كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 373-412
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 373-412
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

القديم؛ كما قال البندنيجي وأبو الطيب، وحكاه ابن الصباغ عن "الأم" أيضاً.
والشيخ- في تصحيحه- اتبع أبا حامد وميل كلام ابن الصباغ غليه.
ومقابله منسوب في "الشامل" إلى الجديد، وفي غيره إلى "الأم": أن تأخيرها ما لم يجاوز وقت الاختيار أفضل؛ لما روى جابر: أنه- عليه السلام- أعتم ليلة بالعتمة حتى ذهب غابر الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج وصلى، وقال: "إنه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي" أخرجه مسلم.
قال الماوردي: وكان أبو علي بن أبي هريرة يمنع من جعل المسألة على قولين، ويحملها على حالين: فحيث قال: "التعجيل أفضل"، فهو في حق من يخاف أن يغلبه النوم عليها، وحيث قال: "التأخير أفضل"، فهو في حق من لا يخاف ذلك، وهو ما اختاره في "المرشد"، ومنه يؤخذ: أن النوم قبلها لا يؤثر، ويشهد له أنه- عليه السلام- نهى عن النوم قبلها والحديث بعدها؛ كما جاء في الصحيح.
قال: ومن أدرك من الصلاة قدر ما يؤدي فيه الفرض، ثم جن، أي: ودام جنونه إلى أن خرج الوقت، أو كانت امرأة فحاضت- وجب عليهما القضاء، أي: عند الطهر والإفاقة.
هذا الفصل يتضمن مسألتين: إحداهما أصل للأخرى، وتعرض الشيخ للفرع منهما؛ لأنه ينبه على الأصل: فالأصل منهما: أن الصلاة تجب بما أدركه المكلف من وقتها وجوباً موسعاً، إن

كان في الوقت فضلة عن مقدارها، بأن دخل الوقت وهو مكلف، أو دخل وهو غير مكلف، [ثم] وجدت شرائط التكليف في أثنائه وفي الوقت اتساع، ووجهه: قوله- تعالى-: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 77]، وهذا أمر وظاهره الوجوب، وقوله- عليه السلام-: "الشفق: الحمرة، فإذا غاب الشفق؛ فقد وجبت الصلاة"، وقول جبريل لنبينا صلى الله عليه وسلم حين بيَّن له في اليومين أول الوقت وآخره: "ما بين هذين وقت"، أي: وقت للوجوب والأداء؛ لأنه قصد بيان الأمرين، ولأن الوجوب أصل والأداء فرع، فلما كان أول الوقت يتعلق به الأداء- وهو فرع- لم يجز أن ينتفي عنه الوجوب، الذي هو أصل.
ثم المعنيُّ بكونه موسعاً: أن المكلف مخير بين أن يوقعها في أول الوقت أو أثنائه أو آخره، لكن هل يجب عليه- إذا لم يفعل في أول الوقت- نية الفعل في الوقت أم لا؟ فيه وجهان في "الحاوي"، المذكور منهما في "تعليق أبي الطيب" الوجوب.
وإذا فعلها في أول الوقت، ثم أفسدها، قال القاضي الحسين في ول باب صفة الصلاة، وتبعه المتولي: يجب عليه أني صليها في الوقت ثانية بنية القضاء؛ لأنها قضاء لا أداء؛ وكذا قال في أثناء الباب: أما إذا قلنا: يصح القضاء بنية الأداء، والأداء بنية القضاء، فلو أفسد صلاة الوقت فأراد قضاءها، فمقتضى قول أصحابنا: أنه ينوي القضاء؛ لأنه يقضي ما التزمه في الذمة؛ لأن الشروع يلزم الفرض في الذمة؛ بدليل أن

المسافر لو نوى إتمام الصلاة، وشرع فيها، ثم أفسدها- لا يقضيها مقصورة بل تامة؛ لأنه التزم الإتمام؛ وهذا ما أورده المتولي، أيضاً.
والفرع منهما- ما صرح به الشيخ-: أنها تستقر بإمكان الأداء، ووجهه: أنها وجبت عليه، وتمكن من أدائها؛ فاستقرت في ذمته؛ كما لو هلك النصاب بعد الحول والتمكن؛ وهذا ما نص عليه الشافعي، رضي الله عنه.
وخرج ابن سريج قولاً آخر من نصه في الشخص إذا سافر بعد إمكان فعل الصلاة: "أن له القصر": أنه لا يستقر الوجوب إلا أن يخرج الوقت من غير عذر يمنع الوجوب، والفرق بينه وبين الزكاة: أن أداءها على الفور، بخلاف الصلاة.
والصحيح الأول: لما ذكرناه، وخالف القصر في الصلاة؛ لأن القصر من صفات الأداء: كالصحة والمرض، ولا كذلك ما نحن فيه.
أما إذا أدرك من وقت الصلاة قدر ما يؤدي فيه الفرض، ثم جُنَّ وأفاق؛ فالذي يظهر أن يقال: يجب عليه أن يأتي بها في الوقت أداء لا قضاء، بخلاف الصورة التي حكينا فيها عن القاضي ما سلف؛ لأنه ثَم عيّن الوقت بشروعه.
ثم من المعلوم أن الجنون إذا لم يمنع وجوب القضاء في الصورة التي ذكرها، فالإغماء أولى؛ لأنه دونه؛ ولهذا لا يمنع قضاء الصوم على رأي دون الجنون.
والنفاس كالحيض كما تقدم.
والموت يلحق بذلك إن قلنا: إن من مات وعليه صلاة يصلي عنه، أما إذا قلنا: لا يصلى عنه- كما هو المشهور- ففائدة الاستقرار عند بعض الأصحاب: الحكم بتأثيمه، وعند قوم: لا فائدة له، وهم القائلون: بأنه إذا مات في أثناء الوقت لا يقضي، وهو الصحيح، بخلاف نظيره في الحج، والفرق مذكور فيه.
فلو أدرك من وقت الصلاة قدر ما يؤدي فيه بعض الفرض، ثم طرأ الجنون أو الحيض أو [ما] في معناهما- فلا يجب القضاء على المنصوص في "الإملاء"، وعليه عامة أصحابنا؛ كما في الزكاة والحج والصيام.

وعن أبي يحيى البلخي: أنها تجب بإدراك بعض الوقت وجوباً مستقراً، وليس إمكان الأداء فيها معتبراً؛ كما في آخر الوقت.
قال الرافعي: وحكاه ابن كج، عن غيره من الأصحاب، وقد قيل: إن البلخي رجع عنه.
والأصحاب فرقوا بين أول الوقت وآخره: بأنه في آخره يمكنه البناء لو شرع، ولا كذلك في أوله، ولا تفريع على هذا.
وعلى مذهب البلخي: يلزمه العصر إذا أدرك من وقت الظهر ما يسع الصلاتين؛ كما قاله أبو الطيب وابن الصباغ، قال أبو الطيب: وهو فاسد؛ إذ يلزمه أن يقول: يلزمه العصر إذا أدرك من وقت الظهر خمس ركعات؛ كما في العصر.
قلت: وهذا من القاضي مشعر بأنه لا يقول بذلك، وقد حكى غيره عنه أنه قال: [إنه] يكون مدركاً للعصر بإدراك ركعة من وقت الظهر على قول، وبإدراك قدر تكبيرة على آخر؛ بناءً على أنه يدرك العصر بإدراك ذلك من آخر وقته، ويدرك بذلك- أيضاً- الظهر.
وعلى هذا ففساد مذهبه بالفرق بين ما نحن فيه وبين إدراك الظهر بما يدرك به العصر، وهو [أن] وقت العصر- تقديماً- تبعٌ لفعل الظهر؛ بدليل عدم صحة العصر قبل الظهر [في] وقت الظهر جمعاً.
ووقت الظهر- تأخيراً- ليس تبعاً لفعل العصر؛ بدليل صحته قبل العصر [جمعاً]، وإذا كان كذلك فوقت العصر وقت الظهر؛ فلزم بإدراكه الصلاتان، ووقت الظهر ليس وقتاً للعصر؛ فلا يلزم من إدراكه الصلاتان.

