الأول تبطل صلاته قولاً واحداً، وعلى الثاني في البطلان الوجهان، ويظهر أثرهما أيضاً فيما إذا ركع الإمام، ورفع من الركوع، وهوى إلى السجود، والمأموم بعد قائم لم يركع: فعلى الأول يكون الحكم كما لو لم يهو الإمام بعد إلى السجود، وقد تقدم، وعلى الثانية تبطل قولاً واحداً؛ لأن ركن الاعتدال قد تم؛ فوجد السبق بركنين.
قال الرافعي: وقياسه: أن يقال: إذا ارتفع عن [حد الركوع والمأموم بعد في القيام- أن تبطل صلاته عند من يرى أن] التقدم بركن واحد مبطل.
وعلى الطريقين لو انتهى الإمام إلى السجود، والمأموم بعد في قيامه- بطلت صلاته وفاقاً، وهي طريقة حكاها القاضي الحسين.
قال الإمام: وإذا قلنا بأنه لا تبطل صلاته بالتخلف بركن تام، وكان تخلفه عن الركوع، ورفع الإمام وهو بعد قائم فلا ينبغي [له] أن يركع؛ فإنه لو ركع، لم يكن الركوع محسوباً له، ولكن ينبغي أن يتابع الإمام الآن فيما يأتي به من هويه إلى السجود، ويقدر كأنه أدركه الآن، ولا تحسب له هذه الركعة.
ثم هذا كله فيما إذا تخلف عن الإمام في أركان الصلاة؛ فإن تخلف عنه بما هو في صورة ركن تام، وليس بركن؛ كما إذا سجد الإمام للتلاوة، ورفع من السجود، والمأموم قائم في قراءة [الفاتحة] أو غيرها- قال العبادي: بطلت صلاته وجهاً واحداً، وإن كانت لا تبطل فيما إذا ركع الإمام، ورفع [و] المأموم قائم؛ ليتم الفاتحة، والفرق: أن القيام الذي هو محل القراءة يفوت بركوع الإمام؛ فعذر فيه، وفي مسألة سجود التلاوة: القيام لا يفوت؛ لأن الإمام يعود إليه؛ فيمكنه إتمام الفاتحة.
قلت: وفي هذا الفرق نظر؛ إذ التفريع على أن التخلف لإتمام الفاتحة ليس بعذر.
نعم، هذا يستقيم على ما قاله في "الوسيط": إنا إذا قلنا: يجب على المأموم إتمام قراءة الفاتحة، فأتمها وقد رفع الإمام رأسه من الركوع- فقد فاتته الركعة، وفي بطلان صلاته وجهان، وهذا مما انفرد به؛ فلا تفريع عليه.
ولا خلاف في أن المسبوق إذا أدرك الإمام في القيام، ولم يتمكن من قراءة شيء من الفاتحة حتى ركع الإمام- أنه يركع معه، ولا يشتغل بالقراءة، ومن طريق الأولى إذا أحرم والإمام راكع، وقد تقدم الكلام فيما إذا خالف وقرأ في هذه الحالة: هل تبطل صلاته [أم لا]؟
فروع:
أحدها: من تحرم بالصلاة مع الإمام، لكن المأموم بطيء القراءة؛ فلم يتم الفاتحة حتى ركع الإمام- فهل يكون حكمه حكم المسبوق، أو يجب عليه إتمام الفاتحة وجهاً واحداً؟ فيه وجهان حكاهما البندنيجي عن ابن سريج، كالوجهين في المزحوم عن السجود إذا أتى بما عليه، وأدرك الإمام قائماً؛ فقرأ بعض الفاتحة، ثم ركع الإمام، والمذكور منهما في "التتمة" في مسألتنا، وهو الذي صححه البغوي، وإبراهيم المروزي: الثاني؛ وهو ما صححه الأصحاب كافة في النظر الذي ذكرناه، وعلى هذا يكون [حكمه] حكم المزحوم، وسيأتي.
[آخر] إذا تحرم مع الإمام، لكن الإمام سريع القراءة؛ ولسرعته ركع قبل أن يتم المأموم الفاتحة- قال القاضي الحسين والمتولي: أتم الفاتحة، وكان كالمتخلف عن الإمام بالعذر.
وقال الإمام: إن الأصحاب اختلفوا في هذه الصورة أن التخلف فيها كالتخلف بعذر، أو بغير عذر.
[آخر]: الموسوس إذا كان يردد القراءة؛ فركع الإمام قبل أن يفرغ- يجب عليه أن يتمها، قاله القاضي، ويظهر أن يكون كالمتخلف بغير عذر.
[آخر]: إذا تحرم مع الإمام، وترك قراءة الفاتحة عمداً؛ حتى ركع الإمام، قال القاضي الحسين: فالمذهب أنه يخرج نفسه من متابعته.
آخر: إذا تحرم مع الإمام، ونسي القراءة، ثم تذكرها بعد ركوع الإمام- حكى القاضي الحسين والمتولي ثلاثة أوجه في المسألة:
أحدها: أنه يتابعه في الركوع، ولا تحسب له تلك الركعة.
والثاني: يقرأ، ويكون حكمه حكم المتخلف بغير عذر.
والثالث: يقرأ ويكون حكمه حكم المتخلف بالعذر.
ولو كان التذكر بعد أن ركع مع الإمام، قال الرافعي: فلا يعود إلى القيام ليقرأ، وقد فاته الركعة؛ بناءً على الجديد.
وقال القاضي الحسين: هل [يعيد القراءة]، أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ كما لو لم يكن قد ركع، وعلى هذا يجعل كالمتخلف عن الإمام بالعذر؛ إذ النسيان عذر ظاهر؛ لقلة إمكان الاحتراز عنه.
والثاني: يتابع الإمام، ولا يعود إلى القيام؛ لأجل القراءة؛ فإن عاد كان كالمتخلف عن الإمام بغير عذر حتى تبطل صلاته إذا سبقه الإمام بركنين، على التفصيل الذي ذكرناه.
قال: ويكره أن يسبق الإمام بركن؛ لقوله عليه السلام: "إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تختلفوا عليه؛ فإذا ركع فاركعوا .. " إلى آخره.
وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيها الناس، لا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف؛ فإني أراكم من أمامي، ومن خلفي".
أخرجه مسلم.
قال في "التتمة" و"التهذيب": والكراهة كراهة تحريم؛ لقوله عليه السلام: "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار" أخرجه مسلم.
وهذا الاستدلال يعرفك أن مرادهم بالسبق بالركن: أن يشرع فيه والإمام في الركن قبله، لا أن يشرع في ركن ويفرغ منه، أو ينتقل إلى غيره؛ كما تقدم في التخلف بركن، وبه صرحوا، ويؤيده ما ستعرفه من قولهم: "عاد إلى متابعته، أو لم يعد"، وإذا كان كذلك، كان الأحسن في التعبير عن ذلك أن يقال: ويكره أن
يسبق الإمام إلى ركن؛ إذ هو الحقيقة، وهذا السؤال قد لا يرد على الشيخ؛ غذ كلامه الآتي يقتضي أن صورة السبق بركن أن يركع قبله مثلاً؛ فإذا أراد الإمام أن يركع رفع هو، وهو قضية ما سنذكره عن نصه في "الأم"- إن شاء الله تعالى- لكن الظاهر أنه أراد ما ذكره الأصحاب.
قال: فإن سبقه بركن- أي: مثل أن ركع قبله، أو سجد- عاد إلى متابعته؛ أي: وجوباً؛ فيعود إلى الانتصاب؛ إن كان السبق بالركوع، أو السجود؛ لأن متابعة الإمام فرض؛ فإن وافق فانتصب، وركع الإمام، ركع معه، أو سجد؛ لأن الأول لم يحسب له؛ لأجل المخالفة، ولم لم يعد للانتصاب حتى أدركه الإمام في الركوع- لم تبطل صلاته؛ لأنها مفارقة قليلة، وكذا لا تبطل فيما إذا رفع المأموم من الركوع، والإمام شارع فيه، ولم يجتمعا على الركوع معاً في حالة واحدة، ولو عاد للانتصاب قبل ركوع الإمام، حسبما أمرناه [به]؛ فركع الإمام؛ ولم يركع معه، بل بقى منتصباً إلى أن رفع الإمام من الركوع- لم تبطل؛ كذا نص على الجميع في "الأم".
ولفظه فيه: "وإن سبقه فركع قبل إمامه كرهت له ذلك، وأمرناه بالانتصاب؛ فإن فعل؛ فأدرك إمامه منتصباً، ركع بعد ركوعه؛ فإن أقام على ما هو عليه راكعاً؛ فلحق به الإمام؛ فاجتمعا على الركوع- لم تبطل صلاته، ولو أراد الاعتدال؛ فجعل الإمام يركع، وهو يرفع؛ فما اجتمعا على الركوع معاً في حالة واحدة، فقد سبق إمامه بركن واحد؛ فلا تفسد صلاته".
فقول الشافعي: "كرهت له ذلك"، دليل على أنه فرض المسألة في حالة تعمد المأموم السبق دون حالة جهله به؛ فإن من ركع؛ لظنه أن الإمام في الركوع؛ لصوت سمعه، ولم يكن في الركوع- لا يكره له ذلك.
وقوله: "وأمرناه بالانتصاب"، دليل على عدم بطلان الصلاة، وظاهره الوجوب.
وقد قيل: إن العود إلى المتابعة- والصورة كما ذكرنا- مستحب، لا واجب،
وهو ما حكاه ابن الصباغ؛ إذ في العود تكثير المخالفة؛ ولأجل هذه العلة قال المراوزة: إذا سبق إمامه بركن عامداً؛ بأن ركع قبله، [أو رفع من الركوع]، أو سجد، لا يعود إلى متابعته، وهل تبطل صلاته بذلك؟
قال الشيخ أبو محمد: نعم تبطل، وإن لحقه الإمام فيما سبقه إليه؛ لأنه مناقض لصورة الاقتداء؛ ولهذا قلنا: إن التقدم على الإمام في الموقف بجزء قليل يبطل صلاته، وخالف هذا التخلف عن الإمام بمثل ذلك؛ فإنه لا يبطل صلاته؛ لأن رتبة المأموم التخلف، وهذا قد حكاه القاضي أبو الطيب في صفة الصلاة، ونسبه إلى أبي علي صاحب "الإفصاح".
والمذهب: عدم البطلان في التقدم؛ لأن هذه المخالفة يسيرة، وعلى هذا لو عاد إلى متابعته بطلت صلاته؛ إذا لم يكن حين ركع قبل الإمام، أو رفع، أو سجد- نوى المفارقة.
نعم لو كان قد سمع صوتاً ظن به أن الإمام ركع، أو رفع، أو سجد؛ ففعل هو ذلك، ثم بان له أن الإمام لم يفعله بعد؛ فهل لا يجوز له العود؛ كما في الصورة قبلها، أو يجوز ولا يجب، أو يجب؟ فيه ثلاثة أوجه من مجموع كلامهم:
أصحها في "التهذيب" ها هنا: أوسطها، وهو ما ادعى في "الكافي" أنه المذهب، ولم يورد الفوراني غيره في باب سجود السهو.
والمذكور في "التتمة" و"تعليق" القاضي الحسين: الآخر، وإذا قلنا به، قال القاضي: فلو لم يعد لم تبطل صلاته في ظاهر المذهب.
وفيه وجه آخر: أنها تبطل أخذاً من قول الشافعي: لو رفع رأسه من السجود؛ لينتقل؛ فعليه أن يعود؛ فلو لم يعد؛ بطلت صلاته.
والقائلون بالأول أجابوا عن ذلك بأن المأموم في هذه الصورة لم يرفع رأسه لأجل قطع السجدة، وإنما رفع لحاجة، وها هنا رفع بنية قطع الركوع والسجود.
قلت: وهذا الخلاف يمكن تخريجه على أن الركوع، أو [الرفع، أو السجود] الذي سبق به الإمام هل يعتد [له] به، أو لا؛ لأنه أتى به على وجه السهو؟
وفيه وجهان في "التتمة":
فإن قلنا: يعتد به، لا تبطل إذا لم يعد.
وإن قلنا: لا يعتد به، فيعود؛ ليأتي بما عليه؛ فإذا لم يفعله بطلت صلاته؛ لأجل ذلك.
ولو عاد إلى الانتصاب حسبما أمرناه به والإمام منتصب، [فركع الإمام، وبقي المأموم منتصباً] حتى رفع الإمام، وسجد، فسجد معه- فقياس ما تقدم أن يكون في بطلان صلاته وجهان من أصلين:
أحدهما: أن ركوعه الأول هل اعتد له به، أم لا؟
فإن قلنا: قد اعتد له به، لم تبطل.
وإن قلنا: لا؛ انبنى على أن التخلف عن الإمام بالركوع والرفع منه هل يبطل، أم لا؟ وقد سبق.
ولو شرع المأموم في الانتصاب، وشرع الإمام في الركوع، ولم يجتمعا معاً في حالة تجري في الركوع-[قال في "التتمة": فهل يجب عليه أن ينتصب ثم يركع، أو يتابع الإمام في الركوع؟] فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه الانتصاب؛ كما لو لم يركع الإمام بعد.
والثاني: يتابع الإمام؛ فإن الانتصاب كان لمتابعة الإمام، وهو في عوده إلى الركوع متابعٌ له.
قلت: وهذا الخلاف يظهر أنه مبني على ما سلف أن الركوع الأول اعتد له به، أو لا؟
إن قلنا: لا فيجب عليه أن ينتصب، ليركع.
وإن قلنا: نعم، فالانتصاب كان لأجل المتابعة؛ فليتابع الإمام في الركوع.
وهذا مجموع ما وقفت عليه لأهل الطريقين، وأنت إذا جمعت بينهما واختصرت قلت: في عوده عند سبق الإمام بركن- كما ذكرنا- إلى متابعة الإمام، أوجه:
أحدها: أنه لا يجوز مطلقاً، وهذا الوجه لم يورد الإمام في باب سجود السهو
غيره، وفيه صرح بأن ما فعله المأموم على حكم السهو سبق يعتد به، وأنه لو عاد في هذه الصورة إلى الانتصاب؛ بطلت صلاته.
والثاني: يجوز مطلقاً.
والثالث: إن تعمد سبقه بالركن مع علمه بالحال؛ فلا يجوز العود، وإلا فيجوز.
وحيث قلنا: يجوز؛ فهل هو على وجه الاستحباب، أو الإباحة، أو الوجوب؟ فيه أوجه.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: أن كراهة التقدم على الإمام بركن يعم الركن القولي والفعلي، ولا شك في أنها ثابتة في الركن الفعلي، مقصوداً كان في نفسه أو غير مقصود؛ كالرفع من الركوع والسجود.
وأما الركن القولي- كالفاتحة والتشهد- فقد قال في "التتمة": إنه يكره أن يشرع في قراءة الفاتحة قبل الإمام، ولو فرغ منها قبل أن يشرع فيها الإمام؛ فالمذهب أن صلاته لا تبطل، وفيه وجه آخر: أنها تبطل؛ كما لو ركع قبل إمامه؛ أي: ورفع، [قال:] وليس بصحيح؛ لأن هناك يظهر المخالفة بين الإمام والمأموم، وهنا لا تظهر.
وعبارة القاضي الحسين في ذلك: أنه لو قرأ قبل إمامه، من أصحابنا من قال: لا تحسب عن قراءته؛ قياساً على سائر الأركان يسبق فيها إمامه؛ فعلى هذا لا تبطل به الصلاة في ظاهر المذهب.
وعلى طريقة أبي يحيى البلخي، تبطل؛ لأن عنده لو كرر الفاتحة، بطلت صلاته.
وظاهر المذهب أنه يحسب عن القراءة، لكنه يكره؛ بخلاف سائر الأركان، والفرق ما سلف.
قلت: وإذا كان هذا حكم القراءة، وجب أن يكون حكم التشهد كذلك؛ إذ لا فرق بينهما.
الثاني- وهو مرتب على الأول في أن كلامه يشمل الأركان القولية
والفعلية-: أنه إذا سبق إمامه بالسلام: أنه يعود إلى متابعته، ويسلم [معه]، وليس كذلك، بل إن تعمد السلام، كان حكمه حكم من فارق الإمام، ويجيء فيه التفرقة بين أن يكون بعذر، أو بغير عذر، وإن ظن أن الإمام سلم؛ فسلم، يظهر أن يبنى على ما إذا ظن أن الإمام ركع؛ فركع، ثم تبين [له] أنه لم يركع، هل يعتد بركوعه، أم لا؟ فإن قلنا: يعتد به، فكذا هنا، ولا يعود إلى متابعته، وإلا فيعود، ويسلم معه.