تنبيه: الألف واللام في "الفرض" [الظاهر] أنها [هنا] مستعملة للعهد، وهو فرض الصلاة، ومقتضاه: أن يستقر في الذمة بمضي قدر الصلاة فقط، ولا يعتبر قدر مضي الطهارة والستارة، وهو ما جزم به غيره في الستارة؛ لتقدم إيجابها على وقت الصلاة، وقال في الطهارة: إن كان الشخص مما لا صح منه فعلها قبل الوقت: كالمتيمم والمستحاضة، فلابد من اعتبار مضي زمانها، وإن كان ممن يصح منه قبل الوقت، فهل يشترط مضي زمانها؟ فيه وجهان، وهذه طريقة المتولي.
والقاضي الحسين أطلق ذكر الوجهين من غير تخصيص بهذه الحالة.
والرافعي قال: إن كان ممن لا يصح منه [فعل] الطهارة قبل الوقت، فلابد من اعتبار زمانها، وإلا فلا يعتبر.
قلت: ويشبه أن تكون مادة الخلاف في حق من يصح منه تقدم الطهارة على الوقت: أن الطهارة هل تجب بنفس الحدث، أو تجب عند دخول وقت الصلاة على من كان محدثاً؟ وفيه وجهان حكاهما البندنيجي في الباب، وقال: إن المذهب الثاني؛ فإن قلنا: تجب بنفس الحدث؛ فلا يشترط مضي زمن الطهارة؛ لسبق وجوبها؛ كالستر، وإلا وجب اعتباره.
وعلى هذا يجوز أن تكون الألف واللام في "الفرض" لاستغراق ما يجب بدخول الوقت وهو الصلاة والطهارة لها.
وكيف كان الحال، فالمعتبر من [قدر الصلاة] قدر وقت أخف صلاة.
نعم، لو كان مسافراً والصلاة مما تقصر، فهل المعتبر قدر صلاة الحضر أو السفر؟ الذي ذكره الرافعي وصاحب "الكافي": الثاني، والأول محال يظهر مما سنذكره عن الإمام في الباب، وعن غيره في باب صلاة المسافر.
قال: وإن بلغ صبي- أي: لم يصلِّ في أول الوقت- أو أسلم كافر، أو طهرت حائض أو نفساء، أو أفاق مجنون أو مغمى عليه قبل طلوع الشمس بركعة- أي:

بقدر ركعة- لزمهم الصبح؛ لقوله- عليه السلام-: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْح قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ".
وقيل: يعتبر أن يدرك مع ذلك قدر الطهارة، وهذا ما يعزى إلى القديم.
قال الإمام: والأصح الأول؛ لأن الطهارة ليست شرطاً في لزوم الصلاة والخطاب بها، وإنما هي شرط في صحتها وعقدها؛ إذ الصلاة تجب على المحدث، ويعاقب على ترك التوصل إليها.
وفيه نظر [يظهر] لك مما قاله الأصحاب في الرد على البلخي.
ثم ما ذكره الشيخ إنما يتم إذا بقي من زال عذره على صفة التكليف إلى أن يمضي مقدار الصلاة؛ كما قاله القاضي أبو الطيب والقاضي الحسن وغيرهما، وكذا قدر الطهارة؛ كما قاله في "الكافي".
فلو طرأ عليه- بعد ذلك- ما يمنع الوجوب ابتداء، فلا يجب القضاء؛ لعدم التمكن من الإتمام؛ كما قلنا في أول الوقت.
قال: وإن كان بدون ركعة، ففيه قولان، أي: في الجديد؛ كما قال الماوردي.
وجه المنع- وهو المذكور في القديم؛ [كما قال الماوردي]، واختيار المزني، والصحيح عند أبي إسحاق؛ كما قال أبو الطيب: مفهوم الخبر، والقياس على الجمعة.
ووجه الوجوب، وهو المنصوص في استقبال القبلة في [باب] الغلبة على العقل، والصحيح عند أبي حامد؛ كما قال أبو الطيب: قوله- عليه السلام-: "إِذا أدرك أحدكم سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ- قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ- فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ [صَلَاتَهُ] " أخرجه البخاري.

وجه الدلالة منه: أنه ألزمه الإتمام بسجدة، وليست مما ينعقد بها ركعة؛ فدل على أن المعتبر قدر من الصلاة، ولأن الإدراك إذا تعلق به إيجاب؛ استوى فيه الركعة وما دونها؛ كما في اقتداء المسافر بالمقيم، وبهذا خالف ما نحن فيه الجمعة؛ لأن الإدراك فيها، إدراك إسقاط؛ فغُلِّظ فيه، وما نحن فيه إدراك إيجاب، فشابه المسافر، وهذا الفرق حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة، وحكى عن أبي إسحاق فرقاً آخر: أن الجمعة لما لم يجز أن يأتي ببعضها خارج الوقت غلظ حكمها، ولا كذلك غيرها.
وعلى هذا يأتي في اشتراط زمن الطهارة القول السالف، وبه صرح القاضي الحسين.
ثم المعتبر من الركعة ماذا؟ المشهور: أنها المشتملة على أقل ما يجزئ، وهل يشترط فيها زمن الرفع من الركوع والسجود كما هو في إدراك الجمعة، أو يكتفي بإدراك القيام والقراءة والركوع فقط؛ كما في إدراك المسبوق الركعة؟ هذا لم أَرَ للأصحاب فيه تصريحاً به، والقياس على الجمعة يقتضي إلحاق ما نحن فيه بها، وكلام الإمام الآتي يقتضي خلافه.
وعن الشيخ أبي محمد: أن المعتبر ركعة من العقد والهُوِي من غير قيام وقراءة نظراً إلى ركعة المسبوق، وقد استبعده الإمام.

والمعتبر في إدراك ما دون الركعة إدراك تكبيرة الإحرام وما فوقها مما لم ينته إلى قدر ركعة.
وحكى الإمام عن شيخه: أنه كان يتردد فيما إذا فرض فارض إدراك ما يسع بعض تكبيرة، وقال: إن فيه احتمالاً.
قال: وإن كان ذلك- أي: وزال العذر على النحو الذي سلف- قبل الغروب، أو قبل طلوع الفجر بركعة- لزمهم العصر والعشاء: أما العصر فبإدراك ما قبل الغروب؛ كما دل عليه الخبران وأما العشاء فبإدراك ما قبل الفجر بالقياس.
قال: وفي الظهر والمغرب قولان: أحدهما: يلزم بما يلزم به العصر والعشاء؛ لأنه روي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس- رضي الله عنهما- أنهما قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة: يلزمها المغرب والعشاء؛ ولأن وقت العصر وقت الظهر في حق أرباب الأعذار، وكذا وقت العشاء وقت للمغرب في حقهم وهؤلاء منهم، وهذا ما نص عليه في "الجديد" وفي "الأم".
فإن قلت: المسافر ربُّ عذرٍ، وهؤلاء أرباب ضرورات، فهم غيره.
قلت: قال الإمام: لا يبعد جعلهم كهو حتى كان من زالت ضرورته؛ في حكم من أخر الصلاة بعذر إلى آخر الوقت.
قال بعضهم: ولقائل أن يقول: ذلك اعتبار تخفيف في الأداء، وهذا اعتبار التزام؛ فلا يشبه أحد الحكمين الآخر، وأيضاً فالمسافر يؤخر ترخيصاً مع توجه الخطاب، بخلاف أرباب الضرورات؛ فكان اللائق بحالهم التخفيف لا التغليظ، ثم كيف يستقيم أن تجعل التكبيرة تحريمة لصلاتين، حتى لزما جميعاً بقدرها؟ قال: والثاني: بقدر خمس ركعات؛ ليتصور الفراغ من إحداهما فعلاً، وإدراك الأخرى بركعة.
وهذا من الشيخ ملاحظة لأصلين: أحدهما: أن الإدراك لا يحصل إلا بركعة، أما إذا قلنا: إنه يحصل بدونها، فالمعتبر

إدراك قدر أربع ركعات وتكبيرة؛ كما خرجه أبو إسحاق.
والثاني: أن الصلاة التي يعتبر فراغها المدْرَكُ وقتها حقيقة، والتي يعتبر الشروع فيها التابعة لها، وهي طريقة أبي إسحاق، وعبر عنها الإمام بقول مخرج من معاني كلام الشافعي.
أما إذا قلنا بالطريقة المشهورة، وهي طريقة ابن أبي هريرة- قال الماوردي وجمهور أصحابنا: إن التي يعتبر الفراغ منها الأولى، والتي يعتبر الشروع فيها صاحبة الوقت، فالحكم بالنسبة إلى إدراك الظهر والعصر لا يختلف، وأما بالنسبة إلى المغرب والعشاء: فإدراكهما يكون بإدراك مقدار أربع ركعات، وهو ما حكاه أبو الطيب والبندنيجي، وفي "المهذب" عن النص في القديم، وقال الإمام: إنه قول مخرج من معاني كلام الشافعي.
وصححه.
ومقابله مرجوح باتفاق الأصحاب، وبعضهم زعم: أنه غلط مخالف للسنة والمذهب: أما السنة؛ فلأنه- عليه السلام- جعل العصر مُدْرَكاً بركعة، وأما المذهب؛ فلما ذكرناه.
وجعل المتولي القولين في الأصل مبنيين عليه، يدل على أنه غلط- أيضاً- فإنه قال: القولان في أنه: هل يدرك الظهر بما يدرك به العصر، أو بإدراك خمس ركعات- ينبنيان على أن الجمع بين الظهر والعصر في وقت [العصر] هل يشترط فيه التقديم؛ كالجمع في وقت الأولى، أو لا؟ فيه قولان.
فإن قلنا: لا يشترط- وهو الصحيح- فجميع وقت العصر وقت للظهر، ويلزمه الظهر بما يدرك به العصر؛ لأنه صالح لكل من العبادتين.
وإن قلنا: يشترط تقديم الظهر، فجميع وقت العصر وقت للظهر إلا مقدار ما يصلي فيه العصر؛ فلا يلزمه الظهر إلا بإدراك خمس ركعات، ويلزمه المغرب بإدراك أربع ركعات على وزان ذلك.
وكيف كان الأمر، فالقول السالف في اعتبار زمن الطهارة مصرح به هنا أيضاً.