الثالث: أنه لا يكره المساوقة في الأركان، وقد يؤخذ ذلك من قول الإمام: "إنه لو ساوقه فيها، جاز، لكن الأولى التأخير عنه"، لكن في "التهذيب" وغيره- كما قال الرافعي-: أنها تكره؛ لقوله عليه السلام: "فإذا كبر، فكبروا" فإنه يقتضي أني جري على أثر الإمام؛ بحيث يكون ابتداؤه بكل واحد من الأركان متأخراً عن ابتداء الإمام، ومتقدماً على فراغه؛ فإذا فعل ذلك معه، فقد وجدت المخالفة؛ فلا تحصل له فضيلة الجماعة.
قال: ومن أطلق الجواز، فمراده: أنها لا تفسد الصلاة.
وعلى هذا يكون مفهوم كلام الشيخ غير معمول به، ولا يقال: إنا نحمل الكراهة في كلامه على التحريم؛ كما ذكرتم أن صاحب "التهذيب" وغيره صرح به، وكراهة المساوقة كراهة تنزيه؛ لأن قوله بعد ذلك: "ولا يجوز أن يسبق الإمام بركنين"، يأباه، ولو كان المراد بالكراهة: التحريم، لسوى بينهما.
وهذا كله في الأركان الفعلية والقولية، ما عدا تكبيرة الإحرام والسلام:
أما تكبيرة الإحرام، فلا تجوز المساوقة فيها؛ بلا خلاف، ولو وجدت لم تنعقد صلاته؛ لأنه علقها بصلاة من لم تنعقد له صلاة بعد؛ فلم تصح، ومن طريق الأولى إذا تقدم تكبير المأموم على تكبير الإمام.
وقد حكى في "الذخائر" عن القاضي أبي الطيب أنه قال في هذه الصورة: يحتمل عندي وجهاً آخر: أنه يصبر إلى أن يكبر الإمام، ويدخل معه من غير قطع؛ بناءً على نقل الصلاة من الانفراد إلى الجماعة.
قلت: والقاضي في "تعليقه" لم يقل هذا احتمالاً، بل حكاه عن بعض
الأصحاب في أوائل صلة الصلاة، والشيخ مجلي اتبع فيه ما قاله ابن الصباغ؛ فإنه هكذا قال، وأبدى لنفسه تفصيلاً بين أني كون قد ظن أن الإمام أحرم، أولا؛ ولهذا قال مجلي: إن بعض أصحابنا قال: هذا إنما يكون إذا اعتقد أن الإمام [قد] كبَّر، أما إذا كبر قبله مع العلم بأنه لم يكبر، لم تنعقد صلاته.
وأما السلام، ففي جواز المساوقة فيه وجهان، بناهما بعضهم على أنه هل يشترط فيه نية الخروج، أم لا؟ فإن قلنا: تشترط، كان كتكبيرة الإحرام، وإلا كان كباقي الأركان.
وضعف هذا البناء من حيث إن الصحيح اشتراط نية الخروج، والصحيح: أن المساوقة لا تضر، وبالغ الإمام؛ فقال: إن القول بمقابله زلل عظيم، غير معتد به من المذهب.
قال: ولا يجوز أن يسبقه بركنين، [أي]: من غير عذر؛ فإن [سبقه بركنين بأن] ركع قبله؛ فلما أراد أن يركع رفع؛ فلما أراد أن يرفع سجد؛ لفحش المخالفة.
قال: فإن فعل ذلك مع العلم بتحريمه؛ بطلت صلاته؛ [لكثرة المخالفة].
قال: وإن فعل مع الجهل، لم تبطل [صلاته]؛ لأنه معذور، وقال عليه السلام: "رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه".
قال: ولم يعتد له بتلك الركعة؛ لمخالفة الإمام في معظمها.
قال الماوردي: قال الشافعي: ولو جاز هذا، لجاز أن يقال: إذا أحرم مع الإمام، ثم سبقه بالقراءة، والركوع، والسجود- أن يجزئه، وهذا غير جائز بالإجماع.
واعلم: أن ما ذكره الشيخ من الحكم، والتصوير موافق لما حكاه البندنيجي عن نصه في "الأم"؛ حيث قال: "ولو أنه ركع قبل إمامه، [واعتدل قبل أن يركع إمامه، فإنه يركع معه إذا ركع، فإن ركع قبل إمامه]، ثم أراد الاعتدال؛ فجعل الإمام يركع، وهذا يرفع؛ فما اجتمعا على الركوع [معاً] في حالة واحدة؛ فقد سبق إمامه بركن واحد؛ فلا تفسد صلاته؛ فإن أقام على الانتصاب حتى لحق به
الإمام، فانتصبا معاً، أجزأه.
وإن رفع من الركوع، فركع إمامه، ثم سجد قبل اعتدال إمامه من الركوع- فقد سبقه بركنين".
وقد تبع الروياني في "تلخيصه" هذا النص؛ فلم يخرج عنه بلفظ، وغيره وافق على الحكم، ونازع في التصوير؛ فقال: السبق بركنين لا يجوز، ومع العلم بالتحريم تبطل الصلاة، ومع الجهل تبطل الركعة، لكن هل يشترط أن يكون الركنان مقصودين، أم يكفي أن يكون أحدهما مقصوداً، والآخر غير مقصود؟ فيه وجهان، وعلى كلا الوجهين هل يترتب بطلان الصلاة أو الركعة على شروعه في الركن الثاني، أو [على] الفراغ منه؟ فيه وجهان، وذلك يتضح بالمثال في معرض التفريع:
فإن قلنا: يترتب على الشروع في الثاني، ولم نشترط في الركنين أني كونا مقصودين، أو شرطنا ذلك، وقلنا: إن الرفع من الركوع أو السجود مقصود في نفسه؛ فإذا ركع [قبل] إمامه، ورفع، والإمام بعد لم يركع- بطلت صلاته، وهذا ما جزم به البغوي، وادعى القاضي الحسين أنه لا خلاف فيه، لكنه سمى هذا: سبقاً بركن واحد، [ثم] قال: فإن قيل: الإمام لو سبق بركن واحد لا تبطل صلاته؛ فما الفرق؟ قلنا: لأن الإمام متبوع، وأبداً المتبوع يتقدم على التابع؛ ولهذا يتقدمه في الموقف، وإن اعتبرنا في البطلان الانفصال عن الركن الثاني؛ بطلت صلاته إذا شرع في الهُوِيِّ للسجود والإمام قائم لم يركع، ولا تبطل، إذا أدركه الإمام في الرفع من الركوع، وهو ما أورده في "المهذب" و"الشامل".
وإن قلنا: لا يبطل [إلا ركنان مقصودان،]، وإن الرفع من الركوع ليس بمقصود في نفسه؛ فإن اكتفينا في البطلان بالشروع في الركن الثاني، بطلت صلاته بالهُوِيِّ إلى السجود أيضاً.
وإن قلنا: لابد من الانفصال عن الركن الثاني، فقياسه ألا تبطل ما لم يرفع المأموم رأسه من السجود والإمام قائم لم يركع، وقد ادعى بعضهم أنه لا خلاف في أنه يكفي في البطلان ملابسة السجود.
قال بعضهم: وإذا عرفت ذلك، عرفت أن كلام الشيخ مخالف لما قاله
الأصحاب: أما على رأي الشيخ أبي محمد فظاهر، وأما على رأي الجمهور إذا [اشترطنا ملابسة الثاني]؛ فلأنه كاف في البطلان؛ ولا يفتقر على ضرورة أخرى للإمام، ولا للمأموم.
وإذا شرطنا الانتقال من الثاني؛ فيشترط أن يتوسط بين الإمام والمأموم ركنان ينفصل عنهما.
وفيما أبداه من التصوير لم يتوسط سوى ركن واحد، وهما في الحقيقة مثالان أدرجهما في مثال واحد.
[قال:] وكذا رأيته لبعض المصنفين، والحق ما ذكرناه.
قلت: وهذا الذي ذكره هذا القائل مخالف لما قاله الأصحاب والشافعي، ومخالفته لما قاله [الشافعي ظاهر؛ فإن نصه في "الأم" كما ذكره الشيخ، وأمام خالفته لما قاله] الأصحاب؛ فلأنهم جازمون بأنا إذا قلنا: لابد من الشروع في الركن الثاني، وأن الرفع من الركوع ليس بمقصود- لا تبطل ما لم يسجد؛ لأن السجود هو الركن دون الهُوِيِّ له.
نعم، إذا قلنا: إنه يكفي في البطلان الإتيان بركن تام، وأن الرفع من الركوع غير مقصود، وهو من توابع الركوع- فتبطل صلاته إذا شرع في الهوى إلى السجود؛ لأن به فارق الرفع وإن لم يشرع في السجود، وهذا ظاهر من كلام الأصحاب في مسألة التخلف، وقد سلفت، وإذا كان كذلك عرفت أن ما رامه من الاعتراض عاد عليه، وأن كلام الشيخ هو الموافق للنص؛ فإتباعه أولى.
فرع: لو كان سبق المأموم الإمام بركن غير مقصود؛ كما إذا ركع معه، ورفع قبله، وسجد والإمام بعد راكع- قال في "الكافي": فالأصح أنه لا تبطل صلاته؛ لأن الرفع يتبع الركوع؛ فشابه ما لو سبقه بالركوع، ولحقه الإمام فيه، وهذا ما ادعى في "التهذيب" أنه المذهب، وأن الحكم فيما إذا سجد مع الإمام، ورفع قبله، وسجد الثانية، ولم يرفع الإمام من الأولى- كذلك، ولا خلاف على
المذهب في أنه إذا سبقه بالركوع، وأدركه الإمام فيه، ثم رفع قبله، وأدركه الإمام رافعاً، ثم سجد قبله، وأدركه الإمام فيه، وهكذا إلى آخر الصلاة- لم تبطل صلاته؛ صرح به القاضي الحسين وغيره، وأما على رأي الشيخ أبي محمد، فتبطل بمجرد الركوع قبله؛ كما تقدم، والله أعلم.
قال: ومن حضر، وقد أقيمت الصلاة؛ لم يشتغل [عنها] بنافلة، أي: تحيةً كانت أو غير تحية؛ لقوله عليه السلام: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة" أخرجه مسلم.
ولا فرق في ذلك بين أن يمكنه مع صلاة النافلة إدراك أول الصلاة، أو لا؛ لظاهر الخبر.
قال: وإن أقيمت وهو في النافلة، راتبة كانت كركعتي الفجر، أو غير راتبة كتحية المسجد، ولم يخش فوات الجماعة-[أتمها]؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33]، ولأنه يمكنه إحراز الفضيلتين؛ فلا يفوت إحداهما.
أما لو خشي فوتها، اقتصر على ما أمكن منها؛ ليدرك فضيلة الجماعة؛ فإنها صفة فرض، وفرض على رأي، فكانت أولى من النفل.
ولو أقيمت وهو في الفرض، فقد ذكرناه في أثناء الباب.
وما ذكره الشيخ في الصورتين هو ما حكاه البندنيجي عن نصه في "الأم"، وظاهره: أنه متى أقيمت، وأمكنه أن يدرك تكبيرة قبل سلام الإمام أنه يتم النافلة، وبه صرح الجيلي؛ بناءً على مذهب العراقيين في إدراك الفضيلة بذلك.
وقال مجيلي: [الذي] ينبغي أن يقال: يراعى فوات أول الصلاة بمساوقة [تكبيرته] تكبيرة الإمام؛ فليقطع الآن، وإن رأينا إدراك أول الصلاة بما وراء ذلك- على اختلاف الأقوال- فيجوز له التأخير؛ للاشتغال بالنفل إلى ذلك الحد.
ويحتمل أن يقال: يجوز له ذلك ما لم يَخَفْ فوات الركوع؛ إذ به تفوت الركعة الأولى.
قلت: وهذا هو الوجه، ويعضده ما ذكرناه من نص الشافعي أنها إذا أقيمت وهو في الفرض منفرداً، يقطعه، ويقلبه [نفلاً]، والله أعلم.
كفاية النبيه شرح التنبيه
الجزء الرابع تتمة كتاب الصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم
باب صفة الأئمة
هذا الباب مسوق؛ لبيان الصفات المطلوبة في الإمام ندباً وشرطاً، ونبه بما ذكره [فيه] على ما لم يذكره من الأضداد؛ إذ بضدها تتبين الأشياء.
قال: السنة أن يؤم القوم [أقرؤهم]، أي: أصحهم قراءة لكتاب الله، وأفقههم، أي: في دين الله.
أشار الشيخ بذلك إلى ما ثبت في الصحيح: روى مسلم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم".
وروى البخاري في حديث عمرو بن سلمة الطويل: "وليؤمكم أكثركم قرآناً".
وروى مسلم عن أبي مسعود عقبة بن عامر البدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة؛ فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة؛ فإن كانوا في الهجرة سواء، [فأقدمهم سلماً"، وفي روأية]: فأقدمهم سنّاً"، ولا يؤم [الرجل] الرجل في سلطانه، ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه".
فثبت بهذه الأخبار تقديم الأقرأ.
قال الشافعي: والمخاطب بذلك الذين كانوا في عهده، وكان أقرؤهم أفقههم؛ فإنهم كانوا يسلمون كباراً، ويتفقهون قبل آن يقرءوا؛ فلا يوجد قارئ منهم إلا وهو فقيه، وكان يوجد الفقيه وهو ليس بقارئ؛ فإنه قيل: لم يحفظ القرآن من الصحابة - رضي الله عنهم - إلا خمسة: أبو بكر، وعثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وقيل: عبد الله بن عباس؛ فلذلك ذكر الأقرأ، وأمر بتقديمه، ولم يذكر الأفقه؛ ألا تراه لم يذكر النسب، وهو مما يقدم به؛ لأنهم كلهم كانوا ذوي أنساب.
ويشهد لقول الشافعي: "إن أقرأهم حينئذ أفقههم"، قول ابن مسعود: "كنا لا
نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها"، وقول ابن عمر: "ما رأيت السورة تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم إلا ونعلم أمرها ونهيها".
فإن قلت: هل قول الشافعي: "إن أقرأهم كان أعلمهم"، عام في كل أحد من القراء، أو هو الأغلب؟
قلنا: آثار الإمام إلى الثاني؛ من أجل أن عمر - رضي الله عنه - لم يعد ممن يحفظ القرآن؛ لأنه كان يعسر عليه الحفظ، وهو يفضل على عثمان وعلي - رضي الله عنهم - مع حفظهما القرآن، وتفضيله على غيرهما ممن يحفظه أولى؛ لأنه أفضل منهم.
قلت: ويحتمل أن يبقى كلام الشافعي على عمومه؛ لأنا قد ذكرنا آن المراد بالأقرأ: الأصح قراءة، لا أنه الأكثر حفظاً، [وإذا كان كذلك فيجوز أن يكون عمر - رضي الله عنه - أصح قراءة من غيره.
وقد استفدنا مما قاله الإمام: أن المراد بالأقرأ عنده: الأكثر حفظاً]، والذي رأيته في [كلام] بعضهم الأول.
قال: فإن زاد واحد في الفقه، أو القراءة، فهو أولى.
هذا المصل مسوق؛ لبيان مسألتين:
إحداهما: أن يستوي الحضور في القراءة، ويزيد واحد عليهم بالفقه أو فيه؛ فهو أولى.
والثانية: أن يستوي القوم فى الفقه، ويزيد واحد منهم عليهم بالقراءة؛ فهو أولى.
ووجهه في الصورتين امتيازه بالفضل.
وما ذكرناه من لفظ الشيخ هو الذي حفظناه، وقال الشيخ محيي الدين النواوي: إنه الذي ضبطه عن نسخة المصنف، وقد رأيته في نسخة عليها خطه.
كذلك قال، ويقع في كثير من النسخ أو أكثرها: "فإن زاد واحد في الفقه والقراءة؛
فهو أولى"، والصواب الأول.
قلت: إذ لو لم يكن كذلك، لاحتجنا إلى جعل الواو في قوله: "السنة أن يؤم القوم أقرؤهم وأفقههم" بمعنى "أو"؛ دفعاً للتكرار.
قال: وإن زاد واحد في الفقه، أي: مع معرفته [من] القراءة ما يكفيه لصلاته، وزاد آخر في القراءة، أي: مع معرفته من الفقه ما يكفيه لصلاته - فالأفقه أولى؛ لأن عمر قدم على عثمان وعلي؛ لزيادة علمه، مع زيادة قراءتهما عليه، ولأن حاجة الصلاة إلى الفقه أدعى، ولأن ما يحتاج إليه من القراءة فيها محصور، بخلاف الفقه فقد ينوبه في الصلاة ما لا يعلم كيف يفعل فيه إلا بالعلم، ولا يعلمه من لا فقه له.
قال الرافعي: وقد حكى [القاضي] الروياني وغيره وجهاً: أنهما سواء؛ لتقابل الفضيلتين.
قلت: وهذا ما حكاه البندنيجى عن الشافعى [حيث قال: قال الشافعي:] هما سواء، وأيهما [تقدم، فحسن].