وقد حكي عن صاحب "الإفصاح" أنه يلزمه الظهر والعصر بإدراك مقدار أربع ركعات من وقت العصر، والمغرب والعشاء بمقدار ثلاث ركعات، وقياس ما تقدمت حكايته عن الشيخ أبي محمد من تعلق الإدراك بركعة المسبوق، أن نعلق الإدراك في الظهر والعصر على طريقة من يعتبر خمس ركعات بثلاث [ركعات]؛ اعتباراً بصلاة المسافر، [و] على طريقة من يعلقه بأربع ركعات وتكبيرة، نعلقه بركعتين وتكبيرة.
وعلى طريقة من يعلقه بأربع ركعات فقط نعلقه بركعتين فقط؛ نظراً [لما] ذكرناه، وقياسه يطرد في المغرب والعشاء.
وقد أشار الإمام إلى هذا الاحتمال، وقال: إن في مذهب الصيدلاني إشارة إليه وإن لم يكن مصرحاً به.
وإذا تأملت ما ذكرناه من قول ووجه وولدته، وأردت أن تعرف ما قيل فيما تدرك الصلاة به عند زوال المانع في آخر وقتها من قول ووجه- قلت: في الصبح ثمان مقالات: تدرك بمقدار بعض تكبيرة بذلك وبمقدار الطهارة بتكبيرة بذلك وطهارة بركعة مسبوق بذلك وطهارة بركعة تشتمل على أقل ما يجزئ بذلك وطهارة.
وفي الظهر هذا الخلاف إذا زال المانع في آخر وقته وإن زال في آخر وقت العصر ففيما يدرك به العصر هذا الخلاف، وفيه مع الظهر عشرون قولاً ووجهاً: الثمانية السالفة.
والتاسع: بإدراك ركعتين فقط؛ تركيباً من طريقة الصيدلاني وصاحب "الإفصاح"؛ كما سلف.
والعاشر: بذلك وقدر طهارة.
والحادي عشر: بإدراك أربع ركعات وبعض تكبيرة.
والثاني عشر: بذلك وطهارة.
والثالث عشر: بإدراك أربع ركعات وبعض تكبيرة.
والرابع عشر: بذلك وطهارة.

والخامس عشر: بإدراك أربع ركعات وتكبيرة.
والسادس عشر: بذلك وطهارة.
والسابع عشر: بإدراك خمس ركعات، إحداها ركعة مسبوق.
والثامن عشر: بذلك وطهارة.
والتاسع عشر: بإدراك خمس ركعات مشتملة على أقل ما يجزئ.
والعشرون: بذلك وطهارة.

وفي المغرب وحدها ما سلف في الصبح وحده إن زال العذر في وقتها، وإن زال في وقت العشاء ففيما تدرك به العشاء ما سلف فيما يدرك به العصر وحده، وفيها مع المغرب- على طريقة الشيخ- ما سلف في الظهر مع العصر، وعلى الطريقة المشهورة [اثنتا عشرة مقالة]: يدركهما بثلاث ركعات، بذلك وزمن الطهارة، بثلاث ركعات وبعض تكبيرة، بذلك وطهارة بثلاث ركعات وتكبيرة، بذلك وطهارة بأربع ركعات إحداها ركعة مسبوق، بذلك وطهارة بأربع ركعات متساوية، بذلك وطهارة، وبهذه يكمل فيما يدرك به المغرب والعشاء [اثنان و] ثلاثون قولاً ووجهاً.

قال: ومن لم يصل حتى فات الوقت، وهو من أهل الفرض، بعذر أو غير عذر- لزمه القضاء: أما في الأولى؛ فملا روى البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلا ذَلِكَ"، ثم قال: سمعته يقول بعد ذلك: "فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] "، وزاد مسلم في رواية عن أنس- أيضاً-: "مَنْ نَامَ، أَوْ نَسِيَ ... " وتتمم الحديث.
وعن جابر بن عبد الله قال: جاء عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، فجعل يسب كفار قريش، ويقول: يا رسول الله، ما صليت صلاة العصر حتى كادت الشمس أن تغيب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَأَنَا وَاللهِ مَا صَلَّيْتَهَا بَعْدُ" قال: ونزل بُطَحان فتوضأ، وصلى العصر بعد ما غابت الشمس، ثم صلى المغرب بعدها.
أخرجه البخاري ومسلم.
وبطحان: بضم الباء، وأهل اللغة يفتحونها، وهو واد بالمدينة.
فدل قوله- عليه السلام- وفعله [على قضاء] ما فات بالعذر.
وأما في الثانية؛ فلأنه إذا وجب عند العذر فبدونه مع عدوانه أولى أما إذا لم يكن من أهل الفرض [فلا يجب عليه القضاء].
وكذا الصبي المأمور بالصلاة لا يجب عليه القضاء من جهة الشرع، لكن هل يأمره الولي به؟ ذكر الجيلي فيه وجهين عن "فتاوى الروياني" والله أعلم.

قال: والأولى أن يقضيها مرتباً؛ لأنه- عليه السلام- قضى العصر في وقت المغرب، ثم صلى المغرب بعدها كما ذكرنا.
وروى النسائي وغيره: أنه- عليه السلام- شغله المشركون يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله، وأمر بلالاً فأذن وأقام وصلى الظهر، ثم أمره فأقام فصلى العصر، ثم أمره فأقام فصلى المغرب، ثم أمره فأقام فصلى العشاء، [ثم] قال: "صلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي".
فإن قيل: هذا يدل على الوجوب.
قلنا: فعله- عليه السلام- عند أكثر أصحابنا لا يدل عليه، [وإن دل عليه] عند قوم حملناه هنا على الندب؛ لأن الترتيب استحق لضرورة الوقت؛ فإنه حين وجب الظهر لم يجب العصر؛ كما أن صوم يوم من رمضان يجب بدخوله دون ما لم يأت، والصوم إذا فات لا يجب الترتيب في قضائه؛ فكذا الصلاة، ويشهد له ما روى الدارقطني بسنده عن مكحول عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ

فَتَذَكَّرَهَا وَهُوَ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَإِنَّهُ يَبدَأُ بِالَّتِي هُوَ فِيهَا فَإِذَا فَرَغَ مِنها صَلَّى التي نَسِيَ".
قال: إلا أن يخشى فوات الحاضرة فيلزمه البُداءة بها؛ لأن الوقت قد تعين لها فقدمت؛ كما لو أدرك رمضان وعليه قضاء رمضان، والفوات يتحقق بأن يبقى من الوقت لو صلى الفائتة دون ركعة، وكذا لو بقي قدر ركعة على رأي.
والمذهب: لا؛ بناءً على أنها كلها أداء.
وقيل: إذا فاتت بغير عذر، وقلنا: يجب القضاء على الفور- يخير بين فعل الفائتة والحاضرة؛ لأنه عاصٍ بتأخيرهما؛ قاله القفال، وفيه نظر.
وعلى الأول: لو كان قد شرع في فائتة لظنّ أن الوقت يتسع للحاضرة، فبان قصره بانجلاء الغيم- سلّم منها، وشرع في الحاضرة؛ قاله البغوي في باب صلاة الجماعة.
والصواب في "البداءة" ما ذكرناه: [المد وضم الباء، وتقع في النسخ: "البداية" بالياء، وهو لحن].
قال: والأولى أن يقضيها على الفور؛ تداركاً لما وقع من الخلل، وتعجيلاً لبراءة الذمة، والخبر يدل عليه.
قال: فإن أخرها جاز؛ لأن القضاء وجب بالأمر المحدود، وهو قوله- عليه السلام-: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا .. " الخبر، ويتعين وقت الذكر فيه استحباباً؛ يدل عليه؛ أنه- عليه السلام- فاتته صلاة الصبح بالوادي، فلم يقضها حتى خرج منه، وإذا كان كذلك بقي الأمر به مطلقاً، وهو لا يقتضي الفور عندنا، فظاهر كلام الشيخ: أنه لا فرق في ذلك بين المعذور وغيره، وهو ما دل عليه كلام المزني في باب تارك الصلاة، وأشار إليه أبو الطيب في باب صلاة المسافر، عند الكلام فيما إذا فاتته صلاة في الحضر، فذكرها في السفر؛ حيث قال: لا فرق عندنا في الصلاة بين أن يتركها عمداً أو بعذر إلا في شيء واحد: وهو الإثم وعدمه.