قال: والذي قاله الأصحاب: أن الأفقه أولى، وهو ما ادعى ابن الصباغ أن الشافعي أشار إليه؛ فإنه قال: قال الشافعي في كتاب الإمامة: "فإن قدم الفقيه إذا كان يقرأ ما يكفي في الصلاة؛ فحسن، وإن قدم القارئ إذا علم ما يلزمه في الصلاة؛ فحسن"، ثم قال بعده: ويشبه أن يكون من كان فقيهاً، وقرأ من القرآن شيئاً أولى؛ لأنه قد ينوبه في الصلاة ما يعلم كيف يفعل فيه بالفقه، ولا يعلمه من لا فقه له.
ولا جرم قال الإمام: إن هذا مذهب الشافعي، رحمه الله.
وقد حكى القاضي أبو الطيب، وابن الصبإغ، عن ابن المنذر أنه اختار تقديم الأقرأ.
قال: فإن استويا في ذلك، أي: استويا في القراءة والفقه؛ قدم أشرفهما، وأسنهما؛ لاجتماع فضيلتين دلت عليهما الأخبار فيه، روى الشافعي بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"الأئمة من قريش"، وقال عليه السلام: "قَدِّموا قريشاً، ولا تَقَدَّموها".
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث مالك بن الحارث الطويل: "إذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، تم ليؤمكم أكبركم" أخرجه مسلم، وزاد البخارى: "وصلوا كما رأيتمونى أصلى".
وروى مسلم، عن مالك أيضاً قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وصاحب لي؛ فلما أردنا الإقفال من عنده قال: "وإذا حضرت الصلاة فأذنا، نم أقيما، وليؤمكما أكبركما".
والشرف الذي آثار إليه الشيخ: الشرف بالنسب.
قال ابن الصباغ: فيقدم بنو هاشم وبنو المطلب على غيرهم من قريش، وتقدم قريش على غيرها.
قال البندنيجي: وتقدم العرب أيضاً على العجم.
وهل يقدم بالانتساب إلى العلماء والصالحين؟
قال الإمام: رأيت في كتب أئمتنا ترددا فيه، والظاهر أن كل نسب معتبر في الكفاءة مرعى هاهنا.
والسن المشار إليه هو الحاصل في الإسلام؛ فمن أسلم من شهر وهو ابن عشرين مقدم على من أسلم بعده وإن كان ابن ثلاثين فأكثر؛ كذا قاله العراقيون، وحكاه الإمام عنهم، واستحسنه، وحكى عن شيحه شيئاً سنذكره.
قال البغوي: ومن أسلم أحد آبائه قبل آباء الآخر؛ فهو المقدم، نعم من أسلم بنفسه أولى ممن أسلم بأحد أبويه، وإن تأخر إسلامه عن إسلام من أسلم أبواه؛ لأنه إذا أسلم بنفسه فقد اكتسب هو تلك الفضيلة، بخلاف الآخر؛ كذا قاله في "التهذيب" أيضاً.
قلت: ويظهر أن يقال: هذا ظاهر إذا كان إسلام من أسلم بنفسه، قبل بلوغ من حكمنا بإسلامه تبعاً لأبيه، [أما إذا كان بعد بلوغ من حكمنا بإسلامه تبعاً لأبيه؛ فالذي يظهر تقديم من حكمنا بإسلامه تبعاً لأبيه]، والله أعلم.
قال: فإن استويا في ذلك، أي: استويا في القراءة، والفقه، والخرف، والسن - قدم أقدمهما هجرة؛ لقوله تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاَتلَ ...﴾ الآية [الحديد: 10].
فإن قيل: الخبر دال على التقديم بالهجرة بعد القراءة، وقد قلتم: إن القراءة في ذلك الوقت تستلزم الفقه، ويقتضي ذلك أن يقدم بها بعدهما؛ فلم قدمتم بالشرف
والسن بعدهما، وأخرتم الهجرة؟!
قلنا: لأن الهجرة فضيلة واحدة؛ فإذا وجد في مقابلها فضيلتان، قدمتا عليها، نعم لو وجد في مقابلها إحدى الفضيلتين؛ فهل تقدم، أم لا؟ فيه خلاف سنذكره.
قال الأصحاب: ثم الهجرة المقدم بها في الإمامة لا تنقطع إلى يوم القيامة؛ فإذا أسلم اثنان، وتقدم أحدهما الآخر في الهجرة؛ فإنا نقدمه عليه في الإمامة، ويقدم أولاد المهاجرين على أولاد غيرهم، [ويقدم أولاد المهاجرين بعضهم على بعض]؛ يتقدم هجرة آبائهم.
قال القاضي أبو الطيب، والبندنيجي، وغيرهما من العراقيين; فإن قيل: قد روي أنه عليه السلام قال: "لا هجرة بعد الفتح".
قلنا: أراد بذلك؛ كما قال بعضهم: لا هجرة واجبة، أو لا هجرة [من مكة] إلى المدينة.
[و] كذلك نقول: لأن مكة يعد الفتح صارت دار إسلام.
أو نقول: أراد: لا هجرة كاملة؛ ويدل عليه رواية معاوية، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها".
قال: فإن استويا فى ذلك، أي: استويا في القراءة، والفقه، والشرف، والنسب، والهجرة - قدم أورعهما؛ لأن للورع تأثيراً في تكميل الصلاة.
والمراد به: حسن, الطريقة، والعفة، لا مجرد العدالة المسوغة لقبول الشهادة.
وأصل الورع: الكف.
وما ذكره الشيخ هو ما أورده ابن الصباغ، وقال الإمام: إنه الذي يقتضيه قياس المذهب.
وحكى البندنيجي [معه] وجهاً عن بعض الأصحاب: أنه يقدم عند الاستواء في القراءة والفقه والشرف والنسب والهجرة، بحسن الوجه.
وسبب هذا الاختلاف قد شرحه القاضى أبو الطيب وغيره، فقال: حكي عن بعض السلف أنه إذا اجتمع إمامان يوجد في كل واحد منهما الشرائط الخمسة - يقدم أصبحهم وجهاً.
واختلف أصحابنا فى ذلك:
فمنهم من قال: أراد بذلك أحسنهم ذكراً عند الناس في الدين والصلاح؛ لأن الناس شهداء الله في أرضه؛ فإذا شهدوا للرجل بالصلاح، كان دليلاً على أنه صالح عند الله.
ومنهم من قال: أراد أحسنهم وجهاً في الصورة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اطلبوا الحوائج من حسان الوجوه".
وفي "الحاوي" أن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤمكم أحسنكم وجهاً؛ فإنه أحرى أن يكون أحسنكم خلقاً".
قال القاضي أبو الطيب: وهذا الوجه ليس بشيء.
واختار الشخ أيو محمد تقديم الأورع على الأفقه، ولم يذكر القاضي الحسين، والمتولي، واليغوي غيره، وقضية ذلك تقديمه على الشرف والسن وغيرهما من طريق الأولى.
قال القاضي: وهذا بخلاف الفتوى؛ فإنه يقدم فيها الأفقه على الأورع.
وزاد فقال: لو اجتمع فقيه [و] قارئ وورع، فالأورع أولى؛ لأن هذه سفارة بين العبد وبين الله - تعالى - وفي السفارات يرجح لها من هو الأوجه هد وقوع الحاجة [إليه]، والأوجه عند الله والأكرم هو الأتقى.
قال: ويحتمل أن يقال: الفقه والقراءة أولى؛ لأن الخبر ورد فيهما، والنبي صلى الله عليه وسلم تعرض لهما دون الورع؛ فدل على أنهما أهم، وهذا ما اختاره الإمام.
قال: فإن استويا في ذلك، أي: استويا في القراءة، والفقه، والشرف، والسن، والهجرة، والورع، أقرع يينهما؛ إذ لا مزية لأحدهما على الآخر.
وقال غيره: يقدم بنظافة الثوب، وحسن السمت، وطِيب النَّعْمة، وحسن الصنعة، من غير ترتيب بين هذه الأشياء.
وفي "التتمة": أنه تقدم النظافة، ثم حسن الصوت، ثم حسن الصورة.
وإذ قد عرفت ما ذكره الشيخ، علمت أن الصفات المرجحة عنده في هذه الإمامة ست، وترتيبها كما ذكر، والورع آخرها، وليس في كلامه تصريح بما إذا استويا فى القراءة، والفقه، وأحدهما شريف، والآخر من غير شريف؛ من المقدم منهما؟ وسنذكر ما فيه، والبغوي عد الصفات أيضاً ستّاً، لكنه جعل الورع أولها؛ كما ذكرناه عنه وعن غيره، وجعل الفقه يليه، ثم القراءة، ثم الإسلام مع الهجرة، وقال: إن ذلك مقدم على السن والشرف؛ للخبر؛ فإنه يقتضي تقديم الهجرة، [بعد]، القراءة والفقه؛ فإن استويا في الإسلام والهجرة فالأسن والأنسب لغيره مقدم، وإن كان ثم نسب؛ بأن كان أحدهما ثيخا عجميّاً، والآخر شاباً قرشياً؛ ففي المقدم منهما قولان.
والغزالي وغيره عدوا الصفات خمساً، وأسقطوا الهجرة من العدة.
والشافعي لم يذكر الورع، وذكر الهجرة مع باقى الصفات؛ فهى خمس عنده أيصاً.
قال الشيخ أيو حامد، وتبعه البندنيجي وغيره: ولا يختلف قوله أن القراءة والفقه يقدمان على باقي الخمس: وهو موافق لما في الكتاب وغيره من كتب العراقيين هاهنا، لكن الإمام قال في كتاب الجنائز: إن العراقيين حكوا عن نص الشافعي: أنه يقدم في صلاة الجنازة الأسن، ويقدم في سائر الصلوات الأفقه، وأن منهم من نقل وخرج، فجعل في كل مسألة قولين، وأن المراوزة لم يذكروا هذا هكذا، بل قطعوا في سائر الصلوات بتقديم الأفقه، وأجروا الخلاف في الجنازة فقط.
[و] على ظاهر النص؛ فالأفقه مقدم على الأقرأ - على المشهور - وفيه ما تقدم، والصفات الثلاث الباقية من الخمس التي ذكرها الشافعي، وهى: النسب، والسن، والهجرة، ما المقدم منها عند وجودها في ثلاثة أشخاص في كل شخص صفة منها؟ فيه قولان:
الجديد: أن المقدم الأسن على النحو الذي ذكرناه.
قال الإمام: وكان شيخي يشير إلى اعتبار الشيخوخة، ويروي فيها أخباراً؛ مثل: قوله عليه السلام: "من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم".
قال: وهذا يقتضي أنه إذا اجتمع ابن عشرين وابن ثلاثين، وابن العشرين قرشي - فالقرشي مقدم؛ من حيث إن صاحبه ليس شيخاً، ولكن أجمع أئمتنا على أنه لا تعتبر الشيخوخة، بل يكفي كبر السن.
ثم المقدم على الجديد بعد السن - كما ذكرنا - ذو النسب، ثم ذو الهجرة، على النعت الذي ذكرناه، وإلى هذا القول يرشد كلام الشيخ؛ حيث جعل الهجرة
آخر الخمس، وبعدها الورع.
والقديم: أن المقدم ذو النسب، [ثم ذو الهجرة، ثم ذو السن، وهو الذي صححه أبو إسحاق المروري، والشيخ في "المهذب" وجماعة من الأصحاب؛ كما قال الرافعي؛ مستدلاً بما ذكرناه من الخبرين، وبأن قولي الشافعي متفقان؛ على تقديم النسب] على الهجرة، والهجرة مقدمة على الن في الحديث الذي رواه أبو مسعود [قبله]؛ فيلزم تقديم النسب؛ لأن المقدم على المقدم مقدم، والقائلون بالجديد قالوا: الأخبار واردة بتقديم الأسن؛ فكان العمل بها أولى من العمل بما سواها؛ لأوجه:
أحدها؛ [أن] ما ورد في تقديم الأسن يدل على الحكم بخصوصه، وما ورد في النسب يدل عليه بعمومه؛ لتناوله الإمامة الكبرى والصغرى؛ [فيحتمل قصره على الكبرى، وهو الظاهر.
والثاني: أن اعتبار الن أظهر فى]، مقصود الصلاة؛ لأن سرها الخشوع، والأكبر أخشع غالباً.
والثالث: أن السن فضيلة في الذات، والنسب خارج.
قلت: ويجوز أن يستأنس في ذلك أيضاً بما روي أنه اجتمع على باب عمر بن الخطاب أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وسلمان الفارسي، وبلال، وصهيب، وجماعة من وجوه العرب؛ فأذن لسلمان، وبلال، وصهيب؛ فتغير وجه أبي سفيان؛ فقال له سهيل بن عمرو: يا أبا سفيان، إن هؤلاء قوم دعوا ودعيت، فأجابوا، وتأخرت؛ ولئن حسدتهم اليوم على باب عمر؛ لأنت غدا أشد حسداً لهم على باب الجنة.
وأما كونه - عليه السلام - قدم الهجرة على الأسن، فلا ينافي ما ذكرناه؛ لأن المهاجرين في زمنه كانوا من قريش؛ فوجد في حقهم فضيلتان؛ فقدموا على من لم توجد فيهم إلا فضيلة واحدة؛ وهى: السن؛ وبهذا يحصل الجواب أيضاً عما ذكره البغوي من تقديم الذي أسلم وهاجر على السن والشرف؛ لأجل الخبر؛ فإنه إذا كان الغالب في المهاجرين أنهم من قريش؛ فقد اجتمع فيهم
الشرف والإسلام والهجرة؛ فقدموا على من لم يوجد فيهم إلا مجرد السن، أو السن والنسب.
والقاضي الحسين حيث قال: يقدم الأورع، ثم الأفقه، ثم الأقرأ، ثم السبق بالهجرة – قال: ومعنى السبق بالهجر: أن يكون أحدهما أسلم منذ عشر سنين، والآخر أسلم منذ عشرين منة؛ فالذي أسلم منذ عشرين سنة أولى؛ لأنه اكتسب من الطاعات والخيرات ما لم يكتسبه حديث العهد بالإسلام.
وهذا عين تقديم الأسن التفسير الذي ذكره العراقيون، وزعموا أنه القول الجديد، وإذا أردت ضبط الخلاف المحكي عن الشافعي فقل: السن هل هو أوسط الخمس، أو آخرها؟ فيه القولان.
قال الإمام: فإن قلت: الأخبار دلت على ترجيح السن والنسب؛ [فهلا دلت] على استوائهما؟
قلنا: لا سيل إلى ذلك؛ فإن ما يتعلق به ناصر كل قول يشير إلى التقديم؛ لقوله عليه السلام: "قدموا قريشاً" وقوله: "فأقدمكم سناً"، فكذا نفهم على القطع إذا نظرنا في مأخذ ذلك أن المسألة على التفضيل والتقديم، [ودلالة الشريعة أين وجدت دالة على ذلك؛ فتعين وجوب التقديم]، ثم ينظر في الأولى، قال: وهذا عن دقيق النظر؛ فليفهم، ووجوه الترجيح قد تقدمت.
قال: وصاحب البيت أحق من غيره، [أى]: إذا اجتمع فيه شرائط الإمامة، سواء كان غيره أكمل منه، أو لا؛ لقوله عليه السلام؛ "ولا يُؤَّمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه"، ورواية أبي داود: "ولا يؤم الرجل في بيته، ولا فى سلطانه"، والمراد بصاحب البيت: مستحق منافعه، مالكاً كان أو مستأجرا أو مستعيراً، نعم لو كان الساكن عبداً؛ فسيده أحق منه، والمكاتب أحق من سيده، وفي المستعير مع المعير تردد جواب القفال: فقال مرة: المعير أولى، وهو الذي حكاه الروياني في تلخيصه عن الشيخ أبي حامد، ولم
يحك البندنيجي وفي "الوجيز" غيره، وهو الأظهر عند الأئمة.
وقال مرة: المستعير أولى؛ فإنه صاحب السكنى، إلى أن ينصرف ويمنع.
وهذا ما أورده القاضي الحسين، وتبعه البغوي، وعلى هذا قال الإمام: فالفرق بين المعير والسد مع عبده: أن العيد في سكونه ممتثل أمر مولاه، وسكون العبد من عرض السيد؛ فإنه ملكه؛ فإذا حضر السيد فهو المالك، وإليه ترجع فائدة السكون، [وفائدة السكون] في حق المستعير [إليه]؛ فإذا لم يرجع المعير في العارية؛ فيجوز أن يقدر دوام الحق للمستعير.
وقد حكى الروياني في "تلخيصه" الوجه المذكور في تقديم المستعير، في تقديم العبد على سيده، والذي جزم به المعظم: الأول.
ولا خلاف في أن المعير إذا رجع في العارية فهو أولى.