وقيل: إن فاتت بغير عذر، لزمه قضاؤها على الفور؛ لأن توسعة الوقت في القضاء رخصة؛ فلا تتعلق بفعل المعاصي، وهذا ما حكاه في "المهذب" عن أبي إسحاق، وجزم به القاضي أبو الطيب والمراوزة في باب تارك الصلاة، واختاره في "المرشد"، واستدل له الإمام في كتاب الحج بأن المصمم على ترك القضاء مقتول عندنا، ولا يتوجه هذا إلا مع توجه الخطاب بمبادرة القضاء.
وفي "الكافي" حكاية وجه [آخر]: أنه يجب القضاء فيما إذا فاتت بعذر؛ لظاهر الخبر، وبه يحصل في المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها: إن فاتت بعذر وجبت على الفور، وإلا فلا.
قال: ومن نسي صلاة من الخمس، ولم يعرف عينها- لزمه أن يصلي الخمس؛ لأن ما من صلاة منها إلا ويجوز ألا يكون قد فعلها، والأصل شغل ذمته بها، فيأتي بها وينوي أنها الفائتة؛ إذا قلنا: لابد من نية القضاء أو الأداء.
وما ذكره الشيخ نص عليه في "الأم"؛ كما حكاه أبو الطيب في أول باب صفة الصلاة، والحكم لا يختص بهذه الصورة، بل لو نسي صلاة من صلاتين لا يعرف عينها، صلاهما، وكذا لو نسي صلاتين من يوم واحد صلى الخمس، ولو كانتا من يومين: فإن اختلفتا فكذلك، وإن اتفقتا لزمه أن يصلي عشراً.
وقد خالف المزني في مسألة الكتاب، وقال: يكفيه أن يصلي أربع ركعات ينوي بها الفائتة، ويجهز في الأوليين، ويجلس في الثالثة والرابعة، ويسجد للسهو، ويسلم؛ لأن الفائتة إن كانت صبحاً، فقد أتى بها وزيادة ركعتين على وجه الشك؛ فلا يضر كزيادتهما سهواً، والسجود يجبره.
وكذا إن كانت مغرباً، فالركعة الزائدة على وجه الشك فكانت كالزائدة سهواً.
وإن كانت ظهراً أو عصراً أو عشاء، فالزائد تشهُّدٌ على وجه الشك؛ فكان كالسهو.
وإنما قلنا: يجهر؛ لأن أغلب الصلوات الخمس جهرية.
قال الأصحاب: وهذا غلط؛ لأنه لا يشبه الزيادة على وجه السهو؛ فإن السهو لا

يؤمن في القضاء، وهذا يؤمن، فيمكن الاحتراز عنه.
فرع: من عليه فوائت لا يعرف عددها، قال القفال: يقال له: اقض ما تحققت تركه.
قيل: وهو أشبه بالمذهب؛ لأن من شك [في] أنه ترك شيئاً من فروض الصلاة بعد السلام، لا يلزمه الإعادة.
وقال القاضي الحسين: عندي يقال له: اقض ما زاد على ما تحققت فعله.
قيل: وهذا أحوط.
قال القاضي: وما قاله القفال يخرج على القديم في أن من شك هل ترك ركناً من الصلاة أم لا؟ يلزمه الإعادة، وفي الجديد: يلزمه الاستئناف.
والله أعلم.


باب الأذان

الأذان والتأذين والأَذِين بمعنى، وهو في اللغة: الإعلام، قال الله- تعالى-: ﴿وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 2] أي: إعلام، وقال- تعالى-: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: 27] أي: أعلمهم، [ويقال لمن أعلَمَ] بالشيء: آذَنَ به، وإذا أكثر الإعلام به قيل: أذَّنَ، قال الله- تعالى-: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: 109]. قال الزجاج: و"الأذان" مشتق من "الأذن"؛ لأنه مما يسمع.
وهو في اصطلاح العلماء: الذكر المخصوص، سمي به؛ لأنه شرع في الأصل للإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة؛ ليجمع الناس لها.
والأصل في مشروعيته في الجملة قبل الإجماع من الكتاب قوله- تعالى-: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً﴾ [المائدة: 57]، وقوله- تعالى-: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا ...﴾ [الجمعة: 8].
ومن السنة: أخبار كثيرة يأتي منها في الباب ما أمكن، وأمسها بما نحن فيه ما روى عبد الله بن زيد، قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل؛ ليضرب به لجمع الناس- طاف بي رجل وأنا نائم يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، فقال: ألا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت [له]: بلى، قال: فقال: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ ... وساق ما ذكره الشيخ سوى الترجيع.
ثم استأخر غير بعيد، ثم قال: [تقول] إذا أقمت الصلاة: الله أكبر .. وساق كلمات الإقامة كما ذكرها الشيخ.
[قال:] فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رأيت، فقال: "إِنَّهَا رُؤْيَا حَقٍّ- إِنْ شَاءَ اللهُ- فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ؛ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتاً مِنْكَ"، فقمت مع بلال،

فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، فسمع ذلك عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وهو في بيته، فخرج يجر رداءه، فقال: يا رسول الله؛ والذي بعثك بالحق، لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَلِلَّهِ الْحَمْدُ"، رواه أبو داود، وذكر الترمذي آخره، وقال: هو حديث حسن صحيح.
وذكر في "الوسيط" القصة والخبر على غير هذا النحو؛ إتباعاً لإمامه والقاضي الحسين، وتضمن- كما قالوا- أن عبد الله بن زيد أذن مرة بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال القاضي [الحسين] والمتولي: إنه أول مؤذن أذن في الإسلام.

وقال ابن الصلاح: إن هذا لم أجده بعد البحث عنه، وكذا [ما] ذكره [من] أنه أتى بضعة عشر من الصحابة كلهم رأى مثل ذلك، لم أجده بعد إمعان البحث.
ثم هذه القصة كانت بالمدينة؛ إذ بها شرع الأذان و [كذا] الجمعة والجماعات، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة يقيم الجمعة والجماعات.
قال: الأذان والإقامة سُنة في الصلوات المكتوبة؛ لأنه صح بالنقل المتواتر- خلفاً عن سلف- أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك والمواظبة عليه فيها، ودلت الأخبار على أن ذلك ليس بفرض عين ولا كفاية؛ فتعين أنه سُنة.
فمن الأخبار ما روى البخاري، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ".
وما رواه- أيضاً- من أنه- عليه السلام- قال للمسيء في صلاته: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ" أخرجه مسلم بمعناه.
ووجه الدلالة: أنه لم يأمره بأذان ولا إقامة، ولو كان واجباً لذكره.
وروى أبو داود عن أبي محذورة قال: قلت: يا رسول الله، علمني سُنة الأذان، قال: فمسح [مُقدم] رأسي، وقال: "تَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ ... " وساق الخبر، فأقره على قوله: "علمني سُنة الأذان"، ولأن المقصود من الأذان والإقامة: الإعلام بدخول وقت حضورها؛ فلم يكن ذلك واجباً؛ كقوله: "الصلاة جامعة" في العيدين ونحوهما.
وتقييد الشيخ ذلك بالمكتوبة يدل على: أنه غير سُنة في الصلاة المنذورة والعيد

والاستسقاء والجنازة، وهو كذلك؛ لأنه لم ينقل أن ذلك فعل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في زمن أحد من الصحابة- وهم القدوة- بل قد ورد ما قد يدل على اختصاص ذلك بالمكتوبة، إذا ضم إلى ما قدمناه من خبر أبي هريرة، وهو ما روى ابن عمر قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "ثَلاثةٌ في كُثْبَانِ الْمِسْكِ- أراه قال: يَوْمَ الْقِيَامَةِ- يَغْبِطُهُمُ الأَوَّلُونَ وَالآخِروُنَ: رَجُلٌ نَادَى بِالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَرَجُلٌ يَؤُمُّ قَوْمَاً وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَعَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ".
أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب.
وهذه السُنة تتأدى إذا اشتهر ذلك في البلد بأذان واحد إن كان البلد صغيراً، أو بأكثر منه إن كان كبيراً، حتى لو كان به مَحَالّ توقف تأدية السُنة على الإتيان به في كل محلة.
وإذا كان القوم في صحراء أو بادية، فتأديتها يكون بمثل ما هو في البلد، وإذا فعل ذلك فقد حصلت السُّنة، وظهر الشعار، لكن [هل] يستحب ذلك بعد ذلك، لمن أراد إقامة الصلوات في أوقاتها الأصلية، أو لا؟ فيه تفصيل يتعين ذكره، فنقول: من حضر في الموضع الذي تقام فيه الصلاة، الأذان والإقامة؛ فلا يستحب له أن يؤذن، ولا أن يقيم وفاقاً، وكذا لو لم يكن حاضراً فيه، لكنه بلغه النداء، فحضر في المسجد قبل أن تقام الصلاة، أو قد أقيمت، وأدرك الصلاة.
وإنما كان كذلك؛ لأن الغرض الأظهر الذي انبنى عليه أصل الأذان: الدعاء إلى الصلاة وإعلام الناس دخول وقت الصلاة، والغرض من الإقامة: إعلام من حضر أو قرب مكانه ممن يحضر، أن الصلاة قد قامت، ومن سمع النداء وحضر فهو مدعو مجيب؛ فلا معنى إذن لإتيانه [بذلك]، وهذا ما حكاه ابن الصباغ، وكذا الإمام، وقال: إنه لا شك فيه.
وفي "تعليق القاضي الحسين": أن بعض أصحابنا قال فيمن بلغه النداء، ووافى حضوره المسجد قبل أن تقام الصلاة، أو قد أقيمت: إنه يستحب له أن يؤذن في نفسه ويقيم، وإن كان قد تابع المؤذن وقت أذانه وقال مثل قوله، وأن الذي عليه عامة

أصحابنا، وهو ظاهر المذهب: الأولُ.
نعم، لو وافى حضوره المسجد وقد صلت الجماعة [فيه]، استحب [له] أن يؤذن ويقيم مع خفض الصوت، ويكره رفعه؛ لأنه يوهم الجيران وقوع صلاتهم قبل دخول الوقت، خصوصاً إن كان ثَمَّ غيمٌ، وربما شق ذلك على المؤذن، وهذا قد حكاه ابن الصباغ عن نصه في "الأم"، وأنه لا فرق فيه بين أن يرجو حضور جماعة أو لا، ولم يحك سواه.
وفي "تلخيص الروياني" أنه نص في "الأم" على: أنه يستحب أن يؤذن ويقيم، وقال في موضع آخر من "الأم" ما يدل على أنه لا يستحب.
قال: وليست المسألة على قولين، بل هي على حالين: فإن كان الإمام والناس انصرفوا أو فرغوا يؤذن ويقيم، وإن دخل حين فرغ الإمام من الصلاة لا يؤذن ولا يقيم.
فأفهم كلامه أنا إذا قلنا: يؤذن ويقيم، يرفع بهما صوته؛ لأنه قال بعد حكاية هذه الطريقة: ومن أصحابنا من قال: إنه يؤذن ويقيم في نفسه بكل حال، ولا يرفع صوته، وما قاله في "الأم" من: أنه يصلي بلا أذان ولا إقامة، أراد به الجواز.
وفي "النهاية: ما يقتضي إجراء خلاف في الأذان فيه سواء وفي الإقامة بالترتيب؛ فإنه حكى عن صاحب "التقريب" فيما إذا حضر المسجد جماعة بعد أن أقيمت الجماعة فيه بأذان المؤذن الراتب، وأرادوا عقد جماعة أخرى: أنه لا ينبغي أن يؤذن مؤذنهم رافعاً صوته، وهل يؤذن في نفسه من غير إبلاغ في رفع الصوت؟ فيه نصوص مضطربة انتزع منها قولين: أحدهما: نعم، وهو ما حكاه المزني عن الشافعي في "المختصر الكبير"، ووجَّهه الغزالي: بأن الدعوة الأولى قد انتهت بالإجابة الأولى؛ فعلى هذا يقيم من طريق الأولى.
والثاني: لا يؤذن؛ اكتفاء بما سبق من الأذان الراتب؛ فإنه تضمن دعاء كل من حضر أولاً وآخِراً إلى انقضاء [الوقت]، وعلى هذا: فهل يقيم؟ فيه وجهان، أصحهما: نعم.

وإذا ثبت الخلاف كما ذكرنا في حق الجماعة الثانية فالمنفرد أولى، ولا يقال: إن الخلاف المذكور إنما جاء في الجماعة؛ لأن في كراهية إقامة جماعة بعد جماعة في مسجد له إمام راتب خلافاً؛ فلا جرم كان في استحباب الأذان الخلاف؛ لأنا نقول: لو كان كذلك، لكنا نقطع بأنه يؤذن إذا قلنا: لا تكره إقامة الجماعة الثانية.
وقد قال الرافعي: إن القولين جاريان، سواء قلنا: يكره إقامة جماعة ثانية فيه، أَوْ لا.
قلت: ولأجل هذا صور الغزالي مسألة الخلاف في أذان الجماعة الثانية: بما إذا كان المسجد مطروقاً؛ فإنك ستعرف أنه لا خلاف في عدم كراهية إقامة جماعة ثانية فيه، فكان فيما ذكره تنبيه على أنه لا [ينبني] على الخلاف في إقامة جماعة ثانية فيه هل يكره أم لا؟ وأن قول المنع في غير المطروق يكون من طريق الأولى.
وقال الرافعي: لعل الغزالي إنما فرض الخلاف في المسجد المطروق، وإن كانت رواية صاحب "التقريب" مطلقة؛ لأن إقامة جماعة بعد جماعة إنما تتفق غالباً في المساجد المطروقة.
ولو بلغ الغائب عن الموضع- الذي تقام فيه الصلاة- الأذان والإقامة فيه ولم يحضره، ورام فعل الصلاة في مكانه، فهل يكفيه أذان المؤذن وإقامته أم لا؟ فيه احتمالان حكاهما الإمام عن صاحب "التقريب"، وحكاهما البندنيجي قولين: أحدهما- وعليه نص في القديم-: أنه يكفيه.
والثاني- وهو الذي نص عليه في "الأم"-: لا يكفيه؛ فيأتي بالأذان والإقامة.
قال الإمام: وليس أذانه إقامةَ الشعارِ الذي وصفناه؛ فإنه ليس بطلب دعاء جمع، وقد قام بالدعاء العام المرتبون له.
ثم الظاهر: أنه على هذا القول يستحب له رفع الصوت بالأذان؛ لفقد علة المنع فيه، ويأتي فيه ما سنذكره عن الإمام فيه من بعد.
ولو كان شخص منفرداً بنفسه في الصلاة، و [كان] ذلك في موضع لم ينته إليه صوت مؤذن، قال الإمام: فالظاهر من المذهب: أنه يؤذن ويقيم، وهو المنصوص عليه

في الجديد، وفي بعض التصانيف قول محكي عن الشافعي في القديم: أنه لا يؤذن المنفرد، ولكن يقيم، وقال بعض أئمتنا: إن كان يرجو حضور جماعة أذن، وإلا فلا.
وهذا الإطلاق من الإمام يقتضي: أنه لا فرق في إجراء الخلاف في حق من ذكره [بين] أن يكون في البلد أو خارجاً عنها، ولا جرم حكاه في "الوسيط" في المنفرد في بيته، أو في سفر، إذا لم يبلغه نداء المؤذنين، وقال: إذا قلنا: لا يؤذن، فهل يقيم؟ فيه وجهان قدمنا مثلهما.
وفي "التتمة" التصريح بحكاية القولين فيما إذا كان المصلي في البلد، وهو قضية كلام ابن الصباغ، حيث قال: قال الشافعي في "الأم": يؤذن سواء صلى منفرداً أو في جماعة، وأنا عليه في المساجد العظام أشد استحباباً.
وقال في القديم: وأما الرجل يصلي وحده في المصر، فأذان المؤذنين وإقامتهم كافية له.
فظاهر ذلك قولان.
قلت: والقول القديم مصرح بأن الإقامة كالأذان، ووجهه المتولي: بأن أهل الجماعة لا يسن لكل [واحد] منهم الأذان والإقامة، بل [يكتفي] بأذان واحد منهم، وكذا في حق أهل البلد يكتفي بأذان المؤذنين، وجزم القول بأن المنفرد في صحراء أو طريق، إذا أراد أن يصلي، استحب له أن يؤذن، وهو ما أورده البندنيجي والقاضي الحسين؛ لما روي أنه- عليه السلام- قال: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، صَلَّى وَحْدَهُ، وَإِنْ صَلَّى وَأَقَامَ، صَلَّى مَعَهُ مَلَكَاهُ، وَإِنْ صَلَّى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، صَلَّى مَعَهُ صَفٌّ مِنَ المَلَائِكَةِ: أَوَّلُهُ بِالمَشْرِقِ، وَآخِرُهُ بِالمَغْرِبِ".

قال القاضي في حق من كان خارج المدينة ونحوها: فإن قبلته تكون ما بين المشرق والمغرب.
وقيل: إنه أراد به التمثيل، والغزالي استدل لهذا القول بما روي أنه- عليه السلام- قال لأبي سعيد الخدري: "إِنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ البَادِيَةَ وَالغَنَمَ، فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَأَذِّنْ وَارْفَعْ صَوْتَكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ صَوْتَكَ شَجَرٌ، وَلَا مَدَرٌ، [وَلَا حَجَرٌ]، إِلا شَهِدَ لَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ".
وقد نوقش في نسبة هذا القول إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقائله إنما هو أبو سعيد لعبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي [صعصعة]؛ روى البخاري أن أبا سعيد قال لعبد الله: "إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيءٌ، إلا شهد له يوم القيامة، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ورواية الشافعي عن مالك نحو هذا.
وإذا صح إجراء الخلاف في [حق] من لم يبلغه النداء، سواء كانفي الموضع الذي وقع فيه النداء أو خارجاً عنه، وقد صح إجراؤه فيمن بلغه النداء ولم يحضر [ذلك]- جاز لك أن تقول لمن لم يحضر إلى الموضع الذي أذن فيه: هل يستحب له أن يؤذن ويقيم أم لا؟ فيه قولان: الجديد: نعم.
والقديم: لا.

وفيه وجه: إن كان يرجو حضور جماعة أذن، وإلا فلا.
والغزالي جعل الخلاف فيمن بلغه النداء مرتباً على من لم يبلغه، واولى بألا يؤذن؛ اكتفاء بالنداء العام، والحامل له على ذلك: أن الإمام لم يحك في حالة بلوغ النداء الخلاف منصوصاً، وحكاه احتمالين عن صاحب "التقريب"؛ فلذلك حسن الترتيب.
[ويأتي] على هذا في مجموع المسألتين ثلاثة أقوال غير وجه الأصحاب؛ وكذا قاله الإمام، ثم قال: ولا ينبغي أن يختلف القول في المنفرد الذي لم تبلغه دعوة، وهو يرجو حضور جمع.
ثم حيث قلنا: يؤذن فيما إذا لم يبلغه النداء، فهل يرفع [به] صوته؟ قال الإمام: الظاهر أنا نُؤْثِرُهُ له بحديث أبي سعيد الخدري.
ومن أئمتنا من قال: إن كان يرجو حضور جمع؛ رفع صوته، وإن كان لا يرجو، أذن في نفسه.
وحديث أبي سعيد، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس نصّاً في حالة انفراده؛ فإنه- عليه السلام- لم يتعرض لذلك، وليس يبعد عن الحال: أنه كان يقول مع عُصْبة من خدمه وحشمه.
قال: والخلاف جار فيمن سمع النداء، وقصد فعل الصلاة في محله، وأولى بألا يرفع.
قال: ويترتب من المسألة ثلاثة أوجه، قال: ثم حيث نقول: لا يرفع، لا يكره رفع الصوت، ولا ينهى عنه، بل هو أولى قطعاً، وإنما الكلام في الاعتداد بالأذان من غير رفع الصوت.
قال: وهو أفضل من الإمامة، أي: ألشعار الذي تقدم ذكره من الأذان والإقامة أفضل من الإمامة؛ لقوله- تعالى-: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾، [فصلت: 32].