وسلك الماوردي طريقاً آخر؛ فقال: إذا كان صاحب الدار مثل الحاضرين عنده، فهو أولى، وإن كانوا أقرأ منه فلا حق له في الإمامة، وليس لهم أن يجمعوا إلا بإذنه؛ فإن أذن لأحدهم، فهو أحق إمامتهم، وإن لم يأذن، صلَّوْا فرادى.
ولو كان صاحب الدار امرأة، فلا حق لها في الإمامة إلا بالنساء.
ولو كان مجنوناً أو صبياً، اسنؤذن وليه؛ فإن أذن لهم جمعوا، وإلا صلوا فرادى.
وقد اختلف في التكرمة المذكورة في الحديث:
فقيل: إنها بساطه، وفراغه، ووسادته؛ قاله ابن رجاء.
وقيل: مائدته.
فرع: لو كان للبيت مالكان، فحضرا، لم يقدم أحدهما إلا بإذن الآخر، ولو حضر أحدهما، فالأمر كما لو كانا حاضرين؛ قاله فى "التهذيب".
قال: وإمام المسجد أحق من غيره، أي: وإن كان أفضل منه؛ للخبر، وقد روي أن ابن عمر كان له مولى يصلي فى مسجده؛ فأتى يوماً إلى المسجد؛ فتأخر مولاه؛ فقال له ابن عمرت تقدم؛ فإنك أحق بمسجدك.
قال: والسلطان أحق من صاحب المنزل، أي: عند إرادة إقامة الصلاة جماعة في منزله؛ كما آثار إليه الإمام - رحمه الله تعالى - لأن ولايته عامة، وفي تقدمه على السلطان خروج عن موجب المتابعة وبذل الطاعة، ولا فرق بين أن يكون أكمل من صاحب المنزل، أو دونه؛ قال عليه السلام؛ "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برّاً كان أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم، برّاً كان أو فاجراً" رواه أبو داود.
وقد صلى ابن عمر، وأنس خلف الحجاج.
وحكى الماوردي وغيره قولاً: أن رب المنزل أحق من السلطان؛ لقوله عليه السلام: "رب الدار أحق بالدار"، ولأنه مالكها، وأحق الناس يمنافعها؛ فوجب أن يكون أحق الناس بالإمامة فيها؛ لكون الإمامة تصرفاً فيها، وهذا مذكور في القديم.
والجديد، وهو الأصح، وإليه أشار في القديم: الأول، وعلى هذا لو أذن اللطان لغيره، كان أولى، قاله ابن الصباغ.
قال: وإمام المسجد؛ أي؛ السلطان أحق من إمام المسجد، وإن كان دونه؛ لما
ذكرناه من عموم ولايته، وقوله عليه السلام: "لا يؤم الرجل في سلطانه" يدل عليه أيضاً، ووالي البلد في البلد، وقاضيها مع الرعية، كالسلطان معهم؛ قاله الماوردي وغيره.
وإمامة المسجد تارة تحصل بولاية الإمام، وتارة تحصل بنصب الشخص نفسه إماماً فى مسجده، وترتضيه الجماعة.
وهذا في مساجد المحال والعشائر والأسواق، وأما في المسجد الجامع للبلد فلا يجوز أن يكون إماماً إلا بإذن الإمام؛ فإن عدم؛ فارتضى أهل البلد بتقدبم أحدهم؛ جاز حينئذ.
وقد أفهم كلام الشيخ هذا وما قبله، أن ما أسلفه في أول الباب، فيما إذا اجتمع جماعة في صحراء، أو مسجد ليس له إمام راتب، وليس فيهم صاحب ولاية، وكلهم بالغون، مقيمون، أو مسافرون، أحرارٌ، عدولٌ، ليس فيهم ولد زنى، ووقع بينهم تنازع في التقديم.
وقوله: "أحق" و"أولى"، هذه الصيغة في كلام العرب لها معنيان:
أحدهما: استيعاب الحق؛ كقولك: فلان أحق بماله [من غيره]؛ أي: لا حق لغيره فيه، ومثله قولهم: أحق الناس بالصلاة على الميت أبوه، وبإنكاحها أبوها، وصار المقطع أحق به، وشبهه.
والثاني: ترجيح الحق، وإن كان للآخر فيه نصيب؛ كقولك؛ فلان أحسن حالاً من فلان.
[كذا] قاله الأزهري، قال: وعلى الثاني معنى [قول النبي] صلى الله عليه وسلم: "الأيم أحق بنفسها من وليها" أي: لا يفتات عليها فيزوجها بغير إذنها، ولم ينف [هذا اللفظ] حق الولي؛ فإنه [هو] العاقد عليها، والناظر لها.
قال: والبالغ أولى من الصبي.
هذا الفصل ينظم حكمين:
أحدهما: أن إمامة الصبى جائزة فى الصلوات، وذلك مما لا خلاف فيه عندنا، إلا في الجمعة؛ كما سيأتي.
ووجهه: ما روى البخاري، عن عمرو بن سلمة قال: كنا بماءٍ ممرَّ الناس، وكان يمر بنا الركبان؛ فنسألهم: ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه؛ فكنت أحفظ ذلك الكلام؛ فكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامها؛ فيقولون: اتركوه وقومه؛ فإنه إن ظهر عليهم؛ فهو نبي صادق.
فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم؛ فلما قدم، قال: جئتكم والله من عند نبى الله حقاً، قال: صلوا صلاة كذا فى حين كذا، [وصلوا صلاة كذا فى حين كذا]؛ فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أقرؤكم؛ فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني؛ لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموتي يين أيديهم، وأنا ابن ست سنين، [أو سبع سنين].
ولأنه تصح صلاته في النفل؛ فكذا في الفرض، ولا ترد الجمعة على أحد القولين لنا؛ لأنها مختصة بشرائط، دون سائر الصلوات.
الثاني: أن البالغ أولى منه بالإمامة.
ووجهه: أنه أكمل منه، وأكثر احترازاً في صلاته؛ لأنه يخاف العقاب بإخلاله بها، ولا كذلك الصبي.
وفي "الرافعي" حكاية وجه: أن الصبي القارئ أولى من البالغ الذي ليس بقارئ، والخير يشهد له.
قال: والحاضر أولى من المسافر، لأن صلاته أتم، ولأنه إذا أم؛ صلى المقيم
معه جمح صلاته، والمسافر يتم.
قال الشافعي: فيحصل له فضيلتان؛ فضيلة الجماعة، وفضيلة الإتمام، [ولا كذلك لو أم المسافر؛ فإنه لا يمكن المقيم الإتيان بجمع صلاته خلفه، والمسافر تفوته فضيلة الإتمام].
قال الأصحاب: ومن هنا أخذ القول بأن الإتمام عند الشافعي - على قول - أفضل من القصر.
ثم المسالة مصورة بما إذا اجتمع جمع ليس فيهم إمام، وبعضهم مقيم وبعضهم مسافر؛ فلو كان معهم إمام فهو أولى وإن كان مسافراً؛ قاله ابن الصباغ وغيره.
ثم حيث قلنا بتقديم الحاضر؛ فلوتقدم [المسافر]، وأم، فهل يكره؟ فيه قولان: قال في "الأم": كرهته.
وقال في "الإملاء": [لا بأس به.
قال الروياني: وقد قيل: إنه قال في "الإملاء":] المسافر والمقيم سواء.
وهو غير صحيح.
قال: والحر أولى من العبد؛ لأن الإمامة منصب جليل؛ فكان الحر بها أليق؛ وكذلك الحرة أولى من الأمة في إمامة النساء؛ لكمالها، وعموم سترها، وهذا من الشيخ مؤذن بصحة إمامة العبد في الفرض والنفل كيف كان، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم: ["اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة"، أخرجه البخاري.
ولفظ ابن الصباغ والماوردي وغيرهما من الفقهاء في رواية هذا الخبر]: "اسمعوا وأطيعوا، ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع ما أقام فيكم الصلاة".
قال الماوردي: وقد روي أن عمر بن الخطاب أمر صهيب بن سنان الرومي فصلى بالمهاجرين والأنصار، وكان عبداً لأنس بن مالك؛ فلم يكره إمامته أحد من الصحابة.
قال الماوردي: ولا يشترط إذن السيد في إمامته، إن كان ما يؤم فيه بقدر صلاته، وإن كان أزيد من ذلك كالجمعة، فلا بد من إذنه.
قال: والعدل أولى من الفاسق؛ لطيب النفس بأنه يأتي بالصلاة على أكمل حال.
ولفظ الشافعي: "وأكره إمامة الفاسق والمظهِرِ للبدع، ولا يعيد من ائتم بهما".