قالت عائشة- رضي الله عنها-: هم المؤذنون.
وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّة، وَاغْفِر للمُؤْذِّنِينَ" والأمانة أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من الإرشاد.
قال بعضهم: ووصف المؤذن بالأمانة؛ للاعتماد عليه في المواقيت والإطلاع على الحريم، والأئمة بالضمان؛ لتحملهم سهو المأموم والقيام والقراءة عن المسبوق.
وقد روى مسلم أنه- عليه السلام- قال: "المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ أَعْنَاقاً يَوْمَ القِيَامَةِ"، وفي معنى طول أعناقهم أقوال: أحدها: أنهم أكثر الناس رجاء؛ لأن الراجي لشيء يتشوف إليه ويمد عنقه، والخائف يخنس.
والثاني: أنهم أكثر الناس أعمالاً، يقال: لفلان عنق من الخير، أي: قطعة؛ قاله ابن الأعرابي.
والثالث: أنهم أقرب إلى الله.
والرابع: أنهم لا يلحقهم العرق؛ فإن العرق يأخذ الناس على قدر أعمالهم.
والخامس: أنهم يكونون رُءوساً في ذلك اليوم، والعرب تصف السادة بطول العنق.
والسادس: أنهم أكثر الناس جماعات، يقال: جاء عنق من الناس، أي: جماعة ومنه قوله- تعالى-: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا ..﴾ الآية [الشعراء: 3] أي: جماعاتهم؛ ولذلك لم يقل: خاضعات.

وعلى هذا ما المراد بالجماعة الكبيرة؟ قيل: الذين يشفعون فيهم، وقيل: المصلون بأذانهم.
وقد روي: "إعناقاً" بالكسر، أي: هم أكثر إسراعاً إلى الجنة؛ قاله البغوي.
وما ذكره الشيخ، قد حكاه القاضي أبو الطيب والمراوزة وجهاً في المسألة، مع وجه آخر: أن الإمامة أفضل [منه]، وقال القاضي أبو الطيب والغزالي: إنه الصحيح وكذا الرافعي، وقال: إنه ذهب إليه صاحب "التقريب" والقفال والشيخ أبو محمد وغيرهم، ورجحه القاضي الروياني- أيضاً- وحكاه عن نص الشافعي- رضي الله عنه- في كتاب "الإمامة"، وعلله بأن الإمامة أشق، والقاضي أبو الطيب، ووجهه بأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين واظبوا عليها، وهو دليل الأفضلية، ولأن الغرض من الأذان الاستحثاث على الجماعة، [والإمامة] عين القيام بعقد الجماعة، والقيام بالشيء أولى من الدعاء إليه، وقول عائشة- رضي الله عنها- في تفسير الآية معارض بقول ابن عباس: إن المراد فيها أنصاره وأصحابه.
وكأنه الصحيح؛ لأن السورة من آخر ما نزل بمكة، والأذان إنما ترتب بالمدينة؛ كما ذكرنا.
وقوله- عليه السلام-: "الأَئِمَّةُ ضُمَنَاءُ" تنبيه على خطر الإمامة، ويشعر بعلو قدرها مع الحث على التوقي من الغرر ولا يقال: إنه عليه السلام- إنما امتنع من الأذان؛ لأنه لو قال: "أشهد أن محمداً رسول الله"، لأوهم أن محمداً غيره، ولو قال: "أشهد أني رسول الله"، لغير نظم الأذان، ولأنه دعاء وإجابته- عليه السلام-

واجبة، وإجابة المؤذن فيما دعا إليه لا تجب؛ فلذلك لم يفعله؛ لأنا نقول قد روى الترمذي بسنده أنه- عليه السلام- أذن، وذلك يمنع هذا.
ولو لم يصح أنه- عليه السلام- أذن، قلنا: لو قال: "أشهد أن محمداً رسول الله" لم يكن قادحاً؛ فإنه كذا كان يقول في التشهد، وإجابته إذا دعا مخصوصة بما إذا لم يقرر أنها سنة، أما إذا فهم منه أن ما دعا إليه غير واجب، فلا نسلم أنها تجب، ولأن العلة لو كانت هذه لأذن أبو بكر وعمر؛ إذ هذا المعنى مُنْتفٍ في حقهما.
والذي صححه في "الروضة" الأولُ، قال: وهو قول أكثر أصحابنا.
وقد نص الشافعي- رضي الله عنه- في "الأم" على كراهة الإمامة، فقال: أحب الأذان؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غَفَرَ اللهُ للْمُؤَذِّنِينَ"، وأكره الإمامة؛ للضمان [وما على الإمام فيها].
قلت: وإلى هذا يميل كلام الإمام، وامتناع النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأذان؛ كان لاشتغالهم بما هو أهم منه؛ ولذلك قال عمر: "لولا الخلافة لكنت مؤذناً"، وكون القيام بالشيء أولى من الدعاء إليه صحيح؛ إذا لم يكن الداعي قد أتى به- أيضاً- أما إذا كان دعا إليه وقام به مع من قام، فهو أولى ممن قام به فقط، والأذان كذلك

[والإمامة التي يسبقها من أذن]، وما أجيبَ به عن السؤال المقدور: وهو القياس على التشهد، فالفرق: أن ذاك لا يقصد إظهاره، بخلاف الأذان والإقامة.
وقد قيل: إن الأذان والإمامة سواء؛ قاله صاحب "الإفصاح".
قلت: وعليه يدل قوله- عليه السلام-: "ثَلَاثَةٌ في كُثْبَانِ المِسْك" الحديث الذي سلف في أول الباب.
وقيل: إن [من] كان يعلم من نفسه القيام بحقوق الإمامة، فهي أفضل في حقه، وإلا فالأذان أفضل في حقه، وقد اختاره صاحب "المرشد"، ويقال: إن هذا قول أبي علي الطبري والمسعودي.
وعلى هذا لو صلح لهما، أمكن أن يقال: يأتي الخلاف [السابق] في حقه، وأمكن أن يقال: الأفضل في حقه الجمع بينهما، وهو ما حكاه في "الروضة" عن أبي علي الطبري، والماوردي، والقاضي أبي الطيب، وصححه، والرافعي حكاه عن ابن سريج واستغربه، وقال: لعله محمول على أن الأفضل في حقه أن يؤم قوماً، ويؤذن لآخرين.
وقيل: إنه لا يستحب الجمع بينهما، وهو ما قاله الروياني في "تلخيصه"؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فعل ذلك.
وعن الشيخ أبي محمد: أنه مكروه؛ لنهي ورد فيه إن صح، وبه قال البغوي والغزالي في "الإحياء"، ولعله محمول على ما إذا كان يؤذن لقوم ويؤم بهم.
وهذا الخلاف كله تفريع على أن الأذان والإقامة، [اللذين يعبر عنهما بالشعار سنة]، وهو ما قال البندنيجي: إنه المذهب.
قال الشيخ: وقيل: وهو- أي: الشعار المذكور من الأذان والإقامة- فرض على الكفاية؛ [كما صرح به في "المهذب" وغيره]؛ لقوله- عليه السلام- لنفر أقاموا عنده عشرين ليلة: "ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ، فَإِذَا

حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثمَّ ليَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ" هذه رواية مسلم، وزاد البخاري: "وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أصلي"، وهذا أمر وظاهره الوجوب.
ولأن ذلك من الشعائر الظاهرة المستمرة في الشريعة، وقد صح أن رد السلام من فروض الكفايات؛ لأنه نم شعائر الإسلام، فما ذكره أولى.
والكفاية تحصل إذا قام به البعض على النحو الذي قلنا: إن السُّنة تتأدى به على القول الأول؛ وحينئذ يسقط الفرض عن الباقين.
قال النواوي في "التحرير لألفاظ التنبيه": وإذا فعلته طائفة أخرى كان فرضاً- أيضاً- وكلام الإمام يأباه؛ كما ستعرفه.
وهذا القول محكي في "التتمة"، و"الشامل"، وغيرهما عن الإصطخري.
وقال الإمام: إن بعض المصنفين في المذهب عكس ذلك، فذكر أن الأصح الذي ذهب إليه جمهور الأئمة: أن ذلك من فروض الكفايات وأن أبا سعيد الإصطخري ذهب إلى أنه سنة، وهذا منه إشارة إلى "الإبانة"؛ فإن لفظها قريب من ذلك، قال: والذي عليه التعويل الأول، ولم يحك الصيدلاني عن الأصحاب غيره، وحكى القول بأنه فرض كفاية، عن بعض أهل العلم.
وعلى القول به قال الشيخ: فإن اتفق أهل بلد على تركه، قاتلهم الإمام- أي: أو من يقوم مقامه- بعد الإنذار؛ لأن هذا شأن فروض الكفايات إذا تركت، وهكذا الحكم فيما إذا امتنع أهل محلة من بلد كبير منه، دون باقي أهل البلد، قاتل الإمام أهل المحلة فقط.
أما إذا قلنا: إنه سنة، فالمذهب أنهم لا يقاتلون، وهذا ما حكاه البندنيجي.
وحكى الماوردي وغيره عن أبي إسحاق: أنهم يقاتلون- أيضاً- بعد الإنذار؛ استدلالاً بما روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- في زمانه- كانوا إذا مروا بناحية، ولم يسمعوا صوت الأذان؛ صابحوا أهلها بالقتال؛ ولأن النفوس تطمئن إلى إقامة الشعار الظاهر إلا إذا أضمروا ردَّ الشريعة واعتقدوا بطلانها.

وما ذكره لا حجة فيه؛ لأن ترك الأذان في ذلك الوقت كان علامة على الكفر؛ إذ كانوا قاطعين بأن قابلي الإسلام، ومصدقي الرسل في علو الدين وصدر الشريعة وصَفْو الملة كانوا لا يتركون الأذان، ولا كذلك في غير ذلك الزمان.
وأيضاً الاستدلال بترك الأذان على إماتة الدين لا وجه له؛ إذ الكلام في قوم اعتقدوا أنه سُنة، وتَنَاجَى به الخواص [منهم] والعوام، وواظبوا على إقامة الصلوات.
ثم كلام أبي إسحاق كالمتناقض؛ إذ المقاتلة قد تفضي إلى القتل، وهو نهاية العقوبات، وكل ما يتعلق بتركة عقوبة، يستحيل [القضاء بكونه سُنة؛ إذ حقيقة السُّنة جواز تركها، وما يجوز تركه يستحيل] أن يَجُرَّ قتلاً.
وقد قيل: إن ذلك سُنة إلا في يوم الجمعة؛ فإنه فرض كفاية، وهذا ما حكاه البندنيجي، والشيخ في "المهذب"، عن أبي سعيد الإصطخري وابن خيران.
والإمام اقتصر على نسبته إلى ابن خيران، وأنه وجهه: بأن الأذان دعاء إلى الجماعات، وإنما تجب الجماعة على الأعيان مع الاختصاص بأوصاف معروفة يوم الجمعة؛ فاختص الأذان الذي هو دعاء إليها بكونه فرضاً على الكفاية.
وعلى هذا فالذي يتعلق به الفرض النداء الذي يحرم البيع عنده، وهو الذي بين يدي الخطيب، كذا حكاه البندنيجي عنهما.
وحكى الإمام عن رواية شيخه وجهاً آخر: أنه يُكتفَى بالأذان الأول الذي ينادي به للجمعة.
فإن قلت: قد نقل أن الإصطخري قال: إنه فرض كفاية مطلقاً أو سُنة مطلقاً، فكيف يحسن نسبة هذا القول إليه؟! قلت: بطريق الجمع بين النقلين: ما قاله الماوردي من أن الإصطخري قال: إنه فرض كفاية مطلقاً، وأنه ادعى أنه في الجمعة ثابت بالإجماع؛ فظن من وقف على آخر كلامه دون أوله أن ذلك مذهبه [لا غير] فنسبه إليه.
والله أعلم.

تنبيه: قول الشيخ: "وقيل: هو فرض على الكفاية"، بعد قوله: "الأذان والإقامة سُنة في الصلوات المكتوبة" يفهم: أنه فرض كفاية في الصلوات المكتوبة، وهو ما يفهمه كلام البندنيجي- أيضاً- وهو ظاهر في الفقه؛ إذ الظاهر أن القائل بأنه فرض كفاية على الإطلاق، ولا يخصه بيوم الجمعة- هو القائل: بأن صلاة الجماعة فرض كفاية؛ إذ الأذان والإقامة وسيلة إليها.
والجماعة على هذا القول فرض كفاية في الصلوات المكتوبة، وهي الخمس، وحكم الوسائل في الغالب حكم المتوَسَّل إليه.
وقد حكى الإمام عن الفوراني أنه لم يَرَ هذا المذهب معزيّاً إلى [الأصحاب]، وإنما هو مذهب عطاء.
نعم، الواجب على هذا القول الإتيان به في اليوم والليلة مرة واحدة.
قال الإمام: على الصحيح.
ولم أر هذه اللفظة في "الإبانة".
قال: والأذان تسع عشرة كلمة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله- يخفض صوته بالشهادتين- ثم يرجع فيمد صوته فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله؛ لما روي عن أبي محذورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [قال له: "قُمْ فَأَذِّنْ بالصَّلاَةِ" فألقى على رسول الله صلى الله عليه وسلم] التأذين هو نفسه، فقال: "قُلِ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، [ثُمَّ قَالَ: ارْجِعْ فَامْدُدْ مِنْ صَوْتِكَ، ثُمَّ قُلْ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ]، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاح، حَيَّ عَلَى الفَلاح، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلا اللهُ" أخرجه النسائي.

ورواية أبي دَاودَ أمسُّ بالمدَّعَى؛ فإنه رَوَى عن أبي محذورة قال: قلت: يا رسول الله، علمني سنة الأذان، قال: فمسح مقدّم رأسه، قال: "تَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ،- تَرْفَعُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَقُولُ-: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَكَ بالشَّهَادَةِ- أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاح، حَيَّ عَلَى الفَلاح- فَإِنْ كَانَتْ صَلَاةَ الصُّبْح قُلْتَ: الصَّلاةِ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلاةِ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ- اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلا اللهُ".
لكن هذا يرويه الحارث بن عبيد عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه عن جده، قال عبد الحق: لا يحتج بهذا الإسناد؛ فلذلك بدأنا بالأول، وبه بدأ أصحابنا أيضاً، وقالوا: إن الشافعي- رضي الله عنه- رواه عن مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة، وكان يتيماً في حجر أبي محذورة، وإن الشافعي قال: وأدركت إبراهيم بن عبد العزيز المذكور يؤذن كذلك.
وما ذكره الشيخ من أن الأذان تسع عشرة كلمة هو ما قاله كافة الأصحاب، وهو يقتضي أن الإتيان بالشهادتين- وهما: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، وأشهد أن محمداً رسول الله مرتين، مع خفض الصوت-[ركن في الأذان، كالإتيان بهما مع رفع الصوت] وبقية ألفاظ الأذان؛ فلا يعتد بالأذان بدونهما، وهو وجه حكاه المراوزة، والروياني، وقال: إنه ليس بشيء، وقال الإمام: لعل الأصح والأظهر أنه لا يبطل بترك ذلك، وأنه ليس بركن، وأكثر العراقيين لم يتعرضوا للكلام في ذلك، لكن البندنيجي قال في "تعليقه"- بعد قوله: إن الأذان تسع عشرة كلمة-: إن الشافعي قال في "الأم": فمن نقص منه شيئاً، أو قَدَّم مؤخَّراً، أعاد حتى يأتي بما نقص وكل شيء منه في موضعه.
وهذا عين ما قلنا: إن كلام الشيخ يقتضيه.

وقد حكاه القاضي الحسين عن رواية البيهقي عن الشافعي، وقال: إنه مشكل؛ لأنه أتى بأصل الأذان؛ فوجب أن يصح كما لو ترك التكبيرات السبع والخمس في صلاة العيدين.
وجوابه: أن الدليل قام ثَمَّ على أن التكبيرات سنة، ولا كذلك ها هنا.
فإن قيل: خبر عبد الله بن زيد- الذي هو الأصل في مشروعية الأذان- لم يذكر فيه ذلك؛ بل اقتصر فيه على الإتيان بالشهادتين مرتين من غير ترجيع، وبه كان يؤذن بلال في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلنا: العمل برواية أبي محذورة أولى؛ لأنه متأخر، وتشتمل على زيادة، والنبي صلى الله عليه وسلم لقَّنه إياه، وعليه أجمع أهل الحرمين.
وروي [عن] سعدِ القَرَظِ أنه كان يؤذن، ويقول: هذا أذان بلال الذي كان يؤذن به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويؤيده- أيضاً- ما روي أنه- عليه السلام- قال: "الأَذَانُ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً" [ولا يكون ذلك عدده إلا مع الترجيع، وبه يقع الجواب- إن صح- عما تمسك به مالك من أنه سبع عشرة كلمة،] وهو ما رواه مسلم عن أبي محذورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه هذا الأذان: "الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله.
ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة- مرتين- حي على الفلاح- مرتين- الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله".
انتهى.
وإن لم يصح فحجتنا عليه: أن الرواية التي تمسكنا بها قد اشتملت على زيادة، والعمل بها أولى، والله أعلم.
وقد نوقش الشيخ في قوله: "ثم يرجع، فيمد صوته"، وقيل: [كان] الأولى أن