والمراد بالبدعة: بدعة لا يكفر بها، وهذا منه دليل على صحة الصلاة خلفه، وقد وجه ذلك بقول أبي ذر: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ " قال: فقلت: ما تأمرني؟ قال: "صل الصلاة لوقتها؛ فإذا أدركتها معهم فصل؛ فإنها لك نافلة" أخرجه مسلم.
ورواية أبي داود السالفة تدل عليه أيضاً.
وروى الدارقطني أنه عليه السلام قال: "صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله".
قال الشافعي: وقد صلى ابن عمر وأنس خلف الحجاج، وكفى به فاسقاً.
قال: لغير ولد الزنى أولى من ولد الزنى؛ لكماله.
ولفظ الشافعي: "وأكره أن ينتصب من لا يعرف أبوه إماماً"، وإذا كرم إمامة من لا يعرف أبوه؛ فولد الزنى أولى، والشافعي وافق في قوله عمر بن عبد العزيز؛ فإنه روي عنه؛ أنه رأى رجلاً يؤم ناساً بالعقيق، لا يعرف أبوه فيها؛ فنهاه، ولم ينكر عليه أحد.
وقد اختار ابن المنذر أنه لا تكره إمامته؛ لأنه روي عن عائشة أنها قالت؛ ما عليه من وزر أبويه شيء؛ قال الله [تعالى]: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].
وأجاب أصحابنا عن ذلك بأي ذنب للعبد [حتى] لا تقبل شهادته، ويُؤَخَّر، إذا اجتمع مع الحر في الصلاة، وكذلك المرأة أي ذنب لها؟
قال: والبصير أولى عندي من الأعمى؛ لأنه أشد توقياً للنجاسة التي اجتنابها شرط في الصحة، وعِلماً بالاستقبال، وهذا قد حكاه ابن الصباغ وغيره وجهاً للأصحاب، واختاره في "المرشد".
واختار أبو إسحاق المروري أن الأعمى أولى منه؛ لأنه أخشع، واختاره الغزالي.
قال: وقيل: هما سواء؛ لقابل الفضيلتين، وهذا ما نص عليه في "الأم" في كتاب الإمامة؛ حكاه كذا أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما، [ولم يحك] البندنيجي غيره، وكذا الصيدلاني والإمام والبغوي.
وإذا عرفت [ذلك؛ عرفت]، أن الوجهين الالفين مخالفان لنص الشافعي؛
كذا قاله ابن الصباغ.
وقال في الحاوي: إن الشافعي قال: ولا أوثر إمامة الأعمى، ولا أكرهها، ولا أوثر إمامته على غيره، ولا أكره إمامته، وأوثر غيره عليه.
قال: يريد أن إمامة الأعمى والبصير في عدم الكراهة سواء، غير أن إمامة البصير أفضل، وإن كانت إمامة الأعمى لا تكره، وعلى هذا لا يكون ما اختاره الشخ مخالفاً للنص، بل هو النص، ويكون قوله: "عندى" إشارة إلى حمل النص على الحالة التي حمله عليها الماوردي، وعلى هذا لو اجتمع حر ضرير، وعبد بصير، قال الماوردي: فالحر الضرير أولى
قال: ويكره أن يؤم الرجل قوماً وأكثرهم له كارهون؛ لقوله عليه السلام: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، والمرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام يؤم وهم له كارهون" أخرجه الترمذي، وقال: إنه حسن غريب.
وروى أبو داود، عن ابن عمر أنه عليه السلام قال: "ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة: الرجل يؤم القوم وهم له كارهون، ورجل لا يأتي الصلاة إلا دباراً، ورجل اعتبد محرراً"، وفي رواية "محرره".
أما إذا كرهه أقلهم، فلا تكره إمامته لهم؛ لأنه لا يخلو أحد ممن يكرهه، وكذا لو كرهه النصف؛ قاله في "الروضة".
لكن في "تعليق" القاضي أبي الطيب أن الشافعي قال: "إذا أم قوماً وفيهم من يكرهه، كرهنا له ذلك، والأفضل ألا يصلي بهم".
ثم قال: فإن قيل: قد قال الشافعي: إذا كره بعض الناس القاضي؛ فإن كان من يريده النصف أو أكثر؛ فلا يتخلف عنهم، بل يستخلف عليهم، وإن كان الأكثر يكرهونه، تركهم - هلا قلتم
فى الإمامة مثله؟
قلنا: الفرق أن القاضي إذا حكم، فنصف الناس يكرهونه؛ لأن من حكم عليه يكرهه، ومن حكم له لا يكرهه؛ فلو قلنا له: اترك القضاء؛ لما ولي أحد القضاء بحال، وليس كذلك إذا قلنا له بترك إمامة من كرهه؛ فإنه لا يؤدي إلى إبطال الإمامة.
وهذا من القاضي يدل على إجراء النص على ظاهره، والقول بالكراهة [ثَمَّ كرره] بعضهم.
ثم الاعتبار في الكراهة بأهل الدين دون غيرهم، حتى قال في "الإحياء": لو كان الأقلون هم أهل الدين والخير، فالنظر إليهم.
وبعضهم يقول: هذه الكراهة منوطة بمن ليس أهلاً للإمامة فيتغلب عليها، ويكره الناس إمامته، أما من هو مستحق لها؛ فاللوم على من كرهه.
وكلام الشيخ الذي اتبع فيه نص الشافعي في "الأم" ينبو عنه؛ إذ لو [كان] هذا مناط الكراهة، لما اختص بالأكثر، بل صور في التتمة المسألة بما إذا كان أهلاً للإمامة، واجتمعت فيه شرائطها.
وقال القاضي الحسين: إن ذلك منوط بما إذا كانوا يكرهون إمامته؛ لمعنى فيه من زنى، أو شرب، ونحوه؛ فأما إذا كانوا يكرهونه من غير موجب، لم يكره له أن يؤم بهم؛ لأن الذنب لهم، ووبال الكراهة عليهم.
وقد ادعى القفال أن محل القول بالكراهة إذا لم يكن منصوباً من جهة الإمام؛ فإن كان منصوباً من جهته؛ فلا يبالي بكراهة القوم [له]؛ كذا حكاه عنه الروياني في "وتلخيصه"، ولم يورد الإمام غيره.
قال في "الروضة": [والصحيح الذي عليه الجمهور: أنه لا فرق بين من نصبه الإمام أو غيره.
ثم هذه الكراهة] الظاهر من كلام الجمهور أنها كراهة تنزيه، وكلام أبي الطيب السالف صريح في ذلك.
وفي "الحاوي": أن الشافعي قال: ولا يحل لرجل أن يصلي بجماعة وهم له كارهون؛ لأنه قد جاء في الخبر: "لا يصلي أحدكم بقوم وهم له كارهون" [وروي: "ملعون ملعون من صلى بقوم وهم له كارهون]، فإن أمهم أجزأهم وإياه".
فرع: لا يكره - عندنا - أن [يحفر المسجد من يكرهه أهل المسجد؛ حكاه في "الروضة" عن نص الشافعي، والأصحاب، وكذا لا يكره] [أن] يؤم قوماً فيهم أخوه الأكبر، أو أبوه؛ لأن الزبير كان يصلي خلف ابنه عبد الله، وأنس بن مالك كان يصلي خلف ابنه أبي بكر، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن سلمة أن يصلي بقومه وفيهم أبوه.
قال: ولا تجوز الصلاة خلف كافر؛ لأنه لا صلاة له؛ فكيف يقتدى به، وهذا ينظم من كفره مجمعٌ عليه، ومن كفرناه من أهل القبلة: كالقائلين بخلق القرآن، وبأنه لا يعلم المعدومات قبل وجودها، ومن لا يؤمن بالقدر، وكذا من يعتقد أن الله جالس على العرش؛ كما حكاه القاضي الحسين هنا عن نص الشافعي، وقد وقع الكلام في هذا الباب، في كتاب الشهادات؛ فليطلب منه.
فإن قيل: هل تحكمون بإسلام الكافر بصلاته؟
قلنا: إن كانت صلاته في دار الإسلام؛ فلا نحكم به؛ كما لو صام رمضان، وحج البيت، أو صلى منفرداً، ونعزره على ذلك، وإن كانت صلاته في دار الحرب، قال القاضي أبو الطيب - وهو المذكور فى تعليق القاضي الحسين -: عندي أنه يكون مسلماً؛ كما لو صلى المرتد في دار الحرب؛ فإن الشافعي نص على أنه يكون مسلماً بذلك.
قال الرافعي: وقد حكي ذلك عن النص.
وأشار بذلك [إلى ما] ذكره المتولي؛