يقول: "فيرفع صوته"؛ فإن المراد رفع الصوت، ولا يلزم من المدِّ الرفعُ.
وأجاب المناقش بأنه سمع من العرب: مد صوته، بمعنى: رفعه.
وأنا أقول: إنما قال الشيخ ذلك؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه قال كذلك؛ كما ذكرناه في رواية النسائي.
"ويَرْجِع"- بفتح الياء وإسكان الراء-: أي: يعود إلى رفع الصوت، وقد يصحفه بعض الناس، فيقول: "يُرَجِّع" بضم الياء وتشديد الجيم، وهو خطأ؛ لأن الترجيع: الإتيان بالشهادتين سرّاً، وقد انقضى ذلك، وإنما المراد ما ذكرناه؛ [كذا] قاله النووي.
وكلام الإمام يقتضي أن الترجيع: مجموع الإتيان بالشهادتين مع الخفض والرفع، وعليه جرى الرافعي.
والمراد بالخفض عند الشيخ أبي محمد والقاضي الحسين: أن يكون بحيث يسمع من بالقرب منه أو أهل المسجد إن كان واقفاً عليهم، وكان المسجد مقتصد الخِطَّة.
قال الإمام: ويحتمل أن يكون المرجع فيه إلى مثل القراءة في الصلاة السرِّية، والأول أشبه؛ لأن الذي يؤذن في نفسه

-[كما تقدم]-

لا يقتصر على إسماع نفسه، وقد حكى الروياني في "تلخيصه" الأول عن نص الشافعي، رحمه الله.
فرع: إذا لم يرجع في أذانه، وقلنا: يعتد به، فهل يثني على إقامته؟ حكى العمراني في "زوائده" فيه وجهين: أحدهما: يثنيها؛ لأنه إنما لم يثن فيها؛ اكتفاء بتثنية الأذان.
والثاني: [لا]؛ لأن فيه تركاً لسنتها مع ترك سنة الأذان، وترك سنة أولى من ترك سنتين.
قال: وإن كان في أذان الصبح، قال بعد الحيعلة: الصلاة خير من النوم، مرتين؛ لما تقدم من الخبر، وقد صح أن بلالاً كان يفعله.

قيل: وكان السبب فيه ما روى [ابن] عمر أن بلالاً أذن للصبح ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُؤْذِنَهُ، فقيل: إنه نائم، فقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، الصلاة خير من النوم- مرتين- ثم دخل فحرك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي- عليه السلام-: "اجْعَلْهُ في تَاذِينِكَ، إذَا أَذَّنْتَ لِلصُّبْحِ فَقُلِ: الصَّلاةِ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلاةِ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ" كذا ذكره الروياني في "تلخيصه"، وما ذكره الشيخ هو ما نص عليه الشافعي- رضي الله عنه- في القديم، واستدل له بفعل بلال؛ كما أفهمه كلام الإمام.
وحكى الروياني أنه نص عليه في "الإملاء" أيضاً.
وقال أبو الطيب: إن البويطي نقله.
ونقل الكافة أنه كرهه في الجديد؛ لأن أبا محذورة لم يَحْكِهِ، واختلف الأصحاب بعد ذلك على طريقين: فمنهم من قال: فيه قولان، قال الإمام: وهي الطريقة المشهورة، وغيره حكاها عن أبي إسحاق المروزي، وأنه صحح القديم، وكذا المزني؛ لأن الزيادة في الإخبار أولى.
قال الإمام: قال الأئمة: كل مسألة فيها قولان أحدهما جديد، فهو أصح من القديم، إلا في ثلاث مسائل، هذه إحداها.
والطريقة الثانية: القطع بالقول القديم، وهي التي حكاها في "المهذب" عن الأصحاب، والصيدلاني عن المحققين، واختاره الشيخ أبو حامد؛ لأنه قيل: إن

الشافعي علق القول فيه على صحة خبر أبي محذورة، وقد صح بطرق أنه كان يُثَوِّبُ.
وروى الدارقطني عن أنس قال: "من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر: حيَّ على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم"، والسنة إذا أطلقت حملت على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: "الصلاة خير من النوم" هو التثويب، سمي بذلك من قولهم: ثاب فلان إلى كذا، أي: رجع؛ فإنه لما قال: "حي على الصلاة" دعا إليها، وانتقل عن الدعاء إليها بقوله: "حي على الفلاح"، فإذا قال: "الصلاة خير من النوم" عاد إلى الدعاء إلى الصلاة، فسمي: تثويباً.
وقد اعترض ابن المنذر على الأصحاب في تعليلهم كراهية الشافعي التثويب في الجديد، بأن أبا محذورة لم يَحْكِهِ، وأن الشافعي حكى ذلك في الكتاب العراقي عن سعد القرظ عن أبي محذورة، ولعل الشافعي نسيه بمصر؛ كذا قاله الروياني عنه.
وأبو الطيب حكي عنه أنه قال: الشافعي في العراق روى حديث التثويب عن علي وعن بلال، ولعله [نسيه] بمصر؛ وعلى هذا لا تعارض بين ذلك وبين قول الأصحاب.
ثم إذا قلنا [بأنه] يثوب فهو سنة لا ركن فيه باتفاق الأصحاب، حتى إذا لم يأت به اعتدَّ به، فقال الغزالي: فيه احتمال، وهو للإمام؛ من جهة أنه يضاهي كلمات الأذان في شرع رفع الصوت به؛ فكان أولى بالخلاف من الترجيع.
[تنبيه:] "الله أكبر" معناه: أكبر ممن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله ووحدانيته وصَمَدِيَّته.
وقيل: معناه: الكبير.
وقيل: معناه: الأكبر.

و"أشهد" معناه: أعلم.
و"الرسول": هو الذي يبلغ خبر من أرسله وبايعه، من قولهم: جاءت الإبل رَسَلاً، أي: متتابعة.
ومعنى "حي على الصلاة": تعالَوْا إليها.
و"حي على الفلاح" معناه: هلموا إلى الفلاح، وهو الفوز، وقيل: البقاء الدائم.
و"الحيعلة": حكاية قول المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح، كما يقال: البسملة، والحمدلة، والسَّبْحَلة.
قال: والإقامة إحدى عشرة كلمة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله؛ لما ذكرناه من خبر عبد الله ابن زيد، وهو نص فيما ذكرناه.
وقد روى البخاري ومسلم عن أبي قلابة عن أنس قال: "أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة"، وفي رواية: "إلا الإقامة"، وقوله: "أمر بلال" يريد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك، يدل عليه أن النسائي أخرجه في سننه مبيَّناً من حديث أبي قلابة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة.
قال الشيخ زكي الدين: ورجال إسناده [ثقات].
ومعنى "قد قامت الصلاة": دنت.
والحكمة في تثنية الإقامة: أن ذلك نفس المقصود بها؛ فأكد؛ ولأن ما سواها من الألفاظ قد أعطي حقه من التثنية في الأذان.
فإن قيل: قد روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فإذا سمعنا بالإقامة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة، وأنتم تثنُّون بعض

ألفاظها- وهو: الله أكبر- في صدرها، وفي آخرها.
قيل: الإفراد في الإقامة على مقابلة تثنية الأذان في الخبر، وذلك يقتضي التشطير لا محالة، ولما تقرر في عرف الشرع ذلك كان التكبير مرتين في حكم اللفظ المفرد؛ إذ من المعلوم أن يؤتى به في صدر الأذان أربع مرات، وقد شهد الخبر أن الأذان مرتين مرتين، وذلك يدل على ما ذكرناه.
[قلت: وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه يلزم منه أن يكون قوله: الله أكبر، الله أكبر، بعد الحيعلتين في الأذان في حكم الإفراد؛ وذلك يخرج الأذان عن أني كون مرتين مرتين.
فإن قيل: المراد أن يكون معظم ألفاظ الأذان مرتين مرتين؛ بدليل ان قوله: لا إله إلا الله- في آخر الأذان- كلمة واحدة.
قلت]: إذن معظمه مثنى وإن لم يقدر "الله أكبر الله أكبر" في حكم كلمة واحدة، ولا يرد على ذلك الترجيع؛ لأنا نقول ليس هو ركناً في الأذان، وإن قلنا: ركن، لكنه يعود إلى الكلمة بعد الانتقال عنها إلى غيرها، فكان كلفظ "الله أكبر" بعد الحيعلة؛ فلا حاجة مع ذلك إلى جعل قوله: الله أكبر- مرتين، في صدر الأذان- في حكم اللفظ المفرد، والله أعلم.
وما ذكره الشيخ هو الجديد، ووراءه أقوال عزيت إلى القديم: أحدها- حكاه القاضي أبو الطيب عن رواية [القاضي] أبي حامد-: أنها عشر كلمات: ما ذكره الشيخ، غير أنه لا يكرر لفظ الإقامة، وقد حكاه الماوردي أيضاً، وقال: إنه مذهب مالك.
والثاني- حكاه الإمام-: أنها تسع كلمات: ما ذكرناه قبله، غير أنه لا يكرر لفظ: "الله أكبر" في آخرها؛ ليكون قد رد الإقامة إلى شطر الأذان.
والثالث- حكاه القاضي الحسين والمتولي والإمام أيضاً-: أنهما ثماني كلمات: ما ذكرناه آخراً، غير أنه لا يكرر لفظ "الله أكبر" في صدرها، وهذا هو المشهور عن

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل